يكون بفضل الله وبرحمته مصداقا لقوله تعالى قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ «١» ، وإذا تخلّى عن هذه الذنوب فليتحلّ بأضدادها من نحو الخشوع والخشية والخوف من الله تعالى والتواضع والرحمة «٢» ونحو ذلك.
٦- الخطوة السادسة: البعد عن التشبه بالشيطان بارتكاب الذنوب الشيطانية
«٣» ، كما في الحسد، والبغي، والغل، والخداع، والمكر، والأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، والافتتان بالمال أو الجاه أو السلطان «٤» ، فهذه تؤدي إلى ذنوب الشح والبخل وحب التكاثر والجبن، ويتذكر قوله تعالى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ* حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ «٥» ، وعليه أن يتحلى بعكس ذلك من صفات الحب والأمانة وسلامة الصدر والأمر بالمعروف ونحوها، كما يلزمه البعد عن سائر أنواع الذنوب الأخرى.
٧- الخطوة السابعة: على المسلم أن يتذكر دائما أن التوسعة في الرزق أو البسطة في العلم أو الجسم ليست إلا اختبارا له من مولاه
وليست بحال دليلا على إكرام الله- له، فقد نفى القرآن الكريم أن تكون كثرة المال أو الولد دليلا على رضى المولى تعالى، وإنما العمل الصالح هو الوسيلة الحقيقية للحصول على هذا الرضوان والقرب من الله- يقول سبحانه: وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى «٦» ، وهى على العكس من ذلك فتنة واختبار ينجح فيه من ينجح ويفشل فيه من يفشل، يقول الله تعالى: وَاعْلَمُوا أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
«٧» ، والحذر من الفتنة يقتضي الابتعاد عن الترف لأنه يضعف الإرادة الإنسانية ويجعلها شديدة الحرص على التقليد واستمرار ما هي فيه فلا تتطلع إلى آفاق جديدة لإصلاح المجتمعات التي تعيش بين ظهرانيها، كما أن الترف مدعاة للانزلاق في هاوية المنكرات وإلى الفخر والعجب والتكاثر ورفض الحق «٨» ، قال تعالى: وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ «٩» .
لقد بلغ الصراع على المال أشدّه في هذا العصر، وصرف كثيرا من الناس عن ربهم وعن الأخذ بالقيم الأخلاقية النبيلة، وأدى إلى إثارة أغلب المشاكل التي يعانيها العالم اليوم وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض، ولهذا توجهت تعاليم القرآن إلى التخفيف من شرور المال وتحذير الناس من الانقياد الكلي له كي لا يفتنهم عن دينهم ويلهيهم عن ذكر الله «١٠» ، قال سبحانه في وصف المؤمنين: رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقامِ الصَّلاةِ وَإِيتاءِ الزَّكاةِ يَخافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصارُ «١١» . وعلى العكس من ذلك فقد أرشدهم
стр. 142
إلى كيفية التصرف الصحيح في تلك الأموال بقوله: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ «١» .
ثالثا: تعامل المسلم المبتلى بالمعاصي:
إذا ابتلي المسلم بارتكاب المعاصي أيّا كان نوعها «٢» ، فإن عليه القيام بالخطوات الآتية:
١- الحياء من الله والعفة عن محارمه:
على المبتلى بالمعصية أن يتيقّن بأن هذه الدنيا وما فيها من ملذات هي بالقطع إلى زوال. يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ «٣» .
وأن الإنسان لا ينفعه يوم القيامة سوى أن يأتي الله بقلب سليم، قال تعالى في وصف هذا اليوم: يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ* إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ «٤» ، ولا تتم سلامة القلب حتى يسلم من خمسة أشياء: من شرك يناقض التوحيد، وبدعة تخالف السنة، وشهوة تخالف الأمر، وغفلة تناقض الذكر، وهوى نفس يناقض التجرد من شهوات الدنيا، وهذه الخمسة حجب عن الله تعالى لا بد للمسلم من التخلص منها بالاستعانة بالله- «٥» .
٢- استحضار العقوبة (الخوف- الخشية- الرهبة) :
على العاصي أن يضع نصب عينيه أنه لن يفلت من العقاب، وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ* أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ «٦» ، ويقول سبحانه: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ* وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ
«٧» ، وأن هذا العقاب قد يعاجله في الدنيا فتكون معيشته ضنكا وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى «٨» ، ويرسل عليه أنواعا أخرى من الهموم والبلايا ما يجعله في نكد دائم وحزن مستمر، قال تعالى: كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ «٩» . إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ «١٠» . وإذا أفلت العاصي من عقاب الدنيا فإن عذاب الآخرة أشق، قال تعالى: لَهُمْ عَذابٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ
«١١» .
وَأَمَّا مَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوى «١٢» . وقال عز من قائل: وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ «١٣» . وهذه تشمل الدور الثلاثة الدنيا والبرزخ والآخرة «١٤» .
стр. 143
ولكي يدفع عن نفسه هذه العقوبة فليعلم أن المؤمن إذا فعل سيئة فإن عقوبتها تندفع عنه بعشرة أسباب:
(١) أن يتوب فيتوب الله عليه، فإن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، فَمَنْ تابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» .
(٢) أن يستغفر فيغفر له.
(٣) أن يعمل حسنات تمحوها، فإن الحسنات يذهبن السيئات، وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ «٢» .
(٤) أن يدعو له إخوانه المؤمنون، ويستغفرون له حيّا أو ميّتا.
(٥) أن يهدوا له من ثواب أعمالهم ما ينفعه الله به.
(٦) أن يشفع له نبيه محمد ﷺ .
(٧) أن يبتليه الله تعالى في الدنيا بمصائب تكفّر عنه.
(٨) أن يبتليه في البرزخ بالصعقة فيكفّر بها عنه.
(٩) أن يبتليه في عرصات القيامة من أهوالها بما يكفّر به عنه.
(١٠) أن يرحمه أرحم الراحمين «٣» .
٣- الإقلاع الفوري:
الإقلاع الفوري عن الذنوب والمعاصي، ورد المظالم إلى أهلها، والاعتذار عن الإساءات والإهانات التي يكون قد آذى بها غيره، وأول ذلك اجتناب الكبائر، قال تعالى: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً «٤» . وقال سبحانه: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً «٥» . والابتعاد عن أماكن وأسباب وقوعها وعوامل إثارتها كالصحبة السيئة، ولا يكون ذلك إلا بالورع «٦» والتقوى.
٤- الاستغفار والتوبة:
بعد الإقلاع عن المعاصي ورد المظالم والإهانات، يأتي الاستغفار والتوبة «٧» فهما الباب الذي لا يغلقه الله في وجه أحد ما لم يغرغر، فالله يغفر الذنوب جميعا (عدا الشرك بالله) ، قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ* «٨» . وعليه أن يتحلّى بصفتي العفو والصفح لأن ذلك مجلبة لمغفرة الله تعالى مصداقا
стр. 144
لقوله تعالى: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ «١» ، وعليه أيضا بالذكر فإنه من موجبات الرحمة وغفران الذنوب، قال تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ «٢» .
٥- الثقة برحمة الله تعالى وسعة عفوه:
لقد كتب الله على نفسه الرحمة بقوله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ «٣» ، وهو سبحانه يغفر الذنوب جميعا مصداق ذلك قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ «٤» ، وقال سبحانه: يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ «٥» . ويذكرنا ربنا بهذه الرحمة الواسعة في كل صلاة، بل في كل ركعة مرتين: الأولى في البسملة «٦» ، والثانية في قوله سبحانه: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ «٧» .
٦- جهاد الشيطان واتخاذه عدوّا:
على المسلم بعد إقلاعه عن الذنب وتوبته واستغفاره أن يحصن مواقعه حتى لا يخترقها عدوه اللدود وهو الشيطان، قال تعالى: إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوًّا مُبِيناً «٨» .، وقال عز من قائل: إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا «٩» ، وقال سبحانه: أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ* وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ «١٠» ، وعليه أن يعلم بأن هذا العدو اللعين يتخذ من الحيل والأساليب ما يجعله يرتدي ثياب الصديق، فيبذل الكثير من الوعود الكاذبة والأماني الخادعة، ويدعو أصحابه ليكونوا من أصحاب السعير، ثم لا يغني عنهم فتيلا عند ما يقضي الحق بين العباد، يقول الله تعالى: وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ «١١» .
يقول ابن القيم- ﵀ علّم الله سبحانه عباده كيفية هذه الحرب وذلك الجهاد فجمعها لهم في أربع كلمات فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «١٢» ، قال: والمرابطة هنا لزوم ثغر القلب وحراسته لئلا يدخل منه العدو، ولزوم ثغر العين والأذن واللسان والبطن واليد والرجل، وعلى المسلم ألّا يخلي هذه الثغور فيصادف الشيطان منها ثغرا خاليا فيدخل منه، وهؤلاء أصحاب رسول الله ﷺ خير الخلق بعد النبيين والمرسلين وأعظمهم حماية وحراسة من الشيطان قد أخلوا المكان الذي أمروا بلزومه يوم أحد «١٣»
стр. 145
فدخل منه العدو وكان ما كان، وجماع هذه الثلاثة (الصبر والمصابرة والرباط) «١» هو تقوى الله إذ لا ينفع شيء منها بدون التقوى، ولا تقوم التقوى إلّا على ساق الصبر «٢» .
ولا شك في أن الاستعاذة بالله من هذا الشيطان هي من أقوى الأسلحة التي يحصن بها المسلم نفسه من هذا العدو لأن معناها الاعتصام بالله تعالى واللجوء إليه لدرء شر ذلك الشيطان الرجيم، قال تعالى:
وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ* وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ «٣» .
٧- جهاد النفس وتزكيتها:
اعلم أن النفس مجبولة على اتباع الشهوات ولا تزال على ذلك إلا أن يبهرها نور الإيمان، يقول الله تعالى في سورة يوسف ﵇ وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ «٤» .
فلا يزال المؤمن طول عمره في مجاهدة نفسه الأمارة بالسوء باستنزال نور رحمة الله، فكلما هاجت داعية نفسه إلى شهوات جسدية أو أهواء نفسية محرمة لجأ إلى الله وتذكر جلال الله وعظمته وما أعد للمطيعين من ثواب وللعصاة من عذاب فانقدح من قلبه وعقله خاطر يدمغ خاطر الباطل فيصير كأن لم يكن شيئا مذكورا. أما تزكية النفس فيعني التطهر من الأدناس والسمو عن النقائص، وهي بذلك تأخذ عند الله حظها من الرضوان وعند الناس حظها من الكرامة وقد وعد الله بالفلاح من زكّى نفسه فقال: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها «٥» ، وقال عز من قائل: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى «٦» ، وقال جل من قائل: قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذلِكَ أَزْكى لَهُمْ «٧» ، وقال سبحانه: وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً «٨» ، يقول ابن تيمية- رحمه الله تعالى-: جعل المولى سبحانه غض البصر وحفظ الفرج هو أزكى للنفس وبيّن أن ترك الفواحش من زكاة النفوس، وزكاة النفوس تتضمن زوال جميع الشرور من الفواحش والظلم والكذب ونحوها «٩» .
رابعا: تعامل المسلم المبتلى بالطاعات:
أصل الابتلاء بالطاعة هو تقلد الإنسان عهدة التكليف بالأمانة، يقول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا «١٠» . وبقبول هذه العهدة وحملها يتعرض الإنسان للثواب إن أطاع، وللعقاب إن عصى، وهذه سنة الله في خلقه وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا* «١١» .
стр. 146
قد يظن الطائع أنه بمنأى عن الاختبار أو الابتلاء الذي يتعرّض له غيره من العصاة، وهذا اعتقاد خاطىء لأن الإنسان كما أخبرنا رسول الله ﷺ قد يعمل بعمل أهل الجنة حتى يكون ما بينه وبينها إلّا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها «١» ، وهنا أيضا نجد مجموعة من الخطوات لابد أن يتحلّى بها الطائعون من أهمها:
١- الخطوة الأولى: أن يعلم يقينا أن الطاعة هي من توفيق الله وبمشيئته، ولو شاء سلبها منه، وعليه أن يردد دائما قول الله: وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللَّهُ «٢» .
٢- الخطوة الثانية: أن يتحلى بالخوف من الله وأن يرجوه قبول طاعاته، فقد كان السلف رضوان الله عليهم- كما أخبر الحسن البصري- قد عملوا بالطاعات، واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إيمانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا «٣» .
٣- الخطوة الثالثة: ألّا يأمن الطائع مكر الله تعالى فينقلب بهذا الأمن من العصاة وهو لا يدري، وقد كان ﷺ يكثر من الدعاء: «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك» «٤» .
٤- الخطوة الرابعة: ألّا يمن بطاعته على الله تعالى، قال تعالى: يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَداكُمْ لِلْإِيمانِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ «٥» .
٥- الخطوة الخامسة: أن يحذر الوقوع في البدعة فيعبد الله بغير ما أمر أن يعبد به «٦» . (انظر صفة الابتداع) .
٦- الخطوة السادسة: أن ينأى عن التطرّف والتشدّد في أمر الدين فإنه لن يشاد الدين أحد إلّا غلبه «٧» .
(انظر صفتي الغلو والتعسير) .
٧- الخطوة السابعة: أن يعلم أن هناك عدوّا هو الشيطان يتربّص به الدوائر ويريد الإيقاع به، وأنه قد يدخل عليه من باب الطاعة فيجعله مغترّا بها، متكبرا على غيره من العصاة، جاعلا نفسه في مكانه فوقهم (انظر صفة الغي والإغواء) .
وبعد..
