مقتل ابن أبي الحُقَيْق:
وهو سلّام بْن أبي الحُقَيْق؛ وقيل: عَبْد الله بْن أَبِي الحُقَيْق اليهودي، لعنه الله.
قَالَ البكّائي، عَنِ ابن إِسْحَاق: ولما انقضى شأن الخندق وأمرُ بني قُرَيْظة، وكان سلّام بْن أَبِي الحُقَيْق أَبُو رافع فيمن حزَّب الأحزاب عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ . وكانت الأوس قبل أحد قتلت كعب بن الأشرف. فاستأذنت الخزرجُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قتل ابن أبي الحُقَيْق وهو بخيبر، فأَذِن لهم.
وحدّثني الزُّهري، عَنْ عَبْد الله بْن كعب بْن مالك قَالَ: كَانَ مما صنع الله لرسوله ﷺ أنّ هذين الحيَّيْن من الأنصار كانا يتصاولان مَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئًا فيه غناء عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلا قَالَتْ الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلًا علينا عِنْدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ وفي الْإِسْلَام. فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلَها. وإذا فعلت الخزرج شيئًا قَالَتْ الأوس مثل ذَلِكَ.
ولما أصابت الأوس كعبَ بْن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ ، قَالَتْ الخزرج: والله لا تذهبون بهذه فضلًا علينا. فتذاكروا من رَجُل لرَسُول اللَّهِ ﷺ كابن الأشرف، فذكروا ابن أَبِي الحُقَيْق وهو بخيبر. فاستأذنوا رَسُول اللَّهِ ﷺ ، فأذن لهم. فخرج إِلَيْهِ من الخزرج خمسة من بني سَلَمَةَ: عَبْد الله بْن عَتيك، ومسعود بْن سنان، وعبد الله بْن أنيس، وأبو قَتَادة بْن ربعي، وآخر هُوَ أسود بْن خُزَاعيّ، حليف لهم. فأمر عليهم ابن عَتيك، فخرجوا حتى قدِموا خيبر، فأتوا دار ابن أَبِي الحُقَيْق ليلًا، فلم يَدعوا بيتًا فِي الدار إلّا أغلقوه عَلَى أهله، ثُمَّ قاموا عَلَى بابه فاستأذنوا، فخرجت إليهم امرأته فقالت: من أنتم؟ قالوا: نلتمس الميرة. قالت: ذاك صاحبكم، فادخلوا عَلَيْهِ.
قَالَ: فلما دخلنا عَلَيْهِ أغلقنا علينا وعليها الحُجْرة تخوُّفًا أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه.
стр. 634
قَالَ: فصاحت امرأته فنَّوَهت بنا، وابتدرناه وهو عَلَى فراشه، والله ما يدلّنا عَلَيْهِ فِي سواد البيت إلّا بياضه، كأنّه قِبْطِيّة١ مُلْقاه. فلما صاحت علينا جعل الرجل منّا يرفع سيفه عليها ثُمَّ يذكر نَهْيَ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنْ قتل النساء، فيكف يده, فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عَلَيْهِ عَبْد الله بن أنيس فِي بطنه حتى أنفذه، وهو يَقْولُ: قطني قطني، أي حسبي. قَالَ: وخرجنا، وكان ابن عتيك سيئ البصر فوقع من الدرجة، فوثِئَتْ يدُه وَثْئًا شديدًا وحملناه حتى نأتي مَنْهَرًا من عيونهم فندخل فِيهِ. فأوقدوا النّيران واشتدّوا فِي كلّ وجه يطلبوننا، حتى إذا يئسوا رجعوا إلى صاحبهم فاكتنفوه. فقلنا: كيف لنا بأن نعلم أنّه هلك؟ فقال رَجُل منّا: أَنَا أذهب فأنظر لكم.
فانطلق حتى دخل فِي النّاس. قَالَ: فوجدتُها وفي يدها المصباح وحوله رجال وهي تنظر فِي وجهه وتحدّثهم وتقول: أما والله لقد سَمِعْتُ صوت ابن عَتيك ثُمَّ أكذبت نفسي فقلت: أنّي ابن عَتيك بهذه البلاد؟ ثُمَّ أقبَلَتْ عَلَيْهِ تنظر فِي وجهه، ثُمَّ قَالَتْ: فاظ، وإله يهود. فما سَمِعْتُ من كلمة كانت ألذّ إليّ منها. قَالَ: ثُمَّ جاء فأخبرنا بالخبر، فاحتملنا صاحبَنا فقدِمْنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فأخبرناه واختلفنا فِي قتله، فكلّنا يدّعيه. فقال: "هاتوا أسيافكم". فجئناه بِهَا، فقال لسيف عَبْد الله بْن أنيس: "هذا قَتَلَه، أرى فِيهِ أثر الطّعام والشراب" ٢.
وَقَالَ زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَهْطًا مِنَ الْأَنْصَارِ إِلَى أَبِي رَافِعٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ بَيْتَهُ لَيْلًا فَقَتَلَهُ وَهُوَ نَائِمٌ. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَقَالَ إِسْرَائِيلُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أبي رَافِعٍ رِجَالا مِنَ الأَنْصَارِ، عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ يَعْنِيَ ابْنَ عَتِيكٍ. وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَيُعِينُ عَلَيْهِ. وَكَانَ فِي حِصْنٍ لَهُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ. فَلَمَّا دَنَوْا وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لأَصْحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ فَإِنِّي مُنْطَلِقٌ فَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَدْخُلُ. فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَتَهُ. وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ تريد أن تدخل فادخل لأغلق.
غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسع، سرية نجد:
غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع:
قَالَ ابن إِسْحَاق: غزا رَسُول اللَّهِ ﷺ بني المُصْطَلِق من خُزَاعة، فِي شعبان سنة ستّ. كذا قَالَ ابن إِسْحَاق. وقال ابن شهاب وعُرْوَة: هِيَ فِي شعبان سنة خمسٍ. وكذلك يُرْوَى عَنْ قَتَادة.
وقاله أيضًا الواقدي، فقال: خَرَجَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأثنين لليلتين خَلَتا من شعبان سنة خمسٍ، وقدم المدينة لهلال رمضان.
قلت: وفيها حديث الإِفك، وقد تقدّم ذَلِكَ فِي سنة خمس. وهو الصّحيح.
سرية نَجْد:
قِيلَ إنّها كانت فِي المحرَّم سنة ستٍ، قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ الْمَقْبُرِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَيْلًا قِبَل نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حُنَيْفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِيَ الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ"؟ قَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّدُ خَيْرٌ، إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ
стр. 640
ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وإن كنت تريد المال فسل تعط منه مَا شِئْتَ. فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى كَانَ مِنَ الْغَدِ، فَقَالَ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ"؟ قَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتَ لَكَ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تريد المال فسل تعط منه ما شئت.
فَقَالَ: "أَطْلِقُوهُ". فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ, فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ مَا كَانَ على وجه الأرض أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، وَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ, وَاللَّهِ مَا كَانَ دِينٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ, وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ. فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: صَبَوْتَ١ يَا ثُمَامَةُ. قَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ، فَوَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةٌ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٢.
وَأَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ، بِهِ.
وخالفهما مُحَمَّد بْن إِسْحَاق، فيما روى يونس بْن بُكَيْر عَنْهُ: حَدَّثَنِي سَعِيد المَقْبُري، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ إسلام ثمامة بْن أُثال أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ دعا الله حين عرض لرَسُول اللَّهِ ﷺ بما عرض لَهُ وهو مشرك، فأراد قتله، فأقبل معتمِرًا حتى دخل المدينة، فتحيّر فيها حتى أخذ، فأُتي به رَسُول الله ﷺ ، فأمر بِهِ فربط إلى عمودٍ من عُمُد المسجد. وفيه: وإنْ تسأل مالًا تُعْطه.
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فجعلنا نَحْنُ المساكين نقول: ما نصنع بدم ثُمامة؟ والله لأَكْلَهُ من جَزورٍ سمينةٍ من فدائه أحبّ إلينا من دمه.
قلت: وهذا يدلّ عَلَى أنّ إسلام ثمامة كَانَ بعد إسلام أَبِي هُرَيْرَةَ، وهو فِي سنة سبع. فذكر الحديث، وفيه: فانصرف من مكة إلى اليمامة، ومنع الحمل إلى مكة حتى جهِدَتْ قُريش، فكتبوا إلى رَسُول اللَّهِ يسألونه بأرحامهم أن يكتب إلى ثُمامة يخلي لهم حَمْل الطعام. وكانت اليَمامةُ ريفَ مكة. قَالَ: فأذِن النَّبِيّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ٣.
وفيها: كَانَ من السّرايا، عَلَى ما زعم الواقدي:
стр. 641
سرية عكاشة بن محصن إلى الغمر، أبي عبيدة إلى ذي القصة، محمد بن مسلمة إلى ذي القصة، زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم، زيد بن حارثة إلى الطرف:
سرية عُكّاشة بْن مِحْصَن إلى الغَمْر:
قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ربيع الأول أو الآخر عُكّاشة بْن مِحْصَن فِي أربعين رجلًا إلى الغَمْر١. وفيهم ثابت بْن أقرم وشجاع بْن وهب. فأسرعوا، ونذر بهم القوم وهربوا. فنزل عُكَّاشة عَلَى مياههم وبعث الطلائع فأصابوا من دَلَّهم عَلَى بعض ماشيتهم، فوجدوا مائتي بعيرٍ، فساقوها إلى المدينة.
سرية أَبِي عبيدة إلى ذي القَصَّة:
قَالَ: وفيها بَعَثَ سَرِيَّةَ أبي عبيدة إلى ذي القَصَّة، فِي أربعين رجلًا، فساروا ليلهم مشاةً ووافوا ذا القصة مع عماية الصُّبح. فأغار عليهم وأعجزهم هربًا فِي الجبال. وأصابوا رجلًا فأسلم.
سَرِيَّةُ مُحَمَّد بْن مَسْلَمَة إلى ذي القَصَّة:
وبعث رَسُول اللَّهِ ﷺ محمدَ بْن مسلمة فِي عشرة، فكمن القومُ لهم حتى نام هُوَ وأصحابه، فما شعروا إلا بالقوم. فقتل أصحابُ مُحَمَّد، وأفلت هُوَ جريحًا.
سَرِيَّةُ زيدِ بْن حارثة إلى بني سُلَيْم بالجَمُوم:
قَالَ: وفيها كانت سرية زيد بن حارثة إلى بني سليم بالجموم٢. فأصاب امرأة من مزينة، يقال لها: حليمة، فدلتهم على مكان فأصابوا مواشي وأسراء منهم زوجها. فوهبها النبي ﷺ نفسَها وَزَوْجَها.
