أبي هريرة» في نهوض النبي، ﷺ ، من الركعة الثانية (١).
وقال في كتاب المُزَارَعَة: «حدثني غير واحد من أصحابنا قالوا: حدثنا إسماعيل بن أبي أُوَيْس قال: حدثني أخي، عن سليمان، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الرجال، عن عَمْرة، عن عائشة: سمع رسول الله، ﷺ ، صوت خُصُومٍ بالباب (٢).
وقال في البيوع: «حدثني أصحابنا، عن عوف بن عون، عن خالد بن عبد الله، عن عمرو بن يحيى، عن محمد بن عمرو، عن سعيد بن المسيّب، عن معمر. في الاحْتِكَار (٣).
وقال في الفضائل: حُدِّثْتُ (٤) عن أبي أسامة. وممن روى ذلك عنه إبراهيم ابن سعيد الجوهري، عن بريد بن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي، ﷺ : أنّ الله إذا أراد رحمة أمّة من عباده قبض نبيها قبْلَها. الحديث (٥).
стр. 912
وإنما صنعا ذلك - والله أعلم - لعلمهما باشتهار الحديث برواية ثقة أو ثقات سوى من كتبا عنه بسبب من الأسباب: إما لأنه لم يكن من شرطهما، أو كان حيًّا في وقت روايتهما عنه؛ فلم يسمياه أو لم ينسباه، أو لغير ذلك من المعاني. واعتمدا على اشتهار الحديث برواية غير مَنْ كَتَبا عنه. كذلك الشافعي، ﵀، هكذا صنع. والله أعلم.
ولهذا المعنى توسّع من توسّع في السماع عن بعض محدِّثي زماننا هذا، الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يحسنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم. وهو أنّ الأحاديث التي قد صحَّت أو وقعت (١) بين الصحة والسقم - وقد دُوِّنت وكتبت في الجوامع التي جمعها أئمة أهل اعلم بالحديث، ولا يجوز أن يذهب شيء منها على جميعهم، وإن جاز أن تذهب على بعضهم؛ لضمان صاحب الشريعة حِفْظَها، فمن جاء اليوم بحديث لا يوجد عند جميعهم، لم يقبل منه، ومن جاء بحديث هو معروف عندهم، فالذي يرويه اليوم لا ينفرد بروايته، والحجة قائمة بحديثه برواية غيره، والقصد من روايته والسماع منه أن يصير الحديث مُسَلْسَلاً بحدّثنا أو بأخبرنا. وتبقى هذه الكرامة التي اختصت (٢) بها هذه الأمة إلى يوم القيامة شَرَفاً لنبينا المصطفى، ﷺ ، كثيراً.
* * *
والذي ينبغي ذكره ها هنا: أن الحديث في الابتداء كانوا يأخذونه من لفظ المحدِّث حفظاً، ثم كتبه بعضهم احتياطاً، ثم قام بجمعه، ومعرفة رواته، والتمييز بين صحيحه وسقيمه - جماعةٌ لم يخفّ عليهم إتقان المتقنين من رواته
стр. 913
ولا خطأ من أخطأ منهم في روايته، حتى لو زِيْدَ في حديث حرفٌ أو نقص منه شيء، أو غُير منه لفظ يغير المعنى - وقفوا عليه وتَبَيَّنُوه (١)، ودوَّنوه في تواريخهم؛ حتى تَرك أوائِلُ هذه الأمة أَواخرَها - بحمد الله - على الوَاضِحَة. فمن سلك في كلّ نوع من أنواع العلوم سبيلَهم، واقتدى بهم - صار على بَيِّنه من دينه. نسأل الله التوفيق والعصمة بفضله ومنّه.
* * *
واحتج بعض العراقيين على الشافعي بأن «مذهب أبي حنيفة» مبني على قول عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود، ﵄، فأخرج من كتب أهل الحديث من أقاويلهما ما يخالفه أبو حنيفة من غير سماع منه لبعض ما أخرجه. وكذلك في «كتاب السِّيَر» الذي رواه أبو عبد الرحمن البغدادي عنه، احتاج إلى أحاديث لم تكن في مسموعاته، أو وجدها في مسموع غيره أتمَّ مَتْنًا، أو بإسناد أقوى (٢) مما كان عنده - فأوردها مستشهداً بها من غير سماع منه لما ذكره، ولا ذكر أخبرنا ولا حدثنا ولا أنبأنا ولا سمعت، في شيء من ذلك إلا أن يروِي خلال ذلك عن شيخ له ما سمعه منه، فحينئذ يذكر فيه سماعه. وربما يجمع في حديث سمعه من شيخ له بينه وبين شيخ لم يسمع منه، ولا يذكر فيه سماعه ألبتة لا من شيخه ولا من غيره. فنظر الشيخ «أبو الحسن: علي بن عمر الدارقطني الحافظ» ﵀ في بعض هذه الكتب فتوهّم أن بعض أولئك الشيوخ من شيوخ الشافعي الذين سمع منهم فعدَّهم - في روايتنا عن شيخنا أبي عبد الرحمن السلمي عنه - في جملة شيوخ الشافعي، ﵀.
وليس الأمر على ما توهَّم.
وقد يقول في تلك الكتب: الأعمش عن إبراهيم، وإسماعيل عن الشعبي
стр. 914
وسعيد بن أبي معشر، وشعبة عن الأعمش وغيره، وسفيان - يعني الثوري - عن أبي إسحاق وغيره، وحماد بن سلمة عن سماك وغيره، والليث بن سعد عن عقيل.
ومعلوم أنه لم يسمع من واحد منهم، وإنما هو «بلاغ» بلغه عنهم، فكذلك روايته في هذا الكتاب عن يحيى بن سعيد القطّان، وعبد الرحمن ابن مهدي، ومحمد بن عبيد، وعباد بن العوّام، ومحمد بن يزيد، ويزيد ابن هارون، وعبد الله بن إدريس، وهشيم بن بشير، وإسحاق بن يوسف الأزرق وغيرهم - «بلاغ» بلغه عنهم لا سماع. فإن ذكر فيه حديثا (١) عن شيخ له قد سمعه منه قال: أخبرنا مالك، أو أخبرنا سفيان، أو أخبرنا ابن علية أو أخبرنا سعيد بن سالم، أو أخبرنا الزنجي بن خالد، أو غيرهم.
وإن ذكر فيه حديثا عن شيخ له لم يسمعه منه، أو سمعه منه بلفظ آخر لم يذكر فيه سماعه.
وكلّ ذلك إتقان منه، واحتياط لدينه فيما رواه أو حكاه. والله يغفر لنا وله برحمته.
стр. 915
باب (١)
ذكر أصحاب الشافعي، ﵀، الذين حملوا عنه العلم أو رووا عنه حديثاً، أو حكوا عنه حكاية
* * *
أخبرنا أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين بن محمد بن موسى السلمي فيما قرأت عليه قال: سمعت عبد الرحمن بن عبد الله الديبلي يقول: سمعت أبا المنذر (٢) بن سهل بن عبد الصمد الرّقي يقول:
سمعت داود بن علي يقول:
اجتمع للشافعي، ﵀، من الفضائل ما لم تجتمع لغيره:
فأول ذلك: شرف نسبه (٣) ومنصبه، وأنه من رهط النبي، ﷺ .
ومنها: صحة الدين وسلامة الاعتقاد من الأهواء والبدع.
ومنها: سخاوة النفس.
ومنها: معرفته بصحة الحديث وسقمه.
ومنها: معرفته بناسخ الحديث ومنسوخه.
стр. 916
ومنها: حفظه لكتاب الله، وحفظه لأخبار رسول الله، ﷺ ، ومعرفته بسير النبي، ﷺ ، وسير خلفائه.
