← Тараджим

Тараджим · id 22797

مناقب الشافعي للبيهقي

أبو بكر البيهقي

Полный текст (959 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

قال: وكانت نفقته على أهله بالسَّعَة. قال: وكان أكرم الناس مُجَالَسَةً، بكنّي الصغير والكبير إكراما منه لمن يجالس (١). قال الربيع: قال لي البُوَيْطِي: إن أهل مكة قبائل قريش وسائر قبائل العرب يتحدثون: إنّهم لم يروا رجلا أكمل مروءة من الشافعي. قال البويطي: والمروءة عند الشافعي أخلاق الذي (٢) كان يتبع رسول الله، ﷺ . وقرأت في كتاب العاصمي فيما بلغه عن الربيع قال: كان الشافعي يجلس في حلقته إذا صلّى الصبح فيجيئه أهلُ القرآن، فإذا طلعت الشمس قاموا وجاء أهل الحديث فيسألونه عن تفسيره ومعانيه. فإذا ارتفعت الشمس قاموا واستوت الحلقة للمُذَاكَرة والنّظر. فإذا ارتفع الضّحى تفرّقوا وجاء أهلُ العربية والعروض والنحو والشعر، فلا يزالون إلى أن يَقْرُبَ انتصافُ النهار. ثم ينصرف، ﵀. قال الربيع: ولو (٣) رأيت الشافعي لاستحييت أن تنظر. يعني من هيئته وجلالته. وفي كتاب زكريا السّاجِي عن محمد بن هارون، عن داود بن علي قال: سمعت إسحاق بن رَاهَوَيْه يقول: لقيت الشافعي في المسجد الحرام قاعداً

стр. 877

على طنفسة، وكانت لا تلقى الطنفسة في المسجد الحرام إلا لرجل جليل. وعن محمد بن الحارث المخزومي قال: رأيت الشافعي: محمد بن إدريس بمكة في المسجد الحرام وهو شيخ [خاضب] (١) جليل. أحسبه قال: عظيم السن. وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد، عن محمد بن عبد الله القزويني قال: حدثنا الربيع قال: كان الشافعي حسن الوجه. حسن الخلق، مُحَبَّباً [إلى] (٢) من كان بمصر في وقت الشافعي من الفقهاء والأمراء والنّبلاء، كلّهم يجيء إلى الشافعي ويعظّمه ويجلّه. أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت عبد الله بن محمد بن علي بن زياد يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خُزَيْمَة يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول لرجل: لو رأيت الشافعي وحسن ثيابه ونظافته وفصاحته - لتعجبت منه. ولو أنّه أَلَّفَ هذه الكتب على عَرَبِيّتِهِ التي كان ينطق بها لم يقدر على قراءة كتبه. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: حدثنا أحمد بن عمرو العدل قال: حدثنا محمد بن علي البَلْخِي قال: حدثنا نصر ابن موسى قال: حدثنا - قحزم - بالزاي هو قَحْزَم بن عبد الله - قال: ما رأيتُ من العلماء أهيبَ من الشافعي من بعيد، ولا أبرّ وأكرم منه

стр. 878

من قريب، وخاصة للغريب (١). * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الوليد الفقيه يقول: سمعت أبا نعيم: عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: نقش خاتمي: «الله ثقة محمد بن إدريس» قال الربيع: فأرانا نقش خاتمه. قال الربيع: ونقش خاتمي: «الله ثقة الربيع بن سليمان». قال أبو نعيم: وأرانا نقش خاتمه. قال أبو نعيم: ونقش خاتمي: «الله ثقة عبد الملك بن محمد». قال أبو الوليد: فأرانا نقش خاتمه. قال أبو الوليد: ونقش خاتمي: «الله ثقة حسّان بن محمد» قال أبو عبد الله: وأرانا أبو الوليد نقش خاتمه. قال أبو عبد الله: ونقش خاتمي: «الله ثقة محمد بن عبد الله». وقرأته في كتاب أبي الحسن العاصمي، عن أبي نعيم. وفيه من الزيادة: قال أبو نعيم: سألت الربيع بن سليمان قلت له: رأيتَ الشافعيَّ يتختم في يمينه أو في يساره؟ فقال: في يساره. وقرأته في كتاب أبي بكر بن زكريا الشَّيْبَانِي، عن علي بن محمد المُطوعِي، عن أبي نعيم هكذا بزيادته. * * *

стр. 879

باب ذكر وصية الشافعي، ﵁ وأرضاه * * * أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو سعيد: محمد بن موسى؛ قالا: حدثنا أبو العباس: محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الربيع بن سليمان قال: قُرِئَ على محمد بن إدريس الشافعي، ﵀، وأنا حاضر: هذا الكتاب (١) كتبه محمد بن إدريس بن العباس الشافعي، في شعبان سنة ثلاث ومائتين: وأَشْهَدَ اللهَ عَالمَ خائِنَةِ الأعْين وما تُخْفِي الصّدورُ، وكفى به، جل ثناؤه، شهيداً، ثمَّ مَنْ سمِعَه: أنّه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، ﷺ ، لم يَزَلْ يَدِينُ بذلك، وبه يَدِين حتى يتوفَّاه الله تعالى ويبعثه [عليه] (٢) إن شاء الله تعالى، وإنَّه يُوصِي نفسه وجماعةَ مَنْ سَمِعَ وصيَّتَه: بإحْلاَل ما أحَلَّ الله، ﵎، في كتابه [ثم] (٣) على لسان نبيه، ﷺ ، وتحريمِ ما حرَّمَ الله في الكتاب، قم في السّنة ولا (٤) يجاوزون من ذلك إلى غيره؛ فإن مُجَاوَزَتَهَ تِرْكُ فَرْضِ (٥) الله، وترك ما خالف (٦) الكتاب والسنة (٧ وهما من المحدثات ٧)

стр. 880

والمحافظة على أداء فرائض الله في القول والعمل، والكفِّ عن مَحارِمه خوفاً (١) لله ، وكثرة ذكر الوقوف بين يدي (٢) ربه ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾ (٣) وأن ينزل الدنيا حيثُ أَنْزَلَها اللهُ ؛ فإنّه لم يجعلها دار [مقام، إلا مقام مدة عاجلة الانقطاع، وإنما جعلها دار] (٤) عمل وجعل الآخرة دار قرارٍ وجزاءٍ بما عمل في الدنيا من خير أو شر، إن لم يعف جلّ ثناؤه، وأن لا يُخَالَّ أحداً إلا أحداً (٥) خاله لله ممن يعقل (٦) الخَلَّة لله ﵎، ويرجى منه إفادة (٧) علم في دين وحسن أدب في دنيا، وأن (٨) يعرف المرء زمانه، ويرغب إلى الله تعالى في الخلاص من شرّ نفسِه فيه، ويمسك عن الإسراف (٩) بقول أو فعل في أمرٍ لا يلزمه، وأن يُخْلِصَ النيَّة لله فيما قالَ وعمِل؛ فإنّ (١٠) الله يَكْفِي مما سواه، ولا يكفي منه شيء غيره. وأَوْصَى متى حَدَثَ به حَدَثُ الموتِ الذي كتبَ (١١) الله على خلقه، الذي أسأل الله العَوْنَ عليه وعلى ما بَعْدَه، وكفاية (١٢) كلِّ هَوْلٍ دُونَ الجنّةِ برحمته. ولم يغير وصيَّتَهُ هذه.

стр. 881

فذكر الوصيَّةَ في أمور مماليكه وأولاده وصدقته وغيرها (١) وقال في آخرها (٢): ومحمد بن إدريس يسأل الله القادر على ما يشاء أنْ يصلِّي على محمدٍ عبدِه ورسولِه، وأن يرحمه؛ فإنه فقير إلى رحمته، وأن يُجِيرَهُ من النار؛ فإنه (٣) غَنِيٌّ عن عذابه، وأن يَخْلُفَه في جميع ما خلف (٤) بأفْضَلِ ما خلف به أحداً من المؤمنين، وأن يكفيهم فقده، ويَجْبُرَ مصيبتهم [من] (٥) بعده، وأن يقِيهُمْ مَعَاصِيَه وإتيان ما يقبح بهم (٦)، والحاجة إلى أحدٍ من خلقه بقدرته (٧).

стр. 882

باب ذكر مرض الشافعي، ﵀، وأوجاعه، ووفاته، وتربته، ومقدار سنه، وغير ذلك * * * قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، ﵀: عن الزبير بن عبد الواحد قال: حدثني محمد بن سعيد قال: حدثنا الفِرْيَابي - يعني أبا سعيد - قال: قال الربيع بن سليمان: أقام الشافعي هاهنا أربع سنين، فأملى ألفاً وخمسمائة ورقة. وخَرَّجَ «كتاب الأمّ» ألفي ورقة. وكتاب «السنن»، وأشياء كثيرة، كلّها في أربع سنين. وكان عليلاً شديد العلّة، فكان ربما يخرج الدم منه وهو راكب حتى تمتلئ سراويله ومركبه وخفّه (١). أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أحمد بن محمد بن الحسين بن مهدي المُذَكِّر، بالنّوْقان، قال: حدثنا محمد - يعني أبا عبد الرحمن شكر - قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال: كنتُ القَيِّمَ بجميع مال الشافعي، ويدي فيه [حتى] (٢) لقى الله، وجعلني في حلّ من جميع ماله ثلاث مرات، وقال

стр. 883

وهو مريض: يا بني، إن الغلمان جُفَاة: يأتي القومُ ليسلِّموا عليَّ فيقولون: ليس عليه إذْنٌ، ولا يعلمون علّتي، فإنْ خفَّ عليك أن تجلس في الغرفة التي على السّلّم، فإذا جاء القوم نزلتَ إليهم فأخبرتَهم بعلّتي. وكان يُثْقَبُ له الفِرَاش والسّدّة، والطّست تحتها. فكان إذا جاء القوم نزلتُ إليهم فأخبرتهم فيذهبون (١) متوجِّعين، فإذا صعدت إليه يقول: من جاء اليوم؟ فأقول: فلان وفلان. فيقول: جزاك الله عني خيراَ يا ربيع، ما صنعتُ بك شيئا، ولكن الله لئن عشت فعلت بك، ﵀. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: حدثني أبو تراب النّوقاني قال: حدثنا محمد بن المنذر قال: حدثنا محمد بن عبد الحكم قال: (٢) كان الشافعي قد مرض من هذا النَّاسُور مرضاً شديداً حتى ساء خلُقه، فسمعته يقول: إني لآتي الخطأ وأنا أعرفه. قلت: قد قيل: أراد به ترك (٣) الحمية وتناول ما لا يصلحه. وقيل: أراد به فيما كان يتحفظه قبل ذلك من مكارم الأخلاق. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس - قال: حدثنا أبي قال: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال: ما رأيت أحداً لقى من (٤) السقم ما لقى

стр. 884

الشافعي، فدخلت عليه يوما فقال لي: يا أبا موسى، اقرأ عليَّ ما بعد (١) العشرين والمائة من آل عمران، وأَخِفَّ القراءة ولا تثقل. فقرأت علَيه، فلما أردت القيام قال: لا تغفل عني فإني مَكْرُوبٌ. قال يونس: عَنَى الشافعيُّ، ﵁، بقراءتي بعد العشرين [والمائة] (٢) ما لقى النبي (٣)، ﷺ ، وأصحابه، أو نحوه (٤). أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: حدثني أحمد بن الحسين الصّوفي قال: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسين العطار، بمصر، قال: حدثنا الربيع بن سليمان قال (٥): دخل المزني على الشافعي في مرضه الذي مات فيه فقال له: كيف أصبحت يا أستاذ؟ فقال: أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مُفارقاً، ولكأس المنيّة شارباً، وعلى الله وارداً، ولسوء أعمالي ملاقياً. قال: ثم رمى بطرفه نحو السماء واستَعْبر، ثم أنشأ يقول: إليكَ إلهَ الخلْقِ أَرْفعُ رغبتي ... وإنْ كنتُ ياذَا المَنِّ والجودِ مُجْرِماَ (٦)

стр. 885

ولما قسَى قلْبي وضاقت مذاهبي ... جعلتُ الرّجا منّي لعفوك سُلَّما تَعَاظَمَنِي ذنبي فلما قَرَنْتُه ... بعفوك ربّي كان عَفْوُكَ أَعْظَما ومازلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزل ... تجودُ وتعفو مِنّةً وتكرُّما ولولاك مَا يقوى بإبليسَ عابدٌ ... فكيف وقد أغوى صَفِيَّكَ آدَمَا (١) فإن تعْفُ عنّي تعْفُ عن مُتَمَرِّدٍ ... ظلومٍ غشوم ما يُزَايل مَاثَمَا وإن تنتقم منّي فلست بآيسٍ ... ولو أدخلت نفسي بجرمي جَهَنَّمَا فَجُرْمِي عظيمٌ من قديم وحادث ... وعفْوُكَ ياذا العَفْوِ أعْلَى وأجْسَما وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: أنبأنا أبو نصر: محمد بن محمد بن عيينة الشعراني (٢)، بمرو، قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أوس قال: حدثنا عبد الله بن جعفر بن محمد الموصلي، بِتِرْمِذ في الجامع، قال: حدثنا مكي بن هارون الزِّنْجَاني، بِزِنْجَان، عن أبي عبد الله بن شاكر. عن المزني قال: دخلت على محمد بن إدريس الشافعي، ﵁، عند وفاته فقلت له: كيف أصبحت يا أبا عبد الله؟ قال: أصبحت من الدنيا راحلاً، وللإخوان مفارقا، وعلى الله وَارِداً، وبكأس المنية شاربا، ولسوء أعمالي ملاقيا، فلا أدري نفسي إلى الجنة تصير فأهنّيها، أو إلى النار فأعزيها. فقلت: يا أبا عبد الله، رحمك الله، عِظْنِي.

стр. 886

فقال لي: اتق الله، ومَثِّل الآخرة في قلبك، واجعل الموت نُصْبَ عَيْنَيْكَ، ولا تنس موقفك بين يدي الله ، وكن من الله تعالى عَلى وَجَلٍ، واجتنب محارمَه، وأدِّ فرائضه، وكن مع الحقّ حيث كان، ولا تستصغرنّ نعم الله عليك وإن قَلَّت، وقَابِلْها بالشكر. وليكن صمتك تفكّرا، وكلامك ذكرا، ونظرك عبرة. اعف عمن ظلمك، وصل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، واصبر على النائبات، واستعذ بالله من النار بالتقوى فقلت: ليكن الصدّق لِسَانَك، والوفاء عِمادَك، والرحمة ثمرتك، والشكر طهارتك، والحق تجارتك، والتودّد زينتك، والكتاب فطنتك، والطاعة معيشتك، والرضا أمانتك، والفهم بصيرتك، والرجاء اصطبارك، والخوف جِلْبَابك، والصدقة حِرْزك، والزكاة حصنك، والحياء أميرك، والحلم (١) وزيرك، والتوكلّ درعك، وتكون الدنيا سجنك، والفقر ضَجِيعك، والحقّ قائدك، والحجّ والجهاد بغيتك، والقرآن محدّثك، والله مؤنسك. فمن كانت هذه صفته كانت الجنة منزلته أخبرنا محمد بن عبد الله الضَّبِّي قال: أخبرني نصر بن محمد العطار قال: حدثني عمر بن عبد الله البغدادي قال: حدثني بعض أصحابنا قال: قال المزني: دخلت على الشافعي في بعض علله قلت له: كيف أصبحت؟ فقال: أصبحت بين أمر ونهي، أصبحت آكل رزقي وأنتظر أجلي.

стр. 887

فقلت: ألا أُدْخِلُ عليك طبيباً؟ فقال: افعل. فأدخلت عليه طبيبا نصرانيا، فجسّ يده فحسّ الشافعي بالعلّة في يد الطبيب، فجعل الشافعي يقول: جاء الطبيب يجسّني فجسسته ... فإذا الطبيب لِمَا بِهِ من حالي وغَدَا يعالجني بطول سقامه ... ومن العجائب أعمش كَحَّالي قال المزني: فما مضت الأيام والليالي حتى مات المُتَطَبِّبُ، فقيل للشافعي: قد مات المتطبب، فجعل يقول: إنّ الطبيب بطبِّه ودوائِه ... لا يستطيع دفاع مقدور القضا (١) ما للطبيب يموت بالداء الذي ... قد كان يبرئ مثله فيما مضى هَلَكَ المدَاوِي والمُدَاوَى والذي ... جَلَبَ الدواء وباعَه ومن اشترى أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الحسين (٢) بن محمد الدارمي قال: أنبأنا عبد الرحمن بن محمد قال: قال الربيع بن سليمان لما كان مع المغرب ليلة مات الشافعي قال له ابن عمه ابن (٣) يعقوب: ننزل نصلّي؟ قال: تجلسون تنتظرون خروج نفسي؟ فنزلنا ثم صعدنا فقلنا: صلّينا أصلحك الله. قال: نعم فاستسقى - وكان شتاء - فقال له ابن عمه: أمزجه بالماء المُسَخَّن؟ فقال له الشافعي ﵀: لا، بل بِرُبِّ السَّفَرْجَل. وتوفي مع العشاء (٤) الآخرة، رحمة الله عليه. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السّلمي؛ قالا: سمعنا محمد بن يعقوب يقول:

стр. 888

سئل بحر بن نصر الخولاني، وأنا أسمع، عن موت الشافعي فقال: مات سنة أربع ومائتين. أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله، وأبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين؛ قالا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان المُرَادِي يقول: دخلت على الشافعي وهو مريض، فسألني عن أصحابنا فقلت: إنهم يتكلمون، فقال لي الشافعي: ما ناظرت أحداً قطّ على الغَلَبَة، وبِوُدِّي أنّ جميع الخلق تعلّموا هذا الكتاب [- يعني كتابه - على أن لا ينسب إليّ منه شيء. قال هذا الكلام] (١) يوم الأحد، ومات هو (٢) يوم الخميس، وانصرفنا من جنازته ليلة الجمعة، ورأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين. كذا في هذه الرواية. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو تراب المذكِّر قال: حدثنا محمد بن المنذر قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: توفى الشافعي، ﵀ ورضي الله عنه، ليلة الجمعة [بعد المغرب وأنا عنده، ودفن يوم الجمعة] (٣) بعد العصر آخر يوم من رجب، وانصرفنا من جنازته، ورأينا هلال شعبان سنة أربع ومائتين. وكذلك رواه يحيى بن زكريا عن الربيع.

стр. 889

وأخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد بن الخليل الصوفي قال: أنبأنا أبو أحمد: عبد الله بن عدي بن الحافظ قال: سمعت علي بن محمد بن سليمان يقول: سألت الربيع عن موت الشافعي فقال لي: (١) مات سنة أربع ومائتين في آخر يوم من رجب يوم الجمعة، وهم ابن نَيِّف وخمسين سنة. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: مات الشافعي، ﵀، في آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، وهو ابن نَيِّف وخمسين سنة. وأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر: محمد بن جعفر المُزَكِّي يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول: سمعت الربيع يقول: مات الشافعي سنة أربع ومائتين، وهو ابن أربع وخمسين سنة. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيان، حدثنا محمد - يعني ابن عبد الرحمن بن زياد - قال: حدثنا أحمد بن روح قال: حدثنا الزعفراني قال: أخبرني أبو الوليد أبي الجارود قال: كان سِنُّ أبي وسنّ الشافعي واحداً، فنظرنا في سنه فإذا هو يوم مات ابن اثنتين وخمسين سنة. وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى السّاجِي، عن الحسن بن محمد الزعفراني هكذا.

стр. 890

وقرأت فيه أيضا عن الزعفراني قال: قال لي أبو عثمان بن الشافعي: مات أبي وهو ابن ثمان وخمسين سنة. قلت: وقد ذكرنا فيما تقدم عن ابن عبد الحكم عن الشافعي أنه قال: ولدت سنة خمسين [ومائة] (١). ولا خلاف في وفاته سنة أربع ومائتين فيكون سنه أربعا وخمسين. والله أعلم. وقرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد، عن علي بن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم [وسئل] (٢) عن القراءة عند رأس الميت؟ فقال: كان أصحابنا مجتمعين عند رأس الشافعي، ورجل يقرأ سورة يس فلم ينكر ذلك عليه أحد منهم، وحضروا غسله، فما زالوا وقوفاً على أرجلهم حتى فرغوا من غسله، ثم حضروا كفنه حتى فرغ منه. أخبرنا أبو سعد: أحمد بن محمد المَالِينِي قال: أنبأنا أبو أحمد: (٣) عبد الله ابن عدي الحافظ قال: قرأت على قبر محمد بن إدريس الشافعي، بمصر، على لوحين من حجارة، أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا الفضل بن أبي نصر يقول: قرأت على قبر الشافعي، بمصر، في مقابر بني عبد الحكم.

стр. 891

وقرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين العاصمي قال (١): خرجت إلى زيارة قبر أبي عبد الله: محمد بن إدريس الشافعي، بمصر إلى مقبرتها، وتسمى «المقطم» في مقبرة القرشيين بين قبور بني عبد الله بن عبد الحكم. قال: و «المقطم» اسم جبل مطل على المقبرة. قال: فرأيت قبره مُسَنَّماً مرتفعا من الأرض مقدار شبرين أو أكثر قليلا، وعليه لوحان منصوبان من رخام: واحد عند رأسه، والآخر عند رجليه، فأما اللوح الذي عند رجليه فمكتوب فيه نسبته إلى إبراهيم خليل الرحمن، صلوات الله عليه وآله، وأما الذي عند رأسه فمكتوب فيه حَفْراَ (٢) في الحجر: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما شهد به محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع: أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، ويشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الموت حق، وأن الله يبعث من في القبور. على ذلك حيي وعليه مات وعليه يبعث حيًّا إن شاء الله تعالى. اللهم اغفر له ذنبه، ونورّ له (٣) قبره، واحشره مع نبيه محمد ﷺ ، واجعله من رفقائه. توفى محمد بن إدريس، ﵀، في رجب من سنة أربع ومائتين. هذا لفظ حكاية العاصمي وبمعناه في حكاية أبي الفضل، غير أنه قال في آخره: آمين رب العالمين. ولم يذكر قوله: إن شاء الله تعالى. وفي حكاية ابن عدي:

стр. 892

هذا قبر محمد بن إدريس، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن الجنة حق. لم يذكر ما بينهما وزاد: وأن صلاته ونسكه ومَحْيَاهُ ومماته لله رب العالمين، لا شريك له وبذلك أمر، وهو من المسلمين، عليه حيى، وعليه مات، وعليه يبعث حيا إن شاء الله. توفى أبو عبد الله ليوم بقى من رجب سنة أربع ومائتين. وكأنهم حفظوا ما رأوا عليه مكتوبا، ثم علقوه بعده فزلّ بعض ألفاظه عن الحفظ. والله أعلم. قرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم: عن الزبير بن عبد الواحد قال: حدثني أبو عبد الله: محمد بن سعيد البسيري قال: سمعت أبا زكريا - يعني الأعرج - يقول: سمعت الربيع يقول: رأيت في المنام أنّ آدم مات، ﷺ ، ويريدون أن يخرجوا بجنازته فلما أصبحت سألت بعض أهل العلم عن ذلك فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض: إن الله علَّم آدم الأسماء كلّها. فما كان إلا يسيرا حتى مات الشافعي، ﵀. أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو أحمد بن أبي الحسن قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس قال: حدثنا الربيع بن سليمان المصري قال: حدثني أبو الليث الخَفَّاف - وكان مُعَدِّلا [عند القضاة] (١) - قال: أخبرني العزيزي، وكان متعبدا، قال: رأيت ليلة مات الشافعي في المنام كأنّه يقال: مات النبي، ﷺ ، في هذه الليلة وكأني رأيته يغسَّل في مجلس عبد الرحمن الزّهري في المسجد الجامع،

стр. 893

وكأنّه يقال لي: يخرج به بعد العصر فأصبحت فقيل لي: مات الشافعي، وقيل لي: نخرج به بعد الجمعة. فقلت: الذي رأيته في المنام. قيل لي: نخرج به بعد العصر. وكأني رأيت في المنام (١) حين أخرج به كان معه سرير امرأة رثّة السرير. فأرسل أمير مصر أن لا يُخرج به إلا بعد العصر، فحبس إلى بعد العصر. قال العزيزي (٢): فشهدت جنازته، فلما صرت إلى الموضع الواسع رأيت سريراً مثل سرير تلك المرأة رثة السرير مع سريره. ورواه أيضا أبو الحسن العاصمي، عن الزبير بن عبد الواحد، عن محمد ابن سعيد بن عبد الله، عن أبي علي: الحسين بن حريث القصري، عن أبي عبد الرحمن العزيزي هذا، قال: رأيت ليلة مات الشافعي: أني بنعش وعليه قطيفة، وعليه رجل في أكفانه حتى وضع عند المقصورة، فسمعت قائلا يقول: الليلة مات، النبي، ﷺ ، فلما أصبحنا أتى بالشافعي على مثل ذلك النعش، في مثل تلك القطيفة، وفي مثل ذلك الكفن. أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السّلمي قال: سمعت أبا العباس: الوليد بن محمد الواعظ الرازي يقول: سمعت ابن أبي حاتم يقول: سمعت محمد بن مسلم بن وارة يقول: لما مات أبو زرعة الرازي رأيته في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ قال: قال لي الجبار [سبحانه] (٣): ألحقوه بأبي عبد الله، وأبي عبد الله، وأبي عبد الله.

стр. 894

الأول: مالك والثاني: الشافعي. والثالث: أحمد بن حنبل. قدس الله أرواحهم. وحكاه أيضا إسحاق بن محمد بن يزيد بن كيسان، عن محمد بن مسلم ابن وارة. وأخبرنا محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت عبد الله بن الحسين الورّاق يقول: سمعت معبد (١) بن جمعة يقول: سمعت أبا زرعة المكي يقول: سمعت عثمان بن خرزاد، الأنطاكي يقول: رأيت فيما يرى النائم كأن القيامة قد قامت، وكأن الله قد برز لِفَصْل القضاء، وكأن الخلائق قد حشروا، وكأن مناديا ينادي من بُطْنَان العَرْش: ألا أدخلوا أبا عبد الله، وأبا عبد الله، وأبا عبد الله، وأبا عبد الله الجنة. فقلت لملك إلى جنبي: من هؤلاء؟ قال: أما أولهم فمالك بن أنس، وأما ثانيهم فسفيان الثوري، وثالثهم: الشافعي، ورابعهم: أحمد بن حنبل. ﵃ أجمعين. ورواه أيضا محمد بن أحمد بن زكريا، عن معبد بن جمعة. سمعت شيخنا وأستاذنا أبا عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، ﵀، يقول: رأيت أبا الحسن أحمد بن محمد بن عَبْدُوس الطَرَائفي المحدّث في المنام صبيحة يوم الثلاثاء العاشر من ربيع الآخر سنة خمسين وثلثمائة، وعليه أثواب بيض، وهو أبيض الرأس واللحية، يحدّث وبين يديه جماعة يكتبون عنه. فذكر قصة. قال: ثم قلت له: هاهنا مجالس في الحديث؟ قال: نعم. قلت: أرأيت أبا عبد الله الشافعي؟ فقال: نعم نحن لا ننزف عنده مجمع القول (٢). قلت:

стр. 895

فمالك بن أنس؟ قال: فوقهم (١) [بدرجات]. قلت: فأبو عبد الله: أحمد ابن حنبل؟ فقال: أقربهم إلى الله وسيلة. قلت: فأبو بكرنا - يعني أبا بكر ابن إسحاق الضّبعي - فضحك ثم قال: حسن ظنِّه بالله نجّاه. وذكر الحكاية. أخبرنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر المعدل قال: حدثني محمد بن حَمْدَان الطَّرَائِفي: أبو عبد الله الدِّينوري قال: سمعت أبا الحسن الشافعي يقول: رأيت النبي، ﷺ ، في المنام فقلت: يا رسول الله، بم جُزِيَ الشافعيُّ عندك حيث يقول في كتاب الرسالة: «وصلى الله على محمد، كلّما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون» (٢) قال: فقال: جُزِيَ عنّي أنه لا يوقف للحساب. وأخبرنا أبو عبد الله قال: أنبأنا أبو الطّيّب: عبد الله بن محمد القاضي، قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن، قال: حدثنا أحمد بن جعفر الكِرْمَاني، قال: حدثنا محمد بن يحيى البَاهِلِيّ، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن يعقوب الهاشمي - وكان صدوق اللسان - يقول: رأيت النبي، ﷺ ، في المنام فقال: الشافعي المُطَّلبي في الجنة، أو من أهل الجنة. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول: استعار مني عبد الله بن صالح «كتاب اختلاف الحديث» للشافعي، فأعرته الجزء الأول، ثم غبت مدة ورجعت (٣) وقد توفى عبد الله بن صالح فرأيته فيما يرى النائم وعليه أثواب بيض، فقال لي: استعرتُ منك «كتاب اختلاف

стр. 896

الحديث» للشافعي، ﵁ وأرضاه، فقلت له: قد أعرتك الجزء الأول فلم ترد علي. ثم قلت له في المنام: ما تصنع بكتاب الشافعي وليس هو على مذهبكم ولا أنتم على مذهبه؟ فأشار بإصبعه السَّبَّابة نحو السماء وقال: ليس ثَمَّ أكبر منه. أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: حدثني أبو عبد الله: الحسين بن جعفر الورّاق، ببغداد، قال: رأيت (١) بمصر على حجر عند رأس قبر الشافعي، ﵀، محفوراً فيه هذين البيتين. وحدثونا أنه قول رجل من أهل العراق من أجِلَّة الفقهاء، نذر بالعراق أن يخرج إلى مصر ويختم عند قبر الشافعي أربعين ختمة ثم يرجع. فخرج إلى مصر مُنَاقَلَةً، وختم على قبر الشافعي أربعين ختمة، وحفر هذين البيتين في الحجر المنصوب على قبره: قد وَفْينا بنذرنا يا ابن إدريـ ... ـس وزرناك من بلاد العراقِ وقرأنا عليك ما قد حفظنا ... من كلام المُهَيْمِنِ الخلَّاقِ أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أنبأنا أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه، قال: سمعت أبا عمران الأشيب يحكي عن ابن أخْزَم عن المزني قال: ناحت الجِنُّ ليلة مات الشافعي، ﵁ وأرضاه.

стр. 897

باب ذكر أهل الشافعي وأولاده، ﵏ * * * أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي، قال: حدثنا عباس بن الحسن قال: حدثنا محمد بن الحسين بن سعيد الزَّعْفَرَانِي، قال: حدثنا زكريا بن يحيى السّاجي، قال: حدثني ابن بنت الشافعي قال: سمعت أبي يقول: وقع قحط بمكة فخرج الناس إلى البوادي (١) والمَخَالِيف والمدن، ثم قدموا وقد تزوّجوا فيهم، وقدم الشافعي وقد تزوّج العثمانية بصنعاء، فجعل الناس يقولون: قدم الناس بخيبة وقدم الشافعي بِدُرّة. وروينا فيما تقدم عن أحمد بن محمد عن ابنة الشافعي أنه قال: كانت امرأة الشافعي أم ولده: حَمْدة بنت نافع بن عَنْبَسَة بن عمرو بن عثمان. وهو فيما ذكره زكريا بن يحيى السّاجي، عن ابن ابنة الشافعي، ﵁. ومن أولاده (٢) منها: أبو عثمان: محمد بن محمد بن إدريس. وهو الأكبر من ولده، وكان قاضي مدينة حلب بالشام. قاله أبو الحسن

стр. 898

العاصمي في كتابه، وهو الذي قال له أحمد بن حنبل ما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: حدثني أبو بكر التَفّال: محمد بن علي الفقيه، قال: حدثنا عبد الله ابن إسحاق المدائني، قال: حدثنا عبد الملك بن عبد الحميد الميموني، قال: قال لي أبو عثمان بن الشافعي: قال لي أحمد بن حنبل: إني لأدعو الله في الصلاة - أو في السحر - لإخواني، أبوك خامسهم. وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: سمعت علي بن عمر الحافظ يقول: سمعت أبا بكر النّيْسَابوري يقول: سمعت أبا الحسن المَيْمُوني - وهو عبد الملك ابن عبد الحميد - يقول: سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي، ﵁، يقول: قال لي أحمد بن حنبل: أبوك أحد الستة الذين أدعو لهم في كل سحر. وهاتان الحكايتان وغيرهما من الأخبار تدل على أن أبا عثمان هو: محمد بن محمد بن إدريس، وأنهما واحد. وبعض مشايخنا، ﵏، جعلهم ثلاثة: أبو عثمان، ومحمد، وعثمان. فكأنه (١) سقط من كتابه «أبو» وبقى عثمان في بعض حكاياته. وقال الشافعي في كتاب وصيته: «وجعل محمد بن إدريس ولِيّ (٢) ولده بمكة وحيث كانوا: أبا عثمان، وفاطمة، وزينب بنتي (٣) محمد بن إدريس». وكان (٤) قد وقع في كتاب أبي العباس الأصم: «أبي عثمان» بدل «أبا عثمان»