سَرِيَّةُ زيد بْن حارثة إلى الطَّرف:
وفيها سَرِيَّةُ زيدِ بْن حارثة إلى الطَّرف٣؛ إلى بني ثعلبة فِي خمسة عشر رجلا. فهربت الأعراب وخافوا، فأصاب من نَعَمِهم عشرين بعيرًا. وغاب أربع ليال.
стр. 642
سرية زيد بن حارثة إلى العيص، زيد بن حارثة إلى حسمي، زيد إلى وادي القرى، عليّ بْن أَبِي طَالِب إلى بني سعد بن بكربفدك، عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف إلى دُومة الجَنْدَل:
سرية زيد بْن حارثة إلى العِيص:
وفيها كانت سرية زيد بْن حارثة إلى العيص١؛ فِي جُمَادى الأول؛ وأُخِذَت الأموال التي كانت مَعَ أَبِي العاص، فاستجار بزينب بِنْت رَسُول اللَّهِ ﷺ فأجارته.
سَرِيَّةُ زيدِ بْن حارثة إلى حِسْمَى:
وحدثني موسى بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أقبل دِحْية الكلبي من عند قَيْصر، قد أجازه بمال. فأقبل حتى كَانَ بحِسْمى٢، فلقيَه ناسٌ من جُذام، فقطعوا عَلَيْهِ الطريق وسلبوه. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أن يدخل بيته فأخبره. فبعث زيدَ بْن حارثة إلى حِسْمى؛ وهي وراء وادي القُرَى وكانت فِي جُمَادى الآخِرَة.
سَرِيَّةُ زيد إلى وادي القُرَى:
ثُمَّ سَرِيَّةُ زيدٍ إلى وادي القُرَى٣ فِي رجب.
سَرِيَّةُ عليّ بْن أَبِي طَالِب إلى بني سعد بْن بَكْر بَفَدَكَ ٤:
ثُمَّ قَالَ: وَحَدَّثَنِي عبدَ اللَّهِ بْن جَعْفَر، عَنْ يعقوب بن عُتْبَة قَالَ: خرج عليّ ﵁ فِي مائةٍ إلى فَدَك إلى حيِّ من بني سعد بْن بَكْر. ذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ بلغه عَنْهُمْ أنّ لهم جَمْعًا يريدون أن يمدُّوا يهودَ خيبر. فسار إليهم اللّيل وكَمَنَ النّهار، وأصاب عيْنًا فأقرّ لَهُ أنّه بعث إلى خيبر يعرض عليهم نصرهم عَلَى أن يجعلوا لهم تمر خيبر.
قَالَ الواقدي: وذلك فِي شعبان.
سَرِيَّةُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف إلى دُومة الجَنْدَل:
قَالَ الواقدي: وفيها سَرِيَّةُ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف إلى دُومة الجَنْدَل٥ فِي شعبان.
فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "إنْ أطاعوا فتزوّج ابنةَ ملكِهم". فأسلم القوم، وتزوّج عبدُ الرَّحْمَن تماضر بِنْت الأصبغ؛ والدة أَبِي سَلَمَةَ، وكان أبوها ملكهم.
стр. 643
سرية كرز بن جابر الفهري إلى العرنيين:
وفي شوّال كانت سَرِيَّةُ كُرْز بْن جَابِر الفِهْرِيّ إلى العُرَنِيّين الذين قتلوا راعي رَسُول اللَّهِ ﷺ واستاقوا الإِبل. فبعثه فِي عشرين فارسًا وراءهم.
وَقَالَ ابُن أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أنس: أن رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا: إِنَّا أُنَاسٌ مِنْ أَهْلِ ضَرْعٍ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، فَاسْتَوْخَمْنَا الْمَدِينَةَ١. فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَوْدٍ٢ وَرَاعٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا. فَانْطَلَقُوا حَتَّى إِذَا كَانُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ قَتَلُوا راعي رسول الله ﷺ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ، وَكَفُروا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ. فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ فِي طَلَبِهِمْ، فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْديَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ٣، وَتَرَكَهُمْ فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا وَهُمْ كَذَلِكَ.
قَالَ قَتَادَةُ: فَذَكَرَ لَنَا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] الْآيَةَ. قَالَ قَتَادَةُ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحُثُّ فِي خُطْبَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُثْلَةِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ٤.
وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: مِنْ عُكْلٍ، أَوْ عُرَيْنَةَ٥.
رَوَاهُ شُعبة، وَهَمَّام، وغيرهما، عَنْ قَتَادة فقال: من عُرَيْنَة؛ من غير شَكّ.
وكذلك قَالَ حُمَيْد، وثابت، وعبد العزيز بْن صُهَيْب، عَنْ أنس.
