قَالَ أبو بَكْر بْن المقرئ: نا محمد بْن بَكْر الشّعرانيّ بالقدس، نا أَحْمَد بْن سهل الهَرَويّ قَالَ: كنتُ ساكنًا فِي جوار بكّار بْن قُتَيْبَةَ، فانصرفت بعد العشاء، فإذا هو يقرأ: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: ٢٦] الآية. ثُمَّ نزلت فِي السحر، فإذا هو يقرؤها ويبكي، فعلمت أنّه كان يقرؤها من أول اللّيل١.
وقَالَ محمد بْن يوسف الكِنْديّ: قدِم بكّار قاضيًا من قِبل المتوكّل فِي جمادى الآخرة سنة ستٍّ وأربعين، فلم يزل قاضيًا، يعنى على مصر إِلَى أن تُوُفيّ فِي ذي الحجة سنة سبعين، وأقامت مصر بلا قاضٍ بعده سبْع سنين، ثُمَّ ولّى خُمَارَوَيْه محمد بْن عَبْدة.
وكان أَحْمَد بْن طولون أراد بكارا على لعن الموفَّق فامتنع، فسجنه إِلَى أن مات أَحْمَد، فأُطِلقَ بكّار، وبقي يسيرًا ومات. فغسِّل ليلًا، وكَثُرَ النّاس فلم يُدْفَن إِلَى العصر.
قلت: وكان القاضي بكّار، عظيم الحرمة كبير الشّأن. وكان ينزل السّكان ويحضر مجالسه، فذكر الطّحاويّ قَالَ: استعظم بكّار بْن قُتَيْبَةَ قبيح حكم الْحَارِث بْن مسكين في قضيّة ابن السّائح، ويعني لمّا حكم عليه الْحَارِث وأخرج من يده دار الفيل، وتوجّه ابنُ السائح إِلَى العراق يغوث على الْحَارِث.
قَالَ الطّحاويّ: وكان الْحَارِث إنما حكم فيها على مذهب أَهْل المدينة، فلم يزل يُونُس بن عبد الأعلى يكلّم بكارا ويجسّره حتّى جسر وردّ إلى ابن السائح ما كان أَخَذَ منهما.
قَالَ الطّحاويّ: ولا أحصي كم كان أَحْمَد بْن طولون يجيء إِلَى مجلس بكّار وهو على الحديث، ومجلسه مملوء بالناس، ويتقدم الحاجب ويقول: لا يتغّير أحد من مكانه، فَمَا يشعر بكّار إلّا وابن طولون إِلَى جانبه، فيقول له: أيهّا الأمير ألا تتركني كنت أقضي حقّك وأقوم.
ثُمَّ فسد الحال بينهما حَتَّى حبسه، وفعل به ما فعل٢.
стр. 6232
وقِيلَ إنّه صنَّف كتابًا نقض فِيهِ على الشّافعيّ ردّه على أبي حنيفة. وكان يأنس بيونس بْن عَبْد الأعلى، ويسأله عن أَهْل مصر وعُدولهم.
ولما حبسه ابنُ طولون لم يمكنه أن يعزله، لأنّ القضاء لم يكن أمره إليه.
وقيل إنّ بكّارًا كان يشاور فِي حكمه وأمره يُونُس بْن عَبْد الأعلى، والرجل الصّالح مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن القاسم، فبَلَغَنا أنّ مُوسَى سأله بكّار: من أَيْنَ المعيشة؟ قَالَ: من وقْفٍ لأبي أتكفّى به.
وقَالَ: أريد أن أسألك يا أبا بكرة هل ركبك دين البصرة؟ قال: لا.
قال: فهل ما نكحت لك ولد أو زَوْجَة؟ قَالَ: ما نكحت قطّ، وما عندي سوى غلامي.
قَالَ: فأكرهك السُّلطان على القضاء؟ قَالَ: لا.
قَالَ: فضربت آباط الإبِل لغير حاجة إلّا لتلي الذّمّة والفُرُوج؟ لله عليّ لا عُدْتُ إليك.
فقال بكّار: أقِلني يا أَبَا هارون.
قَالَ: أنت ابتدأت بمسألتي.
ثُمَّ انصرف عَنْهُ ولم يعُد إليه.
وقَالَ الْحَسَن بْن زُولاق فِي ترجمة بكّار: لمّا اعتلَّ ابنُ طولون راسل بكّارًا وقَالَ: أَنَا أردُّك إِلَى منزلك، فأجِبْني.
فقال للرسول: قل له شيخٌ فانٍ وعليلٌ مُدْنَفٌ والملتقى قريب، والقاضي الله. فأبلغ الرَّسُول ابنِ طولون، فأطرق ثُمَّ أقبل يقول: شيخٌ فانٍ وعليلٌ مُدْنَفٌ والملتقى قريب، والله القاضي. ثُمَّ أمر بنقله من السّجن إِلَى دارٍ اكتُرِيَتْ له، وفيها كان يُحدّث. فَلَمَّا مات ابنُ طولون قَيِل لبكّار: انصرف إِلَى منزلك.
فقال: الدّار بأُجرة وقد صلُحت لي. فأقام بها١.
قَالَ الطّحاويّ: أقام بها بعد ابنُ طولون أربعين يومًا ومات٢.
стр. 6233
ونقل ابنُ خلّكان ﵀ أنّ ابنُ طولون كان يدفع إِلَى بكّار فِي العام ألف دينار سوى المقرَّر له فيتركها بختمها. فَلَمَّا دعاه إِلَى خلْع الموفَّق من ولاية العهد امتنعَ، فاعتقله وطالبه بجملة الذَّهب، فَحُمِل إليه بختومه، فكان ثمانية عشر كيسًا، فاستحى أَحْمَد بْن طولون عند ذلك، ثُمَّ أمره أن يسلِّم إِلَى محمد بْن شاذان الجوهريّ القضاء، ففعل، وجعله كالخلفية له. ثُمَّ سجنه أَحْمَد، فكان يحدِّث فِي السّجن من طاقة؛ لأنّ طَلَبَة الحديث سألوا ابنُ طولون فأذِن لهم على هَذِهِ الصُّورة.
قَالَ ابنُ خلّكان: وكان بكّار بكّاءً تاليًا للقرآن، صالحًا ديّنًا، وقبره مشهور وقد عُرِف باستجابة الدّعاء عنده١.
وقَالَ الطّحاويّ: كان على نهايةٍ فِي الحمد على ولايته. وكان ابنُ طولون على نهايةٍ فِي تعظيمه وإجلاله إِلَى أن أراد منه خلع الموفَّق ولعنه، فأبى فَلَمَّا رأى أنّه لا يسلم له منه ما يحاوله ألَّب عليه سُفهاء النّاس، وجعله لهم خصْمًا.
فكان يقعد له من يقيمه مقام الخصوم، فلا يأبى، ويقوم بالحُجّة بنفسه. ثُمَّ حبسه فِي دارٍ، فكان كلّ جمعة يلبس ثيابه وقت الصلاة ويمشي إِلَى الباب، فيقول له الموكّلون به: ارجع.
فيقول: اللَّهُمَّ أشهد.
قَالَ: ووُلِد سنة اثنتين وثمانين ومائة.
قلت: تُوُفيّ فِي ذي الحجة سنة سبعين، وشهده خلق أكثر ممّن شهِدَ العيد، وصلّى عليه ابنُ أَخِيهِ محمد بن الْحَسَن بْن قُتَيْبَةَ الثَّقفيّ.
"حرف الجيم":
٤٦- جَعْفَر بْن أَحْمَد بن بهرام. أبو الباهليّ الأسْتراباذيّ الفقيه الشهيد٢، مفتي بلده. كان حنفيّ المذهب.
وسمع من: جَعْفَر بْن عَوْن، وأبي نعيم، وجماعة.
стр. 6234
وعنه: عَبْد الملك بْن عديّ، والحسن بْن الْحُسَيْن بْن عاصم، وغيرهما.
سَعَوْا به إِلَى الْحَسَن بْن يزيد العلويّ المتغلّب على جُرْجان بأنّه ناصبيّ، فسجنه، فَلَمَّا مات صلبه فِي جُرْجان.
٤٧- جَعْفَر بْن محمود الإسكافيّ الكاتب١.
الوزير، أحد كُتّاب المتوكّل. ولي الوزارة للمعتزّ بالله، فلم تُحمد سيرته، وظلم وعَسَف. ولمّا عُزِل قَيِل فِيهِ أبيات منها:
فِي غير حِفظ الله يا جَعْفَر ... ذلت قراك الْجَور والمُنْكَر
وعاش خاملًا إِلَى سنة ثمانٍ وستّين فتُوُفيّ فيها.
وطوّل ابنُ النّجّار ترجمته. وكان فِيهِ رَفْض.
٤٨- جِلْوان بْن سَمْرة بْن خاقان بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مَرْوَانَ بْن الحكم٢.
أبو الطَّيَّب البانَبيّ الأمويّ الْبُخَارِيّ المحدِّث.
سمع: المقرئ، والقعنبيّ، وعصامًا، وأبا مقاتل النّحْويّ، وأبا حفص الفقيه، وعيد بْن مَنْصُورٌ، وطبقتهم.
وعنه: سهل بْن شَاذَوَيْه، والحسين بْن محمد بْن قريش، وغيرهما.
قيَّده الخطيب: جِلْوان، بكسر الجيم.
وقَالَ ابنُ ماكولا: بل هُوَ بفتحها.
وكذا ذكره المسعوديّ، وغُنْجار.
ومن ذريِّتَّه: أَحْمَد بْن حُسَيْنِ بن أَحْمَد بْن محمد بْن يعقوب بْن إِبْرَاهِيم بْن جُنَيْد بْن جلْوان.
"حرف الحاء":
٤٩- حاتم بْن اللّيث بن الحارث٣.
стр. 6235
أبو الفضل الْبَغْدَادِيّ الجوهريّ الحافظ.
سمع: عُبَيْد الله بْن مُوسَى، وحسين بْن محمد المَرْوَزيّ.
وعنه: أو الْعَبَّاس السّرّاج، وأبو بَكْر الباغَنْديّ، ومحمد بْن مَخْلَد، وآخرون.
تُوُفيّ سنة اثنتين وستّين.
وكان ثقة مكثرًا.
٥٠- حاشد بْن إِسْمَاعِيل بْن عِيسَى الْبُخَارِيّ١. الغزّال الحافظ، نزيل الشّاش.
كان أحد من طوّف، وعني بهذا الشأن.
سمع: عُبَيْد الله بْن مُوسَى، ومكّيّ بْن إِبْرَاهِيم، ومن بعدهما.
وعنه: محمد بْن يوسف بْن مطر العزيزيّ، وبكر بْن منير، ومحمد بْن إِسْحَاق السَّمرقنديّ، وأحمد بْن آدم الشّاشيّ، وآخرون.
وتُوُفيّ بالشّاش سنة إحدى أو اثنتين وستّين.
٥١- حامد بْن أبي حامد النَّيْسابوريّ٢.
أبو عليّ المقرئ.
كان مقدَّم القرّاء ببلده.
حدَّث عن: إسحاق بن سليمان الرازي، ومكي بن إبراهيم البلْخيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن عَبْد الله الدَّشتكيّ، ويحيى بْن يحيى، وجماعة.
وعنه: أبو الْعَبَّاس السّرّاج، وابن خُزَيْمَة، وأبو عبد الله بْن الأخرم، وآخر من روى عَنْهُ أَحْمَد بْن عليّ بْن حسُّونة أحد الضَّعفاء.
واسم أَبِيهِ محمود بْن حرب.
مات سنة ستٍّ ومائتين.
стр. 6236
٥٢- الْحَسَن بْن ثواب الفقيه.
أبو عليّ الثعلبي١، صاحب أَحْمَد بْن حنبل.
سمع: يزيد بْن هارون، وعمّار بْن عُثْمَان الحلبيّ وعنه: أبو جَعْفَر بْن البَخْتَريّ، وإسماعيل الصّفّار.
قَالَ الدّارَقُطْنِيّ: ثقة.
وقَالَ: أبو بَكْر الخلّال: شيخ جليل القدر.
قلت: مات سنة ثمانٍ وستّين.
٥٣- الْحَسَن بن زيد بْن إِسْمَاعِيل بْن الْحَسَنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ. العلويّ الحسنيّ الزَّبديّ الأمير٢.
ظهر بطَبَرِستْان سنة خمسين، فغلب على جُرْجان وتلك الدّيار. واستفحل أمره، وهزم جيوش الخليفة، ودخل الرِّيَّ.
ثُمَّ رجع إِلَى طَبَرِسْتان وصاهر الدَّيلم، وقويّ أمره، وامتدّت أيامه.
تُوُفيّ سنة سبعين فِي شعبان، وقام بالأمر بعده أخوه محمد بْن يزيد، فاتّصلت أيّامه إِلَى أن قُتِلَ سنة سبعٍ وثمانين، وقِيلَ بعد ذلك.
٥٤- الحسن بن سليمان ين سلام. أبو عليّ الغَزَاريّ البصْريّ الحافظ، المعروف بقُبَّيْطَة٣.
أحد الأثبات.
سمع: عَبْد الله بْن يوسف التِّينسيّ، وأبا نُعَيْم، وطائفة.
وعنه: أبو خُزَيْمَة، وأبو بَكْر بْن زياد النَّيسابوريّ، وجماعة.
واستوطن مصر، وبها توفَّي سنة إحدى وستّين.
стр. 6237
وثّقة ابن يونس ووصفه الحفظ.
٥٥- الْحَسَن بْن عليّ المُسُوحيّ الزّاهد١.
من كبار الصُّوفيّة ببغداد.
صحِب السَّريّ السَّقطيّ، وحكى عن بِشْر الحافي، وهو أوّل من عقد له حلقة ببغداد يتكلَّمَ فيها فِي الحقيقة.
حكى عنه: الجنيد، وأبو العبّاس بن مسروق، القاضي المَحَامليّ، وغيرهم. وصحِبه أبو حَمْزَةَ الْبَغْدَادِيّ وأبو محمد الحريريّ.
وكان عذْبَ العبارة زاهدًا قانعًا، لم يكن له منزلٌ يأوي إليه، بل كان له بيت فِي المسجد.
قَالَ السُّلميّ: سمعت أَبَا الْعَبَّاس الْبَغْدَادِيّ: سمعتُ جَعْفَر الخُلْديّ: سمعت الْجُنَيْد يقول: كلَّمتُ حَسَنًا المُسُوحيّ فِي شيء من الأنس، فقال لي: ويحك ويْحك ما الأنْس؟ لو مات من تحت السّماء ما استوحشت٢.
وقَالَ ابنُ الأعرابيّ: سمعت غير واحد أنّه سمع أَبَا حَمْزَةَ يقول كثيرًا: حَسَن أستاذنا، رحِم الله حَسَنًا.
قَالَ ابنُ الأعرابي: فقال إنّ أول حلقةٍ كَانَتْ فِي جامع بغداد للصُّوفية حلقة المُسُوحيّ، ثُمَّ بعده حلقة أبي حمزة. وكان المسرحيّ لا يجاوز عِلْم الأصول والعبادات والإدارات والأحوال دون العارف لا يجاوز ذلك.
توفّي المسرحي رحمة الله عليه بعد الستين.
٥٦- الْحَسَن بْن محمد بْن سماعة الكوفيّ٣.
نَسْفيٌّ كبير له تصانيف فِقهيّة عند الإماميّة.
تُوُفيّ سنة ثلاثٍ وستين ومائتين.
стр. 6238
٥٧- الْحَسَن بْن أبي الرَّبِيع يحيى بْن الْجَعْد الْجُرجانيّ١.
أبو عليّ العبْديّ.
نزيل بغداد.
سمع: أَبَا يحيى الحِمّاني، وعبد الصمد بْن عَبْد الوارث، ووهْب بْن جرير، وعبد الرّزّاق، وشَبَابة، ويزيد بْن هارون، وجماعة.
وعنه ق. وأبو بَكْر بْن أَبِي عاصم، وعبد الله بن أبي داود، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وأبو بَكْر بْن زياد النَّيْسابوريّ، والقاضي المَحَاملِيّ، وآخرون.
قَالَ ابنُ أبي حاتم: صدوق.
وقَالَ ابنُ المنادي: مات فِي سَلْخ جُمَادى الأولى سنة ثلاثٍ وستّين، وبلغ فيما قَيِل ثلاثًا وثمانين سنة.
قلت: كان صاحب حديث وحِفْظ ورحلة.
٥٨- الْحَسَن بْن مَخْلَد بْن الجرَاح.
الوزير أبو محمد الْبَغْدَادِيّ الكاتب٢.
ومن أعجب الاتفاق أنّ أربعة وُلّوا الوزارة وُلِدوا فِي سنة تسعٍ ومائتين: هَذَا: وعُبَيْد الله بن يحيى بْن خاقان، ومحمد بْن عَبْد الله بْن طاهر وأحمد بْن إِسْرَائِيل.
ولي الْحَسَن الوزارة للمعتمد مرتيَّن، وصادره فِي الأولى، ثُمَّ استوزره مرّة ثالثة سنة خمسٍ وستّين، ثُمَّ سخط عليه فِي شعبان من السَّنة، فانسحب إِلَى مصر. فَأَقْبَلَ عليه أَحْمَد بْن طولون وولّاه قطر البلاد، وضمن له زيادة ألف ألف دينار فِي السَّنة مع العدل. فَخَافَهُ الكاتب، فقال لابن طولون: هَذَا عين للموفَّق عليك، وصبغوه بِذَلِك فحبسه، فقالوا لا ينبغي أن يكون محبوسًا فِي جوارك، فربّما حَدَثَ به حدثٌ فَيُنْسَب إليك. فبعثَ له إِلَى متولّي أنطاكية، وأمره أن يعذِّبه فعَذَّبه حتى هلك في سنة تسع وستين.
стр. 6239
وكان مع ظُلْمه شاعرًا فصيحًا جوادًا ممدَّحا نبيل الرأي. مدَحهُ البُحْتُريّ، وغيره.
ولم يذكره الخطيب.
وذكره ابنُ النّجّار، وأنّه جمع بين الوزارة وكتابة الموفَّق.
وكان آية فِي حساب الدّيوان، حتّى قيل: ما لا يعلمه الْحَسَن فَلَيْس من الدُّنيا.
وكان تامّ الشكل، مهيب البأس، عظيم التَّجمُّيل، سريًّا. وكان خدمه يركبون يوم الجمعة بالجنائب الكثيرة وغلمانه بالدّيباج المنسوج بالذَّهب. فإذا جلي فِي داره وقفت العين على فرش وسُتُور ونحو ذلك بمائة ألف دينار.
وقِيلَ: بل هلك سنة إحدى وسبعين ومائتين.
٥٩- حمّاد بْن إِسْحَاق بْن حمّاد بْن زَيْدِ بْن درهم. أبو إِسْمَاعِيل الأزْديّ الْبَغْدَادِيّ القاضي. أخو إِسْمَاعِيل القاضي١.
كان فقيهًا كأخيه فِي مذهب مالك.
تفقّه على: أَحْمَد بْن المعدّل.
وحدَّث عن: مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم، والقَعْنبيّ، وإسماعيل بْن أبي أُوَيْس، وجماعة.
وصنَّف تصانيف في المذهب.
وعنه: ابنه إبراهيم، والمحاملي، وأبو بكر الخرائطي، وغيرهم.
وثقه الخطيب.
وكان يصحب الخلفاء فغضب عليه المهتدي بالله سنة خمسٍ وخمسين وضربه وطوَّف به لشيءٍ بلغ عنه. وعزل أخاه إسماعيل عن القضاء.
توفَّي فِي جُمَادى سنة سبعٍ وستّين ببلد السُّوس، وله ثمان وستّون سنة. وقد ولي قضاء بغداد نوبةً.
стр. 6240
"حرف الخاء":
٦٠- خَالِد بن أَحْمَد بْن الهَيْثَم بْن الذُّهليّ١.
أمير خُراسان فيما وراء النهر. له ببُخارى آثار ممدوحة. أقدَم إليها المحدِّثين وأكرمهم، وطلب أن يأتي أبو عبد الله البخاري إلى داره ليسمع أولاد الصّحيح، فامتنع من المجيْء إليه، فأخرجه من بُخَارى.
ثُمَّ إنّه فِي آخر أمره خرج على آل طاهر ومال إِلَى يعقوب بْن الَّليث بْن الصّفّار الَّذِي خرج بسِجِسْتان.
ثُمَّ إنّه حجّ سنة تسعٍ وستّين فقُبِضَ عليه وسُجِنَ ببغداد فهلك فِي الحبس فِي هَذَا العام.
وقد سمع من: إِسْحَاق بْن راهَوَيْه، وعُبَيْد الله بْن عُمَر القواريريّ، والحسن بن عليّ الخلال، ومحمد بن عليّ ابن شقيق، وطائفة.
ومن أَبِيهِ أَحْمَد بْن خَالِد بْن حمّاد بْن عَمْرو.
وروى عَنْهُ: سهل بْن شاذَويْه، ونصرك بْن أَحْمَد، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم، وأبو بَكْر أَحْمَد بْن محمد المكتّب، وأبو الْعَبَّاس بْن عقدة، وأبو حامد الأعشى، وآخرون.
قال الحاكم في ترجمته: بلغنا أنه أنفق على طلب الحديث ألف ألف درهم.
وكان يمشي لطلب السّماع ولا يركب. وتوفّي سنة سبعين.
٦١- خَالِد بْن يزيد بْن الهيثم التميمي الكاتب٢.
أحد الشعراء البُلَغاء.
تُوُفيّ ببغداد، وقد شاخ وهرِم.
وأصله من خُراسان.
حدَّث خَالِد الكاتب قَالَ: أُدْخِلْتُ على إِبْرَاهِيم بْن المهديّ وأنا غلام، فقال: أنت خَالِد؟ قلت: نعم.
стр. 6241
قَالَ: أنشدني شيئًا.
قلت: أعزَ الله الأمير، أَنَا حَدَث أمْزَح، لا أهجو ولا أمدح، وإن رَأَى الأمير أن يعفيني.
قَالَ: والله لتقولّن، فإنّ الَّذِي تقوله فِي بيجور يظلّ أشدّ لدواعي البلاء.