فهذه المحاولة المتواضعة للكشف عن علاقة الإنسان بهذه الحياة تقودنا إلى معرفة الطريق الصحيح للنجاح في الاختبارات التي نعايشها بصفة يومية ونتعرّض فيها لشتّى الابتلاءات، وقد تبيّن من خلال هذا الاستعراض أن التحلّي بخلق الرسول ﷺ وقد كان خلقه كما وصفته أم المؤمنين عائشة- ﵂ القرآن، حيث كانت حياته الكريمة وسيرته العطرة تجسيدا حيّا لما جاء به، وقد أمرنا الله باتباعه فيما يأمر أو ينهى عنه: وَما
стр. 147
آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «١» . وإذا كنا نرجو الله واليوم والآخر فلنا فيه ﷺ الأسوة الحسنة والقدوة الطيبة، وقد تبيّن من خلال هذا العرض الموجز لدورة الحياة وعلاقة الإنسان بها أن هذه الدنيا ليست هي الغاية الحقيقية للمؤمن الحق، وإنما غايته العظمى في الدار الآخرة، قال الله تعالى: وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ «٢» ، وفي الآخرة حيث مستقر الرحمة تجد المؤمن ذا وجه مشرق وضّاء تعلوه الفرحة ويملؤه البشر وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ* ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ «٣» . هذه الوجوه لا تخفى على أحد لأنها مجللة بنضرة النعيم الذي أعده الله للأبرار، قال تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ* عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ* تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ* يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ* خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ «٤» .
ومن هنا فقد وفقنا الله فأسمينا هذه الموسوعة (نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ﷺ وفي هذا رجاء بشارة لمن يتبع الرسول الكريم ويتحلى بأخلاقه فهو الذي جاء ليزكينا ويعلمنا الكتاب والحكمة لنكون من أصحاب (نضرة النعيم) في الآخرة، أي أن المتمسك بالأخلاق والآداب التي جاءت في موسوعة (نضرة النعيم) في الدنيا سيكون إن شاء الله تعالى من أصحاب (نضرة النعيم) في الآخرة، ليس هذا فحسب وإنما سيكون قريبا من الحبيب المصطفى ﷺ ومن أحب الناس إليه، وقد جاء في الحديث الصحيح: «إنّ من أحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجلسا يوم القيامة أحسنكم أخلاقا» «٥» .
وختاما فإنني أدعو الله أن يبارك في هذه الموسوعة وأن يجعلها فاتحة خير لكل من يقرؤها وصلّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد الرحمن بن محمد بن عبد الرحمن بن ملّوح جدة- المملكة العربية السعودية في العشرين من شعبان سنة ١٤١٨ هـ الموافق ٢١ من ديسمبر سنة ١٩٩٧ م
стр. 148
الأخلاق والقيم التربوية في الإسلام
تقديم للأستاذ الدكتور علي خليل أبو العينين أستاذ أصول التربية الإسلامية ووكيل كلية التربية- جامعة الزقازيق- فرع بنها
أ- تمهيد:
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد ...
فإن الله ميز الإنسان عن غيره من الكائنات التى تعيش معه بأنه كائن أخلاقى أي مدرك للقيم الخلقية، قادر على الإتيان بها وفعلها، قادر- بإذن الله- على بناء عالم داخلى له يسلك على مقتضاه بعلم واقتدار، ولعله لهذا السبب وضع فى مكانة سامية لم يصل ولا يصل إليها أى كائن آخر، فهذا الإدراك وهذا الفهم وهذا الوعي هو الذي أهّله لشغل تلك المكانة التي يتقلدها باقتدار، بل هو الحد الفاصل بينه وبين غيره.
وقد شاء الله تعالى أن تقوم حياة المجتمع الإنسانى على أساس معيارى، يعكس حياة معنوية يمثلها الأفراد، تتميز بالقوة والأصالة. تفسير ذلك أن المجتمع يتمثل ويتجسد من خلال نظام مكون من الأعضاء والوظائف، يميل إلى الاحتفاظ بذاته بعيدا عن العوامل الهادمة التى تهدده من الداخل أو من الخارج. ومن أجل ذلك يميل الأفراد فى اتصال مشاعرهم الفردية أن يكون هذا الاتصال تعبيرا عن روابط متقاربة تتيح الفرصة لاتصال جيد، وتؤكد مناخا جيدا لتواصل منتج، وبالتالى تتاح الفرصة لتلك المشاعر أن يؤثر بعضها فى البعض تأثيرا إيجابيا، ومن ثم تنبعث حياة نفسية من نوع آخر يختلف عن حياة الفرد بصورة خاصة.
والمجتمع الإنساني في عمومه «لا يتكون دون وجود هذا البناء المعياري، وهو بالإجمال أفكار تنطوي على صورة الحياة الاجتماعية، وتتضمن الملاحظات التي تتعلق بها، ويحمل البناء الخطوط الأساسية لتلك الحياة وتطورها» «١» . وهذا البناء المعياري هو قواعد للسلوك، هى بالأحرى مقاييس من خلالها يحكم على السلوك بأنه مقبول أو غير مقبول، وتشكل فى النهاية نوعا من التحديات الثقافية للسلوك المرغوب فيه، وتعطي الفرد كما تعطي المجتمع شكله وشخصيته وهويته، وهذا كله يضمه ويحتويه معنى القيم الخلقية.
وتعتبر الأخلاق صورة المجتمع، لأنها الضابط والمعيار والموقف الأساسي للسلوك الفردي والاجتماعي، أو القواعد الأساسية الممنوحة من الله للإنسان لتنظيم حياته، وهي تنتظم فيما يسمى بالبناء الخلقي أو النظام الخلقي
стр. 149
الذي يعكس أهداف المجتمع، ومصادر تكوينه وطبيعة بنائه.
والمجتمع الإسلامى له أخلاقه التى تضبط وتحدد السلوك، بمعنى أن له بناءه المعيارى، الذي نبع فى الأساس من المصدرين الأساسيين: القرآن والسنة المطهرة، فالقرآن بما أتى به من مكارم الأخلاق التي تجسدت فى شخص الرسول الكريم وترجمت فى أقواله وأفعاله هى المصدر الأساسى المعتمد للقيم فى المجتمع الإسلامي.
إلا أن هذا المجتمع يعيش- فى الأزمنة المعاصرة- مشكلات متراكمة مستعصية، أبرزها تردده بين قطبين، فهو ينجذب نحو حياة معاصرة بما فيها من إنجازات مادية وفكرية لابد أن يتعايش معها ويفهمها ويعيها من ناحية، وتشده ذات متأصلة أصيلة لا يمكنه الفكاك منها من ناحية أخرى، وقد سحبت هذه الإشكالية- بالذات- ظلالها على كافة مكونات حياة الإنسان المسلم المعاصر، بما فى ذلك عماد حياته وهو القيم الخلقية، حتى غدت الشغل الشاغل للمفكرين المسلمين، وكما عبر عن ذلك أحد مفكريها بقوله: «ولعل أكبر قضية تواجهنا هى انقطاع صلتنا بمصادرنا الحضارية التى نستمد منها كل عاداتنا وتقاليدنا، ومسلكنا الخاص والعام، فعلاقتنا بتراثنا علاقة تقليد سالب يتوارثه الخلف عن السلف، ولذا جمدت شخصيتنا، وجمد النظر إلى تراثنا الذى هو بمثابة السياج لتحركنا الفردى والجماعي، لأننا نتدراسه ولا نتأمله ولا نجيل فيه النظر، ولا نجرى فيه من التحوير والتطوير بما يتلاءم وتغير الأحوال والظروف، فظلّ حبيس الكتب فى معظم الأحوال، وحبيس الذاكرة فى بعضها لقرون طويلة» «١» .
إن الغزوة الاستعمارية أبدلت المثقفين ثقافة بثقافة، ولهذا ظل تراثنا بعيدا عن الحياة الفاعلة، وانقطعت عقول المفكرين عن التعامل معه وإخصابه بالتأمل والاجتهاد والتلاقح بتيارات الفكر المعاصر، وبالتالى فقدت كل المؤسسات الاجتماعية المنبثقة عنه حيويتها وانفعالها، وفعاليتها، وجفت صلتها بالحياة، ومن ثم أهملت لتحل محلها مؤسسات وأفكار أخرى كان من نتيجتها ازدواجية فى الحياة وفى الفكر انعكست آثارها على حياة المجتمع والأفراد» «٢» .
إن أبعاد هذه الإشكالية وآثارها واسعة عريضة، وفى مجال الأخلاق على وجه الخصوص، ولذا فإنه من الملح الآن وللمستقبل القريب والبعيد، وبعد معايشة التجارب، تلمس بناء تربويا يستند على أهداف قوية وصحيحة وسليمة، تستلهم قيم الأمة، القائمة على أصالة حقيقية تمتلك من مقومات الذات الأصيلة روحها فى غير انغلاق أو حرمان من إمكانيات العصر ومقوماته وثماره، ولا بد من إعادة القيم الخلقية الإسلامية إلى مكانها الصحيح، فى إطار التكامل بين الدين والدنيا، لتحقيق الوسطية التى هي حقيقة الإسلام، لأنه إذا انفصل الدين
стр. 150
عن الدنيا انشطرت الشخصية الفردية وتداعت علاقات المجتمع، وحدثت هزات وهزات فى المجتمع والفرد على السواء.
وإذا كان مفهوم الاستقلال الذاتى من المفاهيم القوية السائدة فى المجتمعات المعاصرة، إذ أصبح يؤكد فى كل مجالات النشاط الإنسانى وحركته «على الخصائص الذاتية المميزة لشخصية المجتمع» مما يعني «تأكيد الهوية الثقافية» فإن الملاحظ أن المجتمع الإسلامي المعاصر يعانى من قصور فى تأكيد ذاته وهويته الثقافية، إلى جانب معاناته من قصور فى الوسائل الحضارية والمادية، ولعل هذا يعود فى معظمه إلى معاناته الحقيقية من تخلخل البناء المعياري القيمى، واهتزاز نسق القيم الخلقية، وبالتالى اختلال واضطراب فى الأهداف التربوية، التى تتأرجح بين مثالية ومادية، مثالية طموحة، وواقعية أو مادية مخلخلة مضطربة، وبتعبير أصح هو انفصام بين التصور والواقع المعاش، بين الغايات والوسائل.
ومما زاد فى تفاقم الأمر تعرض العالم المعاصر لموجة من الاهتزازات الخلقية المتناقضة، وتتمثل فى مظاهر متضاربة ومتناقضة من الممارسات وأنماط السلوك الفردية والسياسية، والاجتماعية. التى تسلب الأفراد والجماعات السعادة والأمن والأمان والاستقرار، بل تضعف العلاقات فى ميادين الحياة المختلفة، ولقد أعطت التسهيلات المادية التكنولوجية الحديثة هذه الهزات والفجوات صفة العالمية، ولم يعد بمقدور مجتمع ما إغلاق منافذه أمامها أو النجاة منها» «١» .
إزاء كل ما سبق، وفى سعي المجتمع الإسلامي فى تعدده وتنوعه إلى تحقيق الذات، والبناء الذاتى المتميز القادر على العطاء والإبداع، وتأكيد الهوية والشخصية، فإنه يمكنه أن يؤكد ذلك من خلال أهم ما يميزه وهو القيم الإسلامية النابعة من المصادر الأصيلة، والعلاقات الإنسانية التى يحاول التمسك بها، وأهميتها لا تنكر للمجتمع وللتربية، إذ أن القيم والأخلاق أهم عناصر العملية الاجتماعية- التربوية-، ويلاحظ أن ظهور القيم- عند البعض- هو الحد الفاصل بين الذاتية والموضوعية، وبين الحقائق والأحكام، وبين ما هو كائن، وما يجب أن يكون، وبين الغايات والوسائل، وبين المعقول واللامعقول. ومع هذا فإن بعض علماء القرن الحالي (العشرين) لا يطمئنون إلى موضوع القيم، بل ظهرت محاولات لاجتثاث علم القيم من العلوم الموضوعية، بل من المفاهيم السلوكية لموضوع التعلم، ولاستبعاده من الأسس السلوكية والنفسية، ورغم هذا؛ فإنهم عند إصدار الأحكام يجعلون للقيم دورا أساسيا تؤديه، لأن عملية إصدار الأحكام تبنى على وزن الأفضليات، وعلى الموازنة بين المساوىء والمحاسن، وعلى اختيار النتائج المترتبة مستقبلا على الأحكام الحالية، فإذا لم تكن هناك قيم، أو إذا كانت
стр. 151
هناك قيم مهملة، فإنه لا يمكن التمعن فى الاختيار بين مساق ومساق، وبغير القيم تصبح الحياة مستحيلة «١» .
إزاء هذا- أيضا- لا بد أن ندرك أهمية وجود منظومة الأخلاق والقيم المتميزة بالتعدد والمرونة فى ظل التقدم العلمي والتقني، والذى غدا يمس كل مكون من مكونات الحياة الإنسانية ولم يستطع أن يحل مشكلات الإنسان المعاصر، فبالرغم من مساهماته، إلا أننا نرى اضطرابات ومؤثرات اجتماعية واقتصادية وسياسية، هذا إلى جانب تفاقم مشكلات العمل والصراع بين الفقراء والأغنياء من الدول، وتفاقم المنازعات الإقليمية، إلى جانب مشكلات أخرى تعمل كلها على تقويض حضارة العالم كله.
وامتد أثر ذلك كله إلى المجتمع الإسلامي فى تربيته وتعليمه، وعلى بناء الشخصية المتميزة فى هذا المجتمع، فخصائص المجتمع وأمراضه الخلقية تفرض مراجعة الذات ونقدها وتحليلها من أجل تأكيد القيم التى تعتبر الأساس السليم لبناء تربوى متميز، لأن التقدم الأعمى الذى لا يقوم على أساس قيمى لا بد أن يؤدى إلى تعريض الشخصية للضياع.