وقال زُهير: سِمَاك بْن حرب، عَنْ معاوية بْن قُرَّةَ، عن أنس: إن نفرًا من عرينة أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فبايعوه، وقد وقع في المدينة الموم -وهو البرسام- فقالوا: هذا الوجع قد وقع يَا رَسُولَ اللَّهِ، فلو أذِنْتَ لنا فرُحنا إلى الإِبل. قَالَ: "فاخرجوا وكونوا فيها". فخرجوا، فقتلوا أحد الراعيين وذهبوا بالإبل. وجاء الآخر وقد جرح، قال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإِبل. وعنده شُبَّان من الأنصار قريب من عشرين، فأرسلهم إليهم وبعث معهم قائفًا يقتصّ أثرهم. فأتى بهم فقطع أيديهم وأرجلهم وَسَمَرَ أعينهم. أَخْرَجَهُ مُسْلِم.
وقال أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قدم رَهْط من عُكْلَ فأسلموا فاجْتَوَوا المدينة، فذكره، وفيه: فلم ترتفع الشمس حتى أُتي بهم، فأمر بمسامير فأُحميت لهم، فكواهم وقطع أيديهم وأرجلهم، ولم يحسمهم وألقاهم فِي الْحَرَّةِ يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا. أخرجه البخاري.
стр. 644
إسلام أبي العاص:
أسلم أَبُو الْعَاصِ بْن الرَّبِيعِ بْن عَبْد العُزَّى بْن عَبْد شَمْسِ بْن عَبْد مَناف بْن قُصَيّ العَبْشَمي، خَتَنِ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى ابنته زينب، أمّ أُمامة، فِي وسط سنة ستٍ. واسمه لقيط، قاله ابن مَعِين والفلّاس. وقال ابن سعد: اسمه مِقْسَم وأمّه هالة بِنْت خُوَيْلِد خالة زوجته، فهما أبناء خالة. تزوّج بِهَا قبل المبعث، فولدت لَهُ عليًّا فمات طفلًا، وأُمامة التي صلّى النَّبِيّ ﷺ وهو حاملها وهي التي تزوّجها عليّ بعد موت خالتها فاطمة ﵂ وكان أَبُو العاص يُدْعَى جَرْوٌ البطْحاء، وأُسر يوم بدر، وكانت زينب بمكة.
قَالَ يَحْيَى بْنُ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزبير، عن أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: فَبَعَثَتْ فِي فِدَائِهِ بِمَالٍ مِنْهُ قِلَادَةٌ لَهَا كَانَتْ خَدِيجَةُ أَدْخَلَتْهَا بِهَا. فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقِلَادَةَ رَقَّ لَهَا وَقَالَ: "إِنْ رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها الَّذِي لَهَا فَافْعَلُوا". فَفَعَلُوا. فَأَخَذَ عَلَيْهِ عَهْدًا أَنْ يُخَلِّيَ زَيْنَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرًّا١.
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار، فقال: كونا ببطن يأجج٢ حتى تمر بكما زينب. وذلك بعد بدر بشهر. قال: وكان
стр. 645
أبو العاص من رجال قريش المعدودين مالا وأمانة وتجارة, وكان الإسلام قَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ زَيْنَبَ، إِلا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لا يَقْدِرُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا.
قَالَ يونس، عَنِ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْر بْن حزم قَالَ: خرج أَبُو العاص تاجرًا إلى الشام، وكان رجلًا مأمونًا, فكانت معه بضائع لقريش, فأقبل فلقيته سريةٌ للنّبيّ ﷺ ، فاستاقوا عِيرَه وهرب, وقدِموا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بما أصابوا فقسمه بينهم, وأتى أَبُو العاص حتى دخل عَلَى زينب فاستجار بِهَا، وسألها أن تطلب لَهُ من رَسُول اللَّهِ ﷺ ردّ ماله عَلَيْهِ, فَدَعَا رَسُول اللَّهِ ﷺ السَّريَّة فقال لهم: "إنّ هذا الرجل منا حيث قد علمتم, وقد أصبتم لَهُ مالًا ولغيره ممن كَانَ معه، وهو فَيْءٌ، فإنْ رأيتم أن تردّوا عَلَيْهِ فافعلوا، وإنْ كرهتم فأنتم وحقّكم". قَالُوا: بل نردّه عَلَيْهِ. فردُّوا والله عَلَيْهِ ما أصابوا، حتى إنّ الرجل ليأتي بالشّنَّة، والرجل بالإِداوة وبالجبل, ثُمَّ خرج حتى قدِم مكة، فأدّى إلى النّاس بضائعهم, حتى إذا فرغ قَالَ: يا معشر قريش، هَلْ بقي لأحدٍ منكم معي مال؟ قَالُوا: لا فجزاك الله خيرًا. فَقَالَ أما والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدِم عليكم إلّا تخوُّفًا أن تظنُّوا أَنّي إنّما أسلمت لأذهب بأموالكم, فإنّي أشهد أَنْ لَا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عبده ورسوله.
وأما موسى بْن عُقْبة فذكر أنّ أموال أَبِي العاص إنّما أخذها أَبُو بَصير فِي الهدنة بعد هذا التاريخ.
وقال ابن نُمَيْر، عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد، عَنِ الشَّعبيّ، قَالَ قدِم أَبُو العاص من الشّام ومعه أموال المشركين, وقد أسلمت امرأته زينب وهاجَرَت. فقيل لَهُ: هَلْ لك أن تُسْلم وتأخذ هذه الأموال التي معك؟ فقال: بئس ما أبدأ بِهِ إسلامي أن أخون أمانتي. وكفلت عَنْهُ امرأته أن يرجع فيؤديّ إلى كلّ ذي حقٍ حقَّه؛ فيرجع ويُسْلم, ففعل, وما فرَّق بينهما، يعني النَّبِيّ ﷺ .
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ جُبَيْرٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْسَلَ إِلَيْهَا زَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ أَنْ خُذِي لِي أَمَانًا مِنْ أَبِيكِ. فَأَطْلَعَتْ رَأْسَهَا مِنْ بَابِ حُجْرَتِهَا، وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الصُّبْحِ، فَقَالَتْ: أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَإِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ. فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّلاةِ قَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي لا علم لي بِهَذَا حَتَّى سَمِعْتُمُوهُ، أَلا وَإِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الناس أدناهم".
وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن الْمِسْوَرِ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ، يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدِيثَ صَاحِبِهِ، قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةِ مِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ, حَتَّى إِذَا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ, وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرْيَشٍ, وَسَارَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ١ الْأَشْطَاطِ قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ أَتَاهُ عَيْنُه الْخُزَاعِيُّ فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ قَدْ جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَشِيرُوا عَلَيَّ, أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ إِلَى ذَرَارِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ, فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوتُورِينَ وَإِنْ لَجُّوا تَكُنْ عُنُقًا ٢ قَطَعَهَا اللَّهُ؟ أَمْ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ"؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ وَلَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتَ قَاتَلْنَاهُ. قَالَ: فَرُوحُوا إذًا٣.
قال الزهري في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "إن خَالِد بْن الوليد بالغميم ٤ فِي خيلٍ لقُرَيْش طليعةً٥ فخُذوا ذات اليمين". فَوَالله ما شعر بهم خَالِد حتى إذا هُمْ بقترة الجيش، فانطلق يركض نذيرًا لقريش. وسار النَّبِيّ ﷺ حتى إذا كَانَ بالثنية التي يهبط عليهم منها بركتْ راحلتُه فقال النّاس: حَلْ حَلْ، فألحت، فقالوا: خلأت القصْواء خلأت القَصْواء. قَالَ: "فَرُوحُوا إذًا".
قَالَ الزُّهري: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: ما رَأَيْت أحدًا كَانَ أكثر مشاورة لأصحابه من رَسُول اللَّهِ ﷺ .
قَالَ المِسْوَر ومروان فِي حديثهما: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "إن خَالِد بن الوليد بالغميم في خيل لقريش" -رجع الحديث إلى موضعه- قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "مَا خَلأت القصواء وما ذاك لَهَا بخُلُق، ولكن حبسها حابس الفيل" ٦.
стр. 651
ثُمَّ قَالَ: "والذي نفسي بيده لا يسألوني خطّة يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها". ثُمَّ زجرها فوَثَبَتْ بِهِ. قَالَ: فَعَدل حتى نزل بأقصى الحُدَيْبية عَلَى ثمد قليل الماء، نما يتبرّضه النّاس تبرُّضًا١، فلم يُلَبِّثْه النّاس أنْ نَزَحُوه، فشكوا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ العطش, فانتزع سهمًا من كِنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله مازال يجيش لهم بالرّيّ حتى صدروا عَنْهُ.
فبينما هُمْ كذلك إذ جاءه بُدَيْل بْن وَرْقاء الخُزَاعي فِي نفرٍ من خُزاعة، وكانوا عَيْبَة نصح٢ لرَسُول اللَّهِ ﷺ من أهل تِهَامة. فقال: إنّي تركت كعبَ بْن لُؤَيّ وعامر بْن لُؤَيّ نزلوا أعداد مياهِ الحُدَيبية، معهم العُوذ المطافيل، وهم مُقاتلوك وصادُّوك عَنِ البيت. قَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "إنا لم نجئ لقتال أحدٍ ولكّنا جئنا معتمرين، وإنّ قُريشًا قد نهكتهم الحرب وأضرَّتْ بهم فإنْ شاءوا مادَدْتُهُم مدَّةً ويُخَلُّوا بيني وبين النّاس، وإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فِيهِ النّاس فعلوا، ولا فقد جَمُّوا ٣، وإنْ هُمْ أبَوا فَوَالذي نفسي بيده لأقاتلّنهم عَلَى أمري هذا حتى تنفرد سالفتي ٤ أو ليُنْفِذَنَّ الله أمْرَه". فقال بُدَيْلٌ: سأبلّغهم ما تَقُولُ. فانطلق حتى أتى قُرَيْشًا فقال: إنّا قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يَقْولُ قولًا، فإنْ شئتم نعرضه عليكم فعلْنا، فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا فِي أن تحدّثنا عَنْهُ بشيء. وقال ذَوُو الرأي منهم: هاتِ ما سَمِعْتُهُ. قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقْولُ كذا وكذا. فحدّثهم بما قَالَ النَّبِيّ ﷺ .
فقام عُرْوة بْن مَسْعُود الثَّقَفي فقال: أي قوم أَلَسْتُم بالوالد؟ قالوا: بلى. قال: ألست بالولد؟ قَالُوا: بلى. قَالَ: هَلْ تتّهموني؟ قَالُوا: لا. قَالَ: ألستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عُكاظ فلما بلّحُوا عليّ جئتكم بأهلي وولدي ومن أطاعني؟ قَالُوا: بلى. قَالَ: فإنّ هذا قد عرض عليكم خطة رشد، فاقبلوها ودعوني آته. قالوا: ائته. فأتاه فجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ فقال نحوًا من قوله لبُدَيْلٍ. فقال: أي مُحَمَّد أرأيت إنْ استأصلت قومَك هَلْ سَمِعْتُ بأحدٍ من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإنْ تكن الأخرى فَوَالله إني لأرى وجوهًا وأرى أَوْباشا من النّاس خلفًا أن يفروا ويدعوك. فقال له
стр. 652
أَبُو بَكْر ﵁: أَمْصَصْ بَظْرَ الّلات١؛ أنحن نفرّ عَنْهُ ونَدَعُهُ؟ قَالَ: من ذا؟ قَالَ: أَبُو بَكْر. قَالَ: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أَجْزِك بِهَا لأجَبْتُك. قَالَ: وجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ كلّما كلّمه أخذ بلحيته، والمُغيرة بْن شُعبة قائمٌ عَلَى رَأْسِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ السيف وعليه المغفر، فكلّما أهوى عُرْوة إلى لحية النَّبِيّ ﷺ ، ضرب يده بنَعْل السّيف وقال: أخِّرْ يدك. فرفع رأسه فقال: من هذا؟ قَالُوا: المغيره بْن شُعبة. فقال: أي غدر، أوَ لست أسعى فِي غدرتك؟ قَالَ: وكان المغيرة صحب قومًا فِي الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثُمَّ جاء فَأَسْلَمَ فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ : "أمّا الإِسلام فأقْبَل، وأما المال فلستُ منه فِي شيء".
ثُمَّ إنّ عُرْوة جعل يَرْمُق صحابة النَّبِيّ ﷺ فَوَالله ما تَنَخَّم رَسُول اللَّهِ ﷺ نُخامةً إلّا وقعت فِي كفّ رجلٍ منهم يدلك بِهَا وجهه وجلده، وإذا أمرهم بأمرٍ ابتدروه، وإذا توضأ ثاروا يقتتلون عَلَى وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون٢ إِلَيْهِ النَّظَرَ تعظيمًا لَهُ, فرجع عُرْوة إلى أصحابه فقال: أي قوم، والله لقد وفدت على الملوك؛ وَفَدتُ عَلَى قَيْصر وكِسْرى والنَّجاشيّ، والله إنْ رَأَيْت ملكًا قطّ يعظّمه أصحابُه ما يعظّم أصحاب محمد وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون عَلَى وضوئه، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدُّون إِلَيْهِ النّظر تعظيمًا له، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رُشدٍ فاقبلوها. فقال رَجُل من بني كِنانة: دعوني آتِه. فقالوا: ائتِه. فلمّا أشرف عَلَى النَّبِيّ ﷺ وأصحابه، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "هذا فلان وهو من قومٍ يعظِّمون البُدْن، فابعثوها لَهُ". فبُعِثَت لَهُ, واستقبله القوم يلبُّون, فلما رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن يُصَدُّوا عَنِ البيت. فلما رجع إلى أصحابه قَالَ: رَأَيْت البُدْنَ قد قُلِّدت وأشْعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عَنِ البيت. فقام رَجُل منهم يقال لَهُ مِكْرَز بْن حفص فقال: دعوني آته. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قَالَ النَّبِيّ ﷺ : "هذا مِكْرَز وهو رجلٌ فاجر". فجعل يكلّم النَّبِيّ ﷺ . فبينا هُوَ يكلّمه إذ جاء سُهَيْل بن عمرو٣.
стр. 653
قَالَ مَعمَر: وَأَخْبَرَنِي أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا جَاءَ سُهَيْلٌ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "سَهُلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ".
قال الزهري في حديثه: فجاء سيهل بْن عَمْرو فقال: هات اكتب بيننا وبينك كتابًا. فدعا الكاتبَ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ ﷺ : "أكتُبْ بسم الله الرَّحْمَن الرحيم". فقال سُهَيْل: أمّا الرَّحْمَن فَوَالله ما أدرى ما هُوَ، ولكن اكتب باسمك الّلهُمّ كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّا بسم الله الرَّحْمَن الرحيم. فقال النَّبِيّ ﷺ : "اكتب باسمك الّلهمّ". ثُمَّ قَالَ: "هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ محمدٌ رَسُول اللَّهِ". فقال سُهَيْل: والله لو كنّا نعلم أنّك رَسُول اللَّهِ ما صدَدْناك عَنِ البيت ولا قاتَلْناك، ولكنْ أكتب مُحَمَّد بْن عَبْد الله. فقال النَّبِيّ ﷺ : "إنّي لَرَسُولُ اللَّهِ وإنْ كذَّبْتُموني، أكتب مُحَمَّد بْن عَبْد الله".
قَالَ الزُّهري: وذلك لقوله: "لا يسألون خطّة يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّا أعطيتهم إيّاها".
فَقَالَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ : "عَلَى أنْ تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف". فقال: والله لا تتحدث العرب أنّا أُخِذْنا ضغطة، ولكن ذَلِكَ من العام المقبل. فكتب. فقال سُهَيْل: عَلَى أنّه لا يأتيك منّا رَجُل وإنْ كَانَ عَلَى دينك إلّا رَدَدْتَه إلينا. فقال المسلمون: سبحان الله كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلمًا؟ فبينما هُمْ كذلك إذ جاء أَبُو جَنْدَلِ بْن سُهَيْل بْن عَمْرو يرسف فِي قيوده قد خرج من أسفل مكة حتى رمى بنفسه بين أظْهُر المسلمين. فقال سُهَيْل: وهذا أول ما أقاضيك عَلَيْهِ أن تردّه. فقال النَّبِيّ ﷺ : "إنّا لم نقض الكتاب بعد". قال: فوالله إذًا لا نصالحك على شيء أبدًا. قال النبي ﷺ : "فأجزه لي". قال: ما أنا بمجيزه لك.
قال: "بل، فافعل". قَالَ: ما انا بفاعل. قَالَ مِكْرَز: بلى قد أجزناه. قال أبو جندل: يا معاشر المسلمين أردُّ إلى المشركين وقد جئت مُسلِمًا، ألا تَرَوْن ما قد لقيت؟ وكان قد عُذِّب عذابًا شديدًا فِي الله.
فقال عُمَر: والله ما شَكَكْتُ منذ أسلمتُ إلّا يومئذٍ، فأتيت النَّبِيّ ﷺ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ألستَ نبيَّ الله؟ قَالَ: "بلى". قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قَالَ: "بلى". قلت: فلم نُعْطي الدَّنِيَّة فِي ديننا إذًا؟ قَالَ: "إنّي رَسُول اللَّهِ ولست أعصيه وهو ناصري". قلت: أوَلستَ كنت تحدّثنا أنّا سنأتي البيتَ فنطوف حقًّا؟ قَالَ: "بلى،
стр. 654
أفأخبرتك أنّك تأتيه العام"؟ قلت: لا. قَالَ: "فإنّك آتيه ومُطَوِّف بِهِ". قَالَ: فأتيت أَبَا بَكْر فقلت: يا أَبَا بَكْر أليس هذا نبيّ الله حقًا؟ قَالَ: بلى. قلت: أَلَسنا عَلَى الحقّ وعدوّنا عَلَى الباطل؟ قَالَ: بلى. قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا؟ قال: أيّها الرجل إنّه رَسُول اللَّهِ وليس يعصي الله وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزه حتى تموت, فَوَالله إنّه لَعَلَى الحقّ. قلت: أَوَ لَيْسَ كان يحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قَالَ: بلى فأخبرك أنّك تأتيه العام؟ قلت: لا. قَالَ: فإنّك آتيه ومُطَوِّف بِهِ.
قَالَ: الزهري. قال عمر: فعملت لذلك أعمالًا١.
فلما فرغ من قضيّة الكتاب قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "قوموا فانحَرُوا ثُمَّ احلِقوا". قَالَ: فَوَالله ما قام منهم رجلٌ حتى قَالَ ثلاث مرّات. فلما لم يقم منهم أحد، قام فدخل عَلَى أَم سَلَمَةَ فذكر لَهَا ما لقي من النّاس. فقالت: يا نبيّ الله أتحبّ ذَلِكَ؟ اخرج ثُمَّ لا تكلّم أحدًا كلمةً حتى تنحر بُدْنك، ثُمَّ تدعو بحالقك فيحلقك. فقام فخرج فلم يكلّم أحدًا حتى فعل ذَلِكَ, فلما رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضُهم يحلق بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل بعضًا غَمًّا٢. ثُمَّ جاء نسوةٌ مؤمنات، وأنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] . فطلق عمر يومئذ امرأتين كانتا له من الشِّرْك، فتزوّج إحداهما معاويةُ، والأخرى صَفْوان بْن أُمّية٣.
ثُمَّ رجع رَسُول اللَّهِ ﷺ إِلَى المدينة، فجاءه أَبُو بصير، رجلٌ من قريش، وهو مُسْلِم، فأرسلوا فِي طلبه رجلين فقالوا: العهد الَّذِي جعلت لنا. فدفعه إلى الرجلين، فخرجا بِهِ حتى بلغا بِهِ ذا الحُلَيْفة، فنزلوا يأكلون من تمرٍ لهم. فقال أَبُو بصير لأحد الرَّجلين: والله إنّي لأرَى سيفك هذا جيّدًا جدًّا فاسْتَلَّه الآخر فقال: أجل والله إنّه لجيّد لقد جرَّبتُ بِهِ ثُمَّ جرَّبت. فقال أَبُو بصير: أرني إِلَيْهِ. فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد. وفرّ الآخر حتى بلغ المدينة فدخل المسجد يعدو، فقال للنّبيّ ﷺ : قُتل والله صاحبي وإنّي لَمَقْتُول. قَالَ: فجاء أَبُو بَصِير, فقال: يا نبيّ الله قد أوفى الله ذمَّتك، والله قد رَدَدْتني إليهم ثُمَّ أنجاني الله بسيفهم. فقال النَّبِيّ ﷺ : "ويْلُ أُمِّهِ مِسعرُ حرب
стр. 655
لو كَانَ لَهُ أحد". فلما سَمِعَ ذَلِكَ عرف أَنَّهُ سيردّه إليهم. فخرج حتى أتى سيف البحر. وينفلت منهم أَبُو جَنْدَل بْن سُهَيْل فلحق بابي بصير، فلا يخرج من قريش رَجُل قد أسلم إلّا لحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة.
قَالَ: فوالله لا يسمعون بعيرٍ لقريش خرجت إلى الشام إلّا اعترضوا لَهَا فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريش إلى النبي ﷺ تناشدُه الله والرَّحِم لما أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النَّبِيّ ﷺ إليهم فأنزل: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ حتى بلغ: ﴿حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٤-٢٦] . وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقرُّوا بنبيّ الله ولم يُقِرُّوا ببسم الرَّحْمَن الرحيم، وحالوا بينهم وبين الموت. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ، عَنِ الْمُسْنِدِي، عَنْ عَبْد الرزّاق، عَنْ مَعْمَر، بطُوله١.
وَقَالَ قُرَّةُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ يَصْعَدِ الثَّنِيَّةَ، ثِنَّيةَ الْمُرَارِ ٢، فَإِنَّهُ يُحَطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ". فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعِدَ خَيْلُ بَنِي الْخَزْرَجِ. ثُمَّ تَبَادَرَ النَّاسُ بَعْدُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : "كلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ إِلَّا صَاحِبَ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ". فَقُلْنَا: تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ: وَاللَّهِ لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ. وَإِذَا هُوَ رَجُلٌ يَنْشُدُ ضَالَّةً. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ٣.
وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الْبَرَاءِ قَالَ: تَعُدُّونَ أَنْتُمُ الْفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الْفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ. كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَالْحُدَيْبِيَةُ بِئْرٌ، فَنَزَحْنَاهَا فَمَا تَرَكْنَا فِيهَا قَطْرةً. فبلغ ذلك النّبيّ ﷺ فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِهَا ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ مِنْهَا فَتَوَضَّأَ ثُمَّ تَمَضْمَضَ وَدَعَا ثُمَّ صَبَّهُ فِيهَا فَتَرَكَهَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ إِنَّهَا أَصْدَرَتْنَا نَحْنُ وَرِكَابَنَا. أَخْرَجَهُ خ٤.
وَقَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ، عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْحُدَيْبِيَةَ، وَنَحْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً، وَعَلَيْهَا خَمْسُونَ شَاةً ما ترويها.
стр. 656
فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى جَبَاهَا، فَإِمَّا دَعَا وَإِمّا بَزَقَ فِيهَا فَجَاشَتْ فَسَقَتْنَا وَأُسْقِينَا. أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ١.
وَقَالَ الْبَكَّائِيُّ: قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ مِسْوَرٍ، وَمَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ أَنَّهُمَا قَالا: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ، لا يُرِيدُ قِتَالا.
وَسَاقَ مَعَهُ لِلْهَدْيِ سَبْعِينَ بَدَنَةً، وَكَانَ النَّاسُ سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ، فَكَانَتْ كُلُّ بَدَنَةٍ عَنْ عَشَرَةِ نَفَرٍ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَكَانَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَا بَلَغَنِي يَقُولُ: كُنَّا أَصْحَابَ الْحُدَيْبِيَةِ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةً.
قلت: قد ذكرنا عَنْ جماعةٍ من الصّحابة كقول جَابِر.
ثُمَّ ساق ابن إِسْحَاق، حديث الزُّهري بطُوله، وفيه ألفاظٌ غريبة، منها: وجعل عُرْوَة بن مَسْعُود يكلّم النَّبِيّ ﷺ ، والمُغيرَةُ واقفٌ عَلَى رَأْسِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي الحديد. قَالَ: فجعَلَ يقرع يد عُرْوَةَ إذا تناول لحيَةَ رَسُول اللَّهِ ﷺ ويقول: أكفُفْ يدك عَنْ لحية رَسُول اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أن لَا تصل إليك. فيقول عُرْوَة: وَيْحك ما أفَظَّكَ وأغلظَكَ. قال: فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقَالَ عُرْوَة: من هذا يا مُحَمَّد؟ قَالَ: "هذا ابن أخيك المُغِيرة بْن شُعبة". قَالَ: أي غدر، وهل غَسَلْتَ سَوْءَتَك إلّا بالأمس؟
قَالَ ابن هشام: أراد عُرْوَة بقوله هذا أنّ المُغيرة قبْل إسلامه قتل ثلاثة عشر رجلًا من بني مالك من ثقيف؛ فتهايج الحيان من ثقيف: بنو مالك رَهط المقتولين والأحلاف رَهط المُغيرة فَوَدَى عُرْوَة المقتولين ثلاث عشرة دِيَة، وأصلح الأمر.
وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ: ثنا أَبُو الأَسْوَدِ، قَالَ عُرْوَةُ: وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ مِنْ مَكَّةَ، فَسَبَقُوا النَّبِيَّ ﷺ إِلَى بَلْدَحٍ وَإِلَى الْمَاءِ، فَنَزَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ سُبِقَ نَزَلَ عَلَى الْحُدَيْبِيَةِ، وَذَلِكَ فِي حَرِّ شَدِيدٍ وَلَيْسَ بِهَا إِلا بِئْرٌ وَاحِدَةٌ، فَأَشْفَقَ الْقَوْمُ مِنَ الظَّمَإِ وَهُمْ كَثِيرٌ، فَنَزَلَ فِيهَا رِجَالٌ يَمْتَحُونَهَا، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ فِي الدَّلْوِ وَمَضْمَضَ فَاهُ ثُمَّ مَجَّ فِيهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُصَبَّ فِي الْبِئْرِ، وَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَأَلْقَاهُ فِي الْبِئْرِ وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَفَارَتْ بِالْمَاءِ حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم