← История

История · id 22771

تاريخ الإسلام - ط التوفيقية

شمس الدين الذهبي

Полный текст (11 937 стр.). Показаны 7981–8020 · переход к 7986.

стр. 7981

أحداث سنة اثنتين وثلاثين: الحرب بين توزون والمتّقي: فيها قدّم أبو جعفر بن شيرزاد من واسط من قبل توزون إلى بغداد، فحكم على بغداد وأمّر ونهي. فكاتب المتّقي بني حمدان بالقدوم عليه، فقدِم أبو عبد الله الحسين بن سعيد بن حمدان في جيشٍ كثيف في صَفَر، ونزل بباب حرب، فخرجَ إليه المتقّي وأولاده والوزير. واستتر ابن شيرزاد. وسار المتقي بآله إلى تكريت ظنًا منه أن ناصر الدولة في الطّريق ويعودون معًا إلى بغداد. فظهرَ ابن شيرزاد فأمرَ ونهي، فقدِم سيف الدّولة على المتقّي بتكريت، فأشار عليه بأن يصعد إلى المَوْصل ليتّفقوا على رأي، فقال: ما على هذا عاهدتموني. فتفلّل أصحاب المتقّي إلى الموصل، وبقي في عددٍ يسير مع ابن حمدان. فقِدم توزون بغداد واستعدّ للحرب. فجمع ناصر عددًا كثيرًا من الأعراب والأكراد، وسارَ بهم إلى تكريت. وكان الملتَقَى بينه وبين توزون بُعكبرا، واقتتلوا أيّامًا، ثمّ انهزم بنو حمدان والمتقّي إلى الموصل. وراسل ناصر الدّولة توزون في الصّلح على يد أبي عبد الله بن أبي موسى الهاشميّ، وكان توزون على تِكْريت، فتسلل بعض أصحابه إلي ابن حمدان، وردّ توزون إلي بغداد. وجاء سيف الدّولة إلى تكريت فردّ إليه توزون، فالتقوا في شعبان على حرْبَى١، فانهزم سيف الدّولة إلى الموصل، وتبِعه توزون، ففرّ بنو حمدان والخليفة إلى نصّيبين، فدخل توزون الموصل ومعه ابن شيرزاد، فاستخلص من أهلها مائة ألف دينار. مصالحة المتّقي وتوزون: وراسل المتّقي توزون في الصُّلح وقال: ما خرجت من بغداد بأهلي إلا بلغني أنّك اتفقت مع البَريديّ عليَّ. والآن آثَرْت رضاي فصالح ابني حمدان، وأنا أرجع إلى دارى. وأشار ابن شيرزاد على توزون بالصّلح. وتواترت الأخبار أنَّ أحمد بن

стр. 7982

بُوَيْه نزل واسطًا وهو يريد بغداد. فأجاب توزون إلى الصّلح، ورجع إلى بغداد١. وكان السّفير بينهم يحيى بن سعيد السُّوسيّ، فحصل له مائة ألف دينار. عقد البلد لناصر الدولة: وعقد توزون للبلد على ناصر الدّولة ثلاث سنين بثلاثة آلاف ألف درهم. موت البريديّ: وفيها قَتَلَ أبو عبد الله البَريديّ أخاه أبا يوسف، ثمّ مات بعده بيسير٢. ولاية ابن لؤلؤ إمرة دمشق: وفيها ولّى الإخشيد الحسين بن لؤلؤ إمرة دمشق، فبقي عليها سنة وأشهرًا. إمرة المؤنسيّ على دمشق: ثمّ نقله إلى حمص، وأمَّرَ عليها يانس المؤنسيّ. ولاية الحسين بن حمدان قنّسرين والعواصم: وفيها ولّى ناصر الدّولة ابن عمه الحسين بن سعيد بن حمدان قنّسرين والعواصم، فسارَ إلى حلب٣. وصول الإخشيد إلى المتقّي: وفيها كتبّ المتقّي إلى صاحب مصر الإخشيد أن يحضر إليه، فخرج من مصر وسار إلى الرَّقَّةِ، وبها الخليفة، فلم يُمكن من دخولها لأجل سيف الدّولة، فإنهّ كان مُبَاينًا له. فمضى إلى حرّان، وأصطلح مع سيف الدّولة، وبانَ للمتقّي من بني حمدان الملل والضّجر منه، فراسلَ توزون واستوثق منه. واجتمع الإخشيد بالمتقّي على الرَّقّة، وأهدي إليه تُحَفًا وأموالًا. وبلغه مراسلته لتوزون فقال: يا أمير المؤمنين أنا عبدك وابن عبدك، وقد عرفت الأتراك وغّدْرهم وفجورهم، فالله الله في نفسكَ. سِرْ

стр. 7983

معي إلى الشّام ومصر، فهي لك وتأمنَ على نفسك. فلم يقبل. فقال: أقم ههنا وأمدّك بالأموال والرجال. فلم يقبل١. فعدل الإخشيد إلى الوزير ابن مُقْلَة وقال: سِرْ معي. فلم يفعل مراعَاة للمتقّي. فكان ابن مُقْلَة يقول: يا ليتني قِبلت نُصْح الإخشيد. ورجع الإخشيد إلى بلاده. مقتل حمْدي اللّصّ: وفيها قُتل حَمْدي اللّصّ، وكان فاتكًا. ضمنّه ابن شيرزاد اللُّصوصيّة ببغداد في الشهر بخمسة وعشرين ألف دينار. فكان يكبس بيوت النّاس بالمِشعَل والشّمع، ويأخذ الأموال. وكان أسكورَج الدَّيْلمّي قد ولي شرطة بغداد، فأخذه ووسّطه٢. دخول ابن بُوَيْه واسط: وفيها دخل أحمد بن بُوَيْه واسطًا، وهرب أصحاب البَريديّ إلى البصرة٣. إصابة توزون بالصرع: وفي شوّال كان توزون ببغداد على سرير المُلك، فعرضَ له صرعٌ، فوثب ابن شيرزاد فأرخى بينه وبين القوّاد ستْرًا وقال: قد حدثت للأمير حُمّى. امتناع الحجّ: ولم يحجّ في هذه السنة أحدٌ لموت القَرمَطيّ. ترجمة أبي طاهر القرمطيّ: وهو أبو طاهر سليمان بن أبي سعيد الجّنابيّ بهجَر في رمضان بالْجُدَريّ. وهو الّذي قتل الحجيج وأشياخهم مرّات، واقتلع الحجر الأسود، وبقي بعده أبو القاسم سعيد٤.

стр. 7984

تتمة أخبار القرمطي كما أثبتها الناسخ استجابة لأمر المؤلف الذهبي: هذه تتمة أخبار أبي طاهر سليمان بن أبي سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطي ذكرها المصنف في غير موضعها وأمر أن تُلحق هنا، فألحقتها حسب مرسومه. الناسخ. قال: وكان أبوه يحّبه ويرجّحه للأمر من بعده، وأوصى: إن حَدَث بي موتٌ، فالأمرُ إلي ابني سعيد إلى أن يكُبر أبو طاهر، فيُعيد سعيد إليه الأمر. وكان أبو سعيد قد عَتا وتمرّد، وأخاف العباد، وهزم الجيوش، وكان قد أسرَ فيمن أسرَ خادمًا، فحُسنت منزلته عنده حتّى صار على طعامه وشرابه. وكان الخادم ينطوي على إسلام، قلم يَرَ أبا سعيد يصلّي صلاةً، ولا صام شهر رمضان. فأبغَضه وأضمر قتله، فخلاه وقد دخل حمّامًا في الدّار ووثب عليه بخنجر فذبحه، ثمّ خرج ودعا بعضَ قُوّاد أبي سعيد فقال له: كلّم أبا سعيد. فلّما حصل ذبحه. ثمّ استدعى آخر، ففعل به كذلك حتى فعل بجماعة من الكبار، وكان شجاعًا قوّيًا جلْدًا. ثمّ استدعي في الآخِر رجلا، فدخل في أوّل الحّمام، فإذا الدّماء تجري، فأدبر مسرعًا وصاح، فتجمّع النّاس. وقد مرّ ذلك في سنة إحدى وثلاثمائة. وأخذ سعيد ذلك الخادم، فقرض لحمه بالمقاريض إلى أن مات. فلما كان سنة خمس وثلاثمائة سلّم سعيد الأمرَ إلى أخيه أبي طاهر، فاستجاب لأبي طاهر خلق وافتتنوا به، بسبب أنّه دلّهم على كنوز كان والده أطلعه عليها وحده، فوقع لهم أنّه عِلْم غَيْب، وتخيَّر موضعًا من الصّحراء وقال: أريد أن أحفر ههنا عَيْنًا. فقيل له: هنا لا ينبع ماء. فخالفهم وحفر فنبع الماء فازدادت فتنتهم به. ثمّ استباح البصرة، وأخذ الحجيج، وفعل العظائم، وأرعَبَ الخلائق وكُثرت جموعه، وتزلزل له الخليفة. وزعم بعض أصحابه به أنّه إله المسيح، ومنهم مَن قالَ هو نبيّ. وقيل: هو المهديّ، وقيل: هو الممهّد للمهديّ. وقد هزم جيش الخليفة المقتدي غير مرّة، ثمّ إنّه قصد بغداد ليأخذها فدفع الله شرّه. وقد قَتَلَ بحَرَم الله تعالى مقتلة عظيمة لم يتمّ مثلها قطّ في الحَرَم. وأخذ الحجر

стр. 7985

الأسود. ثمّ لم يُمهله الله بعد ذلك. فلما أشفى على التلف سلم مكة إلى أبي الفضل بن زكريا المجوسيّ العجميّ. قال محمد بن عليّ بن رِزام الكوفيّ: قال لي ابن حمدان الطّبيب: أقمتُ بالَقطِيف أعالج مريضًا فقال لي الرجل: أنظر ما يقول النّاس. يقولون إنّ ربّهم قد ظهر. فخرجتُ، فإذا النّاس يُهرعون، إلى أن أتينا دارَ أبي طاهر سليمان القَرْمِطيًّ، فإذا بغلامٍ حسن الوجه، دُرّيّ اللّون، خفيف العارضين، له نحو عشرين سنة، وعليه عمامة صفراء تعميم العَجَم، وعليه ثوب أصفر، وفي وسطه منديل وهو راكب فرسًا شهبًا، والناس قيام، وأبو طاهر القّرْمطيّ وإخوته حوله. فصاح أبو طاهر بأعلى صوته: يا معشر النّاس، من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو طاهر سُلَيْمَان بْن الْحَسَن. اعلموا أَنَا كُنَّا وإياكم حمير، وقد من اللَّه علينا بهذا، وأشار إِلَى الغلام؛ هَذَا ربي وربكم، وإلهي وإلهكم، وكلنا عباده والأمر إليه، وهو يملكنا كلنا. ثُمَّ أَخَذَ هُوَ والجماعة التراب، ووضعوه عَلَى رءوسهم؛ ثُمَّ قالَ أبو طاهر: اعلموا يا معشر الناس، إنّ الدّين قد ظهر، وهو دين أبينا آدم، وكلًّ دين كنّا عليه فهو باطل. وجميع ما توصَّلتْ به الدُّعاة إليكم فهو باطل وزُور من ذكْر موسى، وعيسى، ومحمد. إنّما الدّين دين آدم الأوّل، وهؤلاء كلّهم دجالون محتالون فالعنوهم. فلعنهم الناس. وكان أبو الفضل المجوسيّ، يعني: الغلام الأمرد، قد سَنَّ لهم الّلواط ونكاح الأخوات، وأمرّ بقتل الأمرد الممتنع. وكان أبو طاهر يطوف هو والناس عُراةً به ويقولون: إلهنا . قال ابن حمدان الطّبيب: أُدخلت على أبي الفضل فوجدتُ بين يديه أطباقًا عليها رءوس جماعة، فسجدتُ له كعادتهم والنّاسُ حوله قيام وفيهم أبو طاهر، فقال لأبي طاهر: إنّ الملوك لم تزل تُعدّ الرءوس في خَزائنها فسَلُوه، وأشارَ إليَّ، كيف الحيلة في بقائها بغير تغيير؟ فسألني أبو طاهر فقلت: إلهُنا أعلم، ويعلم أنّ هذا الأمر ما علمته. ولكن أقول على التقدير إنّ جملة الإنسان إذا مات يحتاج إلى كذا وكذا صبَر وكافور. والرّأس جزءٌ من الإنسان، فيؤخذ بحسابه. فقال أبو الفضل: ما أحسن ما قال. قال ابن حمدان: وما زلت أسمع النّاسُ تلك الأيام يلعنون إبراهيم، وموسى، ومحمدًا ﷺ ، وعليًا، وأولاده، ورأيت المصحف يُمسح به الغائط. وقال أبو الفضل

стр. 7986

لكاتبه ابن سَنْبر: اكتب كتابًا إلى الخليفة فصلِّ لهم على محمد، وكِل لهم من جراب النِّوْرة. قال ابن سَنْبر: والله ما تنبسط يدي لذلك. وكان لأبي طاهر أخت فاقتنصها أبو الفضل، وذبح أبنًا لها في حجْرها، وقتل زوجها، ثمّ عزم علي قتل أبي طاهر، فبلغ ذلك أبا طاهر، فأجمع رأيه ورأي ابن سَنْبر ووالدة أبي طاهر على أن يمتحنوه ويقتلوه. فأتياه فقالا: يا إلهنا، إنّ مُرْجة أمّ أبي طاهر قد ماتت، ونشتهي أن تحضر لنشقّ جوفها ونحشوه جمْرًا، وكان قد شرع لهم ذلك. فمضى معهما، فوجد مرجة مُسَجاة، فأمر بشقّ بطنها. فقال أبو طاهر: يا إلهي أنا أشتهي أن تُحييها لي. قال: ما تستحق فإنها كافرة. فعاوده مرارًا، فاسترابَ وأحسَّ بتغّيرهما عليه، فقال: لا تعجلا علي ودعاني أخدم دوابّكما إلى أن يأتي أبي، فإني سرقت منه العلامة، فيري فيَّ رأيَه. فقال له ابنُ سنبر: ويْلَك هتكتَ أستارنا وحريمنا، وكشفتَ أمرنا، ونحن نُرتّب هذه الدّعوة من ستين سنة، لا يُعلم ما نحن فيه. فأنت لو رآك أبوك علي هذه الحالة لقتلك، قُم يا أبا طاهر فاقتله. قال: أخشى أن يمسخني. فقام إليه سعيد أخو أبي طاهر فقتله وأخرج كبده، فأكلتها أخت أبي طاهر. ثمّ جمع ابن سنبر النّاس وذكر حَقه فيهم، لأنه كان شيخُهم، وقال لهم: إن الغلام وَرَدَ بكذبٍ سرَقه مِن معدن حقّ، وعلامةٍ موّه بها، فأطعناه لذلك. وإنا وجَدَنا فوقه غلامًا ينكحه فقتلناه. وقد كنا نسمع أنه لا بُدّ للمؤمنين من فتنةٍ عظيمة يظهر بعدها الحقّ، وهذه هِيَ. فارجعوا عن نكاح المُحَرمات، وأطفئوا بيوت النيران، واتركوا اتّخاذ الغلمان، وعظموا الأنبياء ﵈. فضج النّاس بالصّياح وقالوا: كل يومٍ تقولون لنا قولًا. فأنفق أبو طاهر أموالًا، كان جمعها أبو الفضل، في أعيان الناس فسكتوا. قال ابن حمدان الطّبيب: وبعد قتل أبي الفضل اتصلتً بخدمة أبي طاهر، فأخرج إلي يومًا الحجر الأسود وقال: هذا الذي كان المسلمون يعبدونهَ. قلتُ: ما كانوا يعبدونه. قال: بلي. فقلت: أنت أعلم. وأخرجه إلي يومًا وهو ملفوف بثياب ديبقيّ، وقد طيّبه بالمسك، فعرفنا أنه معظم له. ثمّ إنّه جرت بين أبي طاهر وبين المسلمين حروب وأمور، وضعف جانبه، وقُتل من أصحابه في تلك الوقعات خلْق وقَلُوا، فطلب من المسلمين الأمان على أن يردّ

стр. 7987

الحجر الأسود وأن لا يتعرض للحجاج أبدًا. وأن يأخذ على كلّ حاجّ دينارًا ويخفرهم. فطابت قلوب الناس وحجوا آمنين. حصل له أضعاف ما كان ينتهبه من الحاجّ. وقد كان هذا الملعون بلاءً عظيمًا على الإسلام وأهله، وطالت أيّامُه. ومنهم مَن يقول إنّه هلك عقيب أخْذه الحجر الأسود. والّظاهر خلاف ذلك. تسمية أمير الأندلس بأمير المؤمنين: فلمّا ضعُف أمرُ الأمّة، ووَهَت أركان الدّولة العبّاسية، وتغلبت القرامطة والمبتدَعة على الأقاليم، قويت همة صاحب الأندلس الأمير عبد الرحمن بن محمد الأمويّ المَروانيّ، وقال: أنا أوْلى النّاس بالخلافة. وتسمّى بأمير المؤمنين. وكان خليقًا بذلك. فإنه صاحب غزوٍ وجهاد وهَيبة زائدة استولى على أكثر الأندلس، ودانت له أقطار الجزيرة. "انتهى ما ألحقه المؤلف بخطه من أخبار أبي طاهر القرمطي في غير موضعه فألحقته هنا. ولا قوة إلا بالله، ففي كتابة مثل هذا مضض. ونسأل الله العفو والسلامة". الناسخ. سبب قتل البريديّ لأخيه: فأمّا أبو يوسف البَريديّ فكان يتكبرّ على أخيه أبي عبد الله، ويُطلق لسانه فيه، ويُعامل عليه أحمد بن بُوَيْه وتوزون، وينسبه إلى الغدْر والظُلم والجبن والبخل، فاستدعاه أخوه عبد الله إلى الدّار بالبصرة، وأقعد له جماعة في الدَّهْليز ليقتلوه. فلّما دخل ضربوه بالسّكاكين، فلامه بعض إخوته فقال: اسكت وإلا ألحقتك به١. ثمّ مات بعده بثمانية أشهر؛ ووُجد له ألف ألف دينار ومائتا ألف دينار، وعشرة الألف ألف درهم. ومِن الفرش وغيرها ما قيمته ألف ألف دينار وألف. وألف رطْل نَدّ، وألفا رِطْل هنديّ، وعشرون ألف رطل عو. وقد تقدَّم مِن أخباره. وسيُذكر في العام الآتي.

стр. 7988

أحداث سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة: قتل المتّقي: قد ذُكر أنّ توزون حَلفَ وبالغ في الأيمان للمتقّي، فلمّا كان رابع محرَّم توجّه المتقّي من الرقَّة إلى بغداد، فأقام بهيت، وبعث القاضي أبا الحسين الخِرَقيّ إلى توزون وابن شيرزاد، فأعاد الأْيمان عليهما. وخرج توزون وتقدمه ابن شيرزاد، فالتقى المتقّي بين الأنبار وهِيت١. رواية المسعودي عن مقتل المتقّي: وقال المسعودي: لمّا التقى توزون بالمتقّي ترجّل وقبّل الأرض، فأمره بالركوب، فلم يفعل، ومشى بين يديه إلى المخيّم الذي ضربه له. فلمّا نزل قبض عليه ابن مقلة ومن معه. ثمّ كحّله، فصاح المتقّي، وصاح النساء، فأمر توزون بضرب الدَّبادب٢ حول المخيم. وأُدخل بغداد مسمول العينين، وقد أخذ منه الخاتم والبُرْدة والقضيب. وبلغ القاهر فقال: صِرنا اثنين، ونحتاج إلى ثالث، يُعرض بالمستكفي، فكان كما قال، سُمل بعد قليل. خلافة المستكفي: وقال ثابت: أحضر توزون عبد الله بن المكتفي وبايعه بالخلافة، ولقّبه بالمستكفي بالله، ثمّ بايعه المتقي لله المسمول، وأشهد على نفسه بالخلْع لعشرٍ بقين من المحرَّم سنة ثلاثٍ وثلاثين. ثمّ أُخرج المتقّي إلي جزيرة مقابل السِّنْديّة، وسُمل حتّى سالت عيناه. وقيل: إنما خُلع لعشرٍ بقين من صفر. ولم يحل الحَوْل على توزون حتّى مات٣. صفة المستكفي بالله: وكنيةُ المستكفي: أبو القاسم، من أمّ ولد. بويع وعمره إحدى وأربعون سنة. وكان مليحًا، رَبْعةً، معتدل الجسم، أبيض بحُمْرة، خفيف العارضين. وعاش المتقّي لله بعد خلعه خمسًا وعشرين سنة.

стр. 7989

الحرب بين ابن بُوَيْه وتوْزُون: وفيها استولى أحمد بن بُوَيْه على الأهواز، والبصرة، وواسط، فخرج إليه توزون فالتقيا، ودام الحربُ بينهما أشهرًا، وهي كلّها على توزون، والصَّرْع يعتريه. فقطع الجسر الذي بينه وبين أحمد بن بُوَيْه عند ديالى، وضاق بابن بُوَيْه الحال وقلت الأقوات، فرجع إلى الأهواز. وصُرع توزون يومئذٍ، وعاد إلى بغداد مشغولًا بنفسه١. وزارة أبي الفرج السامرّيّ ومصادرته: وفي صفر استوزر المستكفي أبا الفَرَج محمد بن عليّ السّامرّيّ، ثمّ عزله توزون بعد أربعين يومًا، وصادره وأخذ منه ثلاثمائة ألف دينار٢. وزارة ابن شيرزاد: ثم استوزر أبا جعفر بن شيرزاد بإشارة توزون. الحرب بين سيف الدّولة والإخشيد: وفيها سار سيفُ الدّولة بن حمدان إلى حلب فملكها، وهربَ أميرها يانس المؤنسي إلي مصر، فجهّز الإخشيد جيشًا إلي سيف الدّولة، فالتقوا على الرَّسْتن، فهزمهم سيف الدّولة وأسر منهم ألف رجل، وفتح الرَّستْن. ثمّ سار إلى دمشق فملكها. فجاء الإخشيد ونزل طبريّة، فتسلّل أكثر أصحاب سيف الدّولة إلي الإخشيد، فخرج سيف الدّولة إلى حلب وجمع القبائل وحشد. وسار إليه الإخشيد، فالتقوا على قنَّسرين، فهزمه الإخشيد، فهربَ إلي الرقَّة، ودخل الإخشيد حلب٣. الغلاء والجوع ببغداد: وفيها عظم الغلاء ببغداد حتّى هرب الناس وبقي النساء.

стр. 7990

فكُنَّ المخدرات يخرجن عشرين عشرين من بيوتهنّ، مُمْسكات بعضهنّ بعضًا، يَصحْن: الجوع الجوع. وتسقط الواحدة منهنّ بعد الأخرى ميتَة من الجوع. فإنا لله وإنا إليه راجعون. قيام أبي الحسين البريديّ مكان أخيه: وكان أبو عبد الله البَريديّ قد استولى على الأهواز والبصرة. ووزر للمتقّي كما ذكرنا. وكان قد قتل أخاه لكونه يذكر عيوبَه، فلم يُمتَّع بعده، وأخذته الحُمّى أسبوعًا، فهلك في اليوم الثّامن من شوّال. وقام أخوه أبو الحسين البَريديّ مقامه. وكان يانس مقدّم جيوشه يبغض أبا الحسين. النزاع بين البريديّ وأخيه: ثم إنّ أبا الحسين أساء العشرة على التُّرْك والدّيْلم، وحطّ من أقدارهم، فشَكَوْه إلى يانس، فقال لأبي القاسم ولد أبي عبد الله: إن كان عندك مال عقدتُ لك الرئاسة على عمك. فقال: هذه ثلاثمائة ألف دينار. فأخذها يانس، فأصلح بها قلوب الْجُنْد، وعقد لأبي القاسم. فهرب أبو الحسين ليلًا ماشيًا متنكرًا إلي هجر، فاستجار بالقرامطة، فأجاروه، وبعثوا معه جيشاَ إلي البصرة فنازلوها حتّى ضجروا. ثمّ أصلحوا بينه وبين ابن أخيه، ثمّ مضى إلى بغداد. قتل يانس: ثم إن يانس طمع في الملك، فوطأ الديْلَم على قتل أبي القاسم. وعلم أبو القاسم فاحتال حتى قبض على يانس، وأخذ منه مائة ألف دينار وقتله، واستقام له الدَّسْت. غزوة سيف الدّولة في الروم: وفيها غزا سيف الدّولة بلاد الروم، وردّ سالمًا بعد أن بدَّع في العدّو. وسبب هذه الغزاة أنّه بلغ الدُّمُستُق ما فيه سيف الدّولة من الشُّغْل بحرب أضداده، فسار في جيشٍ عظيم، وأوقع بأهلِ بغراس ومَرْعش، وقتل وأسر. فأسرع سيف الدّولة إلى مضيق وشِعاب، فأوقع بجيش الدُّمسْتُق وبيّتهم، واستنقذ الأسارى والغنيمة، وانهزم الروم

стр. 7991

أقبح هزيمة١. ثمّ بلغ سيف الدّولة أنّ مدينةً للروم قد تهدَّم بعض سورها، وذلك في الشتاء، فاغتنم سيف الدّولة الفرصة، وبادرَ فأناخ عليهم، وقتل وسبى، لكن أُصيب بعض جيشه٢.

стр. 7992

أحداث سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة: وفاة توزون وطمع ابن شيرزاد بالإمارة: في المحرم توفي التُرْكيّ بهيت، وكان معه كاتبه أبو جعفر بن شيرزاد، فطمع في المملكة وحلّف العساكر لنفسه، وجاء فنزل بباب حرب، فخرج إليه الدَّيْلم وباقي الْجُنْد، وبعث إليه المستكفي بالإقامات وبخلع بيض. ولم يكن معه مال، وضاق ما بيده، فشرَع في مصادرات التّجّار والكُتاب، وانقطع الجلب عنها فخربت١. زواج سيف الدّولة ببنت الإخشيد: وفيها تزوج سيف الدّولة بن حمدان ببنت أخي الإخشيد، واصطلح مع الإخشيد على أن يكون لسيف الدّولة حلب، وأنطاكّية، وحمص. تلقُّب المستكفي بإمام الحقّ: وفيها لُقب المستكفي نفسَه "إمام الحقّ" وضرب ذلك على السّكّة٢. دخول ابن بُوَيْه بغداد ومبايعته الخليفة: وفيها قصد مُعزّ الدّوله أَحْمَد بن بُوَيْه بغداد، فلمّا نزل باجِسْرى استتر المستكفي وابن شيرزاد، وتسلّل الأتراك إلى الموصل، وبقي الدَّيْلم ببغداد، وظهر الخليفة. فنزل معز الدّولة بباب الشماسيّة، وبعث إليه الحليفة الإقامات والتُحف. فبعث مُعز الدّولة يسأله في ابن شيرزاد، وأن يأذن له في استكتابه. ودخل في جمادى الأولى دار

стр. 7993

الخلافة، فوقف بين يدي الخليفة، وأُخذت عليه البَيْعة بمحضر الأعيان. ثمّ خلع الخليفة عليه، ولقبة "مُعِزّ الدّولة"، ولقّب أخاه علّيًا "عماد الدّولة" وأخاهما الحسن "رُكْن الدّولة". وضُربت ألقابهم على السّكّة١. ثمّ ظهر ابن شيرزاد واجتمع بمُعزّ الدّولة، وقرر معه أشياء منها: كلّ يوم برسم النَّفقة للخليفة خمسة آلاف درهم فقط. عناية ابن بُوَيْه بالشباب: وهو أوّل مَن ملك العراق من الدَّيْلم. وهو أوّل من أظهر السُعاة ببغداد ليجعلهم فُيوجًا بينه وبين أخيه رُكنِ الدّولة إلى الرِّي. وكان له ركائبيان: فضل، وموعوش، فكان كل واحد يمشي في اليوم ستة وثلاثين فرسخًا، فغزى بذلك شبابُ بغداد وانهمكوا فيه. وكان يُحضر المصارعين بين يديه في الميدان ويأذن للعوّام، فمن غلب خَلعَ عليه. وشرع في تعليم السّباحة، حتى صار السّبّاح يسبح وعلى يده كانون فوق قِدْره، فيسبح حتّى ينضج اللحم٢. ولاية عُتبة قضاء الجانب الشرقيّ: وفيها ولي قضاء الجانب الشرقي أبو السائب عُتْبة بن عُبيَد الله. خلْع المستكفي بالله: وفيها خُلع المستكفي وسُمِل. وسبب ذلك أنّ عَلَمَ القهرمانة كانت واصلةً عند الخليفة وتأمر وتنهى، فعملت دعوةً عظيمة حضرها خُرشيد الديلم مقدَّم الدَّيْلَم، وجماعة من القُواد. فاتهمها مُعزّ الدّولة، وخاف أن تفعل كما فعلت مع توزون وتُحلِّف الدّيلم للمستكفي، فتزول رئاسة مُعِزّ الدّولة. وكان إصْفَهد الديْلم قد شفع إلي الخليفة في رجل شيعي يثير الفتَن، فلم يقبل الخليفة شفاعته، فحقد على الخليفة وقال لِمُعزّ الدّولة: إنّ الخليفة يراسلني في أمرك لألقاك في الليل. فقوي سوء ظن معُزّ الدّولة. فلمّا كان في جُمَادى الآخرة دخل على الخليفة، فوقف والناس وقوف على مراتبهم، فتقدم اثنان من الديلم فطلبا من الخليفة

стр. 7994

الرزق، فمد يده إليهما ظنًا منه أنهما يريدان تقبيلها، فجذباه من السرّير طرحاه على الأرض، وجرّاة بعمامته. وهجم الديلم دار الخلافة إلى الحُرم. ونهبوا وقبضوا على القهرمانة وخواص الخليفة. ومضى معز الدّولة إلى منزله، وساقوا المستكفي ماشيًا أليه، ولم يبق في دار الخلافة شيء١. خلع المستكفي، وسُملت يومئذٍ عيناه٢. وكانت خلافته سنة وأربعة أشهر ويومين. وتوفي بعد ذلك في سنة ثمانٍ وثلاثين وعمره ست وأربعين سنة. خلافة المطيع لله: ثمّ إنهم أحضروا أبا القاسم الفضل بن المقتدر جعفر وبايعوه بالخلافة، ولقبّوه المطيع لله، وسنُّه يومئذٍ في أربع وثلاثين سنة. ثمّ قدموا ابن عمّه المستكفي، فسَّلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع قبل أن يُسمل٣. ثم صارد المطيع خواصّ المستكفي، وأخذ منهم أموالًا كثيرة، ووصَلَ العباسّيين والعلويّين في يوم، مع إضاقته، بنيفٍ وثلاثين ألف دينار٤. وقَّرر له معُزِ الدّولة كل يوم مائة دينار ليس إلًا نفقة. الغلاء ببغداد: وعظمُ الغلاء ببغداد في شعبان، وأكلوا الِجيَف والرَّوْث، وماتوا على الطُرقُ، وأكلت الكلاب لحومهم، وبيعَ العقار بالرُّغفان، وُوجدت الصّغار مشوية مع المساكين، وهربَ الناس إلي البصرة وواسط، فمات خلق في الّطِرقَات٥. وذكر ابن الْجَوْزيّ أنه أشُتري لمُعزّ الدّولة كُرّ دقيق بعشرين ألف درهم. قلتُ: الكُرّ سبعة عشر قنطارًا بالدمشقي لأنًّ الكُرّ أربعٌ وثلاثون كارة. والكارة خمسون رطلًا بالدمشقي٦.

стр. 7995

الحرب بين ناصر الدّولة ومعز الدّولة بن بُوَيْه: ووقعَ ما بين مُعّز الدّولة وبين ناصر الدّولة بْن حمدان، فجمع ناصر الدولة وجاء فنزل سامراء، فخرج إليه معز الدولة ومعه المطيع في شعبان، وابتدأت الحرب بينهم بُعكبرا. وكان معُزّ الدّولة قد تغيّر علي ابن شيرزاد واستخانه في الأموال، فأحفظه ذلك، ووقع القتال، فاندفع معُز الدّولة والمطيع بين يديه، فجاء ناصر الدولة فنزل بغداد، من الجانب الشرقي فملكها، وجاء مُعزّ الدّولة ومعه المطيع كالأسير، فنزل في الجانب الغربي، وبقي في شدّة غلاء حتّى اشتُري له كر حنطة بعشرة آلاف درهم أو بأكثر. وعزم على المسير إلى الأهواز فقال: روِّزوا لنا الشّطّ، فإنْ قدرنا على العبور كان أهوَن علينا. فلمّا عبرت الدّيالمة اضطّرب عسكر ناصر الدّولة وانهزموا، وهرب ناصر الدّولة فعبر مُعّز الدّولة إلي الجانب الشرقيّ، وأحرق الدّيْلم سوق يحيى، ووضعوا السيَّف في النّاس وسَبَوا الحريم، وهربَ النساء إلى عُكبرا، ومات منهنّ جماعة مِن العطش١. امتناع الحجّ: ولم يحجّ أحدُ من أهل العراق. وفاة القاضي الخِرَقيّ: وفيها تُوُفيّ القاضي أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن إسحاق الخرقي قاضي قضاة المتقّي لله بدمشق. وفاة الخِرَقيّ الحنبليّ: وأبو القاسم عمر بن الحسين الخرقيّ الحنبليّ مصنفّ "مختصر دمشق". وفاة توزون: وتوزون الّذي غلب على العراق وسَمَلَ المتقي لله.

стр. 7996

وفاة الإخشيد: وصاحب مصر والشام الإخشيد محمد بن طُغج الفَرَغانيّ أبو بكر. ويقال: إنّ جدّه جُف ابن ملك فَرغانة. وكل من ملك فرَغَانة سُمّي الإخشيد، أي ملك الملوك وهي من كبار مُدن التُّرْك. كما أنّ الإصبَهبَذ لَقَب ملك طَبَرسْتان، وصول ملك جُرجان، وخاقان ملك التُّرْك، والأفشين ملك أشرُسونة، وسامان ملك سَمَرْقنْد. وكان مولد محمد الإخشيد ببغداد، وكان شجاعًا مَهيبًا فارسًا، ولي دمشق، ثمّ ولي مصر مِن قِبل القاهر سنة إحدى وعشرين. وبدمشق تُوُفي في آخر السنة بحُمّى حادّة وله ستون سنة، ودُفِنَ في القدس. وكان له ثمانية آلاف مملوك. وقيل: إنّ عدة جيشه بلغت أربعمائة ألف رجل. وقام بعده ابنه أبو القاسم أنوجور مع غَلَبَة كافور على الأمور١. وفاة أبي القاسم صاحب المغرب: وفيها مات أبو القاسم محمد بن عُبَيد الله صاحب المغرب. وكان مولده بسَلَمية سنة ثمانٍ وسبعين. ودخلَ مع أبيه في زيّ التجار، فآل بهم الأمر إلى ما آل. وبويع هذا سنة اثنين وعشرين وثلاثمائة عند موت أبيه. وقد خرج عليه سنة اثنين وثلاثين مَخلَد بن كيداد. وكانت بينهما وقائع مشهورة. وحصَره مَخْلَد بالمَهديّة وضيقَّ عليه واستولى على بلاده، فعرض للقائم وسواس فاختلط عقله، ومات في تلك الحال في شوّال، وله خمسٌُ وخمسون سنة. وستُرت وفاته سنة ونصفًا. وقام بعده وليّ عهده المنصور بالله أبو الطاهر إسماعيل ولده. وكان القائم شرًّا من أبيه المهديّ، زنْديقًا ملعونًا. مقاتلة ابن كَيْداد لأبي القاسم: ذكر القاضي عبد الجّبار أنّه أظهر سبّ الأنبياء ﵈، وكان مناديه ينادي: العنوا الغار وما حوى، وقتلَ خلقًا من العلماء. وكان يراسل أبا طاهر القَرْمَطيّ إلى البحرين وهَجَر، ويأمره بإحراق المساجد والمصاحف. ولما كثر فجوره اجتمع أهل

стр. 7997

الجبال على رجل من الإباضيّة يقال له مَخُلْد بن كيدْاد، وكان شيخًا لا يقدر على ركُوُب الخيل، فركب حمارًا. وكان وزيره أعمى، فاجتمع معه خلائق، فسار فحصرَ القائم بالمَهْديّة. وكان مَخْلَد أعرج يُكنى أبا يزيد، وهو من زَنَاتة، قبيلة كبيرة من البربر، وكان يتنسَّك ويقصر دلقة الصُّوف، ويركب حمارًا، ولا يثبت على الخيل. وكان نافذ الأمر في البربر، زاهدًا، دَيِّنًا، خارجيًا. قام على بني عُبَيْد، والنّاس على فاقة وحاجةٍ لذلك. فقاموا معه وأَتوه أفواجًا، ففتح البلاد، ودخل القيروان. وتحيز منه المنصور وتحصّن بالمهديّة التي بناها جدّه. ونَفَر مع مَخْلَد الخلْق والعلماء والصُلحاء، منهم الإمام أبو الفضل التنيسي العبّاس بن عيسى الفقيه، وأبو سليمان ربيع القّطان، وأبو العرب، وإبراهيم بن محمد. قال القاضي عياض في ترجمة العّباس بن عيسى هذا: وركب أبو العرب وتقلَّد مُصحَفًا، وركب الفقُهاء في السّلاح، وشقوا القيروان وهم يُعلنون التّكبير والصّلاة على النبّي ﷺ والترضي على الصّحابة. وركّزوا بُنُودهم عند باب الجامع. وهي سبعة بُنُود حُمْر فيها: لا إله إلا اللَّه، ولا حُكْم إلّا لله وهو خير الحاكمين؛ وبندان أصفر لربيع القّطان فيهما: نصرٌ من الله وفتح قريب؛ وبنَد مَخْلَد فيه: الّلهم أنصر وليَّك على من سبّ نبيّك؛ وبَندْ أبي العرب فيه: قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله، وبَنْد أصفر لابن نصرون الزّاهد فيه: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤] ؛ وبند أبيض فِيهِ: مُحَمَّد رَسُول اللَّه ﷺ ، أَبُو بكر الصّدّيق، عمر الفاروق، وبَنْد أبيض لإبراهيم بن محمد المعروف بالعَشّاء فيه ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٤٠] الآية. وحضرت الجمعة فخطبهم أحمد بن أبي الوليد، وحضّ على الجهاد. ثمّ ساروا ونازلوا المهديّة. فلمّا التقوا وأيقن مخلد بالنصر غلب عليه ما عنده من الخارجية، فقال لأصحابه: انكشفوا عن أهل القيروان حتى ينال منهم عدوّهم. ففعلوا ذلك، فاستشهد خمسةٌ وثمانون رجلًا من العلماء والزهاد، منهم ربيع القطان، والتنيسي، والعشّاء. الإباضيّة: والإباضية فرقة من الخوارج، رأسهم عبد الله بن يحيى بن إباض، خرج في أيّام مروان الحمار. وانتشر مذهبه بالمغرب، ومذهبه أنّ أفعالنا مخلوقة لنا. ويكفٍّر

стр. 7998

بالكبائر، وأنهّ ليس في القرآن خصوص. ومّن خالفه كفر وحلّ له دمه وماله. وفاة الشبّليّ: وفيها توُفّي الزّاهد أبو بكر الشبَّليّ بالعراق. وفاة الوزير عليّ بن عيسى: وفي آخرها توفي الوزير علي بن عيسى١.

стр. 7999

أحداث سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة: عودة المطيع إلي دار الخلافة: ولمّا انهزم سيف الدّولة بن حمدان إلى الموصل جدَّد مُعزّ الدّولة أحمد بن بويه الأيمان بينه وبين المطيع، وأزال عَنْهُ التوكيل، وأعاده إلى دار الخلافة. صرْف ابن أبي الشوارب عن القضاء: وصرف القاضي محمد بن الحسن بن أبي الشوارب عن القضاء بالجانب الغربيّ وقُلد قضاء الجانبين أبو الحسن محمد بن صالح، ويُعرف بابن أمّ شيبان١. امتلاك سيف الدّولة دمشق: ولمّا مات الإخشيد بدمشق، سار سيف الدّولة من حلب فملك دمشق، واستأمن إليه يانس المؤنسيّ. ثم سار سيف الدّولة فنزل الرملة. وجاء من مصر أنوجور بن الإخشيد بالجيوش، والقائم على أمره كافور الخادم. فرد سيف الدولة إِلَى دمشق، وسار وراءه المصريون، فانهزم إِلَى حلب، فساروا خلفه، فانهزم إلى الرقَّة. ثمّ تصالحوا على أن يعود سيف الدّولة إلى ما كان بيده٢. قال المسبّحي: وكان بين سيف الدّولة وبين أبي المظفّر حسن بن طُغج، وهو أخو الإخشيد، وقعة عظيمة بالّلجون، فانكسر ابن حمدان ووصل إلى دمشق بعد شدةٍ

стр. 8000

وتشتُت. وكانت أمّه بدمشق. فنزل المرج خائفًا، وأخرج حواصله، وسار نحو حمص على طريق قارا. وسار أخو الإخشيد وكافور الإخشيديّ إلى دمشق. ثمّ سار إلى حلب في آخر السنة واستقرّ أمرهم١. مصالحة معزّ الدّولة وناصر الدولة: وفيها اصطلح معز الدولة وناصر الدولة على أن يكون لناصر الدّولة من تكريت إلى الشّام. وكان ناصر الدّولة قد عاد فنزل عُكبرًا. قيادة تكين الشيرازي للُترك: فلمّا علم التُّرك الّذين مع ناصر الدّولة بالمصالحة جاءوا إليه ليقتلوه، فانهزم إلى الموصل، فقدموا عليهم تكين الشيرازيّ. وكانوا خمسة آلاف. وساقوا وراء ناصر الدّولة٢. حبْس ابن شيرزاد: وكان أبو جعفر بن شيرزاد قد هرب من معزّ الدّولة إلى ناصر الدّولة، فلّما قُرب من الموصل سَمَلَه وحبسه. هزيمة التُرْك: وبعث ناصر الدّولة إلي أخيه سيف الدّولة يستنجده، وتقهقر إلى سنجار ونزل الحُديثة والتُرك وراءه. ثمّ إنّ مُعزّ الدّولة جهَّز له نجدة، وجاءه عسكر حلب، فالتقوا على الحُديثة، فانهزم التُرْك وقُتلوا وأُسروا، ورجع ناصر الدّولة إلى الموصل٣. استيلاء ابن بويه على الرِّيّ والجبال: وفيها استولى ركن الدولة بن بويه عَلَى الري والجبال. امتناع الحجّ: ولم يحج أحد.

стр. 8001

وثوب غلبون على مصر: وفيها في غيبة الإخشيد عن مصر، وثب عليها غَلْبون متولّي الرّيف في جُموُع، ووقع النَّهْب في مصر، فلم يستقر أمره حتّى لَطَف الله، وقدم الجيش فهرب فاتبعه طائفة فقُتل١. وزارة ابن الفرات بمصر: وفيها استوزر بمصر لولد الإخشيد أبو القاسم جعفر بن الفضل بن الفُرات. الدعوة لسيف الدّولة بطرسوس: وفيها أقُيمت الدّعوة لسيف الدّولة، فنفَّد لهم الخِلع والذَّهب، ونفدّ ثمانية ألف دينار للفداء٢.

стр. 8002

أحداث سنة ست وثلاثين وثلاثمائة: خروج المطيع لمحاربة البريدي: فيها خرج المطيع ومُعّز الدّولة من بغداد إلى البصرة لمحاربة أبي القاسم عبد الله بن البريديّ، فسلكوا البرية، فلمّا قاربوها استأمن إِلَى مُعز الدّولة جيش البريديّ، وهرب هو إلى القرامطة. وملك معز الدّولة البصرة، وأقطع المطيع منها ضياعًا١. قدوم عماد الدّولة على أخيه معز الدّولة: وفيها وصل عماد الدّولة عليّ بن بويه إلى الأهواز، فبادر أخوه معز الدّولة إلى خدمته، وجاء فقَّبل الأرض وتأدَّب معه. ثمّ بعد أيّام ودّعه، وعاد معز الدّولة وقد أخذ واسطًا والبصرة. تكحيل صاحب خراسان أخويه وعمه: وفيها وردت الأخبار بأنّ نوحًا صاحب خُراسان كحّل أخوَيْه وعمّه إبراهيم.

стр. 8003

ظفر صاحب المغرب بابن كيَدْاد: وفيها ظفر المنصور صاحب المغرب بمَخَلْد بن كَيْداد، وقتل قوّاده، ومزّق جيشه. وفاة الصوليّ: وفيها تُوُفيّ أبو بكر محمد بن يحيى الصُوليّ النديم الإخباريّ العلامة صاحب الهندسة والبراعة في الشَطَرنْج. وقع لنا جزءٌ من حديثه بعُلو. غارة الروم على أطراف الشام: وفيها أغارت الروم -لعنهم الله- على أطراف الشّام، فسبوا وأسروا، فسَاقَ وراءهم سيف الدّولة ولِحقَهم، فقتل منهم مقتلة، واستردّ ما أخذوا ثمّ أخذ حصْن بَرْزَيَة من الأكراد بعد أن نازله مدّةً، ثم افتتحه في سنة سبع١.

стр. 8004

أحداث سنة سبع وثلاثين وثلاثمائة: غرق بغداد: فيها كان الغرق ببغداد. زادت دجلة إحدى وعشرين ذراعًا وهرب النّاس، ووقعت الدّور، ومات تحت الهْدم خلْق. استئمان أبي القاسم البريديّ: وفيها دخل بغداد أبو القاسم بْن البريدي بأمانٍ من معز الدّولة، وأقطعه قرى. اختلاف معز الدّولة وناصر الدّولة وصُلْحهما: وفيها اختلف معز الدّولة وناصر الدّولة، وسار معز الدّولة إِلَى الموصل، فتأخر ناصر الدّولة إلى نصيبين خائفًا. ثمّ صالحه كلّ سنة على ثمانية آلاف ألف درهم. امتلاك الروم مرعش: وفيها خرجت الروم، فالتقاهُم سيف الدّولة على مرَعْشَ، فهزموه وملكوا مَرْعَش. امتناع الحجّ: ولم يحجّ أحد. ولاية أبي المظفر دمشق: وفيها ولى إمرة دمشق أبو المظفر الحسن بن طُغج نيابةً لأخيه الإخشيد. وقد وليها مدّة في أيام القاهر١.

стр. 8005

أحداث سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة: ولاية عُتبة قضاء القضاة: فيها تقلّد أبو السائب عتبة بن عبد الله الهمْدانيّ قضاء القُضاة ببغداد. وصول تقادُم أنوجور إلي معز الدّولة: وفيها وصلت تقادُم أنور بن الإخشيد من مصر، ويسأل معز الدّولة أن يكون أخوه عليا مشاركًا له في الأمر، ويكون من بعده، فأجابه. تحرُّك القرامطة: وفيها تحرّكت القرامطة. امتناع الحج: ولم يحجّ أحدٌ من العراق. بناء المنصورية بالمغرب: وعمَّر المنصور إسماعيل صاحب المغرب مدينة المنصوريّة. وفاة المستكفي بالله: وتُوُفيّ المستكفي بالله عبد الله بن المكتفي عليّ معتقلًا في دار معز الدّولة بنفث الدم. وله ست وأربعون سنة.

стр. 8006

وفاة عماد الدّولة الدّيلميّ: وفيها تُوُفيّ السّلطان عماد الدّولة أبو الحسن عليّ بن بويه بن فنّاخسرو الدَّيْلميّ. وقد ذكرنا مبدأهم في سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة. وكان قد ملك بلاد فارس. وكان عاقلًا شجاعًا مَهيبًا، اعتلّ بقرحةٍ في الكُلا أنهكت جسمَه، وتُوُفيّ بشيراز وله تسعٌ وخمسون سنة. وأقام المطيع لله مقامَه أخاه أبا عليّ ركُنِ الدّولة والد السلطان عضُد الدّولة. وكان معز الدّولة يحبّ أخاه عماد الدّولة ويحترمه ويكاتبه بالعُبُودية١. ولاية شعلة إمرة دمشق: وفيها ولي إمرة دمشق شعُلة بن بدر الإخشيدي من قبَل ولد الإخشيد، وكان أحد الأبطال الموصوفين، وفيه ظلم.

стр. 8007

أحداث سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة: استيلاء قراتكين على الرّيّ والجبال: فيها استولى قراتكيِن على الرَّيّ والجبال، ودفع عنها عسكر رُكْن الدّولة. غزوة سيف الدّولة وانهزامه: وفيها غزا سيف الدّولة بن حمدان بلادَ الروم في ثلاثين ألفًا، ففتح حصونًا وَقَتل وسبى وغنم، فأخذ عليه الروم الدرب عند خروجه، فاستولى على عسكره قتلًا وأسرًا، واسترّدوا جميع ما أخذ، وأخذوا جميع خزائنه، وهرب في عددٍ يسير١. رد الحجر الأسود: وفيها رُد الحج الأسود إلي موضعه. بعث به القَرْمَطّي مع محمد بن سنَبْر إلى المطيع. وكان بجَكَم قد دفع قبل هذا خمسين ألف دينار وما أجابوا، وقالوا: أخذناه بأمرٍ وما نردّه إلا بأمر. فلمّا ردّوه في هذه السنة قالوا: رددناه بأمرِ من أخذناه بأمره. وكذبوا، فإنّ الله قال: ﴿فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا

стр. 8008

وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: ٢٨] ، فكذبهم الله بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: ٢٨] وإن عَنَوْا بالأمر القدَرَ، فليس ذلك حُجة لهم، فإنّ الله تعالى قدَّر عليهم الضّلال والمُرُوقَ مِن الدين، وقدَّر عليهم أنه يدخلهم النار، فلا ينفعهم قولُهم: أخذناه بأمر. وقد أعطاهم المطيع مالًا، وبقي الحجر عندهم اثنين وعشرين سنة. وفيها -قاله المسّبحيّ- وافى سُنْبُر بن الحَسَن إلى مكة ومعه الحجر الأسود، وأمير مكّة معه، فلمّا صار بفناء البيت أظهر الحجر من سفط وعليه ضباب فضة قد عُملت من طوله وعرضه، فضبط شقوقا حدثت عليه بعد انقلاعه، وأحضر له صانعا معه جص يشده. فوضع سنبر بْن الْحَسَن بْن سنبر الحجر بيده، وشدّه الصّانع بالجصّ، وقال لمّا ردّه: أخذناه بقُدره الله ورددناه بمشيئة الله١. وفاة الصيمري الكاتب: وفيها تزوج محمد بن أحمد الصَّيْمريّ كاتب معز الدّولة ووزيره. تقليد المهلّبيّ الكتابة: فقلّد مكانه أبا محمد الحسن بن محمد المهلّبيّ الوزير. مقتل عبد الله ابن الناصر لدين الله الأموي: وفي عيد الأضحى قَتَل النّاصر لدين الله عبد الرحمن بن محمد الأمويّ صاحب الأندلس ولدَه عبد الله، وكان قد خاف من خروجه عليه، وكان من كبار العُلماء، روى عن: محمد بن عبد الملك بن أيمن، وقاسم بن أَصْبَغ. وله تصانيف منها مجلَّد في "مناقب بقَيّ بن مخلد"، رواه عنه: مَسلَمَة بن قاسم. غزوة سيف الدّولة وإيغاله في الروم: وفيها غزا سيف الدّولة كما قدمنا، فسار في ربيع الأول، ووافاه عسكر طَرَسوُس في أربعة آلاف، عليهم القاضي أبو حُصيْن. فسار إلى قيسارية، ثمّ إلى " ... " ووغل في بلاد الروم، وفتح عدّة حصون، وسبى وقتل، ثم سار إلى سمندو، ثمّ إلي خَرْشَنَة يقتل ويسبى، ثمّ إلى بلد صارخة وبينها وبين قسطنطينية سبعة أيّام. فلما نزل

стр. 8009

عليها واقعَ الدُّمُسْتقُ مقدّمته، فظهرت عليه، فلجأ إلى الحصن وخاف على نفسه. ثمّ جمع والتقى سيف الدّولة، فهزمه الله أقبح هزيمة، وأُسرت بطارقته، وكانت غزوة مشهورة. وغنم المسلمون ما لا يوصف، وبَقَوْا في الغزو أشهُرًا١. ثمّ إنّ الطرسوسيين قفَلوا، ورجع العُربْان، ورجع سيف الدّولة في مضيق صعب، فأخذت الرّوم عليه الدّروب، وحالوا بينه وبين المقدّمة، وقطعوا الشجر، وسدّوا به الطُّرُق، ودهدهوا الصخورَ في المضائق على النّاس. والرّوم وراء النّاس مع الدُّمُسْتقُ يقتلون ويأسرون، ولا منَفَذَ لسيف الدّولة. وكان معه أربعمائة أسير من وجوه الروم فضربَ أعناقهم، وعقر جماله وكثيرًا من دوابه، وحَرَقَ الثِّقل، وقاتل قتال الموت، ونجا في نفر يسير٢. واستباح الدُّمُسْتُق أكثر الجيش، وأسر أمراء وقضاة. ووصل سيف الدّولة إلى حلب، ولم يكد. ثمّ مالت الروم فعاثوا وسبوا، وتزلزل النّاس، ثمّ لطفَ الله تعالى، وأرسل الدمستق إلى سيف الدّولة يطلب الهدنة، فلم يُجِبْ سيف الدّولة، وبعث يتهدّده. ثمّ جهَّز جيشًا فدخلوا بلاد الروم من ناحية حران، فغنموا وأسروا خلقًا. وغزا أهل طرسوس أيضًا في البرّ والبحر. ثمّ سار سيف الدّولة من حلب إلى آمِد، فحارب الروم وخرب الضياع، وانصرف سالمًا. وأمّا الروم، فإنهم احتالوا على أخذ آمد، وسعي لهم في ذلك نصْرانيّ على أن ينقبَ لهم نقَبَا من مسافة أربعة أميالٍ حتى وصل إلى سورها. ففعل ذلك، وكان نقيًا واسعًا، فوصل إلى البلد من تحت السّور. ثمّ عرفَ به أهلُها، فقتلوا النصْراني، وأحكموا ما نقبه وسَدُّوه. ومعني الدُّمُسْتُق نائب البلاد في شرقي قسطيطينية.

стр. 8010

أحداث سنة أربعين وثلاثمائة: مهاجمة صاحب عُمان البصرة: فيها قصد صاحبُ عُمان البصرة، وساعده أبو يعقوب القرمطّي، فسار إليهم أبو محمد المهلّبّي في الدَّيْلم فالتقوا، فانهزم المهلّبي واستباح عسكرهم، وعاد إلى بغداد بالأسارى والمراكب١.

стр. 8011

إيغال سيف الدولة في بلاد الروم: وفيها جمع سيفُ الدّولة بن حمدان جيوش الموصل، والجزيرة، والشام، والأعراب، ووغل في بلاد الّروم، فقتل وسبى شيئًا كثيرًا، وعاد إلى حلب سالمًا١. الحج هذه السنة: وحجّ النّاس في هذه السنة. إصلاح الحجر الأسود وتمكينه في الكعبة: وفيها قلع حَجَبةَ الكعبة الحجرَ الذي نصبه سنبر صاحب الجنابّي وجعلوه في الكعبة، وأحبّوا أن يجعلوا له طَوقًا من فضةٍ فيُشدّ به كما كان قديمًا لمّا عمله عبد الله بن الزُبير. وأخذ في إصلاحه صائغان حاذقان فأحكماه. قال أبو الحسن محمد بن نافع الخزاعي: فدخلتُ الكعبة فيمن دخلها، فتأملتُ الحجر، فإذا السّواد في رأسه دون سائره، وسائره أبيض. وكان مقدار طوله فيما حرزت مقدار عُظم الذراع. قال: ومبلغ ما عليه من الفضة فيما قيل ثلاثة آلاف وسبعمائة وسبعة وتسعون درهمًا ونصف٢. وفاة الكرخيّ شيخ الحنفيّة: وفيها تُوُفيّ شيخ الحنفية أبو الحسن الكرْخي عَبْد الله بن الحسين بن لال، وله ثمانون سنة، ببغداد. الزلازل بحلب والعواصم: وفيها كثُرت الزلازل بحلب والعواصم، ودامت أربعين يومًا، وهلك خلق كثير تحت الهدم. وتهَّدم حصن رَغْبان ودُلُوك وتلّ حامد، وسقط من سور دلوك ثلاثة أبرجة٣. ولله الأمر.

стр. 8012

ذكر من مات في هذه الطبقة الرابعة والثلاثون مرتبًا كل سنة على حروف المعجم وفيات سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة: "حرف الألف": ١- أحمد بن عمران١: أَبُو جعفر اللّيْموسكّي الأَسْتَرَاباذيّ الفقيه الحنفيّ. ولْيُموسْك: علي فرسخ من أسْتَراباذ. سمع: الحسن بن سلام السّوّاق، ومحمد بن سعد العّوْفيّ، وأحمد بن أبي غَرزة. سمع منه في هذه السنة: أبو جعفر المستغْفرِيّ. ٢- أحمد بن محمد بن بكر٢: أبو رَوْق الهِزّانيّ البْصريّ. سمع: أبا حفص الفلاس، ومحمد بن النعمان بن شبل الباهلي، وميمون بن مِهران، ومحمد بن الوليد البُسْريّ، وأحمد بن رَوْح، وطائفة سواهم. وأوّل سماعه سنة سبعْ وأربعين ومائتين. روى عنه: ابن أخيه أبو عمرو محمد بن محمد بن محمد الهزانيّ، وأحمد بن محمد بن عمران بن الجنْديّ، وأبو الحسين بن جُميْع، وعليّ بن القاسم الشاهد، وأبو بكر بن المقرئ، لكن ذكر أنّ سماعه منه في شعبان سنة اثنتين وثلاثين وثلاثمائة. ووقع لنا حديثه بُعلُوٍّ في "معجم ابن جُميَعْ". ٣- أحمد بن محمد بن الربيع بن سُليمان المراديّ المصريّ: أبو بكر. في شَوال. قال ابن ماكولا: ليس هو حفيد الربيع صاحب الشافعيّ. قلت: ذكره ابن يونس مختصرًا، وقال فيه: سليمان بن أيوب بن سنان. وصاحب الشافعيّ هو الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان بْن عَبْد الجبار بْن كامل. ٤- أحمد بن يزيد بن ورْكشين٣: أبو حفص البلْخيّ المؤدِّب. سكن دمشق.

стр. 8013

وحدَّث عن: الحَسَن بن عَرَفَة، وحماد بن المؤمل. وعنه: أبو الحسين الّرازيّ، وأبو بكر الرَّبَعيّ. وهذا الرجل أول ترجمةٍ في "تاريخ دمشق" لابن عساكر. ٥- إبراهيم بن أحمد العِجْلي١: رحل وسمع: يحيى بن أبي طالب، ومحمد بن الهجم، وغيرهما. ثمّ وضع أحاديث فافتضح، وتُرك. ٦- إبراهيم بن أحمد بن سهل: أبو إسحاق الْجُهَنيّ. سمع: بكّار بن قتيبَة. تُوُفيّ في رجب بمصر. ٧- إسماعيل بن يقعوب بن بُهْلُولٍ الأنباريّ: حدَّث عن: الحارث بن أبي أسامة، وجعفر بن محمد بن شاكر، وطبقتهما. وعنه: ابن أخيه أحمد بن يوسف. وكان عالمًا نسَّابة، ثقة. عاش ثمانين سنة. "حرف الباء": ٨- بكر بن أحمد بن حفص٢: أبو محمد التنيسي الشَّعْرانيّ. سمع: يونس بن عبد الأعلى، وابن عبد الحكَم، وعمران بن بكار، ومحمد بن عَوْف الطائي، ويزيد بن عبد الصمد، وجماعة. وعنه: أبو سعيد بن يونس، والميمون بن حمزة الحُسَيْنيّ، وأحمد بن عبد الله بن رزيق البغدادي، ومحمد بن المظفر، وأحمد بن عبد الله بن حميد، وآخرون. قال ابن يونس: كان ثقة حسن الحديث. توُفيّ في ربيع الآخر. "حرف الجيم": ٩- جعفر بن محمد بن يعقوب٣: أبو الفضل البغدادي الشيرجي الوارق. سمع: عليّ بن إشكاب. وعنه: أبو الفضل الزُّهريّ، وابن شاهين. حدَّث في هذا العام.

стр. 8014

"حرف الحاء": ١٠- حبان بن موسى بن حبان الكلابيّ: عن: زكريا بن يحيى خياط السنة. وعنه: أبو الحسين الرّازيّ، والعبّاس بن محمد بن حبان حفيده. ١١- حَبْشون بن موسى بن أيوب١: أبو نصر البغداديّ الخلال. سمع: الحسن بن عَرَفَه، وعلي بْن سعَيِد الرّمليّ، وعلي بن إشكاب، وحنبل بن إسحاق، وغيرهم. وعنه: الدارقطني، وابن شاهين، وأبو بكر بن شاذان، وأحمد بن الفرج بن الحجاج. ثقة. مولده سنة أربعٍ وثلاثين ومائتين، وتوفي في شعبان. أَخْبَرَنَا ابْنُ الْقَوَّاسِ: أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْحَاكِمُ وَأَنَا حَاضِرٌ: أَنَا أَبُو الْحَسَنِ الْفَقِيهُ، أَنَا أَبُو نَصْرٍ الْخَطِيبُ، أَنَا ابْنُ جُمَيْعٍ، أَنَا حَبْشُونُ بْنُ مُوسَى: ثَنَا عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ، ثَنَا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ هَارُونَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ، عَنْ أُمِّ الرَّبَابِ، عَنْ سَلْمَانَ بْنِ عَامِرٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: "صَدَقَتُكَ عَلَى الْمِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَصَدَقَتُكَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ صدقةٌ وَصِلَةٌ" ٢. ١٢- حسن بن سعد بن إدريس بن خَلَف٣: أبو عليّ الكتَاميّ القُرْطبي الحافظ. سمع من بقيّ بن مُخلَد مُسنَدَه. ورحل، فسمع بمكّة من: عليّ بن عبد العزيز. وباليمن من: إسحاق الدَّبريّ، وعبيد الكشوريّ، وبمصر من: أبي يزيد القراطيسي. وسمع من: أبي مسلم الكجي. قال ابن الْفَرَضيّ: وكان يذهب إلي ترك التقليد، ويميل إلي قول الشافعي. وكان يحضر الشُّورى، فلمّا رأى الفُتيا دائرةً على المالكيّة ترك شهُودَها. وسمع الناس منه الكثير.

стр. 8015

وكان شيخا صالحًا، لم يكن بالضّابط جدًّا. تُوفيّ يوم الجمعة، يوم عَرَفة. وكان مولده سنة ثمانٍ وأربعين. "حرف العين": ١٣- العبّاس بن عبد الله السميع بن هارون بن سليمان بن الخليفة المنصور١: أبو الفضل الهاشميّ. عن أحمد بن الخليل البرجلاني، وابن أبي العوام، وغيرها. وعنه: الدارقطني، وابن شاهين، ويوسف القواس. وثقه الخطيب. ١٤- عَبْد الله بْن الحسين بْن محمد بْن جُمْعة٢: أبو محمد السُّلميّ الدمشقي. سمع: أباه، وشعيب بن عمرو، والربيع بن سليمان، وأحمد بن سليمان الرمليّ، وأبا أمية. وعنه: أبو بكر بن المقرئ، وأبو الحسين بن المظفر، وأحمد بن الميانجي، وأبو بكر بن أبي الحديد. مات في ذي القعدة. ١٥- عبد الله بن محمد بن يحيى٣: أبو الطيب البغدادي البزاز. عن: إسحاق الختليّ، وعبد الملك بن محمد الرقاشي. وعنه: الدارقطني، وعبد الله بن عثمان الصّفّار، وأبو القاسم بن الثلاج. توُفيّ بالموصل. قال الدّارَقُطْنيّ: حافظ، ثقة. ١٦- عبد الله بن محمد بن منازل٤: أبو محمد النَّيسْابوري الزّاهد، المجرد على الصِّحّة والحقيقة. وقيل: كنيته أبو محمد. سمع: السريّ بن خزيمة، والحسين بن الفضل، وجماعة. وحدَّث عن: أحمد بن سلمة بالمسند الصّحيح. روي عنه: عليّ بن مفلح القزويني، ومحمد بن حَمْدون، ووالد أبي عبد الرحمن السّلميّ. وقال السلميّ: له طريقة يتفرد بها. صحبَ هارون القصار، وكان عالمًا بعلوم الظاهر.

стр. 8016

سمعت محمد بْن عَبْد الله بْن شاذان يقول: سمعت ابن منازل يقول: لا خير فيمن لم يَذُقْ ذُل المكاسب، وذُلّ السؤال، وذُلّ الرّدّ. وسمعت عبد الله بن محمد بن فضْلوَيه المعلّم يقول: سمعتُ عبد الله بن محمد يقول: التفويض مع الكسبْ خيرٌ من خُلوه عنه. وسأله إنسان عن مسالة فأجاب، فقال له: أعِدْ عليّ. قال: أنا في ندامةٍ ما جرى. وسمعته يقول لبعض أصحابه: قد عشقت نفسك، وعشقت من يعشقك، وقال الحاكم: حُملت إليه، يعني ابن المنازل، غيره مرةً متبرِّكًا به، وصورته نصُبْ عيني. توُفي ﵀ في ربيع الأول. وكان أعرج. ١٧- عليّ بن عبد الله بن البازيار: سمع: إبراهيم بن عبد الله القصّار، ونجيح بن إبراهيم. وعنه: الدّارَقُطْنيّ، وأحمد بن الفَرَج بن الحَجّاج. بقي هذا العام. ١٨- علي بن محمد بْن سهل١: أَبُو الْحَسَن الدِّينَوَرِيّ الصّائغ الزّاهد. أحد مشايخ القوم. سمع: محمد بن عبد العزيز الدَّيَنَوريّ، وغيره. وكان يتكلَّم على النّاس. له كشف وكرامات. روى عنه: عبد الملك بن حِبّان المرَاديّ، وأبو بكر بن المهلب. قال علي بن عثمان القرافي: لايجوز لأحدٍ أن يتكلَّمَ عَلَى النَّاسِ إِلا مَنْ يَكُونُ حَالُهُ مِثْلُ حَالِ أَبِي الْحَسَنِ الدَّينُورِيِّ، فَإِنَّ الْخَلْقَ كَانُوا مُكَشَّفِينَ بَيْنَ يَدْيَهِ. وَمِنْ كَلامِهِ قَالَ: مَنْ أَيْقَنَ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْخَلَ بِنَفْسِهِ. قَالَ السُّلَمِيُّ: سَمِعْتُ الحسين بن أحمد يقول: قال حمشاذ: رَأَيْتُ نِسْرًا وَاقِفًا فِي الْهَوَاءِ لا يَتَحَرَّكُ. فَمَشَيْتُ فَإِذَا أنا بِأَبِي الْحَسَنِ بْنِ الصَّائِغِ يُصَلِّي، وَالنِّسْرُ يُظِلُّهُ. وسمعت أبا عثمان المغربيّ يقول: ما رأيتُ في المشايخ أهيْب من أبي الحسن الدَّيَنَوريّ بمصر. وقال أبو الحسن الطحان: كان أبو الحسن بن الصائغ من الصديقين. وتوفي في نصف رجب بمصر. ١٩- عيسى بن محمد بن أبي يزيد البلْخيّ: أبو بَكْر. روي عن: عيسى بن أحمد العسقلانيّ البلخي، وعبد الصّمد بن الفضل. "حرف الميم": ٢٠- محمد بن أحمد بن يعقوب بن شيبة السدوسي٢: أبو بكر البغدادي.

стр. 8017

سمع: جده، ومحمد بن شجاع الثلجي، وعليّ بن حرب الطائي، وعبيد الله بن جرير بن جَبَلَة، والرماديّ. وعنه: عبد الواحد بن أبي هاشم، وطلحة الشاهد، وعبد الرحمن بن عمر الخلال، وأبو عمر بن مهديّ، وآخرون. وثقه الخطيب، وقال: أنا البرَقْاني، أنا عبد الرحمن بن عُمَر قال محمد: سمعت "المسند" من جدّي في سنة ستين، وسنة إحدى وستين بسامراء، فسمع أبو مسلم الكَجيّ من جدّي، وبقي عليه شيء سمعه أبو مسلم مني. ومات جدّي وهو يقرأ عليّ. والذي سمعت منه مُسنَدَ العشرة، وابن عبّاس، وبعض الموالي، ولي دون العشر. ولدت في أول سنة أربع وخمسين. قلت: وخلفَ له أموالًا عظيمة فضيعها وافتقر. قال أبو سَعد السمعاني في "الأنساب": ذكر أبو بكر بن يعقوب قال: لمّا ولّدتُ دخل أبي على أمي فقال: إنّ المنجمين قد أخذوا مولد هذا الصّبيّ، فإذا هو يعيش كذا وكذا. وقد حَسَبتها أيامًا، وقد عزمت أن أُعد لكلّ يوم دينارًا، فإنّ ذلك يكفي المتوسط. فأعدَّ لي حبا في الأرض وملأه دنانير. ثُمَّ قالَ لها: أعدي له حُبًا آخر. فجعل فِيهِ مثل ذلك استظهارا، ثُمَّ استدعى حبا آخر وملأه ودفنهم. قال أبو بكر: وما نفعني ذلك مع حوادث الزّمان، وقد احتجُت إلى ما ترون. قال أبو بكر بن السقطي: رأينا فقيرًا يجيئنا بلا إزار، ونسمع عليه ويبرّ بالشيء بعد الشيء. قلت: وتُوفيّ في ربيع الآخر. أَخْبَرَنِي الْحَافِظُ أَبُو محمد بْنُ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ بْنِ خَلَفٍ، أَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي السُّعُودِ: أَخْبَرَتْنَا شُهْدَةُ، أنا أبو عَبْدُ اللَّهِ النِّعَالِيُّ، أَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ. ثَنَا جَدِّي: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ سُئل عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ فِي عَمَّارٍ: "تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ" ١. فَقَالَ: هُوَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَتَلَتْهُ الفئة الْبَاغِيَةُ. وَقَالَ: فِي هَذَا غَيْرَ حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَكَرِهَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا بِأَكْثَرِ مِنْ هَذَا. ٢١- محمد بن إبراهيم بن نُومرد: أبو بكر الدّامَغانيّ. سمع: عَمار بن رجاء الْجُرْجانيّ، ويحيى بن أبي طالب. وقبلهما أحمد بن منصور زاج. وعنه: الحسين بن محمد بن قيصر الدّامغانيّ، وعبد الله بن محمد الدروقي، وعبد الرحمن بن أبي عبد الرحمن القاضي، وغيرهم. توفي في جمادى الآخرة.

стр. 8018

٢٢- محمد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم١: أَبُو بَكْر البغداديّ المقرئ. سمع: محمد بن حمزة الطّوسيّ، ومحمد بن عُبيْد الله المناديّ. وعنه: عبد الواحد بن مسرور البلْخيّ، وابن جُمَيْع، وعبد الله بن أحمد خُجْنُج النَّحويّ. وكان صدوقًا. بقي إلى هذه السنة. ٢٣- محمد بن إسماعيل٢: أبو بكر الفَرْغانيّ الصّوفيّ، أستاذ أبي بكر الدّقيّ. كان من المجتهدين في العبادة. قال الدقّيّ: ما رأيت أحسن منه ممّن يُظْهر الغِنى في الفقر. كان يلبس قميصين أبيضين ورداءً وسراويل ونعْلًا نظيفًا وعمامة. وفي يده مفتاح، وليس له بيت. ينطرح في المساجد ويطوي الخمسَ والستَّ. وقال أحمد بن عليّ الرُّسْتُميّ: كان يسيحُ ومعه كوزٌ فيه قميص نظيف رقيق، فإذا اشتهي دُخول بلدٍ تنظَّف ولبس القميص، ومعه مفتاح منقوش، فُيصلّي ويطرحه بين يديه، يوهم أنُه تاجر. وقال عبد الواحد بن بكر: سمعت الدّقّيّ: سمعت الفرغاني محمد بن إسماعيل يقول: دخلتُ الدَّير الذي بطور سيناء فأتاني مطرانهم بأقوامٍ كأنهم نُشروا من القبور فقال: هؤلاء يأكل أحدهم في الأسبوع أكلة يفخرون بذلكً. فقلتُ لهم: كم صبر مِسيحيُّكم هذا؟ قالوا: ثلاثين يومًا. وكنتُ قاعدًا في وسطَ الدَّيْرِ، فلم أزل جالسًا أربعين يومًا لم آكل ولم أشرب، فخرج إليّ مطرانهم قال: يا هذا، قُم فَقَدْ أفسدت قلوبَ كلّ من في الدَّيْرِ. فقلت: حتّى أُتِمّ ستّين يومًا. فألحوا عليَّ فخرجتُ. ٢٤- محمد بن إسماعيل القُرطبيّ النَّحْويّ٣: ويُعرف بالحكيم. سمع: محمد بن وضاح، وعبد الله بن مسَرَّة، ومحمد بن عبد السّلام الخُشنيّ، ومطرف بن قيس. وكان عالما بالنحو والحساب، لطيف النظر، مثيرا للمعاني. عاش ثمانين سنة، وتخرج به أئمة كبار. ٢٥- محمد بن حكم الزيات القرطبي٤: أبو القاسم. توفي في هذا الحد. روى عن: محمد بن وضاح، وإبراهيم ابن باز، ومطرف بْن قَيْس. روى عنه: عبد

стр. 8019

الله بن محمد بن عثمان، ويحيى بن هلال، وخلَف بن محمد الخَوْلانيّ، وغيرهم. ٢٦- محمد بن الحسين بن ماقولة: أبو جعفر المَدينيًّ مستملي أحمد بن مهديّ. ٢٧- محمد بن العبّاس بن يونس١: أبو بكر المحاربيّ الدمشقيّ، ويعرف بابن زلْزَل. كان جدُّهم قسيسًا بجوبر. سمع بكّار بن قُتيبة، وأبا زُرْعَة النَّصريّ، وجماعة. وعنه: أبو العبّاس السمِّسار، وعبد الوّهاب الكِلابيّ. ٢٨- محمد بن علي بن الحسين بن أبي الحديد الصَّدَفيّ الْمَصْرِيّ: سمع: يونس بْن عَبْد الأعلى، ووفاء بن سُهيل، والرّبيع بن سليمان، وابن عبد الحكم، والقاضي بكار. قال ابن يونس: كان ثقة، يُكنّى أبا الحسين مولى الصَّدَف. وكان فقيهًا على مذهب أبي حنيفة، فرضيًّا عاقلًا. توُفيّ في جُمادى الأولى. ٢٩- محمد بن عُمير الْجُهنيّ٢: مولاهم الدّمشقيّ، سبط محمد بن هشام بن ملاس. روى عن: محمد بن سليمان بن مطر، ويونس بن عبد الأعلى. وعنه: عبد الوهاب الكلابي، وأبو بكر بن أبي الحديد السلمي، وأحمد بن عبد الله بن زُريق البغدادي ثم المصري. ٣٠- محمد بن مخلد بن حفص٣: أبو عبد الله الدوري العطار. سمع: يعقوب الدَّورقيّ، والفضل بن سهل، وأصْبغ بن إسماعيل السّهميّ، والحسن بن عرفة، ومحمد بن عثمان بن كرامة، ومسلم بن الحجاج القشيري، وخلقا كثيرا. وعنه: أبو بكر الآجري، والجعابي، والدارقطني، وأبو الحسن بن الجندي، وابن الصلت الأهوازي، وأبو عمر ابن مهدي، وطائفة سواهم. وكان موصوفا بالصدق والثقة والصلاح. ولد سنة أربع وثلاثين ومائتين أو سنة ثلاثٍ. سُئل عنه الدارقطني فقال: ثقة مأمون. قلتُ: وله تصانيف وتخاريج. تُوفيّ في جُمادى الآخرة رحمه الله تعالى. ٣١- مُحَمَّد بْن يحيى بْن عُمَر بْن لُبَابة الأندلسي٤: بالأندلُس.

стр. 8020

يُقال: توفيّ فيها. وقد تقدمَّ ذكره. له رواية عن عمّه محمد بن عمر. "حرف النون": ٣٢- نصْر بن أحمد بن إسماعيل١ بن أسد بن سامان: الملك أبو الْحَسَن صاحب ما وراء النّهر، وابن ملوكها. كان ملكا رفيع العماد، وروى الزّناد، زكيّ المرَاد، ملك البلاد، ودانت له العباد. وكان قد قُتل أبوه سنة إحدى وثلاثمائة، وبقي نَصر في الملك ثلاثين سنة وثلاثين يومًا. وقام بعده ولده أبو محمد نوح. "حرف الهاء": ٣٣- هارون بن يوسف بْن هارون بن ناصح: أبو عليّ الأُسوانيّ. سمع: بحر بن نصْر الخولانيّ، وابن عبد الحكمَ. وكانت القُضاة تقبله. وتوفيّ في ربيع الأوّل. قال ابن يونس: سمع منه معي ابني عليّ. ٣٤- هُنَاد بن السَّريّ بن يحيى٢ أخي هنَاد بن السَّريّ التّميميّ الكوفيّ: أبو السرَّيّ. كان ثقة، عسرًا في الرّواية، ويعُرف بُهنَاد الصغير. سمع: أبا سعيد الأشجّ، وأباه السريّ بن يحيى. وعنه: محمد بن عبد الله الْجُعفيّ القاضي، وأبو بكر بن أبي درام الحافظ، وأبو حازم محمد بن عليّ الوشّاء، ومحمد بن عمر الْعَلَويّ الكوفيّون. "حرف الواو": ٣٥- وثيمَة بن عمارة بن وثيمَةَ بن موسى بن الفُرات: أبو حُذيفَة. مصريّ، توفيّ في شعبان. وأصله فارسيّ. سمع من: أبيه، وجماعة. ذكره ابن يونس.
следующие страницы →