ويتأكد ذلك فى خضم نتائج التيارات الفكرية المتصارعة، ووسط ذلك الزخم الهائل المتراكم عن التربية الإسلامية، وعلى كافة الأصعدة الفكرية فى موجات البحث عن الذات، وعن الوعي بها، وإذا كان ثمة أفكار طرحت فى سبيل تربية الإنسان وبناء شخصيته، فإننا قد نجد منها الكثير مما يسير فى طريق أحادى التفسير، يرى فى التكوين الجزئي سبيلا إلى تكوين الشخصية الإنسانية، فى حين أن المفروض أن ينظر إلى الأمر بطريقة متكاملة، بحيث تصاغ تلك الشخصية المتكاملة، بطريقة متكاملة، لا اهتمام فيها بجزء من الشخصية لحساب جانب آخر.
ولتوضيح أهمية هذه الفكرة لعله من المهم استشارة مفهوم التربية ذاته، والمؤثرات التى تساعدها، فالتربية هي تعني: «مجموعة المؤثرات المعينة التى تمتد إلى إحداث تغيرات لدى الأفراد حتى يكتسبوا سمات الشخصية التى نتفق على اعتبار أنها قد تزودت بالخصائص التربوية، فالأمر المسلم به أن الفرد لكي يتسنى الحكم عليه بأنه قد تمت تربيته، فإن ذلك يعني أنه قد تعلم أن يصبح شخصا سويّا» «٢» .
ولذلك فإن هناك عددا من المؤشرات التي تصحب عملية التربية طبقا لهذا المفهوم وتتمثل فيما يلى:
١- مجموعة المعارف والمهارات والاتجاهات معبرا عنها فى أهداف سلوكية.
٢- مجموعة القيم والمثل العليا التي تنبني عليها وتتضمنها العملية التربوية.
стр. 152
٣- مجموعة الطرق والأساليب المستعملة لإمداد المتعلم بالمجموعتين السابقتين «١» .
ولا نعدو الحقيقة إذا قلنا إن الحياة الإسلامية ترتبط ارتباطا كليا بالقرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة فإن مصادر اشتقاق أى نظام ملائم وموافق للحياة الإسلامية إنما يكون من القرآن الكريم ومن السنة المطهرة، ومن ثم فإن اشتقاق النظام الخلقي فى الإسلام يكون هذان مرجعه، فالقرآن الكريم كتاب الإسلام الخالد المحفوظ بقدرة الله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ وفيه شمول لكافة جوانب الحياة، محددة بصورة بليغة دقيقة.
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ.
أما السّنّة، فهى ترجمة صادقة لحياة الرسول ﷺ ، وليس هناك إنسان فى التاريخ البشري كله نقلت حياته بصورة تفصيلية مثلما نقلت حياة الرسول محمد ﷺ ، بل لقد اخترعت المناهج العلمية من أجل تنقيح وتحقيق وتمحيص السنة والسيرة، ولقد كان ذلك، لأن الرسول ﷺ هو القدوة للبشرية كلها، ولأننا مطالبون بأن نقتدي بسيرته ﷺ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ (آل عمران/ ٣١) .
ومن ثم كان التوجه إليهما لاكتشاف النظام الخلقي ومكارم أخلاق الرسول ﷺ استرشادا بها لصياغة تربية خلقية رشيدة، والهدف من وراء ذلك:
١- إبراز دور القيم الخلقية الإسلامية فى صياغة الحياة الإسلامية وأهدافها، وفى إصدار الأحكام وتحديد الأفضليات، والتمييز بين المزايا والمساوىء، واختيار النتائج المترتبة على الأحكام، فالبحث فى هذا المجال يعني تأكيد الاختيار، لأنه بغير تلك القيم الخلقية يصبح الاختيار فى مجال الأهداف والبرامج أمرا غير ممكن وغير واضح.
٢- إبراز فعاليات منظومة الأخلاق الإسلامية فى ظل التقدم العلمي والتقني المعاصر، وما صحبه من اضطرابات ومؤثرات تمس كل مكونات الحياة الإنسانية، حتى غدت مشكلة الأخلاق هى المشكلة المتفاقمة فى المجتمع الإنسانى كله.
٣- إبراز فعاليات دور منظومة الأخلاق الإسلامية فى مجال التربية بالذات، ترشيدا للجهد، وتأكيدا لدورها فى إعطاء شخصية المجتمع الإسلامي والفرد المسلم الملامح المتميزة عبر الأصالة.
٤- الإسهام فى طرح أوسع لقضية الأخلاق الإسلامية، فالدراسات فى هذا المجال بالرغم من تعددها إلا أنها لم تزل قاصرة عن الإحاطة والشمول المطلوبين.
٥- الإسهام فى صياغة أهداف الحياة الإسلامية، عن طريق إبراز القيم الخلقية الإسلامية، وهو أمر يحتمه
стр. 153
الواقع وتفرضه الضرورة فهو إسهام فى إعادة الوعي بالذات الإسلامية، فى مجال التربية، والدعوة، والتربية الأسرية، وما إلى ذلك.
وينطلق البحث فى مجال الأخلاق الإسلامية من عدة اعتبارات مهمة، تأتى كمنطلقات مبدئية يدور البحث فى إطارها، وهي:
١- أن الإسلام منهج حياة، وهو ليس مجرد قواعد تعرف بأنها الإسلام، وليس مجموعة من المبادىء الأساسية التى تنطوى عليها هذه القواعد، إنه منهج حياة، حدد حركة المجتمع الإسلامى، وأوجد قواعد السلوك الفردي والاجتماعي ومعاييره، وذلك لضمان توجه الحركة نحو تحقيق أهداف الإسلام فى الحياة، وغايته فى إسعاد الناس أفرادا وجماعات فى الدنيا والآخرة، ومن ثم أتت جميع نظمه وقواعده ومعاييره وتصوراته وأخلاقياته وافية بحاجات الناس من جميع نواحيها.
٢- أن الإسلام لا يعي مجرد الصلة بين الإنسان وربه فقط، وإنما هو توجيه شامل لحياة البشر، بما جاء فى القرآن الكريم والسنة المطهرة، وما صح من اجتهاد فى ضوئهما، ومعنى هذا شمولية أنظمته، وعدم اقتصارها على تحديد صلة الإنسان بربه فى وصفها التقليدي، بل فى وصف مبتكر، إذ أن تلك التصرفات تصب فى النهاية فى هذه العلاقة، ومن ثم ضمنت حسن التوجه.
٣- أن مجال القيم الخلقية الإسلامية كما أتى فى المصادر الأساسية واسع فسيح، يمتد ليشمل ما يمكن أن يواجه حياة الإنسان من تغيرات فى إطار الثوابت، مما يعنى استيعابه كل ما يستجد فى حياة الناس ما لم يتعارض مع أصل من الأصول التي أتت فى شكل قيم إلزامية، وأوامر تكليفية.
٤- أن القيم الخلقية الإسلامية هي المعبر الحقيقي عن ثقافة المجتمع الإسلامي، وهى فى حقيقتها قيم داعية إلى التقدم والتفتح والإبداع والابتكار ولا تقف ضدها بل هي التقدم ذاته.
٥- أن البحث الأخلاقي ينطلق من مقولات أساسية تتمثل فيما يلي:
أ- هذه الأخلاق ربانية المصدر ولأنها كذلك فهي تربي الإنسان على أفضل وجه وأحسنه يقول الله تعالى:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً (النساء/ ١٧٤) .
ب- أن التمسك بأهداب هذه التربية الأخلاقية كما جاءت في القرآن الكريم والسنة المطهرة يقدم حلولا جذرية للمشاكل التي يعاني منها العالم المعاصر، لأن ذلك الحل الإسلامي في المجال الأخلاقي يشمل المجتمع الإنساني كله وما ذاك إلا لأن قاعدته متكاملة وشاملة، أي أن تفاصيل التربية الإسلامية تشمل الإنسان في كل ظروفه وفي جميع حالاته، وتتصل بجميع أنواع علاقاته، سواء مع الله- أو مع النفس أو مع الآخرين،
стр. 154
هذه التربية تعد الإنسان للحياة كما تعده للموت، وتربط بينه وبين محيطه المادي والمعنوي، وهذا الترابط ينتج عنه تكامل وتفاعل بين عناصر الوجود، وهو سر من أعظم أسرار الخليقة مكن التربية القرآنية من أن تتميز بالاستمرارية والعمومية لكل الناس في كل زمان ومكان.
ج- التربية الإسلامية تهتم بالفرد كما تهتم بالمجتمع وتوازن بين احتياجات الدنيا واحتياجات الآخرة وبين القوة والرحمة، يقول الله تعالى: وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (القصص/ ٧٧) .
٦- أن تنمية هذه الأخلاقيات منوط بالعملية التربوية ووظيفتها فى الوجود الاجتماعي، وذلك لا يكون إلا بالنظر إلى حركتها ككل مترابط شامل، فى علاقاتها المتشابكة بكل مكونات المجتمع، وبكل مكونات الحياة الفردية، ويعنى هذا أن القيم الخلقية الإسلامية تلعب الدور الأكبر فى تحديد دور التربية ووظيفتها، لأنها تتخلل كل مكونات المجتمع الإسلامي.
٧- ترتبط القيم والأخلاق الإسلامية بالجزاءات الدنيوية والأخروية ولذا كان الوعد والوعيد والترغيب والترهيب وكان لها هدف أسمى وراء الالتزام (بعد الاختبار) القائم على وعي كامل لما جاء به الشرع وأمر بالالتزام به وذلك الهدف هو إرضاء الله تعالى ويأتي الجزاء بعد ذلك والذي لا يحرم منه الملتزم العابد «١» .
ومن أجل بلوغ هذا الهدف التربوي لا بد أن يكون ما تصبو إليه ممكنا وهذا هو ما أثبته رسولنا الكريم ﷺ بالفعل وبرهان ذلك أن الخلق النبوي الكريم ظل قائما مئات السنين وكان سيظل أسوة حسنة لقوله تعالى: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً (الأحزاب/ ٢١) .
إن السبيل إلى الوصول إلى هذا الهدف السامي موضح بجلاء في كتاب الله تعالى بقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (آل عمران/ ٣١) .
وبهذا الجهد نتوجه إلى العالم الإسلامي بكافة فئاته وطوائفه، ذلك المجتمع المتطلع إلى التقدم الحضاري والدور المتميز فى العطاء الحضاري، والهداية الإنسانية، وعلى وجه الخصوص تلك الفئات التي تتعامل بطريقة مباشرة فى مجال بناء الإنسان، أعز ما يملكه هذا المجتمع، ومنهم:
١- المعلمون والمربون، الذين يشكلون القدوة لأبنائنا فى المدارس عبر مساحات العالم الإسلامي، ولهم تأثير واسع وكبير فى بناء شخصيات هؤلاء الأبناء.
стр. 155
٢- الإعلاميون، والذين لهم دور بارز وخطير في التعليم والتربية، وفي مجال التأثير المباشر وغير المباشر عبر وسائل الاتصال الحديثة والمتنوعة، والتي جعلت من العالم كله قرية صغيرة.
٣- الدعاة وتأثيرهم الخطير فى مجال الاتصال بالجماهير، والذين يعتبرهم الناس أهل علم الإسلام، والقدوة الاجتماعية، ويزداد هذا العمل أهمية بالنسبة لهم فيما يواجه المجتمع الإسلامي من تحديات.
٤- أولياء الأمور: خاصة فى العصر الذي نعيشه الذى يتسم بسرعة التغيير وسرعة الاتصال، وما يشوب وسائل الاتصال والتربية من شوائب، تتطلب من أولياء الأمور وعيا راشدا، وهذا ما تحاول أن تفعله الموسوعة.
وسوف نلقي الضوء في الفصول التالية على ما يلي:
أولا: مفهوم الأخلاق.. أصالتها في الفكر الإسلامي.. وظائفها.
ثانيا: الأخلاق الإسلامية.. طبيعتها.. مصادرها.. أركانها.
ثالثا: المنهج الإسلامي في تنمية القيم الخلقية.
رابعا: وسائل تنمية الأخلاق الإسلامية.
خامسا: وسائط تنمية الأخلاق.
стр. 156
الفصل الأول مفهوم الأخلاق.. أصالتها في الفكر الإسلامي.. وظائفها
ما الأخلاق ؟
لكلمة «الأخلاق» وكلمة «خلقي» تأثير خاص، كان مدعاة للاختلاف حول تحديد هذا اللفظ، ومن ثمّ تعددت الآراء حول تحديد معنى الأخلاق لغة واصطلاحا على النحو الذي نوضحه فيما يلي:-
الأخلاق لغة:
الأخلاق في اللغة جمع خلق، والخلق اسم لسجية الإنسان وطبيعته التي خلق عليها، وهو مأخوذ من مادة (خ ل ق) التي تدل على تقدير الشيء. يقول ابن فارس: ومن هذا المعنى (أي تقدير الشيء) الخلق، وهو السّجية لأن صاحبه قد قدّر عليه، يقال: فلان خليق بكذا (أي قادر عليه وجدير به) ، وأخلق بكذا أي ما أخلقه، والمعنى هو ممن يقدّر فيه ذلك، والخلاق: النصيب لأنه قد قدّر لكل أحد نصيبه «١» .
وقال الراغب: الخلق والخلق (والخلق) في الأصل واحد لكن خصّ الخلق بالهيئات والأشكال والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة «٢» . قال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (القلم/ ٤) ، الخلق العظيم هنا هو- كما يقول الطبري- الأدب العظيم، وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله به وهو الإسلام وشرائعه، وقد روى هذا المعنى عن ابن عباس- ﵄ في قوله: لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ المعنى: على دين عظيم وهو الإسلام. وعن مجاهد في قوله: خُلُقٍ عَظِيمٍ قال: الدين. وعن عائشة- ﵂ عند ما سئلت عن خلق رسول الله ﷺ قالت: «كان خلقه القرآن» . قال قتادة: تقول: كما هو في القرآن «٣» .
