أحداث سنة اثنتين وأربعمائة:
عمل عاشوراء بالعراق:
أذِنَ فخرُ المُلْك أبو غالب بْن حامد الوزير الّذي قُلِّد العراق عام أول في عمل عاشوراء والنَّوْح١.
محضر الطعن في صحة نسب الخلفاء بمصر:
وفي ربيع الآخر كُتِبَ مِن الّديوان محضر في معنى الخلفاء الّذين بمصر والقَدْح في أنسابهم وعقائدهم. وقُرِئت النسخةُ ببغداد. وأُخِذَت فيها خطوط القُضاة والأئمة والأشراف بما عندهم من العِلْم والمعرفة بنسَب الدَيْصَانية، وهم منسوبون إلى دَيْصَان بْن سَعِيد الخُرّميّ، إخوانُ الكافرين، ونُطَف الشّياطين، شهادةً يُتقرَّبُ بها إلى الله. ومعتقد ما أوجب الله تعالى عَلَى العلماء أن يبيّنوه للنّاس. شهدوا جميعًا أنّ الناجم بمصر وهو منصور بْن نزار المُلَقَّب بالحاكم حكم الله عَليْهِ بالبوار، والخزْي والنّكال٢، ابن مَعَد بْن إسماعيل بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعِيد، لا أسعده الله.
فإنّه لما صار سَعِيد إلى الغرب تَسَمّى بُعبَيْد الله وتلقَّب بالمهديّ. وهو ومَن تقَّدم من سلفه الأرجاس الأنجاس، عَليْهِ وعليهم اللّعنة، أدعياء خوارج لا نسبَ لهم في ولد عَلِيِّ بْن أَبِي طَالِب ﵁. وأنّ ذَلِكَ باطل وزُور. وأنتم لا تعلمون أنّ أحدًا من الطّالبييّن توقَّف عَنْ إطلاق القول في هَؤلَاءِ الخوارج أنّهم أدعياء.
وقد كَانَ هذا الإنكار شائعًا بالحَرَمَيْن، وفي أوّل أمرهم بالمغرب، منتشرًا انتشارًا يمنع من أن يُدلَّس عَلَى أحدٍ كَذِبُهُم، أو يذهب وهْمٌ إلى تصديقهم. وأنّ هذا النّاجم بمصر هُوَ وسيلة كُفارٍ وفُساق فُجار زنادقة٣. ولمذهب الثّنَويّة والمَجُوسية معتقدون، قد عطّلوا الحدود، وأباحوا الفروجَ، وسفكوا الدماء، وسَبّوا الأنبياءَ ولعنوا السّلف، وادعوا الربوبية.
стр. 9277
وكتب في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة. وكتبَ خلقٌ كثير في المحضر منهم الشّريف الرضيّ، والشريف المرتضي أخوه، وابن الأزرق الموسويّ، ومحمد بْن محمد بْن عُمَر بْن أَبِي يَعْلَي العلويّون، والقاضي أبو محمد عَبْد الله بْن الأكفانيّ، والقاضي أبو محمد أبو القاسم الْجَزَريّ، والإمام أبو حامد الإسفرائينيّ، والفقيه أبو محمد الكُشفليّ، والفقيه أبو الحسين القدوريّ الحنفيّ، والفقيه أبو عليّ بْن حَمَكَان، وأبو القاسم بْن المحسّن التَّنُوخيّ، والقاضي أبو عَبْد الله الصَيْمُريّ.
إنفاق فخر الملك الأموال في العرق:
وفيها فَرّق فخر المُلْك أموالًا عظيمة في وجوه البِرّ، وبالغ في ذَلِكَ حتى كثر الدّعاء لَهُ ببغداد، وأقام دارًا هائلة أنفق عليها أموالًا طائلة.
نُصْرة يمين الدالة على الكافر:
وفيها: ورد كتاب يمين الدّولة أَبِي القاسم محمد بْن سُبكْتكين إلى القادر بالله بأنّه غزا قومًا من الكُفار، وقطع إليهم مَفَازَة، وأصابه عطش كادوا يهلكون، ثمّ تفضَّل الله عليهم بمطرٍ عظيم رواهم، ووصلوا إلى الكُفْار. وهم خلقٌ معهم ستّمائة فيل، فَنُصر عليهم وغَنِمَ وعاد.
هياج الريح عَلَى الحجّاج:
وفي آخر السنّة وردَ كتاب أمير الحاجّ محمد بْن محمد بْن عُمَر العلويّ بأنّ ريحًا سوداء هاجت عليهم بُزبالة، وفقدوا الماء، فهلك خلْق. وبلغت مزادة الماء مائة درهم. وتخفّر جماعة بني خَفَاجة وردّوا إلى الكوفة.
الاحتفال بعيد الغدير:
وعُمل الغدير. ويوم الغدير معروف عند الشّيعة، ويوم الغار لجهلةِ السُّنّة في شهر ذي الحجّة بعد الغدير بثمانية أيّام اتّخذته العامّة عنادًا للرافضة. فَعُمِل الغدير في هذه السّنة والغار في ذي الحجّة، لكن بِطُمَأنينة وسُكُون. وأظهرت القَيْنات من التعليق شيئًا كثيرًا، واستعان السُّنّة بالأتراك، فأعاروهم القماش المفتخر والحُليّ والسّلاح المذهَّب.
стр. 9278
هرب ناظر الزّمام بمصر:
وفي هذه الحدود هربَ مِن الدّيار المصريّة ناظر ديوان الزّمام بها، وهو الوزير أبو القاسم الحسن بْن عليّ المغربيّ حين قَتَلَ الحاكم أَبَاهُ وعمّه، وبقيَ إِلْبًا عَلَى الحاكم يسعى في زوال دولته بما استطاع. فحصل عند المفرّج بْن جّراح الطّائيّ أمير عرب الشام، وحسّن لَهُ الخروج عَلَى الحاكم، وقتل صاحب جيشه، فقتله كما ذكرناه سنة إحدى وأربعمائة.
إمامة صاحب مكة الرشد بالله:
ثمّ قَالَ أبو القاسم لحسّان ولد المفرّج بْن الجرّاح، إنّ الحَسَن بْن جعفر العلويّ صاحب مكّة لا مَطْعَن في نسبه، والصّواب أن تنصّبه إمامًا. فأجابه، ومضي أبو القاسم إلى مكة، واجتمع بأميرها وأطعمه في الإمامة، وسهَّل عَليْهِ الأمور وبايعه، وجوّز أخذ مال الكْعبة وضربِهِ دراهم، وأخذَ أموالًا من رَجُل يُعرف بالمطّوعيّ، عنده ودائع كثيرة للنّاس. واتّفق موت المطّوعيّ، فاستولى عَلَى الأموال، وتلقَّب بالراشد بالله.
واستخلف نائبًا عَلَى مكّة، وسار إلى الشّام، فتلقّاه المفرّج وابنهُ وأمراء العرب، وسلّموا عَليْهِ بإمرة المؤمنين.
وكان متقلّدًا سيفًا زعم أَنَّهُ ذو الفِقار، وكان في يده قضيب زعم أَنَّهُ قضيب النَّبِيّ ﷺ ، وحوله جماعة من العلوييّن، وفي خدمته ألف عَبْد. فنزل الرّملة، وأقام العدل، واستفحل أمره، فراسلَ الحاكمُ ابن جرّاح، وبعث إِليْهِ أموالًا استماله بها. وأحسَّ الراشد بالله بذلك، فقال لابن المغربي: غَرَرْتني وأَوْقعتني في أيدي العرب، وأنا راضٍ من الغنيمة بالإياب والأمان. ورَكب إلى المفرّج بْن جرّاح وقال: قد فارقتُ نعمتي، وكشفتُ القناع في عداوة الحاكم سُكونًا إلى ذِمامك، وثقه بقولك، واعتمادًا عَلَى عهودك، وأرى ولدكَ حسّانًا قد أصلح أمره مَعَ الحاكم، وأريدُ العَوْد إلى مأمني.
فسيَّره المفرَج إلى وادي القُرى، وسيرَّ أبا القاسم المغربي إلى العراق. فقصدَ أبو القاسم فخر الملك أبا عليّ، فتوهَموا فيه أنّه يفسد الدولة العباسية، فتحسب إلى الموْصِل ونفقَ عَلَى قرواش، ثمّ عاد إلى بغداد.
أمراء دمشق:
وفي جُمَادى الأولى عُزل أبو المطاع بْن حمدان عَنْ إمرة دمشق، وأُعيد إليها بدر العطّار. ثمّ صُرِف بعد أيّام بالقائد بْن بزال، فولِيَها نحوًا من أربعة أعوام١.
стр. 9279
أحداث سنة ثلاثٍ وأربعمائة:
تقليد الشريف الرضيّ نقابة الطالبيين:
فيها: قُلد الشريف الرضي أبو الحسن الموسَوِيّ نقابة الطالبين في سائر الممالك، وخُلِعَتْ عَليْهِ خلعة سوداء. وهو أوّل طالبيّ خُلِعَ عَليْهِ السّواد١.
عمارة رستاق العراق:
وفيها: عَمر رُستاقَ العراق فخرُ الملك الوزير، فجاء الارتفاع لحقّ السّلطان بضعة عشر ألف كُرٍ.
اعتداء فُلَيتة الخفاجي عَلَى ركْب الحاجّ:
وفيها: في أوّلها، بل في صَفرَ، وقْعة القرعا. جاء الخبر أنّ فُلَيْتَة الخَفَاجيّ سبق الحاجّ إلى واقصة في ستّمائة من بني خَفَاجة، فغّور الماء، وطرحَ في الآبار الحنظل، وقعد ينتظر الرَّكْب. فلمّا وردوا العَقبَة حَبسهم ومنعهم العبور، وطالبهم بخمسين ألف دينار. فخافوا وضعُفُوا، وأجهدهم العطش، فهجم عَليْهم، فلم يكن عندهم مَنَعَة، فاحتوى عَلَى الجِمال والأحمال، وهلك الخلق. فقيل: إنّه هلك خمسة عشر ألف إنسان، ولم يُفلت إلا العدد اليسير. وأفلت أميرهم محمد بن محمد بن عُمَر العلويّ في نفرٍ من الكِبار في أسوأ حال بآخر رَمقَ. فورد عَلَى فخر المُلْك الوزير من هذا أعظم ما يكون، وكتبَ إلى عامل الكوفة بأن يُحسن إِلَى من توصّل ويُعينهم. وكاتب عليّ بْن مَزْيد وأمره أن يطلب العرب، وأن يُوقِع بهم. فسارَ ابن مَزْيد، فلِحقهم بالبّريّة وقد قاربوا البصرة، فأوقع بِهِم وقتل كثيرًا منهم، وأسَر القوي والد فُلَيتَةَ،
стр. 9280
والأشتر، وأربعة عشر رجلًا من الوجوه. ووجدَ الأموال والأحمال قد تمزَّقت وتفّرقت، فانتزع ما أمكنه وعاد إلى الكوفة، وبعث الأسرى إلى بغداد، فشُهّروا وسجِنوا، وجُوع بعضهم، ثُمَّ أطعمهم المالح، وتُرِكوا على دجلة يرون الماء حَتَّى ماتوا عطشا.
انقضاض كوكب ببغداد:
وفي رمضان انقضّ كوكبٌ من المشرق ببغداد، فغلبَ ضوؤه عَلَى ضوء القمر وتقطّع قِطعًا.
جنازة بِنْت أَبِي نوح الطبيب والفتنة بسببها:
وفي شوّال أخرجت جنازة بنت أبي نوح الطبيب امرَأَة ابن إسرائيل كاتب النّاصح أَبِي الهيجاء. ومع الجنازة النوائح والطُّبولُ والزُّمور والرُّهْان والصّلْبان والشُّموع. فأنكر هاشميٌ ذَلِكَ ورجَمَ الجنازة، فوثب بعض غلمان النّاصح فضربَ الهاشميّ بدبّوس فشجّه، وهربوا بالجنازة إلى بَيْعةٍ هناك، فتبِعَتْهم العامّة، ونهبوا البيعة وما جاورَها مِن دُور النَّصارَى.
وعاد ابن إسرائيل إلى داره، فهجموا عَليْهِ، فهربَ واستجار بمخدومِه، وثارت الفتنة بين العامّة وبين غلمان النّاصح، وزادت ورُفِعَتْ المصاحف في الأسواق، وغُلقت الجوامع، وقصد الناسُ دار الخليفة، فركب ذو السَّعادتين إلى دار النَاصح، وتردّدت رسالة الخليفة بإنكار ذَلِكَ، وطُلِبَ ابن إسرائيل، فامتنع الناصح من تسليمه. فغضب الخليفة وأمر بإصلاح الطّيّار للخروج من البلد. وجمع الهاشمييّن في داره، واجتمعت العامّة يومَ الجمعة، وقصدوا دار النّاصح، ودفعهم غلمانه عَنْهَا، فقُتل رَجُل قِيلَ إنّه علويّ، فزادت الشّناعة، وامتنع الناس من صلاة الجمعة. وظفرت العامّة بقومٍ من النّصارى فقتلوهم. ثمّ بعث الناصحُ ابن إسرائيل إلى دار الخليفة، فسكنت العامّة. وأُلزِمت النّصارى بالغيار، ثمّ أُطلِقَ ابن إسرائيل.
إلزام النصارى واليهود بحمل شارات في رقابهم:
وفيها ألزمَ الحاكم صاحب مصرَ النَّصارى بحمل صلْبان خَشب، ذراع في ذراع في أعناقهم، وزن الصّليب خمسة أرطال، وفي رقاب اليهود أكَر خشب بهذا الوزن، فأسلم بسبب هذا الذُّلّ طائفة.
стр. 9281
النهي عَنْ تقبيل الأرض:
ونهى الأمراء عَنْ تقبيل الأرض وبَوْس اليد، ورسَم أن يقتصروا عَلَى السّلام عليكم ورحمة الله ولَبس الصّوف عَلَى جسده ورأسه، واقتصر عَلَى ركوب الحمار بغير حُجّاب ولا طرّادين.
كتاب الحاكم بأمر الله إلى ابن سبكتكين:
وفيها بعث محمود بْن سُبُكْتكين كتابًا إلى القادر بالله. وقد وردَ إِليْهِ من الحاكم صاحب مصر، يدعوه فيه إلى الطّاعة والدّخول في بيعته، وقد خرّقه وبصق عَليْهِ١.
ولاية ابن مَزْيد عَلَى أمد وديار بكر:
وفيها: قريء عهد أَبِي نصر بْن مَزْيد الكُردي عَلَى آمد وديار بَكْر، وطُوق وسُور، ولُقب "نصير الدّولة"٢.
إبطال الحاجّ:
ولم يحجّ أحدٌ من العراق. ورَدّ حاجُّ خُراسان.
وفاة أيلك خان صاحب ما وراء النهر:
وفيها: مات أيلك الخان صاحب ما وراء النّهر الّذي أخذها من آل سامان بعد التسعين وثلاثمائة. وكان ملكًا شجاعًا حازمًا ظالمًا، شديد الوطأة.
وكان قد وقع بينه وبين أخيه الخان الكبير طُغان ملك التُرْك، فورث مملكته أخوه طغان، فمالأ السّلطان محمود سُبكْتكين ووالاه وهادنه، وتودَّد لَهُ، فجاست من جهة الصّين جيوش تقصد جيوش طغان وبلاد الإسلام من ديار التُّرك وما وراء النّهر يزيدون عَلَى مائة ألف خِركاه، لم يعهد الإسلام مثلها في صعيدٍ واحد، فجمع طغان جمعًا لم يُسمع بِمِثِلِه ونصره الله تعالى.
وفاة السلطان بهاء الدّولة:
ومات السّلطان بهاء الدّولة أحمد بْن عضد الدولة، وكان مصافيًا لسلطان محمود بْن سُبُكْتكين مداريا لَهُ، مُوثِرًا لِمصافاته لحكم الجوار٣.
والله أعلم.
стр. 9282
أحداث سنة أربع وأربعمائة:
تلقيب فخر المُلك بسلطان الدولة:
في ربيع الأول انحدر فخر المُلك إلى دار الخلافة، فلما صعِد مِن الزَّبْزَب تلقّاه أبو الحسن علي بن عبد العزيز بن حاجب النعمان، وقبًّل الأرض بين يديه، وفعَل الحُجاب كذلك، ودخلَ الدّار والحُجّاب بين يديهُ، وأُجلس في الرّواق، وجلس الخليفة في القُبَّة. ودُعي فخر الملك. ثمّ كثر النّاس وازدحموا، وكثر البَوسَ واللَّغَط، وعجز الحُجّابُ عَنِ الأبواب، فقال الخَليفة: يا فخر الملك، امنع من هذا الاختلاط. فرد بالدّبّوس الناسَ، ووكَل النُقباء بباب القبُة.
وقرأ ابن حاجب النُعمان عهد سلطان الدّولة بالتّقليد والألقاب. وكتب القادر بالله علامته عَليْهِ، وأُحضرت الخِلَع والتّاج والطَّوْق والسّواران واللّواءات، وتولّي عقْدهما الخليفةُ بيده، ثمّ أعطاه سيفًا وقال للخادم: اذهب قلّده بِهِ، فهو فخرٌ لَهُ ولعَقبه، يفتح بِهِ شرق الدّنيا وغَربها. وبعث ذَلِكَ إلى شِيراز مَعَ جماعة.
إبطال الحاكم للمنجّمين:
وفيها: أبطل الحاكم المنجمين من بلاده، وشددَّ في ذَلِكَ، وأعتقَ أكثر مماليكه وأحسن إليهم١.
ولاية عهد الحاكم:
وجعلَ وليّ عهده ابن عمّه عَبْد الرحيم بْن الياس، وخطب له بذلك.
стр. 9283
حبس الحاكم للنساء:
وأمرَ بحبس النساء في بيوت. فاستمرّ، وكذلك في سنة ستّ
ملحمة الترك والصين:
وفي حدود هذه السّنة كانت الملحمة الهائلة بين ملك التُّرْك طُغان ﵀، وبين جيش الصّين، فَقُتِل فيها من الكُفار نحوٌ من مائة ألف، ودامت الحرب أيّامًا، ثم نزل النصر، ولله الحمد.
стр. 9284
أحداث سنة خمسٍ وأربعمائة:
مَنعَ النساء من الخروج في مصر:
فيها ورد الخبر أنّ الحاكم صاحب مصر حظَر عَلَى النّساء الخروج من بيوتهنّ والإطلاع من الأسطحة ودخول الحَمّامات. ومنعَ الأساكفة من عمل الخِفاف، وقتل عدة نِسوة خالفنَ أمره.
ومن كان قد لهج بالركوب في اللّيل يطوف في الأسواق. ورتَّب في كلّ درب أصحاب أخبار يطالعونه بما يتمّ. ورتّبوا عجائز يدخلن الدُّور ويكشفن ما يتمّ للنّساء، وأنّ فلانة تحبّ فلانًا ونحو هذا. فُيْنفذ من يُمسك تِلْكَ المرأة، فإذا اجتمع عنده جماعة منهنّ أمر بتغريقهم. فافتضح النّاس وضجّوا في ذَلِكَ.
ثم أمر بالنّداء: أيّما امرأةٍ خرجت من بيتها أباحت دمها. فرأى بعد النّداء عجائز، فغرقهن.
قال: فإذا ماتت امرأةٍ جاء ولها إلى قاضي القضاة يلتمس غاسلة، فيكتب إلى صاحب المعونة، فيُرسل غاسلةٍ مَعَ اثنين من عنده ثمّ تُعاد إلى منزلها. وكان قد هَمَّ بتغيير هذه السُنة.
حيلة امرَأَة:
فاتّفق أن مَر قاضي مالك بْن سَعِيد الفارقيّ، فنادته امرَأَة من رَوُزَنةٍ: أقسمتُ عليك بالحاكم وآبائه أن تقف لي. فوقفَ، فبكت بكاءٍ شديدًا وقالت: لي أخ يموت
стр. 9285
فبالله إلا ما حملتني إليه لأشاهده، قبل الموت. فرق لها وأرسلها مع رجلين، فأتت بابًا فدخلته. وكانت الدّار لرجلٍ يهواها وتهواه. وأتى زوجها فسأل الجيران، فأخبروه بالحال، فذهبَ إلى القاضي وصاح، وقال: أَنَا زوج المرأة وما لها أخ، وما أفارقك حتّى تردّها إليَّ. فعظُم ذَلِكَ عَلَى قاضي القُضاة، وخاف سطوة الحاكم، فطلع بالرجل إلى الحاكم مرعوبًا وقال: العفو يا أميَر المؤمنين. ثمّ شرح لَهُ القصّة. فأمره أن يركب مَعَ ذَيْنك الرجلين. فوجدوا المرأة والرجل في إزارٍ واحدٍ نائمين على سُكرٍ، فَحُملا إلى الحاكم. فسألها فأحالت عَلَى الرجل وما حسَّنه لها. وسأل الرجل فقال: هِيَ هجمت عليّ وزعمت أنّها خلْو من بعلٍ، وإنّي إنّ لم أتزوّجها سَعَتْ بي إليك لتقتلني. فأمر الحاكم بالمرأة، فلُفت في باريّة وأُحْرِقت، وضُرب الرجل ألف سوط. ثمّ عاد وشدّد عَلَى النّساء إلى أن قُتَلِ١.
تقليد القاضي ابن أَبِي الشوارب:
وفيها قلّد قاضي القضاة بالحضرة أبو الحسن أحمد بْن محمد بْن أَبِي الشّوارب بعد وفاة ابن الأكفانّي.
تقليد ابن مَزْيد أعمال بني دُبيس:
وفيها: قلّد عليّ بْن مَزْيد أعمال بني دُبَيْس بالجزيرة الأسدية.
стр. 9286
أحداث سنة ستٍّ وأربعمائة:
الفتنة بين السُّنّة والرافضة:
فيها: جرت فتنة بين السُنة والرافضة ببغداد في أوّل السنة، ومنعهم فخر المُلك مِن عمل عاشوراء.
الوباء ١ في البصرة:
وفيها وقع وباء عظيم بالبصرة.
стр. 9287
تقليد الشريف المرتضى الحج والنقابة:
وقُلد الشريف المرتضى أبو القاسم الحجّ والمظالم ونقابة الطالبييّن، وجميع ما كَانَ إلى أخيه. وحضر فخر المُلك والأشراف والقُضاة قراءة عهده، وهو: " هذا ما عهد عبدُ الله أبو العّباس أحمد القادر بالله أمير المؤمنين إلى علي ابن موسى العلويّ حين قّربته إِليْهِ الأنساب الزّكيّة، وقدَّمت لديه الأسباب القّوية"، وذكر العهد.
هلاك آلاف الحجّاج:
وفي آخر صفر وردَ الخبر إلى بغداد تأخره بالهلاك الكثير من الحاج، وكانوا عشرين ألفًا، فَسلمِ منهم ستة آلاف وأنّ الأمراء اشتدّ بهم العطش حتى شربوا أبوال الجمال. ولم يحجّ أحد تِلْكَ السّنة.
غزوة ابن سُبكتكين للهند وغرق أصحابه:
وفيها: وردَ الخبر أنّ محمود بْن سُبُكْتكين غزا الهند، فَغَرَّهُ أَدِلاؤهُ وأضلّوه الطّريق، فحصل في مائّية فاضت من البحر، فغرق كثير ممّن كَانَ معه، وخاض الماء بنفسه أيّامًا ثمّ تخلَّص وعاد إلى خُراسان.
ولاية سهم الدّولة على دمشق:
وفيها: ولي إمرة دمشق سَهْم الدّولة ساتكين الحاكميّ، فولِيها سنتين وثلاثة أشهر.
стр. 9288
أحداث سنة سْبعٍ وأربعمائة:
احتراق مشهد الحسين:
فيها: احترق مشهد الحسين ﵁ بكربلاء من شمعتين سقطتا في جوف اللّيل عَلَى التأزير١.
احتراق دار القطن:
وفيها: احترقت دار القطن ونهر طابق.
стр. 9289
وقوع قبّة الصخرة:
وفيها: وقعت القُبة الكبيرة الّتي عَلَى الصّخْرة ببيت المقدس.
الفتنة بين الشيعة والسُّنة:
وفيها: هاجت الفتنة بين الشّيعة والسُّنة بواسطة، ونُهبت دُور الشّيعة الزَّيدية وأُحرِقَتْ، وهرب وجوه الشيعة والعلوين، فقصدوا علي بْن مَزْيَد واستنصروا بِهِ.
الخِلَع بالوزارة للرامُهرْمُزي:
وفيها: خُلَعِ علي أَبِي الحسن بْن الفضل الرّامَهُرْمُزِي خِلَعُ الوزارة من قِبل سلطان الدّولة. وهو الّذي بنى سور الحائرِ بمشهد الحسين.
الواقعة بين أَبِي شجاع وأخيه أَبِي الفوارس:
وفيها: كانت وقعة بين سلطان الدّولة أَبِي شجاع وبين أخيه أبي الفوارس بعد أن دخلَ شيراز وملكها.
فتح خوارزم:
وفيها: افتتح محمود بْن سُبُكْتكين خوارزم، ونقل أهلها إلى الهند.
امتناع الركْب من العِرَاقِ:
ولم يخرج رَكْبّ من العراق.
стр. 9290
أحداث سنة ثمان وأربعمائة:
تفاقم الفتنة بين الشيعة والسُّنّة:
وقعت الفتنةُ بين السُّنّة والشّيعة وتفاقمت، وعمل أهل نهر القلايين بابًا عَلَى موضعهم، وعمل أهلُ الكَرْخ بابًا عَلَى الدّقّاقين. وقُتل طائفة عَلَى هذين البابين. فركب المقدام أبو مقاتل، وكان عَلَى الشرطة، ليدخل الكَرْخ فمنعه أهلها وقاتلوه.
فأحرق الدّكاكين وأطراف نهر الدّجاج، وما تهيّأ لَهُ دخول.
стр. 9291
استتابة فقهاء المعتزلة:
قَالَ هبة الله اللالكائيّ في كتاب "السُّنة" أو في غيره: وفيها استتاب القادر بالله فُقهاء المعتزلة، فأظهروا الرجوع وتبرأوا مِن الاعتزال والرّفْض والمقالات المخالفة للإسلام. وأخذ خطوطهم بذلك، وأنّهم مَتَى خالفوه عاقبهم.
ضعف الدّولة البويهيّة:
وضعفت دولة بني بُوَيه الدَّيْلَم، وقدِم بغدادَ سلطانُ الدّولة، فكانت النَّوبة تُضْرَب لَهُ في أوقات الصّلوات الخَمْس. وما تمّ ذَلِكَ لجدّه عَضُد الدّولة.
التنكيل بالمعتزلة والرافضة وغيرهم في خراسان:
وامتثل يمين الدّولة محمود بْن سُبُكُتكين أمرَ القادر بالله، وبَثَّ سُنَّته في أعماله بُخراسان وغيرها في قتلِ المعتزلة والرافضة والإسماعيلية والقرامطة والْجَهْميّة والمُشَبَّهة وصَلَبهم وحبسهم وننفاهم وأمرَ بلعنهم عَلَى المنابر وشرّدهم عَنَ ديارهم، وصار ذلك سُنةً في الإسلام.
زواج سلطان الدّولة:
وفيها: تزوَّج سلطان الدّولة ببنت قرواش بْن المقلّد عَلَى خمسين ألف دينار.
إمارة الإدريسي للأندلس:
وفيها: بويع بإمارة الأندلس القاسم بن حمود الإدريسيّ، فبقي ستّ سنين، وخُلع.
قتل الدّرزيّ:
وفيها: قُتل الدُّرْزيّ الملحد لكونه ادّعى ربوبيّة الحاكم. فقُتِل وقُطّع.
إمرة سديد الدّولة بدمشق:
وفيها: ولي إمرة دمشق سديد الدّولة أبو منصور، ثم عُزِل بعد أشهر.
غزو السلطان محمود للهند:
وغزا السلطان محمود الهند، فافتتح بلادًا كثيرة من الهند، ودانت لَهُ الملوك.
стр. 9292
أحداث سنة تسعٍ وأربعمائة:
تكفير القائل بخلق القرآن:
في المحرم قُريء بدار الخلافة كتاب بمذاهب السُنة، وفيه: مَن قَالَ: " القرآن مخلوق " فهو كافر حلال الدّم، إلى غير ذَلِكَ من أصول السُّنّة١.
زيادة ماء البحر:
وفيها زاد ماء البحر إِلَى أن وصل إلى الأُبُلّة، ودخل البصرة.
عَود سلطان الدّولة إلى بغداد:
وفيها ردّ سلطان الدولة إلى بغداد.
فتح مهر وختُوج بالهند:
وفيها: غزا السلطان محمود الهند، وافتتح مدينتي مهرة وختوج. وكان فتحًا عزيزًا. وبين ذلك وبين غَزْنَة مسيرة ثلاثة أشهر.
قَالَ أبو النّصر في تاريخه: عدل السّلطان بعد أخذ خوارزم إلى بُسْت ثمّ إلى غّزْنة، فأتفقَ أن حشد إليه مِن أدني ما وراء النّهر زُهاء عشرين ألفًا من المطّوّعة. فحرّك من السّلطان محمود نفيرهم، وردّ من نفوس المسلمين تكبيرهم. واقتضى رأيه أن يزحف بهم إلى فتوح، وهي التي أعيت الملوك، غير كشاسب عَلَى ما زعمته المجوس، وهو ملك الملوك في زمانه، فزحف السّلطان بهم وبجنوده، وعبرَ مياه سيْحون وتلك الأودية التّي تجلّ أعماقها من الوصْف، ولم يطأ مملكةَ من تِلْكَ الممالك إلا أتاه الرَّسُول واضعًا خدّ الطّاعة، عارضًا في الخدمة الاستطاعة. إلى أن جاءه جنكي بْن شاهي وسهمي صاحب درب قشمير، عالمًا بأنه بْعثُ الله الّذي لا يرضيه إلا الإسلام أو الحسام.
стр. 9293
فضمن إرشاد الطرّيق، وسار أمامه هاديا. فما زال يفتح الصّياصي والقلاع حتى مرّ بقلعة هارون، فلمّا رأى ملكُها الأرض تموج بأنصار الله ومن حولها الملائكة زُلْزِلت قدَمُه، وأشفق أن يُراقَ دمه، ورأى أن يتّقي بالإسلام بأس الله، وقد شُهِرت حدوده ونُشِرت بعذبات العذاب بنوره، فنزل في عشرة آلاف ينادون بدعوة الإسلام.
ثم سار بجيوشه إلى القلعة كلنجد، وهو من رؤوس الشّياطين، فكانت لَهُ معه ملحمة عظيمة، هلكَ فيها من الكُفار خمسون ألفًا، من بين قتيل وحريق وغريق. فعمد كلنجد إلى زوجته فقتلها، ثمّ ألحقَ بها نفسه. وغنم السلطان مائة وخمسة وثمانين فيلًا، ثمّ عطف إلى البلد الّذي يُسَمّى المعبد، وهو مهرة الهند بطالع ابنيتها الّتي تزعم أهلها أنها من بناء الجنّ، فرأى ما يخالف العادات، وتفتقد روايتها إلى الشّهادات. وهى مشتملة عَلَى بيوت أصنام بنقوشٍ مبدعة، وتزاويق تخطف البصر.
قَالَ: وكان فيما كتب بِهِ السّلطان أنّه لو أراد مُريد أن يبني ما يعادل تِلْكَ الأبنية ليعجز عنها بإنفاق مائة ألف ألف درهم، في مدة مائتي سنة، عَلَى أيدي عَمَلَة كَمَلَة، ومَهَرة سَحرةَ.
وفي جملة الأصنام خمسة من الذَّهب معمولة طول خمسة أذرُع، عينا كلّ واحدٍ منها ياقوتتان، قيمتهما خمسون ألف دينار بل أَزْيَد. وعلى آخر ياقوتة زرقاء، وزنها أربعمائة وخمسون مثقالًا. فكان جملة الذّهبيّات الموجودة عَلَى أحد الأصنام المذكورة ثمانية وتسعين ألف مثقال.
ثم أمر السلطان بسائر الأصنام فَضُربَت بالنِّفْط، وحاز من السّبايا والنّهاب ما يعجز عَنْهُ أناملُ الحُساب. ثمّ سار قُدُما يروم فتوح فتوح وخلّف معظم العسكر، فوصل إليها في شعبان سنة تسعٍ، وقد فارقها الملك إقبال منهزمًا، فتتّبع السّلطان قلاعها، وكانت سبعة عَلَى البحر، وفيها قريبٌ من عشرة آلاف بيت من الأصنام، تزعم المشركون أنها متوارثة منذ مائتي ألف سنة إلى ثلاثمائة ألف سنة كذبًا وزورًا، ففتحها كلَّها في يومٍ واحد، ثمّ أباحها لجيشه فانتهبوها. ثمّ ركض منها إلى قلعة البراهمة، وتعرف بمنح، فافتتحها وقتل بها خلقًا كثيرًا، ثمّ افتتح قلعة جنداري وهي ممن يُضرب المثل بحصانتها.
وذكر أبو النّصر ذَلِكَ مطولًا مفصّلًا بعبارته الرائقة، فأسهب وأطنب. فلقد أقَّر
стр. 9294
عين السّامع، وسرَّ المسلم بهذا الفتح العظيم الجامع، ولله الحمد عَلَى إعلاء كلمة الإسلام، وله الشُّكر عَلَى إقامة هذا السّلطان الهُمام.
وبعد الأربعمائة كَانَ قد غلب عَلَى بلاد ما وراء النّهر أيلك خان أخو صاحب التُرك طُغَان الكبير، وهما مهادنان للسّلطان يمين الدّولة محمود بْن سُبُكْتكين، فقويت نفوسهما عَليْهِ مكُرًا وراوغًا، وبقي كلّ واحدٍ منهما يُحيل عَلَى الآخر. فبعثوا رُسُلهم، فأكرم الرُّسُلَ، وأظهر الزّينة، وعرضَ جيشه.
قال أبو النصر محمود بْن عَبْد الجبّار: فأمر بتعبئة جيوشه وتغشية فيوله، ورتَّب العسكر سِماطين في هيئة، لو رآها قارون قَالَ: يا ليت لي مثل ما أوتي محمود. فصفّ نحو ألفي غلام تُرك في ألوان الثياب، ونحو خمسمائة غلام بقُربه بمناطق الذَّهب المرصّعة بالجواهر، وبين أيديهم أربعون فيلًا من عظام الأفيلة بغواشي الديباج. ووراء السماطين سبعمائة فيل في تجافيف مشهرة الألوان، وعامّة الجيش في سرابيل قد كدت القيون وردت العيون، وأمامهم الرجال بالعُدد، وقام في القلب كالبدر في ظُلمة الدّيجور. وأذِن للرُسُل حينئذٍ، ثمّ عُدل بهم إلى الموائد في دارٍ مفروشة بما لم يُحك عَنْ غير الجنّة. ففي كلّ مجلس دُسُوت من الذَّهب من جِفانٍ وأطباق، فيها الأواني الفائقة والآلات الرائقة، وهّيأ لخاصّ مجلسه طارم قد جُمِعَتْ ألواحه وعضادته بضباب الذَّهب وصفائحه وفُرِش بأنواع الدّيباج المذهَّب، وفيه كُوات مضلَّعة، تشتمل عَلَى أنواع الجواهر الّتي أَعْيَتُ أمثالها أكاسرة العجم، وقياصرة الروم، وملوك الهند، وأقيال العرب. وحوالي المجلس أطباق تخان من الذَّهب، مملوءة من المِسْك والعنبر والعود، وأواني لم يُسمع بمثلها. ثمّ جهّز الرُّسُل.
ووقع بين الأخوين، وتنافرا مدّة لسعادة الإسلام وسلطانه يمين الدّولة.
وكان عَلَى مملكة خوارزم الملك مأمون بْن مأمون، قد وليها بعد أخيه عليّ، فزوّجه السّلطان محمود بأخته، ثمّ طلب منه أن يذكر اسمه في الخطبة معه، فأجابَ. وامتنع من الإجابة نائبه وكُبراء دولته ولاموه. ثمّ إنّهم قتلوه غيلةً، فغضب السّلطان وسار بجيوشه لحربهم، فالتقاهم بظاهر خوارزم وظفر بهم، فسمر جماعةً من الأمراء، واستناب على خوارزم حاجبه الكبير الْتُونْتاش. وصفَت لَهُ مملكة خُراسان، وسجِسْتان، وغَزنة، وخوارزم، والغور. وافتتح نصف إقليم الهند. في عدّة غزوات وكانت سلطنته بضْعًا وثلاثين سنة كما سيأتي في ترجمته١.
стр. 9295
أحداث سنة عشرٍ وأربعمائة:
كتاب يمين الدّولة محمود بفتوحاته في الهند:
وردَ من يمين الدولة محمود كتابٌ بما افتتحه مِنُ الهند، وبما وصل إليه مِن أموالهم وغنائمهم، فيه: إنّ كتابَ العبد صَدَر من غزْنة لنصف المحرَّم سنة عشر، والدينُ مخصوصٌ بمزيد الإظهار، والشَّرْك مقهورٌ بجميع الأطراف والأقطار. وانتدب العبدُ لتنفيذ الأوامر وتابعَ الوقائع عَلَى كُفار السّنْد والهند. فرتّب بنواحي غَزنة العبد محمدًا مَعَ خمسة عشر ألف فارس وعشرة آلاف راجل. وانهض العبد مسعودًا مع عشرة آلاف فارس وعشرة آلاف راجل، وشحن بلح وطخارستان بأرسلان الحاجب، مَعَ اثني عشر ألف فارس، وعشرة آلاف راجل. وضبط ولاية خوارزم بالتونْتاش الحاجب مَعَ عشرين ألف فارس وعشرين ألف راجل.
وانتخب ثلاثين ألف فارس وعشرة الآف راجل لصُحبة راية الإسلام. وانضم إليه جماهير المطّوّعة.
وخرج العبدُ من غَزْنة في جُمادى الأولى سنة تسعٍ بقلبٍ منشرح لطلب السّعادة، ونفس مشتاقة إلى درك الشهّادة، ففتح قلاعًا وحصونًا، وأسلم زُهاء عشرين ألفًا من عُباد الوثن، وسلّموا قدر ألف ألف من الوَرِق، ووقع الاحتواء عَلَى ثلاثين فيلًا. وبلغ عدد الهالكين منهم خمسين ألفًا.
ووافي العبد مدينة لهم عاين زهاء ألف قصر مَشِيد، وألف بيت للأصنام، ومبلغ ما فِي الصّنم ثمانية وتسعون ألف مثقال. وقلعَ مِن الأصنام الفضّة زيادةً عَلَى ألف صنم.
ولهم صنم معظم يؤرخون مدته بجهالتهم بثلاثمائة ألف عام. وقد بنوا حول تِلْكَ الأصنام المنصوبة زُهاء عشرة ألاف بيت. فعُني العبد بتخريب تلك المدينة اعتناءَ تاماَ، ونهبها المجاهدون بالإحراق. فلم يبقى منها إلا الرسوم. وحين وجدَ الفراغ لاستيفاء الغنائم، حصل منها عشرين ألف ألف درهم، وأفردَ خُمس الرقيق، فبلغ ثلاثة وخمسين ألفًا. واستعرض ثلاثمائة وستّة وخمسين فيلًا.
стр. 9296
ولاية قوام الدّولة عَلَى كرمان:
وفيها جلس القادر بالله فَقُرِيء عهد الملك قوام الدّولة أَبِي الفوارس، وحُملت إِليْهِ خِلَع السّلطنة بولاية كَرْمان.
وفاة الأصيفر المنتفقي:
وفيها: مات الأُصَيْفر المنتفقيّ الذي كَانَ يأخذ الخفّارة من الحجّاج.
نيابة دمشق:
وقد ولي نيابة دمشق عدّةُ أمراء للحاكم في هذه السّنين، وكان النّاس يتعجّبون من كثرة ذَلِكَ.
ثم وليها وليُّ العهد عَبْد الرحيم بْن إلياس بْن أحمد بْن عبد العزيز العُبَيدي، وكان يوم دخوله يومًا مشهودًا موصوفًا. ثم عُزِل أقبح عزلْ بعد أشهُر، وأُخِذَ إلى مصر مُقَيدًا، بعد أن قُتل وقت القبضِ عَليْهِ جماعةٌ من أعوانه.
موت صاحب حرّان:
وفيها: مات صاحبُ حرّان وثّاب بن سابق، وتملك ابنه شبيب١.
стр. 9297
بسم الله الرحمن الرحيم:
وفيات الطبقة الحادية والأربعون:
وفيات سنة إحدى وأربعمائة:
"حرف الألف":
١- أَحْمَد بْن عَبْد المُلْك بْن هاشم١: أبو عُمَر بْن المُكوي الإشبيليّ المالكي، كبير المُفْتِين بقُرْطُبَة، الّذي انتهت رئاسة العلم بالأندلس في عصره إليه.
تفقه عَلَى إِسْحَاق بن إبراهيم الفقيه، وكان حافظًا للمذاهب، مقدمًا فيه، بصيرًا بأقوال أصحاب مالك، من أهلِ المتانة في دينه، والصّلابة في رأيه، والبُعد عن هوى نفسه. القريب والبعيد عنده في الحق سواء.
دُعي إلى قضاءِ قُرطبة مرَّتين فأبى، وصنّف كتاب "الاستيعاب فِي رأي مالك" للحَكَم أمير المؤمنين، فجاء في مائة جزء.
وكان جَمْعه لَهُ مَعَ أَبِي بَكْر محمد بْن عَبْد الله القُرشي المعُيطي. ورُفع إلى الحَكَمَ فَسُرَّ بذلك، ووصلهما وقدَّمهما إلى الشُّورَى.
وُلَد أبو عُمر في سنة أربعٍ وعشرين وثلاثمائة.
وعليه تفقه أبو عُمَر بْن عَبْد البّر، وأخذَ عَنْهُ "المُدَونة" تُوُفّي فجأة في سابع جُمادى الأولى. وكانت لَهُ جنازة عظيمة.
٢- أحمد بْن عَبْدوس بْن أحمد الجُرجاني٢: يروي عَنْ: أَبِي العبّاس الأصمّ وغيره. تُوُفّي في ربيع الأولّ.
٣- أحمد بْن علي بْن أحمد بْن مُحَمَّد٣: أبو العباس الريغي الباغاني المقريء، الفقيه المالكي. قدمِ الأندلس سنة وسبعين، وأدَّب ولد المنصور محمد بْن أَبِي عامر. ثمّ عَلَت منزلته، وقُدم للشورى بعد أَبِي عُمَر بْن المُكوي. وكان أحد الأذكياء
стр. 9298
الموصوفين. وكان بحرًا من بحور العلم، لا سيما في القراءات والإعراب والناسخ والمنسوخ والأحكام.
أخذ بمصر عَنْ: أَبِي بَكْر الأْدفوي، وعبد المنعم بْن غَلْبُون. وتُوُفّي في ذي القعدة وله ستٌ وستّون سنة. وقد أخذ عَنْهُ: ابن عَتَّاب، وغيره.
٤- أحمد بْن عُمَر بْن أحمد١: أبو عمر الْجُرْجانيّ المطرّز. عُرف بالبَكْراباذيّ المحدث. أحدَ مَن عُني بالرّحلة والسَّماع. أنفق مالًا جزيلًا، وسمع بإصبهان من أَبِي الشّيخ، وببغداد من القَطِيعي، وباليمن من أَبِي عَبْد الله النِقوي آخر أصحاب إِسْحَاق الدبرِي وتُوُفّي بجُرجان فِي جُمادى الأولى، وَقَدْ شاخ.
٥- أَحْمَد بْن عُمَر بْن أحمد بن محمد بن عبد الواحد: أبو الحسن الكِنانيّ المصريّ، والد أَبِي الحسن عليّ الرواي عَنِ ابن حَيَّوَيْهِ النيسابوري. تُوُفّي لليلتين بقيتا من ربيع الآخر. قاله أبو إِسْحَاق الحبّال.
٦- أحمد بْن محمد بْن أَحْمَد بْن سَعِيد بْن الحُباب بْن الْجَسُور٢: أبو عُمر القُرطُبي، مولي بني أميَّة. وأمّا أبو إِسْحَاق بْن شِنظير فكناه: أبو عُمير، والأوّل أشهر. روى عنه: قاسم بن أصبغ، ووهب بن مسرة، ومحمد بْن عبد الله بْن أَبِي دُليم، ومحمد بن معاوية القُرشي، وأحمد بن مُطرف، وجماعة. حدث عنه: الصاحبان، وأبو عُمَر بْن عبد البَرّ، وأبو عَبْد الله الخولاني، وأبو محمد بن حزم، وهو أكبر شيخ لابن حزم.
قال: وهو أول شيخٍ سمعت عليه قبل الأربعمائة ومات لأربع بقين من ذي القعدة. تُوفي أيّام الطّاعون. وكان خيّرًا فاضلًا، شاعرًا، عالي الإسناد مُكثرًا. وُلِد في حدود سنة عشرين وثلاثمائة.
قَالَ ابن عَبْد البَرّ: قرأت عَليْهِ "المُوطأ" عَنْ محمد بْن عيسى بْن رفاعة، عَنْ يحيى بْن أيّوب بْن باذي العلاف، عَنْ يحيى بْن بُكيْر. وقرأت عَليْهِ "المُدونة" عَنْ وهْب بْن مَسَرة، عَنِ ابن وضّاح، عَنْ سَحْنُون مؤلّفها.
وقرأت عَليْهِ "تفسير سُفيان بْن عُيينة"، عن قاسم بن أصبغ.
стр. 9299
٧- أحمد بْن محمد بْن وسيم١: أبو عُمَر الطُّليطلي. كَانَ فقيهًا متفننًا، شاعرًا لُغويًا نَحْويا. غزا مَعَ محمد بْن تمّام إلى مَكادة. فلما انهزموا هربَ إلى قُرطبة، واتّبعه أهل طُليطلة، فصلبوه ثمّ رَمَوْه بالنَّبْل والحجارة حتّى هلك وهو يتلو سورة يس، ﵀.
٨- أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الرَّحْمَن٢: أبو عُبَيْد الهَروي المؤدّب اللُّغَويّ، مصنف "الغريبيَنْ" في اللُّغَة: لغة القرآن، ولغة الحديث. أخذ اللّغة عَنِ: الأزهري، وغيره.
وتُوفي في رجبٍ لستٍ خَلَوْن منه. وقد ذكره القاضي في "وَفَيَات الأَعْيان" فقال: سارَ كتابه في الآفاق، وهو من الكُتُب النافعة. ثم قَالَ: وقيل: إنّه كَانَ يحبّ البذلة، ويتناول في الخلْوة، ويعاشر أهل الأدب في مجالس الّلَذّة، والطَّرَب، عفا الله عَنْهُ وعنّا. ويقال لَهُ الفاشاني، بالفاء.
وفاشان: بفاء مَشُوبةٍ بباء، قرية من قرى هَرَاة. وذكره ابن الصّلاح في "طبقات الشّافعّية" فقال: رَوى الحديث عَنْ: أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن ياسين، وأبي إِسْحَاق أحمد بن محمد بن يونس البزاز الحافظ. روى عنه أبو عثمان إسماعيل بن عبد الرحمن الصابوني، وأبو عمر عبد الواحد بن أحمد المليحي كتابه "الغريبين".
٩- إبراهيم بن محمد بن إبراهيم: أبو القاسم المؤذن المقريء الخفاف. يروي عَنْ: أَبِي بَكْر الإسماعيليّ. وتُوُفّي في شوّال، في الكُهُولة.
١٠- إبراهيم بن محمد الحافظ٣: أبو مسعود الدمشقي. الصحيح وفاتة سنة أربعمائة كما تقدم.
١١- آدم بن محمد بن توبة٤: أبو القاسم العُكبري. مات بعُكبرا في صفر. يروي عن: النجاد، وابن قانع، وجماعة.
وعنه: أبو طاهر أحمد بن محمد الخفاف.
стр. 9300
١٢- إسحاق بْن عليّ بْن مالك: أبو القاسم الجرجرائي الملحمي. روى عَنْ: الإسماعيليّ، ونُعيم بْن عَبْد الملك. وتُوفي ﵀ في رجب.
"حرف الحاء":
١٣- الحُسين ابن القائد جوهر المغربيّ١: كَانَ قائد القوّاد للحاكم صاحب مصر، فنقَمَ عَليْهِ وقتله في هذه السّنة.
١٤- الحُسين بْن عثمان اليَبْرودي: روى عَنْ: عليّ بْن أَبِي العقَب. روى عَنْهُ: عليّ الحنّائيّ، وأبو عليّ الأهوازيّ، وعليّ بْن الحسين بْن صَصَرَى.
١٥- الحُسين بْن مظفَّر بن كُنداج٢: أبو عَبْد الله البغداديّ. سَمِعَ: إسماعيل الصّفّار، وجعفرًا الخالديّ. روى عَنْهُ: أبو بَكْر البَرْقانيّ، وقال: لَيْسَ بِهِ بأس، كَانَ يعرف.
١٦- الحُسين بْن حيّ بْن عَبْد الملك بْن حيّ٣: أبو عَبْد الله القُرْطُبي، المعروف بابن الجُزُقة. يروي عَنْ: أَبِي عيسى اللَّيثي، وابن القُوطية، ومحمد بن أحمد بن خالد. وشاوره القاضي محمد بن بقي. وكان من كبار المفتين بقُرطبة. عارفا بمذهب مالك.
حج سنة ثمانٍ وأربعين، وأخذ عَنْ أبي بَكْر الآجُري كثيرًا من تصانيفه، وتردد فيها ستة أعوام. وولي قضاء مدينة سالم، ثم مدينة جيان.
قال أبو حيان: لم يكن بالمحمود في القضاء، واستهواه حُب الدنيا، وارتكس مع المهدي بن عبد الجبار، وكان أحد دُعاته، فاستوزره عَنْ ظهوره، فأخلد إلى الأرض، واتّبع هواه. فلمّا زالت دولة المهديّ اختفى، والطّلب عَليْهِ شديد، إلى أن وُجد في مقبرة عَلَى نَعْش٤ قد أُخِرج من دارٍ ميّتًا، وعلى صدره ورقةٌ فيها قصتّه.
١٧- حمْد بْن عَبْد الله بْن عليّ٥: أبو الفَرَج الدّمشقيّ المقرئ المعدل. من
стр. 9301
جِلة عُدُول البلد. وهو صاحب دُوَيْرة حمْد بباب البريد. حكي عَنْهُ محمد بْن عَوّفٍ المُزني.
قَالَ هبة الله بْن الأكفانيّ في سنة إحدى وأربعمائة: وُجِدَ حَمْد وزوجته مذبوحَيْن وصبيّ قرابته في داره بباب البريد، ﵀.
"حرف الخاء":
١٨- خَالِد بْن مُحَمَّد بْن حُسين بْن نصر بْن خَالِد. أبو المستعين البُسْتي الحنفيّ الواعظ. تُوفي في رجب منصرفًا من الحجّ.
١٩- خَلف بْن مروان بْن أُمَيّة١. أبو القاسم القُرْطُبي الصَّخّريّ، من أهل صَخرة حَيْوَة، بُليدة بغربيّ الأندلس. كَانَ من فُقهاء الأندلس. ولي الشُّورى، ثمّ قضاء طُليطلة فاستعفي. توفي في رجب.
"حرف السين":
٢٠- سامة بْن لُؤَيّ: أبو مُضَر القُرشي الهَرَويّ. سَمِعَ: أبا بَكْر محمد بْن عَبْد الله حفيد العبّاس بْن حمزة. روى عَنْ: ناصر العُمَرّى. وتُوُفّي في ربيع الآخر.
٢١- سَعِيد بْن عَبْد الله بْن الْحَسَن: أبو القاسم العُمَانيّ، الفقيه. تُوُفّي في جمادى الآخرة بخُراسان.
"حرف الشين":
٢٢- شقيق بْن عليّ بْن هُود بْن إبراهيم٢. أبو مُطيع الْجُرْجانيّ الفقيه. رُوِي عَنْ: نُعَيْم بْن عَبْد الملك، وأبي الحُسين بْن ماهيار. وولي قضاء جُرْجان سنةً ونصفًا. فمات في السّادس والعشرين من المحرَّم.
"حرف العين":
٢٣- عَبْد الله بْن عَمرو بْن مُسْلِم. أبو محمد الطَّرَسُوسيّ. سَمِعَ: إسماعيل الصّفّار، وأبا سهل بن زياد. وعُمر تسعين سنة، وحدث بنسف.
стр. 9302
٢٤- عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْن هلال١:أبو بَكْر الحِنائي الْبَغْدَادِيّ الأديب، نزيل دمشق. روى عن: يعقوب الجصّاص، والحسين بن عياش القطان، وأبي جعفر بن البختري، والصّفّار.
روى عَنْهُ: أحمد بْن عليّ الكَفَرطابيّ، ورشأ بْن نظيف، وأبو القاسم الحِنّائيّ، وأبو عليّ الأهوازيّ. وثَّقه الخطيب.
٢٥- عَبْد العزيز بْن محمد بن نعمان بْن محمد بْن مَنْصُور٢: قاضي مملكة الحاكم. ولي الحكم سنة أربعٍ وتسعين وثلاثمائة بعد ابن عمّه الحسين بْن عليّ. وعَلَتْ رُتبته عند الحاكم إلى أن أصعَده معه عَلَى المنبر في يوم العيد.
ثم عزله في سنة ثمانٍ وتسعين بالقاضي أَبِي الحسن الفارقي. ثم قتله سنة إحدى وأربعمائة، وقتل معه القائد حسين بْن جوهر.
٢٦- عَبْد الملك بْن أحمد بْن نُعيم بْن الحافظ أَبِي نُعَيْم عَبْد الملك بْن عديّ٣:
أبو نُعَيْم الإستراباذيّ. ولي قضاء جُرجان، وحدّث عَنْ: جده، وابن ماجه القزويني، والحافظ ابن عديّ. تُوُفّي في آخر السُّنّة.
٢٧- عَبْد الواحد بْن زوج الحُرّة محمد بْن جَعْفَر٤: أبو القاسم البغدادي. سَمِعَ: أحمد بْن كامل، وعبد الله بن إسحاق الخُرساني، وجماعة كبيرة. روى عنه: البَرقاني، وعبد العزيز الأزجي.
٢٨- عبيد الله بن أحمد بن الهُذيل الكاتب٥: يروي عَنْ أبيه، عَنْ محمد بْن أيّوب الضُّرَيسْ. روى عَنْهُ: أبو الحسين محمد بْن المهتدي بالله.
كَانَ ببغداد.
٢٩- عُبَيْد الله بْن محمد بْن الْوَلِيد٦ أبو مروان المُعيطي القْرطبي. قال ابن
стр. 9303
بشكوال: كان عالمًا حافظًا فاضلًا ورِعًا كثير الصَّدقة، من بيت فقهٍ وعبادة. تُوُفي في ذي القعدة، وصلى عَليْهِ عمّه الفقيه عَبْد الله. وعاش ٤٣سنة.
٣٠- عثمان بْن عبد الله بن إبراهيم١: أبو عمر والطرسُوسي، الكاتب، قاضي المعرة روى عنه: خَيْثَمَة بْن سليمان وموسى بْن القاسم. روى عَنْهُ: أبو عليّ الأهوازيّ، وأبو الفضل محمد بْن أحمد السَّعْديّ، وعبد الواحد بْن محمد الكفرطابي. توفي بكفر طاب سنة إحدى وأربعمائة تقريبًا.
٣١- عَلي بْن عَبْد الواحد بْن مُحَمَّد بْن الحُرّ٢. أبو الحُسَين البّريّ، قاضي أطْرابُلُس. حدّث عَنْ: خَيْثَمَة بْن سليمان، وأبي الطّاهر أحمد بْن عَمْرو المَدينيّ، وأحمد بْن بَهْزَاد السيرافّي، والمصرييّن. روى عَنْهُ: عليّ بْن محمد الحِنّائيّ، وأبو عليّ الأهوازيّ، وعبد الرحيم بْن محمد البخاريّ. وفي ذي الحجّة وَصَل قائد من مصر وخادمان إلى أطْرَابُلُس، فقطعوا رأسَ هذا القاضي لكونه سلّم عزّاز إلى مُتولي حلب بغير أمر الحاكم. قاله عَبْد المنعم بْن عليّ النَّحْويّ.
٣٢- عليّ بْن مُحَمَّد٣: أبو الفتح البُستي، الكاتب الشاعر المشهور. وقيل: اسمه عليّ بْن محمد بن حُسين ابن يوسف بْن عَبْد العزيز. وقيل: علي بْن أحمد بْن الحسن. لَهُ أسلوبٌ معروف في التَّجْنيس. روى عَنْهُ من شِعره: أبو عَبْد اللَّه الحاكم، وأبو عثمان الصّابونيّ، وأبو عَبْد الله الحسين بْن عليّ البَرْذَعيّ. قَالَ الحاكم: هُوَ واحد عصره. حدَّثني أنه سَمِعَ الكثير من أَبِي حاتم بْن حبّان.
ومِن نثره: مَن أصلحَ فاسدهَ أرغم حاسده٤.
عادات السّادات سادات العادات. لم يكن لنا طَمَعٌ في دَرْكِ دِرِّكَ، فاعفِنا من شَرِكِ شَرِّكَ. يا جهل من كَانَ عَلَى السّلطان مُدلًا، وللإخوان مُذِلًا. إذا صحّ ما فاتكَ، فلا تأس عَلَى ما فاتك. المعاشرة ترك المُعايرة. مِن سعادة جِدك وقوفك عند حدك٥.
стр. 9304
ومن شعره:
أُعلك بالمُنى روحي لَعَلي ... أُروّح بالأماني الهَمَّ عنّي.
وأعلم أنّ وصْلك لا يُرجى ... ولكن لا أَقَل من التَّمَنّي.
وله:
زيادةُ المرءِ في ذُنْياهُ نُقْصانُ ... وربْحُهُ غير مَحْض الخبر خُسْرانُ
وكل وجدان حظّ لا ثبات لَهُ ... فإنّ معناه في التّحقيق فقدانُ
يا عامرًا لخراب الدّار مجتهدًا ... بالله، هَلْ لخراب العُمر عُمرانُ
ويا حريصَا على الأموال يجمعها ... أقْصرْ، فإنّ سُرور المال أحزانُ
زع الفؤادَ عَنِ الدّنيا وزُخْرُفها ... فَصَفْوُها كَدَرٌ والوصلُ هِجرانُ
وأرعِ سَمْعَكَ أمثالًا أفصلها ... كما يُفصل ياقوتًا ومُرجانُ
أحسِن إلى النّاس تستعبْد قلوبُهم ... فطالما اسْتَعْبدَ الإنسانَ إحسانُ
وإن أساء مُسيءٌ فلْيكُنْ لك ... في عروض زلّته صفحٌ وغُفرانُ
واشدُدْ يديك بحبل الله معتصمًا ... فإنه الركنُ إنّ خانتْك أركانُ
مَنِ استعان بغير الله في طلبٍ ... فإنّ نَاصِرَه عجزٌ وخُذْلانُ
مَن جاد بالمال مالَ الناسُ قاطِبةً ... إِليْهِ والمالُ للإنسان فتانُ
مِن سالَم النّاسَ يسلمْ من غَوَائلهم ... وعاش وهو قرير العَيْن جذلانُ
والنّاس أعوانُ مَن وَاتَتْه دولتُه ... وهُم عَليْهِ إنّ خانَتْه أعوانُ
يا ظالمًا فرِحًا بالسَّعْد ساعده ... إنّ كنت في سنةٍ فالدهرُ يَقظانُ
لا تَحْسبَنّ سُرورًا دائمًا أبدًا ... من سره زمن سأته أزمان
لا تغتر بشباب رائق خَضِلً ... فكم تقدَّم قبل الشيبِ شُبانُ
ويا أخا الشَّيْبِ لو ناصحتَ نفسك لم ... يكن لمثلك في اللذات إمعانُ
هَبِ الشّبيبةُ تُبلى عُذر صاحبها ... ما عُذر أشْيَب يسْتَهْويه شيطانُ
стр. 9305
كل الذُّنُوب فإن الله يغفرها ... إنّ شيع المرء إخلاصٌ وإيمانُ
وكلّ كسرٍ فإنّ الدّين يجْبُرُهُ ... وما لكسرِ قناةِ الدّين جُبرانُ
وهي طويلة.
٣٣- عُمَر بْن حُسين بْن محمد بْن نابل١: أبو حفص الأُمويّ القُرطبي. شيخ محدَّث صالح مُسند، من بيت عِلم ودين كُف بصره بآخره، وسمع النّاس منه كثيرًا. روى عن: قاسم بن أصبغ، وأبي عبد الملك بْن أَبِي دُليم، ومحمد بْن عيسى بْن رفاعة، ومحمد بْن معاوية، وأبيه حسين بْن محمد. تُوُفي في الوباء في ذي القعدة، وكان ثقة صدوقًا موسرًا. روى عَنْهُ: ابن عَبْد البَرّ الحافظ. وآخر من روى عَنْهُ حيّان بْن خَلَفَ الأمُويّ.
- عميد الجيوش: مذكور في الحوادث.
حرف الفاء:
٣٥- فارس بْن أحمد بْن موسى بْن عمران٢: أبو الفتح الحمصيّ المقريء الضّرير. نزيل مصر. قرأ القراءات عَلَى: أَبِي الحسن عبد الباقي بن الحسين بْن السّقّا، وعبد الله بْن الحسين السّامرّيّ، ومحمد بْن الحَسَن الأنطاكيّ، وأبي الفَرَج الشنبُوذي، وجماعة. قرأ عليهم في حدود سنة ثمانين وثلاثمائة. وصنّفَ كتاب " المُنشأ في القراءات الثّمان". وكان أحد الحُذاق بهذا الشّأن. قرأ عَليْهِ القراءات: ولده عَبْد الباقي، وإسماعيل بْن رجاء العَسْقلانيّ، وأبو عمر الداني. وتُوفي عَنْ ثمانٍ وستّين سنة. وإسناده في القراءات والتَّيْسير لأبي عَمْرو، وغيره. قَالَ الدّانيّ: لم نلق مثله في حفظه وضبطه وحُسن مادته وفَهْمه، تعلّم صناعته مَعَ ظهور نُسُكه وفضله وصِدْق لهجته، وصبره عَلَى سَرْد الصيام والتجهد بالقرآن. قال لي: ولُدتُ بحمص سنة ٣٣٣، وتُوفي بمصر فيما بَلَغَنا سنة ٤٠١.
٣٦- الفضل بْن أحمد بْن ماج بن جبريل. أبو محمد الهروي الماجي.
стр. 9306
"حرف القاف":
٧٣- القاسم بْن أَبِي منصور: القاضي أبو مُحَمَّد. تُوفي في ربيع الأوّل بخُراسان.
"حرف الميم":
٣٨- محمد بن الحسين بْن أسد١: أبو نُعيم الجُرجاني الفاميّ. روى عنه: أَبِيهِ، وأبي يعقوب البحريّ. تُوفي في رمضان.
٣٩- محمد بْن الحسين بْن داود بْن علي٢: السيّد أبو الحسن العلويّ الحَسَنيّ النَّيسابوريّ شيخ الأشراف في عصره. سَمِعَ: أبا حامد وأبا محمد ابني الشَّرْقّي، ومحمد بْن إسماعيل بْن إسحاق المروزي، صاحب علي ابن حُجر، ومحمد بْن الحسين القطّان، ومحمد بن عمر بن جميل الأزدي، وأبا حامد بن بلال، وعُبيد الله بن إبراهيم بن بالُويه، وأبا نصر محمد بن حَمدويه بن سهل الغازي، وأبا بكر بن دلويه الدقاق، وطائفة سواهم. روى عنه الحاكم، وقال: هُوَ ذو الهمّة العالية والعبادة الظّاهرة. وكان يُسأل الحديث فلا يُحدث. ثم في الآخر عقدتُ لَهُ الإملاء، وانتقيت لَهُ ألف حديث. وكان يُعد في مجلسه ألف مَحْبرة. فحدَّث وأملي ثلاث سِنين، ثمّ تُوُفّي فجأة في جمادى الآخرة. وروى عَنْهُ أيضًا: الإمام أبو بَكْر البَيْهقّي، وهو من كبار شيوخه، بل أكبرهم، وأبو بكر محمد ابن القاسم الصّفّار، وأبو عُبيد صخر بْن محمد الطُوسي، وأبو القاسم إسماعيل بْن زاهر، ومحمد بْن عُبيد اللَّه الصّرّام، وأبو صالح أحمد بْن عَبْد الملك المؤذن، وعثمان بْن محمد بْن عُبيد الله المحْميّ، وعمر بْن شاه المقريء، وشبيب بْن أحمد البِسْتَيغّي، وأحمد بْن محمد بْن مُكرم الصَّيدلانّي، وموسى بْن عِمران بْن محمد الأنصاريّ، وفاطمة بِنْت الزّاهد أَبِي عليّ الدقاق، وآخرون. وتفرد بالراوية عَنْ جماعةٍ مِن كِبار شيوخه.
٤٠- المظفرّ أبو الفتح القائد٣: ولى إمرة دمشق للحاكم بعد الأمير مطهّر بْن بزال، ثم عُزِل بعد ستّة أشهرُ في ربيع الأوّل من هذه السنة.
стр. 9307
٤١- المُعلى بْن عثمان: أبو أحمد المادَرَائيّ. تُوُفّي بمصر في جمادى الأولى.
٤٢- مُغيرة بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن يزيد بْن شمر الفيّاض. أبو عاصم. تُوفي بخُراسان في شَعْبان.
٤٣- منصور بْن عَبْد الله بْن خَالِد١: أبو عليّ الذُهلي الخالديّ الهَرَويّ. روى عَنْ: ابن الأعرابيّ، وإسماعيل الصّفّار، وأحمد بن سليمان، وأبي علي الرفاء، وأبي العباس الأصم، وعبد المؤمن النسفي، ودعلج. روى عنه: أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد المؤدب، وأبو حازم عمر بن إبراهيم العبدوي، وأبو يعلي الصابوني، ونجيب بن ميمون الواسطي، وخلق كثير.
قال أبو سعيد الإدريسي: كذاب لا يُعتمد عَليْهِ. وقال جعفر المُستغفري: روى عَنْ أبي طلحة منصور بْن محمد ابن علي البزدوي. قيل: تُوفي سنة إحدى وأربعمائة. والصّحيح أنّه تُوفي في المحرَّم سنة اثنتين.
٤٤- منصور بْن عَبْد الله بْن عدّي٢: الواعظ الفاضل أبو حاتم بْن الحافظ أَبِي أحمد الجُرجاني. روى عَنْ: أَبِيهِ، والإسماعيليّ. روى عَنْهُ: ابنه إسماعيل. وكان يَعظ في مسجد والده إلى أن مات في سابع جُمادى الأولى.
٤٥- منصور بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد: أبو الطّيّب الدّوستكيّ الهَرَويّ. من شيوخ أَبِي يعقوب القرّاب.
"حرف الهاء":
٤٦- هارون بْن موسى بْن جَنْدَل القَيْسيّ٣. الأديب أبو نصر القُرطبي. سَمِعَ من: أَبِي عيسى اللَّيْثّي، وأبي علي القالي. روى عَنْهُ: الخَوْلانيّ، وقال: كَانَ رجلًا صالحًا منقبضا مقتصدًا عاقلًا مَهيبًا، تختلف إليه الأحداث للأدب. وكان من الثّقات في دينه وعلمه.
وأخذ منه أيضاُ: أبو عُمَر الطَّلَمَنكيّ، وأبو عُمَر بْن عَبْد البَرَ، وآخرون. تُوفي في ذي القِعدة.
стр. 9308
"حرف الياء":
٤٧- يحيى بْن أحمد بْن الحسين بْن مروان: أبو سلمة بْن أَبِي نصر المرواني الخُراساني. تُوفي في ربيع الأول.
٤٨- يحي بن عمر بن بْن حسين بْن محمد بْن عُمَر بْن نابل١: أبو القاسم القُرطبي.
تُوفي قُبيل والده. روى عن: أبي الحسن الأنطاكي المقريء. حدث عن: الخَوْلانيّ، وقال: كَانَ من أهل الفضل والصّلاح والخير معَ التَّقدُّم في العِلم. عُني هُوَ وأبوه وجدّه بالعِلم، وحجّ كلُّ واحدٍ منهم وسمع بالمشرق. تُوفي في جُمادى الأولى.
٤٩- يحيى بْن يَحْيَى بْن مُحَمَّد: أَبُو الحَسَن بْن المحدّث أَبِي زكريّا العنْبريّ. سَمِعَ أَبَاهُ. وشهد وحدث. وتُوفي في رجب. ورخه الحاكم.
وفيات سنة اثنين وأربعمائة:
"حرف الألف":
٥٠- أحمد بْن إِبْرَاهِيم بْن أحمد بْن تُركان بْن جامع٢: أبو العبّاس التَّميميّ الهمداني الخفّاف. روى عَنْ: عَبْد الرَّحْمَن الحلاب، والقاسم بْن أبي صالح، وإبراهيم بْن أحمد بْن حمدان الهَرَويّ، وإسحاق بْن عَبْدُوس، وأوْس الخطيب، وخلق. ورحل، فأخذ عَنْ: عَبْد الباقي بْن قانع، وأبي سهل بْن زياد، وطائفة.
روى عَنْهُ: جعفر الأَبْهَريّ، ومحمد بْن عيسى، وأبو الفَرَج بْن عَبْد الحميد، ويوسف الخطيب، وأحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن الزّاهد، وأحمد بْن عيسى بْن عَبّاد، وآخرون. وهو ثقة صدوق. قاله شِيرويه، وسمع مِن جماعةٍ من أصحابه وقال: سَمِعْتُ يوسف الخطيب يَقُولُ: كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ تُركان فَجَاءَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْجَابُولُ المقريء، فَعَانَقَهُ وَقَبَّلَهُ، ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اللَّيْلَةَ فِي الْمَنَامِ فقال: من أحب
стр. 9309
أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ فَلْيَأْتِ ابْنَ تُركان. فَبَكَى ابْنُ تُركان. وُلد سنة سبْع عشرة وثلاثمائة، ومات في ربيع الأول سنة اثنتين.
وقبره يُزار.
٥١- أحمد بْن الحسين بْن أحمد١: أبو العباس بن زنيبل النّهاوَنْديّ. حدَّث بهَمَدان في رمضان مِن السَّنة عن: أَبِي القاسم عَبْد اللَّه بْن محمد بْن الأشقر القاضي البغداديّ "بتاريخ البخاريّ الصّغير"، برواية ابن الأشقر عَنْهُ. ورحل وسمع من: الطبراني، ومن القطيعي، وأبو بكر المفيد، وطائفة سواهم. روى عن: حمزة بْن أحمد الرُّوذراوردي، وهَنّاد بْن إبراهيم النَّسفيّ، وسعيد بْن أحمد الجعفريّ، وأبو طاهر أحمد بْن عَبْد الرَّحْمَن الرُّوذْراوَرْديّ، وأبو منصور محمد بْن الحسن بْن محمد النّهاوّنْديّ، وآخرون. وثّقه شِيرويه.
٥٢- أَحْمَد بْن سَعِيد بْن حَزْم بْن غالب٢: أبو عُمَر الأديب. والد العلامة أَبِي محمد بْن حزْم.
قَالَ الحُمْيديّ: كَانَ لَهُ في البلاغة يدٌ قويّة. تُوفي في ذي القعدة، وقد وَزَر في دولة المنصور بْن أَبِي عامر، وكان يَقُولُ: إنّي لأتعجّب ممّن يَلْحَن في مخاطبةٍ، أو يجيء بلفظةٍ قلقةٍ في مُكاتبة، لأنّه ينبغي إذا شك في شيءٍ أنّ يتركه ويطلب غيره، فالكلام أوسع من هذا. قلت: هذا لا يقوله إلا المتبحّر في اللّغة العربيّة، ﵀.
٥٣- أحمد بْن عَبْد الله بْن الخضر بن مسرور٣. أبو الحسن السَّوْسَنْجِرْدِيّ، ثمّ البغداديّ المعدّل. سَمِعَ: أبا جعفر ابن البَخْتَرِيّ، وأبا عَمرو بْن السّمّاك، والنّجّاد.
روى عَنْهُ: عَبْد العزيز الأزْجيّ، وأبو بَكْر محمد بْن علي بْن موسى الخياط، وعبد الكريم بن عثمان بن دُورست، وأحمد بْن الحسين بْن أَبِي حنيفة، ومحمد بْن عليّ بْن سُكينة، وجماعة. وقد قرأ بالروايات عَلَى: زيد بْن أَبِي بلال الكوفيّ، وأبي طاهر بْن أَبِي هاشم، ومحمد بْن عَبْد الله بْن أَبِي مُرة الطُّوسيّ النّقّاش. قرأ عَليْهِ: أبو بَكْر محمد بْن عليّ الخيّاط المذكور، وأبو علي الحسن بْن القاسم غلام الهراس. وقد
стр. 9310
روى عَنْهُ ابن المهتدي بالله في مشيخته. وقال الخطيب: كَانَ ثقة، دينًا، شديدًا في السُّنة. مات في رجب، وقد نّيف عَلَى الثّمانين.
٥٤- أَحْمَد بْن عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد: أَبُو العبّاس المِهْرَجانيّ النَّيْسابوريّ المعدّل. سَمِعَ: أبا العبّاس الأصمّ، وأقرانه. تُوفي في رجب.
٥٥- أحمد بْن مُحَمَّد بْن الحسين بْن الفُرات١: أبو الحسن البزّاز المعدّل. ويُعرف بابن صغيرة. عَنْ: النّجّاد، ودَعْلَج. وعنه: البَرْقانيّ. وثّقه الخطيب.
٥٦- أحمد بْن نصر٢: أبو جعفر الأزدي الداودي المالكيّ الفقيه. كَانَ بأطْرابُلُس المغرب، فأملي بها كتابه في "شرح المُوَطّأ"، ثمّ نزل تِلمْسان. وكان ذا حظّ من الفصاحة والْجَدَل. وله: "الإيضاح في الرّدّ عَلَى البكريّة". حمل عَنْهُ: أبو عبد الملك البَرْقيّ، وأبو بَكْر بْن الشَّيْخ. ومات بتِلِمْسان.
٥٧- إبراهيم بْن محمد بْن حسين بْن شِنْظير٣. أبو إِسْحَاق الأمَويّ الطُّلَيْطُليّ الحافظ، صاحب أَبِي جعفر بْن ميمون الطُّلَيْطُليّ، ويقال لهما: الصّاحبان، لأنهما كَانَا في الطَّلَب كَفَرسيْ رِهان.
سمعا بطُلَيْطُلَة عَلَى مَن أدركاه، ورحلا إلى قُرْطُبَة فأخذا عَنْ علمائها، وسمعا بسائر بلاد الأندلس. ورحلا إلى المشرق فسمعا. وكانا يفترقان. وكان السّماع عليهما معًا. وُلِد ابن شنظير في سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة. وكان زاهدًا فاضلًا ناسكًا صوّامًا قوّامًا ورِعًا، كثير التّلاوة. غلب عَليْهِ علمُ الحديث ومعرفة طُرُقه. وكان سُنيا نافرًا للمُبْتدعَةَ، هاجرًا لهم. وما رُئي أزهد منه في الدّنيا، ولا أوقر مجلسًا منه. رحل الناسُ إليه وإلى صاحبه من النّواحي، فلمّا تُوُفّي صاحبه أحمد بْن عليّ بْن ميمون، وهو في المجلس. توفي ليلة النحر سنة اثنتين وأربعمائة.
٥٨- إسماعيل بْن الحسين بْن عليّ بْن هارون٤. أبو محمد الفقيه الزّاهد ببُخارى. تُوُفّي في شَعْبان. وحجّ مرّات. وحدَّث عَنْ: خَلَف الخيّام، ومحمد بن
стр. 9311
أحمد بن حنبل، وبكر المروزي صاحب الكُديمي. روى عنه: عبد العزيز الأزجي، وجماعة. قال الخطيب: ثنا عَنْهُ القاضي أبو جعفر محمد بْن أحمد السمْنانيّ.
"حرف الحاء":
٥٩- الحَسَن بْن الحُسَيْن بْن عليّ بْن أَبِي سهل١: أبو محمد النُّوبَخْتيّ الكاتب. روى عَنْ: عليّ بْن عَبْد اللَّه بْن مبشّر الواسطيّ، وأبي عَبْد الله المَحَامِليّ. قَالَ الخطيب: كَانَ سَمَاعه صحيحًا. ثنا عَنْهُ أبو بَكْر البَرْقانيّ، والأزهريّ، وأبو القاسم التنوخي. وقال لي الأزهري: كان رافضيًا. قال لي البَرْقانيّ: كَانَ مُعتزليًا. وقال غيره: مات في ذي القعدة. وقال البَرْقانيّ: تبيَّن لي أنّه صدوق.
٦٠- الحسنُ بْن القاسم بْن خسُرو٢. أبو عليّ البغداديّ الدّبّاس. سَمِعَ: أحمد بْن عَبْد الله وكيل أَبِي صَخْرة. روى عَنْهُ: أبو الحسن العتيقيّ، وأبو محمد الخلال، وابن المهتدي بالله. وثقه الخطيب، وقال: تُوُفّي في صَفَر وله إحدى وتسعون سنة.
"حرف الخاء":
٦١- خَلفَ بْن إبراهيم بْن محمد بْن جعفر بْن حمدان بْن خاقان٣. أبو القاسم المصريّ المقرئ، أحد الحُذّاق، ومن كبار شيوخ أَبِي عَمْرو الدّانيّ في القراءة.
قرأ لوَرْش عَلَى: أحمد بْن سامة التُّجَيْبيّ، وأحمد بْن محمد بْن أَبِي الرّجاء، ومحمد بْن عَبْد الله المَعَافِريّ، وأبي سَلَمَة الجمراويّ. وسمع الحديث من: ابن الورد، وأحمد بْن الحسن الرّازيّ، وأحمد بْن محمد بْن أَبِي الموت، وطائفة. قَالَ الدّانيّ: كَانَ ضابطًا لقراءة وَرْش، ومُتْقنًا لها. مجودّا مشهورًا بالفضل والنُسك، واسع الرّواية، صادق اللهْجة. كتبنا عَنْهُ الكثير من القراءات والحديث والفِقْه، وغير ذَلِكَ. سمعته يَقُولُ: كتبتُ العلم ثلاثين سنة. وذهبَ بَصَره دهْرًا، ثمّ عاد إِليْهِ. وكان يؤم بمسجد. مات شيخنا بمصر في عشر الثمانين.
стр. 9312
"حرف الدال":
٦٢- دَاوُد بْن الشَّيْخ أَبِي الحسن محمد بْن الحُسين: العلويّ النَّيْسابوريّ. تُوُفّي في صفر.
"حرف الطّاء":
٦٣- طاهر بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن يحيى بْن عيسى بْن ماهلة: أبو بَكْر الهمدانيّ الزّاهد.
روى عَنْ: أَبِيهِ، وأوْس الخطيب، وأبي القاسم بْن عُبَيْد، والقاسم بْن محمد السّرّاج، ومحمد بْن خَيْران، وأحمد ابن الحسن بن ماجه القَزْوينيّ، وأبي بَكْر بْن السُني الحافظ، وإبراهيم المُزكي، وجماعة. وروى عَنْهُ: ابنه هارون الأمين، وأبو الحسن بْن حُميد، وأبو الفضل أحمد بْن عيسى الديَنَوريّ.
قَالَ شِيَرَويْه: كَانَ ثقة صدوقًا، زاهدًا ورِعًا يُتَبَّرك بِهِ. وكان يصاحب صالح اللّوملاذيّ. وله آيات وكرامات ظاهرة. وتوفي ﵀ في صفر.
"حرف العين":
٦٤- عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد: أَبُو أحمد المهرقانيّ النَّيْسابوريّ. سَمِعَ: الأصمّ، وطبقته. وحدَّث. مات في رجب، ورّخه الحاكم.
٦٥- عبد الرَّحْمَن بْن محمد بْن عيسى بْن فُطيس بْن أَصْبَغ بْن فُطيس١: العلامة أبو المُطرف، قاضي الجماعة بقُرْطُبَة.
روى عَنْ: أحمد بْن عَوْن الله، وأبي عَبْد الله بْن مُفرج، وأبي الحسن الأنطاكيّ، وعبد الله بْن القاسم القلعيّ، وأبي عيسى اللَّيْثّي، وأبي محمد الإربيلي، وأبي محمد بْن عَبْد المؤمن، وخَلَف بْن القاسم. وأجاز لَهُ من مصر الحسن بْن رشيق، ومِن بغداد أبو بحر الأبْهريّ، والدارقُطني، وكان من جهابذة المحدثين وكبار العلماء والحفاظ، عالمًا بالرجال، وله مشاركة في سائر العلوم.
стр. 9313
جمع من الكُتُب ما لم يجمعه أحد من أهل عصره بالأندلس. وكان يُملي من حفظه. وكان لَهُ ستّة ورّاقين ينسخون لَهُ دائمًا. وقيل: إنّ كُتبه بيعت بأربعين ألف دينار قاسميةّ. وتقلّد قضاء القُضاة في سنة أربعٍ وتسعين مقرونًا بالخطابة، وصُرف بعد تسعة أشهر. روى عَنْهُ: الصَّاحبان١، وأبو عَبْد الله بْن عابد، وابن أبيض، وسراج القاضي، وأبو عُمَر بْن عَبْد البَرّ، وأبو عُمَر بْن سُميق، وأبو عمر الطلمنكي، وأبو عمر ابن الحذّاء، وحاتم بْن محمد، وآخرون. وصنَّف كتاب " القصص"، وكتاب " أسباب النُّزُول"، وهو في مائة جزء، وكتاب " فضائل الصّحابة"، في مائة جزء، وكتاب " فضائل التابعين"، في مائة وخمسين جزاءًا، " والناسخ والمنسوخ"، ثلاثون جزءًا، " الأخوة من أهل العلم الصّحابة ومَن بعدهم"، أربعون جزاءًا، " وأعلام النبوة، ودلالة الرسالة"، عشرة أسافر، " وكرامات الصّالحات"، ثلاثون جزءًا، " ومُسند حديث محمد بن فُطيس"، خمسون جزاءًا، و"مسند قاسم بْن أَصْبغ العوالي"، ستّون جزءًا، " والكلام على الإجازة والمناولة"، في عدة أجزاء. وتوفي في نصف ذي القعدة، وصلى عَليْهِ ابنه محمد. وكان مولده في سنة ثمانٍ وأربعين وثلاثمائة. وقد ولي الوزارة للمظفّر بْن أَبِي عامر. فلمّا ولي القضاء تركَ زيّ الوزراء. وكان عدْلًا سديدًا في أحكامه، من بُحُور العلم، ﵀.
٦٦- عثمان بْن عيسى٢: أبو عَمْرو الباقلانيّ الزّاهد ببغداد. كَانَ ملازمًا للوحدة، وكان يكون منقطعًا. وقال مرّةً: أحبّ النّاس إليَّ من ترك السّلام علي لأنّه يشغلني عَنِ الذَّكْر بسلامه. وقال: أحسّ بروحي تخرج وقت غروب، يعني لاشتغاله عَنِ الذَّكْر بالإفطار.
أَنْبَأَنَا المسلم القَيْسي وغيره، أنّ أبا اليُمن الكنِدي أخبرهم: أَنَا عَبْد الله بْن أحمد اليُوسفيّ، أَنَا محمد بن علي الهاشمي، أَنَا عثمان بْن عيسى الزّاهد: حدثني أبو الحسن عَبْد الله بْن أَبِي النَّجْم مؤدب الطّائع لله: ثنا يحيى بْن حبيب العطّار قَالَ: بلغني أن رجلًا من العلماء قال: كتب أربعمائة ألف حديث ما العطّار قَالَ: بَلَغَني أنّ رجلًا من العلماء قال: كتبتُ أربعمائة ألف حديث ما انتفعت من الأربعة
стр. 9314
أحاديث إلا بأربع كلمات: فأوّل كلمةٍ: "أعمل لله عَلَى قدر حاجتك إِليْهِ". والكلمة الثّانية: " اعمل للآخرة عَلَى قدْر إقامتك فيها". والكلمة الثالثة: "اعمل للدُّنيا بقدر القُوت". والكلمة الرابعة: "اعصِ ربّك عَلَى قدْر جَلَدِكَ عَلَى النّار"١.
٦٧- عَليّ بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه: القاضي أبو القاسم النَّيْسابوريّ. تُوفي بطريق غَزْنَة.
٦٨- عَلِيّ بْن أحمد بْن محمد بْن يوسف القاضي أبو الحَسَن السّامرّيّ الرّفّاء٢. روى عَنْ: إبراهيم بْن عَبْد الصمد الهاشميّ، وحمزة بْن القاسم، وغيرهما.
روى عَنْهُ: سِبْطه أبو الحسين محمد بن أحمد بن حسنون النرسي، وعبد الرَّحْمَن بْن أحمد العِجلي الرّازيّ، وغيرهما. وثقه الخطيب. وقال: قَالَ لي سِبطه: ما رَأَيْته مُفطرًا قطّ.
٦٩- عليّ بْن دَاوُد بْن عبد الله٣: أبو الحسن الداراني القطان المقريء. قرأ القرآن على: أبي الحسن محمد بن النَّضْر بن الأخرم، وأحمد بْن عثمان السّبّاك، وغيرهما. وحدَّث عن: أبي علي الحصائري، وخيثمة الأطربلسي، وأبي الميمون راشد، وابن حَذْلَم. قرأ عَليْهِ: عليّ بْن الحسَن الرَّبعيّ، ورشأ بْن نظيف، وأحمد بْن محمد بْن مردة الإصبهاني. وحدَّث عنه: رشأ بن نظيف، وعبد الرَّحْمَن بن محمد الْبُخَارِيّ. وقال رشأ: لم ألق مثله حذفًا وإتقانًا، في رواية ابن عامر.
قَالَ عَبْد المنعم ابن النَّحْويّ: خرج القاضي أبو محمد بْن أَبِي الحسن العلويّ وجماعة من الشيوخ إلى دارَيّا إلى ابن دَاوُد، فأخذوه ليؤمّ بجامع دمشق في سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة.
وجاءوا بِهِ بعد أن منعهم أهلُ دارَيّا من ذَلِكَ، وجرت بينهم منافسة. قَالَ الحافظ ابن عساكر: فسمعت ابن الأكفانيّ يحكي عَنْ بعض مشايخه الّذين أدركوا ذَلِكَ أن أبا الحسن بْن دَاوُد كَانَ إمام داريّا، فمات إمامُ الجامع، فخرج أهل دمشق إلى داريّا ليأتوا بِهِ ليصلّي بدمشق. فلبس أهل داريّا السّلاح وقالوا: لا، لا نمكنُكم من أخذ إمامنا.
стр. 9315
فقال أبو محمد بْن أَبِي نُمَيْر: يا أهل داريّا، أما ترضون أن يُسمع في البلاد أن أهل دمشق احتاجوا إليكم في إمام؟ فقالوا: قد رضينا. فَقُدمَتْ لَهُ بغْلَة القاضي، فأبي وركب حَمارَه، ودخل معهم وسكن في المنارة الشرقية. وكان يُقرئ بشرقّي الرواق الأوسط. ولا يأخذ عَلَى الصّلاة أجرًا، ولا يقبل ممّن يقرأ عَليْهِ بِرًّا. ويقتات مِن غلّة أرض لَهُ، بداريّا. يحمل ما يكفيه مِن الحنطة كلّ جمعة، ويخرج بنفسه إلى طاحونة لمسكين خارج باب السّلامة فيطحنه ثمّ يعجنه ويخبزه. وقال: الكتّانيّ: تُوُفّي ابن دَاوُد في جمادى الأولى وكان ثقة انتهت إليه، الرئاسة في قراءة الشّاميين. حضرت جنازته، ومضى على سداد. وكان يذهب إِلَى مذهب أَبِي الْحَسَن الْأَشْعَرِيِّ، قاله الكّتانيّ.
٧٠- عليّ بْن محمد بْن أحمد بْن إدريس١: أبو الحَسَن الرَّمْليّ الأنماطيّ. روى عَنْ: خَيْثَمَة بْن سليمان، وأبي الميمون بن راشد، وأبي الحسن بن حذلم، وجماعة. روى عن: رشأ بْن نظيف، وَأَبُو عَلِيّ الْأهوازي، وَأَبُو القاسم بن الفُرات. وتُوفي في ربيع الآخر سنة اثنتين وأربعمائة.
٧١- عليّ بْن محمد بْن عَلّوية البغداديّ الْجَوهريّ٢: حدث عَنْ: محمد بْن حَمْدَوَيْه المَرْوِزِيّ، ومحمد بْن الحَسَن الأنباريّ، وغيرهما. روى عَنْهُ أهل بغداد. قَالَ الخطيب: كَانَ ثقة.
"حرف الميم":
٧٢- مُحَمَّدُ بْن أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم. أبو أحمد الغُورَجِيّ الهَرَويّ. قُتل هُوَ وابنه أبو الحسن بداره في رمضان.
٧٣- محمد بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن عبد الرحمن بن يحيى بْن جُمَيْع٣: أبو الحُسَين الصَّيْداويّ، الغسّانيّ. رحل وطوّف في الحديث، فسمع بمكّة: أبا سَعِيد بْن الأعرابيّ، وبالبصرة: أبا رَوْق الهزّانيّ، وبالكوفة: أبا العبّاس بْن عُقدة، وببغداد: الحسين المُطبقي، وأبا عَبْد الله المَحَامِليّ، وابن مَخْلد، وبمصر: أبا الطاهر