← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يقول إن الشافعي قد عكف على كتابة الأم، وألفه في هذا الوضع النهائي لا لشيء إلا لأن في أوائل الكلام: «حدثنا الربيع» وفي خلاله: «قال الربيع»!! ولو قد قرأ الدكتور كتاب الأم حقا لألفى في أطوائه كثيراً من الأدلة على أنه له ومن وضعه، ولمنعته تلك الأدلة من تقليد الدكتور زكي مبارك، الذي تلقف كلمة الغزالي التي نقلها - دون تعقل أو إدراك - عن أبي طالب المكي، ذلك الصوفي السالمي الذي شطح ونطح وأخرج تلك الكلمة الخبيثة الخاملة التي قالها عن خمول البويطي وتأليفه للأم ومنحه للربيع الذي سارع إلى نسبته له دون أن يردعه عن ذلك الفعل الشائن رادع من حياء أو زاجر من ورع. وحاشا للربيع الثقة الأمين، ذي الدين الثخين والورع المكين - أن يقدم على ارتكاب تلك الحماقة التي تلوث شرفه، وتسمه بمسيم الضعة والهوان. ومن الجدير بالذكر أن قول أبي طالب المكي وقول الغزالي - إن صح تسميته قولا - قد ظل رهين كتابيهما، لم ينقله أحد ولم يعرض له عالم بتقريظ أو توهين إلى أن جاء الدكتور زكي مبارك فنفخ فيه من تمويهه وتلبيسه حتى غرّ به أقواماً فتبعوه وتقلدوه وفي مقدمتهم الدكتور أحمد أمين والمستشرق بروكلمان. وكان من قدر الله لإظهار الحق المبين في هذه المسألة: أن البيهقي قد نقل في مناقب الشافعي عن الربيع أنه قال: إن الشافعي قد ألف بمصر كتاب الأم في ألفي ورقة: وهو قول عظيم يلقف ما صنع المنكرون، ويدحض اقوالهم ويمحق باطلهم الذي جاؤا به من عند أنفسهم بغيا بغير الحق، أو تقليداً دون حجة قاطعة، أو برهان ناهض.

стр. 37

وإني مورد نص البيهقي بسنده؛ ليكون القارئ على بينة من أمره. قال البيهقي ٣/ ٢٩١: «قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، ﵀، عن الزبير بن عبد الواحد، قال: حدثني محمد بن سعيد، قال: حدثنا الفريابي - يعني أبا سعيد - قال: قال الربيع بن سليمان: أقام الشافعي ها هنا أربع سنين، فأملى ألفا وخمسمائة ورقة. وخرج كتاب «الأم» ألفي ورقة. وكتاب السنن، وأشياء كثيرة، كلها في أربع سنين». وما أظن المنكرين وتابعيهم بغير إحسان يجادلون البيهقي فيما قرأ وروى أو يمارون الربيع فيما شهد ورأى. وأي شهادة أكبر عند العقلاء من شهادة الربيع بأن الشافعي هو الذي ألف كتاب الأم كله، وأنه سطره في ألفي ورقة؟ ولقد أحسن البيهقي صنعا في سرده لأسماء الكتب التي اشتمل عليها «الأم» ١/ ٥٤٧ - ٢٥٤ وصدر سرده بقوله: «ومن الكتب التي هي مصنفة في الفروع، وهي التي تعرف بالأم. . . .» وتسمية البيهقي لأسماء «كتب الأم» لها خطرها وقدرها، ولا مناص من تصديقه فيما قال؛ لأنه رجل جمع كتب الشافعي وأنفق حياته في درسها وترتيبها وتصنيفها، والانتصار لحديثها، ونشرها بين الناس، واتخاذها أساسا لمصنفاته حتى بالغ إمام الحرمين في قوله عنه: «ما من شافعي إلا وللشافعي في عنقه منة

стр. 38

إلا البيهقي؛ فإن له على الشافعي منة لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله». ولو لم يكن فينشر كتاب «مناقب الشافعي» إلا هذه الفائدة الخاصة بكتاب الأم - لكان ذلك مغنما عظيما يضع الصواب في نصابه، ويرد الحق لصحابه، فكيف وقد اشتمل على فوائد لا تحصى تتعلق بحياة الشافعي الخاصة والعامة، وحياة أهله وصحبه وتلاميذه، وتضمن فوق ذلك دقائق علم الشافعي في التفسير والحديث والفقه، واللغة والأدب، وغير ذلك. * * * ولقد كان «مناقب الشافعي» للبيهقي المصدر الأول لكل من أتى بعده، وترجم للشافعي بترجمة مفردة أو غير مفردة. وممن اعتمد عليه، وأكثر من النقل عنه: ياقوت الرومي في معجم الأدباء، وابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن كثير في كتابيه: طبقات الشافعيين، والبداية والنهاية، والنووي في تهذيب الأسماء واللغات، وفخر الدين الرازي في مناقب الشافعي، والسبكي في طبقات الشافعي. وغيرهم كثير. وقد لخص ابن حجر أكثر فصوله في كتابه «توالي التأسيس، بمعالي ابن إدريس» وقال في مقدمة هذا الكتاب: «إن البيهقي صنع لكتاب المناقب ذيلا». ولم أر من ذكر ذيل المناقب هذا بأي لون من ألوان الذكر. ولا يتخالجني ريب في أن ابن حجر يقصد بهذا الذيل كتاب «نوادر الحكايات عن الشافعي» الذي ذكره البيهقي في المناقب حيث يقول ١/ ١٤٢ «. . . وقد أخرجته في «نوادر الحكايات» في آخر الكتاب».

стр. 39

وذكره أيضا بقوله ٢/ ٣٦٨ «وله حكايات لم يتفق إخراجها في كتاب «المناقب» وأخرجتها في جزء». و «نوادر الحكايات» هذا هو التالي في النشر لكتاب المناقب، إن شاء الله ذلك وقدّره. * * * وقد اعتمدت في نشر المناقب على ثلاث نسخ: النسخة الأولى ورمزها (ا) كتبها «أحمد بن عبد الخالق بن محمد بن عبد الله بن أبي هشام، القرشي، الشافعي، الدمشقي» وكان فراغه من كتابتها في اليوم الثامن والعشرين من شهر جمادى الأول، سنة أربع وتسعين وخمسمائة. وهي نسخة كبيرة الخط، حسنة النص، وعدد أوراقها ٢٣٤ ورقة. والنسخة الثانية، ورمزها (ح) كتبها «معمر بن يحي بن أبي الخير بن عبد الغني، المكي، المالكي» وقد أنهى كتابتها في عصر الجمعة الثالث من شهر ربيع الآخر، من شهور سنة ثلاث وسبعين وثمانمائة. وقد قوبلت في تسعة وعشرين مجلسا. وجاء في هامش الورقة الأخيرة: «بلغ مقابلة في المجلس التاسع والعشرين، في شعبان عام ثلاثة وسبعين وثمانمائة، بالمسجد الحرام، على غير أصل» وعدد أوراقها ١٧٦ ورقة، وخطها دقيق، ولكنها في جملتها أصح من النسخة الأولى. والنسخة الثالثة، ورمزها (هـ) وليس فيها ما يدل على اسم ناسخها ولا على تاريخ ناسخها، بيد أنه جاء على الصفحة الأولى منها عبارتان: الأولى

стр. 40

فوق العنوان، والثانية تحته، ونص الأولى: «من كتب حجى الحسبانى» ونص الثانية: «من كتب يحيى بن حجي الشافعي». والأول هو: حجي بن موسى بن أحمد السعدي، الحسباني، الشافعي، فقيه الشام ومحدثها. ولد سنة ٧٢١ وتوفي سنة ٧٨٢ والثاني هو: يحيى بن محمد بن عمر بن حجي بن موسى بن أحمد السعدي الحسباني، الدمشقي، المعروف بابن حجي. ولد بدمشق سنة ٨٣٨ وتوفي بالقاهرة سنة ٨٨٨ وصلى عليه بالأزهر ودفن بالقرب من ضريح الشافعي. وهذه النسخة جميلة الخط، حسنة التنسيق، ولكنها أقل النسخ شأنا، وأخفها وزنا؛ لكثرة ما فيها من تصحيف وتحريف، ولذلك لم أثبت فروقها، لأنه لا جدوى من إثباتها الا بزيادة حجم الكتاب وهذه النسخ الثلاث مصورة عن أصولها المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث بتركيا. وأرقامها حسب توالي ذكرها ٢٧٠ حديث، ٨١٩، ٧١٨. وإنه ليطيب لي بهذه المناسبة أن أتوجه بالشكر الجزيل لجميع القائمين على شئون المكتبات في تركيا؛ لحسن عنايتهم بما أطلب تصويره. وأرجو أن تظل معونتهم شاملة لجميع الباحثين، وأن لا يصرفهم عنها ما يفعله بعض السفهاء هنا أو هناك، كما حدث أخيراً؛ فإن وضع العوائق أمام الراغبين في تصوير لكتب أمر يجافي سنن العلم، وينافي مواجب الأخوة، ولا ينبغي لكرامة الدولة. وما إخالهم إلا عادلين إلى ما كانوا عليه من معونة العلماء وتلبية طلباتهم

стр. 41

أنَّى كانوا من أرض الله. وفقنا الله جميعا لما فيه رضاه، وجمع قلوبنا على حب تراثنا والتعاون على نشره على أساس علمي قويم. * * * ولعل من طرائف الموافقات: أن أكتب مقدمة مناقب الشافعي في آخر شهر رجب من سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة وألف من هجرة المصطفى، ﷺ ، وقد كانت وفاة الشافعي في آخر يوم من شهر رجب سنة أربع ومائتين. فليكن عملي في هذا الكتاب تحية متواضعة للشافعي، في ذكرى مرور ألف ومائة وسبع وثمانين سنة على وفاته. طيب الله ثراه، وتقبل عنه أحسن ما عمل، كفاء ما بذل من وقت وجهد في فقه الكتاب، ونصر السنة، وتجليتهما للناس في أسلوب بارع، وحوار رائع، يبهر العقول، ويسحر النفوس، ويهدي إلى سواء الصراط. السيد أحمد صقر القاهرة في يوم الاثنين ٣٠ من رجب ١٣٩١ هـ ٢٠ من سبتمبر ١٩٧١ م

стр. 42

البيهقي في سطور • هو أبو بكر: أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي (١). • ولد في شعبان سنة ٣٨٤ في «خُسْرَوْجِرْد» إحدى قرى «بَيهَق» بنواحي «نَيْسَابُور». • مات في جمادى الأولى سنة ٤٥٨. • أول سماعه للعلم سنة ٣٩٩. • رحل إلى العراق والجبال والحجاز. • كان ورعا زاهداً تقيا، تابع الصيام مدة ثلاثين سنة. • تتلمذ على طائفة من العلماء من أشهرهم الحاكم (٣٢١ - ٤٠٥) مؤلف المستدرك على الصححين. وابن فورك الأصبهاني، المتوفى سنة ٤٠٦ وأبو عبد الرحمن السلمي (٣٠٣ - ٤١٢) وأبو منصور البغدادي المتوفى سنة ٤٢٩ وأبو محمد الجويني، المتوفى سنة ٤٣٨. • تتلمذ عليه جماعة من أشهرهم: أبو عبد الله الفراوي (٤٤١ - ٥٣٠)، وقد روى عنه كثيرا من كتبه ومنها «مناقب الشافعي» ومنهم ابنه: إسماعيل بن أحمد البيهقي، المتوفى سنة ٥٠٧. وحفيده: عبيد الله بن محمد بن أحمد البيهقي، المتوفى سنة ٥٢٣. وأبو المظفر القشيري (٤٤٥ - ٥٣٢) وهو من رواة كتاب المناقب. • ألف كتبا كثيرة، طبع منها: السنن الكبرى، وأحكام القرآن، والأسماء

стр. 43

والصفات، والاعتقاد، والقراءة خلف الإمام، وحياة الأنبياء في قبورهم، ودلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة، ﷺ ، ومعرفة السنن والآثار. • قال عنه الذهبي (٦٧٣ - ٧٤٨): «قَلّ من جود تواليفه مثل الإمام أبي بكر البيهقي، فتصانيفه عظيمة القدر، فينبغي للعالم أن يعتني بها» • قال النووي: (٦٣١ - ٦٧٦): «المصنفات في مناقب البيهقي كثيرة، ومن أحسنها وأثبتها كتاب البيهقي، وهو مجلدان ضخمان، مشتملان على نفائس من كل فن، استوعب فيهما معظم أحواله ومناقبه، بالأسانيد الصحيحة، والدلائل الصريحة»

стр. 44

مناقب الشافعي للبيهقي ٣٨٤ - ٤٥٨ تحقيق السيد أحمد صقر

стр. 45

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربّ يسّر وأعن ووفِّق أخبرنا الإمامان: أبو عبد الله: محمد بن الفضل الْفُرَاوِيّ (١)، وأبو المُظَفّر: عبد المنعم بن عبد الكريم القُشَيْرِي (٢)، في كتابيهما، قالا: أنبأنا الإمام أبو بكر: أحمد بن الحسين البَيْهَقِيّ، قراءة عليه، قال: الحمد لله [الأول] (٣) القديم، الربّ الرحيم، الذي ليس له في ذاته وصفاته نَظِيرٌ أو شَبِيه، ولا في ملكه وتدبيره عَدِيلٌ أو شريك، فهو الله الأَحَد الصَّمَد، الذي لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كُفْوَاً أَحد. والحمد لله الذي أنشأ الخلق بقدرته، وكرّم بني آدم بما شاء من نعمته، وبعث فيهم النّبيين والمرسلين، مبِّشرين بالجنة من أطاعه، ومُنْذِرين بالنّار من عصاه. وخصّنا بالنبي الأمي العربي، القرشي الهاشمي المكي، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب. أرسله إلى كافة الخلق بين يَدَي السّاعة بشيراً ونذيراً،

стр. 46

وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً. صلى الله عليه وعلى آله، كلّما ذكرَهُ الذاكرون وغفَل عن ذكره الغافلون. وأنزل معه الكتاب المُسْتَبين، وبين على لسانه الدينَ القويم، ودعا إليه مَنْ جعله من أهل التكليف أجمعين، وهدى من أنعم عليه بالتّوفيق الصراطَ المستقيم، فقال فيما أنزل عليه (١): ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢)﴾ فتركه، ﷺ ، في أمّته حتى بلّغ الرسالة، وأدّى النصيحة، وعلّمهم الكتابَ والحكمة. ثم قبضه (٣) إلى رحمته، وقد ضَمِنَ فيما أنزل عليه حِفْظَ كتابه، فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٤)﴾ وقال على لسان رسوله، ﷺ : ما أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله، الحافظ، ﵀، أنبأنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الصفّار، حدثنا أحمد بن مِهْران (٥)، قال: أنبأنا عبيد الله (٦) بن موسى، حدثنا إسماعيل، عن قيس، عن المغيرة

стр. 47

ابن شُعْبَةَ، عن النبي، ﷺ ، قال: «لا يزال رجالٌ من أمتي ظاهرين حتى يأتيهم أَمْرُ الله وهم ظاهرون (١)» وأخبرنا أبو الحسن: علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، ببغداد، قال: أنبأنا أبو جعفر: محمد بن عمْرو الرَّزَّاز، أنبأنا أحمد بن عبد الجبّار العُطَارِدِيّ، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس (٢)، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزال (٣) طائفةٌ من أمتي ظاهرين على الدّين عزيزة إلى يوم القيامة». أخبرنا أبو الحسن: علي بن عمر بن حَفْص المقرئ، ببغداد، أنبأنا أحمد بن سليمان الفقيه، حدثنا عبد الملك بن محمد، حدثنا سعيد بن عامر، حدثنا شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 48

«لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرّهم من خذلهم حتى تقوم الساعة (١)». ورواه أيضاً معاوية بن سفيان، وثَوْبَان، مولى رسول الله، ﷺ ، وغيرهما، عن النبي، ﷺ . سمعت أبا عبد الله: محمد بن عبد الله، الحافظ، يقول: سمعت أبا عبد الله: محمد بن علي بن عبد الحميد الأَدَمِي بمكة، يقول: سمعت موسى بن هارون، يقول: سمعت أحمد بن حنبل، وسُئِلَ عن معنى هذا الحديث، فقال: إن لم تكن هذه الطائفةُ المنصورةُ أصحاب الحديث فما (٢) أدرى من هِم (٣)؟! أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا إبراهيم بن إسماعيل [القارئ (٤)] حدثنا يحيى بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو الربيع: سليمان بن داود العَتَكِي،

стр. 49

حدثنا حمّاد بن زيد، حدثنا بَقِيَّة بن الوليد، حدثنا مُعَان (١) بن رِفَاعَةَ، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْرِي، عن أبيه - كذا في كتابي - قال: قال رسول الله، ﷺ : «يَرِثُ هذا العلمَ من كل خلَفٍ عُدُولُه، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المُبْطِلين، وتأويل الجاهلين (٢)». ورواه أبو القاسم البَغَوِي، عن أبي الرّبيع، دون ذكر أبيه فيه. وكذلك رواه إسماعيل بن عيّاش، عن مُعَان بن رفاعة السّلامي.

стр. 50

ورواه الوليد بن مسلم، عن إبراهيم بن عبد الرحمن: كما أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد بن الخليل المَالِينِي، حدثنا أبو أحمد ابن عبد الله بن عَدِي الحافظ، أنبأنا الحسن بن سفيان، حدثنا إبراهيم - يعني ابن أيوب الحُورَانِي الدمشقي - حدثنا الوليد، حدثنا إبراهيم بن عبد الرحمن، حدثنا الثقة من أشياخنا قال: قال رسول الله، ﷺ . نحوه. وبمعناه رواه أبو عمير، عن الوليد بن مسلم. ففي وعد الله، جل وعز، حفظ كتابه العزيز عن الزيادة فيه، والنقصان عنه، والإتيان بمثله، ووَعْدُه حق. وفي وعد رسول الله، ﷺ ، قَائِمُونَ بكتاب الله، ، ثم بسنته، ﷺ ، ظاهرون، ينفون عنها تحريفَ الغالين، وانتحالَ المبطلين، وتأويلَ الجاهلين، ووعدُه صدق. وقد وجدنا بحمد لله ومَنِّه كتابه العزيز الذي أنزله على عبده قَيِّماً لم يجعل له عِوَجاً، ولا إلى الزيادة فيه أو النقصان عنه أو الإتيان (١) بمثله - لأحدٍ من خلقه سبيلا. ووجدنا عالمين بكتاب الله، ، وسنة نبيه، ﷺ ، عارفين بمعانيهما، مستنبطين عنهما ما فيهما، من بيان الشريعة نصًّا أو دلالةً، قائمين بالحق ظاهرين، مِنْ عَصْرِ نبينا، ﷺ ، إلى يومنا

стр. 51

هذا، يتبع بعضهم بعضًا، إليهم رُجوعُ الخلقِ في تعلم الحق، في الشرق والغرب، أصولهم في دينهم (١) واحدة، وفروعهم على اختلاف اجتهادهم بالأصول مُلحقه (٢)، وأحكامهم - على ما يؤدي إليه اجتهادهم - ماضية. وهم في أداء (٣) كل واحد منهم في الظاهر ما كلّف - مجتمعون، وإن كانوا في الصورة مختلفين؛ ولذلك قال سيدنا المصطفى، ﷺ : ما أخبرنا أبو الحسن: محمد بن الحسين بن داود العلوي، ﵀، قال (٤): حدثنا أبو حامد بن الشَّرْقِي، حدثنا محمد بن يحيى، وأبو الأزهر، وعبد الرحمن بن بشر، وأحمد بن يوسف؛ قالوا: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حوم، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله، ﷺ : «إذا حكم الحاكم فاجتهد (٥) فأصاب كان له أَجْرَان، فإن اجتهد وأخطأ (٦) كان له أجر (٧)».

стр. 52

ورواه أيضًا يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهَادِ، عن أبي بكر ابن محمد (١). فجعل النبي، ﷺ ، للمصيب من المجتهدين أجرين: أحدهما على ما تكلّف (٢) من الاجتهاد، والآخر على ما أصاب من الحق. وجعل للمخطئ منهما أجراً على اجتهاده، وجعل خطأه مرفوعاً عنه، عَفْواً من الله عنه [سبحانه] بفضله وجوده، حتى أصبحنا بحمد الله ونعمته على بَيِّنة من ربنا، وبصيرة من ديننا، ليس لنا في كتاب الله شك، ولا في شريعة نبينا، ﷺ ، إشكال لا مخرج لنا منه. وقد حذرنا نبينا، ﷺ ، ما كان بعده من الاختلاف والفرقة، ودلّنا على ما وجب علينا من التمسك به، فقال في حديث العِرْبَاضِ بن سارية: ما أخبرنا أبو الحسن: علي بن أحمد بن الحَمَّامِي، أنبأنا أحمد بن سَلْمَان (٣)، حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، حدثنا أبو عاصم. وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا العباس بن محمد الدُّورِي، حدثنا أبو عاصم (٤)، حدثنا ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدَان، عن عبد الرحمن بن عمرو السلمي، عن العِرْباض بن سَارِية، قال:

стр. 53

صلّى بنا رسول الله، ﷺ ، صلاة الصبح، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة وجِلَت منها القلوب، وذَرَفَتْ منها العيون. فقلنا: يا رسول الله، [صلى الله عليك (١)] كأنها موعظة مُودِّع، فأوصنا. فقال: «أوصيكم بتقوى الله تعالى، والسمع والطاعة (٢) وإن أُمِّر عَليكم عَبْدٌ؛ فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين (٣) المهديين، عضُّوا عليها بالنَوَاجِذِ. وإياكم ومُحْدثَات الأمور؛ فإن كل بدعة ضلالة (٤)» لفظ حديث الدّوري (٥)، وفي رواية الرقاشي (٦): «فإن كل مُحدَثةٍ بدعة، وكلّ بدعة ضلالة». ورواه أيضاً حُجْر بن حجر (٧)، ويحيى بن أبي المُطَاع (٨)، عن العرباض ابن سارية، عن النبي، ﷺ .

стр. 54

فاستمسك بها من كان في وَعْدِ نبينا، ﷺ ، من القائمين بسنته في الصدر الأول، ثم الذي يلونهم، (١٢ ثم الذين يلونهم (١) لا يبالي أحدهم (٢) بأن يتبع الحق حيث وجده، ولا يَرغَب عن قبوله ممن سمعه؛ وذلك لتقواهم الله تعالى وخشيتهم إياه. ولذلك ولغيره من المعاني قال النبي، ﷺ : ما في حديث عبد الله (٣) بن مسعود وغيره: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، حدثنا إسماعيل بن محمد الصفّار، قال حدثنا محمد بن أبي داود، حدثنا وهب بن جرير، حدثنا شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن عَبِيدَةَ، عن عبد الله، قال: قال رسول الله، ﷺ : «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يخلف قوم تسبق شهادتُهم أيمانَهم، وأيمانُهم شهادتَهم (٤)». قال أحمد (٥ البيهقي، رحمه الله تعالى ٥): ثم اختلفت (٦) الأهواء، وكثرت الآراء، حتى ذهب بعضهم إلى ترك القول بالسنة، وتمسك كثير من أتباع من مضى من العلماء بما بلغهم من أقوالهم،

стр. 55

وقد كانت من بعضهم الزلة فيما لم يبلغه من السنة، أو غفل عن موضع الحجة، فلم يرجعوا عنها حين (١) بلغهم؛ ولذلك (٢) قال عبد الله بن عباس، ﵁: ما أخبرنا أبو محمد: عبد الله بن يحيى بن عبد الجبّار السّكري، ببغداد، حدثنا أبو بكر: محمد بن عبد الله الشافعي: حدثنا جعفر بن محمد الأزهر، حدثنا الفضل (٣) بن غَسَّان، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد، عن المثني ابن سعيد، عن أبي تميمة، عن أبي العالية (٤) قال: قال ابن عباس: ويل للأتباع من زلات العالم. قال: قيل: وكيف ذلك؟ قال: يقول العالم الشيء برأيه فيلقى من هو أعلم منه برسول الله، فيخبره فيرجع، وتقضي الأتباع بما حملت. قال أحمد: فإذا (٥) عُورِضوا بالسنة، أو عُورِضَ بها من ذهب إلى رد الأخبار الصحيحة، قالوا: ما أخبرنا أبو محمد: عبد الله (٦) بن يحيى السكري، حدثنا إسماعيل بن محمد

стр. 56

الصفّار، حدثنا عباس بن عبد الله التَّرْقُفي (١)، حدثنا محمد بن المبارك (٢)، حدثني يحيى بن حمزة، حدثني محمد بن الوليد الزُّبيدي، عن مروان بن رُؤْبة (٣) أنه حدثه عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجُرَشِي (٤)، عن الْمِقدَام بن مَعْدِي كَرِبٍ الكِنْدِيّ، عن النبي، ﷺ ، أنه قال: «أُوتيت الكتابَ وما يعدله - يعني مثله - يوشك شَبْعَان على أريكته يقول: بيننا وبينكم هذا الكتاب: فما كان فيه من حلال أحللناه، وما كان من حرام حرمناه، ألا وإنه ليس كذلك. ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا (٥) الحمار الأهلي» وذكر الحديث (٦).

стр. 57

ورواه أيضاً حريز (١) بن عثمان، عن ابن أبي عوف (٢). ورواه الحسن (٣) ابن جابر (٤) عن المقدام. وربما يعتل بعض أتباع من معنى بأن ما عورض (٥) به من السنة، لو كان صحيحاً لم يتركه صاحبه. فيعتمد رواة (٦) قول صاحبه، ولا يعتمد على رواة قول نبيه، ﷺ . ويقلد قول صاحبه، وربما لم تبلغه تلك السنة، أو غفل عن موضع الحجة، ولا يرى أن يقلد [قول] (٧) نبيه، ﷺ . والمذهب الصحيح في هذا مذهب السلف ومن ذهب مذهبهم من الخلف في ملازمة (٨) السنة (٩ وترك الميل عنها إلى البدعة. وليس كل أحد يعرف مذهب السلف أو من تبعهم من الخلف في متابعة السنة ٩) ومفارقة البدعة. فلو ترك من ليس له آلة الاجتهاد (١٠) في طلب الأصح أو الأرجح (١١) في الأقاويل المختلفة

стр. 58

دون الدلالة على من (١) هو أولى المتابعة - لبقى متحيراً لا يهتدي ولا يعلم من يهدي (٢) فوجدنا في سنة النبي، ﷺ ، أوضح العلامة، وأبين (٣) الدلالة على من هو أحق بالاتباع من علماء الأمة بعد ظهور البدعة وغلبة أهلها، ومن أولاهم بأن يُقدَّم (٤) ويؤخذ منه العلم، حتى تكون (٥) الطائفة المنصورة الموعودة، متصلة بأمثالها في القيام بالحق، قبل ظهور الفرقة وبعدها إلى يوم القيامة. ونحن نذكر بمشيئة الله تعالى من أسانيد تلك السنة ما حضرنا في (٦) أبواب مترجمة، وبالله التوفيق والعصمة.

стр. 59

باب ما جاء في تخصيص قريش بالتقديم والاتباع، والتعلم منهم؛ لكثرة علمهم، ورجحان عقلهم، وقوة رأيهم، وما في بعضه (١) من الإشارة إلى الشافعي، ﵀، لزيادة علمه من بين قريش بعد الصحابة، ﵃، وانتشاره في مشارق الأرض ومغاربها، وانتفاع المسلمين به. أخبرنا أبو طاهر: محمد بن محمد بن مَحْمِش الفقيه، ﵀، أنبأنا أبو بكر: محمد بن الحسين القطان، حدثنا أحمد بن يوسف السُّلَمي، حدثنا عبد الرازق، أنبأنا معمر، عن همام بن منبه، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة. فذكر أحاديث (٢). قال: وقال رسول الله، ﷺ : «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم تبع لمسلمهم، وكافرهم تبع لكافرهم (٣)». أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو النضر: محمد بن محمد ابن يوسف الفقيه، حدثنا عثمان بن سعيد الدارمي (٤)، حدثنا أبو الوليد،

стр. 60

حدثنا عاصم بن محمد، سمعت أبي يحدث عن ابن عمر، عن النبي، ﷺ ، قال: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان» (١). أخبرنا أبو الحسين: محمد بن الحسين (٢) بن الفضل القطان، أنبأنا عبد الله ابن جعفر بن دَرَسْتَويه، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا عبيد الله (٣) - هو ابن موسى - عن شَيْبان، عن الأعْمش، عن سَهل - يُكنى أبا أسد - عن بُكَير الجزري (٤)، عن أنس، عن النبي، ﷺ ، قال: «الأئمة من قريش (٥)». وأخبرنا أبو الحسن: علي بن عبد الله بن علي الْخُسْرَوْجِرْدِي، أنبأنا أبو بكر: أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أنبأنا أبو إسحاق: إبراهيم بن هاشم ابن الحسن البَغَوِيّ، حدثنا الحسين (٦) بن إبراهيم الكلبي، حدثنا إبراهيم

стр. 61

ابن سعد، عن أبيه، عن أنس بن مالك: أن النبي، ﷺ ، قال: «الأئمة من قريش ..» وذكر باقي (١) الحديث. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني أبو عبد الله: محمد بن علي بن عبد الحميد الأدمي بمكة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنبأنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن زيد بن أَسلَم (٢)، قال: قال رسول الله، ﷺ : «صُلْبُ الناس قريش، وهل يمشي الرجل بغير صلب» (٣)؟. أخبرنا أبو عبد الله، قال: أخبرنيه (٤) أبو الحسن: محمد بن عبد الله بن محمد بن صبيح، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا عبد الله بن إسحاق الجوهري، حدثنا عبيد بن عبد الرحمن، حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد، حدثني سعيد بن عمرو، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله، ﷺ . نحوه. وبهذا الإسناد قال: قال جابر بن عبد الله: سمعت (٥) رسول الله، ﷺ ، يقول

стр. 62

«خيار قريش خيار الناس، وقريش كالملح، وهل (١) يطيب طعام إلا به؟ ولولا أن تَطْغَى قريش لأخبرتها بما لها عند الله، (٢)». أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا (٣) أبو الفضل: الحسن بن يعقوب العَدْل، حدثنا يحيى بن أبي طالب، حدثنا يزيد بن الحُبَاب، أنبأنا ابن أبي ذِئب، عن سعيد بن سعيد المقبري (٤)، عن كعب قال: «نجد في الكتاب أنّ قريشاً هي الكَتَبةُ الحَسَبَةُ، ملح هذه الأمة». أخبرنا أبو طاهر الفقيه، أنبأنا أبو بكر: محمد بن الحسين القطان، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن مالك بن مِفْوَل، عن الشعبي، عن عامر بن شهر (٥)، قال: قال رسول الله، ﷺ : «انظروا قول قريش، واسمعوا قولهم، ولا تعملوا بأعمالهم (٦)». أخبرنا أبو نصر: عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة، أنبأنا أبو محمد:

стр. 63

أحمد بن إسحاق بن البغدادي الهَروِيّ، أنبأنا علي بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرني شُعَيْب بن أبي حمزة، عن الزّهري، قال: كان أبو بكر بن سليمان بن أبي حَثْمَةَ - وكان من علماء قريش - يقول: بلغنا أن رسول الله، ﷺ ، قال: «لا تُعلِّموا قريشا وتعلَّموا منها، ولا تقدَّموها ولا تأخَّروا عنها، فإن للقرشي مِثلي قوة الرجل من غير قريش». هكذا رواه شعيب بن أبي حمزة. ورواه محمد بن الوليد الزّبيدي، عن الزهري، عن عبد الله بن وَاقِد، عن أبي بكر بن سليمان، عن النبي، ﷺ : وهو مرسل (١) جيد. وقد روى موصولا ومرسلا من أوجه أخر: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو طاهر: محمد بن محمد بن مَحْمِش الفقيه، وأبو زكريا: يحيى بن إبراهيم بن محمد بن يحيى، وأبو سعيد: محمد بن موسى؛ قالوا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأنا (٢) ابن أبي فديك، قال: حدثني بن أبي ذِئْب، عن ابن

стр. 64

شهاب، عن طلحة بن عبد الله بن عوف، عن عبد الرحمن بن أزهر، عن جُبَيْر بن مُطْعِم؛ أن رسول الله، ﷺ ، قال: «للقرشيّ مثل قوة الرجلين من غير قريش» (١). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأنا عمر بن حفص السَّدوسي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا ابن أبي ذئب بهذا، وقال: قال الزهري: وما (٢) أريد بذلك إلا نبل (٣) الرأي. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، أنبأنا أبو الحسن: علي بن محمد بن محمد ابن عقبة الشّيباني، بالكوفة، حدثنا أحمد بن محمد بن إبراهيم المَرْوَزِي الحافظ، حدثنا يعقوب بن حميد (٤)، حدثنا إبراهيم بن محمد بن ثابت (٥)، حدثنا عمرو بن أبي عمرو - مولى المطلب - عن المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب، عن جُبَيْر بن مُطْعِم، أن النبي، ﷺ ، قال:

стр. 65

«يا أيها (١) الناس، لا تقدَّموا قريشا تهلكوا (٢)، ولا تخلَّفوا عنها فتضِّلوا (٣)، لا (٤) تُعلِّموها وتعلَّموا منها (٥)؛ فإنهم أعلم منكم. لولا أن تبطر قريش أخبرتها بالذي لها عند الله تعالى (٦)» أخبرنا أبو الحسن: علي بن أحمد بن عبدان الكاتب، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفّار، حدثنا أحمد بن إبراهيم بن مِلْحَان، حدثنا ابن بُكَيْر، حدثنا اللّيث، عن ابن الهاد، عن إبراهيم بن سعد (٧)، عن محمد بن عكرمة، عن عبد الله بن أبي مُلَيْكَةَ، أن أبا قتادة السّلمي، قال لخالد بن الوليد يوم الفتح: هذا يوم يذل الله فيه قريشاً. فقال بعض أصحاب النبي ﷺ : ألا تسمع ما يقول أبو قتادة؟ فقال رسول الله، ﷺ : «مهلا يا أبا قتادة، فإنّك لو وَزَنْت رأيك برأيهم لحَقَرْتَ رأيك مع رأيهم، ولو وَزَنْتَ حلمك مع أحلامهم لحَقَرْتَ حلمك مع أحلامهم. ولا تعلِّموا قريشا وتعلَّموا منها؛ فلولا أن تبطر قريش لأخبرتهم بما لهم عندَ رب العالمين (٨).

стр. 66

وكذلك رواه أبو صالح (١) كاتب الليث، عن الليث. ثم قال أبو صالح: وقد سمعت من (٢) إبراهيم بن سعد. ورواه المطلب بن عبد الله بن حَنْطَب، ومحمد بن إبراهيم التَّيْمِي، ببعض معناه، وقالا: «قتادة بن النعمان» بدل «أبي قتادة». وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو بكر: محمد بن أحمد بن بَالَويْه (٣)، حدثنا محمد بن يوسف القرشي، حدثنا محمد بن خالد ابن عثمة (٤) حدثنا عدي بن الفضل، أخبرني أبو بكر بن أبي حثمة، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: قال لي علي بن أبي طالب، ﵁، يوم (٥) حروراء (٦): اخرج إلى هؤلاء القوم فقل لهم: يقول لكم علي: أتتهموني (٧) على رسول الله، ﷺ ؟ فأَشْهَدْ (٨): لَسَمِعْتُ رسولَ الله، ﷺ ، يقول: «لا تؤمّوا قريشاً وائتموا بها، ولا تقدّموا على قريش وقدِّموها، ولا تعلِّموا قريشاً وتعلَّموا منها؛ فإن أمانة الأمين من قريش تعدل أمانة

стр. 67

اثنين (١) من غيرهم، وإن علم عالم من (٢) قريش طِبَاقَ الأرض. ولولا أن تبطَر قريش لأخبرتها بما لها عند الله (٣)». قال أحمد: وقد روى آخرَ هذا الحديث أيضا إسماعيلُ بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس، مرفوعاً. أخبرنا أبو سعيد (٤): أحمد بن محمد الهَروِيّ، أنبأنا أبو أحمد: عبد الله بن عدي الحافظ، حدثنا أبو يعلى الموصلي، حدثنا إبراهيم بن سعيد، حدثنا أبو معاوية، عن إسماعيل بن مسلم، عن، عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله، ﷺ : «اللهم اهد قريشا؛ فإن علم العالم منهم يَسَعُ طِبَاقَ الأرض. اللهم أَذَقْتَ أوّلَها نَكَالا فأَذِقْ آخرها نَوَالاً» (٥). وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أحمد بن محمد السَّمَرقنديّ،

стр. 68

حدثنا محمد بن نَصْر المَرْوَزِي، حدثنا محمد بن عبد الملك القرشي. وأخبرنا أبو عبد الله، حدثنا أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد بن يحيى، حدثنا أبو عثمان: سعيد بن محمد البغدادي، حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل؛ قالا: حدثنا جعفر (١) بن سليمان، حدثنا النضر بن حميد (٢) الأسدي، حدثنا أبو الجَارُود (٣)، عن أبي (٤) الأحوص، عن عبد الله، قال: قال النبي، ﷺ : «لا تسّبوا قريشاً؛ فإن عالمها (٥) يملأ الأرض علماً. اللهم أذقت أوّلها نكالا، فأذِقْ آخرها نوالا (٦)». هذا لفظ حديث (٧) ابن أبي إسرائيل. وفي حديث محمد بن عبد الملك القرشي، عن ابن مسعود. يرفع الحديث (٨)

стр. 69

وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرني محمد بن إبراهيم المؤذِّن، حدثنا أبو نعيم: عبد الملك بن محمد الفقيه، حدثنا محمد بن عوف بن سفيان الطائي (١)، حدثنا أبو اليمان: الحكم بن نافع، حدثنا ابن عيّاش، عن عبد العزيز بن عبد الله، عن وهب بن كيْسَان، عن أبي هريرة، عن رسول الله، ﷺ ، أنه قال: «اللهم اهد قريشاً، فإنّ عالمها يملأ طَبقَ الأرض علما. اللهم كما أذقتهم عذابا فأذقهم نوالا» دعا بها ثلاث مرات (٢). أسانيد هذا الحديث إذا ضُمَّ بعضُها إلى بعض مع (٣ ما تقدم ٣) صارت قوية. وقد أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني محمد بن إبراهيم المؤذن، عن أبي نعيم الفقيه، قال: قد قال رسول الله، ﷺ : «الأئمة من قريش (٤)». وقد يقع اسم الإمامة على من ولى من الخلافة، وعلى من يؤتم (٥) به في الدين والعلم وقد قال رسول الله، ﷺ : «للقرشي قوة الرجلين من غير قريش».

стр. 70

قال: وقد احتج هارون الرشيد حين (١) ذكر الشافعي، ﵀، بهذه (٢) الرواية، فقال: ما يُنكَرُ لرجلٍ من بني عبد مناف أن يَقْطَعَ محمد بن الحسن (٣ أما علم ٣) محمد بن الحسن أنّ رسول الله، ﷺ ، قال: «إن عَقْلَ الرجل من قريش عقلُ رجلين من غيرهم». وكذلك حين دخل على هارون مَنْ رفع إليه خبر الشافعي واحتجاجَهُ على محمد بن الحسن - وكان متكئا فاستوى جالسا - وقال: اقرأه عليّ ثانياً، فأنشأ هارون يقول: صدق الله ورسوله - قالها ثلاثاً - قال رسول الله، ﷺ : «تعلّموا من قريش ولا تعلِّموها، قدِّموا قريشاً ولا تَقَدَّموها». ما أنْكر أن يكون محمد بن إدريس أعلمَ من محمد بن الحسن (٤). قال: وقد احتج الشافعي في «كتاب الصلاة» في باب الأذان بهذه الرواية عن رسول الله، ﷺ : «تعلّموا من قريش، وقوة القرشي قوّة الرجلين من غير قريش، في نبل الرأي (٥).

стр. 71

قال: وقال أبو نعيم: وفي قول رسول الله، ﷺ : «لا تسّبوا قريشاً؛ فإنّ عالمها ملأ الأرض علماً، ويملأ طبق الأرض علماً» - علامةٌ بَيِّنةٌ، إذا تأملها الناظر الفائق المُميِّزُ علم (١) أنّ المراد بذلك رجل من علماء هذه الأمة من قريش، قد ظهر علمُه فانتشر في البلاد، وكتب كتبه وتآليفه كما تكتب المصاحف، ودَرَسَتْها المشايخ، والشبان، والأحداث، في مجالسهم وكتاتيبهم، وصيروها كالإمام، واستظهروا أقاويله، وأجْرَوْها في مجالس الحكّام، والأمراء، والقراء، وأهل الآثار، وغيرهم. وهذه صفةٌ لا نعلمها قد أحاطت بأحدٍ إلا بالشافعي (٢ ﵀ ٢): محمد بن إدريس، القرشي؛ إذ (٣) كان كلُّ واحدٍ من قريش من علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم وإن كان علمه (٤) قد ظهر وانتشر - فإنه لم يبلغ مبلغاً يقع تأويل هذه الرواية عليه، إذ كان لكل واحد منهم نُتفٌ وقطع من العلم وَمَسْألات (٥) في الجزء منه: خمس أو عشر أو واحد (٦)، وسائر ذلك لغيره من الصحابة والتابعين، فهم قد اشتركوا (٧) في الفتيا اشتراكا لا يبين أن أحدا منهم (٨) قد ملأ الأرض بعلمه، ولا له فضل علم على علم غيره من أشكاله حتى يظهر هذا التأويل عليه، ولا يتبَيّن في شيء من علومهم أنّ واحداً (٩) منهم (١٠) قد مَلأ الأرضَ علماً وملأَ طبَقَ الأرض بعلمه.

стр. 72

فأما الشافعي، ﵀ (١)، القرشي (٢)، فقد صنَّف الكتب وفتَقَ العِلْمَ، وشرح الأصول والفروع، وعلا في الذكر بما ألفّ وشرح، وفتح الله، ، على لسانه العلم الكثير، ومَرَّ في آذان السامعين، ووعته القلوب، فازداد على مَرّ الأيام حسناً وبيانا، وبلغ الحدّ الذي جاز لتأول أن يَتأوَّلَ في هذه الرواية عن رسول الله، ﷺ ، في ذكر قريش: أنَّ الشافعي هو المراد بذلك. قال (٣) أحمد: وإلى مثل هذا ذهب أحمد بن حنبل، ﵀ (٤)، في تأويل هذا الخبر، ونحن نذكر إسناده بعد هذا، إن شاء الله تعالى.

стр. 73

باب ما جاء في قول الله، : ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ (١)﴾ وما للعرب ثم لقريش فيه من الشرف، وما وجب بذلك على المسلمين من حبهم، والشافعي من جملتهم (٢)، (٣ ﵀ ٣). * * * أخبرنا أبو طاهر: محمد بن محمد الفقيه، حدثنا أبو بكر: محمد بن عمر بن حفص الزاهد، حدثنا حَمْدُون السِّمْسَار، حدثنا الأزْرَق بن علي، حدثنا حسان بن إبراهيم الكِرْمَاني، حدثنا سفيان الثوري، عن موسى (٤) بن أبي عائشة، عن سليمان بن قَتَّة (٥) عن ابن عباس في قوله، ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾. قال: شرف لك ولقومك ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ (٦)﴾ قال: فيه شرفكم (٧).

стр. 74

أخبرنا أبو محمد: عبد الله (١) بن يحيى بن عبد الجبار السكّري - ببغداد - أنبأنا أبو بكر الشافعي، حدثنا جعفر بن محمد بن الأزهر، حدثنا الغِلاَبي، حدثنا يحيى بن معين، عن هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النَّوْفَلي، عن الزّهري، عن عُرْوَة، عن عائشة ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ (٢)﴾ قالت: هذه للعرب خاصة (٣). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، حدثنا الربيع بن سليمان، قال: حدثنا الشافعي، أنبأنا سفيان بن عُيَيْنَةَ، عن ابن (٤) أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قال: يقال: ممن الرجل؟ فيقال: من العرب، فيقال: من أيّ العرب؟ فيقال: من قريش (٥). أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثني أبو عبد الله: الحسن بن علي (٦) القاضي، حدثنا محمد بن عبد الله بن سليمان، حدثنا العلاء بن عمرو الحنَفِي (٧)،

стр. 75

حدثنا يحيى بن يزيد الشعري، حدثنا ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله، ﷺ : «أحّبوا العرَب لثلاث: أني عربي، والقرآن عربي، وكلام أهل الجنة عربي (١)». أخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا أحمد بن عبيد الصفّار، حدثنا عباس بن الفضل، حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن الزبير (٢)، قال: قال رسول الله، ﷺ : فضَّل الله، ، قريشاً لسبع خصال: أنهم عبدوا الله، ، عشر سنين لا يعبده إلا قرشي، وفضلهم بأنه نصرهم يوم الفيل وهم مشركون، وفضّلهم بأنه نزلت فيهم سورة من القرآن لم يدخل معهم غيرهم ﴿لِإِيلَافِ
следующие страницы →