وذكر القرطبي أن المراد بالخلق العظيم أدب القرآن، وقيل: هو رفقه بأمته وإكرامه إياهم، وقيل المراد: إنك على طبع كريم «٤» ، وقال أيضا: حقيقة الخلق في اللغة هو ما يأخذ به الإنسان نفسه من الأدب لأنه يصير كالخلقة فيه، وأما ما طبع عليه الإنسان من الأدب فهو الخيم أي السّجية والطبع، وعلى ذلك يكون الخلق: الطبع المتكلف، والخيم الطبع الغريزي، وقد ذكر الأعشى ذلك في شعره فقال:
وإذا ذو الفضول ضنّ على المو ... لى وعادت لخيمها الأخلاق
أي رجعت الأخلاق إلى طبيعتها «٥» . وقد رجح القرطبي تفسير عائشة- ﵂ للخلق العظيم
стр. 157
بأنه القرآن «١» ، وسمي خلقه عظيما لأنه لم تكن له ﷺ همة سوى الله تعالى، وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، وقيل: لأنه امتثل تأديب الله إيّاه «٢» . وقال الماوردي في الخلق العظيم ثلاثة أوجه: أحدها: أدب القرآن، الثاني: دين الإسلام، الثالث: الطبع الكريم وهو الظاهر.
قال: وحقيقة الخلق ما يأخذ به الإنسان نفسه من الآداب، سمي بذلك لأنه يصير كالخلقة فيه «٣» .
والخلاق: ما اكتسبه الإنسان من الفضيلة بخلقه «٤» . قال تعالى: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (البقرة/ ١٠٢) ، الخلاق قيل: النصيب، وقيل: الدين، وقيل: القوام، وقيل: الخلاص، وقيل: القدر «٥» ، والأول قول مجاهد.
قال القرطبي: وكذلك هو عند أهل اللغة إلّا أنه لا يكاد يستعمل إلّا للنصيب من الخير «٦» . والخليقة: الطبيعة، وجمعها خلائق، قال لبيد:
واقنع بما قسم المليك فإنّما ... قسم الخلائق بيننا علّامها
والخلقة (بالكسر) الفطرة، يقال: خلق فلان لذلك، كأنه ممن يقدّر فيه ذلك وترى فيه مخائله. والخلق والخلق: السّجية، وفلان يتخلق بغير خلقه أي يتكلفه، قال الشاعر (سالم بن وابصة) :
يا أيّها المتحلّي غير شيمته ... إنّ التّخلّق يأتي دونه الخلق «٧» .
وقال ابن منظور: الخلق هو الدين والطبع والسجية، وحقيقته أن صورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما (أي للصورتين) أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلّقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكررت الأحاديث في مدح حسن الخلق «٨» ، أما قول الله تعالى: إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (الشعراء/ ١٣٧) . فالخلق قيل: هو شيمة الأولين، وقيل: عادة الأولين، أما قراءة خلق (بفتح الخاء وسكون اللام) ، فالمراد به الافتراء والكذب «٩» ، أي أنه في معنى الاختلاق وقال صاحب «التحرير والتنوير» في تفسير هذه الآية: الخلق السجية المتمكنة في النفس باعثة على عمل يناسبها من خير أو شر، وتشمل طبائع الخير وطبائع الشر ولذلك لا
стр. 158
يعرف أحد النوعين من اللفظ إلّا بقيد يضم إليه، فيقال: خلق حسن، وفي ضده خلق قبيح، فإذا أطلق عن التقييد انصرف إلى الخلق الحسن «١» .
وقال الفيروزابادي: اعلم أن الدّين كله خلق فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الدين، وهو يقوم على أربعة أركان: الصبر والعفة والشجاعة والعدل، وذكر أن كل واحد من هذه الأربعة يؤدي إلى غيره من المكارم ويحمل عليه، فالصبر (مثلا) يحمل على الاحتمال وكظم الغيظ وإماطة الأذى والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة.. وقال أيضا: والتوسط منشأ جميع الأخلاق الفاضلة من هذه الأربعة «٢» .
الأخلاق اصطلاحا:
لكي نوضح مفهوم الأخلاق الإسلامية، لابد من التعرّف أولا على المفهوم الاصطلاحي للفظي الخلق والأخلاق كما فهمه العلماء المسلمون، وسنحاول الكشف عن ذلك في الفقرات التالية:
يذهب الجاحظ (ت: ٢٥٥ هـ) إلى «أن الخلق هو حال النفس، بها يفعل الإنسان أفعاله بلا روية ولا اختيار، والخلق قد يكون في بعض الناس غريزة وطبعا، وفي بعضهم لا يكون إلّا بالرياضة والاجتهاد، كالسخاء قد يوجد في كثير من الناس من غير رياضة ولا تعمل، وكالشجاعة والحلم والعفة والعدل وغير ذلك من الأخلاق المحمودة» «٣» .
وكثير من الناس يوجد فيهم ذلك، فمنهم من يصير إليه بالرياضة ومنهم من يبقى على عادته، ويجري على سيرته.
ويعرّف ابن مسكويه (ت: ٤٢١ هـ) الأخلاق بأنها «٤» «حال للنفس داعية لها إلى أفعالها من غير فكر ولا روية، وهذه الحال تنقسم إلى قسمين: منها ما يكون طبيعيّا من أصل المزاج، كالإنسان الذي يحركه أدنى شيء نحو غضب ويهيج من أقل سبب، وكالإنسان الذي يجبن من أيسر شيء، أو كالذي يفزع من أدنى صوت يطرق سمعه، أو يرتاع من خبر يسمعه، وكالذي يضحك ضحكا مفرطا من أدنى شيء يعجبه، وكالذي يغتم ويحزن من أيسر شيء يناله. ومنها ما يكون مستفادا بالعادة والتدرّب، وربما كان مبدؤه بالروية والفكر، ثم يستمر أولا فأولا حتى يصير ملكة وخلقا» .
أما الماوردي (ت: ٤٥٠ هـ) فقال: الأخلاق «غرائز كامنة، تظهر بالاختيار، وتقهر بالاضطرار» «٥» .
стр. 159
وقال الجرجاني: «الخلق عبارة عن هيئة للنفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كان الصادر عنها الأفعال الحسنة كانت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر منها الأفعال القبيحة سمّيت الهيئة التي هي مصدر ذلك خلقا سيئا، وإنما قلنا إنه هيئة راسخة لأن من يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يقال خلقه السخاء ما لم يثبت ذلك في نفسه» «١» .
مفهوم الأخلاق عند ابن تيمية:
ومفهوم الأخلاق عند ابن تيمية مرتبط بمفهوم الإيمان، وما ينبثق عنه حيث إنه يقوم على عدة عناصر هي:
١- الإيمان بالله وحده خالقا، ورازقا بيده الملك (توحيد الربوبية) .
٢- معرفة الله ، معرفة تقوم على أنه وحده- سبحانه- المستحق للعبادة (توحيد الألوهية) .
٣- حبّ الله حبّا يستولي على مشاعر الإنسان، بحيث لا يكون ثمة محبوب مراد سواه سبحانه.
٤- وهذا الحب، يسلتزم أن يتجه الإنسان المسلم نحو هدف واحد هو تحقيق رضا الله سبحانه، والالتزام بتحقيق هذا الرضا في كل صغيرة وكبيرة من شئون الحياة.
٥- وهذا الاتجاه يستلزم من الإنسان سموّا عن الأنانية وعن الأهواء، وعن المآرب الدّنيا، الأمر الذي يتيح له تحقيق الرؤية الموضوعية والمباشرة لحقائق الأشياء، أو الاقتراب منها، وهذه شروط جوهرية في الحكم الخلقي.
٦- وعندما تتحقق الرؤية المباشرة والموضوعية للأشياء والحقائق، يكون السلوك والعمل خلقا من الدرجة الأولى.
٧- وعندما يكون العمل خلقا من الدرجة الأولى، نكون ماضين في طريق تحقيق، أو بلوغ الكمال الإنساني «٢» .
وهذا المنهج الذي سلكه ابن تيمية في تحديد مفهوم الأخلاق الإسلامية يعتبر جديدا، كما اتضح ذلك من دراسة «النظرية الخلقية عند ابن تيمية» ،.
إن ابن تيمية كان أوفى، وأكمل، وأكثر نضجا ممن سبقه من علماء المسلمين أو غيرهم في هذا المضمار، وذلك لأن التصور النظري للأخلاق لدى هؤلاء العلماء والفلاسفة جميعا، فيه من الثغرات وعليه من المآخذ ما يجعل من هذا التصور فكرة ناقصة، بل عاجزة عن تحقيق الكمال الإنساني، وفي التصور الإسلامي للأخلاق لدى ابن تيمية نرى الارتباط الوثيق بين مفهوم الأخلاق، ومفهوم الإيمان الذي حدّده الإسلام، وما ينبثق عنه من نظام في العبادة، يكمن في التصور الخلقي الصحيح، ففي الإيمان وطرائقه، وآفاقه تستطيع النفس الإنسانية أن تجد
стр. 160
حاجتها المادية والروحية معا، وليس ثمة طريق يبلغ بالإنسان إلى كماله المنشود، وصلاحه المرجو، وبالتالي سعادته المأمولة، غير طريق الإيمان.
ابن القيم ومفهوم الأخلاق:
لم يضع ابن القيم تحديدا أو تعريفا حدّيّا للأخلاق وإنما عرّفها بالمثال، وقسمها إلى قسمين هما:
الأول: الأخلاق المذمومة.
الثاني: الأخلاق الفاضلة.
وأرجع كلا القسمين إلى أصوله فقال: أصل الأخلاق المذمومة كلها الكبر والمهانة والدناءة، وأصل الأخلاق المحمودة كلها الخشوع وعلو الهمة «١» ، ثم أشار- رحمه الله تعالى- إلى أن للأخلاق حدودا «٢» متى جاوزتها صارت عدوانا، ومتى قصرت عنها كانت نقصا ومهانة.
وعلى سبيل المثال فللشجاعة حد إذا جاوزته صارت تهورا، ومتى نقصت عنه صارت جبنا وخورا.
وقد اقتفى ابن القيم أثر شيخه ابن تيمية في الربط بين الإيمان والأخلاق وأشار إلى أن النبي ﷺ قد جمع بين تقوى الله وحسن الخلق، وفسّر ذلك بقوله «لأنّ تقوى الله تصلح ما بين العبد وبين ربه، وحسن الخلق يصلح ما بينه وبين خلقه، فتقوى الله توجب له محبة الله، وحسن الخلق يدعو الناس إلى محبته» «٣» .
تعريفات الأخلاق عند المحدثين:
تعرف الأخلاق عند المحدثين بأنها «تصور وتقييم ما ينبغي أن يكون عليه السلوك متمشية في ذلك مع مثل أعلى أو مبدأ أساسي تخضع له التصرفات الإنسانية ويكون مؤازرا للجانب الخيّر في الطبيعة البشرية» «٤» .
ويرى عبد الودود مكروم أن الأخلاق هي «مجموعة القواعد السلوكية التي تحدد السلوك الإنساني وتنظمه، وينبغي أن يحتذيها الإنسان فكرا وسلوكا في مواجهة المشكلات الاجتماعية والمواقف الخلقية المختلفة، والتي تبرز المغزى الاجتماعي لسلوكه بما يتفق وطبيعة الآداب والقيم الإجتماعية السائدة» «٥» .
ويذهب عبد الرحمن الميداني: إلى أن الخلق «صفة مستقرة في النفس فطرية أو مكتسبة ذات آثار في السلوك محمودة أو مذمومة» ، «فالخلق منه ما هو محمود، ومنه ما هو مذموم، والإسلام يدعو إلى محمود الأخلاق، وينهى
стр. 161
عن مذمومها» .
ويفسر رؤيته وتعريفه بقوله: «وتستطيع أن تقيس مستوى الخلق النفسي عن طريق قياس آثاره في سلوك الإنسان: فالصفة الخلقية المستقرة في النفس إذا كانت حميدة كانت آثارها حميدة، وإذا كانت ذميمة كانت آثارها ذميمة، وعلى قدر قيمة الخلق في النفس تكون- بحسب العادة- آثاره في السلوك، إلّا أن توجد أسباب معوقة أو صوارف صادرة عن ظهور آثار الخلق في السلوك» .
ويفرّق بين الصفات الخلقية والغرائز، فيقول: «وليست كل الصفات المستقرة في النفس من قبيل الأخلاق، بل منها غرائز ودوافع لا صلة لها بالخلق، ولكن الذي يفصل الأخلاق ويميزها عن جنس هذه الصفات كون آثارها في السلوك قابلة للحمد أو للذم، فبذلك يتميّز الخلق عن الغريزة ذات المطالب المكافئة لحاجات الإنسان الفطرية» .
ويقول: «إن الغريزة المعتدلة ذات آثار في السلوك، إلّا أن هذه الآثار ليست مما يحمد الإنسان أو يذم في باب السلوك الأخلاقي، ولكن الشره الزائد عن حاجات الغريزة العضوية أمر مذموم، لأنه أثر لخلق في النفس مذموم، هو الطمع المفرط، وعكس ذلك أثر لخلق في النفس محمود هو القناعة. وهكذا سائر الغرائز والدوافع النفسية التي لا تدخل في باب الأخلاق، إنما يميزها عن الأخلاق كون آثارها في السلوك أمورا طبيعية ليست مما تحمد إرادة الإنسان عليه أو تذم» «١» .
نخلص مما سبق إلى عدة أمور:
١- أن مبحث الأخلاق من المباحث العلمية الهامة والعظيمة التي اهتم بها العلماء المسلمون على اختلاف تخصصاتهم العلمية وما يزال هذا البحث من أهم المباحث على المستوى الفكري الإسلامي وغير الإسلامي مع اختلاف في الفهم.
٢- أن فهم الخلق بمقتضى اللغة، والتحديدات التي اصطلح عليها العلماء لا يخرج عن المعاني التالية:
- السجية أي الطبيعة المتمكنة في النفس سواء كانت حسنة أو قبيحة.