ومنها: كشفه لتمويه مخالفيه.
ومنها: تأليفه الكتب القديمة والجديدة.
ومنها: ما اتفق له من الأصحاب والتلامذة، مثل أبي عبد الله: أحمد بن حنبل في زهده وعلمه وورعه وإقامته على السنة، ومثل سليمان بن داود الهاشمي، وعبد الله بن الزبير الحميدي، والحسين الفلاس، وأبي ثور: إبراهيم (١) بن خالد الكلبي، والحسن بن محمد الصباح الزعفراني، وأبي يعقوب: يوسف بن يحيى البويطي، وحرملة بن يحيى التجيبي، والربيع بن سليمان المرادي، وأبي الوليد: موسى بن أبي الجارود، والحارث بن سريج النقال، وأحمد بن خالد الخلال، والقائم بمذهبه، أبو إبراهيم: إسماعيل بن يحيى المزني.
ولم يتفق لأحد من العلماء والفقهاء من الأصحاب ما اتفق له، رحمة الله عليه وعليهم أجمعين (٢).
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال: حدثنا إبراهيم بن محمود قال:
سمعت داود بن علي يقول: ومن الذين اتفق للشافعي من الأصحاب والذابّين عنه والمنتحلين بالانتساب إليه: سيد أهل الحديث في عصره، الذي لا يختلف في فضله وعلمه موافق ولا مخالف منصف: «أحمد بن حنبل» وكان
стр. 917
أجلّ (١) تلامذته (٢)، وأكثر الناس ملازمة له، وأخصهم لمن استخصه على ملازمته، وكان يأمر أن تكتب كتبه، ويسرُّ بمجالسته، ويذبّ عنه، ويدعو إليه وإلى مجالسته إخوانَه، ويخبر أنه ما رأى مثله. وقد حكى عنه وروى عنه، رحمة الله ورضوانه عليهما (٣).
قال (٤):
ومنهم «سليمان بن داود الهاشمي» في الحضّ عليه، والدعاء إليه، وإلى مقالته، وأحد الحاكين عنه، والذابّين عن قوله. أخبرني بذلك أبو ثور عنه.
قال داود: وكذلك «عبد الله بن الزبير الحميدي» بعد نفوره: كان يذبّ عنه، وينتحل مذهبه، وكتب أكثر كتبه.
قال: ومن تلامذته (٥) المنسوبين إليه: «الحسين بن الفلاس» (٦) وكان من عِلْية (٧) أهل الحديث وحفاظهم له ولمقالة الشافعي. أخبرني بذلك أبو ثور وأبو علي: الحسين بن محمد.
قال داود: ومن المشهورين به الذي لا يجهل «أبو ثور: إبراهيم بن خالد الكلبي» زاد في غير رواية شيخنا: والحسين بن علي والحسن بن محمد الزعفراني
قال في رواية شيخنا:
ومنهم «أحمد بن خالد الخلال» وكان من أهل الحديث. وممن يعرف
стр. 918
بالدين والأمانة والورع وانتحال مذهب الشافعي.
قال (١): ومنهم «أبو عبد الرحمن الشافعي» وكان في حال انتحاله لمذهبه وذبّه عن قوله - ريحانة أهل الحديث وأحد النُّسَّاك والحفّاظ للحديث وقبوله حتى صار إلى ما سبق من علم الله فيه.
قال: ومنهم «حرملة بن يحيى التجيبي» وكان أحد المتقدمين من أصحاب الشافعي وممن (٢) ينسب إلى الشافعي، منه سمع وعنه اقتبس.
قال: ومنهم «أبو يعقوب: يوسف بن يحيى البويطي» ومكانه من العلم مكانه، وكان أحد من أريد على ترك دينه وأوذى (٣) في الله، وحمل في الأقياد من مصر، واغترب عن أهله وطال في السجن حبسه، ممتنعاً مما أريد منه من القول بخلق القرآن، صابراً على الأذى في الله ، حتى مات في أقياده محبوساً ثابتاً على دينه، غير مجيب إلى ما أريد منه مما قد سارع إليه أكثر مخالفيه من متفقهة عصره، رحمة الله عليه ورضوانه.
قال: ومنهم «الربيع بن سليمان المرادي» الذي لا تعلم الرحال تشد من شرق (٤) إلى غرب في طلب العلم - يعني في عصره - إلا إليه، وإنما يقصد القاصدون إليه؛ ليعرفوا مقالة الشافعي، ﵁.
قال: ومنهم «أبو الوليد: موسى ابن أبي الجارود المكي» وكان مفتي أهل مكة، وممن (٥) يعترف له بالدين والأمانة والورع والحفظ لمقالة الشافعي، ﵁.
стр. 919
زاد في غير رواية شيخنا: ومنهم «أبو إبراهيم: إسماعيل بن يحيى المزني» أحد نظار أصحابه لا يدفعه عن ذلك منهم دافع مع اعتراف أكثر مخالفيه له بذلك.
قال في رواية شيخنا: ومنهم «الحارث بن سريج النقال» وكان أحد المعدودين من طلبة الآثار.
قال داود: وكان «القاسم بن سلام» أحد المقتبسين (١) من كتب الشافعي وقد كان ابتدأ في كتاب المناسك، فحكى فيه عن الشافعي، ﵁. رأيته في كتاب بخط يده.
قال داود: وكان أحد أتباع الشافعي والمقتبسين منه والمعترفين بفضله: «عبد العزيز بن يحيى الكناني»: طالت صحبته واتباعه له وخرج معه إلى اليمن. وآثار الشافعي في كتاب عبد العزيز المكي بينة عن ذكره الخصوص والعموم والبيان. كل ذلك مأخوذ من كتب المُطَّلبي. رحمة الله عليه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت علي بن أحمد بن واصل يقول: سمعت محمد بن إبراهيم الشافعي يقول: سمعت إبراهيم بن إسحاق يقول: في مسألة: قال أستاذ الأستاذَين قالوا: ومن هو؟ قال: الشافعي. أليس هو أستاذ أحمد بن حنبل وأبو ثور؟!
* * *
أخبرنا أبو عبد الله: الحسين بن محمد بن الحسين الدينوري قال: حدثنا الفضل ابن الفضل الكندي قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال:
قلت «لأبي داود السجستاني: سليمان بن الأشعث»: مَنْ أصحاب الشافعي؟
стр. 920
قال: أولهم: عبد الله بن الزبير الحميْدي، وأحمد بن حنبل، ويوسف بن يحيى: أبو يعقوب البويطي، والربيع بن سليمان، وأبو ثور: إبراهيم بن خالد، وأبو الوليد بن أبي الجارود المكي، والحسن بن محمد الزعفراني، والحسين بن علي الكرابيسي، وإسماعيل بن يحيى المزني، وحرملة بن يحيى، ورجل ليس بالمحمود: أبو عبد الرحمن: أحمد بن يحيى الذي قال له الشافعي؛ وذلك أنه بَدَّل وقال بالاعتزال.
هؤلاء ممن تكلم في العلم وعرفوا به من أصحابه.
أخبرنا (١) أبو عبد الرحمن: محمد بن الحسين السلمي قال: سمعت الإمام (٢) «علي بن عمر الحافظ» الدارقطني (٣) ببغداد، وذكر أسامي (٤) من روى عن الشافعي فقال: روى عنه: أبو عبد الله: أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد، وأحمد بن محمد بن الوليد الأزرقي، وأحمد بن محمد بن سعيد الصيرفي البغدادي، وأبو طاهر: أحمد بن عمرو بن السرح المصري، وأحمد بن سعيد بن بشر الهمذاني، وأحمد بن الصباح بن أبي سريج الرازي، وأحمد [بن محمد] (٥) بن الحجاج المروروذي صاحب أحمد بن حنبل، وأحمد بن سنان بن أسد الواسطي، وأحمد بن عبد الله بن قنبل المكي، وأحمد بن خالد البغدادي ثقة، وأحمد بن يحيى بن الوزير المصري، وأحمد بن عبد الرحمن بن وهب، وأحمد بن صالح المصري، وأحمد بن محمد الأموي، وأحمد بن أبي بكر، وأبو ثور: إبراهيم بن خالد الكلبي، وإبراهيم بن عيسى بن أبي أيوب المصري، وإبراهيم بن
стр. 921
هرم القرشي المصري، وإبراهيم بن عبيد الله (١) الحجبي، وإسماعيل بن يحيى المزني، وإبراهيم بن المنذر الحزامي، وأحمد بن أبي موسى، وإسحاق بن عيسى ابن الطباع، وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وإسحاق بن بهلول الأنباري، وإسحاق بن صغير (٢) العطار، وإدريس بن يوسف المخزومي، وأيوب بن سويد الرملي، وأبو عبد الرحمن: أحمد (٣) بن يحيى الشافعي المتكلم البغدادي، وأسد بن سعيد بن كثير بن عفير، وبحر بن نصر بن سابق الخولاني، وبشر ابن غياث المريسي، والحسن بن محمد بن (٤) الصباح الزعفراني، والحسن بن عبد العزيز الجروي، والحسن بن إدريس الخولاني (٥)، والحسن بن عثمان: أبو حسان الزيادي البغدادي، والحسين بن علي الكرابيسي البغدادي، وحسين القلاس الفقيه، وحسين بن عبد السلام: الشاعر الملقب بالجمل، والحارث ابن سريج النقّال (٦) وحامد بن يحيى البلخي، وحرملة بن يحيى بن الحارث ابن مسكين، وخالد بن نزار الأيلي، وداود بن أبي صالح مصري، والربيع ابن سليمان المؤذن المرادي، والحسن (٧) بن أبي الربيع الجرجاني، وزينب بنت محمد بن إدريس، وزكريا بن يحيى الوقاد، وسفيان بن عيينة عنه، وسعيد بن كثير بن عفير، وسعيد بن موسى بن أسد السنة، وسعيد بن عيسى بن تليد (٨) الرعيني المصري، وسليمان بن داود المهري، وسليمان بن عبد العزيز ابن أبي ثابت الزهري، وسليمان بن داود بن علي بن عبد الله بن عباس
стр. 922
وسليمان (١) بن داود الشاذكوني (٢)، وسفيان بن محمد المسعودي، وسهل بن محمد أبو حاتم السجستاني، وصالح بن أبي صالح كاتب الليث، وعبد الله بن عبد الحكم ابن أعين، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وعبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان ابن شافع ابن عمه، وعبد الله بن محمد البلوي، وعبد الرحمن بن مهدي، وعبد الرحمن ابن عبد الله بن سوار العنبري، وعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، وعبيد الله بن محمد بن هارون الفريابي، وعبيد الله أو عبد الله بن عبد الخالق المهري المصري وعبد الملك ابن قريب الأصمعي، وعبد الملك بن عبد العزيز الماجشوني، وعبد الملك بن هشام المصري، وعبد الغني بن عبد العزيز المصري، وعبد العزيز بن عمران بن مقلاص وعبد العزيز ابن يحيى المكي، وعبد الحميد بن الوليد بن المغيرة: أبو زيد النحوي المصري، وعلي بن عبد الله بن جعفر المديني، وعلي بن معبد بن شداد العبدي، وعلي بن مسلم الثقفي (٣)، وعلي بن سليمان الأخميمي، وعمرو بن خالد الحراني، وعمرو بن سواد السرجي، وقتيبة بن سعيد البلخي، والقاسم بن سلام، وأبو عبيد: قحزم بن عبد الله بن قحزم والليث بن عاصم القتباني، ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر، ومحمد بن سعيد بن غالب العطار البغدادي، ومحمد بن عبد الله المخزومي، ومحمد بن سعيد بن الحكم بن أبي مريم، ومحمد بن أبي بكر المصري، ومحمد ابن أحمد المصري، ومحمد بن خلف العسقلاني، ومحمد بن نافع مصري، ومحمد ابن الوزير المصري، ومحمد بن مهاجر أخو حنيف بغدادي، ومحمد بن محمد بن إدريس ابنه، ومحمد بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع ابن عمه، ومحمد بن عبد العزيز الواسطي، وموسى بن أبي الجارود المكي، ومسعود بن
стр. 923
سهل الأسود المصري، ومصعب بن عبد الله الزبيري (١)، ومحمد بن أبي يعقوب الدينوري، ومحفوظ بن أبي توبة، ومسلم بن خالد الزنجي، ونمير بن سعيد مصري ووهب الله بن رزق مصري، وهارون بن سعيد الأيلي وهارون بن محمد السعدي ويونس بن عبد الأعلى الصدفي، ويوسف بن عمرو بن يزيد المصري، ويوسف ابن يحيى البويطي، ويحيى بن سعيد القطان البصري، ويحيى بن عبد الله (٢) الخثعمي. ويحيى بن معين البغدادي، ويحيى بن أكثم القاضي، وأبو شعيب المصري وأبو مروان بن أبي الخصيب رجل من أهل مصر يلقب بسرج الغول، وابن بنت عفراء المكي المقدمي غير مسمى.
هذه جملة من روى عن الشافعي كلامه وحكاياته وأخباره وأحاديثه.
قلت المقدمي: هو: محمد بن أبي بكر، حكى مناظرة الشافعي مع محمد ابن الحسن بالرقة. وإنما أراد برواية (٣) ابن عيينة عن الشافعي - فيما أظن - معنى حديث رسول (٤) الله ﷺ «أقروا الطير في مكانتها» ففي حكاية محمد بن مهاجر: فسمعت سفيان بن عيينة بعد ذلك - أي بعدما سأل الشافعي عن معناه وجوابه (٥) إياه - يسأل عن تفسيره، فكان تفسيره على نحو ما قال الشافعي وقد قدمنا ذكرها.
* * *
وذكر شيخنا أبو عبد الله: محمد بن عبد الله الحافظ، ﵀، أصحاب
стр. 924
الشافعي، ﵀، والرواة عنه فنقص مما ذكره الدارقطني، ﵀، وزاد عليه قال (١): فوجدت فيمن زاد: «إسماعيل بن طباطبا العلوي».
أخبرنا أبو عبد الله قال: كتب إلى أبو عبد الله: محمد بن علي بن الحسين الحافظ بخطه يذكر أن أبا عمرو: بشران بن يحيى الأصبهاني حدثهم بمكة قال: سمعت أبا الحسين: علي بن إسماعيل بن طباطبا العلوي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت الشافعي يقول: الانبساط إلى الناس مجلبة لقرناء السوء والانقباض عنهم مكسبة للعداوة؛ فكن بين المنقبض والمنبسط.
وفيمن زاد: «أحمد بن محمد بن القاسم بن أبي بزة المقرئ المكي» قارئ أهل الحجاز في وقته.
أخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرنا أبو بكر: أحمد بن إسحاق بن أيوب الفقيه قال: أخبرنا محمد بن يحيى بن ناصح العامري (٢) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن أبي بزة قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي الأكبر وهو يكلم ابن عمة له: (٣) وهو يقول: والله لو أني أعلم أن الماء يثلم مروءتي ما شربته قال: وهذا سمعته سنة أربع وتسعين ومائة وأنا ابن ثلاث عشرة سنة.
وفيمن زاد: «أبو الحسن (٤): علي بن سهل (٥) بن المغيرة الرملي».
أخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: حدثني
стр. 925
أحمد (١) بن عمرو قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن فورش عن علي بن سهل الرملي قال: سألت الشافعي عن القرآن فقال: كلام الله غير مخلوق.
وفيمن زاد: «إبراهيم بن محمد بن أيوب المصري (٢)» وذكر حديثا عنه عن الشافعي عن مالك في الركاز (٣).
وفيمن زاد: «سلمة بن شبيب المستملي» فذكر حديثا عنه عن الشافعي عن فضيل بن عياض قد قدمنا ذكرها.
وفيمن زاد: «إبراهيم بن محمد الكوفي» وهو الذي حكى مناظرة الشافعي وإسحاق بن راهويه.
وفيمن زاد: «عمار بن زيد» وهو الذي حكى قصة دخول الشافعي على هارون الرشيد وسؤاله عن علمه.
وفيمن زاد: «عبد الله بن محمد بن عقيل» شيخ من أهل العراق.
وأخبرنا أبو عبد الله في موضع آخر قال:
أخبرنا أبو الوليد الفقيه قال: حدثني إبراهيم بن محمود قال: حدثنا أبو سليمان - وهو داود الأصبهاني - قال: حدثني عبد الله بن محمد بن عقيل قال: ما عرفت الشافعي إلا بأحمد بن حنبل، وهو ذهب بي إليه.
وفيمن زاد: «ياسين بن عبد الأحد بن أبي زرارة» وأبو زرارة: هو الليث بن عاصم القتباني.
стр. 926
قال: وقد روى «ياسين» عن الشافعي وحكى عنه جده أبو زرارة، إلا أن جده مات قبل الشافعي وكان شيخ المالكيين.
وفيمن زاد: «عبد الملك بن محمد الرقي» و «أبو محمد: الربيع بن سليمان الجيزي» والد أبي عبيد الله المصري.
و «زيد بن بشر المصري»، و «يعقوب بن إبراهيم الدورقي» و «محمد ابن عبد الرحيم بن شروض الصنعاني».
وذكر شيخنا أبو عبد الله في أصحاب الشافعي والرواة عنه «أبا أحمد: محمد بن عبد الله بن محمد المكي» ختن الشافعي على ابنته زينب.
وأنا أظنه محمد بن عبد الله بن محمد بن العباس بن عثمان بن شافع الذي ذكره الدارقطني. ﵏.
وقد تمكن الزيادة عليهم بإخراج جماعة من نوادر الحكايات عنه. وبالله التوفيق.
وقد أُخبرت عن أبي العباس السليطي أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: حدثنا علي بن عمر الحافظ قال: حدثني إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الرعيني قال: حدثنا الطحاوي قال: حدثنا علي بن عمرو بن خالد قال: سمعت أبي يقول: قال لي الشافعي: يا أبا الحسن، انظر إلى هذا الباب - يعني الباب الأول من أبواب المسجد - فنظرت إليه فقال: ما يدخل من هذا الباب أحد أعقل من «يونس ابن عبد الأعلى».
[وبإسناده عن سهل بن نعيم قال:
قال لي محمد بن إدريس الشافعي، ﵁: كل من تكلم بكلام في الدين، أو في شيء من هذه الأهواء ليس فيه إمام متقدم من النبي وأصحابه فقد
стр. 927
أحدث في الإسلام حدثًا. وقد قال رسول الله، ﷺ : «من أحدث حدثا أو آوى محدثاً في الإسلام فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا (١)».
قال: فهل بن نعيم هذا أيضاً ممن روى عن الشافعي، ﵁ (٢)].
стр. 928
باب
ذكر من قعد في مجلس الشافعي بعد وفاته، ومن قام من أصحابه بنشر علمه
* * *
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن محمد بن حمدون يقول: سمعت إبراهيم بن جعفر يقول:
سمعت الربيع يقول: وجه الشافعي الحميدي إلى الحلقة فقال: الحلقة لأبي يعقوب البويطي، من شاء فليجلس ومن شاء فليذهب.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا أحمد: الحسين بن علي التميمي يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول:
حدثني أبو جعفر السكري - صديق الربيع -[عن الربيع] (١) قال:
لما مرض الشافعي مرضه الذي توفى فيه، جاء محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ينازع البويطي في مجلس الشافعي فقال البويطي: أنا أحق بمجلسه منك. وقال ابن عبد الحكم: أنا أحق بمجلسه منك، فجاء الحميدي - وكان تلك الأيام بمصر - فقال:
стр. 929
قال الشافعي: [ليس أحد أحق بمجلسي من يوسف بن يحيى] (١)، وليس أحد من اصحابي أعلم منه.
فقال له ابن عبد الحكم: كذبت
فقال له الحميدي: بل كذبت أنت، وكذب أبوك، وكذبت أمك (٢).
وغضب ابن عبد الحكم فترك مجلس الشافعي وتقدم مجلس الشافعي فجلس في الطاق الثالث، ترك طاقا بين مجلس الشافعي وبين مجلسه وجلس البويطي [في مجلس الشافعي (٣)] في الطاق الذي كان يجلس. قال أبو بكر: [محمد بن إسحاق: (٤)] وهو الطاق الذي (٥) كان الربيع يجلس فيه أيامنا، إلا أن الشافعي كان يجلس مستقبل القبلة، وكان الربيع يجلس مستدير القبلة، لا يجلس في مجلس الشافعي، ﵀.
وقرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي: سمعت إبراهيم بن زياد يقول:
سمعت البويطي يقول: لما مات الشافعي اجتمعنا في موضعه جماعة من أصحابنا، فجعل أصحاب مالك يسعون علينا عند السلطان، حتى بقيت أنا ومولى الشافعي ثم نرجع بعد ذلك ونتألّف، ثم يسعون علينا عند السلطان حتى نتفرق، فلقد غرمت نحوا ألف دينار حتى رجع أصحابي وتألفنا.
قلت: وكانوا قد سعوا بالشافعي حين وضع كتاب الرد عليهم، واجتمعوا
стр. 930
إلى السلطان وقالوا له: اخرج هذا عنّا. فأجابهم السلطان إلى ذلك، فذهب الشافعي ومعه الهاشميون والقرشيون إلى السلطان، وكلّموه فأبى عليهم وقال: إن هؤلاء قد كرهوه وأخاف أن تفتن البلد عليّ، فأجّله ثلاثة أيام على أن يخرج من البلد، فلما كانت الليلة الثالثة مات الوالي فجأة وكفى أمره وأقام الشافعي. وهذا فيما قرأته في كتاب أبي يحيى الساجي، عن عبد الله بن أحمد، عن أبي عبيد الله ابن أخي عبد الله بن وهب: أنه ذكر هذه القصة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا بكر: محمد بن إبراهيم بن حسنويه العبد (١) الصالح، وأبا الطيب الكرابيسي يقولان: سمعنا أبا بكر: محمد ابن إسحاق يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: ما رأيت البويطي بعد ما فطنت له إلا رأيت شفته تتحرك: إما بذكر وإما بقراءة قرآن.
وذكر عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه فقال في كتابي عن الربيع قال: كان لأبي يعقوب البويطي من الشافعي منزلة، وكان الرجل ربما يسأله عن المسألة فيقول: سل أبا يعقوب فإذا أجابه أخبره فيقول: هو كما قال (٢). قال الربيع: ما رأيت أحداً أنزع لحجة من كتاب الله تعالى من أبي يعقوب البويطي (٣).
قال: وربما جاء إلى الشافعي رسول صاحب الشرط، فيوجه الشافعي أبا يعقوب ويقول: هذا لساني (٤).
وقد حكينا عن الشافعي أنه قال لأبي يعقوب البويطي: أما أنت يا أبا يعقوب فستموت في حديديك. فكان كما تفرس: دعى إلى القول بخلق
стр. 931
القرآن فامتنع منه، فقيد وحمل في أقياده إلى العراق، وحبس حتى توفى في أقياده محبوسا، رحمه الله تعالى.
قرأت في كتاب أبي الحسن: محمد بن الحسين بن إبراهيم بن عاصم، عن أبي بكر: عبد الرحمن بن أحمد الشافعي قال:
سمعت الربيع يقول: رأيت أبا يعقوب البويطي وفي رجله أربع حلق قيود، وفيها أربعون رطلَ حديد، وفي عنقه غلٌّ مشدود إلى يده وهو يقول: إنما خلق الله الخلق «بكن»، فإذا كان «كن» مخلوقا - فمخلوق خلَق مخلوقا (١).
قال: وكان في السجن إذا سمع المؤذن قام ولبس ثيابه وتقدم إلى باب السجن فيقال له: إلى أين؟ فيقول: أجيب داعي الله، فيقال له: ارجع عافاك الله، فيقول: اللهم إنك تعلم أني قد أحببت.
وقرأته في كتاب زكريا بن يحيى الساجي سماعه من الربيع قال:
كان أبو يعقوب إذا سمع المؤذن يوم الجمعة اغتسل ولبس (٢) ثيابه، ومشى حتى يبلغ باب الحبس فيقول له السجان: أين تريد؟ قال: أجيب داعي الله. قال: ارجع عافاك الله تعالى، فيقول أبو يعقوب: اللهم إنك تعلم أنا قد أجبنا داعيك فمنعونا.
وقرأت في كتاب العاصمي: عن الزبير بن عبد الواحد، عن علي بن محمد قال:
قال الربيع: وكتب إليّ البويطي من بعض الطريق: هذا آخر كتاب أكتبه
стр. 932
إليك؛ وذلك أني إذا دخلت (١) على أمير المؤمنين صدَقْتُه فلا أدري ما يكون منه.
قال الربيع: وكان البويطي طويل الصلاة وكان يختم القرآن في كل يوم.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: قرأت بخط أبي عمرو المستملي في كتابه: حضرنا مجلس أبي عبد الله: محمد بن يحيى، فقرأ علينا كتاب أبي يعقوب البويطي إليه:
والذي أسألك أن تعرض حالي على إخواننا أهل الحديث بناحيتك لعل الله يخلصني بدعائهم؛ فإني في الحديد قد عجزت عن أداء الفرض في الطهارة والصلاة.
قال أبو عمرو: فضجَّ الناس بالبكاء والدعاء.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا العباس: محمد بن يعقوب - غير مرة - يقول: رأيت أبي في المنام فقال لي: يا بني، عليك بكتاب البويطي؛ فليس في الكتب أقل خطأ منه.
قلت: وحين تغيظ أبو عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري مما جرى في مجلس الشافعي انتقل إلى مذهب أبيه - وهو مذهب مالك، وكان قبل قدوم الشافعي ينتحله - فاختلف إلى الشافعي وأخذ عنه، وكان أبوه يحثه عليه.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيان قال: حدثنا محمد بن عبد الرحمن الأصبهاني قال: سمعت الحسين (٢) بن علي ابن الأشعث يقول:
стр. 933
سمعت «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم» يقول: كنت أتردد إلى الشافعي فاجتمع قوم من أصحابنا إلى أبي فقالوا: يا أبا محمد، إن محمداً انقطع إلى هذا الرجل ويتردد إليه فيرى الناس أن هذا رغبة عن مذهب أصحابه، فجعل أبي يلاطفهم فيقول: هو حدث، وهو يحب النظر في اختلاف أقاويل الناس ومعرفة ذلك، ويقول في السر:
يا بني، الزم هذا الرجل؛ فإنه عسى أن يخرج يوما من هذا البلد فتقول. قال (١) ابن القاسم فيقال لك: مَن ابن القاسم؟ وذكر قصة في تصديق قول أبي.
وفي كتاب العاصمي: عن محمد بن رمضان، عن ابن عبد الحكم. فذكر هذه القصة، وقال عن «ابن عبد الحكم» أيضا: قال لي (٢) أبي حين قدم الشافعي: يا بني، عليك بالشافعي؛ فإِنك لو جاوزت هذا البلد فتكلمت في مسألة فقلت فيها: قال أشهب قيل لك: ومن أشهب؟ فلزمت الشافعي، وما زال كلام الشيخ في قلبي حتى خرجت إلى العراق، فكلّمني القاضي بحضرة جلسائه في مسألة فقلت فيها: قال أشهب عن مالك، [فقال: ومَن أشهب (٣)؟] وأقبل على جلسائه فقال بعضهم كالمنكر: ما أعرف أشهب ولا أبْلَق.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، قال: سمعت أبا سعيد: عمرو بن محمد بن منصور العدل يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول:
ما رأيت أفقه في المسائل من «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم».
стр. 934
وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا أحمد: الحسين بن علي يقول:
سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول: «محمد بن عبد الله» أعلم من رأيت على أديم الأرض بمذهب مالك وأحفظهم له.
قلت: ومع انتقاله إلى مذهب مالك كان (١) يقول بفضل الشافعي، ﵀، كما سبق ذكرنا له ويقرأ عليه كتب الشافعي.
أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو أحمد بن أبي الحسن قال:
أخبرني عبد الرحمن - يعني ابن محمد بن إدريس - قال:
سمعت: «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم» يقول: ما من أحد ممن خالفنا - يعني خالف مالكا - أحب إليّ من الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن حيان قال: أخبرني أبو جعفر: محمد بن عبد الرحمن قال: أخبرني الحسن بن علي بن الأشعث قال: أخبرني أبو الليث بن الأيلي قال:
سألْنا «محمد بن عبد الله بن عبد الحكم» أن نقرأ عليه كتب الشافعي فأجابنا إلى ذلك على أن تكون قراءتنا في منزله. قال: فجئنا فابتدأنا بالقراءة عليه، وكان رجل ممن يتفقه بقول المدنيين يقال له: محمد بن سعيد المقري له عنده مجلس. قال: فجاء فوجدنا ونحن نقرأ عليه فقال لنا: روحوا فإن لنا مجلسا، وأيّ شيء نصنع بهذه الكتب؟ قال: فقلت له أنا - ومحمد يَسْمع - ليس يمنعك أنت من هذه الكتب إلا أنك (٢) لا تحسن تقرؤها. فقال: أنا لا أحسن
стр. 935
أن أقرأها؟ أنا أقرأ كتب عبد الملك بن (١) الماجشون، أفلا (٢) أحسن أن أقرأ كتب الشافعي؟! قال: وكان «محمد» متكئاً فجلس إنكاراً لقوله فقال: يا أبا عبد الله، والله ما عبد الملك بن (٣) الماجشون عند محمد بن إدريس الشافعي إلا بمنزلة الفطيم عند الكبير.
أخبرنا أبو عبد الله بن محمد قال: سمعت أبا الفضل بن أبي نصر يقول: قرأت على قبر «محمد بن عبد الحكم»: توفى محمد يوم الأربعاء النصف (٤) من ذي القعدة، سنة ثمان وستين ومائتين. ﵀.
* * *
قلت: وحين وقع للبويطي ما (٥) وقع كان القائم بالتدريس والتفقيه (٦) على مذهب الشافعي ﵀: «أبو إبراهيم: إسماعيل بن يحيى المزني» ﵀، صنف من كتب الشافعي، ومما أخذه عنه «المختصر الكبير» ثم صنّف «المختصر الصغير» الذي سار في بلاد المسلمين وانتفعوا به.
وفيما أنشدنا شيخنا أبو عبد الله قال: أنشدت لمنصور بن إسماعيل الفقيه:
لم تر عيناي وتسمع أذني ... أحسن نظما من كتاب المزني
وفيما أخبرنا أبو عبد الله قال:
стр. 936
قال أبو الوليد فيما أخبرت عنه: بلغني عن «أبي العباس بن سريج» أنه قال: يخرج مختصر المزني من الدنيا عذراء لم تفتض.
قال: وكان «أبو العباس بن سريج» إذا ذكر المختصر تمثل بهذا البيت عند ذكره:
لصيق فؤادي مذ ثلاثون حجة ... وصَيقل ذهني والمفرِّج عن همِّي
وأخبرنا أبو عبد الله قال: أخبرني نصر بن محمد بن أحمد قال: أنشدني منصور بن محمد قال: أنشدني أبو عمران: موسى بن محمد المعافري لأبي العباس ابن سريج في المزني - يعني (١) في كتاب المزني -:
حليف فؤادي مذ ثلاثون حجة ... وصَيْقَل ذهني والمفرِّج عن همِّي
جَمُوعٌ لأنواع العلوم بأَسْرِها ... بمختصر ليسَت تفارقه كمِّي (٢)
عزيزٌ على مثلي إضاعة علمه ... لما فيه من نسجٍ بديعٍ ومن نظم
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا سهل: محمد بن سليمان - إمام الشافعيين في عصره بلا مدافعة من موافق ومخالف منصف - يقول: قال لي أبو إسحاق المروزي في شيء جرى بيني وبينه: لم لا تنظر في المختصر؟ فقلت: ما جئتك من خراسان حتى فرغت من نظري في المختصر. فقال: انظروا، يقول مثل هذا وأبو العباس بن سريج يقول: ما نظرت فيه من مرة إلا واستفدت فائدة جديدة.
وأخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت
стр. 937
عبد الله بن عدي الحافظ يقول: سمعت يوسف بن عبد الأحد القمي يقول:
سمعت «المزني» يقول: لو أدركني الشافعي لسمع مني هذا المختصر.
أنشدنا الشيخ أبو الفضل: مسعود بن سعيد بن عبد العزيز السلمي (١)، وكتب بخطه، قال: أنشدنا عمي: الأستاذ الإمام: أبو عبد الرحمن: محمد (٢) بن عبد العزيز بن عبد الله السلمي:
إنّ كتاب المزني ... لَسَلْوَتِي مِن حَزَني
وعُدَّتي إن أحدٌ ... من العِدا بارزني
وحلّتي إنْ فَاخِرٌ ... مِنْ كسوتي أَعْوَزَني
وناصري إن جَدِلٌ ... بحجَّة أَعْجَزَني
آليت لا يعدله ... ملك الفتى ذِي يَزَن
ولا العراقيين ولا الشام وملك اليمن
يا قرّة العين ويا ... زينة كل الزِّيَن
ويا ملاذي إن دَهَتني فتنةٌ في الفِتن
أنت ضجيعي ليلتي ... وفي نهاري سكَني
وفي مسيري صاحبي ... وفي ضريحي كفَني
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرني عبد الله بن سعيد قال: حدثنا
стр. 938
أحمد بن محمد بن يوسف قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الرازي قال: حدثنا أبو عبد الله الهروي قال:
سمعت «أبا زُرعة الدمشقي» وقلت له: ما أكثر حمل «المزني» على الشافعي. فقال: لا تقل هكذا ولكن قل: ما أكثر ظلمه للشافعي.
وقرأت هذه الحكاية في كتاب العاصمي، عن أبي عبد الله: محمد بن يوسف ابن النضر البصري (١) الهروي، عن أبي زُرعة: محمد بن عثمان بن زرعة القاضي الدمشقي هكذا. وما أحسن ما قال. وظلمه إياه في شيئين: أحدهما أنه بلغني أن «البويطي» سئل عن سماع «المزني» من الشافعي فقال:
كان صبيًّا ضعيفاً (٢)
قلت: فربما وجد في كتابه مسألة قد سقط منها بعض شرائطها وهي في رواية حرملة والربيع صحيحة فنقلها (٣) على ما في كتابه ثم أخد في الطعن عليه. وكان من سبيله أن ينظر في كتب أصحابه حتي يتبين له خطؤه في الكتابة أو خطأ من كتب كتابه فيستغنى عن الاعتراض.
والآخر: أنه وجد الشافعي ذكر مسألة في موضعين اختصرها في أحدهما (٤) وذكرها مستوفاة شرائطها في الموضع الآخر فنقلها المزني مختصرة، ثم اشتغل بالاعتراض عليه، ولو نقلها من الموضع الآخر مقيدة بشرائطها استغنى عن الاعتراض.
стр. 939
ومثال كل واحد من هذين النوعين (١) عندي فيما رددته من كلام الشافعي، ﵀، إلى ترتيب المختصر وإيراده هاهنا مما يطول به الكتاب.
وعمل شيئا آخر: وهو أن كل كتاب صنفه «الشافعي» ورتب له ترتيبا حسنا ترك «المزني» ترتيبه وقدم وأخر: كالجمعة والجنائز وغيرهما.
وقد يذكر الشافعي مسألة في موضعين بعبارتين، فيقل المزني تلك المسألة بعضها بعبارته في أحد الموضعين والثاني (٢) بعبارته في الموضع الآخر كيلا يهتدي إلى كيفية نقله. ولو نقلها على ترتيبه فيما رتبه، وعلى عبارته في أحد الموضعين كان أحسن وأبين.
فهذا وجه جواب أبي زرعة. والذي راعى المزني من حق الشافعي في جمع ما تفرق من كلامه واختصار ما بسط من قوله وتقريبه (٣) على من أراده، وتسهيله على من قصده من أهل الشرق والغرب - أكثر، وفائدته أعم وأظهر، فلا أعلم (٤) كتابا صنِّف في الإسلام أعظم نفعا وأعم بركة وأكثر ثمرة من كتابه، وكيف لا يكون كذلك واعتقاده في دين الله تعالى، ثم اجتهاده في عبادة الله تعالى، ثم (٥) في جمع هذا الكتاب، ثم اعتقاد الشافعي في تصنيفه للكتب (٦) على الجملة التي مضى ذكرها عن الشافعي، وسنذكرها عن المزني، رحمنا الله وإياهما، وجمع بيننا وبينهما في جنته بفضله ورحمته.
стр. 940
قرأت في كتاب أبي منصور الحمشاذي، ﵀، سمعت الإمام أبا الوليد يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول:
سمعت «المزني» يقول: كنت في تأليف هذا الكتاب عشرين سنة، وألفته ثلاث (١) مرات، وغيرته، وكنت كلما أردت تأليفه أصوم قبله ثلاثة أيام وأصلي كذا كذا ركعة.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا محمد: أحمد بن عبد الله المزني يقول:
سمعت يوسف بن عبد الأحد القمي يقول: صحبت «المزني» ليلة شاتية وبعينه رمد، فكان يجدد الوضوء ثم يدعو، ثم ينعس فيقوم ثانيا، فيجدد الوضوء حتى فعل ذلك سبع عشرة مرة.
وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا محمد المزني يقول: وقد كان «أبو إبراهيم المزني» فاق أقرانه في الزهد والورع. سمعت «القمي» يقول: كان «أبو إبراهيم» لا يتوضأ من جباب أحمد بن طولون.
وكان يجدد الوضوء فيخرج من الجامع ويذهب إلى النيل - ومن الجامع إلى النيل مسافة - فيجدد وضوءه ثم يرجع.
وكان إذا استقبله «ابن عبد الحكم» ومعه جماعة من القضاة والقلانس على رءوسهم - يقف ثم يقول: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾ (٢) ثم يرفع رأسه ويقول: بلى ربنا نصبر، بلى ربنا نصبر.
وأخبرنا أبو عبد الله قال: وقال أبو محمد المزني فيما بلغني عنه، عن يوسف
стр. 941
ابن عبد الأحد القمي (١) قال: إن «أبا إبراهيم المزني» عَبَدَ الله كذا وكذا سنة عبادة منتظر قال:
وكان «المزني» يصلي بحضرة أصحابه وهم يتناظرون، فإذا أشكل عليهم مسألة انتظروا سلامه، فإذا سلّم سألوه فقالوا: يا أبا إبراهيم، إن اشتغالك بتعليمنا أفضل لك من الصلاة يعنون (٢) النافلة. قال: وكيف قالوا؟ لأنّ تعليمك العلم يَعدُوك وصلاتك لا تعدوك. فترك الصلاة وأقبل على تعليمهم.
قال يوسف: وكان «أبو إبراهيم المزني» يشرب في الشتاء والصيف من كوزِ صُفْرٍ فقيل له في ذلك فقال: بلغني أنهم يستعملون السّرقين في هذه الكيزان والنار لا تطهره (٣).
وقرأت في كتاب الحمشاذي: وقيل إن «المزني» كان يصلي بمصر الصلوات جماعة، فربما يخرج للطهارة ويتباعد إلى النيل، فإذا رجع وجدهم قد فرغوا من الصلاة فيعيد تلك الصلاة خمسا وعشرين مرة.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت محمد بن عبد الله بن شاذان يقول: سمعت محمد بن علي الكتابي (٤) يقول: سمعت عمرو بن عثمان المكي يقول:
ما رأيت أحداً من المتعبدين في كثرة من لقيت منهم بمكة ممن هو مقيم ومن قدم علينا في المواسم، ولا فيمن لقيت بالشام وسواحلها ورباطاتها والإسكندرية - أشد اجتهاداً من «المزني» ولا أدوم على العبادة منه، ولا رأيت
стр. 942
أحداً أشد تعظيما للعلم وأهله منه، وكان من أشد الناس تضييقا على نفسه في الورع وأوسعه في ذلك على الناس. وكان يقول: أنا خُلُقٌ من أخلاق الشافعي (١). رحمهم الله تعالى.
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت عبد الرحمن بن غلام، الدقاق (٢) بمصر، يقول:
سمعت أبا سعيد بن السّكَري يقول: رأيت «المزني» وما رأيت أعبد لله منه، ولا أتقن للفقه (٣) منه.
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرني نصر (٤) بن محمد قال: سمعت قسم (٥) عبد الرحمن بن أحمد بن حفص يقول: سمعت أبا علي الروذباري يقول:
سمعت ابن بحر (٦) يقول: سمعت «المزني» يقول: خرجت إلى الرامير فمررت بقوم يشربون النبيذ على شاطئ النهر والملاهي تخرج إليهم (٧) من باب دار بحذائهم فهممت أن أعظمهم وأنكر عليهم، ثم خفت أن أضرّ بالمركب فمضيت، فلما قفلنا راجعين رأيت باب الدار مسودا فذكرت قول الشاعر:
قد شاب رأسي ورأس الحرص لم يَشِبِ ... إنّ الحريص على الدنيا لفي تَعَبِ
стр. 943
بالله ربِّك كم بيتٍ مررت به ... وكان يعمر باللذات والطربِ؟
دارت عُقَاب المنايا في جوانبه ... فصار من بعده للويل والحربِ
قال: فقلت أُنشدك ما هو أحسن من هذا؟ فقال: هات يا بن بحر، فقلت:
نُراعُ إذا الجنائز قابلتنا ... ونغفل حين تبدو ذاهباتِ (١)
كَرَوعة ثَلَّةٍ لِمُغار سَبْعِ ... فلما مرَّ عادت رائعاتِ
فلو أنا نُعانُ بفضل حزمٍ ... لَخِفنا الموتَ أيامَ الحياةِ
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني الزبير بن عبد الواحد الحافظ قال:
سمعت يوسف بن عبد الأحد يقول: سمعت «المزني» يقول: سبحان المحبِّ لمن أطاعه المنتقم ممن عصاه.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: سمعت جعفر بن محمد بن الحارث المراغي (٢)، وأخبرنا محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا محمد: جعفر بن محمد بن الحارث يقول:
سمعت أبا زكريا: يحيى بن زكريا بن حيوية يقول: سمعت «المزني» يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق.
стр. 944
أخبرنا محمد بن عبد الله قال: أخبرنا أبو الوليد: حسان بن محمد الفقيه قال: سمعت أبا عمران بن الأشيب يقول:
سمعت أحمد بن أصرم يقول: سمعت «المزني» يقول: القرآن كلام الله غير مخلوق، وما دِنْت بغير هذا قطّ، ولكن الشافعي كان ينهانا عن الكلام.
قال «المزني»: وقال ابن هرم: قال الشافعي: في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ (١) دليل على أن أولياء الله يرونه يوم القيامة (٢).
قرأت في كتاب أبي الحسن العاصمي: عن أبي بكر: عبد الرحمن بن أحمد ابن العباس الفقيه فيما قرئ عليه بمصر، قال: سمعت يحيى بن زكربا النيسابوري يقول:
سمعت أبا سعيد الفريابي يقول: سألت المزني في مرضه الذي توفى فيه عن الإيمان؟ فذكر فيه قصة، وفي آخرها: قال المزني: لا خلاف بين الناس أن النبي، ﷺ ، طاف بالبيت فقال: «إيماناً بك، وتصديقاً بكتابك» [ووفاءَ بعهدك] (٣). هذا دليل على أن جميع الأعمال من الإيمان.
وفيما روى عبد العزيز بن أبي الرجاء، عن المزني: أنّ الشافعي قال في الذبيحة: «ولا أكره الصلاة على رسول الله، ﷺ ؛ لأنها إيمان بالله».
стр. 945
قال المزني: ففي هذا دليل واضح أنه كان يقول: الإيمان قول وعمل، جعل الصلاة على رسول الله، ﷺ ، من الإيمان.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني سعيد بن أحمد بن عبد الرحيم، إجازة، أنّ أبا يعقوب: يوسف بن أحمد بن يوسف المكيّ - من الرُّحَيل (١) - أخبرهم قال: سمعت جدّي عبد الله بن الحسين يقول: سمعت عبد العزيز بن أبي رجاء يقول: سمعت المزني يقول. فذكره بإسناده هذا قال:
سألت الشافعي عن قول النبي، ﷺ : ستة لعنهم الله. فذكر منهم: «المكذب بقدر الله» فقلت له: يا أبا عبد الله، مَن القدرية (٢)؟
فقال: هم الذين زعموا أنّ الله لا يعلم المعاصي حتى تكون.
قلت: وقد سمعت كثيراً من «علماء المعتزلة» زعم أن منهم (٣) من أنكر علمه بها كما أنكر خلقه لها وقال لي في السر: لا يستقيم هذا المذهب إلا بأن ينكرهما جميعا، إلا أن مشايخنا لا يبوحون بذلك.
ونعوذ بالله من مذهب يقيم صاحبه على مثل هذا القول.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا عبد الله: محمد بن يعقوب
стр. 946
الحافظ يقول: سمعت محمد بن إسحاق يقول:
سمعت المزني وذكر عنده حديث النبي، ﷺ : «نحن أحق بالشك من إبراهيم» (١) فقال المزني: لم يشك النبي ولا إبراهيم ﵉ في أن الله قادر على أن يحيى الموتى، وإنما شكا أن يجيبهما إلى ما سألا.
وأخبرنا أبو عبد الله قال: سمعت أبا بكر: محمد بن جعفر المزكي يقول: سمعت الحسن بن محمد بن إبراهيم الجنابذي يقول: سمعت الحسن بن أحمد بن عبد الواحد يقول: سمعت الحسن بن أحمد بن عبد الواحد يقول: سمعت المزني يقول، وقال له رجل: يا أبا إبراهيم، إن فلانا يبغضك. قال: ليس في قربه أُنْسٌ ولا في بُعده وَحشة.
وأخبرنا محمد بن عبد الله قال: سمعت أبا زكريا العنبري يقول: سمعت محمد بن داود الخصيب يقول: سمعت «المزني» يقول:
لا مروءة لمن لا جهل له، ولا جهل لمن لا مروءة له، وأنشدنا:
لا خيرَ في حلمٍ إذا لم يكن له ... بَوَادِرُ تَحْمِي صَفْوَهُ أنْ يُكدَّرا
ولا خيرَ في جهلٍ إذا لم يكن له ... حليمٌ إذا ما أوْرَدَ الأمر أَصْدَرا (٢)
أخبرنا أبو إسحاق: إبراهيم بن محمد الفقيه قال: حدثنا أبو النضر السواني (٣) قال: أخبرنا الطَّحَاوي قال: حدثنا «المزني» قال: أخبرني أبو بكر الحميدي، عن سفيان، عن خلف بن حوشب، قال:
стр. 947
قال عيسى بن مريم، ﵇، للحواريين: كما ترك الملوك الحكمة فاتركوهم والدنيا.
وكان خلف يقول: ينبغي للناس أن يتعلموا هذه الأبيات في الفتنة:
الحربُ أوَّلَ ما تكون فُتَيَّةٌ ... تسعى بزينتها لكلِّ جهولِ (١)
حتى إذا اشتعلت وشبَّ ضرامها ... ولَّت عجوزاً غيرَ ذاتِ حليلِ
شَمْطَاءَ جَزَّتْ رأسَها وتنكَّرت ... مكروهةً للشَّمِّ والتَّقْبِيلِ
أخبرنا محمد بن عبد الله، ومحمد بن الحسين السلمي قالا: سمعنا أبا محمد: جعفر بن محمد المراغي يقول: سمعت أبا زكريا النيسابوري يقول: سمعت محمد ابن عبد الله بن عبد الحكم يقول:
قال الشافعي للمزني وأقبل يوما: هذا لو ناظر الشيطان لقطعه (٢)!
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: سمعت أبا بكر: محمد بن جعفر المزكي يقول:
سمعت أبا بكر: محمد بن إسحاق يقول: سألت «المزني»: من أفقه أصحاب مالك؟ فقال: «أشهب بن عبد العزيز» أفقه الرجلين، و «عبد الرحمن ابن القاسم» أتبع الرجلين لصاحبه، و «ابن وهب» أعلم الثلاثة بقول المدنيين.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت علي بن أحمد بن حسن يقول: سمعت أبا الحديد الصوفي بمصر يقول: [سمعت
стр. 948
أبي يقول: (١)]
سمعت أبا إبراهيم المزني يقول أحمد بن حنبل: أبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلى يوم صفين.
ورأيت على ظهر جزء من أجزائي عن أبي عبد الله: محمد بن عبد الله بن عبيد الله العمري قال:
سمعت أحمد بن صالح - وهو المصري - يقول: لو أن رجلا حلف أنّه لم يرَ كالمزني آخر - كان صادقا، فقال له أبو أفلح المصري: نكتب عنه؟ قال: إن حدثكم (٢). «مرتين».
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر قال: سمعت أبا الطيب: علي بن محمد بن أبي سليمان المصري يقول: دخلت على المزني ورأيته. ومات سنة أربع وستين ومائتين. ويقال: كان ابن سبع وثمانين. وصلى عليه العباس بن أحمد بن طولون.
أخبرنا محمد بن عبد الله بن محمد قال: سمعت أبا محمد: أحمد بن عبد الله المزني يقول: سمعت أبا بكر: محمد بن زياد (٣) المصري يقول: رجع خالي من جنازة «المزني» فقال: يا بني، رأيت اليوم عجبا، رأيت طيرا أبيض جاءت فرفرفت على جنازة المزني فجعلت تلقي نفسها عليها وتتمسح به، فقال الربيع بن سليمان: لا تنفروها فإناما رأيناها (٤) إلا في جنازة ذي النون المصري، فإنها فعلت به مثلما فعلت بالمزني، ﵀.
* * *
стр. 949
قلت: وأما أبو علي: الحسن بن محمد الصباح الزعفراني، فإنه يشارك الشافعي في كثير من شيوخه مثل سفيان بن عيينة، وإسماعيل بن عُلَيّة، وعبد الوهاب بن عبد المجيد، وغيرهم. وحين قدم الشافعي العراق لزم الشافعي، واختاره أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وغيرهما لقراءة الكتب على الشافعي؛ فإنه كان بصيراً باللغة. ثم صار هو الراوي للكتب القديمة، وإليه يُرحل في سماعها.
قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي: سمعت «الحسن بن محمد» في سنة ست وخمسين ومائتين يقول: إني لأقرأ كتب الشافعي وتقرأ عليّ منذ خمسين سنة.
قال: وقال الحسن: وما (١) أتيت الشافعي مجلسا قط إلا وجدت أحمد بن حنبل قد سبقني إليه.
قال: وقال الحسن: كان أبو ثور يحضر معنا عند الشافعي، وقد سمعنا منه الكتب.
قال زكريا فسألته عن الحسين بن علي الكرابيسي فقال: لم أره في القَدْمة الأولى، ولكنه لما قدم الشافعي قَدْمته الثانية لزمه حسين وسأله أن يعرض عليه الكتب، فأجاز له كتبي وسأله عن بعضها.
* * *
وأما أبو محمد: الربيع بن سليمان بن كامل - واسم كامل عبد الرحمن - المرادي، المؤذن، خادم الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: كناه ونسبه لنا أبو العباس: محمد
стр. 950
ابن يعقوب. والربيع هو الراوي للكتب الجديدة على الصدق والإتقان.
وربما فاتته صفحات من كتاب فيقول فيها: قال الشافعي، أو يرويها البويطي عن الشافعي.
أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي قال: أخبرنا محمد بن علي بن طلحة المروروذي قال: حدثنا أبو سعيد: أحمد بن علي الأصبهاني قال: حدثنا زكريا بن يحيى الساجي قال: سمعت عبد الرحمن بن الجارود - يعني أبا بشر - يقول:
سمعت «البويطي» يقول: «الربيع» في الشافعي أثبتُ منّي.
قلت: وصارت الرواحل تشد إليه من أقطار الأرض في سماع كتب الشافعي، ﵀.
قرأت في كتاب زكريا بن يحيى الساجي:
سمعت «الربيع بن سليمان» سنة خمس ومائتين يقول: إني لأقرأ كتب الشافعي على الناس وأنا ابن خمس وثلاثين سنة ما كان في رأسي ولحيتي شعرة بيضاء.
قال زكريا: وأنا أقول: إني قرأتها سنة إحدى وخمسين وما في رأسي ولحيتي شعرة بيضاء وهي السنة التي قدمت من مصر.
قال زكريا: حدثني أبو بكر بن صدقة قال:
سمعت الزعفراني يقول لداود - يعني الأصبهاني: إني لأقرأ كتب الشافعي وتقرأ علي منذ خمسين سنة، ما رأيت أقرأ لها من الفتى البصري الساجي. فقال