فأنشدته:
رأت منه عيني منظرين كما رأت ... من البدر والشمس المنيرة بالأرض
عشيّة حيّاني بوردٍ كأنّه ... خدودٌ صفَّت بعضهنّ إِلَى بعض
وناولني كأسًا كأن رُضابَها ... دموعي لمّا صُدّ عن مقلتي غَمضي
وولّى وفِعْل السُّكْر فِي حرَكاته ... من الراح فِعْلَ الرّيح فِي الغُصن الغضّ١
قال: فزدني. وقال: يا بني الناس يشبِّهون الخدود بالورد، وأنت شبّهت الورد بالخدود. زدني.
فأنشدته:
عش فحبيّك سريعًا قاتلي ... والفَناء إنْ لم تصلني واصلي
ظفر الحبّ بقلبٍ دنفٍ ... فيك والسّقم بجسمٍ ناحلِ
منهما بين اكتئابٍ وبِلًى ... تركاني كالقضيب الذّابلِ
وبُكى العاذل لي من رحمةٍ ... فبُكائي لبكاء العاذل
قال: أحسنت. ووصلني بثلاثمائة وخمسين دينار.
وعن أبي العَيْناء قَالَ: لقيت خالدًا الكاتب والصّبيان يعبثون به، فأخذته وأطعمته، وأنشدني:
مؤنس كان لي وكنت له ... يرتع فِي دولةٍ من الدُّول
حَتَّى إذا ما الزّمان غيّره ... عني بقول الوشاة والعذل
قلت له عن مقالةٍ سبقت ... يا مُنْتَهى غايتي ويا أملي
стр. 6242
كنت صديقًا فصرت معرفةً ... بدَّلني الله شرَّ مبدلِ.
وأنشد أيضًا:
بالوجنتين اللَّتين كالسّرج ... والحاجَبين اللَّتَين كالسَّبج
والمُقْلتين الّتي ألحاظهما ... سفّاكة النُّفوس والمهج
ألا ذلك الَّذِي يتّمه حبُّك ... يا واحدي على الفرج
ولخالد:
عذّبني بالدّلال والتِّيه ... وصدّ عني فكيف أرقيه؟
ظَبْيٌ من التِّيه لا يكلّمني ... سُبحان من صاغ حُسْنَهُ فِي فِيهِ
الشّمس من وَجْنَتَيه طالعهٌ ... والّدرُّ فوق الجبين يحكيه
يا أحسن الوجه جُد لمكتبٍ ... بقلبه منك كي أُهنيه
وله:
رقدتَ ولم تَرْثِ للساهر ... وليل المحبّ بلا آخر
ولم تَدْرِ بعد ذَهاب الرُّقادِ ... ما فعل الدَّمع بالنّاظر
أيا من يعيد لي حسنه ... أجِرْني من طَرْفك الجائر
وجد للفؤآد فداك الفؤآ ... د من طَرْفك الفاتن الفاتر١
وعن خَالِد الكاتب قال: طرق بابي بعد العتمة، فخرجت فإذا رجل على حمار مغطى الرأس معه خادم، فقال: أنت الَّذِي تقول:
ليت ما أصبح من رقـ ... ـة خدَّيك بقلبك
قلت: نعم.
قَالَ: فأنت الَّذِي تقول:
أقول للقسم عُد إِلَى بدني ... حبًّا لشيء يكون من سببك
стр. 6243
قلت: نعم.
قَالَ: أنت الَّذِي تقول:
ترشَّفت من شفتيه العُقارا ... وقبّلْت من خدّه الجلَّنارا
قلت: نعم.
قَالَ: يا غلام ادفع إليه ما معك.
فدفع إلي صرّةً فيها ثلاثمائة دينار.
قلت: والله لا أقبلها حَتَّى أعرفك.
قَالَ: أَنَا إِبْرَاهِيم بْن المهديّ.
وقد وسوس خالد وكبر، وكان يركب قصبة.
وقَالَ بعضهم: فلو رَأَيْته والصّبيان يتبعونه ويقولون: يا بارد.
ويقولون: ما الَّذِي صار بك إِلَى هَذَا؟ فيقول:
الهموم والسَّهر ... والسُّهاد والفِكَر
سلّطت على جسدٍ ... فِيهِ للبَلْوى أثر
لا من كلفت به ... ما يطيق ذل بَشر
وشِعْره مقطوعٌ سائر
٦٢- الخصّاف.
شيخ الحنفيّة الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو والخصّاف الشَّيبانيّ١.
له تصانيف.
يروي عَنْ: وهْب بْن جرير، والعبْديّ، والواقديّ، وأبي نُعَيْم، وخلْق.
ذكره ابنُ النّجّار، وما ذكر عَنْهُ راويًا.
وكان ذا زهدٍ ووَرَع.
مات سنة إحدى وستّين ومائتين.
стр. 6244
٦٣- الخَضِر بْن أبان. أبو القاسم الأياميّ الهاشميّ، مولاهم الكوفيّ١.
سمع: أزهر السّمّان، ويحيى بْن آدم، وسيّار بْن حاتم، وإبراهيم بْن هندية الَّذِي زعم أنّه سمع من أَنَس.
وعنه: عبد الله بن أحمد بن زيد القاضي، وعليّ بْن محمد بْن محمد بْن عُقْبَةَ الشَّيباني، وابن الأعرابيّ، والأصمّ، وغيرهم.
ضعّفه الدّارَقُطْنِيّ.
وآخر من رَوَى عَنْهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبي العزائم.
وضعّفه أيضًا الحاكم، وقَالَ: سمعته، يعني الدَّارقطنيّ، يقول عن شيوخه إنّهم رأوا الخضِر بْن أبان يروي عن أبي مُعَاوِيَة، وأبي بَكْر بْن عيّاش من كتاب، فاستلبوا الكتاب منه، فإذا هُوَ سماعه من أَحْمَد بْن يُونُس، عن هَؤُلَاءِ.
قلت: أصله دلَّس عَنْهُمْ وحرّف أَحْمَد بْن يُونُس.
٦٤- خطاب بن بشر بن مطر٢.
أبو عمر الْبَغْدَادِيّ الواعظ.
كان رأسًا فِي التّذكير والوعظ.
سمع من: عَبْد الصّمد بْن النُّعمان، وأحمد بْن حنبل.
وسأل أَحْمَد مسائل فِي جزءٍ سمعناه.
روى عَنْهُ: محمد بْن مَخْلَد القطّان، وأحمد بْن محمد الأدميّ.
وتوفَّي ببغداد فِي المحرّم سنة أربعٍ وستّين.
"حرف الدال":
٦٥- دَاوُد بن علي بن خلف٣.
стр. 6245
أبو سُلَيْمَان الْبَغْدَادِيّ الإصبهاني، مَوْلَى المهديّ، الفقيه الظّاهريّ، رأس أَهْل الظّاهر.
وُلِد سنة ثمانين، وسمع: سُلَيْمَان بْن حرب، والقَعْنَبيّ، وعَمْرو بْن مرزوق، ومحمد بْن بُكَيْر العبْديّ، ومُسَدّدًا، وأبا ثور الفقيه، وإسحاق بْن رَاهَوَيْه رحل إليه إلى نيسابور فسمع منه المسند؛ وجالس الأئمّة، وصنَّف الكُتُب.
قَالَ أبو بَكْر الخطيب: كان إمامًا ورِعًا ناسكًا زاهدًا. وَفِي كتبه حديث كثير. لكنّ الراوية عَنْهُ عزيزة جدًا.
روى عَنْهُ: ابنه محمد، وزكريّا السّاجيُ، ويوسف بْن يعقوب الداوديّ الفقيه وعبّاس بْن أَحْمَد المذكّر، وغيرهم.
قَالَ ابنُ حزم: إنّما عُرِف بالإصبهانيّ لأنّ أمّه أصبهانيّة، وكان أَبُوهُ حنفيّ المذهب، يعني وكان عراقيًا.
قَالَ: وكتب دَاوُد ثمانية عشر ألف ورقة.
ومن أصحاب دَاوُد أبو الْحَسَن عَبْد الله بن أَحْمَد بْن رُوَيْم أحد الأئمة، وأبو بَكْر بْن النّجّار، وأبو الطّيّب محمد بْن جَعْفَر الدّيباجيّ، وأحمد بْن مَخْلَد الإياديّ، وأبو سَعِيد الْحَسَن بْن عُبَيْد الله له تواليف كثيرة، وأبو بكر محمد بن أحمد الجاجيّ، وأبو نصر رآه السّجِسْتانيّ.
ثُمَّ سمّى ابنُ حزم جماعةً كثيرة من الفقهاء من مَلاحدة دَاوُد.
وقَالَ أبو إِسْحَاق الشّيرازيّ: وُلِد سنة اثنتين ومائتين، وأخذ العلم عن إِسْحَاق، وأبي ثور. وكان دَاوُد عقله أكثر من علمه.
قَالَ أبو إسحاق وقيل: كان في مجلسه أربعمائة صاحب طَيْلَسان أخضر وكان من المتعصّبين للشّافعي، صنَّف كتابين فِي فضائله والثّناء عليه.
قَالَ أبو إِسْحَاق: وانتهت إليه رئاسة العلم ببغداد، وأوصله من أصفهان ومولده بالكوفة، ومنشأه ببغداد وقبره بها.
وقال أبو عمر وأحمد بْن الْمُبَارَك المستملي: رأيتُ دَاوُد بْن عليّ يردّ على إِسْحَاق بْن راهَوَيْه، وما رَأَيْتُ أحدًا قبله ولا بعده يردّ عليه هَيْبةً له.
стр. 6246
وقال عمر بْن محمد بْن بُجَيْر: سمعت دَاوُد بْن عليّ يقول: دخلت على إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْه وهو يحتجم، فجلست فرأيت كُتُب الشّافعيّ، فأخذت أنظر، فصاح، إيش تنظر؟ فقلت: مَعَاذ الله أن نأخذ إلّا من وجدنا متاعنا عنده فجعل يضحك ويبتسم.
وقَالَ سَعِيد البَرْذَعيّ: كُنَّا عِنْدَ أبي زُرْعة فاختلف رجلان فِي أمر دَاوُد المُزَنيّ، والرجلان فَضْلَك الرّازيّ، وابن خِراش، فقال: ابنُ خِراش: دَاوُد كافر.
وقَالَ فَضْلَك: المُزَنيّ جاهل.
فَأَقْبَلَ عليهما أبو زُرْعة يوبِّخهما وقَالَ: ما واحد منكما له بصاحب. ثُمَّ قَالَ: ترى دَاوُد هَذَا لو اقتصر عليه أَهْل العلم لظننت أنّه يحمد أَهْل البِدَع بما عنده من البيان والآلة. ولكنّه تعدّى. لقد قدم علينا من نَيْسابور، فكتب إليَّ محمد بْن رافع، ومحمد بن يحيى، وعَمْرو بْن زُرَارة، وحسين بْن مَنْصُورٌ، ومشيخة نَيْسابور بما أحدث هناك، فكتمت ذلك لمّا خفت عواقبه، ولم أُبْدِ له شيئًا. فقدِم بغداد، وكان بينه وبين صالح بْن أَحْمَد بْن حنبل حُسْن، فكلّم صالحًا أن يتلطّف له فِي الاستئذان على أَبِيهِ، فأتى وقَالَ: سألني رَجُل أن يأتيك.
قَالَ: ما اسمه؟ قَالَ: دَاوُد.
قَالَ: ابنُ من؟ قَالَ: هُوَ من أَهْل إصبهان.
وكان صالح يروغ عن تعريفه، فَمَا زال أَبُوهُ يفحص حَتَّى فطِن به فقال: هَذَا كتب إليّ محمد بْن يحيى فِي أمره أنّه زعم أنّ القرآن مُحْدَث،
فلا يقرَبنيّ.
قال: إنهّ ينفي ويُنْكره.
قَالَ: محمد بْن يحيى أصدق منه، لا تأذَنْ له١.
قَالَ الخلّال: أنا الْحُسَيْن بنى عَبْد الله قَالَ: سَأَلت المرُّوذي عن قصّة دَاوُد الإصبهانيّ وما أنكر عليه أبو عبد الله فقال: كان دَاوُد خرج إِلَى خُراسان إِلَى ابنُ رَاهَوَيْه، فتكلم بكلامٍ شهِدَ عليه أبو نصر بْن عَبْد الحميد وآخر، شهدا عليه أنهّ قال: القرآن محدث.
стр. 6247
فقال لب أبو عبد الله: مَن دَاوُد بْن عليّ لا فرّج عَنْهُ الله؟ قلت: هَذَا من غلمان أبي ثور.
قَالَ: جاءني كتاب محمد بْن يحيى النَّيْسابوريّ أنّ دَاوُد الإصبهانيّ قَالَ ببلدنا أنّ القرآن مُحْدَث.
قَالَ المرُّوذيّ: حدَّثني محمد بن إِبْرَاهِيم النَّيْسابوريّ أنّ إِسْحَاق بن رَاهَوَيْه لمّا سمع كلام دَاوُد فِي بيته وثب عليه إِسْحَاق فضربه وأنكر عليه.
قَالَ الخلّال: سمعت أَحْمَد بْن محمد بْن صدقة: سمعت محمد بْن الْحُسَيْن بْن صَبِيح، سمعت دَاوُد الإصبهانيّ يقول: القرآن مُحْدَث ولفظي بالقرآن مخلوق.
أَنَا سَعِيد بْن أبي مُسْلِم، سمعت محمد بْن عَبْدة يقول: دخلت إِلَى دَاوُد فغضب عليّ أَحْمَد بْن حنبل، فدخلت عليه فلم يكلّمني، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ إنهّ ردّ عليه مسألة.
قال: ما هِيَ؟ قَالَ: قَالَ الخُشَنيّ: إذا مات من يغسّله؟ فقال دَاوُد: يغسّله الخَدَم.
فقال محمد بْن عَبْدة: الخدم رجال. ولكن ييمَّم.
فتبسَّم أحمد وقال: أصاب أصاب. وما أجود ما أجابه! وقَالَ القاضي المَحَامِليّ: رَأَيْت دَاوُد بْن عليّ يصلّي، فَمَا رَأَيْت مسلمًا يشبهه فِي حُسن تواضعه.
وقد اخْتَلَفَ محمد بْن جرير مدّة إِلَى مجلس دَاوُد، وأخذ عَنْهُ.
وقَالَ أَحْمَد بْن كامل القاضي: أخبرني أبو عبد الله الورّاق أنّه كان يورّق على دَاوُد، فسمعته يُسأل عن القرآن، فقال: أمّا الَّذِي فِي اللّوح المحفوظ فغير مخلوق، وأمّا الَّذِي هُوَ بين النّاس فمخلوق١.
قلت: للعلماء قولان فِي داود هل يعتدُّ أَمْ لا؟ فقال أبو إِسْحَاق الإسفرائينيّ: قَالَ الجمهور إنّهم، يعني قُضاة القياس، لا يبلغون رتبة الاجتهاد، ولا تقليدهم القضاء.
стр. 6248
ونقل الأستاذ أبو مَنْصُورٌ الْبَغْدَادِيّ، عن أبي عليّ، عن أبي هُرَيْرَةَ، وطائفة فِي الشّافعيّين أنه لا اعتبار بخلاف دَاوُد، وسائر نقْله القياس فِي الفروع دون الأصول.
وقَالَ أبو المعاليّ الْجُوَينيّ: الَّذِي ذهب إليه أَهْل التحقيق أنّ مُنْكري القياس لا يُعَدُّون من علماء الأئمّة ولا مِن حملة الشريعة؛ لأنّهم مباهتون فيما ثبت استفاضةً وتواتُرًا، لأنّ مُعظم الشريعة صادرة عن الاجتهاد، ولا تفي النّصوص بعُشْر معشارها، وهؤلاء يلتحقون بالعوامّ.
قلت: قول أبي المعالي ﵀ فِيهِ بعض ما فِيهِ، فإنّما قاله باجتهاد، ونَفْيهم للقياس أيضًا باجتهاد، فكيف يُرَدّ الاجتهاد بِمِثْلِهِ؟ نعم، وأيضًا فإذا لم يُعْتَدّ بخلافهم لَزِمنا أنْ نقول إنهّم خرقوا الإجماع بتأويلٍ سائغ، قُلْنَا: فهذا هُوَ المجتهد، فلا نقول يجوز تقليده، إنما يُحكى قوله، مع أَنّ مذهبه أن لا يحلّ لأحدٍ أن يقلّدهم ولا أن يقلّد غيرهم، فلأن نحكي خلافهم ونعدُّه قولًا أهْوَن وأسلم من تكفيرهم.
ونحن نحكي قول ابنِ عَبَّاس فِي الصرف، والمُتْعَة، وقول الكوفيين فِي النّبيذ، وقول جماعة من الصّحابة فِي ترك الغُسْلِ من الْجِماع بلا إنزال، ومع هَذَا فلا يجوز تقليدهم فِي ذلك.
فهؤلاء الظّاهرية كذلك، يُعتدّ بخلافهم، فإن لن يفعل صار ما تفرّدوا به خارقًا للإجماع، ومن خرق الإجماع المتيقَّن فقد مَرَقَ مِن الملَّة. لكنّ الإجماع المتيقَّن هُوَ ما عُلِم بالضرورة من الدّين: كوُجُوب رمضان، والحجّ، وتحريم الزِّنا والسرَّقة، والرَّبا واللَّواط.
والظَّاهرية لهم مسائل شنيعة، لكنّها لا تبلغ ذلك، والله أعلم.
وقَالَ الْإِمَام أبو عَمْرو بْن الصّلاح: الَّذِي اختاره أبو مَنْصُورٌ وذكر أنّه الصّحيح من المذهب إنّه يعتبر خلاف دَاوُد.
قَالَ ابنُ الصّلاح: هَذَا هُوَ الَّذِي استقرّ عليه الأمر آخرًا هُوَ الأغلب الأعرف من صَفْو الأئمّة المتأخرين الذين أوردوا مذهب دَاوُد فِي مصنّفاتهم المشهورة، كالشيخ أبي حامد، والماوَرْديّ، وأبي الطّيّب، فلولا اعتدادهم به لَمَا ذكروا مذهبه فِي مصنَّفاتهم.
قَالَ: ورأى أن يُعتبر قوله إلّا فيما خالف فِيهِ القياس الجليّ، وما أجمع عليه
стр. 6249
القياسون من أنواعه، أو بناه على أصوله الّتي قام الدّليل القاطع على بُطلانها، واتّفاق من سواه إجماع منعقد، كقوله التَّغَوُّط فِي الماء الراكد، وتلك المسائل الشنيعة، قوله لا زنا فِي السُّنَّة المنصوص عليها، فخلافه فِي هَذَا ونحوه غير مُعْتَدّ به؛ لأنه مبنيّ على ما يقطع ببطلانه١، والله أعلم.
تُوُفيّ فِي رمضان سنة سبعين ومائتين.
"حرف الراء":
٦٦- الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان بْن عَبْد الجبار بْن كامل٢.
الفقيه أبو محمد المراديّ، مولاهم المصْريّ المؤذّن. صاحب الشّافعيّ وراوي كُتُبه.
وُلِد سنة أربعٍ أو ثلاثٍ وسبعين ومائة.
وسمع: عَبْد الله بْن وهْب، وشُعَيب بْن اللَّيث بْن سعد، وبِشْر بْن بَكْر التِّنّيسيّ، وأيّوب بْن سُوَيْد الرمليّ، والشّافعيّ، ويحيى بْن حسّان، وأسد بن موسى، وجماعة.
وعنه: د. ن. ق. و. ت. عن رجلٍ، عَنْهُ، وهو محمد بن إِسْمَاعِيل السُّلميّ، وأبو زُرْعة الرّازيّ، وأبو حاتم، وابنه عَبْد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم، وزكريّا بْن يحيى السّاجيّ، وأبو نُعَيْم بْن عديّ، وأبو جَعْفَر الطَّحاويّ، وأبو بَكْر بْن زياد النَّيسابوريّ، والحسن بْن حبيب الحصائريّ، وأحمد بْن مَسْعُود العُكْبَريّ، وأحمد بْن بَهْزاد السِّيرافيّ، وابن صاعد، وأبو العبّاس الأصمّ، وآخرون.
وثَّقة أبو سَعِيد بْن يُونُس، وغيره.
وعن الرَّبِيع قَالَ: كلُّ محدِّثٍ حدَّثَ بمصر بعد ابن وهْب كنتُ مستمليه.
وقال النَّسائيّ: لا بأس به.
قال عليّ بْن قُدَيد: كان الرَّبِيع يقرأ بالألحان.
وقَالَ الطَّحاويّ: مات الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان مؤذّن جامع الفُسْطاط يوم الإثنين ودُفِن يوم الثُّلاثاء لإحدى وعشرين ليلة خَلَت من شوّال من سنة سبعين. وصلّى عليه الأمير خُمَارَوَيْه بْن أحمد بن طولون.
стр. 6250
وآخر من حدَّث عَنْهُ أبو الفوارس السِّنْديّ.
ويُروى عن الشّافعيّ أنّه قَالَ للربيع: لو أمكنني أنْ أطعمك العِلم أطعمتك١.
قَالَ ابنُ عَبْد البَرّ: قد ذَكَر محمد بْن إِسْمَاعِيل التّرمِذيّ من أَخَذَ عن الرَّبِيع كُتُب الشّافعيّ ورحل إليه فيها من الآفاق، فَذَكر نحو مائتي رَجُل.
قَالَ ابنُ عَبْد البَرّ: كان الرَّبِيع لا يؤذّن فِي منارة جامع مصر أحدٌ قبله، وكانت الرحلة فِي كُتُب الشّافعيّ إليه، وكانت فِيهِ سلامة وغَفْلة، ولم يكن قائمًا بالفقه٢.
وممّا ينسب إِلَى الرَّبِيع من الشِّعْر:
صبرًا جميلًا ما أسرع الفَرجَا ... من صدق الله فِي الأمور نجا
مَن خشي الله لم يَنَلْه أذى ... ومَن رجا الله كان حيثُ رجا
قلت: كان الرَّبِيع أعرف من المُزَنيّ بالحديث، وكان المُزَنيّ أعرف بالفِقْه منه بكثير حَتَّى كان هَذَا لا يعرف إلّا الحديث، وهذا لا يعرف إلّا الفقه.
"حرف الزاي":
٦٧- زكريّا بْن دُوَيْد بْن محمد بْن الأشعث٣.
أبو أَحْمَد الكِنْديّ.
زعم أنّه أَتَتْ عليه مائة وثلاثون سنة، وزعم أنّه سمع من سُفْيَان الثَّوْريّ، ومالك بْن أَنَس.
قَالَ عليّ بْن محمد بْن حاتم القُومِسيّ: سمعت منه بعَسْقلان سنة نيِّفٍ وستّين ومائتين.
قلت: وُجودُ روايته والعَدَم بالسّواء. وقد روى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه عن أَحْمَد بْن إِسْحَاق الدّميريّ، عَنْهُ.
قَالَ ابنُ حِبّان: كان يضع الحديث.
стр. 6251
٦٨- زكريّا بْن يحيى بْن أسد بن يحيى المَرْوَزِيّ١.
المعروف بابن زَكْرَوَيْه. نزيل بغداد.
حدّث عن: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وأبي مُعَاوِيَة، ومعروف الكَرْخيّ.
وعنه: القاضي المحاملي، وابن مخلد، وأبو الحسين بن المنادي، وإسماعيل الصفار، وأبو العباس الأصم.
قال الدارقطني: لا بأس به.
قلت: تُوُفيّ فِي ربيع الآخر سنة سبعين.
وهو راوي جزء ابن عيينة الذي عند سِبْط السِّلَفيّ. وقد احتجَّ به أبو عَوَانة فِي صحيحه، مِن قدماء شيوخه.
وذكره أبو الفتح الموصليّ في كتابه في الضُّعفاء فَمَا قدر يتعلّق عليه بشيء، أكثر ما قَالَ: زعم أنّه سمع من سُفْيَان بن عُيَيْنَة، فهذه قِلَّةُ وَرَع. بلى أبو الفتح مُتَكَلَّمٌ فِيهِ. وقد ذكر أبو الفتح أنّ زكريّا بْن يحيى هَذَا يُقال له جوذا به، وهذا ما رَأَيْته لغيره.
حرف السين":
٦٩- سَعْدان بْن نصر بْن مَنْصُور٢.
أبو عُثْمَان الثَّقفيّ الْبَغْدَادِيّ البزّاز، واسمه سَعِيد، وسَعْدان لَقَبٌ له.
سمع: سُفْيَان بْن عُيَيْنَة، وأبا مُعَاوِيَة، ومُعاذ بْن مُعاذ، ووَكيعًا، ومسلم بْن سالم، ومَعْمَر بن سليمان، وطائفة.
وعنه: ابن أبي الدّينا، وابن صاعد، والقاضي المَحَامليّ، وابن البَخْتَرِيّ، وإسماعيل الصّفّار، وأبو عَوَانة، وطائفة كبيرة.
قَالَ أبو حاتم: صدوق.
стр. 6252
وقال أبو عَبْد الرحمن السلمي: سَأَلت الدَّارَقُطْنِيّ عَنْهُ فقال: ثقة مأمون.
قلت: تُوُفيّ فِي ذي القعدة سنة خمسِ وستّين، وحديثه بِعُلُوٍّ عند أصحاب ابنُ ساسل.
٧٠- سَعِيد بْن نَمِر الغافقيّ الأندلسي١.
سمع: يحيى بن يحيى اللّثييّ.
وعنه: جماعة من بلده.
وتفقَّه بسَحْنُون، وغيره.
تُوُفيّ سنة تسعٍ وستّين.
٧١- سهل بْن عمّار العَتَكيّ النَّيْسابوريّ٢.
أبو يحيى قاضي هَرَاة. كان شيخ أَهْل الرَّيّ فِي عصره بخُراسان. رحل فِي طلب العلم.
سمع: يزيد بْن هارون، وشَبَابة، وهذه الطبقة.
وليس بحُجّة.
قَالَ أبو عبد الله الحاكم: يُخْتَلف فِي عدالته، يعني في الاحتجاج بحديثه. بنا عَنْهُ أَحْمَد بْن شعيب الفقيه، وأبو الطّيّب محمد، ومحمد بن عليّ المذكَّر.
وتُوُفيّ سنة سبعٍ وستيّن في جمادى الأولى.
فلت لمحمد بْن صالح بْن هانئ: لِمَ لا تكتب عَنْهُ؟ قَالَ: كانوا يمنعون من السّماع عنه.
وسمعت محمد بن يعثوب الحافظ يقول: كنّا نختلف إِلَى إِبْرَاهِيم بْن عَبْد الله السَّعْديّ، وسهل بْن عمّار مطروحٌ فِي سكنه فلا نتقدّم إليه.
وسمعت أَبَا سَعِيد بْن أبي بَكْر بْن عُثْمَان يقول: سمعت فاطمة بِنْت إِبْرَاهِيم السَّعدية تقول: سمعت أبي يقول: إنّ سهل بْن عمّار يتقرَّب إليَّ بالكذب، يقول:
стр. 6253
كنت معك عند يزيد بْن هارون، وواللِه ما سمع معي منه.
قال الحاكم: سمع أيضًا الواقديّ، وجعفر بْن عَوْف، وعبد الرَّحْمَن بْن قَيْس، وعُبَيْد الله بْن مُوسَى.
حدَّث عَنْهُ: الْعَبَّاس بْن حَمْزَةَ، وأبو يحيى البزّاز، وإبراهيم بن محمد بن سُفْيان، ومحمد بن سُلَيْمَان بْن فارس.
وقَالَ أبو إِسْحَاق الفقيه: كذِب واللِه سهل بْن عمّار على عَبْد الله بْن نافع فِي نقْله عن مالك فِي إباحة دُبُر المرأة.
"حرف الشين":
٧٢- شجرة بْن عِيسَى بْن عَمْرو بْن شجرة١ الفقيه أبو عَمْرو المعافِريّ المقرئ السُّوسيّ المالكيّ.
أَخَذَ عن: أَبِيهِ، وابن زياد، وابن اثبرس، وجماعة.
واستعمله سحنون على قضاء تونس.
وكان سحنون يثني على فهمه وفضله، وكان أبوه أبو شجرة عمرو رجلا صالحا عالما، ولي قضاء تونس بعد أبيه تسع عشرة سنة.
توفي شجرة سنة اثنتين وستين.
٧٣- شعيب بن أيوب بن رزيق بن معبد بن شيطا٢.
أبو بكر الصَّريفيني، صرفين واسط لا صَرِيفين بغداد.
كان فقيهًا، إمامًا مقدمًا، ومقرئًا، محدِّثًا، قاضيًا، عالمًا.
سمع: يحيى بْن آدم، ويحيى القطّان، وحسين الْجُعْفيّ، وجماعة.
وعنه: عَبْدان الَأهْوازيّ، وإبراهيم نِفْطَويْه النَّحويّ، وأبو بَكْر بْن أبي دَاوُد، والقاضي المَحَامِليّ، ومحمد بْن مَخْلَد، وعبد الله بن عمر بن شوذب الواسطيّ، وطائفة.
стр. 6254
وتصدَّر للإقراء، فقرأ عليه: يُونُس بْن يعقوب الواسطيّ، وأبو بَكْر أَحْمَد بْن يوسف القافلاني، وأبو العبّاس أحمد ابن سعيد الضّرير، غيرهم.
وعليه دارت قراءة أبي بَكْر، عن عاصم، أخذها عن يجيى بْن آدم، عَنْهُ.
وكان محقّقًا لها.
قَالَ الدَّارقطنيّ: ثقة.
قلت: تُوُفيّ بواسط سنة إحدى وستين.
قال: إنّي لأخاف الله في الراوية عن شعيب بْن أيّوب.
قلت: له حديث مُنْكَر أورده أبو بَكْر الخطيب فِي ترجمته.
٧٤- شُعيب بْن شُعيب بْن إِسْحَاق القُرَشي.
مولاهم الدّمشقيّ أبو محمد١.
ولد سنة تسعين ومائة بعد وفاة أَبِيهِ بيسير.
وسمع: زَيْدُ بْن يحيى بْن عُبَيْد، وأبا المغيرة عَبْد القدُّوس، وأحمد بن خالد الذَّهنيّ، وأبا اليَمَان، وأبا بَكْر الحُمَيْديّ، وجماعة.
وعنه: س. وأبو عَوَانة، وابن جَوْصا، وأبو الدّحْداح أَحْمَد بْن محمد، وجماعة.
قَالَ أبو حاتم: صدوق.
قلت: وله شِعْر جيّد.
تُوُفيّ فِي جُمَادى الأولى سنة أربعٍ وستّين.
"حرف الصاد":
٧٥- صالح بْن أَحْمَد بْن محمد بْن حنبل٢.
القاضي أبو الفضل، ولد الْإِمَام أبي عَبْد الله الشَّيباني الْبَغْدَادِيّ. قاضي إصبهان.
стр. 6255
ولد ثلاثٍ ومائتين.
وسمع: عفّان، وأبا الْوَلِيد الطَّيالسيّ، وإبراهيم بْن الفضل، وإبراهيم بْن أبي سُوَيد الذّراع، وأباه، وعليّ بْن المَدِينيّ، وطبقتهم.
وعنه: ابنه زُهَير، وأبو القاسم البَغَويّ، وابن صاعد، ومحمد بْن مَخْلَد، وأبو عليّ الحصائريّ، وأبو بَكْر بْن أبي عاصم وهو من أقرانه، ومحمد بْن جَعْفَر الخرائطيّ، وعبد الرَّحْمَن بن أبي حاتم، وجماعة آخرهم موتًا أَحْمَد بْن محمد بْن يحيى القصّار شيخ أبي نُعَيْم الحافظ.
قال ابن أبي حاتم: كتبتُ عَنْهُ بإصبهان، وهو صدوق، ثقة.
وقَالَ أبو بَكْر الخلال فِي كتاب أدب القّضاة: أخبرني محمد بْن الْعَبَّاس: حَدَّثَنِي محمد بن عليّ قال: لما صار الصالح إِلَى إصبهان قُرِئ عهده بالجامع، فبكى كثيرًا، وبكى بعض الشيوخ، فَلَمَّا فرغ جعلوا يدعون له ويقولون: ما ببلدنا إلا من يجبّ أَبَا عَبْد الله.
فقال: أبكاني أنّي ذكرت أبي يراني فِي هَذِهِ الحالة. وكان عليه السَّواد.
ثُمَّ قَالَ: كان أبي يبعث خلفي إن جاءه رَجُل زاهد ورجل متقشّف لا ينظر إليه يحبّ أم يكون مثله، ولكنّ الله يعلم ما دخلت فِي هَذَا الأمر إلّا لدينٍ غَلَبني وكثْرة عيال١.
قال الحلال: وكان صالح سخيًا جدًا.
وقَالَ ابنُ المنادي: توفّي يإصبهان فِي رمضان سنة ستٍّ وستّين.
وقَالَ أبو نُعَيْم: سنة خمسٍ.
٧٦- صالح بْن زياد بْن عَبْد الله بْن إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بن الجارود بْن مسرح.
أبو شُعيب الرُّستبيّ السُّوسيّ المقرئ٢. شيخ الرَّقَّة وعالمها ومقرئها.
قرأ القرآن على يحيى اليزيديّ صاحب أبي عمرو.
стр. 6256
وسمع بالكوفة من: عَبْد الله بْن نُمَيْر، وأسباط بْن محمد، وجماعة.
وبمكة من: ابنُ عُيَيْنَة، وغيره.
حدَّث عَنْهُ: أبو بَكْر بْن أبي عاصم وأبو عَرُوبة الحرّانيّ، وأبو عليّ محمد بن سعيد الحفّاظ.
وقرأ القرآن جماعة، منهم: أبو عِمران مُوسَى بْن جرير وهو أتقن أصحابه، وأبو الْحَسَن عليّ بْن الْحُسَيْن، وأبو عُثْمَان النَّحويّ، وأبو الْحَارِث محمد بن أَحْمَد الرَّقيُّون.
وحمل عَنْهُ الحروف: جَعْفَر بْن سُلَيْمَان الخُراسانيّ، وغيره.
قَالَ أبو حاتم: صدوق.
قلت: تُوُفِّيَ فِي أوّل سنة إحدى وستّين ومائتين وقد قارب التّسعين، وادعى الحافظ ابنُ عساكر أنّ النَّسائي روى عَنْهُ، وذكره فِي مشايخ النُّبل.
وقَالَ أبو الحَجّاج الكلْبيّ: لم أقف على روايته عَنْهُ.
قلت: لم يرو عنه النَّسائيّ إلا راوية عَمْرو، رواها الْحَسَن بْن رشيق، عن النَّسائيّ، عَنْهُ.
"حرف الطاء":
٧٧- طَيْفُور بْن عِيسَى.
أبو يزيد البَسْطامي١ الزاهد العارف، مِن كبار مشايخ القوم. وهو بكُنْيته أشْهَر وأَعْرَف. وله أَخَوَان: آدم، وعلّي، كانا زاهدَيْن عابدين. وكان جدُّهم أبو عِيسَى آدم بْن عِيسَى مجوسيًا فأسلم.
ومن كلام أبي يزيد ﵀ قَالَ: ما وجدتُ شيئًا أشدُّ عليَّ مِن العلم ومتابعته، ولولا اختلاف العلماء لبقيت حائرًا.
стр. 6257
وقال: هذا من فرحي بم بك وأنا أخافك، فكيف فرحي بك إذا أمِنْتُكَ؟ وعنه قَالَ: ليس العجب من حبيّ لك وأنا عَبْد فقير، وإنّما العجب من حبّك لي وأنت ملكٌ قدير١.
وعنه، وقِيلَ له: إنّك تمرّ فِي الهواء، قَالَ: وأيّ أُعْجوبة هَذَا؟ طَيْرٌ يأكل الميتة يمرّ فِي الهواء، والمؤمن أشرف منه٢.
وعنه قال: ما دام العبد يظن أنّ فِي الخَلْق من هُوَ شرٌّ منه فهو متكبّر وعنه قَالَ: الجنّة لا خطر لها عند المحبّين، وهم محجوبون بمحبتهم.
وقَالَ: ما ذكروه إلّا بالغَفْلة، ولا خدموه إلّا بالفَتْرة.
وعنه قَالَ: اللَّهُمَّ لا تقطعْني بك عنك.
وعنه قَالَ: العارف فوق ما يقول، والعلم دون ما يقول.
وقِيلَ له: علِّمنا الاسم الأعظم. فقال: ليس له حَدّ، إنّما هُوَ فراغ قلبك لوحدانيته، فإذا كنت كذلك فارفع له أيَّ اسمٍ شئت.
وعنه قَالَ: لله خلْقٌ كثير يمشون على الماء، وليس لهم عنه الله قيمة.
وكان يقول: لو نظرتم إِلَى رجلٍ أُعْطي من الكرامات حَتَّى يرتفع فِي الهواء، فلا تغترّوا به، حَتَّى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنَّهي وحِفْظ الحدود وأداء الشريعة٣.
قلت: بل قد اغترّ أَهْل زماننا وخافوا أَبَا يزيد، وأكبر من أبي يزيد، وَتَهَافَتُوا على كلّ مجنون بوّال على عَقِبيْه، له شيطان ينطق عل لسانه بالمغيَّبَات، نسأل الله السّلامة.
قَيِل: إنّ أَبَا يزيد تُوُفيّ سنة إحدى وستّين ومائتين.
وقد نقلوا عَنْهُ أشياء من متشابه القول، الشّأن فِي صحّتها عَنْهُ، ولا تصحّ عن مُسْلِمٍ، فضلًا عن مثل أبي يزيد، منها: سبحاني.
стр. 6258
ومنها: ما النّار، لأستندنَّ إليها غدًا، وأقول: اجعلني لأهلها فِدَاء، ولا يلعنها. وما الجنّة، لُعبة صبيان ومراد أَهْل الدُّنيا. ما المحدِّثون إنّ خاطبهم رجلٌ عن رجلٍ، فقد خاطبنا القلب عن الرّبّ١.
وقَالَ فِي يهود: هَبْهم لي، ما هَؤُلَاءِ حَتَّى تعذِّبهم؟! وهذا الشَّطح إنْ صحّ عَنْهُ فقد يكون قاله فِي حالة سُكْره، وكذلك قوله عن نفسه: ما فِي الجبَّة إلّا الله.
وحاشى مُسْلِم فاسق من قول هَذَا الكلام مقتضاه ضلاله، ولكن له تفسير وتأويل يخالف ظاهره، فالله أعلم.
قَالَ السُّلمي في تاريخه: مات أبو زيد عن ثلاثٍ وسبعين سنة، وله كلام فِي حُسْنِ المعاملات.
قَالَ: ويُحكَى عَنْهُ فِي الشَّطح أشياء، منها ما لا يصحّ، ويكون مقوَّلًا عليه. وكان يرجع إِلَى أحوال سيّئة٢.
ثُمَّ ساق بسنده عن أبي يزيد قَالَ: من لم ينظر إِلَى شاهدي بعين الاضطراب، وإلى أوقاتي بعين الاغتراب، وإلى أحوالي بعين الاستدراج، وإلى كلامي بعين الافتراء، وإلى عباراتي بعين الاجتراء، وإلى نفسي بعين الازدراء، فقد أخطأ النَّظَر فيَّ.
وعن أبي يزيد قَالَ: لو صفا لي تهليلةٌ ما بَالَيْتُ بعدها.
٧٨- طَيْفُور بْن عِيسَى.
أبو زيد البَسْطاميّ الأصغر٣. كذا فرّق بينه وبين الَّذِي قبله السُّلميّ، فيما أورده ابنُ ماكولا.
وقَالَ: روى عن: أبي مُصْعَب الزُّهْرِيّ، وصالح بْن يُونُس، وشُرَيْح بْن عُقَيْل.
وروى عَنْهُ: يوسف بْن شدّاد، وجماعة من أهل بسطام.
стр. 6259
وقيل: إن جدّ الكبير شروسان، واسم جدّ هَذَا آدم. فالله أعلم.
"حرف العين":
٧٩- عاصم بْن عصام. أبو عِصْمة القُشَيْريّ البَيْهقيّ١.
عن: يَعْلَى بن عُبَيْد، وزيد بْن الْحُبَاب، وجماعة.
وعنه: مؤمّل الماسرْجِسيّ، وإبراهيم بْن محمد بْن سُفْيَان الفقيه، وغيرهما.
وقِيلَ كان مُجاب الدَّعوة.
تُوُفيّ سنة إحدى وستّين.
قَالَ الحاكم: سمعتُ أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن مُحَمَّد بْن سُفْيَان يقول: سمعت عاصم بْن عصام يقول: بتُّ ليلةً عند أَحْمَد بْن حنبل، فجاء بالماء فوضعه، فَلَمَّا أصبح نظر إليّ فإذا هُوَ كما كان، فقال: سبحان الله، رَجُل يطلب العلم لا يكون له وِرْدٌ باللّيْل.
٨٠- الْعَبَّاس بْن إِسْمَاعِيل٢.
أبو الفضل الإصبهانيّ الطّامَذيّ العابد.
عن: سهل بْن عُثْمَان، وعليّ بْن محمد الطّنافسيّ، وجماعة.
وعنه: ابن أبي كر بْن أبي عاصم مع تقدُّمه، ومحمد بْن يحيى بْن مَنْدَه، وعبّاس بْن سهل، وعليّ بْن رُسْتم.
وكان لازمًا لبيته، خيِّرًا ناسكًا.
كان يروي الحديث بعد الحديث.
قَالَ أبو نُعَيْم: تُوُفيّ بَعْدَ السّتّين.
٨١- عبّاس بْن عَبْد الله بْن أبي عِيسَى بْن أبي محمد التَّرقفيّ الباكسابيّ٣.
стр. 6260
سمع: محمد بْن يوسف الفِرْيابيّ، وحفص بْن عُمَر العَدَنيّ، وزيد بْن يحيى بْن عُبَيْد الدّمشقيّ، وأبا عاصم النّبيل ومروان الطَّاطريّ، وأبا مسْهِر الغسّانيّ، وأبا عَبْد الرَّحْمَن المقرئ، وطائفة.
وعنه: ق. وأبو الْعَبَّاس بْن شُرَيْح الفقيه، وأبو بكر بن مجاهد المقرئ، وأبو عوانة الحافظ، والمحاملي، وإسماعيل الصفار، وطائفة.
قال الخطيب: كان ثقة صالحا عابدا.
وقال محمد بن مخلد: ما رأيته ضحك ولا تبسَّم.
قبل: توفّي آخر سنة سبعٍ وستين.
وقد وثقه الدارقطني أيضا، وله خبر مشهور.
٨٢- الْعَبَّاس بْن مُوسَى بْن مِسْكَوَيْه١.
أبو الفضل الهمْدانيّ، أحد الأئمّة الحفّاظ.
رحل إِلَى العراق، والشّام، والثَّغر.
وحدَّث عن: مسلم بن إبراهيم، وعمرو بن عون، ومسدد، وأبي مسلم التَّبوذكّي، وهشام بن عمار، وأبي بكر ابن أبي شيبة، وطبقتهم.
وروى عَنْهُ: محمد بْن التّمّار الهمْدانيّ، وهارون بْن مُوسَى، وأحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن جارود، وابن شِيَرَوَيْه فِي تاريخ همدان فقال: كان جليل القدْر سُنّيًا، له تصانيف غريبة سيَّما كتاب الإمامة، فإنّه ما سُبِقَ إليه.
وكان امتُحِنَ أيّام الواثق، ودخل بغداد وتوارى بها، ونزل على أبي بَكْر الَأعْيَن، فأُخِذَ من داره، وجرى عليه أمر عظيم. ثم بعد رُفِع إِلَى أَذْرَبِيجَان وحدَّث بها. وكان صدوقًا.
ثُمَّ ساق شِيرَوَيْه ترجمته فِي ورقتين، وكيف امْتُحِن، وهي عجيبة إنّ صحّت.
٨٣- عَبَّاس بْن الْوَلِيد بن مَزْيَد.
أبو الفضل العُذْريّ البَيْرُوتيّ٢.
стр. 6261
سمع: أَبَاهُ، ومحمد بْن شُعَيْب بْن شابور، وعُقْبَة بْن عَلْقَمة، ومحمد بْن يوسف الفِرْيابيّ، وأبا مسهر، وجماعة وعنه: د. س. وأبو زُرْعة الرّازيّ والدّمشقيّ، وابن جَوْصا، وأبو بكر بن أبي داود، وعبد الرحمن بن أبي حاتم، وخيثمة بن سليمان وأبو العباس الأصم، وخلق.
ولد سنة تسعٍ وستين ومائة في رجب، عاش مائة سنة وسنة.
وفيه همة وجلادة فإن خيثمة قَالَ: مازح الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد جاريةً له، فَدَفعته فانكسرت رِجْلُه، فلم يحدِّثنا عشرين يومًا، وكنا نلقى الجارية ونقول: حبسك الله كما كسرتِ رِجْلَ الشّيخ وحَبَسْتِنا عن الحديث.
وقَالَ أبو دَاوُد: سمع من أَبِيهِ ثم عرض عن الحديث.
وقَالَ أبو دَاوُد: سمع من أَبِيهِ ثُمَّ عرض عليه، وكان صاحب لَيْلٍ.
وقَالَ إِسْحَاق بْن سيّار: ما رَأَيْت أحدًا أحسن سمتًا منه.
وقَالَ النَّسائيّ: ليس به بأس.
قلت: كان مقرئًا مجوّدًا.
وقَالَ الْحُسَيْن بْن أبي كامل: سمعت خيثمة يقول: أتيتُ أَبَا دَاوُد السّجِسْتانيّ، فأملى عليَّ حديثًا عن العبّاس ابن الْوَلِيد بْن مَزْيَد.
قلت: وأتاني حديث الْعَبَّاس.
فقال لي: رأيته؟ قلت: نعم.
قلت: مَتَى مات؟ قلت: سنة إحدى وسبعين.
كذا قَالَ خيثمة.
وأما عَمْرو بْن دُحَيْم فقال: مات فِي ربيع الآخر سنة سبعين، وضبط فِي أيّ يومٍ وُلِدَ وأيّ يومٍ مات، فتحدّد أنّ عُمره مائة سنة وثمانية أشهر واثنين وعشرين يومًا.
وهو أحد الجماعة الّذين جاوزوا المائة بيقين.
٨٤- عَبْد الله بْن عَبْد السّلام بْن الرّذّاذ المصريّ١.
المؤدِّب المعلّم، أمين القياس.
стр. 6262
روى عن: بِشْر بْن بَكْر التِّنّيسيّ، وأبي زرعة، وهبة الله المؤذّن. كان رجلًا صالحًا. قال ابنُ يُونُس.
وقَالَ: هُوَ أوّل من قاس النّيل من المسلمين.
تُوُفيّ سنة ستٍّ وستّين.
٨٥- عَبْد الله بْن عليّ بْن المَدِينيّ١.
روى عن: أبيه تصانيفه.
وعنه: محمد بن عمان الصَّيرفيّ، ومحمد بْن عَبْد الله المستعين.
قَالَ الدّارَقُطْنِيّ: إنّما روى كُتُب أَبِيهِ مناولةً وإجازة.
٨٦- عَبْد الله بْن محمد بْن أيّوب بْن صَبيح٢.
أبو محمد المخرِّميّ.
سمع: سُفْيَان بْن عيينة، ويحيى بن سليم، وعبد الله بْن نُمَيْر، وعليّ بْن عاصم، وجماعة.
وعنه: ابنُ صاعد، وابن مَخْلَد، وابن عيّاش القطّان، وإسماعيل الصّفّار، وآخرون.
قَالَ ابنُ أبي حاتم: سمعت منه مع أبي، وهو صدوق. قُلّد القضاء فلم يقبله، واختفى مُدّة.
قلت: مات سنة خمسٍ وستّين، وقد جاوز السّبعين.
وآخر من روى حديثه عاليًا هُوَ جَسْر المَرْوَزِيُّ. والمخرّميّ مؤتَمَنٌ بمرّة.
٨٧- عَبْد الله بْن محمد النَّيسابوريّ٣.
الفقيه الزّاهد أبو الطَّيّب المكفوف، صاحب يحيى بْن يحيى والملازم له ليلًا ونهارًا.
стр. 6263
سمع: حفص بن عبد الله السُّلميّ، وعبدان بن عثمان.
وعنه: أبو عمر المستملي، وإبراهيم بْن عليّ الذُّهليّ.
قَالَ المستملي: كان مُجاب الدَّعوة.
مات فِي ذي القعدة سنة سبعٍ وستين ومائتين.
وسمعته يقول: أتاني آتٍ فِي منامي، مولدك سنة اثنتين وثمانين ومائة.
رُويّ أنّ أَبَا الطَّيّب رؤيّ فِي النَّوم أنّ الله غَفَرَ له.
٨٨- عَبْد الله بْن مُوسَى بْن محمد بْن يحيى بْن أبي بَكْر الكرْمانيّ١.
أبو محمد وأبو عبد الرحمن.
عن: أَحْمَد بْن جَعْفَر الثّعْلبيّ، وابن صاعد، ومحمد بْن مَخْلَد البغداديوَّن، ويوسف بْن محمد، وأَحْمَد بن يحيى ابن نصر، ومحمد بْن يزيد الزُّهريّ الإصبهانيون.
وثّقه أبو بَكْر الخطيب.
وقَالَ أبو نُعَيْم: كان صدوقًا.
٨٩- عبد الله محمد بْن سِنان الرَّوحيّ السَّعديّ البصْريّ٢.
قاضي الدِّينور.
عن: مسلم بن إبراهيم، وعبد الله بْن رجاء الغُدّانيّ.
وعنه: المَحَامِليّ، وابن مَخْلَد، وعبد الله بْن محمد الجمّال، وعبد الله بْن جَعْفَر بْن فارس الإصبهانيّان.
قَالَ أبو نُعَيْم: كان يضع كثيرًا.
٩٠- عَبْد الله بْن محمد بْن يزداد بْن سُوَيْد٣.
الوزير أبو صالح المروزيّ الكاتب.
стр. 6264
كان أبوه من وراء المأمون. ووزر أبو صالح المستعين والمهتدي، وقدِم دمشق مع المتوكل.
مات سنة إحدى وستّين مختفيًا.
٩١- عبد الله بن هلال.
أبز محمد الرَّبعيّ الروميّ الزّاهد١، ونزيل بيروت.
أخذ عن: أحمد بن عاصم الأنطاكّي، وأحمد بن أبي الحواري، وجماعة.
وعنه: أبو حاتم الرّازيّ مع تقدُّمه، وأبو نُعَيْم الإستراباذيّ، وأبو الْعَبَّاس الأصمّ.
٩٢- عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعِيد.
أبو زَيْد التّميميّ الأندلُسيّ٢.
رحل، وأخذ عن: أَصبغ بْن الفرج، وأبي زَيْد بْن أبي الغَمْر المصريين.
وعنه: محمد بن فطيس، وغيره.
توفي سنة خمسٍ وستين.
٩٣- عبد الرحمن بن عمر بن الخطاب الكندي٣.
مولاهم المصري.
عن: أبيه، وعمرو بن أبي سلمة التنيسي.
توفي في شعبان سنة سبعٍ وستيّن.
توفي في شعبان سنة سبعٍ وستين.
٩٤- عبد الرحمن بن عيسى بن دينار الأندلسي٤.
الفقيه ابن الفقيه.
حج مرات، وأخذ عن: سَحْنُون بن سعيد، وغيره.
стр. 6265
وكان فصيحًا بالفقيه، مُفْتِيًا بمذهب مالك.
روى عَنْهُ: ابنُ لُبَابة، وغيره.
وكان أخوه محمد بْن عِيسَى عالمًا زاهدًا، وأخوهما أبو القاسم أبان كان فاضلًا لاحقًا، ولي قضاء طُلَيْطلة وتُوُفيّ بعد السّتّين ومائتين.
وأخوهم عَبْد الواحد فقيه له ذِكر. وأمّا الوهْم فكان من كبار أصحاب أبي القاسم.
تُوُفيّ عَبْد الرَّحْمَن سنة سبعين.
٩٥- عَبْد الرحمن بن يوسف الحنفيّ المروزيّ١.
رحل، وسمع من: يَعْلَى بْن سَعِيد، وأبي عَبْد الرَّحْمَن المقرئ، وجماعة.
وعنه: الْحَسَن بْن عِمران الخنظليّ المَرْوَزِيُّ.
تُوُفيّ سنة ستٍّ وستّين.
٩٦- عَبْد السَّلام بْن رغْبان دِيك الْجِنّ الحمصيّ٢.
أحد فُحُول الشّعراء مرَّ، وإنّما نبَّهت عليه هنا لأنّ ابنُ عساكر ذكر أنّه قدِم دمشق ومدح بها أَحْمَد بْن المدبّر عاملها. وقد مرّ أَحْمَد بْن المدبّر فِي حرف الألف.
٩٧- عَبْد العزيز بن حاتم٣.
أبو عمر المروزيّ.
محدّث رحّال.
سمع: مكّي ين إِبْرَاهِيم، وأبا نُعَيْم، وعبد الرَّحْمَن بن عَبْد الله الدَّشتكّي، وعليّ بن الحسن ين شقيق، وطبقتهم.
ذكره السُّليمانيّ، وروى عنه.
стр. 6266
٩٨- عَبْد الْعَزِيز بْن حَيّان.
أبو زَيْد المِعْوليّ الأزْديّ المَوْصِليّ١.
عن: أبان بْن سُفْيَان، وأحمد بْن يُونُس، وأبي جَعْفَر النُّفَيْليّ، وطبقتهم.
وصنَّف حديثه.
وكان خيّرًا صالحًا فاضلًا.
روى له: ابناه زيد، رواه عَنْهُ أَبُو عَوَانَةَ، قَالَ: نَبا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، ثنا سُوَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا: "إِنَّ فِي جهنَّم رَحًى تَطْحَنُ عُلَمَاءَ السُّوء طَحْنًا شَدِيدًا".
٩٩- عَبْد العزيز بن سلام.
أبو الدّردراء المَرْوَزِيُّ الحافظ٢.
عن: مكّيّ بْن إِبْرَاهِيم، وعليّ بْن الْحَسَن بْن واقد، وأصبغ بْن الفرج، وعثمان بْن الهيثم المؤذِّن، وعَبْدان، وخلْق.
وعنه: س. ق. والحسن بْن سُفْيَان، ومحمد بْن عقيل البلخيّ، والحسين بن إسماعيل المحاملي، وجماعة.
قَالَ أبو حاتم: صدوق.
وقَالَ غيره: تُوُفيّ بعد سنة سبعٍ وستّين، أو فيها.
ذكر ابنُ عساكر أنّ س. ق. رويا عَنْهُ. ولم يره، بل روى عَنْهُ س. فِي اليوم والليلة.
١٠٠- عُبَيْد الله بْن عَبْد الكريم بْن يزيد بْن فرُّوخ٣.
الحافظ أبو زُرْعة الْقُرَشِيّ المخزوميّ، مولاهم الرّازيّ.
أحد الأعلام.
стр. 6267
قَيِل: وُلِدَ سنة تسعين ومائة.
ويقال إنّه وُلِدَ سنة مائتين. وأظنّه وَهْمًا، فإنّ رحلته سنة إحدى عشرة؛ لأنّه سمع بالكوفة من: عَبْد الله بْن صالح العِجْليّ، والحسن بْن عطيّة بْن نجِيح، وتُوُفيّا عامئذٍ.
وسمع: أَبَا الْوَلِيد الطَّيالسيّ، وعبد الله بْن مَسْلَمَة القَعْنَبيّ، وقُرّة بْن حبيب، وأبا نُعَيْم، وخلّاد بْن يحيى، وقَبِيصَة، وعبد الْعَزِيز الأُوَيْسيّ، وقَالَون المقرئ، عمرو بْن هاشم البيروتي، ومسلم بْن إِبْرَاهِيم، وإسحاق الفرويّ، ومحمد بن سابق، وأبا عمر الحوصيّ، ويحيى بْن عَبْد الله بْن بُكَيْر، وخلْقًا كثيرًا بالرّيّ، والكوفة، والبصرة، والحرمَيْن، وبغداد، والشام، مصر، والجزيرة.
وَفِي تهذيب الكمال أنّه روى عن أبي عاصم النّبيل، وَفِي هَذَا نظر.
وقَالَ ابنُ أبي حاتم: سُئِل أبو زُرْعة: فِي أيّ سنة كتبتم عن أبي نُعَيْم؟ قَالَ: فِي سنة أربع عشرة ومائتين. ورحلت من الرّيّ المرّة الثانية سنة سبعٍ وعشرين.
ولم يدخل خراسان. وكان من أفراد العالم ذكاءً وَحِفْظًا ودينًا وفضلًا.
روى عَنْهُ من شيوخه: محمد بْن حُمَيْد، وأبو حَفْص الفلّاس، وحَرْمَلَة بْن يحيى، وإسحاق بن موسى الخطميّن ويونس ين عَبْد الأعلى، والربيع بْن سُلَيْمَان، ومِن أقرانه: أبو حاتم ابنُ خالته، ومسلم بْن الحجاج، وأبو زرعة الدّمشقيّ، وإبراهيم الحربيّ.
ومن الحُفْاظ والمحدّثين خلْقٌ كثير.
وروى عَنْهُ: م. ت. ن. ق. فِي كتُبُهم، وأبو بَكْر بْن أبي دَاوُد، وأبو عَوَانَة، وقاسم بْن زكريّا المطرّز، وسعيد بن عمرو البردعيّ، وعبد الرَّحْمَن بْن أبي حاتم فأكثر، وأبو بَكْر بن زياد النَّيسابوري، وأحمد بن محمد الدّاركي، ومحمد ابن الْحُسَيْن القطّان.
قَالَ ابنُ أبي حاتم: كان جدّه فروخ مولى عسّاش بن مطرِّف القرشيّ.
وقال جعفر بن مجمد الكِنْديّ: ثنا أبو زُرْعَة قَالَ: قدِم علينا جماعة من أهل الرّيّ دمشق منهم: لأبو يحيى فرخويه. فلمّا انصرفوا إِلَى الرِّيّ، فيما أخبرني غير
стр. 6268
واحدٍ، منهم أبو حاتم، رأوْا هَذَا الفتي قد كاس فقالوا: نُكَنِّيك بكُنْية أبي زُرْعة الدّمشقيّ. ثم اجتمع بأبي زُرْعة الرّازيّ فكان يذكرني بهذا ويقول: بكُنْيَتِك اكتَّنَيْت.
وقَالَ سَعِيد بْن عَمْرو: قَالَ أبو زُرْعة: لا أعلم أنّه صحّ لي رباط قطّ. أمّا قزوين فأردنا محمد بْن سَعِيد بْن سابق، وأمّا عسقلان فأردنا محمد بن أبي الريّ، وأمّا بيروت فأردنا الْعَبَّاس بْن الْوَلِيد بْن مَزْيد.
وقَالَ النّجّاد: سمعت عَبْد الله بْن أَحْمَد يقول: لمّا ورد علينا أبو زُرْعة نزل عندنا، فقال لي أبي: يا بُنيّ، قد اعْتَضْتُ بنوافلي مذاكرة هَذَا الشَّيْخ.
وقَالَ صالح جَزَرَة: سَمِعْتُ أَبَا زُرْعة يقول: كتبتُ عن إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الرّازيّ مائة ألف حديث، وعن أبي بَكْر بْن أبي شَيْبَة مائة ألف، فقلت له: بَلَغَني أنّك تحفظ مائة ألف حديث، تقدر أن تُملي عليّ ألف حديث من حفظك؟ قَالَ: لا، ولكن إذا أُلقي عليَّ عرفتُ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: سَأَلْتُ أَبَا زُرْعَةَ فقلت: يجوز ما كتبت عن إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى مائة ألف؟ قَالَ: مائة ألف كثير.
قلت: فخمسين ألف؟ قَالَ: نعم، وسبعين ألف.
أخبرني من عدَّ كتاب الوضوء والصلاة فبلغ ثمانية عشر ألفًا.
وقَالَ أبو عبد الله بْن مَنْدَه الحافظ: سمعت محمد بن جعفر بن حكمويه بالرِّيّ يقول: سئل أبو زُرْعة عن رجلٍ حَلَف بالطّلاق أنّ أَبَا زُرْعة يحفظ مائتي ألف حديث هَلْ حَنَث؟ فقال: لا.
ثُمَّ قَالَ: أحفظ مائتي ألف مثل ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَد﴾ [الإخلاص: ١] ، واحفظ في المذاكرة ثلاثمائة ألف حديث.
قلت: هَذِهِ حكاية منقطعة لا تثبت، هذه أصح منها: فقال الحافظ ابنُ عديّ: سمعت أبي يقول بالرَّيّ، وأنا غلام فِي البزّازين، فحلفَ رَجُل بالطلاق أنّ أَبَا زُرْعة يحفظ مائة ألف حديث، فذهب قوم إِلَى أبي زُرْعة وذهبت معهم، فذكروا له حلْف الرجل، فقال: ما حَمَله على ذلك؟ قَيِل: قد جرى ذلك منه.
стр. 6269
فقال: يمسك امرأته فإنّها لم تَطْلُق، أو كما قَالَ١.
وقَالَ الحاكم: سمعت أَبَا جَعْفَر محمد بْن أَحْمَد الرَّازيّ يقول: سمعت محمد بْن مُسْلِم بْن وارة يقول: كنت عند ابنُ راهويه فقال رجل: سمعت أحمد بن حنبل يقول: صحّ من الحديث سبعمائة ألف حديث وكّسْر، وهذا الفتى يعني أَبَا زرعة، يحفظ ستّمائة ألف.
قلت: فِي إسنادها مجهول.
وقَالَ غُنْجار فِي تاريخه: ثنا ناصر بْن محمد الأزْديّ بكرمينية: سمعت أَبَا يَعْلَى المَوْصِليّ يقول: رحلت إِلَى البصْرة، فبينا نَحْنُ فِي السّفينة إذا برجلٍ يسأل رجلًا: ما تقول فِي رجلٍ حَلَف بالطّلاق أنّك تحفظ مائتا ألف حديث؟ فأطرق رأسه ثُمَّ قَالَ: اذهب يا هَذَا وأنت بارُّ فِي يمينك.
فقلت: من هَذَا؟ فَقِيلَ لي: أبو زُرْعة الرَّازيّ ينحدر إِلَى البصرة.
وقال ابنُ عُقْدة عن مطيَّن، عن أبي بَكْر بْن أبي شَيْبَة قَالَ: ما رأيت أحفظ من أبي رزعة.
وقَالَ عَبْد اللَّه بْن محمد بْن جَعْفَر القَزْوينيّ، وهو ضعيف: سمعتُ محمد بْن إِسْحَاق الصَّغانيّ يقول: كان أبو زُرْعة، يشبَّه بأحمد بْن حنبل.
وقَالَ عليّ بْن الْحُسَيْن بْن الْجُنَيْد: ما رَأَيْت أعْلَمَ بحديثِ مالك من أبي زُرْعة، وكذلك سائر العلوم.
وقَالَ عُمَر بْن محمد بْن إِسْحَاق القطّان: سمعت عَبْد الله بْن أَحْمَد: سمعت أبي يقول: ما جاوز الجسْرَ أفْقَه من إِسْحَاق، ولا أحفظ من أبي زُرْعة.
وقال أبو يَعْلَى المَوْصِليّ: ما سمعنا بذِكْر أحدٍ فِي الحِفْظ إلّا كان اسمه أكبر من رؤيته إلّا أبو زُرْعة، فإنّ مشاهدته كَانَتْ أعظم من اسمه. كان قد جمع حِفْظ الأبواب والشّيوخ والتّفسير.
وقَالَ صالح جَزَرة: سمعت أَبَا زُرْعة يقول: أحفظ في القراءات عشرة آلاف حديث.
стр. 6270
وقَالَ إِسْحَاق بْن راهَوَيْه: كلّ حديث لا يعرفه أبو زُرْعة الرّازيّ ليس له أصل وقَالَ أبو الْعَبَّاس السّرّاج: لمّا انصرف قُتَيْبَةُ إِلَى الرِّيّ من بغداد سألوه أن يحدّثهم، فقال: أحدّثكم بعد أن أحضر مجلسي أَحْمَد بْن حنبل، ويحيى بْن مَعِين، وعليّ بْن المَدِينيّ.
قَالُوا: فإنّ عندنا غلامًا يسرد كلُّ ما حدَّثت به مجلسًا مجلسًا، قم يا أبا زرعة. فقام فسرد كل ما حددث به قُتَيْبَةُ.
وقَالَ فَضْلك الصّائغ: دخلت المدينة فصرت إِلَى باب أبي مُصْعَب فخرج إليَّ شيخ مخضوب، وكنتُ أَنَا ناعسًا، فحرّكني وقَالَ: يا مردريك من أَيْنَ أنت، إيش تنام؟
فقلت: أصلحك الله من الرِّيّ، من شاكرديّ أبي زُرْعة.
فقال: تركتَ أَبَا زُرْعة وجئتني! لقيت مالكًا وغيرَه، فَمَا رأت عيناي مثلَه.
قَالَ فَضْلَك: فدخلت على الرَّبِيع بمصر فقال: إنّ أَبَا زُرْعة آية. وإنّ الله تعالى إذا جعل إنسانًا آية من شكْله حَتَّى لا يكون له ثانٍ١.
وقَالَ ابنُ أبي حاتم: نا أَحْمَد بْن إِسْمَاعِيل ابنُ عمّ زُرْعة أنّه سمع أَبَا زُرْعة يقول فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ: اللَّهُمَّ إنّي أشتاق إِلَى رؤيتك، فإنْ قَيِل لي: بأيّ عمل اشتقت إلىّ؟ قلت: رحمتك يا ربّ.
وقد كان أبو زُرْعة يحطّ على أَهْل الرّأي ويتكلَّم فيهم.
قَالَ ابنُ أبي حاتم: سَمِعْتُ أبا زُرْعة يقول: لي السَّريّ بْن مُعاذ، يعني الأمير: لو أنّي قبلت لأعطيت مائة ألف درهم قبل اللّيل فيك وَفِي ابنُ مُسْلِم من غير أن أحبسكم ولا أضربكم، بل أمنعكم من التّحديث.
سمعتُ أَبَا زُرْعة يقول: لو كَانَتْ لي صحّةُ بدنٍ على ما أريد كنت أتصدَّق بمالي كلّه، وأخرج إلى الثُّغور، وآكل من المباحات وألْزَمُها. ثُمَّ قَالَ: إنّي لَألْبَس الثّياب لكي إذا نظر النّاس إليَّ يقولون قد ترك أبو زُرْعة الدُّنيا ولبس الثياب الدُّون. وإنّي لآكل ما يقدَّم إليَّ من الطّيّبات لكيلا يقولوا: إنّه لا يأكل الطّيّبات لزهده.