- العادة والطبيعة، والدين والمروءة.
- ملكة تصدر الأفعال بها عن النفس بسهولة من غير تفكير ولا روية وتكلف.
- صفة مستقرة في النفس ذات آثار في سلوك الفرد والمجتمع قد تكون محمودة أو مذمومة.
٣- أن الأخلاق تعكس مجموعة من التصورات الأساسية التي يعتنقها الناس، ويصوغون حولها
стр. 162
منظومات أخلاقية، نابعة من نفس التصورات تشكل الممارسات الخلقية.
٤- أن الأخلاق تعتمد على:
- النظرة الإنسانية بإمكانياتها، وهو ما يسمّى عند البعض بالنور الفطري.
- الوحي السماوي ومحدداته الخلقية، وهو هنا الإسلام (قرآنا وسنة) . وباجتماع الأمرين ينتج الخلق الإسلامي الرفيع، ذلك أن الناس محتاجون على وجه التحديد إلى قاعدة صالحة للتطبيق على نظرته. ولهداية ضمائرهم، ولا أحد يعرف جوهر النفس، وشريعة سعادتها وكمالها، مع الصلاحية الكاملة، والبصيرة النافذة، غير خالق وجودها ذاته: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (الملك/ ١٤) «١» .
٥- أن الأخلاق الإسلامية التزام بما ورد في القرآن والسنة من إلزامات وتوجيهات إلهية تقتضي رفعة الإنسان والسمو به إلى آفاق علوية، وتحقيق إنسانية الإنسان بما هو على فطرته.
٦- ويستلزم الالتزام الخلقي من الإنسان:
- معرفة فطرية بالمبادىء الخلقية الأساسية، والتصورات المنبثقة عنها.
- المعرفة العملية للأحكام الخلقية، والأدوار والمهارات اللازمة للحياة في المجتمع.
- الوعي الخلقي ليفكر الإنسان ويحكم بشكل خلقي ويتصرف طبقا لهذا الحكم.
- الخبرة الموجبة للالتزام بالأحكام الأخلاقية التي تسهل السلوك الخلقي وترغّب فيه.
وبهذه الأمور الأربعة يمكن أن يشكل خلق الإنسان تشكيلا جيدا.
٧- أن الأخلاق لا يمكن أن تكون نتاج عقل، فالعقل يستطيع أن يختبر العلاقات بين الأشياء ويحددها، ولكنه لا يستطيع أن يصدر حكما قيميّا عند ما تكون القضية قضية استحسان أو استهجان أخلاقي، ذلك أن التحليل العقلي للأخلاق يختزلها، إلى طبيعة، وأنانية وتضخيم للذات، ويكتشف العقل في الطبيعة مبدأ السببية العامة الكلية والقدرة، وفي الإنسان الغرائز، التي تؤكد عبودية الإنسان وانعدام حريّته. إن محاولة إقامة الأخلاق على أساس عقلاني لا يستطيع أن يتحرك أبعد مما يسمّى بالأخلاق الاجتماعية أو قواعد السلوك اللازمة
للمحافظة على جماعة معيّنة، وهي في واقع الأمر نوع من النظام الاجتماعي «٢» .
ويؤكد هذه الفكرة الشيخ محمد عبد الله دراز، بقوله: «فإذا ما قيل لنا إننا نحن الذين نشرع لأنفسنا، بوصفنا
стр. 163
أعضاء في عالم عقلي، وجب علينا أن نتفق على ذلك الاستقلال الذي خص به العقل» .
ماذا تعني في الواقع هذه المقولة: «العقل يمنح نفسه قانونه» ؟ هل هو مبدع العقل والقانون، أو أنه يتلقاه معدّا، على أنه جزء من كيانه كما يفرضه على الإرادة.
ذلك لأنه إذا كان العقل مبدع القانون فإنه سوف يصبح السيد المطلق فيبقي عليه أو يبطله تبعا لمشيئته، فإذا لم يستطع ذلك فلأنه قانون سبق في وضعه وجود العقل، وأن صانع العقل قد طبعه فيه، كفكرة فطرية، لا يمكن الفكاك منها «١» .
أما علم الأخلاق فله تعريفات عديدة من أهمها:
١- علم الأخلاق هو جملة القواعد والأسس التي يعرف بواسطتها الإنسان معيار الخير في سلوك ما «أو مدى الفساد والشر المتمثل في سلوك آخر. والأخلاق كعلم معياري يكون وفق هذا المفهوم علما خاصّا بالإنسان دون باقي المخلوقات وهو يشكل منهاجه السلوكي القائم على مجموعة من المبادىء والقيم التي تحكم قناعات الفرد» «٢» .
٢- علم الأخلاق هو علم تحديد معايير وقواعد السلوك أو هي علم التعرف على الحقوق والواجبات» «٣» .
أما وجهة نظر القدماء فيمثلها التعريف التالي: الأخلاق «علم يعرف به حال النفس من حيث ماهيتها وطبيعتها وعلة وجودها وفائدتها وما هي وظيفتها التي تؤديها وما الفائدة من وجودها، ويبحث عن سجاياها وأميالها وما ينقلها بسبب التعاليم عن الحالة الفطرية، وذكر أن هذا أول علم تأسس منذ بدء الخليقة» «٤» .
الأخلاق الإسلامية:
إن الأخلاق الإسلامية هي السلوك من أجل الحياة الخيرة وطريقة للتعامل الإنساني، حيث يكون السلوك بمقتضاها له مضمون إنساني ويستهدف غايات خيرة.
وقد عرف بعض الباحثين الأخلاق في نظر الإسلام بأنها عبارة عن «مجموعة المبادىء والقواعد المنظمة للسلوك الإنساني التي يحددها الوحي لتنظيم حياة الإنسان وتحديد علاقته بغيره على نحو يحقق الغاية من وجوده في هذا العالم على أكمل وجه» «٥» .
ويتضح من هذا التعريف أن الأخلاق في نظر الإسلام هي جمع شامل في منظور متكامل بين مصدرها
стр. 164
وطبيعتها ومغزاها الاجتماعي وغايتها.
وللنظام الأخلاقي في الإسلام طابعان مميزان «١» :
الأول: طابع إلهي من حيث أنه مراد لله، إذ أنه يجب أن يتبع الإنسان في هذه الحياة رغبة الله في خلقه، ولذلك جاء الوحي بصورة هذا النظام.
الثاني: طابع إنساني من حيث إن هذا النظام عام في بعض نواحيه يتضمن المبادىء العامة، وللإنسان دوره في تحديد واجباته الخاصة والتعرف على طبيعة مظاهر السلوك الإنساني المعبرة عن القيم. لذا تعد الأخلاق روح الإسلام، حيث يقول الرسول ﷺ «البر حسن الخلق» «٢» .
أصالة الفكر الأخلاقي عند المسلمين:
من الناس من يظن- وبعض الظن إثم- أنه لا يوجد فكر أخلاقي عند المسلمين، ومنهم من يجعل الفكر الفلسفي شاملا للفكر الأخلاقي في التراث الإسلامي، ومنهم من ينظر إلى الفكر الصوفي على أنه الفكر الأخلاقي المعتمد للمسلمين.
إن هذه الأطروحات المختلفة لا تلبث أن تتهاوى أمام حقيقة ناصعة البياض، وهي أن الفكر الأخلاقي قد وجدت أسبابه ودواعيه منذ تلك اللحظة التي أمر فيها الرسول الكريم ﷺ ب «مكارم الأخلاق» «٣» ، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه قد تقرر عند العلماء أنه لا يوجد فكر ديني دون أن يكون هناك فكر أخلاقي انطلاقا من أن الفكر الديني هو الذي يحدد الإطار العام لأفكار معتنقيه، ويجيب عن التساؤلات الإنسانية الكبرى مثل خلق الإنسان والتدبر في نعم الله وآلائه، أما الفكر الخلقي فإنه يحدد أنماط السلوك التي يمارسها الإنسان في هذه الحياة، ومن المعروف أن الإسلام عقيدة وشريعة؛ فالعقيدة تتضمن الفكر والشريعة تتضمن أنماط السلوك تجاه المولى- كما في العبادات، أو تجاه النفس كما في العفة والطهر ونحوها، أو تجاه الآخرين كما في البر والصدقة والإيثار ونحو ذلك.
لقد وجد الفكر الأخلاقي عند المسلمين طريقة للتأثير على الفكر الأخلاقي على المستوى العالمي بوجه عام والفكر الغربي بوجه خاص، ولا يزال هذا الفكر مسيطرا على سلوك المسلمين في الحاضر، ويعمل على صياغة حياتهم في المستقبل، ولم يكن الأمر كذلك إلا لكون هذا الفكر الإسلامي فكرا كونيا يعالج قضايا الحياة الإنسانية من منظور يسمو على النواحي القومية والعرقية والإقليمية، وما ذلك إلّا «لأن الإسلام الذي ينبعث منه هذا الفكر هو دين كوني وشمولي من ناحية، ولأن ممارسة هذا التفكير في ظل الإسلام، وانطلاقا من القيم والثوابت
стр. 165
الإسلامية تجعل هذا الفكر بالفعل فكرا عالميا أو إنسانيا، يؤمن به من يؤمن على هذا الأساس، أو ينكره على هذا الأساس» «١» ، من ناحية أخرى.
تطور الفكر الأخلاقي وثراؤه عند المسلمين:
إن أهم ما يميز هذا الفكر ويؤكد أصالته هو هذا التنوع الهائل، وذلك الكم الضخم من المؤلفات التي أسهم بها العلماء المسلمون في المجال الأخلاقي، وقد كانت هذه الجهود المباركة- شأنها شأن أي جهد علمي خلّاق- قد بدأت صغيرة ثم كبرت، مختلطة بغيرها في البداية ثم استقلت.
لقد أرسى القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة المفاهيم والقيم اللازمة لإقامة حياة سعيدة على الأرض، مع ضمان الجزاء الأوفى في الآخرة، وقد تفاعل الفكر الإنساني مع هذه المبادىء والقيم، سواء أكانت حضارية أو عقدية أو أخلاقية أو اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، وحاول التعامل معها، فقد دفع القرآن الكريم إلى الناس والعالم أجمع نظرة جديدة في الكون والحياة والمجتمع، وكانت هذه الجدة متمثلة في الوسطية والحيوية والحركة والتكامل.
وتطور الفكر الإسلامي كوحدة متكاملة بعد استقرار المقومات الأساسية باكتمال نزول القرآن وانتقال الرسول محمد ﷺ إلى الرفيق الأعلى، ومن ثم ظهرت علوم كثيرة، في العقائد، والأحكام، واللغة، والأدب، والنحو والصرف، والاشتقاق والمعاني والبديع، والبيان، والحديث والتفسير، والأصول، والعلوم التجريبية. ولعل أبرز إنجاز في هذا المجال، والذي استطاع الفكر الإسلامي أن يبحث به كل هذه العلوم هو المنهج: منهج البحث، والذي استنبط من تعليمات القرآن، في دعوتها الإنسان للعلم واستخدام العقل: دعوتها الإنسان إلى تخليص النفس من أثر كل رأي وعقيدة سابقة، ثم البحث والملاحظة والنظر والموازنة والاستنباط، كل ذلك في إطار حرية العقل والفكر، فلم يترك القرآن وسيلة تهدف إلى تحرير الفكر إلا دعا إليها، ليقيم الإيمان والتدين على أساس راسخ من الفكر الدقيق واليقين المستوعب.
على هذه الأسس انطلق الفكر الإسلامي منتجا ومستوعبا ومواجها ومتحديا في كافة المجالات، وكانت حصيلة ضخمة خلّفها الفكر الإسلامي، وهي تبدو الآن ذخيرة حية، يمكنها أن تمد الحياة المعاصرة وحضارتنا بقوى روحية وعقلية كبيرة، ونحن نقف إزاءها موقف الإكبار والإعجاب.
وسوف نعرض في الفقر التالية لأهم الأعمال والمؤلفات الأخلاقية التي أسهم بها العلماء المسلمون في مجالي القيم والأخلاق الإسلامية، مما يؤدي إلى البرهنة على أن الفكر الإسلامي فكر أصيل، وأنه قد تطور تطورا طبيعيا، وأنه أسهم في مجال الفكر الخلقي على المستوى العالمي.
стр. 166
الاهتمامات المبكرة:
ظهرت الاهتمامات المبكرة بالفكر الأخلاقي منذ عهد الصحابة- رضوان الله عليهم- والتابعين- رحمهم الله تعالى- في شكل وصايا ونصائح، أو في شكل تفسير الآيات المتعلقة بالأخلاق في القرآن الكريم.
وفي القرن الثاني الهجري بدأت الأعمال العلمية المنظمة في مجال العلوم الفقهية التي تضمنت إشارات واضحة إلى المجال الأخلاقي، وقد تمثلت هذه الجهود في أعمال المجتهدين الكبار من أمثال الإمام أبي حنيفة النعمان (ت ١٥٠ هـ) ، والإمام مالك بن أنس (ت ١٧٩) ، والإمام الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) ، والإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١) ، وقد كان هؤلاء بذواتهم قدوة، وكان ما توصلوا إليه من أحكام شكلا من أشكال الحكم الخلقي الذي ينظم حياة الناس طبقا لاجتهادات شرعية على كافة مستويات الحياة من فردية وأسرية واجتماعية، وقد كانت اجتهادات هؤلاء الأئمة مصابيح أضاءت الطريق في المجتمع الإسلامي في إطار معياري أخلاقي سليم «١» .
وفي القرن الثالث الهجري ظهرت بواكير الأعمال العلمية التي خصصها مؤلفوها للحديث عن موضوعات أخلاقية، وهنا يبرز «الجاحظ» كرائد من رواد التأليف في هذا المجال، ومن مؤلفاته البارزة «تهذيب الأخلاق» .. ورسالة في كتمان السر وحفظ اللسان، ورسالة في النبل والتنبل وذم الكبر، ورسالة في المودة والخلطة وأخرى في الجد والهزل «٢» ، هذا بالإضافة إلى ما تضمنته كتاباته الأخرى مثل «البيان والتبيين» و «البخلاء» و «الحيوان» إذ تضمنت العديد من الوصايا الخلقية التي برزت في شكل أدبي جذاب.
