← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

وسِجِسْتان، وعزم على قصْد العراق، وضربَ السِّكّة باسمه، وعادَ على الوجه الآخر اسم المعتمد. حبْس ابنُ المدبّر ومصادرته: وفيها حبس أَحْمَد بْن طولون أَحْمَد بْن المدبّر الكاتب وصادره، وأخذ منه ستّمائة ألف دينار. وكان يتولى خراج دمشق١.

стр. 6197

أحداث سنة ثمانٍ وستّين ومائتين: فيها تُوُفيّ: أبو الْحَسَن أَحْمَد بْن سيّار المَرْوَزِيّ، وأحمد بْن شَيْبَان الرمليّ، وأحمد بْن يُونُس الضَّبّيّ الإصبهانيّ، وعيسى بْن أَحْمَد العسقلانيّ البلخيّ، والفضل بْن عَبْد الجبّار المَرْوَزِيّ، ومحمد بْن عَبْد الله بن عبد الحَكَم الفقيه. استئمان جَعْفَر بْن إِبْرَاهِيم للموفقّ: وَفِي المُحرّم استأمن إِلَى الموفَّق جَعْفَر بْن إِبْرَاهِيم السّجَان، وكان صاحب أسرار الخبيث وأحد خواصه، فخلع عليه الموفَّق وأعطاه مالًا كثيرًا، وأمر بحمله إِلَى قريب مدينة الخبيث. فَلَمَّا حاذى قصر الخبيث صاح: ويْحكم إِلَى مَتَى تصبرون على هَذَا الخبيث الكذّاب. وحدَّثهم بما اطَّلع عليه من كِذبه وفجوره، فاستأمن فِي ذلك اليوم خلْق كثير منهم. وتتابع النّاس فِي الخروج من عند الخبيث. دخول جُند الموفَّق مدينة الزَّنج: وَفِي ربيع الآخر زحف الموفَّق على مدينة الخبيث، وَهدم مِن السّور أماكن، ودخل الْجُنْد من كلّ ناحية واغترّوا، فخرج عليهم أصحاب الخبيث، فتحيَّروا فِي الخروج، وبعض النّاس طلب الشّطّ فغرقوا. ورد الموفَّق إِلَى مدينة الموفّقيّة، وقد أُصيب أصحابه. ثُمَّ ضيّق على الخبيث، وقطع عَنْهُ الميرة، فضاق بأصحابه الأمر حَتَّى أكلوا لحوم الكلاب والموتى، وهرب خلْق، فسألهم الموفَّق، فقالوا له: لنا سنة ما أكلنا الخبز.

стр. 6198

مقتل بَهْبُوذ: فَلَمَّا كان رجب قُتِلَ بَهْبُوذ، وكان أكبر قوّاد الخبيث. دخول ابنِ حَوْشب طولون: فِي هَذَا العام دخل أبو القاسم الْحَسَن بْن فرح بْن حَوْشب اليمن داعيًا من قبل عُبَيْد الله الَّذِي ملك المغرب، وتسمّى، بالمهديّ. عصيان لؤلؤ لابن طولون: وفيها عصى لؤلؤ مَوْلَى أَحْمَد بْن طولون وخامر على أستاذه، فنهب بالسن فِي الرَّقَّة وقَرْقِيسيا، وسار إِلَى العراق. قَتْلُ ابْنِ صاحب الزَّنْج: وبلغ الخبيث أنّ ابنه يريد الهروب إِلَى الموفَّق فقتله. قَتْلُ الخُجُسْتانيّ: وفيها قُتِلَ أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ الخارج بخراسان، قتله غلمانٌ له فِي آخر السنة. غزوة خَلَف التركيّ ثغور الروم: وفيها غزا خلف التُّركي نائب أَحْمَد بْن طولون على ثغور الشّام، فقتل من الروم بضعة عشر ألفًا وغنِم، فبلغ السهم أربعين دينارًا١.

стр. 6199

أحداث سنة تسعٍ وستّين ومائتين: فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن عَبْد الحميد الحارثيّ، وحُذَيْفة بْن غِياث، وإبراهيم بْن منقذ الخَوْلانيّ، وعبد الله بْن حمّاد الآمُليّ، ومحمد بْن إِبْرَاهِيم، أبو حَمْزَةَ الصُّوفيّ، وأبو فَروة يزيد بْن محمد بْن يزيد بْن سِنان. كسوف الشمس والقمر: وَفِي المحرّم انكسفت الشمس والقمر غارة الأعراب على الحجّاج: وفيها قطعت الأعراب الطريق على الحُجّاج، فأخذت خمسمائة جمل بأحمالها. وثوب خَلَف الفرغاني على يازمان الخادم: وفيها وثب خلف الفرغانيّ على يازمان خادم الفتح بْن خاقان، فحبسه بالثّغْر فوثب أَهْل الثّغر فخلَّصوه، وَهَمُّوا بقتل خَلَف، فهرب إِلَى دمشق، ولعنوا ابْنَ طولون على منابر الثَّغر، فسار أَحْمَد بْن طولون من مصر حَتَّى نزل أَذَنَةَ، وقد تحصّن بها يازمان الخادم، وفعل ذلك أَهْل طَرَسُوس، فأقام ابنُ طولون مدّة على أَذَنَة، فلم يظفْر بها بطائل، فعاد إِلَى دمشق. أَخْذُ لؤلؤ قرقيسيا من العُقَيليّ: وفيها افتتح لؤلؤ قرقيسيا عنوة، وأخذها من ابن صفوان العقيلي، وسلمها إلى أحمد بن مالك بن طوق. دخول الموفق مدينة صاحب الزنج: وفيها دخل الموفَّق مدينة الخبيث عَنْوَة. وكان الخبيث عند قُتِلَ بَهْبُوذ أَخَذَ تَرِكَتَه وأمواله، وضربَ أقاربه بالسِّياط، ففسدت نيّات خواصّه لذلك، فعبر الموفَّق المدينة ونادى بالأمان فتسارع إليه أصحاب بَهْبُوذ، فأحسنَ إليهم، ثُمَّ دخل المدينة بعد حربٍ شديد، وقصدَ الدّار الّتي سماها الخبيث جامعًا، فقاتل أصحابه دونه أشد القتال، فهدموها وأتوا بالمِنْبَر الَّذِي للخبيث، ففرح وخرج إِلَى مدينته بعد أن نهب خزائن الخبيث، وأحرق الأسواق والدُّور. وذلك فِي جمادى الأولى. وَرُمِيَ يومئذٍ الموفَّق بسهمٍ فجرحه، ثُمَّ أصبح على القتال، فزاد عليه الألم بالحركة، وخيف عليه، وخافوا قوّة الخبيث عليهم، وأشاروا عليه بالرحيل إِلَى بغداد، فأبى وتصبَّر حَتَّى عُوفي وعاد لحرب الخبيث، وقد رمّم الخبيث ما وَهَى من مدينته.

стр. 6200

عزم المعتمد على اللّحاق بمصر: وَفِي نصف جُمادى الأولى شخص المعتمد من سرَّ من رَأَى يريد اللّحاق بابن طولون لأمرٍ تقرَّر بينهما. قَالَ أَحْمَد بْن يوسف الكاتب: خرج أَحْمَد بْن طولون من مصر، وحمل معه ابنه الْعَبَّاس معتَقَلًا، فقدِم دمشق، وخرج المعتمد من سامُراء على وجه التّنزُّه، وقصْدُه دمشق لاتّفاق جرى بينه وبين ابنُ طولون على المعتمد لم يبق منكم مَعْشَر الموالي اثنان. فاجتهد فِي ردّه. وكان ابنُ كُنْداج فِي نصِّيبين فِي أربعة آلاف، فصار إِلَى المَوْصِل، فوجد حرّاقات المعتمد وقُوّاده بموضعٍ يُقَالُ له الدَّواليب، فوكَّل بهم هناك، وسار فلقي المعتمد بين المَوْصِل والحديثة، فخرج إليه نحرير الخادم، وسلَّم عليه واستأذن فأُذِنَ له، فدخل ابنُ كنْداج ومعه ابنه محمد وجماعة يسيرة، فسلَّم ووقف، وقَالَ: يا إِسْحَاق لِمَ منعت الحَشَم من الدّخول إِلَى المَوْصِل؟ وكان ينزلها أَحْمَد بْن خاقان وخطارمِش، فقال: يا أمير المؤمنين أخوك فِي وجه العدوّ، وأنت تخرج عن مستقرّك ودار مُلْكك، ومتى صحّ كتاب أخيك يأمرنا بردّك. فقال: أنت غلامي أو غلامه؟ فقال: كلُّنا غلمانك ما أطعت الله، فإذا عصيته فلا طاعة لك وقد عصيت الله فيما فعلت من خروجك، وتسليط عدوّك على المسلمين. ثُمَّ خرج من المضرب ووكّل به جماعة. ثُمَّ بعث إِلَى المعتمد يطلب ابنَ خاقان وخطارمِش لِيُنَاظِرهما. فبعث بهما إليه فقال: ما جنى أحد على الْإِسْلَام والخليفة ما جنيتم، فلِمَ أخرجتموه من دار مُلْكه فِي عدّةٍ يسيرة، وهارون الشّاري بإزائكم فِي جمعٍ كبير؟ فلو حضركم وأخذ الخليفة لكان عارًا وسبَّةً على الْإِسْلَام. ثُمَّ رسّم عليهم، وبعث إِلَى الخليفة يقول: ما هَذَا المقام، فارجع. فقال المعتمد: فأخلف لي أنّك تنحدر معي ولا تسلّمني. فحلف له، وانحدر إِلَى سامراء، فتلقّاه صاعد بْن مَخْلد كاتب الموفَّق، فسلّمه إِسْحَاق إليه، فأنزله في دار أحمد ابن الخصيب، ومنعه من نزول دار الخلافة، ووكّل به خمسمائة رَجُل يمنعون من الدّخول إليه.

стр. 6201

وأمّا الموفَّق فبعث إِلَى إِسْحَاق بخلعٍ وأموالٍ، وأقطعه ضياع القُوّاد الذين كانوا مع المعتمد. وقَالَ الصُّوليّ: كان المعتمد قد ضجر من أَخِيهِ الموفَّق، فكاتب ابنُ طولون واتّفقا فذكر الحكاية. وقَالَ المعتمد: أليس من العجائب أنّ مثلي ... يَرَى ما قلَّ ممتنعًا عليه؟ وتُوكَلُ باسمه الدُّنيا جميعًا ... وما من ذاك شيءٌ في يديه؟ تلقيت ذي الوزارتين وذي السَيفين: ولقّب الموفَّق صاعدًا: ذا الوزارتين، ولقب ابنُ كُنْداج: ذا السَّيفين. وأقام صاعد فِي خدمة المعتمد، ولكن ليس للمعتمد حلّ ولا ربْط. مصادرة ابنُ طولون للقاضي بكار بْن قُتَيْبَةَ: ولمّا بلغ ابنُ طولون ذلك جمع القُضاة والأعيان وقَالَ: قد نكث الموفَّق أبو أَحْمَد بأمير المؤمنين فاخلعوه من العهد. فخلعوه إلّا القاضي بكّار بْن قُتَيْبة؛ فقال: أنت أوردت عليَّ كتابًا من المعتمد بولاية العهد، فأورِدْ عليَّ كتابًا آخر منه بخلْعه. فقال: إنّه محجورٌ عليه ومقهور. فقال: لا أدري. فقال ابنُ طولون: أغرّك النّاس بقولهم: ما فِي الدُّنيا مثل بكّار؛ أنت شيخ قد خرَّفت. وحبسهُ وقيّدهُ، وأخذ منه جميع عطاياه من سنين، فكان عشرة آلاف دينار، فَقِيلَ: إنّها وُجدت فِي بيت بكّار بختمْها وحالها. وبلغ الموفَّق فأمر بلعنة ابنُ طولون على المنابر. سير ابنُ طولون إِلَى المصّيصة وتراجعه: وفيها سار ابنُ طولون إِلَى المصِّيصة. وبها يازمان الخادم، فتحصّن ونزل ابنُ طولون بالمَرْج والبردُ شديد. فشقّ عليه يازمان نهر طَرَسُوس، فغرق المرج وهلك عسكر ابن طولون، فرحل وهو خائف، فخرج أَهْل طَرَسُوس فنهبوا بقايا عسكره،

стр. 6202

ومرِض فِي طريقه مرضته الّتي مات فيها مغبونًا. ولاية ابنُ كُنْداج: وولّي الموفَّق إِسْحَاق بْن كُنْداج المغرب كلّه والعراق كلّه، وما كان بيد أَحْمَد بْن طولون. إحراق قطعة من بلد الزَّنج: وفيها عبر الموفَّق إِلَى الخبيث وأحرق قطعة من البلد، وجرح ابنُ الخبيث وكاد يتلف. الوقعة بين الموفق وبين الزَّنج: وَفِي شوّال كَانَتْ بين الموفَّق والخبيث وقعةٌ عظيمة. ولمّا رَأَى الخبيث أنّ الميرة قد انقطعت عَنْهُ وصعُب أمره، وقلّ عنده الشيء، حَتَّى كان أحدهم إذا وقع بامرأة أو صبيّ ذبحه وأكله. وكان الخبيث يعاقب من يفعل ذلك لكنْ بحبسه. ثُمَّ إنّ الموفَّق أحرق عامّة البلد وقصر الإمارة، وخافت الزَّنج، فقاتلوا قتالًا شديدًا، ثُمَّ انهزموا، وعبر الخبيث إِلَى الجانب الشرقيّ من نهر أبي الخصيب، واستأمن إِلَى الموفَّق جماعة من القُوّاد أصحاب الخبيث وخاصّته، وفتحوا سجنًا كبيرًا كان للخبيث فِيهِ خلْق من عساكر المسلمين وأصحاب الموفَّق، فأطلقوهم. دخول المعتمد واسط: وَفِي ذي القعدة دخل المعتمد إلى واسط. دخول الموفٌّق مدينة صاحب الزَّنْج وتخريب داره: وفيه سارت السُّفن والسّماريات وجيوش الموفَّق على ترتيب لم يُرَ مثله كثْرةً وأُهْبةً، فَلَمَّا رَأَى الخبيث ذلك بَهره وزال عقله. وزحف الجيش نحو الخبيث، فالتقاهم فِي جيشه، والْتحم القتال، وحمل الموفَّق وابنه والخواصّ، فهزموا الزَّنج، وقتلوا منهم مقتلةً هائلة، وأسروا خلقًا، فَضُرِبَتْ أعناقهم. وقصد الموفَّق دار الخبيث، وقد التجأ

стр. 6203

إليها، وانتحب أنجاد أصحابه ليدافعوا عَنْهَا، فَلَمَّا لم يُغْنوا عَنْهُ شيئًا أسلمها، وتفرّق عَنْهُ أصحابه، ونُهِبَتْ داره وحُرَمُه وأولاده، فهرب الخبيث نحو دار المهلّبيّ قائده. وأُتِيَ بحريمه وذرِّيتّه فكان عددهم أكثر من مائة، فأمر الموفَّقٌ بحملهم إِلَى الموفَّقيّة وأحسن إليهم، وأمر بإحراق دار الخبيث. وكان عنده نساء علويّات وحرائر قد استباحهنّ، وجاءه منهنّ أولاد١.

стр. 6204

أحداث سنة سبعين ومائتين: فيها تُوُفيّ: أَحْمَد بْن طولون صاحب مصر، وأحمد بْن عَبْد الله بْن البَرْقيّ، وأحمد بْن المقدام الهَرَويّ، وإبراهيم بْن مرزوق البصريّ، وأسد بْن عاصم، وبكّار بْن قُتَيْبَةَ القاضي، والحسن بْن عليّ بْن عفان العامريّ، وداود الظّاهريّ الفقيه، والربيع بْن سُلَيْمَان المراديّ، وزكريّا بْن يحيى المَرْوَزِيّ، وعبّاس بْن الْوَلِيد البَيروتيّ، وأبو البَخْتَرِيّ عَبْد الله بْن محمد بْن شاكر، ومحمد بن إِسْحَاق الصّغانيّ، ومحمد بْن ماهان، ومحمد بْن مُسْلِم بْن وَارَةَ، ومحمد بْن هشام بْن ملّاس. مقتل صاحب الزَّنج: وفيها وصل لؤلؤ الطُّولوني فِي جيشٍ عظيم نجدةً للموفق فِي المحرّم، فكانت بين الموفَّق وبين الخبيث وقعةٌ أوهنت الخبيث، ثُمَّ وَقْعَةٌ أخرى قُتِلَ فيها الخبيث وعجل الله بروحه إِلَى النّار. وهو عليّ بْن محمد المدَّعي أنّه علويّ، وَقِيلَ: اسمه بَهْبُوذ. قد ذكرنا وقائعه مع الموفَّق وحصاره الزّمن الطّويل له، إِلَى أن اجتمع مع الموفَّق زهاء ثلاثمائة ألف مقاتل مطَّوّعة وَفِي الديوان. فَلَمَّا كان فِي ثاني صفر، وقد التجأ الخبيث إِلَى جبلٍ ثُمَّ تراجع هُوَ وأصحابه إِلَى مدينتهم خُفْية، وجاءت مقدّمات الموفَّق، فَلَمَّا وصلوا إِلَى المدينة لم يَدْرُوا أنّهم قد رجعوا إليها، فأوقعوا بهم، فانهزم الخبيث وأصحابه، وتبعهم أصحاب الموفَّق يأسرون ويقتلون، وانقطع الخبيث فِي جماعةٍ من قوّاده وفرسانه، وفارقه ابنه انكلائي، وسليمان ابن جامع، فظفر أبو الْعَبَّاس بن الموفَّق بابن جامع، فكبّر النّاس لمّا أتى به إِلَى أبيه.

стр. 6205

ثُمَّ شدّ الخبيث وأصحابه، فأزال النّاس عن مواقفهم، فحمل عليه الموفَّق فانهزموا وتَبِعهم إِلَى آخر نهر أبي الخصيب، فبينا القتال يعمل إذ أتى فارس من أصحاب لؤلؤ إِلَى الموفَّق برأس الخبيث فِي يده، فلم يصدّقه فعرضه على جماعةٍ فعرفوه. فترجل الموفَّق وابنه والأمراء وخرّوا سجَّدًا لله، وكبّروا وحمدوا الله تعالى. وَقِيلَ: إنّ أصحاب الموفَّق لمّا أحاطوا به لم يبق معه إلّا المهلَّبيّ، ثُمَّ ولّى وتركه، فقذف نفسه فِي النّهر فقتلوه. وسار أبو الْعَبَّاس ومعه رأس الخبيث على رمحٍ فدخل به بغداد، وعُمِلت قِباب الزّينة، وضجّ النّاس بالدّعاء للموفَّق وولده. وكان يومًا مشهودًا. وأمِن النّاس وتراجعوا إِلَى المدن الّتي أخذها الخبيث. وكان ظهوره من سنة خمسٍ وخمسين. قَالَ الصُّولي إنّه قتَل من المسلمين ألف ألف وخمسمائة ألف آدميّ، وقتل فِي يومٍ واحدٍ بالبصرة ثلاثمائة ألف. وكان له منبرٌ فِي مدينته يصعد ويسبّ عُثْمَان وعليّ ومعاوية وطلحة والزُّبير وعائشة، وهو رَأَى الأزارقة١. وكان ينادى على المرأة العلوية بِدرْهَمين وثلاثةٍ فِي عسكره، وكان عند الواحد من الزَّنج العشرة من العلويّات يطأهنّ وتخدمن نساءهنّ. ومدح الشعراء الموفَّق. عودة المعتمد إِلَى سامُرّاء: وَفِي نصف شعبان أعيد المعتمد إِلَى سامراء، ودخل بغداد ومحمد بْن طاهر بْن يديه بالحربة والحسن فِي خدمته كأنْ لم يُحْجَر عليه. انبثاق بثق بنهر عِيسَى: وفيها انبثق ببغداد فِي الجانب الغربي فِي نهر عِيسَى بثقٌ، فجاء الماء إِلَى الكَرْخ، فهدم سبعة آلاف دار.

стр. 6206

ظهور الحسني بالصعيد ومقتله: وفيها ظهر أَحْمَد بْن عَبْد الله بْن إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل بْن إبْرَاهِيم بْن عبد الله بْن الحسني بالصعيد، وتبعه خلْق. فجهّز أَحْمَد بن طولون لحربه جيوشًا، وكانت بينهم وقعات وظفروا به وأتوا ابنُ طولون فقتله. ومات بعده ابنُ طولون بيسير. ظهور دعوة المهديّ باليمن: وفيها ظهرت دعوة المهديّ باليمن، وكان قبلها بنحو سنين قد سيّر والدهُ عُبَيْد، جدّ بني عُبَيْد الخلفاء المصرييّن الرَّوافض المَلاحِدة الَّذِي زعم أنّه ابنُ محمد بْن إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر الصادق، داعين لولده عَبْد الله المهديّ، أحدهما أبو القاسم بْن حَوْشَب الكوفي، والآخر أبو الْحَسَن، فَدَعَوْا إِلَى المهدي سرًّا. ثُمَّ سيّر والد المهديّ داعيًا آخر يُسمّى أَبَا عَبْد الله، فأقام باليمن إِلَى سنة ثمانٍ وسبعين، فحجّ تلك السنة، واجتمع بقبيلة من كُتامة، فأعجبهم حاله، فصحبهم إلى مصر، ورأى منهم طاعةً وقوّة، فصحبهم إِلَى المغرب، فكان ذلك أوّل شأن المهديّ. هزيمة الروم عند طَرَسُوس: وفيها نازلت الرّوم طَرَسُوس فِي مائة ألف وبها يازمان الخادم، فبيَّتهم ليلًا وقتل مقدّمهم وسبعين ألفًا. وأخذ منهم صليبهم الأكبر وعليه جواهر لا قيمة لها، وأخذ من الخيل والأموال والأمتعة ما لا ينحصر، ولم يُفِلت منهم إلّا القليل؛ وذلك فِي ربيع الأوّل. وكان فتحًا عظيمًا عديم المثيل منَّ الله به على الْإِسْلَام يوازي قتل الخبيث. والحمد لله وحده١.

стр. 6207

تراجم أهل هَذِهِ الطَّبَقَةِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ: حَرْفُ الأَلِفِ: ١- أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم. أبو الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ١ ورّاق خلف بن هشام البزّار. سمع: خَلَفًا، ومسدّدًا، ومسلم بْن إِبْرَاهِيم القعنبيّ، وطائفة. وعنه: أبو عِيسَى بْن قَطَن، وإسحاق بْن أبي حسّان الأنماطيّ، وحمزة الِّسمسار. قَالَ: الخطيب: كان ثقة. صنَّف فِي عدد الآي. قلت: وكان أحد الحُذّاق فِي القراءة. تلا على خَلَف، وعلى أبي عُبَيْد، ومحمد بْن إِسْحَاق، وهشام بْن عمّار وغيرهم. ٢- أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم. أبو علي القُهسْتانيّ٢. حافظ، نزل بغداد. عن: يحيى بْن يحيى، وابن نُمَيْر، وإبراهيم بْن المنذر. وعنه: ابنُ مَخْلَد، ومحمد بْن جَعْفَر المَطِيريّ، وجماعة. وثِّق. تُوُفيّ سنة سبعٍ وستّين ومائتين. ٣- أَحْمَد بْن الأزهر بْن مَنِيع بن سليط -ن ق. أبو الأزهر العبديّ النيَّسابوري الحافظ٣. حجّ ورأى سُفْيَان بْن عُيَيْنَة؛ وسمع: عَبْد الله بْن نُمَيْر، وأسباط بْن محمد، ومالك بْن سُعَيْر بن الخِمْس، ومحمدا، وَيَعْلَى بن عبيد، ويعقوب بن إبراهيم

стр. 6208

الزُّهريّ، وعبد الرّزّاق، ووهْب بْن جرير، وأبا ضَمرة، وطائفة. وعنه: ن. ق. ومحمد بْن يحيى، ومحمد بْن الْحُسَيْن القطان، وخلْق كثير. قَالَ ابن الشرقيّ: سمعته يقول: كتب عنيّ يحيى بْن يحيى. وكان أبو الأزهر ثقةً بصيرًا بهذا الشّأن، روى عن عَبْد الرّزّاق حديثًا مُنْكَرًا هُوَ منه إنّ شاء الله بريء العهدة. وهو: أَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهري، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى عَلِيٍّ فَقَالَ: "أَنْتَ سّيدٌ فِي الدُّنْيَا سّيدٌ فِي الآخِرَةِ. مَنْ أحبَّك فَقَدْ أَحَبَّنِي، وَحَبِيبِي حَبِيبُ اللَّهِ. وعدوَّك عَدُوِّي وَعَدُوِّي عَدُوُّ اللَّهِ، وَالْوَيْلُ لِمَنْ أَبْغَضَكَ مِنْ بَعْدِي"١. قَالَ أَحْمَد بْن يحيى بْن زُهير السَّريّ: لمّا حدَّث أبو الأزهر بهذا الحديث أُخبر يحيى بْن معين بِذَلِك، فقال: مَن هَذَا الكذاب النَّيسابوريّ الَّذِي حدَّث بهذا؟ فقام أبو الأزهر فقال: هوذا أَنَا. فتبسَّم ابنُ معين وقَالَ: أما إنّك لست بكذّاب. وتعجّب من سلامته، وقَالَ: الذَّنب لغيرك فِي هَذَا الحديث. قَالَ أبو حامد بْن الشَّرقيّ، هَذَا حديث باطل، وكان لمعمر ابنُ أخٍ رافضيّ، وكان ابنُ مُعَمَّر يمكِّنه من كُتُبه، فأدخل عليه هَذَا. وكان مُعَمَّر رجلًا مهيبًا، ولا يقدر عليه أحد فِي السّؤال والمراجعة، فسمعه عَبْد الرّزّاق فِي كتابه. وقَالَ غير واحد، عن مكّيّ بْن عَبْدان: سمعت أَبَا الأزهر يقول: خرج عَبْد الرّزّاق إِلَى قريته، فبكَّرت إليه قبل الصُّبح، فَلَمَّا رآني قَالَ: كنت البارحة هنا؟ قلت: لا، ولكن خرجت فِي اللّيل. فأعجبه ذلك. فَلَمَّا فرغ من صلاة الصُّبح دعاني وقرأ عليّ هَذَا الحديث، وخصّني به دون أصحابي٢.

стр. 6209

وروى أبو محمد بْن الشَّرقي، عن أبي الأزهر قَالَ: كان عَبْد الرّزّاق يخرج إِلَى قريته، فذهبت خلفه، فرآني أشتدّ، فقال: تعال. فأركبني خلفه على البغْل، ثُمَّ قَالَ لي، ألا أخبرك حديثًا غريبًا؟ قلت: بلى. فحدَّثني الحديث. فَلَمَّا رجعت إِلَى بغداد أنكر عليّ ابنُ مَعِين وهؤلاء، فحلفت أن لا أحدّث به حتى أتصدّق بدرهم. وقد رواه محمد بْن عليّ بْن سُفْيَان النّجّار، عن عَبْد الرّزّاق. قَالَ أبو حامد بْن الشّرْقيّ: قَيِل لي لِمَ لا ترحل إِلَى العراق؟ قلت: وما أصنع وعندنا من بنادرة الحديث ثلاثة: محمد بْن يحيى، وأبو الأزهر، وأحمد بن يوسف السُّلميّ. قَالَ النَّسائيّ: أبو الأزهر لا بأس به. وعن أبي الأزهر قَالَ: لمّا أنكر عليَّ ابن معين هذا الحديث حلفت أن لا أحدث به حتى أتصدَّق بدرهم. وقال الدّارقطنيّ: لا بأس به، أخرج فِي الصَّحيحين عمّن هُوَ دونه. قَالَ الْحُسَيْن بْن محمد القبّانيّ: تُوُفيّ سنة ثلاثٍ وستين. وقَالَ أبو حاتم: صدوق. ٤- أَحْمَد بْن حرب بن محمد بن علي بن حيان بْن شاذان بْن الغَضُوبة١. أبو بَكْر الْمَوْصِلِيّ. أخو عليّ بْن حرب. سمع: سُفْيان بْن عُيَيْنَة، وأبا مُعَاوِيَة، وطائفة. وعنه: س، وقَالَ: هُوَ أحبُّ إليَّ من أَخِيهِ، وأبو بَكْر بْن أبي دَاوُد، ومكحول البيروتيّ، وآخرون. وقَالَ الأزْديّ فِي تاريخه: كان ورِعًا فاضلًا، رابط بأَذَنَه، وبها مات. ٥ - أَحْمَد بْن الحَسَن السُّكّريّ الحافظ٢.

стр. 6210

تُوُفيّ بمصر سنة ثمانٍ وستّين. لا أعرفه، وذكره مختصر. ٦ - أَحْمَد بْن الْحُسَيْن بْن مُجَالد الضرير١. مَوْلَى المعتصم. أَخَذَ عن: جَعْفَر بْن مبشّر عِلْم الكلام. وكان من دُعاة المعتزلة. هلك سنة تسعٍ وتسعين، وَقِيلَ: قبلها بعام. ٧ - أَحْمَد بْن حمدون٢. أبو عبد الله الْبَغْدَادِيّ الكاتب الإخباريّ، والشاّعر، أَحَدُ الموصوفين بالظُّرف والأدب. نادَمَ الخلفاء، وقد مدحه البُحْتُريّ. تُوُفيّ سنة أربعٍ وستّين. روى عنه: ابن أخيه عليّ بن بسّام، جعفر بْن قُدامة، وأحمد بن الطَّيّب السّرْخَسيّ. ٨- أَحْمَد بْن الخصيب بْن عَبْد الحميد٣. الوزير أبو الْعَبَّاس الْجَرْجَرائيّ. وَزَر للمنتصر وللمستعين، ثُمَّ نفاه المستعين إِلَى الغرب فِي سنة ثمانٍ وأربعين. وأبوه ولي إمرة الدّيار المصرية. وَقِيلَ: إنّ أَحْمَد كان فِيهِ حِدة وتسُّرع. قَالَ أَحْمَد بْن أبي طاهر الكاتب: كان يحتدّ علي من يُراجعه، ويُخْرِج رِجْله من الرِّكاب، فيرفس من يراجعه، ففيه أقول من أبيات: قل للخليفة يابن عم محمدٍ ... أَشْكِلْ وزيركَ إنّه محلول فلِسانُهُ قد جال فِي أعراضِنا ... والرِّجل منه فِي الصُّور تجول وذكر الصُّولي، عن الْحُسَيْن بْن يحيى، أنّ أَحْمَد بْن الخصيب كان يتصدّق كل

стр. 6211

يومٍ بخمسين دينارًا، إِلَى أن نُكِب، فكان يمنع نفسه القوت، ويتصدَّق بخمسين درهمًا. توفيَّ أَحْمَد سنة خمسٍ وستين. ٩ - أَحْمَد بْن سُلَيْمَان بن عبد الملك. أبو الحسن الرّهاويّ الحافظ١، أحد الأئمّة. رحل وطوَّف، وسمع: زَيْدَ بْن الحُباب، ويحيى بْن آدم، وجعفر بْن عَوْن، وهذه الطبقة. وعنه: س. فأكثر، وأبو عَرُوبة، ومكحول، وآخرون. تُوُفيّ سنة إحدى وستّين. قَالَ س: ثقة مأمون، صاحب حديث. ١٠ - أحمد بن يسّار بن أيّوب٢ -ن. أبو الحسن المروزيّ الحافظ الفقيه، أحد الأعلام. سمع: عفّان، وسليمان بْن حرب، وعَبْدان، ومحمد بْن كثير، وصَفْوان بْن صالح الدّمشقيّ، وإسحاق بْن راهويْه، ويحيى بْن بُكَيْر، وطبقتهم. وعنه: ن. ووثّقه، وَقِيلَ: إنّ خ. روى عَنْهُ، عن محمد بْن أبي بَكْر المقدّميّ، وروى عَنْهُ: محمد بْن نصر المروزيّ، وابن الْعَبَّاس محمد بْن أَحْمَد بْن محبوب، وحاجب بْن أَحْمَد الطُّوسي، وطائفة. وهو مصنّف تاريخ مَرْو. وقَالَ عَبْد الرحمن بْن أبي حاتم: ثنا عَنْهُ عليّ بْن الْجُنَيْد، ورأيت أبي يُطْنب فِي مدحه، ويذكره بالعِلم والفِقه. قلت: وهو أحد أصحاب الوجوه من الشّافعية، أوجَب الأذان للجمعة دون

стр. 6212

غيرها، وأوجب رَفْع اليدين فِي تكبيرة الإحرام كداود الظَّاهريّ، وكان بعض العلماء يُشَبِّهه فِي زمانه بابن الْمُبَارَك عِلْمًا وفضلًا. تُوُفيّ فِي ربيع الآخر سنة ثمانٍ وستّين، وقد استكمل سبعين سنة. ١١ - أَحْمَد بْن طولون. الأمير أبو العبّاس التُّركيّ١، صاحب مصر، وُلِد بسامرّاء. ويقال: إنّ طولون تبنّاه، وكان ظاهر النّجابة من صِغره. وكان طولون قد أهداه نوح عامل بخارى إِلَى المأمون فِي جملة غلمان، وذلك فِي سنة مائتين. فمات طولون فِي سنة أربعين ومائتين، ونشأ ابنه على مذهبٍ جميلٍ فحفظ القرآن وأتْقنه. وكان مِن أطيب النّاس صوتًا به، مع كثرة الدّرس وطلب العلم. وحصل وتنقلت به الأحوال إلى أن ولي إمرة الثغور، وولي إمرة دمشق وديار مصر. وأوّل دخوله مصر سنة أربعٍ وخمسين ومائتين وعمره أربعون سنة، فملكها بضع عشرة سنة. وبَلَغَنا أنّه خلّف من الذَّهب الأحمر عشرة آلاف ألف دينار، وأربعة وعشرين ألف مملوك. ويقال إنه خلف ثلاثة وثلاثين ولدًا ذكورًا وإناثًا، وستمّائة بغل ثقل وقيل: إنّ خراج مصر بلغ فِي العام فِي أيّامه أربعة آلاف ألف دينار وثلاثمائة ألف دينار. وكان شجاعًا حازمًا مهيبًا خليقًا للمُلْك، جوادًا ممدَّحًا. وَقِيلَ: بلغت نفقته كلّ يوم ألف دينار. إلّا أنه كان سفّاكًا للدّماء، ذا سطوةٍ وجَبَرُوت. قَالَ القُضاعيّ: أُحْصِيَ مَن قتله صبْرًا، فكان جملتهم مع من مات فِي سجنه ثمانية عشر ألفًا. وأنشأ الجامع المشهور، وغرِم على بنائه أكثر من مائة ألف دينار. وكان الخليفة مشغولًا عَنْهُ بحرب الزَّنج. وكان فيما قَيِل حسَّن له بعض التّجّار التّجارة، فدفع إليه خمسين ألف دينار،

стр. 6213

فرأى فِي النوم كأنّه يمشمش عظْمًا. فدعى المعَبّر وقصّ عليه فقال: لقد سَمَت همَّة مولانا إِلَى مكسبٍ لا يُشبَّه خَطَرُه. فأمر صاحب صدقته أن يأخذ الخمسين ألف دينار من التّاجر ويتصدَّق بها. وكان سامحه الله تعالى، قد ضبط الثغور وعمّرها. وكان صحيح الْإِسْلَام معظِّمًا للحُرُمات، محبّا للجهاد والرّباط. قَالَ أَحْمَد بْن خاقان، وكان تِرْبًا لأحمد بْن طولون. وُلِد أَحْمَد سنة أربع عشرة ومائتين، ونشأ في الفقه والتصرُّف، فانتشر له حُسْن الذّكر، وكان شديد الإزراء على الأتراك فيما يرتكبونه، إِلَى أن قَالَ لي يومًا: يا أخي، إِلَى كم نقيم على الإثم، لا نطأ موطئًا إلى كُتِب علينا فِيهِ خطيئة. والصّواب أن نسأل الوزير عبيد الله بن يحيى أن يكتب بنا بأرزاقنا إِلَى الثّغر ونقيم به فِي ثوابه. ففعلنا ذلك، فَلَمَّا صرنا بطَرَسُوس سرَّ بما رَأَى من الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المُنْكَر، ثُمَّ عاد إِلَى العراق وارتفع محلُّه. قَالَ محمد بْن يوسف الهَرَوِيّ، نزيل دمشق: كنّا عند الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان سنة ثمانٍ وستّين، إذ جاء رسول أَحْمَد بْن طولون بكيسٍ فِيهِ ألف دينار، وقَالَ لي عَبْد الله القيروانيّ: بل كان سبعمائة دينار، وصرّة فيها ثلاثمائة دينار، لابنه أبي الطّاهر. فدعى الرَّبِيع ابنه حتّى جاءه فأمره بقبض المال. ذكر محمد بْن عَبْد الملك الهَمْدانيّ أنّ أَحْمَد بْن طولون جلس يأكل، فرأى سائلًا، فأمر له بدجاجةٍ ورغيفٍ وحلوى. فجاء الغلام وقَالَ: ناولته فَمَا هشَّ له. فقال: عليَّ به. فَلَمَّا مَثُلَ بين يديه لم يضطّرب من الهيبة، فقال: أحضِر الكُتُب الّتي معك وأصْدِقْني، فقد ثبت عندي أنّك صاحب خبر. وأحضر السِّياط فاعترف فقال بعض من حضر: هَذَا والله السِّحْر. قَالَ: ما هو بسحر، ولكنه قياس صحيح. ورأيت سوء حاله، فسيَّرت له طعامًا يسُّر له الشَّبعان، فَمَا هشَّ، فأحضرته فتلقّاني بقوَّة جأش، فعلمت أنّه صاحب خبر١.

стр. 6214

قال أبو الحسن الرّازيّ: سمعت أَحْمَد بْن حميد بْن أبي العجائز وغيره من شيوخ دمشق قَالُوا: لمّا دخل أحمد ابن طولون دمشق وقع فيها حريق عند كنيسة مريم، فركب إليه أَحْمَد ومعه أبو زُرْعة البصْريّ، وأبو عبد الله محمد بْن أَحْمَد الواسطيّ كاتبه، فقال ابنُ طولون لأبي زُرْعة: ما يُسمّى هَذَا الموضع؟ فقال: كنيسة مريم. فقال أبو عبد الله: وكان لمريم كنيسة؟ قَالَ: ما هِيَ من بناء مريم، إنّما بنوها على اسمها. فقال ابن طولون: ما لك والاعتراض على الشَّيْخ. ثمّ أمر بسبعين ألف دينار من ماله، وأن يُعطى كلّ من احترق له شيء، ويُقبَل قوله ولا يُسْتَحْلف. فأعطوا وفضل من المال أربعة عشر ألف دينار. ثُمَّ أمر ابن طولون بمالٍ عظيمٍ ففُرق فِي فقراء أَهْل دمشق والغوطة. وأقلّ من أصابه من المستورين دينار. وعن محمد بْن عليّ المادَرَائي قَالَ: كنت أجتاز بتُربة أَحْمَد بْن طولون فأرى شيخًا ملازمًا للقبر، ثُمَّ إني لم أره مدّة ثُمَّ رَأَيْته فسألته، فقال: كان له علينا بعض العدل إنْ لم يكن الكلّ فأحببت أن أصِله بالقراءة. قلت: فلِمَ انقطعت؟ قَالَ: رَأَيْته في النَّوم وهو يقول: أحبّ أن لا يُقْرأ عندي، فَمَا آية إلّا قُرِعْتُ بها وَقِيلَ لي: ما سمعت هَذِهِ؟ تُوُفيّ بمصر فِي ذي القعدة سنة سبعين، وتملّك بعده ابنه خُمَارَوَيْه. ١٢ - أَحْمَد بْن عَبْد الله بْن صالح بْن مُسْلِم. أبو الْحَسَن الكوفي العجلي الحافظ الطَّرابلسيّ المغربي١. سمع: الحسين بْن عليّ الْجُعْفيّ، ومحمدا، وَيَعْلَى بْن عُبَيْد الطّنافسيّ، ومحمد بن يوسف الفريابيّ، وشبابة ابن سَوّار، وخلْقًا سواهم. روى عَنْهُ ابنه صالح كتابه المصنَّف بالجرح والتعديل، وهو كتاب مفيد يدلّ على إمامه الرجل وسعة حفظه. قَالَ عبّاس الدُّوريّ: إنّما كنّا نعدُّه مثل أَحْمَد بن حنبل، ويحيى بن مَعِين.

стр. 6215

قلت: ولد سنة اثنتين وثمانين ومائة. ونزح إِلَى الغرب أيّام المحنة بخلْق القرآن، وتُوُفيّ سنة إحدى وستّين ومائتين بطرابلس. وآخر من روى عَنْهُ مُسْنِد الأندلسي محمد بْن فُطَيْس الغافِقيّ. وروى عَنْهُ: سَعِيد بن عثمان، وسعيد بْن إِسْحَاق، وعثمان بن حديد الأكسريّ، وجماعة. وكان يقول: مَن آمن بالرجعة فهو كافر، ومَن قَالَ: القرآن مخلوق فهو كافر. وَقَالَ بعض الأئمة: لم يكن له عندنا شبيه بالمغرب، ولا نظير فِي زمانه فِي معرفة الحديث وإتقانه، وَفِي زُهْده وورعه. وقَالَ المؤرخ أبو العرب محمد بْن تميم الحافظ بالقيروان: سُئل مالك بْن عِيسَى القفصيّ الحافظ: مَن أعلم من رَأَيْت بالحديث؟ قَالَ: أمّا بالشيوخ فأحمد بْن عَبْد الله العِجْليّ. وقَالَ محمد بْن أَحْمَد بْن تميم الحافظ: سمعت أَحْمَد بْن مغيث، مقرئ ثقة، يقول: سُئل يحيى بْن مَعِين عن أَحْمَد بْن عَبْد الله العِجِليّ فقال: هُوَ ثقة ابنُ ثقة ابنُ ثقة. وقَالَ بعضهم: إنّما سكن أَحْمَد بطرابلس طلبًا للتفرُّد والعبادة. وقبره هناك على الساحل، وقبر ابنه صالح بجنبه. وتُوُفيّ صالح سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وقَالَ أَحْمَد: رحلت إِلَى أبي دَاوُد الطَّيالسيّ، فمات قبل قدومي بيوم. وكان أَبُوهُ من أصحاب حَمْزَةَ الزّيّات. ١٣ - أَحْمَد بْن عَبْد الله بْن القاسم. أبو بَكْر التميمي الوراق الحافظ١. سمع: عُبَيْد الله بْن مُعاذ العنبريّ، وصالح بن حاتم بن وردان.

стр. 6216

وعنه: ابنُ مَخْلَد العطّار، وأبو سَعِيد بْن الأعرابيّ. وكان بصْريًا يُعرف بالرّغيف. تُوُفيّ سنة تسعٍ وستّين. ١٤ - أَحْمَد بْن عَبْد الله الخُجُسْتانيّ١. الأمير المتغلّب على نيسابور. كان جبّارًا ظالمًا غاشمًا من أتباع يعقوب ابن اللَّيْث الَّذِي ستأتي أخباره. ثُمَّ خرج عن طاعته، فاستولى على نيسابور. من أبناء سنة إحدى وستّين ومائتين. وأخذ يُظْهر المَيْل إِلَى بني طاهر ليستميل بِذَلِك قلوب الرعية. وبقي يكتب أَحْمَد بْن عَبْد الله الطّاهريّ. ثُمَّ كاتَب رافع بْن هَرْثمَة، فقدم عليه وتلقّاه وجعله أتابكه. وله حُروب وأمور، وهو الَّذِي قَتَلَ يحيى بْن الذُّهليّ، فرآه بعضهم فِي النوم فقال: أَنَا لم أُقْتَلْ ولم أجد حرّ القتْل، ولكن الله أشقى الخُجُسْتانيّ بي. قلت: اتفق على الخُجُسْتانيّ اثنان من غلمانه فذبحاه وهو سَكْران لستٍّ بقين من شوال سنة ثمانٍ وستّين. وقَالَ محمد بْن صالح بْن هانئ: لمّا قُتِلَ محمد بْن يحيى حيكان ترك أبو عَمْرو أَحْمَد بْن الْمُبَارَك المستملي اللّباس الغضّة، فكان يَلْبَسُ فِي الشِّتَاءِ فَرْوًا بِلا قَمِيصٍ، وَفِي الصَّيف مَسْحًا، فقدِم يومًا إلى أحمد بن عبد الله فأخذ بعنانه وقَالَ: يا ظالم -قلت: الْإِمَام ابنُ الْإِمَام العالم ابن العالم- فارتعد أَحْمَد بْن عَبْد الله ونَفَرت دابّتُه فأتت الرّجّالة لتضربه فقال: دعوه دعوه. قَالَ عن أبي حاتم نوح، قَالَ: قَالَ لي الخُجُسْتانيّ: والله ما فزعت من أحدٍ فَزَعي من صاحب الفَرْوَة؛ ولقد ندِمت حينئذٍ على قتِل حيكان. خُجُسْتان: من جبل هَرَاة. ومن عسفه فِي مصادرته للرعيّة أنّه نصب رُمْحًا لزمهم أن يُغَطّوا أسنانه بالدّراهم. ١٥ - أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرحيم بْن سعيد.

стр. 6217

أبو بَكْر بْن البَرْقيّ المصريّ الحافظ، مَوْلَى بني زُهْرة. سمع: عَمْرو بْن أبي سلمة التِّنِّيسي، وأسد بْن مُوسَى، وعبد الملك بْن هشام، وطبقتهم. وله كتاب فِي معرفة الصّحابة وأنسابهم، رواه عَنْهُ أَحْمَد بْن عليّ المدينيّ. وكان إمامًا حافظًا متقنًا، عاش بعد أَخِيهِ محمد مدّة، وعاش بعده أخوه عَبْد الرحيم أيضًا. رَفَسته دابَّته فِي شهر رمضان سنة سبعين ومائتين فمات منها ﵀. وقد وَهِمَ الطَّبَرَانِيّ وَهْمًا مُنْكرًا، فسمع الكثير من عَبْد الرحيم بْن عَبْد الله بْن البَرْقيّ، عن ابنِ هشام، وعبد الله بْن يوسف التِّنِّيسيّ، وغيرهما. وسماه أحمد بن عبد الله، فنراه في معاجمه يقول: نبا أَحْمَد بْن عَبْد الله بْن البَرْقيّ، وهو عَبْد الرحيم بلا شكّ أنّه اشتُبه عليه هَذَا بهذا. والطَّبراني لم يُدرك أَحْمَد. ويؤيّد هَذَا أنّ عَبْد الرحيم تُوُفيّ سنة ستٍّ وثمانين، ولم يقل أبدًا: نبا عَبْد الرحيم بْن عَبْد الله فوهِمَ كما ترى وسمّاه أَحْمَد. ١٦ - أَحْمَد بْن القاسم بن عطيّة. أبو بكر الرازي١ البزّار والحافظ. سمع: أَبَا بَكْر المُقَدّميّ، وهشام بْن عمّار، وجماعة كثيرة. وأكثر الطواف. وعنه: الْوَلِيد بْن أبان، وعبد الرَّحْمَن بْن حمدان الجلّاب، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم وقَالَ: ثقة. ١٧- أَحْمَد بْن محمد بْن عُثْمَان. أبو عَمْرو الثَّقفيّ الدمشقي٢. عَنِ: الوليد بْن مُسْلِم، وَمحمد بْن شُعَيب. وعنه: ابن جوصا، وأبو عوانة في صحيحه، وجماعة.

стр. 6218

وكان صدوقًا. تُوُفيّ فِي شوّال سنة إحدى وستّين. ١٨ - أَحْمَد بْن محمد بْن هانئ الفقيه١. أبو بَكْر الأثرم الطّائيّ ويقال الكلبيّ الإسكافيّ الحافظ. صاحب الْإِمَام أَحْمَد. سمع: عَبْد الله بْن بُكَيْر، وأبا نُعَيْم، وعفّان، وعبد الله بْن رجاء، وأبا الْوَلِيد الطَّيَالِسِيُّ، وحَرَمي بْن حَفْص، ومعاوية بْن عَمْرو، والقعنبيّ، ومُسَدّدًا، وطبقتهم. وعنه: مُوسَى بْن هارون الحافظ، والنَّسائيّ فِي سُنَنه، وأحمد بْن محمد بْن ساكن الزّنْجانيّ، وابن صاعد، وعليّ بْن أبي طاهر القَزْوينيّ، وعُمَر بْن محمد بْن عِيسَى الجوهريّ. وجمع وصنَّف السُّنن، خرَّج كتاب العلل. وله مسائل سألها الْإِمَام أَحْمَد. قَالَ أبو بَكْر الخلّال: كان الأثرم جليل القدر حافظًا. لمّا قدِم عاصم بْن عليّ بغداد طلبَ من يُخرج له فوائد. فلم يجد غير أبي بَكْر، فلم يقع منه بموقع لحداثة سِنَه، فقال لعاصم: أخرِجْ كُتُبَك. فجعل يقول له: هَذَا الحديث خطأ، وهذا غلط، وهذا كذا، فسُّر عاصم به، وأملى قريبًا من خمسين حديثًا. وكان مع الأثرم تيقُّظ عجيب حَتَّى نسبه يحيى بْن معين أو يحيى بْن أيوب المقابريّ، فقال: كان أحد أبويّ الأثرم جِنِّيًّا. وقد أخبرني أبو بَكْر بْن صدقة قَالَ: سمعت أَبَا القاسم الخُتّليّ قَالَ: قدِم رجلٌ فقال: أريد أن يُكتب لي فِي الصلاة ما ليس فِي كُتُب أبي بَكْر بْن أبي شَيْبَة. فقلنا له: ليس لك إلّا الأثرم. قَالَ: فوجّهوا إليه ورقًا، فكتب ستّمائة ورقة من كتاب الصلاة. قَالَ: فنظرنا فإذا ليس فِي كتاب أبي بكر بن أبي شَيْبَة منه شيء٢. وأخبرني أبو بَكْر بْن صَدَقَة: سمعت إِبْرَاهِيم الأصبهانيّ يقول: أبو بَكْر الأثرم أَحْفَظُ من أبي زُرْعة الرّازي وأتقن٣.

стр. 6219

وسمعت الْحَسَن بْن عليّ بْن عُمَر الفقيه يقول: قدِم شيخان من خُراسان للحج فحدَّثا، فقعد هَذَا ناحية معه خلقٍ ومستملي، وقعد الآخر ناحية كذلك، فجلس الأثرم بينهما، فكتب ما أمليا معًا. تُوُفيّ الأثرم بإسكاف. ١٩- أَحْمَد بْن محمد بْن أبي بَكْر المقدّميّ الْبَصْرِيّ١. أبو عثمان، نزل الحرم. سمع: أباه، ومسلم بْن إِبْرَاهِيم، وحَجّاج بْن مِنْهال، وأباهما محمد بْن مجيب. وعنه: ابنُ أَبِي الدُّنيا، وأَبُو بَكْر بْن أَبِي عاصم، وعبد الرَّحْمَن بن أبي حاتم وقَالَ: صدوق. قلت: تُوُفيّ سنة ثلاثٍ، أو أربعٍ وسنيّن. وأمّا ولده: ٢٠- محمد بْن أَحْمَد فولي قضاء مكّة. روى عَنْهُ الطَّبرانيّ. ٢١ - أَحْمَد بْن محمد بْن أبي مُوسَى٢. أبو بَكْر الوراق، أحد تلامذة أحمد بن حنبل. روى عن: يسار بْن أبي مُوسَى، وغيره. تُوُفيّ سنة ثمانٍ وستّين. ٢٢ - أَحْمَد بْن محمد بْن مجالد. أبو حامد الهَرَويّ الفقيه٣. كان ثقة صاحب سنّة.

стр. 6220

رحل وحمل عنه: أبي نُعَيْم، وقَبِيصة. توفي سنة تسعٍ وستين. ٢٣- أحمد بْن محمد بْن عُبَيْد الله بْن المدبر. أبو الحسن الضَّبي الكاتب السُّرمرائيّ١. ولي مساحة الشام زمن المتكّل. وكان مفوَّهًا شاعرا مترسلا عالما يصلح للقضاء. وله أَخٌ اسمه إِبْرَاهِيم، شاعر محسِن رئيس. وللبُحْتُريّ فيهما مدائح. ثُمَّ ولي أَحْمَد كما ذكرنا خَرَاج دمشق ومصر أيضًا. ثُمَّ قبض عليه أَحْمَد بن طولون وعذّبه فِي سنة خمسٍ وستّين؛ لأنّه سجنه ثُمَّ طلبه فقال: ما حالك؟ فقال: تسألني عن حالي وأنت عملت بي هَذَا يا عدوّ الله! أخذل الله من يأمنك. فأمرَ بقتله، بل بقي فِي أضيق سجنٍ إِلَى أن مات سنة سبعين. ٢٤- أَحْمَد بْن محمد بْن عَبْد الكريم. أبو الْعَبَّاس الكاتب٢، مصنّف كتاب الخراج. تُوُفيّ فِي هَذَا العام. ٢٥- أَحْمَد بْن مَنْصُورٌ بْن سيار بن معارك٣. الحافظ أبو بَكْر الرّماديّ، أحد الثقات المشاهير. سمع: أَبَا النّضر، ويزيد بْن هارون، وأبا دَاوُد الطَّيالسيّ، وزيد بْن الحُبَاب، وأسود بْن عامر، وعبد الرّزّاق، رحل إليه، وعفّان، وعُبَيْد الله بْن مُوسَى، وخلْقًا بالشام، والعراق، واليمن، ومصر. ورحل مع يحيى بن معين، وكتب وصنف المسند.

стр. 6221

وكان له حِفْظ ومعرفة. وعنه: ق، وإسماعيل القاضي، وأبو القاسم البغوي، وابن صاعد والمحاملي، وابن أبي حاتم، وإسماعيل الصفار، وطائفة. قال ابن أبي حاتم: كان أبي يوثقه. وعن إبراهيم بن أورمة قَالَ: لو أنّ رجلين قَالَ أحدهما: ثنا الرماديّ، وقَالَ الآخر: ثنا أبو بَكْر بْن أبي شَيْبَة، كانا سواء. قال ابن المنادي: مات الرّماديّ سنة خمسٍ وستّين، لأربع بقين من ربيع الآخر. وقد استكمل ثلاثًا وثمانين سنة. ٢٦- أَحْمَد بْن وهب الزَّيَّات١. من كبار العارفين ببغداد. صحب بِشْرًا، والسَّري. وكان من أقران الجنيد، بل أكبر منه وأقدم موتًا. وكانا يتجالسان ويتكالمان فِي رقائق التصوُّف. وكان الْجُنَيْد يتأسَّف على فَقْده، ويفضلّه على نفسه. ٢٧- أَحْمَد بْن يوسف بْن خَالِد بن سالم. أبو الْحَسَن السُّلميّ النَّيْسابوريّ الحافظ، ويلقّب بحمدان٢. قَالَ إِسْمَاعِيل بْن مجيد الزّاهد، وهو حفيده: كان جدّي أدرى من الأب سُلَميّ الأُمِّ، فغلب عليه السُّلميّ. قلت: سمع من: حَفْص بْن عَبْد الرَّحْمَن، وحفص بْن عَبْد الله، والجارود بْن يزيد، وطائفة بخُراسان. وَفِي الرحلة رَأَى: النَّضر بْن هاشم، وموسى بْن دَاوُد، وجماعة ببغداد. ومن: محمد بن عبيد، وطبقته بالكوفة.

стр. 6222

ومن عَبْد الرّزّاق، وغيره باليمن. قَالَ الحاكم: سمع بالبصرة، والكوفة، والحجاز، واليمن، والشام، والجزيرة. وعنه: م. س. ق. وإبراهيم بْن أبي طَالِب، وابن خُزَيْمَة، وأبو صاعد الشَّرقيّ، وأبو حامد بْن بلال، ومُحَمَّد بْن الْحُسَيْن القطّان، وخلق. قال مكّيّ بن عبدان: سمعته يقول: كتبتُ عن عُبَيْد الله بْن مُوسَى ثلاثين ألف حديث. قَالَ ابنُ السَّريّ: تُوُفيّ سنة أربعٍ وستّين. وقلت: عن اثنتين وثمانين سنة، وكان من خواصّ يحيى بْن يحيى، وبينهما مصاهرة. ٢٨- أَحْمَد بْن يُونُس بْن المسيّب بْن زهير بْن العُمَيْر الضَّبّيّ١ أبو الْعَبَّاس الكوفيّ، نزيل إصبهان. سمع: عَبْد الله بْن بَكْر السَّهمي، ويعقوب بْن إِبْرَاهِيم الزُّهريّ، وحَجّاج بْن محمد، وجعفر بْن عَوْن، وأبا مُسْهِر الدّمشقيّ، وطائفة. وعنه: عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم وقَالَ: محلّه الصِّدق؛ ومحمد بْن عَبْد الله الصّفّار، وأبو العبّاس الأصمّ، وعبد الله ابن جَعْفَر بْن فارس. وقَالَ محمد بْن الفرخان: سمعت أَحْمَد بْن يُونُس يقول: قدَّمني أَبِي إِلَى الفُضَيل بْن عياض فمسح رأسي وسمعته يقول: الَّلهم أحسن خَلْقه وخُلُقه. وثّقه الدّارقطنيّ. وهو ابنُ عم دَاوُد بْن عُمَر الضّبّيّ شيخ البَغَوي. تُوُفيّ سنة ثمانٍ وستّين. قلت: وكان من أبناء التّسعين، صاحب رحلة ومعرفة.

стр. 6223

٢٩- أبان بْن عِيسَى بْن دينار. أبو القاسم الغافقيّ القُرْطُبيّ١. رحل، وأخذ عن: سَحْنُون، وعن: عليّ بْن مَعْبَد. وكان أحد العُبّاد. روى عَنْهُ: محمد بْن وضاحّ، وقاسم بْن محمد، وغيرهما. وتُوُفيّ فِي أحد الربيعَيْن سنة اثنتين وستين، وقد حكى عن أَبِيهِ. ٣٠- إِبْرَاهِيم بْن أُورَمهْ بْن سياوش٢. أبو إِسْحَاق الإصبهانيّ، الحافظ، أحد الأعلام. روى عن: محمد بْن بكّار، وعبّاس بْن عَبْد العظيم العنبري، وعاصم بْن النّضْر، وصالح بْن حاتم بن وردان، والفلّاس، وطبقتهم. وعنه: أبو بَكْر بْن أبي الدُّنيا، وأبو الْعَبَّاس بْن مسروق، ومحمد بْن يحيى، وأبو بَكْر السّاعديّ، وغيرهم. قال الدَّارقطنيّ، ثقة حافظ نبيل. وقَالَ ابنُ المنادي: ما رأينا في معناه مثله. وقال أبو النعيم الحافظ: فاق إِبْرَاهِيم أَهْل عصره فِي المعرفة والحِفَظ. وأقام بالعراق. قلت: لم ينتشر حديثه لأنّه مات كهلًا وله خمسة وخمسون سنة. قَالَ ابنُ نافع: تُوُفيّ فِي ذي الحجّة سنة ستٍّ وستّين. تابَعَه ابنُ المنادي، وما عداه خطأ. ٣١- إِبْرَاهِيم بْن أبي دَاوُد البرلُّسيّ٣.

стр. 6224

هو إبراهيم بن سليمان بن داود الَأسديّ الكوفيّ الأصل، الحافظ وُلِد بِصور. وعني بهذا الشأن. ورحل إِلَى العراق ومصر. والبَرَلُسيّ قيّده ابنُ نُقْطة بفتحتين ثُمَّ ضمّ الّلام. سمع: آدم بْن إياس، وسعد بْن مريم، وأبا مُسْهر الدّمشقيّ، وطبقتهم. وعنه: أبو جَعْفَر الطّحاويّ، ومحمد بْن يوسف الهَرَويّ، وأبو الْعَبَّاس الأصمّ، وأبو القاسم الصّابوني، وآخرون. قَالَ ابنُ يُونُس: هُوَ أحد الحفّاظ المجوّدين. تُوُفيّ بمصر فِي شعبان سنة سبعين. وقَالَ ابنُ جَوْصا: ذاكرْتُه، وكان من أوعية الحديث. ٣٢- إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الله بْن الْجُنَيْد١. أبو إِسْحَاق الخُتّليّ، نزيل سامرّاء. له تصانيف وتاريخ ورحلة. سمع: أَبَا نُعَيْم، وسعيد بْن أبي مريم، وأبا جَعْفَر النُّفيليّ، وأبا الْوَلِيد، وسليمان بْن حرب، وعُمَر بْن مرزوق، ويحيى بْن بُكَيْر. وعنده سؤالات عن يحيى بْن مَعِين فِي الجرح والتعديل. روى عَنْهُ: أبو العبّاس بْن مسروق، ومحمد بْن القاسم الكوكبيّ، وأبو بَكْر الخريطيّ، وأحمد بْن محمد الأدميّ، وآخرون. وثّقه أبو بكر الخطيب، قال: له كُتُب فِي الزُّهد والرّقائق. لم أجد له وفاةً. ٣٣- إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الرَّحْمَن الدارميّ٢. تُوُفيّ بسَمَرْقَنْد سنة ستٍّ وستّين، ودُفِن إِلَى جانب أخيه الحافظ أبي محمد الدّارميّ.

стр. 6225

٣٤- إِبْرَاهِيم بْن مَسْعُود بْن عَبْد الحميد القُرَشيّ الهمْدانيّ. أبو إِسْحَاق ابنُ أخي سندول. يروي عن: عبد الله بن نمير، وأبي أسامة، وأسباط بْن محمد، وجماعة. وعنه: أبو عَوانَة الإسفرائينيّ، وأبو حاتم وقَالَ: صدوق، ومحمد بْن عَبْد الله بْن بُلْبُل وغيرهم. ٣٥ - إِبْرَاهِيم بْن هانئ النَّيسابوري الزّاهد١. أبو إِسْحَاق، نزيل بغداد. سمع: محمد بْن عُبَيْد، وأخاه يَعْلَى، وعليّ بْن عيّاش، وبُسْر بْن صَفْوان، وأبا المُغيرة عَبْد القدُّوس بْن حجّاج، وعبد الله بْن داود الخُرَيْبيّ، وعُبَيْد الله بْن مُوسَى، وطائفة بمصر، والشام، والعراق. وعنه: ابن أبي حاتم: سَمِعْتُ منه، وَهُوَ ثقةٌ صدوق. وكان الْإِمَام أَحْمَد يُجِلّ إِبْرَاهِيم بْن هانئ ويحترمه ويَغْشاه. وقَالَ أبو بَكْر بْن زياد النيَّسابوريّ: حَدَّثَنِي أبو مُوسَى الطَّرسوسيّ فِي جنازة إِبْرَاهِيم بْن هانئ: سمعت ابنُ زَنْجَوَيْه يقول: قَالَ أَحْمَد بْن حنبل: إنْ كان ببغداد أحدٌ من الأبدال فَأَبُو إِسْحَاق النيَّسابوريّ. وقَالَ الخلّال: أَنَا عليّ بْن الْحَسَن، ثنا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن هانئ قَالَ: كان أَحْمَد بْن حنبل مختفيًا عندنا ههنا، فقال لي يومًا: ليس أُطيق ما يطيق أبوك من العبادة٢. وقَالَ ابنُ المنادي: تُوُفيّ فِي ربيع الآخر سنة خمسٍ وستّين. وقَالَ أبو زكريا بْن زياد: حضرت إِبْرَاهِيم بْن هانئ عند وفاته فقال: أَنَا عطشان. فجاءه ابنه بماء، فقال: أغابت الشمس؟ قَالَ: لا. فردّه وقَالَ: لمثل هَذَا فليعمل العاملون. ثُمَّ مات ﵀.

стр. 6226

٣٦ - إِبْرَاهِيم بْن يزيد. أبو إِسْحَاق القُرْطُبيّ، مَوْلَى بني أُميّة١. سمع: يحيى بْن يحيى اللَّيثيّ. ورحل وأخذ عن: أَصبغ بْن الفَرَج، وسَحْنُون. وكان شريفًا، فطينًا، مساويًا. روى عَنْهُ: أَحْمَد بْن خَالِد بْن الحُباب، وغيره. وتُوُفيّ فِي ربيع الأول سنة ثمانٍ وستّين. ٣٧ - إدريس بْن نصر بْن سابق الخَوْلانيّ المصريّ المعدّل٢. أخو بحر بْن نصر. تُوُفيّ سنة ثمانٍ وستّين. ٣٨ - إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الطَّلقيّ الأستراباذيّ٣. أبو بَكْر الفقيه المؤذّن. ثقة، سمع: يزيد بْن هارون، وأحمد بن أبي طيبة. وعنه: عَبْد الملك بن عديّ، ومحمد بْن إِبْرَاهِيم بْن مطرّف، وأهل أستراباذ. قَالَ عَبْد الملك: ما رَأَيْت فِي بلدنا أصلح منه. تُوُفيّ سنة أربعٍ وستّين. ٣٩ - إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم. أبو الأحوص الإسفرائينيّ٤. عن: مكّيّ بْن إبراهيم، وأبي الوليد الطَّيالسيّ.

стр. 6227

وعنه: أَبُوهُ أبو الْحَسَن الزّاهد، وإبراهيم بْن محمد المَرْوزيّ. وكثيرًا ما يروى عَنْهُ أبو عوانة فيقول: نبا أبو الأحواص صاحبنا. ٤٠ - إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الله بْن مَسْعُود الحافظ. أبو بِشْر العبْديّ الإصبهانيّ سمّويْه١. سمع: الحُصَيْن بْن حَفْص، وبكر بْن بكّار، وأبا مُسْهِر، وأبا اليَمَان، وأبا نُعَيْم، وَعَلِيُّ بْنُ عَيَّاشٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ التِّنِّيسيّ، وسعيد بْن أبي مريم، وخلْقًا كثيرًا بالشام ومصر، والعراق، وإصبهان. وخرّج الفوائد، وعني بالفِقْه والحديث. قَالَ أبو نُعَيْم الإصبهانيّ: كان من الحفاظ والفُقهاء. وقَالَ ابنُ أبي حاتم: سمعنا منه، وهو صدوق، ثقة. قلت: روى عَنْهُ محمد بْن أَحْمَد بْن ضرية، وأبو بكر بْن أبي دَاوُد، وعبد الله بْن جَعْفَر بْن فارس، وآخرون. قَالَ أبو الشَّيخ: كان حافظًا متقنًا، يُذاكر بالحديث. قلت: تُوُفيّ سنة سبعٍ وستّين. ٤١ - إِسْمَاعِيل بْن يحيى بْن إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو بْن مُسْلِم الفقيه٢. أبو إِبْرَاهِيم المُزَنيّ المصريّ، صاحب الشّافعيّ. روى عن: الشّافعيّ، ونُعَيْم بْن حمّاد، وعليّ بْن مَعْبَد بْن شدّاد، وغيرهم. روى عَنْهُ: أبو بَكْر بْن خُزَيْمة، وأبو بَكْر بْن زياد النَّيْسابوريّ، وابن جَوْصَا، والطَّحَاويّ، وابن أبي حاتم، وأبو الفوارس بْن الصّابونيّ، وآخرون. وتفقه به خلْق، وصنَّف التّصانيف. أخبرنا أبو حَفْص الفوارس، أَنَا أبو اليُمْن الكِنْدي كتابة، أَنَا أبو الْحَسَن بْن عَبْد السّلام، ثنا أبو إسحاق الشرازيّ الفقيه قَالَ: فأمّا الشّافعيّ رحمة الله فقد انتقل فقهه

стр. 6228

إِلَى أصحابه، فمنهم أبو إِبْرَاهِيم إِسْمَاعِيل بْن يحيى بْن إِسْمَاعِيل بْن عَمْرو بْن إِسْحَاق المُزَنيّ. مات بمصر سنة أربعٍ وستّين ومائتين. وكان زاهدًا عالمًا مجتهدًا مُنَاظِرًا مِحْجاجًا غوّاصًا على المعاني الدّقيقة، صنَّف كُتُبًا كثيرة: الجامع الكبير، والجامع الصغير، ومختصر المختصر، والمنثور، والمسائل المعتبرة، والترغيب فِي العِلم، وكتاب الوثائق. قَالَ الشّافعي: المُزَنيّ ناظر مذهبي. قلت: وردَ أنّ المُزَنيّ كان إذا فرغ من مسألة وأودعها مختصره صلّى رَكْعَتَين. وقِيلَ: إنّ بكّار بْن قُتَيْبَة قدِم مصر على قضائها، وهو حنفيّ، فاجتمع بالمُزَنيّ مرّة، فسأله رَجُل من أصحاب بكّار فقال: قد جاء فِي الأحاديث تحريم النبيذ وتحليله، فلِم قدَّمتم التّحريم على التحليل؟ فقال المُزَنيّ: لم يذهب أحد إِلَى تحريم النبيذ فِي الجاهلّية، ثمّ حلّلَ لنا. ووقع الاتّفاق على أنّه كان حلالًا فحُرّم، فهذا يعضد أحاديث التّحريم على التّحليل. فاستحسن بكّار ذلك منه. وقَالَ عَمْرو بْن تميم المكيّ: سمعتُ محمد بن إِسْمَاعِيل التّرمِذيّ: سمعت المُزَنيّ يقول: لا يصحُّ لأحدٍ توحيدٌ حَتَّى يعلم أنّ الله على العرش بصفاته. قلت: مثل أيّ شيء؟ قَالَ: سميع بصير عليم١. قَالَ السُّلميّ: سمعتُ محمد بْن عَبْد الله بْن شاذان: سمعت محمد بْن عليّ الكِنانيّ: سمعت عَمْرو بْن عُثْمَان المكّيّ يقول: ما رأيت أحدًا من المتعبّدين فِي كثرة من لقيت منهم أشدّ تعظيمًا للعِلْمِ منه. وكان من أشدّ النّاس تضييقًا على نفسه فِي الورع، وأوسعه فِي ذلك على النّاس. وكان يقول: أَنَا خُلُق من أخلاق الشافعيّ. وبَلَغَنا أنّ المُزَنيّ كان مُجاب الدّعوة، ذا زهدٍ وتقشُّف. أَخَذَ عنه خلق من علماء

стр. 6229

خراسان، والشّام، العجم. وقِيلَ: كان إذا فاتته صلاة الجماعة صلّى الصّلاة خمسًا وعشرين مَرَّةً١. وكان يُغَسِّل تعبُّدًا ودِيانة، فإنّه قَالَ: تعَانَيْت غسْلَ الموتى ليرقّ قلبي، فصار بي عادة. وهو الَّذِي غسّل الشافعيّ ﵀. وكان رأسًا فِي الفقه، ولم يكن له معرفة بالحديث كما ينبغي. تُوُفيّ لستٍّ بقين من رمضان سنة أربعٍ وستّين، عن تسعٍ وثمانين سنة. وصلّى عليه الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان المراديّ. ومن أصحاب المُزَنيّ الْإِمَام أبو القاسم عُثْمَان بْن سَعِيد بْن بشّار الأنماطيّ، شيخ ابنِ سُرَيْج، وزكريّا بْن يحيى الناجيّ، وإمام الأئمة ابنُ خُزَيْمة. وثقه أبو سَعِيد بْن يُونُس وقَالَ: كان يَلْزم الرِّباط. وقَالَ ابن أبي حاتم: سمعت منه، وهو صدوق. ٤٢- إِسْمَاعِيل بْن يحيى بْن الْمُبَارَك اليَزيديّ٢. أخو إِبْرَاهِيم ومحمد. أَخَذَ عن: أبي العتاهية، ومحمد بْن سلّام الْجُمَحيّ. وصنَّف كتابًا فِي طبقات الشّعراء. ٤٣- أَسِيد بْن عاصم بْن عَبْد الله الثَّقفي. مولاهم الإصبهانيّ٣. أبو الحسن، أخو محمد بْن عاصم. ولهما أَخَوان: عليّ، والنُّعمان لم يشتهرا. سمع أَسِيد الكثير، وصنَّف المُسَنْد، ورحل. وسمع: سَعِيد بْن عامر الضُّبَعيّ، وبشر بن عمر الزهراني، وعبد الله بن بكر السَّهميّ، وبكر بن بكّار، وطبقتهم.

стр. 6230

وعنه: أبو عليّ أَحْمَد بْن محمد بْن إِبْرَاهِيم، وعَبْد اللَّه بْن جَعْفَر بْن فارس، ومُحَمَّد بْن حَيَوَة الكَرْخيّ. تُوُفيّ سنة سبعين. قَالَ ابنُ أبي حاتم: سمعنا منه، وهو رِضى ثقة. ٤٤- أماجور التُّركيّ١. وليّ نيابة دمشق للمعتمد فبقي عليها ثمان سنين. وكان شجاعًا مَهِيبًا ظالمًا. ولي دمشق من سنة ستٍّ وخمسين إِلَى سنة أربعٍ وستّين. واستولى بعده على دمشق والشامات أَحْمَد بْن طولون. قَالَ أبو يعقوب الَأذْرعيّ المحدّث: لمّا بنى أماجور القبر الذي في الخوّاصين كتب على مائة سنة وسنة، فَمَا عاش بعد ذلك إلّا مائة يوم ويوم. "حرف الباء": ٤٥- بكّار بْن قُتَيْبَةَ بْن عُبَيْد الله٢. وقِيلَ: بكّار بْن قُتَيْبَةَ بن أسد بْن عُبَيْد الله بْن بِشْر بْن أبي بكرة بْن نُفَيْع بْن الْحَارِث. القاضي أبو بكرة الثَّقفيّ البكْراويّ الْبَصْرِيّ الفقيه الحنفيّ، قاضي ديار مصر. سمع: روح بن عبادة، وأبى دَاوُد الطَّيالسيّ، وعبد الله بْن بَكْر السَّهميّ، ووهب بن جرير، وسعيد بن عامر الضُّبيّ، وطبقتهم. وعنه: أبو عَوَانَة فِي مسنده الصّحيح، وعبد الله بْن عتّاب الرَّقّيّ، وأبو الميمون بن راشد، وأحمد بن سليمان ابن حَذْلَم، والحَسَن بْن عَبْد الملك الحصائري، ومحمد بْن محمد بْن أبي حُذَيْفة، وأحمد بْن محمد المّدِينيّ الحاميّ، وأبو الْعَبَّاس الأصمْ، وخلْق من الدَّمشقيين، فإنّه قدِم إليها فِي الآخر، ومن المصريّين والرّحّالة. وكان من القُضاة العادلين.

стр. 6231

قَالَ أبو بَكْر بْن المقرئ: نا محمد بْن بَكْر الشّعرانيّ بالقدس، نا أَحْمَد بْن سهل الهَرَويّ قَالَ: كنتُ ساكنًا فِي جوار بكّار بْن قُتَيْبَةَ، فانصرفت بعد العشاء، فإذا هو يقرأ: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] الآية. ثُمَّ نزلت فِي السحر، فإذا هو يقرؤها ويبكي، فعلمت أنّه كان يقرؤها من أول اللّيل١. وقَالَ محمد بْن يوسف الكِنْديّ: قدِم بكّار قاضيًا من قِبل المتوكّل فِي جمادى الآخرة سنة ستٍّ وأربعين، فلم يزل قاضيًا، يعنى على مصر إِلَى أن تُوُفيّ فِي ذي الحجة سنة سبعين، وأقامت مصر بلا قاضٍ بعده سبْع سنين، ثُمَّ ولّى خُمَارَوَيْه محمد بْن عَبْدة. وكان أَحْمَد بْن طولون أراد بكارا على لعن الموفَّق فامتنع، فسجنه إِلَى أن مات أَحْمَد، فأُطِلقَ بكّار، وبقي يسيرًا ومات. فغسِّل ليلًا، وكَثُرَ النّاس فلم يُدْفَن إِلَى العصر. قلت: وكان القاضي بكّار، عظيم الحرمة كبير الشّأن. وكان ينزل السّكان ويحضر مجالسه، فذكر الطّحاويّ قَالَ: استعظم بكّار بْن قُتَيْبَةَ قبيح حكم الْحَارِث بْن مسكين في قضيّة ابن السّائح، ويعني لمّا حكم عليه الْحَارِث وأخرج من يده دار الفيل، وتوجّه ابنُ السائح إِلَى العراق يغوث على الْحَارِث. قَالَ الطّحاويّ: وكان الْحَارِث إنما حكم فيها على مذهب أَهْل المدينة، فلم يزل يُونُس بن عبد الأعلى يكلّم بكارا ويجسّره حتّى جسر وردّ إلى ابن السائح ما كان أَخَذَ منهما. قَالَ الطّحاويّ: ولا أحصي كم كان أَحْمَد بْن طولون يجيء إِلَى مجلس بكّار وهو على الحديث، ومجلسه مملوء بالناس، ويتقدم الحاجب ويقول: لا يتغّير أحد من مكانه، فَمَا يشعر بكّار إلّا وابن طولون إِلَى جانبه، فيقول له: أيهّا الأمير ألا تتركني كنت أقضي حقّك وأقوم. ثُمَّ فسد الحال بينهما حَتَّى حبسه، وفعل به ما فعل٢.

стр. 6232

وقِيلَ إنّه صنَّف كتابًا نقض فِيهِ على الشّافعيّ ردّه على أبي حنيفة. وكان يأنس بيونس بْن عَبْد الأعلى، ويسأله عن أَهْل مصر وعُدولهم. ولما حبسه ابنُ طولون لم يمكنه أن يعزله، لأنّ القضاء لم يكن أمره إليه. وقيل إنّ بكّارًا كان يشاور فِي حكمه وأمره يُونُس بْن عَبْد الأعلى، والرجل الصّالح مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن القاسم، فبَلَغَنا أنّ مُوسَى سأله بكّار: من أَيْنَ المعيشة؟ قَالَ: من وقْفٍ لأبي أتكفّى به. وقَالَ: أريد أن أسألك يا أبا بكرة هل ركبك دين البصرة؟ قال: لا. قال: فهل ما نكحت لك ولد أو زَوْجَة؟ قَالَ: ما نكحت قطّ، وما عندي سوى غلامي. قَالَ: فأكرهك السُّلطان على القضاء؟ قَالَ: لا. قَالَ: فضربت آباط الإبِل لغير حاجة إلّا لتلي الذّمّة والفُرُوج؟ لله عليّ لا عُدْتُ إليك. فقال بكّار: أقِلني يا أَبَا هارون. قَالَ: أنت ابتدأت بمسألتي. ثُمَّ انصرف عَنْهُ ولم يعُد إليه. وقَالَ الْحَسَن بْن زُولاق فِي ترجمة بكّار: لمّا اعتلَّ ابنُ طولون راسل بكّارًا وقَالَ: أَنَا أردُّك إِلَى منزلك، فأجِبْني. فقال للرسول: قل له شيخٌ فانٍ وعليلٌ مُدْنَفٌ والملتقى قريب، والقاضي الله. فأبلغ الرَّسُول ابنِ طولون، فأطرق ثُمَّ أقبل يقول: شيخٌ فانٍ وعليلٌ مُدْنَفٌ والملتقى قريب، والله القاضي. ثُمَّ أمر بنقله من السّجن إِلَى دارٍ اكتُرِيَتْ له، وفيها كان يُحدّث. فَلَمَّا مات ابنُ طولون قَيِل لبكّار: انصرف إِلَى منزلك. فقال: الدّار بأُجرة وقد صلُحت لي. فأقام بها١. قَالَ الطّحاويّ: أقام بها بعد ابنُ طولون أربعين يومًا ومات٢.

стр. 6233

ونقل ابنُ خلّكان ﵀ أنّ ابنُ طولون كان يدفع إِلَى بكّار فِي العام ألف دينار سوى المقرَّر له فيتركها بختمها. فَلَمَّا دعاه إِلَى خلْع الموفَّق من ولاية العهد امتنعَ، فاعتقله وطالبه بجملة الذَّهب، فَحُمِل إليه بختومه، فكان ثمانية عشر كيسًا، فاستحى أَحْمَد بْن طولون عند ذلك، ثُمَّ أمره أن يسلِّم إِلَى محمد بْن شاذان الجوهريّ القضاء، ففعل، وجعله كالخلفية له. ثُمَّ سجنه أَحْمَد، فكان يحدِّث فِي السّجن من طاقة؛ لأنّ طَلَبَة الحديث سألوا ابنُ طولون فأذِن لهم على هَذِهِ الصُّورة. قَالَ ابنُ خلّكان: وكان بكّار بكّاءً تاليًا للقرآن، صالحًا ديّنًا، وقبره مشهور وقد عُرِف باستجابة الدّعاء عنده١. وقَالَ الطّحاويّ: كان على نهايةٍ فِي الحمد على ولايته. وكان ابنُ طولون على نهايةٍ فِي تعظيمه وإجلاله إِلَى أن أراد منه خلع الموفَّق ولعنه، فأبى فَلَمَّا رأى أنّه لا يسلم له منه ما يحاوله ألَّب عليه سُفهاء النّاس، وجعله لهم خصْمًا. فكان يقعد له من يقيمه مقام الخصوم، فلا يأبى، ويقوم بالحُجّة بنفسه. ثُمَّ حبسه فِي دارٍ، فكان كلّ جمعة يلبس ثيابه وقت الصلاة ويمشي إِلَى الباب، فيقول له الموكّلون به: ارجع. فيقول: اللَّهُمَّ أشهد. قَالَ: ووُلِد سنة اثنتين وثمانين ومائة. قلت: تُوُفيّ فِي ذي الحجة سنة سبعين، وشهده خلق أكثر ممّن شهِدَ العيد، وصلّى عليه ابنُ أَخِيهِ محمد بن الْحَسَن بْن قُتَيْبَةَ الثَّقفيّ. "حرف الجيم": ٤٦- جَعْفَر بْن أَحْمَد بن بهرام. أبو الباهليّ الأسْتراباذيّ الفقيه الشهيد٢، مفتي بلده. كان حنفيّ المذهب. وسمع من: جَعْفَر بْن عَوْن، وأبي نعيم، وجماعة.

стр. 6234

وعنه: عَبْد الملك بْن عديّ، والحسن بْن الْحُسَيْن بْن عاصم، وغيرهما. سَعَوْا به إِلَى الْحَسَن بْن يزيد العلويّ المتغلّب على جُرْجان بأنّه ناصبيّ، فسجنه، فَلَمَّا مات صلبه فِي جُرْجان. ٤٧- جَعْفَر بْن محمود الإسكافيّ الكاتب١. الوزير، أحد كُتّاب المتوكّل. ولي الوزارة للمعتزّ بالله، فلم تُحمد سيرته، وظلم وعَسَف. ولمّا عُزِل قَيِل فِيهِ أبيات منها: فِي غير حِفظ الله يا جَعْفَر ... ذلت قراك الْجَور والمُنْكَر وعاش خاملًا إِلَى سنة ثمانٍ وستّين فتُوُفيّ فيها. وطوّل ابنُ النّجّار ترجمته. وكان فِيهِ رَفْض. ٤٨- جِلْوان بْن سَمْرة بْن خاقان بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْن الحكم٢. أبو الطَّيَّب البانَبيّ الأمويّ الْبُخَارِيّ المحدِّث. سمع: المقرئ، والقعنبيّ، وعصامًا، وأبا مقاتل النّحْويّ، وأبا حفص الفقيه، وعيد بْن مَنْصُورٌ، وطبقتهم. وعنه: سهل بْن شَاذَوَيْه، والحسين بْن محمد بْن قريش، وغيرهما. قيَّده الخطيب: جِلْوان، بكسر الجيم. وقَالَ ابنُ ماكولا: بل هُوَ بفتحها. وكذا ذكره المسعوديّ، وغُنْجار. ومن ذريِّتَّه: أَحْمَد بْن حُسَيْنِ بن أَحْمَد بْن محمد بْن يعقوب بْن إِبْرَاهِيم بْن جُنَيْد بْن جلْوان. "حرف الحاء": ٤٩- حاتم بْن اللّيث بن الحارث٣.

стр. 6235

أبو الفضل الْبَغْدَادِيّ الجوهريّ الحافظ. سمع: عُبَيْد الله بْن مُوسَى، وحسين بْن محمد المَرْوَزيّ. وعنه: أو الْعَبَّاس السّرّاج، وأبو بَكْر الباغَنْديّ، ومحمد بْن مَخْلَد، وآخرون. تُوُفيّ سنة اثنتين وستّين. وكان ثقة مكثرًا. ٥٠- حاشد بْن إِسْمَاعِيل بْن عِيسَى الْبُخَارِيّ١. الغزّال الحافظ، نزيل الشّاش. كان أحد من طوّف، وعني بهذا الشأن. سمع: عُبَيْد الله بْن مُوسَى، ومكّيّ بْن إِبْرَاهِيم، ومن بعدهما. وعنه: محمد بْن يوسف بْن مطر العزيزيّ، وبكر بْن منير، ومحمد بْن إِسْحَاق السَّمرقنديّ، وأحمد بْن آدم الشّاشيّ، وآخرون. وتُوُفيّ بالشّاش سنة إحدى أو اثنتين وستّين. ٥١- حامد بْن أبي حامد النَّيْسابوريّ٢. أبو عليّ المقرئ. كان مقدَّم القرّاء ببلده. حدَّث عن: إسحاق بن سليمان الرازي، ومكي بن إبراهيم البلْخيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن عَبْد الله الدَّشتكيّ، ويحيى بْن يحيى، وجماعة. وعنه: أبو الْعَبَّاس السّرّاج، وابن خُزَيْمَة، وأبو عبد الله بْن الأخرم، وآخر من روى عَنْهُ أَحْمَد بْن عليّ بْن حسُّونة أحد الضَّعفاء. واسم أَبِيهِ محمود بْن حرب. مات سنة ستٍّ ومائتين.
следующие страницы →