стр. 899

فمن هاهنا وقع له الغلط في عثمان، ولا أدرى من أين وقع له الغلط في محمد، وكأنه رآه مذكوراً في بعض الحكايات بكنيته وفي بعضها باسمه، فظنهما اثنين وقد ذُكِرَ في بعضها (١) بهما جميعاً: قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي، ﵀، فيما رواه بإسناده عن عبد الملك بن عبد الحميد بن ميمون بن مهران، قال: سمعت محمد بن محمد بن إدريس الشافعي، ﵁، أبا عثمان القاضي قال: قال [لي] أحمد بن حنبل: أبوك خامس من أدعو له في السَّحَر. ففي هذه الرواية جمع بين الاسم والكنية، فارتفع الإشكال. والله يعصمنا من الزلل والخطأ بِمَنِّه وكرمه. * * * وله (٢) ابن آخر يقال له: أبو الحسن بن محمد بن إدريس. توفى الشافعي وهو طفل. وهو من سَرِيَّتِهِ المسماة «دنانير» المذكورة في «كتاب الوصية والصدقة». أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد، قال: أخبرني أحمد بن محمد [بن محمد] (٣) بن مهدي النوقاني، قال: أنبأنا محمد بن المنذر، قال: أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت الشافعي يقول: الناس يقولون: ماء الفراق، وما في الدنيا

стр. 900

مثل ماء مصر للرجال، قد قدمت مصر وأنا مثل الخصي، فما برحت من مصر حتى ولد لي من جاريتي دنانير «أبو الحسن». وأخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: أنبأنا الحسن بن رشيق إجازة، قال: حدثنا محمد بن رمضان، ومحمد بن يحيى؛ قالا: حدثنا محمد بن عبد الله. فذكره. غير أنه زاد: ما أتحرك وقال: فما برح من مصر حتى ولد له من جاريته دنانير «أبو الحسن». * * * وللشافعي من امرأته العثمانية ابنتان: فاطمة وزينب. ابنتا محمد بن إدريس. وهما مذكورتان (١) في كتاب الوصية. و «زينب» مذكورة فيما أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو تراب المُذَكِّر، قال: سمعت محمد بن المنذر يقول: سمعت أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي يقول: سمعت أمي (٢) «زينب بنت محمد بن إدريس» تقول: دخلتْ ظِئْرٌ (٣) على أُمِّي، وأبي نائم، ومعها ابن لها، إذ بكى الصبي، وكان يُهاب أبي هيبة شديدة، فوضعت يدها على فيه (٤) مخافة أن يستيقظ، وخرجت تُبادِرُ له الباب حتى كاد الصبي أن يتلف. قالت: فلما استيقظ أبي قالت له، وهي تمزح معه: يا ابن إدريس، كدت تقتل نفساً هذا اليوم. قال: وما ذاك؟ فأخبرته بالخبر فخاف - أو آلى - أن لا يقيل زماناً من زمانه أو تطحن الرحا عند رأسه وكان إذا قال أُحضرت

стр. 901

الرحا وطحنت عند رأسه! ووراه عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن أبي محمد: ابن بنت (١) الشافعي، عن أمه بمعناه (٢)، غير أنه قال: قالت: فجلست تتحدث مع أمّه العثمانية. وزاد: وكان الباب بعيداً. وقال: فلما استيقظ الشافعي قالت له أمّي العثمانية. وزاد: فاحْمَارَّ الشافعي وانتفخ وجعل يقول لها: وكيف كان ذلك (٣)؟

стр. 902

باب ذكر من روى عنهم الشافعي من علماء الحجاز واليمن ومصر والعراق وخراسان * * * أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السّلمي (١)، قال: سمعت أبا الحسن علي بن عمر الحافظ، ببغداد، يقول: ذكر الشيوخ الذين حدّث عنهم الإمام أبو عبد الله: محمد بن إدريس الشافعي، رحمة الله عليهم. فمنهم من أهل مكة: سفيان بن عُيَيْنَة بن عمران الهلالي. وعبد الرحمن بن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مُلَيْكَة. وعبد الله بن المؤمل المَخْزُومي المكي. وعبد الرحمن بن الحسن بن القاسم الأزْرَقي الغَسّاني. وإبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي مَحْذُورة. وعثمان بن أبي الكِتَاب الخُزَاعي المكّي. ومحمد بن علي بن شَافِع. ومحمد بن أبي العباس بن عثمان بن شَافِع.

стр. 903

وإسماعيل بن عبد الله بن قُسْطَنْطِين للمُقْرِئ. ومسلم بن خالد الزّنْجِي. وعبد الله بن الحارث بن عبد الملك المَخْزُومي. وحَمَّاد بن طريف. والفُضَيل بن عياض. وعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رَوَّاد. وأبو صَفْوَان: عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم. ومحمد بن عثمان بن صفوان الجُمَحِي. وسعيد بن سالم القدّاح المكّي. وداود بن عبد الرحمن (١) العطار. ويحيى بن سليم الطائفي. أهل المدينة: مالك بن أنس بن أبي عامر الأصبَحِي. وإبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف. وعبد العزيز بن محمد الدراوردي. وأبو إسماعيل: حاتم بن إسماعيل المزني. وأنس بن عِيَاض بن عبد الرحمن اللَّيْثِي.

стр. 904

ومحمد بن إسماعيل بن أبي فُدَيْك. وعبد الله بن نافع الصّائغ. وإبراهيم بن محمد بن أبي (١) يحيى الأسْلَمِي. والقاسم بن عبد الله بن عمر العُمَرِي. وعبد الرحمن بن زيد بن أَسْلم. وعطّاف بن خالد المَخْزُومي. ومحمد بن عبد الله بن دينار. ومحمد بن عمرو بن واقِد الأَسْلمي. وسليمان بن عمرو. ومن سائر البلدان: هشام بن يوسف الصنعاني. ومُطَرِّف بن مازن الصَّنْعَاني. وأبو حنيفة بن سِمَاك بن الفضل. ومحمد بن خالد الجندي. وأبو حفص: عمرو بن أبي سَلَمة. وأيوب بن سَوِيد الرَّمْلي. ويحيى بن حسان التّنّيسي. وأبو أسامة: حماد بن أسامة الكوفي. ومروان بن معاوية الفزاري.

стр. 905

وأبو معاوية الضّرير. ووَكيع بن الجراح. ومحمد بن الحسن الشَّيْبَاني الكوفي. وعبد الوهاب بن عبد المجيد الثّقَفي. وإسماعيل بن إبراهيم بن عُليّة البصري. ويوسف بن خالد التيمي (١) البصري. وعمر بن جبير القاضي. وأبو قطن: عمرو بن الهيثم بن قطن القطني (٢) البصري. وسعيد بن مَسلمة (٣) بن هشام بن عبد الملك بن مروان. وسعيد بن سلمة الكَلْبي - إن كان محفوظا. قلت: هو سعيد بن سلمة (٤) بن أبي الحسام، فيما ذكره أبو الحسين بن المظفر الحافظ، عن الطحاوي، عن المزني، عن الشافعي، في حكاية ذكرها عنه جعفر بن محمد. قال أبو الحسن الدارقطني: وأبو سعد: معاذ بن موسى الجعفري. خراساني. وعبد الكريم بن محمد الجُرْجَاني. قال أحمد: وقد روى الشافعي أيضًا عن علي بن ظبيان الجنبي.

стр. 906

وروى عن محمد بن خالد. وعبد الله بن عمرو بن مسلم، في الجزية (١) وعن محمد بن الحسن بن الماجشون، وجماعة من فقهاء أهل المدينة، فيما ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ قصه في المواريث. وروى عن عبد الله بن المبارك حديثاً في التعوذ من النحل. وروى عن رجل يقال له: أبو عبد الله الخراساني. وروى عن الثقة من أصحابه. يقال: هو أبو علي: الحسين بن علي الكَرَابِيسِي. وقد يروى عن الشقة فيريد به أحمد بن حنبل. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسين (٢)، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن أبي حاتم، قال: أخبرني عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي، وذكر الشافعي، فقال: ما استفاد منا أكثر مما استفدنا منه (٣). قال عبد الله: كلّ شيء في كتاب الشافعي: حدثني الثقة عن هشيم وغيره - فهو أبي. وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو عبد الرحمن السلمي؛ قالا: سمعنا أبا العباس: محمد بن يعقوب يقول:

стр. 907

سمعت الربيع بن سليمان يقول: إذا قال الشافعي: أخبرني الثقة. يريد به يحيى بن حسّان. وإذا قال: أخبرنا من لا أتّهم. يريد به إبراهيم بن أبي يحيى. وإذا قال: بعض الناس. يريد به أهل العراق. وإذا قال: بعض أصحابنا. يريد به أهل الحجاز. قلت: وقد قال الشافعي: أخبرنا الثقة عن معمر، والمراد به: «إسماعيل بن عُلَيّة» لتسميته إياه في موضع آخر وقال: أخبرنا الثقة، عن الوليد بن كثير، والمراد به: أبو اسامة، أو (١) من رواه له عن أبي أسامة. فالحديث ينفرد به أبو أسامة، «(٢ عن الوليد ٢)». وقال: أخبرنا الثقة، عن هشام بن عروة في حديث إفاضة أم سَلمَة ليلة المُزْدَلِفَة، والمراد به: أبو معاوية، أو من رواه له (٣) عنه. فالحديث ينفرد بوصله أبو معاوية. وقال في هذا الحديث مرة أخرى: أخبرني من أثق به من المَشْرِقِيِّين (٤) عن هشام بن عروة. وأهل الحجاز يسمون العراقيين المشرقيين. وقد قال في موضع آخر: أخبرنا الثقة. ولا يوقف على مراده به إلا بظن غير مقرون بعلم.

стр. 908

وقد تكلم شيخنا أبو عبد الله الحافظ، ﵀، في تخريجه على ما أَدَّى إليه اجتهاده. ولم تبِن لي حقيقة ذلك فتركت نقله. وكان الشافعي، ﵀، يقول: لا تحدِّث عن حيّ؛ فإن الحي لا يؤمن عليه النسيان. فيحتمل أنه كان يحتاط لنفسه فلا يسمّى من يحدّث عنه وهو حي؛ لهذا المعنى أو غيره. * * * والذي لا بد من معرفته أن تعلم أنه لم يحدث عن ثقة عنده لم يوجد ذلك الحديث عند ثقة معروف باسمه وحاله، فالحجة قائمة برواية المعروف الثقة ولذلك كان لا يُطَالِبُ بتسميته الثقة عنده، ويكتفي بشهرته فيما بين أهل العلم بالحديث. وكانوا في القديم يأخذون الحديث أكثره حفظاً ثم يُعلِّقونه (١). وحين صنّف الشافعي الكتب الجديدة بمصر لم يكن معه أكثر كتبه، كذلك حين صنّف الكتب القديمة بالعراق، لم يكن معه أكثر كتبه، فربما كان يشك فيمن حدّثه، ولا يشك في ثقته، فيقول: أخبرنا الثقة. ومثال ذلك أنه قال في «كتاب قسم الصدقات»: أخبرنا وكيع بن الجراح [(٢ عن زكريا بن إسحاق. فذكر حديث معاذ بن جبل. وقال في «كتاب فرض الزكاة»: أخبرنا وكيع بن الجرّاح ٢)]. أو ثقة غيره، أو هما عن زكريا ابن إسحاق. فحين صنّف «كتاب قسم الصدقات» لم يشك فرواه عن وكيع وحين صنف «كتاب فرض الزكاة» شك فيه فأخرجه مخرج الشك.

стр. 909

وقال في موضع آخر: أخبرنا الثقة. يريد به وكيعاً، أو ثقة غيره أو هما. والحديث مشهور عن وكيع وعن (١) غيره، عن زكريا بن إسحاق، فلا يضره شكه فيمن حدثه. والله اعلم. * * * قال أحمد: وللشافعي فيما صنع من ذلك سَلفُ صدْق وخلَف حق: هذا نجم العلماء «مالك بن أنس» ﵀، روى في «الموطأ» في كتاب الزكاة: عن الثقة عنده، عن سليمان بن يَسَار، وعن بسر بن سعيد: أن رسول الله، ﷺ ، قال: «فيما سقت السماء والعيون والبعل (٢) العشر، وفيما سقى بالنضْح نصف العشر» (٣). وقال في كتاب البيوع: بلغني عن عمرو بن شعيب. وفي رواية أبي مصعب: عن مالك، عن الثقة [عنده] (٤) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي، ﷺ ، في النهي عن بيع العربان (٥). ومن نظر في كتاب «الموطأ» وكتاب «ابن عيينة» وغيره من العلماء أبصر من

стр. 910

أمثال هذا ما يدلُه على أنّ الشافعيّ، ﵀، في كتابه عمن روى دون تسميته في بعض ما رواه - متبعٌ غير مبتدع. وهذان صاحبا الصحيح: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجّاج رحمهما الله، صنّفا (١) أمثال ذلك مع اشتهارها بترك الاحتجاج بالمَرَاسيل. قال البخاري في مواضع من كتابه: «وقال الليث، وقال الأوزاعي، وقال فلان» لعالم سمَّاه دون ذِكْرِ مَن سمعه عنه ممن رواه عنه. وروى في موضع (٢) من كتابه: «عن محمد» غير منسوب. وعن يزيد (٣) غير منسوب. وعن عبد الله غير منسوب. وعن عبد الرحمن غير منسوب. [وعن أحمد غير منسوب، وعن إسحاق غير منسوب. وعن الحسن غير منسوب] (٤) وعن يعقوب غير منسوب (٥). وقال مسلم بن الحجاج في كتاب الطهارة: «وقال الليث بن سعد: حدثني جعفر بن ربيعة، عن الأعْرج، عن عُمَير (٦)» فذكر حديث أبي الجَهْم في التيمم (٧). وقال في كتاب الصلاة (٨): «حدثْتُ عن يحيى بن حسان ويونس بن محمد، قالا: حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن عُمارة بن القَعْقاع، عن أبي زُرْعة، عن

стр. 911

أبي هريرة» في نهوض النبي، ﷺ ، من الركعة الثانية (١). وقال في كتاب المُزَارَعَة: «حدثني غير واحد من أصحابنا قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْس قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الرجال، عن عَمْرة، عن عائشة: سمع رسول الله، ﷺ ، صوت خُصُومٍ بالباب (٢). وقال في البيوع: «حدثني أصحابنا، عن عوف بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن المسيّب، عن معمر. في الاحْتِكَار (٣). وقال في الفضائل: حُدِّثْتُ (٤) عن أبي أسامة. وممن روى ذلك عنه إبراهيم ابن سعيد الجوهري، عن بريد بن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي، ﷺ : أنّ الله إذا أراد رحمة أمّة من عباده قبض نبيها قبْلَها. الحديث (٥).

стр. 912

وإنما صنعا ذلك - والله أعلم - لعلمهما باشتهار الحديث برواية ثقة أو ثقات سوى من كتبا عنه بسبب من الأسباب: إما لأنه لم يكن من شرطهما، أو كان حيًّا في وقت روايتهما عنه؛ فلم يسمياه أو لم ينسباه، أو لغير ذلك من المعاني. واعتمدا على اشتهار الحديث برواية غير مَنْ كَتَبا عنه. كذلك الشافعي، ﵀، هكذا صنع. والله أعلم. ولهذا المعنى توسّع من توسّع في السماع عن بعض محدِّثي زماننا هذا، الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم. وهو أنّ الأحاديث التي قد صحَّت أو وقعت (١) بين الصحة والسقم - وقد دُوِّنت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة أهل اعلم بالحديث، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن تذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حِفْظَها، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم، لم يقبل منه، ومن جاء بحديث هو معروف عندهم، فالذي يرويه اليوم لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مُسَلْسَلاً بحدّثنا أو بأخبرنا. وتبقى هذه الكرامة التي اختصت (٢) بها هذه الأمة إلى يوم القيامة شَرَفاً لنبينا المصطفى، ﷺ ، كثيراً. * * * والذي ينبغي ذكره ها هنا: أن الحديث في الابتداء كانوا يأخذونه من لفظ المحدِّث حفظاً، ثم كتبه بعضهم احتياطاً، ثم قام بجمعه، ومعرفة رواته، والتمييز بين صحيحه وسقيمه - جماعةٌ لم يخفّ عليهم إتقان المتقنين من رواته

стр. 913

ولا خطأ من أخطأ منهم في روايته، حتى لو زِيْدَ في حديث حرفٌ أو نقص منه شيء، أو غُير منه لفظ يغير المعنى - وقفوا عليه وتَبَيَّنُوه (١)، ودوَّنوه في تواريخهم؛ حتى تَرك أوائِلُ هذه الأمة أَواخرَها - بحمد الله - على الوَاضِحَة. فمن سلك في كلّ نوع من أنواع العلوم سبيلَهم، واقتدى بهم - صار على بَيِّنه من دينه. نسأل الله التوفيق والعصمة بفضله ومنّه. * * * واحتج بعض العراقيين على الشافعي بأن «مذهب أبي حنيفة» مبني على قول عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، ﵄، فأخرج من كتب أهل الحديث من أقاويلهما ما يخالفه أبو حنيفة من غير سماع منه لبعض ما أخرجه. وكذلك في «كتاب السِّيَر» الذي رواه أبو عبد الرحمن البغدادي عنه، احتاج إلى أحاديث لم تكن في مسموعاته، أو وجدها في مسموع غيره أتمَّ مَتْنًا، أو بإسناد أقوى (٢) مما كان عنده - فأوردها مستشهداً بها من غير سماع منه لما ذكره، ولا ذكر أخبرنا ولا حدثنا ولا أنبأنا ولا سمعت، في شيء من ذلك إلا أن يروِي خلال ذلك عن شيخ له ما سمعه منه، فحينئذ يذكر فيه سماعه. وربما يجمع في حديث سمعه من شيخ له بينه وبين شيخ لم يسمع منه، ولا يذكر فيه سماعه ألبتة لا من شيخه ولا من غيره. فنظر الشيخ «أبو الحسن: علي بن عمر الدارقطني الحافظ» ﵀ في بعض هذه الكتب فتوهّم أن بعض أولئك الشيوخ من شيوخ الشافعي الذين سمع منهم فعدَّهم - في روايتنا عن شيخنا أبي عبد الرحمن السلمي عنه - في جملة شيوخ الشافعي، ﵀. وليس الأمر على ما توهَّم. وقد يقول في تلك الكتب: الأعمش عن إبراهيم، وإسماعيل عن الشعبي

стр. 914

وسعيد بن أبي معشر، وشعبة عن الأعمش وغيره، وسفيان - يعني الثوري - عن أبي إسحاق وغيره، وحماد بن سلمة عن سماك وغيره، والليث بن سعد عن عقيل. ومعلوم أنه لم يسمع من واحد منهم، وإنما هو «بلاغ» بلغه عنهم، فكذلك روايته في هذا الكتاب عن يحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن ابن مهدي، ومحمد بن عبيد، وعباد بن العوّام، ومحمد بن يزيد، ويزيد ابن هارون، وعبد الله بن إدريس، وهشيم بن بشير، وإسحاق بن يوسف الأزرق وغيرهم - «بلاغ» بلغه عنهم لا سماع. فإن ذكر فيه حديثا (١) عن شيخ له قد سمعه منه قال: أخبرنا مالك، أو أخبرنا سفيان، أو أخبرنا ابن علية أو أخبرنا سعيد بن سالم، أو أخبرنا الزنجي بن خالد، أو غيرهم. وإن ذكر فيه حديثا عن شيخ له لم يسمعه منه، أو سمعه منه بلفظ آخر لم يذكر فيه سماعه. وكلّ ذلك إتقان منه، واحتياط لدينه فيما رواه أو حكاه. والله يغفر لنا وله برحمته.

стр. 915

باب (١) ذكر أصحاب الشافعي، ﵀، الذين حملوا عنه العلم أو رووا عنه حديثاً، أو حكوا عنه حكاية * * * أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين بن محمد بن موسى السلمي فيما قرأت عليه قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله الديبلي يقول: سمعت أبا المنذر (٢) بن سهل بن عبد الصمد الرّقي يقول: سمعت داود بن علي يقول: اجتمع للشافعي، ﵀، من الفضائل ما لم تجتمع لغيره: فأول ذلك: شرف نسبه (٣) ومنصبه، وأنه من رهط النبي، ﷺ . ومنها: صحة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع. ومنها: سخاوة النفس. ومنها: معرفته بصحة الحديث وسقمه. ومنها: معرفته بناسخ الحديث ومنسوخه.
следующие страницы →