وفي نفس الفترة (تقريبا) ظهرت الموسوعات الأدبية والتاريخية التي ضمنها مؤلفوها أبوابا في الأخلاق، من ذلك ما كتبه ابن قتيبة (ت ٢٧٦ هـ) عن الطبائع والأخلاق في موسوعة «عيون الأخبار» ، وقد تتابع تأليف هذه الموسوعات في القرون التالية «٣» .
مدرسة النظر العقلي:
لقد بدأ بزوغ هذه المدرسة في الفكر الفلسفي عامة والأخلاقي خاصة منذ منتصف القرن الثالث الهجري، وقد كانت إسهامات هؤلاء ذات قيمة عالية في المجال الأخلاقي وكان دورهم واضحا في أمرين:
стр. 167
الأول: أنهم استوعبوا الثقافة اليونانية وعدلوا فيها وأضافوا إليها كثيرا من الفكر الأخلاقي عند المسلمين.
الآخر: أنهم حفظوا هذه الثقافة من الضياع ثم أعطوها للعالم مرة أخرى بعد تجريدها من النزعات الوثنية اليونانية، ويذكر في هذا الإطار:
- يعقوب بن إسحاق الكندي (ت ٢٦٠ هـ) ، وله في الأخلاق «القول في النفس» .
- أبو بكر الرازي (ت ٣١٣ هـ) وله في المجال الأخلاقي كتاب «الفقراء والمساكين» .
- الحكيم الترمذي (ت ٣٢٠ هـ) وكان عالما بالحديث وأصول الفقه، ومن مؤلفاته في الأخلاق «كتاب الذوق» ويتضمن الفرق بين المداراة والمداهنة، والمحاجة والمجادلة والانتصار والانتقام، وله أيضا «الرياضة وأدب النفس» وكتاب المناهي، وغيرها.
- أبو نصر الفارابي (ت ٣٣٩ هـ) (محمد بن أحمد) ويعرف بالمعلم الثاني، ومن مؤلفاته في الأخلاق «آراء أهل المدينة الفاضلة» ، «الآداب الملوكية» .
- ابن مسكويه (ت ٤٢١ هـ) ، ومن أشهر مؤلفاته في الأخلاق، كتاب «تهذيب الأخلاق» في التربية.
- ابن سينا (ت ٤٢٨ هـ) ، قال عنه الإمام ابن تيمية: تكلم في أشياء من الإلهيات والنبوات والميعاد والشرائع لم يتكلم بها سلفه ولا وصلت إليها عقولهم، ولا بلغتها علومهم، وأنه استفادها من المسلمين «١» ، ومن مصنفاته في الأخلاق «رسالة في الحكمة» ، «كتاب الطير» في الفلسفة، «أسرار الصلاة» ، «الانصاف» في الحكمة «٢» .
- ابن باجة الأندلسي (ت ٥٣٣ هـ) المعروف بابن الصائغ، وقد شرح كتب أرسطو، وله كتب عديدة منها:
«اتصال العقل» ، «كتاب النفس» .
- ابن الطفيل (محمد بن عبد الملك) ، وهو صاحب قصة «حي بن يقظان» وله في المجال الأخلاقي رسالة «في النفس» .
- ابن رشد (ت ٥٩٥ هـ) ومن كتبه في الأخلاق: «فصل المقال فيما بين الشريعة والحكمة من الاتصال» ، وقد ترجمت كتبه إلى اللاتينية والعبرية والإسبانية «٣» .
إن هؤلاء جميعا وإن تأثروا بالفلسفة اليونانية، إلّا أنهم لم يقتصروا عليها، وإنما أضافوا إليها ونقوها من شوائبها، ثم أخذها عنهم الأوروبيون منذ مستهل عصر نهضتهم.
стр. 168
المدرسة الإسلامية الخالصة:
يقصد بالمدرسة الإسلامية الخالصة في المجال الأخلاقي ما أبدعته عقلية الفقهاء والمحدثين والزهاد في مجال التربية والسلوك اللذين يستمدان أصولهما من قواعد الشريعة الإسلامية ويستلهمان مبادئهما من الكتاب والسنة وغيرهما من المصادر الإسلامية الخالصة مثل الإجماع والقياس «١» ، وهذه المؤلفات وإن لم تغرق في المباحث النظرية المجردة إلا أنها أسهمت بنصيب وافر في مجال السلوكيات والأخلاق العملية، وسنعرض- بإيجاز- لأهم علماء هذه المدرسة وأبرز مؤلفاتهم في المجال الأخلاقي.
١- ابن المبارك (ت ١٨١ هـ) وله كتاب الزهد، وهو كتاب مليء بالتوجيهات الخلقية، وأدلتها من القرآن والسنة وأقوال التابعين خاصة الزهاد منهم.
٢- وكيع بن الجراح (ت ١٩٧ هـ) ، وله أيضا كتاب «الزهد» وقد رتبه على الأبواب، وضمنه أحاديث الزهد والرقائق والأدب والأخلاق.
٣- الإمام أحمد بن حنبل (ت ٢٤١ هـ) وله كتابا: «الزهد» و «الورع» وقد سلك فيه مسلك ابن المبارك.
٤- هنّاد بن السّري (ت ٢٤٣ هـ) وله أيضا كتاب الزهد وقد تلمذ على الإمام وكيع بن الجراح وتأثر به.
وقد تناولت هذه المصنفات في «الزهد» الحث على مكارم الأخلاق والزهد في الدنيا والتطلع إلى ثواب الله في الآخرة، ومادتها تتكون من القرآن الكريم والحديث الشريف وآثار السلف الصالح «٢» .
٥- أبو عبد الله المحاسبي (ت ٢٤٣ هـ) ، وكانت جهوده في المجال الأخلاقي متنوعة، فكتب في الوصايا، وآداب النفس، ورسالة المسترشدين والرعاية لحقوق الله، والتوبة، وقد تضمنت هذه المؤلفات نقودا لاذعة للسلوكيات الشائنة في عصره، ودعوة للرجوع إلى الكتاب والسنة.
٦- الإمام البخاري (ت ٢٥٦ هـ) ، وهو صاحب الجامع الصحيح (صحيح البخاري) ، وله في الأخلاق «كتاب الأدب المفرد» ، تعرض فيه لجمع الأحاديث المتعلقة بالآداب والأخلاق، ويعد هذا الكتاب من أسبق ما ألفه علماء الحديث في المجال التربوي والأخلاق الإسلامية.
٧- ابن أبي الدنيا (ت ٢٨١ هـ) ويعد من أبرز المؤلفين في الأخلاق والتربية الإسلامية، وقد تبحر أيضا في علوم الحديث، ومن أهم مصنفاته في التربية والأخلاق: «الإخلاص» ، «الأمر بالمعروف» ، «الحذر والشفقة» ، «ذكر الموت» ، «ذم الغضب» ، «الرضا عن الله والصبر على قضائه» ، «الغيبة والنميمة» ، «القناعة» ، «الصمت
стр. 169
وآداب اللسان» وغيرها مما يتضمن محمود الأخلاق ومذمومها «١» ، وتمتاز هذه المصنفات بالوحدة الموضوعية، وجودة الترتيب، ونسبة الآثار والأقوال لأصحابها. مع الاعتناء الكامل بذكر الشواهد من القرآن الكريم والحديث الشريف.
٨- الإمام النسائي (ت ٣٠٣ هـ) ، ويعد كتابه «عمل اليوم والليلة» من أهم المساهمات التي قدمها علماء الحديث في الميدان الأخلاقي، إذ تضمن صفة الذكر في الصباح والمساء، ثم تناول جزئيات الحياة اليومية من صلاة وصيام وجهاد والوضوء ودخول المسجد، والبيع والشراء، وعيادة المرضى وغير ذلك مما يتناول تفصيل الحياة اليومية، الفردية والأسرية والاجتماعية، والكتاب في الواقع هو معجم للمثل والقيم الإسلامية.
٩- أبو بكر الخرائطي (ت ٣٢٧ هـ) وأبرز مؤلفاته كتابان: أحدهما «مكارم الأخلاق ومعاليها» والثاني «مساوىء الأخلاق ومذمومها وطرائق مكروهها» وكما يتضح من عنوان الكتابين أنهما يعنيان بسلوك المسلم إن إيجابا باتباع الأخلاق الحميدة المأمور بها، وإن سلبا باجتناب الأخلاق المذمومة المنهي عنها.
١٠- أبو بكر الآجري (ت ٣٦٠ هـ) ، وله في المجال الأخلاقي مصنفات عديدة منها: «أخلاق حملة القرآن» ، و «أخلاق العلماء» ، و «أدب النفس» ، و «كتاب أهل البر والتقوى» ، و «كتاب التوبة» ، و «كتاب التهجد» ، وغيرها كثير، وقد أجمل في هذه الكتب الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها العلماء وحملة القرآن والمسلمين بوجه عام.
١١- ابن السني (ت ٣٦٤ هـ) وله كتاب «عمل اليوم والليلة» ويتضمن (مثل كتاب النسائي) قواعد السلوك الخلقي للمسلم في يومه وليلته، ومن ثم في حياته كلها.
١٢- أبو طالب المكي (ت ٣٨٦ هـ) وفي كتابه «قوت القلوب» آداب أخلاقية عديدة كالأخوة والصداقة والمودة والمحبة، كما تناول الأخلاق الأسرية والتوافق العائلي وغيرها، وقد تأثر مكي بالمحاسبي تأثرا كبيرا، كما أثر في فكر الغزالي خاصة في «إحياء علوم الدين» «٢» .
١٣- أبو عبد الله الحليمي (ت ٤٠٣ هـ) وقد تناول الأخلاق من منظور شعب الإيمان في كتابه «المنهاج في شعب الإيمان» ضم سبعة وسبعين بابا، وقد اكتفى بذكر متون الأحاديث الواردة في كل شعبة، كما ذكر الآثار، وكان من دوافعه لتأليف هذا الكتاب ما رآه من اشتغال جمهور الناس عن العلوم بالتبقر (التوسع) في الأهل والمال، والتهافت في الحرام والحلال والتنافس في رتب الدنيا، والتغافل عن درج الآخرة» «٣» .
стр. 170
١٤- ابن حزم الأندلسي (ت ٤٢١ هـ) وكتابه «الأخلاق والسير في مداواة النفوس» يقدم نموذجا من التجربة العملية التي تؤكد إمكانية مقاومة الرذائل.
١٥- أبو زيد الدبوسي (ت ٤٣٠ هـ) ، ويعد كتابه «الأمد الأقصى» من أهم الكتب في المجال الأخلاقي حيث تناول العلل النفسية والقلبية التي تحبط الأعمال، كالرياء والعجب ونحوهما «١» .
١٦- أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠ هـ) وله كتابات مهمة في علم الأخلاق مثل أدب الدنيا والدين، ونصيحة الملوك، وتسهيل النظر وتعجيل الظفر، ويحفل كتابه «أدب الدنيا والدين» بالمباحث الأخلاقية كالحياء والصدق، وآداب الكلام والصبر والشورى، وكتمان السر، والمروءة، كما تضمنت مباحثه أيضا الأخلاق المذمومة من نحو الكذب والغيبة والنميمة، أما الكتب الأخرى فقد تضمنت العلاقة بين الأخلاق وسياسة الناس، وهذا مبحث فريد مميز في فكر الماوردي «٢» .
١٧- البيهقي (ت ٤٥٨ هـ) وله «شعب الإيمان» وقد تحرى فيه ذكر الأحاديث بأسانيدها وأشار إلى درجة صحتها، وقد عقب على أحاديث كل شعبة بانطباعاته العقدية وآرائه الفقهية، وبلغت مروياته من الأحاديث والآثار ١١٢٦٩ حديثا وأثرا، ويعد كتابه من الكتب الجامعة في مجال الأخلاق.
١٨- الراغب الإصفهاني (ت ٥٠٢ هـ) ، وله مؤلفات عديدة في موضوع الأخلاق منها: «تفصيل النشأتين وتحصيل السعادتين، و «الذريعة إلى مكارم الشريعة» وقد تضمن كتابه «محاضرات الأدباء» مباحث أخلاقية عديدة، وقد أولى الجانب النظري للأخلاق اهتماما كبيرا، وكان فكره إسلاميا خالصا.
١٩- أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥ هـ) ويعد من أشهر من تحدث عن الأخلاق في التراث العربي نظرا لشهرة كتابه الموسوعي «إحياء علوم الدين، وله في المجال الأخلاقي أيضا «ميزان العمل» ، ويجمع فكره الأخلاقي أطراف وخيوط مذاهب أخلاقية عديدة، وقد اختلف الناس في تقويم آرائه اختلافا كبيرا.
٢٠- ابن الجوزي (ت ٥٩٦ هـ) ، ومن مؤلفاته في هذا المجال «صفة الصفوة» وقد تضمن وصايا أخلاقية عديدة من خلال التراجم التي قدمها، وله أيضا «صيد الخاطر» .
٢١- الحافظ المنذري (ت ٦٥٦ هـ) ، ويعد كتابه «الترغيب والترهيب» من أهم الكتب التي صنفت في الشريعة وفقا للمجالات الأخلاقية، إن حسنة بالترغيب فيها، وإن سيئة بالترهيب منها.
стр. 171
٢٢- العز بن عبد السلام (ت ٦٦٠ هـ) ، وله في الأخلاق كتابه القيم «شجرة المعارف والأصول» الذي يحتوي على عشرين بابا، يستهدف منها إصلاح القلوب لأنها منبع كل إحساس.
٢٣- الإمام النووي (ت ٦٧٦ هـ) ، وكتابه «رياض الصالحين» تضمن أبوابا في الأخلاق من خلال الآيات والأحاديث التي استشهد بها.
٢٤- ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ) ، وتتمثل أهم جهوده في ميدان التربية والأخلاق في «مجموع الفتاوى» وقد استخرج بعض الباحثين ما كتبه شيخ الإسلام عن الأخلاق «١» ، كما استطاع باحث آخر أن يستخلص أسس النظرية الأخلاقية عند ابن تيمية، فتحدث عن وهبية الأخلاق وكسبيتها، ومصدر الإلزام الخلقي، وغيرها من مباحث توضح الفكر الأخلاقي عنده «٢» .
٢٥- الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) ، ويعد كتابه عن «الكبائر» متعلقا بالجانب السلبي للأخلاق، حيث أوضح الأخلاق المذمومة التي تعد من كبائر الذنوب وذكر من الآيات والأحاديث ما يدل على غلظ العقوبة فيها.
٢٦- ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) وله إسهامات عديدة في مجال الأخلاق نذكر منها: الفوائد، ومدارج السالكين، وعدة الصابرين وذخيرة الشاكرين، وإعلام الموقعين، والداء والدواء، وإغاثة اللهفان، وقد تناول في هذه الكتب أسس علم الأخلاق.
٢٧- ابن مفلح (ت ٧٦٣ هـ) ، وقد طرح فكره الخلقي من خلال كتابه المشهور «الآداب الشرعية والمنح المرعية) وفيه الكثير عن الفضائل الخلقية التي يجب أن يتحلى بها المسلم.
٢٨- ابن حجر المكي الهيتمي (٩٧٤ هـ) ويمثل كتابه «الزواجر عن اقتراف الكبائر» جهدا لا غنى عنه في توضيح كبائر الذنوب التي ينبغي أن يبتعد عنها كل مسلم.
٢٩- السفاريني الحنبلي (ت ١١٨٨ هـ) ، وله في المجال الأخلاقي كتاب غذاء الألباب، وهو شرح لمنظومة الآداب «٣» ، وقد تضمن الحديث عن حسن الخلق إجمالا، ومكارم الأخلاق تفصيلا، مثل: البر وحسن الظن، ونحو ذلك، وتناول أيضا مذموم الأخلاق مثل الغيبة وآفات اللسان، والفحش ونحو ذلك، وقد تناول الحكم الفقهي لمعظم ما تناوله من الفضائل أو الرذائل.
وفي العصر الحديث تتابعت جهود العلماء في الكشف عن الخصائص الأخلاقية والقيم التربوية في
стр. 172
الإسلام وعلى رأس هذه الجهود يأتي كتاب الشيخ محمد عبد الله دراز «دستور الأخلاق في القرآن الكريم» «١» ، والشيخ محمد الغزالي في كتابه «خلق المسلم» وكتابه «هذا ديننا» وغير ذلك من مؤلفاته الأخلاقية، وقد صدر بعض الباحثين أطروحته للدكتوراه التي أعدها عن «الأحكام القيمية الإسلامية» باستعراض المؤلفات الحديثة في مجالي الأخلاق والتربية الإسلامية، وقد وصلت إلى ثلاث عشرة دراسة، منها: منهج القرآن في تربية المجتمع لعبد الفتاح عاشور، الاتجاه الأخلاقي في الإسلام لمقداد يالجن، والتربية الأخلاقية الإسلامية له أيضا، فلسفة التربية الإسلامية في القرآن الكريم لعلي خليل أبو العينين، والتربية الخلقية في الإسلام لسلوى رمضان وغير ذلك «٢» .
وخلاصة القول: أن هناك مؤلفات إسلامية عديدة ومتنوعة في المجال الأخلاقي، وبنظرة تحليلية إلى هذا الكم الهائل من مؤلفات يمكن استخلاص أهم ما تضمنته هذه المؤلفات في النقاط والموضوعات الآتية:
١- معنى الأخلاق وضرورتها وأهميتها في حياة الفرد والمجتمع وكل ما يتعلق بذلك من مباحث نظرية أو سلوكية.
٢- إصلاح النفس وإصلاح الجسد وإصلاح الأسرة، بل إصلاح المجتمع بأسره.
٣- الأخلاق في المجال السياسي وهي ما يترتب عليه إصلاح المجتمع البشري كله.
٤- الأخلاق التي يجب أن تكون عليها العلاقة بين الإنسان وخالقه .
٥- الأخلاق النوعية كأخلاق العلماء وأهل القرآن.
٦- الأخلاق السلبية التي ينبغي أن يتخلى عنها الأفراد والمجتمع والتي هي بمثابة الأمراض الفتاكة التي لابد من محاربتها والقضاء عليها والوقاية منها ومعرفة كيفية معالجتها.
القيم الإسلامية:
يكثر استخدام مصطلح «القيم والقيمة والأحكام القيمية» في المجال التربوي، وذلك إلى جانب المصطلح «أخلاق» ، وقد ذكرنا فيما سبق ما يتعلق بمفهوم الأخلاق، فما معنى القيم؟
القيم في اللغة:
لفظ القيم في اللغة جمع قيمة وأصلها الواو «٣» ، لأنها من مادة (ق وم) ، التي تدل على انتصاب أو عزم، يقول ابن منظور والقيمة ثمن الشيء بالتقويم، و (سمي الثمن قيمة) لأنه يقوم مقام الشيء يقال: كم قامت ناقتك
стр. 173
أي كم بلغت، وقد قامت الأمة مائة دينار أي: بلغ قيمتها مائة دينار «١» ، وفي الحديث: قالوا يا رسول الله لو قوّمت لنا، فقال: الله هو المقوّم أي لو سعّرت لنا، وهو من قيمة الشيء، والمراد حددت لنا قيمتها «٢» .
وقد ورد لفظ «قيم» أيضا مرادا به جمع قامة، وذلك مثل تارات وتير، وذلك كما في قول الراجز:
واختلفت أمراسه وقيمه
كما ورد أيضا مصدرا لقام، مثل الصغر والكبر، ومعناه حينئذ الاستقامة، وذلك كما في قول كعب بن زهير:
فهم ضربوكم حين جرتم على الهدى ... بأسيافهم حتى استقمتم على القيم
وقال حسان:
وأشهد أنك عند الملي ... ك، أرسلت حقا بدين قيم
قال الزجاج: القيم مصدر بمعنى الاستقامة «٣» .
ومن ذلك «القيم» في قوله : دِيناً قِيَماً (الأنعام/ ١٦١) قال القرطبي في تفسيره: قرأه الكوفيون وابن عامر «قيما» وهو مصدر كالشبع فوصف به «٤» ، (كما يقال رجل عدل) ، وقرأ الباقون «قيما» ، ومعناه: دينا مستقيما لا عوج فيه «٥» ، قال الراغب دِيناً قِيَماً: أي ثابتا مقوما لأمور معاشهم ومعادهم «٦» ، أما قوله : وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (البينة/ ٥) . فقد قال ابن كثير في تفسيرها: دين الملة القائمة العادلة أو الأمة المستقيمة المعتدلة «٧» ، وقيل المراد دين الكتب القيّمة «٨» ، أما وصف الكتب بأنها قيمة فمعناه كما قال الماوردي: كتب الله المستقيمة التي جاء القرآن بذكرها وثبت فيه صدقها، أو فروض الله (المكنونة) العادلة «٩» .
ولعل أقرب الاستعمالات اللغوية إلى القيم بمعناها السائد الآن هو ما ذكره صاحب القاموس من قولهم:
стр. 174
فلان ما له قيمة: إذا لم يدم على شيء» «١» . وقول صاحب أساس البلاغة: القيمة ثبات الشيء ودوامه «٢» ، وهما يشيران بذلك إلى أن القيمة ترد بمعنى الأمر الثابت الذي يحافظ عليه الإنسان ويستمر في مراعاته.
ماهية القيم:
لقد تعددت الاتجاهات واختلفت المدارس العلمية في تحديد مفهوم القيمة ومن ثم فإن المعنى الاصطلاحي للقيمة يختلف باختلاف الاتجاهات والآراء وسنحاول فيما يلي إبراز أهم هذه المفاهيم حتى نصل بعد ذلك إلى تحديد واضح لمفهوم القيم الإسلامية.
أ- في المجال الاقتصادي تعرف القيمة بأنها «قيمة التبادل أي السعر المقرر للسلعة، ويميزون بين القيمة والسعر على أساس أن القيمة حقيقية أما السعر فاعتباري، وذلك راجع إلى التراضي بين المتبادلين للسلعة، ولهذا تكون القيمة أحيانا أكثر أو أقل من السعر «٣» .
ب- وأما في المجال السياسي فتعني اكتشاف المسلمات القيمية الضمنية التي تشكل السلوك السياسي، والتي تعد عوامل تفسيرية «٤» .
ج- واهتم بدراسة القيم علم النفس، وعلم الاجتماع كل من زاويته ورؤيته، واتضح أن هناك مفاهيم للقيمة تضم جوانب معنوية تتعلق بموضوعات معينة، تعرضت لها تعريفات ومفاهيم، تراوحت بين التحديد الضيق للقيم على أنها «مجرد اهتمامات أو رغبات غير ملزمة» إلى تحديدات واسعة «يراها معايير مرادفة للثقافة ككل» «٥» .
ولعل التعريف التالي يوضح مفهوم القيمة لدى المختصين في علم النفس الاجتماعي وهو:
د- «القيمة معيار اجتماعي ذو صيغة انفعالية قوية وعامة، تتصل من قريب بالمستويات الخلقية التي تقدمها الجماعة ويمتصها الفرد من بيئته الاجتماعية الخارجية ويقيم منها موازين يبرر بها أفعاله، ويتخذها هاديا ومرشدا» «٦» ، «٧» .
هـ- أما مفهوم القيمة عند علماء أصول التربية فمن الممكن تصوره من خلال ما كتبه بعض الباحثين
стр. 175
التربويين قائلا:
القيمة هي «محطات ومقاييس نحكم بها على الأفكار والأشخاص والأشياء والأعمال والموضوعات والمواقف الفردية والجماعية من حيث حسنها وقيمتها والرغبة بها، أو من حيث سوءها وعدم قيمتها وكراهيتها، أو من منزلة معينة ما بين هذين الحدين» «١» .
ز- وهناك تعريفات أخرى للقيمة لا تنتمي إلى أي من الاتجاهات السابقة نذكر منها:
- القيم عبارة عن «مستوى أو مقياس أو معيار نحكم بمقتضاه ونقيس به ونحدد على أساسه المرغوب فيه والمرغوب عنه» «٢» .
- القيم عبارة عن مفهوم أو تصور ظاهر أو ضمني يميز فردا أو يختص بجماعة، لما هو مرغوب فيه وجوبا مما يؤثر في انتقاء أساليب العمل ووسائله وغايته» «٣» .
ويلاحظ في كل المفاهيم السابقة أن القيم تتمتع بالخصائص أو الموجهات الآتية:
١- أنها عناصر توجيه في الحياة تعكس توجّها معينا حيال نوع معين من الخبرة.
٢- أنها تحمل صفة الانتقائية.
٣- أن الاختيار الذي تفرضه القيمة على الفرد في مجال التعامل يعد أفضل اختيار له.
وإذا نظرنا إلى هذه التعريفات المختلفة من وجهة النظر الإسلامية فإنه يمكن القول: إنها جميعا لا تعدو أن تكون اجتهادات نابعة من تخصص أصحابها، ومن ثم فإنه يلاحظ عليها ما يلي:
١- أن هذه المفاهيم تعبر عن بيئاتها وثقافتها التى نشأت فيها، وهى مختلفة متعددة، ومع هذا فإن فيها ما قد يتوافق مع البيئة العربية الإسلامية وفيها ما لا يتوافق.
٢- أقامت المفاهيم المختلفة- رغم تفاوتها واختلافها- من الفرد أو المجتمع مصادر للقيم، وجعلت الحكم على الأفعال يتأتى من قبل الإنسان فقط، يحكم عليها من خلال منفعتها الآنية أو ضررها الآنيّ، بغض النظر عن الخير أو الشر الكامن فيها، والإنسان لا يمكنه إدراك الحسن والقبح بعقله المحض، كما أنه لا يدركها إدراكا جامعا قبل الفعل أو بعده. ثم إن الإنسان بحكم نسبيته عرضة للتفاوت والاختلاف والتناقض، فقد يحكم على الفعل بالحسن تارة وبالقبح تارة، تبعا للظروف، أما الحكم الموضوعى الحقيقى فلا يستطيعه، لأن الذى يستطيع أن يزود الإنسان بهذا على وجه الحقيقة هو الدين السماوي، وهذا ما لم يرد فى تعريف أو مفهوم حتى لدى الباحثين العرب.
стр. 176
٣- إن هذه المفاهيم ناتجة عن عقلية وضعية خاصة، ومن ثم لا تكاد تفي بفهم القيم الإسلامية نظرا لأن الرؤية الإسلامية تلتزم بالتصورات الإسلامية الأساسية، وهى منبثقة من دلالات النص القرآني الكريم، والنص النبوي الصحيح، ولأن وصف الفعل الإنساني والحكم عليه إنما يصدر عنهما بعد النظر فيهما لاستجلاء الأحكام التى تشتمل عليها هذه النصوص، فى إطار هدف محدد وهو استجلاء «المراد الإلهى فى تحديد أفعال الإنسان دون أن يكون له أي مدخل فى الإضافة الذاتية بما يؤثر على ذلك المراد بالزيادة أو النقصان أو التغيير» «١» .
والأمر إذا: ليس خاضعا للوضعية العقلية الذاتية المحضة، وإن كان لها اعتبارها الخاص فى فهم النص وتنزيله.
٤- إن هذه المفاهيم تختلف عن الرؤية الإسلامية والنهج الإسلامي الذى يرى أن أعمال الإنسان ليست هدفا فى حد ذاتها، بل ترتبط بالله وتتجه نحو مرضاته، وإن لم يتحقق من هذا العمل أو ذاك نفع مباشر أو مصلحة عاجلة، أو لذة آنيّة. لأن الله تعالى هو وحده المتفرد بخلق الإنسان، ولهذا فهو متفرد بكمال العمل بما خلق فى طبيعته وقدراته ونوازعه وحاجاته، وبناء على ذلك فهو متفرد بوضع منهاج الحياة له على الوجه الذى يكون فيه خيره، وسعادته وترقيه فى كافة شئون حياته الفردية والاجتماعية، وبذلك يكون الأساس والمعيار الأوحد فيما يأتى الإنسان ويذر فكرا أو سلوكا هو ميزان البيان الإلهى، ائتمارا بما أمر الله، وانتهاء عما نهى عنه «٢» .
٥- إن هذه المفاهيم لا تعبر عن المقاصد الكلية للحياة، وإنما تعطى الإنسان ضابطا للحياة الدنيا وعلاقتها، ولذلك ارتبط بعضها بتحقيق السعادة للإنسان على وجه الأرض فى الحياة الدنيا فى حين أنه من المسلم به فى المنهج الإسلامي وجود حياة آخرة فيها ثواب وعقاب على ما يأتى الإنسان ويدع وما يختار.
وانطلاقا من هذا، وتجنبا للثغرات التي وجدت في التعريفات السابقة فإنه يمكن تعريف «القيم» من المنظور الإسلامي بأن نقول:
القيم الإسلامية: مجموعة من المعايير والأحكام النابعة من تصورات أساسية عن الكون والحياة والإنسان والإله، كما صورها الإسلام، وتتكون لدى الفرد والمجتمع من خلال التفاعل مع المواقف والخبرات الحياتية المختلفة، بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته تتفق مع إمكانياته، وتتجسد من خلال الاهتمامات أو السلوك العملي بطريقة مباشرة وغير مباشرة «٣» . وبحكم هذا التعريف تجىء عدة محددات أساسية على النحو الآتى:
١- أن حياة الإنسان تحكمها أهداف محددة، وهناك وسائل لبلوغها، ولا بد من الانتفاع بتلك الأهداف
стр. 177
فى إطار ما تقدمه الجماعة وما ترتضيه، وينبع هذا من المنهج الأساسي الذى يشكل إطارا مرجعيا لها، وفى حالة المجتمع الإسلامي، فإن كل ذلك يرتد فى النهاية للقرآن الكريم والسنة المطهرة كمصدرين أساسيين لإطار الحياة فى هذا المجتمع.
٢- تتبلور أهداف الحياة لدى الإنسان المسلم فى شكل معايير ينظر من خلالها لكافة مكونات حياته إما بالإيجاب أو بالسلب، بمعنى أنه تتكون لديه أحكام تفضيلية إزاء عناصر وجزئيات حياته، فيكون إيجابيا فى بعضها وسلبيا فى بعضها، بقدر ما تحقق له قيمة أو لا تحقق.
٣- تشمل المعايير وتتصل بكافة مكونات المجتمع ومواقفه فى الحياة الدنيا وفى الآخرة باعتبارها مردودا للحياة الدنيا، ويمتصها الفرد من خلال عملية التطبيع الاجتماعي، والتفاعل الاجتماعي، وهى فى النهاية ترتد إلى ما يهدف إليه إطار الحياة العام فى المجتمع أى أهداف الإسلام ومقاصده فى المجتمع، كتوجهات القيم إلى المجتمع وأهدافه، والمسلم يهدف من وراء توجهاته القيمية رضوان الله تعالى الذى هو أبرز أهداف المجتمع الإسلامي.
٤- تتكشف تلك القيم، من خلال اختيارات الإنسان وتوجهاته، وبقدر إمكانياته ووضوح القيم لديه، بحيث نجعله مطمئنا إلى اختياره، مقتنعا به، فيوجه كافة إمكانياته من أجلها. ذلك أن الفرد الذى يتبنى القيمة يحاول أن يسلك من خلالها فى حياته، فهي تقوم بعملية التوجيه، ويعني هذا أنه لا بد من وجود وعي تام بالقيمة، مع شعور بأهميتها، فالقيمة لا تكتسب أهميتها لدى الفرد إلا إذا توفرت فيها شروط ثلاثة:
- أن يكون لديه وعي يتبلور حول وجود شيء أو فكرة أو موقف أو شخص.
- أن يحدث هذا الوعي لديه اتجاها انفعاليّا مع الشىء أو الفكرة أو الموقف أو ضده، فينظر إليه على أنه خير، أو شر إلى حد ما، بمعنى أن لا يقف موقف اللامبالاة أو عدم الاهتمام.
- أن يصبح وعيه واتجاهه الانفعالي ركيزة أساسية للسلوك وليس مجرد اهتمام وقتى عابر يأبى أن يدوم.
ومعنى هذا أن لها صفة الاختيار عند الفرد والذي يتكون عن وعى واقتناع تام. لأنها تنطوي على «أحكام معيارية للتمييز بين الصواب والخطأ، والخير والشر» «١» .
٥- تظهر هذه القيم من خلال المصادر الأصلية (القرآن والسنة) في شكل أوامر ونواه أو إلزامات تكليفية، في حين تظهر سلوكيا في صور التعبير الإيجابي أو السلبي.
ومن التصورات الأخرى لمفهوم «القيم الإسلامية» ما ذكره بعض الباحثين عندما قال: القيم الإسلامية:
حكم يصدره الإنسان على شيء ما مهتديا بمجموعة المبادئ والمعايير التي ارتضاها الشرع محددا المرغوب فيه
стр. 178
والمرغوب عنه من السلوك «١» .
خصائص القيم الإسلامية:
في ضوء ما سبق يمكن القول: إن خصائص القيم الإسلامية تتميز بما يلي:
أ- أنها تصدر من مصادر الإسلام ذاته، أي أنها تستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ويعتبران الأساسين اللازمين للحديث والبحث عن القيم الإسلامية.
ب- أنها تستمد من الأحكام الشرعية، باعتبار أن الحياة الإسلامية كلها تقوم على هذه الأحكام، وتأتي القيم في صورة أمر بالفعل أو أمر بالترك والكف بكافة درجات أمر الفعل وأمر الترك، وهي بهذا تحدد توجيهات الإنسان في حياته حيال الأشياء والمواقف، تاركة له مساحة من الاختيار.
ج- أنها تقوم على أساس الشمول والتكامل بمعنى:
١- أنها تراعي عالم الإنسان وما فيه، والمجتمع الذي يعيش فيه، وأهداف حياة الإنسان طبقا للتصور الإسلامي، أي تحدد أهداف الحياة وغايتها وماوراءها، ومن ثم تكون قيمة أي إنجاز بشري في تقدير حسابه وجزائه، في الدار الآخرة مع عدم إهمال الدنيا «٢» .
٢- أنها جامعة لكافة مناشط الإنسان وتوجهاته، تستوعب حياته كلها من جميع جوانبها، ثم هي في هذا لا تقف عند حد الحياة الدنيا.
د- أنها تقوم على مبدأ التوحيد، باعتباره النواة التي تتجمع حولها اتجاهات المسلم وسلوكياته، حتى يصل لأهدافه، وبهذا تجعل لحياة الإنسان معنى ووظيفة.
هـ- أنها تتميز بالاستمرارية والعمومية لكل الناس في كل زمان ومكان، ويؤيد ذلك القرآن الكريم في قول الله تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً «٣» .
ولا تتأتى تلك الاستمرارية إلا إذا كانت هذه القيم موضوعية، أي من عند الله تعالى، فالإنسان لا يمكنه من تلقاء نفسه ودون معونة إلهية أن ينشىء نظاما حياتيا صالحا له، ولا يمكنه أن يقيم منظومة قيمية تساعده على أداء دوره في الأرض، بسبب ما يطرأ عليه من ميل للهوى، وما جبل عليه من ضعف، ولذا فإن الوحي هو الذي يستطيع ذلك، وهذا ما حدث فعلا، فقد جاء الوحي بقيم خالدة تحفظ على الإنسان جهده وحياته، ولترتفع به إلى المستوى اللائق به كخليفة الله في الأرض.
стр. 179
وتأتي تلك القيم في استمراريتها من موضوعيتها، فهي لا يطرأ عليها أي تغيير أو تبديل بسبب تغير الظروف والأزمان، وهي ليست من نتاج بشر، بل هي وحي من الله تعالى لنبيه، وعلى هذا تكون الاستمرارية سمة فاصلة بين قيم الله وقيم البشر.
وأنها جامعة للثبات والمرونة، فهناك قيم عليا ثابتة لا تقبل الاجتهاد أو التغيير أو التبديل، كالقيم العقدية، وقيم العبادات وقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما القيم الأخرى فهي نسبية، بمعنى أن القيم التي تستند إلى نص قطعي الدلالة لا يجوز فيها التغيير أو التبديل، أما تلك التي تعتمد على ظني الدلالة، فإن مجال الاختيار فيها واسع، وهي مرنة مرونة كافية لمواجهة ما يتولد في حياة الناس من مواقف وحوادث، وما تصير إليه الأمور في المجتمعات، وهي مما يحتاج إلى نظر وتأمل واستنباط.
فالقيم والقواعد القطعية الواجبة لا يجوز فيها التبديل، أما ما يستحدث من مواقف وما يجوز فيه الاجتهاد ويستجد من قيم بحسب اقتضاء المصلحة زمانا ومكانا وحالا، فتلحقها الحركة والمرونة، وبهذه الميزة استطاعت القيم الإسلامية الحفاظ على المجتمع الإسلامي بالرغم من التغيرات التي أصابته والتي واجهته على مر الزمن.
ز- أنها وسطية، تلك الوسطية الانتقائية لا التلفيقية، فقد عمد الإسلام إلى القيم الجيدة عند العربي فأبقاها وضبطها، وأضاف إليها، وزود الإنسان بقيم ليعيش عالمه المادي والمعنوي في توازن دقيق، وزوده بقيم تهتم بالفرد كما تهتم بالجماعة، كما وازن بين الدنيا والآخرة، القوة والرحمة ... الخ وبهذا كانت معبرة تعبيرا صحيحا عن الفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية، في واقعية كاملة.
إن وسطية القيم الإسلامية لم تلغ الطبيعة البشرية، بل عملت وتعمل على توجيهها باعتبارها مفاهيم ضابطة، تعمل على توجيه هذه الطبيعة، فهي لا تضاد الفطرة ولا تلغيها ولا تكبتها ولا تقف في سبيلها، بل تحاول توجهها بطريقة دافعة، ومن منطلق هذه الوسطية يلزم الإسلام الإنسان بالقيم المحققة لإنسانيته، والتي لا تغلو في طرف وتهمل طرفا آخر، فالإنسان مطالب- مثلا- بالتوسط في الإنفاق، والعاطفة، والاعتقاد، وتوفية مطالب الروح والجسد، والآيات التي تؤيد ذلك عديدة منها:
- وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً «١» .
- وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ «٢» .
стр. 180
إن تلك الوسطية التي تتميز بها القيم الإسلامية، تعد عملية انتقائية، إلا أنها توفيق دقيق جدا بين الوحي وإمكانات الإنسان الأرضية، وهو ضروري لأنه يولد لدى الإنسان حيوية الاختيار والانتقاء للالتزام بها «١» ، مما يتيح في النهاية عملا يتسم بالصدق في المظهر والمخبر، بخلاف عملية التلفيق التي لا تحمل دلالة نفسية على تقوى أو صلاح «٢» .
وهذه الوسطية تستلزم التفهم الكامل الواعي لموضوعات القيم، لأنها تستلزم الاختيار ولا اختيار بدون وعي، أي أنها تتعلم، فالإنسان لا يولد مزودا بها، ولكن لديه الاستعداد ومن ثم تنشأ وتتكون لديه من الخبرات والمواقف التي يعيشها الإنسان.
ح- أنها ترتبط بالجزاءات الدنيوية والأخروية، ولذا أوجد الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ولكن هناك هدف آخر أسمى وراء الالتزام بعد الاختيار القائم على وعي كامل، لما جاء به الشرع وأمر بالالتزام به، ذلك الهدف هو إرضاء الله تعالى، ويأتي الجزاء بعد ذلك والذي لا يحرم منه الملتزم.
ط- أنها تقوم على أساس الضبط والتوجيه والتنمية والتربية، ولذا فإن أهداف التربية في أي مجتمع إنما تشتق من هذه القيم التي تهتم بجوانب الإنسان المختلفة وبصورة متكاملة، فسلطان القيم منبسط على كافة وجوه النشاط الإنساني كلها، لا يشذ عنها عمل تربوي ولا يتفاوت في حكمه نشاط بدني أو عقلي أو فني أو أدبي أو روحي «٣» .
تصنيف القيم الإسلامية:
في ضوء ما سبق سنعرض تصنيفا للقيم الإسلامية على النحو التالي:
١- من حيث الإطلاق والنسبية: ويوجد هنا مستويان:
الأول: القيم المطلقة: وترتبط بالأصول، وهي قيم ثابتة ومطلقة ومستمرة لا تتغير بتغير الزمان والأحوال، ولا مجال للاجتهاد فيها إلا الفهم والوعي، ومن ثم يجب على المسلم أن يتقبلها ويسلم بها ويعمل بمقتضاها، وهذه ترتد إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة.
الثاني: القيم النسبية: وترتبط بما لم يرد فيه نص، أو تشريع صريح وهي تخضع للاجتهاد الذي لا يتعارض مع نص صريح، ومعنى نسبيتها أنها متغيرة بتغير المواقف عبر الزمان والمكان، وتحتاج إلى اجتهاد جمعي لإقرارها.
٢- من حيث تحقيق المصلحة: وهي تتعلق بحفظ الكليات الخمس وهي: