٣- إن هذه المفاهيم ناتجة عن عقلية وضعية خاصة، ومن ثم لا تكاد تفي بفهم القيم الإسلامية نظرا لأن الرؤية الإسلامية تلتزم بالتصورات الإسلامية الأساسية، وهى منبثقة من دلالات النص القرآني الكريم، والنص النبوي الصحيح، ولأن وصف الفعل الإنساني والحكم عليه إنما يصدر عنهما بعد النظر فيهما لاستجلاء الأحكام التى تشتمل عليها هذه النصوص، فى إطار هدف محدد وهو استجلاء «المراد الإلهى فى تحديد أفعال الإنسان دون أن يكون له أي مدخل فى الإضافة الذاتية بما يؤثر على ذلك المراد بالزيادة أو النقصان أو التغيير» «١» .
والأمر إذا: ليس خاضعا للوضعية العقلية الذاتية المحضة، وإن كان لها اعتبارها الخاص فى فهم النص وتنزيله.
٤- إن هذه المفاهيم تختلف عن الرؤية الإسلامية والنهج الإسلامي الذى يرى أن أعمال الإنسان ليست هدفا فى حد ذاتها، بل ترتبط بالله وتتجه نحو مرضاته، وإن لم يتحقق من هذا العمل أو ذاك نفع مباشر أو مصلحة عاجلة، أو لذة آنيّة. لأن الله تعالى هو وحده المتفرد بخلق الإنسان، ولهذا فهو متفرد بكمال العمل بما خلق فى طبيعته وقدراته ونوازعه وحاجاته، وبناء على ذلك فهو متفرد بوضع منهاج الحياة له على الوجه الذى يكون فيه خيره، وسعادته وترقيه فى كافة شئون حياته الفردية والاجتماعية، وبذلك يكون الأساس والمعيار الأوحد فيما يأتى الإنسان ويذر فكرا أو سلوكا هو ميزان البيان الإلهى، ائتمارا بما أمر الله، وانتهاء عما نهى عنه «٢» .
٥- إن هذه المفاهيم لا تعبر عن المقاصد الكلية للحياة، وإنما تعطى الإنسان ضابطا للحياة الدنيا وعلاقتها، ولذلك ارتبط بعضها بتحقيق السعادة للإنسان على وجه الأرض فى الحياة الدنيا فى حين أنه من المسلم به فى المنهج الإسلامي وجود حياة آخرة فيها ثواب وعقاب على ما يأتى الإنسان ويدع وما يختار.
وانطلاقا من هذا، وتجنبا للثغرات التي وجدت في التعريفات السابقة فإنه يمكن تعريف «القيم» من المنظور الإسلامي بأن نقول:
القيم الإسلامية: مجموعة من المعايير والأحكام النابعة من تصورات أساسية عن الكون والحياة والإنسان والإله، كما صورها الإسلام، وتتكون لدى الفرد والمجتمع من خلال التفاعل مع المواقف والخبرات الحياتية المختلفة، بحيث تمكنه من اختيار أهداف وتوجهات لحياته تتفق مع إمكانياته، وتتجسد من خلال الاهتمامات أو السلوك العملي بطريقة مباشرة وغير مباشرة «٣» . وبحكم هذا التعريف تجىء عدة محددات أساسية على النحو الآتى:
١- أن حياة الإنسان تحكمها أهداف محددة، وهناك وسائل لبلوغها، ولا بد من الانتفاع بتلك الأهداف
стр. 177
فى إطار ما تقدمه الجماعة وما ترتضيه، وينبع هذا من المنهج الأساسي الذى يشكل إطارا مرجعيا لها، وفى حالة المجتمع الإسلامي، فإن كل ذلك يرتد فى النهاية للقرآن الكريم والسنة المطهرة كمصدرين أساسيين لإطار الحياة فى هذا المجتمع.
٢- تتبلور أهداف الحياة لدى الإنسان المسلم فى شكل معايير ينظر من خلالها لكافة مكونات حياته إما بالإيجاب أو بالسلب، بمعنى أنه تتكون لديه أحكام تفضيلية إزاء عناصر وجزئيات حياته، فيكون إيجابيا فى بعضها وسلبيا فى بعضها، بقدر ما تحقق له قيمة أو لا تحقق.
٣- تشمل المعايير وتتصل بكافة مكونات المجتمع ومواقفه فى الحياة الدنيا وفى الآخرة باعتبارها مردودا للحياة الدنيا، ويمتصها الفرد من خلال عملية التطبيع الاجتماعي، والتفاعل الاجتماعي، وهى فى النهاية ترتد إلى ما يهدف إليه إطار الحياة العام فى المجتمع أى أهداف الإسلام ومقاصده فى المجتمع، كتوجهات القيم إلى المجتمع وأهدافه، والمسلم يهدف من وراء توجهاته القيمية رضوان الله تعالى الذى هو أبرز أهداف المجتمع الإسلامي.
٤- تتكشف تلك القيم، من خلال اختيارات الإنسان وتوجهاته، وبقدر إمكانياته ووضوح القيم لديه، بحيث نجعله مطمئنا إلى اختياره، مقتنعا به، فيوجه كافة إمكانياته من أجلها. ذلك أن الفرد الذى يتبنى القيمة يحاول أن يسلك من خلالها فى حياته، فهي تقوم بعملية التوجيه، ويعني هذا أنه لا بد من وجود وعي تام بالقيمة، مع شعور بأهميتها، فالقيمة لا تكتسب أهميتها لدى الفرد إلا إذا توفرت فيها شروط ثلاثة:
- أن يكون لديه وعي يتبلور حول وجود شيء أو فكرة أو موقف أو شخص.
- أن يحدث هذا الوعي لديه اتجاها انفعاليّا مع الشىء أو الفكرة أو الموقف أو ضده، فينظر إليه على أنه خير، أو شر إلى حد ما، بمعنى أن لا يقف موقف اللامبالاة أو عدم الاهتمام.
- أن يصبح وعيه واتجاهه الانفعالي ركيزة أساسية للسلوك وليس مجرد اهتمام وقتى عابر يأبى أن يدوم.
ومعنى هذا أن لها صفة الاختيار عند الفرد والذي يتكون عن وعى واقتناع تام. لأنها تنطوي على «أحكام معيارية للتمييز بين الصواب والخطأ، والخير والشر» «١» .
٥- تظهر هذه القيم من خلال المصادر الأصلية (القرآن والسنة) في شكل أوامر ونواه أو إلزامات تكليفية، في حين تظهر سلوكيا في صور التعبير الإيجابي أو السلبي.
ومن التصورات الأخرى لمفهوم «القيم الإسلامية» ما ذكره بعض الباحثين عندما قال: القيم الإسلامية:
حكم يصدره الإنسان على شيء ما مهتديا بمجموعة المبادئ والمعايير التي ارتضاها الشرع محددا المرغوب فيه
стр. 178
والمرغوب عنه من السلوك «١» .
خصائص القيم الإسلامية:
في ضوء ما سبق يمكن القول: إن خصائص القيم الإسلامية تتميز بما يلي:
أ- أنها تصدر من مصادر الإسلام ذاته، أي أنها تستمد من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ويعتبران الأساسين اللازمين للحديث والبحث عن القيم الإسلامية.
ب- أنها تستمد من الأحكام الشرعية، باعتبار أن الحياة الإسلامية كلها تقوم على هذه الأحكام، وتأتي القيم في صورة أمر بالفعل أو أمر بالترك والكف بكافة درجات أمر الفعل وأمر الترك، وهي بهذا تحدد توجيهات الإنسان في حياته حيال الأشياء والمواقف، تاركة له مساحة من الاختيار.
ج- أنها تقوم على أساس الشمول والتكامل بمعنى:
١- أنها تراعي عالم الإنسان وما فيه، والمجتمع الذي يعيش فيه، وأهداف حياة الإنسان طبقا للتصور الإسلامي، أي تحدد أهداف الحياة وغايتها وماوراءها، ومن ثم تكون قيمة أي إنجاز بشري في تقدير حسابه وجزائه، في الدار الآخرة مع عدم إهمال الدنيا «٢» .
٢- أنها جامعة لكافة مناشط الإنسان وتوجهاته، تستوعب حياته كلها من جميع جوانبها، ثم هي في هذا لا تقف عند حد الحياة الدنيا.
د- أنها تقوم على مبدأ التوحيد، باعتباره النواة التي تتجمع حولها اتجاهات المسلم وسلوكياته، حتى يصل لأهدافه، وبهذا تجعل لحياة الإنسان معنى ووظيفة.
هـ- أنها تتميز بالاستمرارية والعمومية لكل الناس في كل زمان ومكان، ويؤيد ذلك القرآن الكريم في قول الله تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً «٣» .
ولا تتأتى تلك الاستمرارية إلا إذا كانت هذه القيم موضوعية، أي من عند الله تعالى، فالإنسان لا يمكنه من تلقاء نفسه ودون معونة إلهية أن ينشىء نظاما حياتيا صالحا له، ولا يمكنه أن يقيم منظومة قيمية تساعده على أداء دوره في الأرض، بسبب ما يطرأ عليه من ميل للهوى، وما جبل عليه من ضعف، ولذا فإن الوحي هو الذي يستطيع ذلك، وهذا ما حدث فعلا، فقد جاء الوحي بقيم خالدة تحفظ على الإنسان جهده وحياته، ولترتفع به إلى المستوى اللائق به كخليفة الله في الأرض.
стр. 179
وتأتي تلك القيم في استمراريتها من موضوعيتها، فهي لا يطرأ عليها أي تغيير أو تبديل بسبب تغير الظروف والأزمان، وهي ليست من نتاج بشر، بل هي وحي من الله تعالى لنبيه، وعلى هذا تكون الاستمرارية سمة فاصلة بين قيم الله وقيم البشر.
وأنها جامعة للثبات والمرونة، فهناك قيم عليا ثابتة لا تقبل الاجتهاد أو التغيير أو التبديل، كالقيم العقدية، وقيم العبادات وقيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما القيم الأخرى فهي نسبية، بمعنى أن القيم التي تستند إلى نص قطعي الدلالة لا يجوز فيها التغيير أو التبديل، أما تلك التي تعتمد على ظني الدلالة، فإن مجال الاختيار فيها واسع، وهي مرنة مرونة كافية لمواجهة ما يتولد في حياة الناس من مواقف وحوادث، وما تصير إليه الأمور في المجتمعات، وهي مما يحتاج إلى نظر وتأمل واستنباط.
فالقيم والقواعد القطعية الواجبة لا يجوز فيها التبديل، أما ما يستحدث من مواقف وما يجوز فيه الاجتهاد ويستجد من قيم بحسب اقتضاء المصلحة زمانا ومكانا وحالا، فتلحقها الحركة والمرونة، وبهذه الميزة استطاعت القيم الإسلامية الحفاظ على المجتمع الإسلامي بالرغم من التغيرات التي أصابته والتي واجهته على مر الزمن.
ز- أنها وسطية، تلك الوسطية الانتقائية لا التلفيقية، فقد عمد الإسلام إلى القيم الجيدة عند العربي فأبقاها وضبطها، وأضاف إليها، وزود الإنسان بقيم ليعيش عالمه المادي والمعنوي في توازن دقيق، وزوده بقيم تهتم بالفرد كما تهتم بالجماعة، كما وازن بين الدنيا والآخرة، القوة والرحمة ... الخ وبهذا كانت معبرة تعبيرا صحيحا عن الفطرة البشرية والطبيعة الإنسانية، في واقعية كاملة.
إن وسطية القيم الإسلامية لم تلغ الطبيعة البشرية، بل عملت وتعمل على توجيهها باعتبارها مفاهيم ضابطة، تعمل على توجيه هذه الطبيعة، فهي لا تضاد الفطرة ولا تلغيها ولا تكبتها ولا تقف في سبيلها، بل تحاول توجهها بطريقة دافعة، ومن منطلق هذه الوسطية يلزم الإسلام الإنسان بالقيم المحققة لإنسانيته، والتي لا تغلو في طرف وتهمل طرفا آخر، فالإنسان مطالب- مثلا- بالتوسط في الإنفاق، والعاطفة، والاعتقاد، وتوفية مطالب الروح والجسد، والآيات التي تؤيد ذلك عديدة منها:
- وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً «١» .
- وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ «٢» .
стр. 180
إن تلك الوسطية التي تتميز بها القيم الإسلامية، تعد عملية انتقائية، إلا أنها توفيق دقيق جدا بين الوحي وإمكانات الإنسان الأرضية، وهو ضروري لأنه يولد لدى الإنسان حيوية الاختيار والانتقاء للالتزام بها «١» ، مما يتيح في النهاية عملا يتسم بالصدق في المظهر والمخبر، بخلاف عملية التلفيق التي لا تحمل دلالة نفسية على تقوى أو صلاح «٢» .
وهذه الوسطية تستلزم التفهم الكامل الواعي لموضوعات القيم، لأنها تستلزم الاختيار ولا اختيار بدون وعي، أي أنها تتعلم، فالإنسان لا يولد مزودا بها، ولكن لديه الاستعداد ومن ثم تنشأ وتتكون لديه من الخبرات والمواقف التي يعيشها الإنسان.
ح- أنها ترتبط بالجزاءات الدنيوية والأخروية، ولذا أوجد الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ولكن هناك هدف آخر أسمى وراء الالتزام بعد الاختيار القائم على وعي كامل، لما جاء به الشرع وأمر بالالتزام به، ذلك الهدف هو إرضاء الله تعالى، ويأتي الجزاء بعد ذلك والذي لا يحرم منه الملتزم.
ط- أنها تقوم على أساس الضبط والتوجيه والتنمية والتربية، ولذا فإن أهداف التربية في أي مجتمع إنما تشتق من هذه القيم التي تهتم بجوانب الإنسان المختلفة وبصورة متكاملة، فسلطان القيم منبسط على كافة وجوه النشاط الإنساني كلها، لا يشذ عنها عمل تربوي ولا يتفاوت في حكمه نشاط بدني أو عقلي أو فني أو أدبي أو روحي «٣» .
تصنيف القيم الإسلامية:
في ضوء ما سبق سنعرض تصنيفا للقيم الإسلامية على النحو التالي:
١- من حيث الإطلاق والنسبية: ويوجد هنا مستويان:
الأول: القيم المطلقة: وترتبط بالأصول، وهي قيم ثابتة ومطلقة ومستمرة لا تتغير بتغير الزمان والأحوال، ولا مجال للاجتهاد فيها إلا الفهم والوعي، ومن ثم يجب على المسلم أن يتقبلها ويسلم بها ويعمل بمقتضاها، وهذه ترتد إلى القرآن الكريم والسنة المطهرة.
الثاني: القيم النسبية: وترتبط بما لم يرد فيه نص، أو تشريع صريح وهي تخضع للاجتهاد الذي لا يتعارض مع نص صريح، ومعنى نسبيتها أنها متغيرة بتغير المواقف عبر الزمان والمكان، وتحتاج إلى اجتهاد جمعي لإقرارها.
٢- من حيث تحقيق المصلحة: وهي تتعلق بحفظ الكليات الخمس وهي:
стр. 181
- الدين: وموضوع القيم هنا صلة الإنسان بربه.
- النفس: وموضوع القيم هنا صلة الإنسان بنفسه، وحياة الإنسان.
- العقل: وموضوع القيم الجوانب الفكرية والعقلية في حياة الإنسان.
- النّسل: وموضوع القيم صلة الإنسان بغيره على وجه العموم.
- المال: وموضوع القيم صلة الإنسان بالأشياء والمكاسب.
وتأتي القيم هنا مرتبة ترتيبا هرميا طبقا لمحورين أساسيين:
- درجة النفع: وهنا ثلاث درجات، الضروريات، الحاجيات، والتحسينيات.
- درجة الحكم: من حيث الحلال والحرام والمباح والمكروه والمندوب.
٣- من حيث تعلقها بأبعاد شخصية الإنسان وجوانبها: والتي تربى على القيم وتحتضنها:
- البعد الروحي: وتعبر عنه القيم التي تنظم علاقة الإنسان بربه، وتحدد صلته به.
- البعد الخلقي: وتعبر عنه القيم المتعلقة بالأخلاق والتي تتصل بالشعور والمسئولية.
- البعد العقلي: وتعبر عنه القيم المتعلقة بالعقل والمعرفة، وإدراك الحق، ووظيفة المعرفة.
- البعد الجمالي: وتعبر عنه القيم المتعلقة بالتذوق الجمالي والتعبير عنه، وإدراك الاتساق في الحياة.
- البعد الوجداني: وتعبر عنه القيم الوجدانية الانفعالية، وهي تلك التي تنظم الجوانب الانفعالية للإنسان وتضبطها، من غضب ورضا أو حب وكره، وغير ذلك.
- البعد المادي: وتعبر عنه القيم المتعلقة بالوجود المادي للإنسان.
- البعد الاجتماعي: وتعبر عنه القيم التي تتصل بالوجود الاجتماعي للإنسان من خلال مجتمعه والمجتمع العالمي.
وخلاصة القول أن صيغة التكامل بين هذه الأبعاد هي الأساس في تناول هذه القيم، فكل بعد متكامل مع الآخر، وتتكامل كافة أبعاد التصنيف الثلاثة بعضها مع بعض مكونة النسق القيمي الإسلامي الصحيح.
بين الأخلاق والقيم:
يبدو جليّا مدى التقارب بين مفهوم الأخلاق والقيم، ولعل مفهوم القيم أوسع دلالة من مفهوم الأخلاق، ولكن إذا كانت القيم تتعلق بجوانب شتى من الحياة، حتى إن البعض يقول: إن هناك قيما خلقية تختص بالشعور بالمسئولية والالتزام إلى جانب قيم أخرى، فإننا لا نكاد نلمح فارقا بين الاثنين باعتبار أن الأخلاق تتصل أيضا بكافة جوانب الحياة، فهى لا تنفصل عن حياة الإنسان فى كافة جنباتها.
ويمكن القول: إن الأخلاق تستند فى أصلها إلى قيم للسلوك الفردي أو الاجتماعي، والفعل الخلقي هو فى
стр. 182
صميمه فعل قيمي.
ومع هذا فلا يجب أن نهمل ما توصل إليه علماء الأخلاق ونحن ندرس القيم، ولا نهمل ما توصل إليه علماء التربية الذين اهتموا بدراسة القيم لأنها توضح وتجلي مجالات من مجالات الأخلاق ودراستها، ولذلك فإن حديثنا سينصب في باقي هذه المقدمة حول القيم الخلقية والتي تعني تلك القيم التي تتصل بشعور الإنسان بالالتزام والمسؤولية والجزاء.
وظائف القيم الخلقية:
للقيم الخلقية وظائف عديدة، فهى تنعكس على سلوك الفرد قولا وعملا، كما ينعكس أثر الالتزام بها على الجماعة أيضا، بل ويمكن أن يمتد أثرها إلى العلاقات الدولية في حالتي السلم والحرب، وسنتناول ذلك- بإيجاز- فيما يلي:
أ- على المستوى الفردى:
١- أنها تهيء للأفراد اختيارات معينة عن طريق الأوامر والنواهي والإلزامات التكليفية، تحدد السلوك الصادر عنهم، وبمعنى آخر؛ تحدد أشكال السلوك، وبالتالي تلعب الدور الهام فى تشكيل الشخصية الفردية السعيدة فى الحياة الدنيا. وفى الحياة الآخرة عن طريق تحديد أهدافها فى إطار معياري صحيح.
٢- أنها تعطي الفرد إمكانية تحقيق ما هو مطلوب منه فى إطار الرسالة الإسلامية، وتمنحه القدرة على التكيف والتوافق الإيجابيين، وتحقيق الرضا عن النفس بإرضاء الله تعالى عن طريق التجاوب مع الجماعة في مبادئها وعقائدها وأخلاقها الصحيحة.
٣- أنها تحقق للفرد الإحساس بالأمان، إذ هو يستعين بها على مواجهة ضعفه وضعف نفسه، ومواجهة التحديات والعقبات التى تواجهه فى حياته.
٤- أنها تعطي الفرد فرصة ودفعة نحو تحسين وعيه، ومعتقداته، وسلوكياته، لتتضح الرؤية أمامه، وبالتالى تساعده على فهم العالم حوله، وتوسع مدلولات الإطار الفكري لفهم حياته وعلاقاته.
٥- أنها تعطي الفرد فرصة للتعبير عن الذات، مؤكدا ذاته فى إطار العبودية الصحيحة لله وعن فهم عميق لها ولإمكانياتها.
٦- أنها تعمل على إصلاح الفرد نفسيا، وتوجهه نحو الخير والإحسان الواجب وكافة مكارم الأخلاق التي تضمن حياة نظيفة فى الدنيا، وجزاء أوفى فى الآخرة.
٧- أنها تعمل على ضبط الفرد لشهواته، ومطامعه، فلا تتغلب على فكره ووجدانه، لأنها تربط سلوكه وتصرفاته بمعايير وأحكام أهمها إرضاء الله ، وبالتالي يتصرف فى ضوئها وعلى هديها.
стр. 183
٨- أنها تبعد الإنسان عن النقص البشري الذي يجعل الحياة جحيما لا يطاق، وذلك من جراء صفات من أبرزها الجبن والخوف، والاستهتار واللامبالاة إلى غير ذلك من صفات يجب أن يتجنبها الإنسان.
٩- تسمو بالإنسان وترفعه فوق الماديات المحسوسة حتى لا يرتبط بها ارتباطا كليا، فتغلب عليه حيوانيته، وإلى سماء الإنسانية الرفيعة بكل ما فيها من جمال وقيم ومبادىء سامية لا تتحقق إلا بالتمسك بالأخلاق الإسلامية ومنهج الإسلام فى الحياة.
إلا أنه يجب أن لا ندرك هذه الوظائف منفصلة بعضها عن بعض، بل هي متداخلة متكاملة بعضها مع بعض وبالتالي تحقق ذاتية الفرد، وتجعله يحس ويستشعر عظمة وقيمة حياته، إنها فى النهاية تحقيق لإنسانية الإنسان، ورضاه عن نفسه برضا الله تعالى عليه وتحقيق إرادته مع أوامره ونواهيه.
ب- على المستوى الاجتماعي:
للقيم الخلقية وظيفتها على المستوى الاجتماعى، حيث إنها تحقق للمجتمع وظائف عديدة، منها:
١- تحفظ على المجتمع تماسكه، فتحدد له أهداف حياته، ومثله العليا، ومبادئه الثابتة المستقرة التي تحفظ له هذا التماسك والثبات اللازمين لممارسة حياة اجتماعية سليمة ومتواصلة.
٢- تساعد المجتمع على مواجهة التغيرات التي تحدث فيه، بتحديدها الاختيارات الصحيحة والسليمة التي تسهل على الناس حياتهم، وتحفظ على المجتمع استقراره وكيانه فى إطار موحد.
٣- تربط أجزاء ثقافة المجتمع بعضها ببعض حتى تبدو متناسقة، كما أنها تعمل على إعطاء النظم الاجتماعية أساسا إيمانيا وعقليا يصبح عقيدة فى ذهن أعضاء المجتمع المنتمين والمتفاعلين بهذه الثقافة.
٤- تقي المجتمع من الأنانية المفرطة، والنزعات، والأهواء والشهوات الطائشة التى تضر به وبأفراده ونظمه، فهي تحمل الأفراد على التفكير فى أعمالهم على أنها محاولات للوصول إلى أهداف هى غايات فى حد ذاتها، وليس على أنها مجرد أعمال لإشباع الرغبات والشهوات.
ولذلك فإن القيم والمثل العليا فى أي جماعة هي الهدف الذي يسعى جميع أعضائها للوصول إليه، والمثل الأعلى في المجتمع الإسلامي هو محمد ﷺ ، والمنهج الذي بلّغ به من قبل الله تعالى باعتباره المثل الأعلى.
٥- أنها تزود المجتمع بالصيغة التي يتعامل بها مع العالم الطبيعي والبشر، وتحدد له أهداف ومبررات وجوده، حتى يسلك فى ضوئهما، ويستلهمها الأفراد فى سلوكياتهم.
٦- أنها تزود المجتمع بالصبغة الملائمة التي تربط بين نظمه الداخلية من اقتصادية وسياسية وإدارية وبالتالي تحوطه بسياج حام من التفكك والانحلال.
стр. 184
ج- على مستوى العلاقات الدولية:
إن وظيفة القيم الأخلاقية- كما حددها القرآن الكريم وكما جاءت بها السنة المطهرة- قد تتجاوز في أحيان كثيرة الفرد والمجتمع إلى إطار أرحب وأوسع، ألا وهو مجال العلاقات الدولية في وقتي السلم والحرب على السواء، ويتضح ذلك من تأمل ما يلي:
أولا: في حالة السلم:
١- الاهتمام بالسلام العام، يقول الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (التوبة/ ١٢٨) .
٢- مجادلة أهل الكتاب بالتي هي أحسن، يقول الله تعالى: وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (العنكبوت/ ٤٦) .
٣- عدم إكراه أحد على الدخول في الدين، يقول الله تعالى: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ (البقرة ٢٥٦) ، ويقول سبحانه: فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ* لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (الغاشية ٢١/ ٢٢) .
٤- عدم إثارة الأحقاد أو الكراهية، يقول الله تعالى: وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ... يَعْمَلُونَ (الأنعام/ ١٠٨) .
٥- ترك الاستبداد والإفساد في الأرض، يقول : تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (القصص/ ٨٣) .
٦- الحفاظ على أمن المحايدين، يقول الله تعالى: فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَما جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا (النساء/ ٩٠) .
٧- حسن الجوار وإقامة العلاقات الدولية على أساس من العدالة والبر يقول سبحانه: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ ... إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ* (الممتحنة/ ٨) .
ثانيا: في حالة الحرب أو الخصومة:
يتجلى دور القيم الإسلامية في هذه الحالة في النقاط الآتية:
١- ترك المبادرة بالشر أو العدوان، يقول الله تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ* ... أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ* (المائدة/ ٢) .
٢- النهي عن القتال في الأشهر الحرم أو الأماكن المحرمة، يقول الله تعالى: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً ... فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ (التوبة/ ٣٦) ، ويقول سبحانه: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ
стр. 185
حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ (البقرة/ ١٩١) .
وهذه القواعد الأخلاقية المتعلقة بتحريم القتال في أزمنة معينة وأماكن معينة لا تزال تشكل أساسا متينا في العلاقات الدولية إذ يجب على الأطراف المتحاربة تجنب القتال في أوقات الهدنة المتفق عليها سلفا من الأطراف قياسا على حرمة القتال في الأشهر الحرم التي كانت بمثابة هدنة أقرها العرب قبل الإسلام في هذه الأشهر، ثم أقرهم الإسلام على ذلك،. كما أنه يجب تجنيب دور العبادة والتعليم وما أشبهها من ويلات الحروب وآثارها المدمرة.
٣- عدم التعرض للمدنيين وقتال المقاتلة وحدهم، يقول الله تعالى: وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (البقرة/ ١٩٠) .
٤- الوفاء بالمعاهدات المبرمة بين أطراف النزاع، يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (المائدة/ ١) .
٥- الوفاء بجميع الالتزامات قبل الطرف الآخر حتى ولو كانت غير مواتية، يقول الله تعالى: وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ ... تَخْتَلِفُونَ* (النحل ٩١/ ٩٢) .
٦- مراعاة الأخوة الإنسانية باعتبارها رباطا مقدسا يسمو على الأجناس والأنواع يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ... إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (النساء/ ١) .
٧- وأخيرا يدعو القرآن الكريم المحاربين من المسلمين إلى التحلى بالصبر كما يدعوهم إلى الوحدة والثبات وعدم الخوف من ملاقاة الأعداء مهما كثروا «١» يقول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصابِرُوا وَرابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (آل عمران/ ٢٠٠) ، ويقول جل من قائل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ (الأنفال/ ٤٥- ٤٦) .
стр. 186
الفصل الثاني الأخلاق الإسلامية طبيعتها ... مصادرها ... أركانها
بعد أن تعرفنا على مفهوم الأخلاق، ووظائفها، يمكننا أن نعرض لطبيعة الأخلاق الإسلامية وخصائصها، باعتبارها معبّرا قويّا عن الذاتية الثقافية للأمة الإسلامية بعالميتها وشمولها، بما يدفع أي شك أو تردد في وجود تلك الأخلاق وتفردها، وصلاحيتها لكل زمان ومكان، وأهميتها في توليد الحركة الحضارية الذاتية للمجتمع الإسلامي، وذلك بتحريك الوعي بتلك القيم في نفوس الأفراد.
أولا: طبيعة الأخلاق الإسلامية:
للأخلاق الإسلامية طبيعة متميزة متفردة سواء فيما يتعلق بالإطار النظري لها، أو بأركانها،
وفي سبيل توضيح ذلك؛ نسوق مقدمتين ،
ثم نتناول أركان الفعل الخلقي في الإسلام.
المقدمة الأولى: الأخلاق الإسلامية والعقيدة الإسلامية:
لا تصدر الأخلاق الإسلامية عن مصلحة مؤقتة أو منفعة ذاتية، ولما كانت الأخلاق تعتمد على أصل الشعور بها عند الإنسان، بحيث يترجم عنها في صورة أفعال أو انفعال أو لفظ، فإن الإسلام يجعل الإنسان الأساس الذي تقوم عليه الأخلاق، وهذه الأخلاق تهدف إلى تحقيق كرامة الإنسان بمراعاة طبيعته، وقدراته، وما سخر له في السماوات والأرض، وبما أنزل عليه من كتب وما أرسل إليه من رسل، وبذا تتحقق كرامة الإنسان ويتهيأ بها للعمل الصالح المحكوم بسياج العقيدة الصحيحة «١» .
إن هدف الإسلام هو «تحرير البشرية من الرق في جميع أشكاله، وتحريك الإنسان من أجل السعي والدأب على الاحتفاظ بالخصائص الإنسانية، وعدم الانحراف في توجيهها أو في ممارستها» وإذا تحدث الإسلام عن الأخلاق كضابط لسلوك الإنسان، فإنه لا يهدف إلا إلى «أن يبقى الأفراد على مستوى إنساني لا يستذل واحد آخر، ولا يؤذي فرد فردا في بشريته، وبهذا يكون المجتمع مجتمعا إنسانيّا، كل فرد فيه يشعر بالطمأنينة وبالارتياح في صلته بغيره» «٢» .
ومن أهدافه أيضا المحافظة على حرية الإنسان، التي لا يحدها إلا إطار الشرعية أو المصلحة العامة،
стр. 187
فرسالة الإسلام هى رسالة الله للإنسان، وهذا يجعلنا نقول إن إرساء الإسلام لهذه الأخلاق إنما كان لتحقيق مصلحة الإنسان في الدنيا والآخرة، فأخلاق الإسلام كشريعته وعقيدته جاءت ليحصل بها السعادة في الدنيا والآخرة، وتحقيق كافة كمالات الإنسان، ذلك لأن جميع ما في الإسلام «من عقائد وعبادات ومعاملات تتكفل بتحقيق كل مصالح العباد بقسميها الدنيوي والأخروي، فالمسلم المتمسك بأحكام الدين في معاملاته مع الناس من حيث إنها أوامر إلهية، بالائتمار بها، ينال جزاء ذلك في الدنيا بالوصول إلى منافعه، وفي الآخرة بلوغ مرضاة الله وجناته» «١» .
وإذا كانت الغاية من الشرائع السماوية، حصول السعادة في الدارين، فإن هذا يدلنا على أن الله سبحانه لم يترك عباده سدى، بل أنعم عليهم بعد نعمة الخلق بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتب المتضمنة لهداية العباد إلى الحق والخير والسعادة، وجميع الأحكام الكلية والجزئية إنما تهدف إلى تحقيق مصالحهم، وقد اتفقت كلمة العلماء على أن أحكام الله تعالى قائمة على رعاية المصالح، وإن اختلفت العبارات في ذلك «٢» .
والمقاصد الكلية للشريعة تنحصر في المحافظة على كل من: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال «٣» ، ولو اختل واحد من هذه الأمور الخمسة لاختلت لأجله الحياة، وقد شرع الله لحفظ هذه الضروريات أحكاما لوجودها، وأخرى للمحافظة عليها حتى لا تنعدم بعد الوجود، ووجوب المحافظة على هذه الأمور معلوم على سبيل القطع، وجاءت وسائل الحفاظ عليها في ثلاث مراحل حسب الأهمية، وتتمثل في الضروريات، والحاجيات والتحسينات.
فالضروريات: ما لا بد منه في حفظ الكليات الخمس، ويكون ذلك بإقامة أركانها، وتثبيت قواعدها وبدرء الفساد الواقع أو المتوقع عليها. وفي هذا الإطار شرع الشارع أوامر لتقويم الأركان والوجود، وأوامر أخرى لحفظها من الهدم والفساد، فهى أوامر ونواهي.
أما الحاجيات: فمعناها أنه قد تتحقق من دونها الأمور الخمسة، ولكن مع الضيق، فشرعت لحاجة الناس إلى رفع الضيق عن أنفسهم، كي لا يقعوا في حرج قد يفوت عليهم المطلوب، ومن هذا المجال الرّخص، وإباحة التمتع بالطيبات والتوسع في المعاملات، وغير ذلك.
والتحسينات: هى الأمور التي إذا تركت لا يؤدى تركها إلى ضيق، ولكن مراعاتها متفقة مع مبدأ الأخذ بما
стр. 188
يليق، وتجنب ما لا يليق، ومتمشية مع مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات، ومن هذا المجال أحكام النجاسات، والطهارات، وستر العورة وما أشبه ذلك، وآداب الأكل وآداب الشرب وغير ذلك مما يندرج تحت ما يسمى بالآداب الشرعية «١» .
والهدف من ذلك كله أن يعرف الإنسان الغاية من خلقه وهى معرفة الله ، ولزوم موقف العبودية له، حيث ينال بذلك الخلود في جناته وظل مرضاته وهذه هي رابطة الحياة الآخرة بالدنيا» «٢» .
والأدلة على ذلك كثيرة وافرة من القرآن الكريم والسنة، ومن ذلك قوله تعالى:
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «٣» .
وَابْتَغِ فِيما آتاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا «٤» .
أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ «٥» .
إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً «٦» .
مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ «٧» .
ويسوق الراغب تعليلا جيدا حيث يقول: «ما أحد إلا وهو فازع إلى السعادة يطلبها بجهد، ولكن كثيرا ما يخطئ فيظن ما ليس بسعادة في ذاته أنه سعادة فيغتر بها، والنعم الدنيوية تكون نعما وسعادة متى تناولها الإنسان على ما يجب وكما يجب، ويجري بها على الوجه الذي لأجله خلق، وذلك أن الله جعل الدنيا عاريّة ليتناول منه قدر ما يتوصل به إلى النعم الدائمة والسعادة الحقيقية، وشرع لنا في كل منها حكما بين فيه كيف يجب أن يتناول ويتصرف عنها، لكن صار الناس في تناولها فريقين: فريق يتناولونه على الوجه الذي جعله الله لهم فانتفعوا به، فصار ذلك لهم نعمة وسعادة وهم الموصوفون بقوله تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ «٨» ، وقوله : لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ «٩» ، وقوله تعالى: وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ
стр. 189
فِي الدُّنْيا حَسَنَةً* «١» ، فهؤلاء حيوا بها حياة طيبة كما قال تعالى: فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً «٢» ، وفريق يتناولها لا على الوجه الذي جعلها الله لهم، فركنوا إليها فصار ذلك لهم نقمة وشقاوة فتعذبوا بها عاجلا وآجلا، وهم الموصوفون بقوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ «٣» ، «٤» .
فالأخلاق في الإسلام- إذا- تعتمد على أهداف العقيدة الإسلامية باعتبار أن العقيدة الإيمانية معيار توزن عليه الأعمال والأقوال وكافة التصرفات، لحفظ كرامة الإنسان وصيانته، وتحقيق سعادته في حياته الدنيا، والأخرى، وعلى هذا فمردود الالتزام الخلقي ليس دنيويا فحسب وإنما أخروي أيضا.
المقدمة الثانية: الأخلاق الإسلامية ومبدأ التكليف:
الإنسان كائن مكلف، ولهذا شواهده من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وعلى هذا يمكن فهم الإنسان وفهم هدف حياته، فهو مبتلى بتبعة التكليف، ولذا فهو مسئول عن اختياراته وبناء حياته، قال تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ «٥» .
يقول أبو حيان في تفسير هذه الآية الكريمة: بيّن الله أن ما كلفه الإنسان أمر عظيم فقال: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ تعظيما لأمر التكليف، والظاهر أن الأمانة هي كل ما يؤتمن عليه من أمر ونهي، وشأن دين ودنيا، والشرع كله أمانة، وهذا قول الجمهور، والظاهر عرض الأمانة على هذه المخلوقات العظام- وهي الأوامر والنواهي- فتثاب أن أحسنت، وتعاقب إن أساءت، فأبت وأشفقت، ... وحملها الإنسان على ضعفه ورخاوة قوته «٦» .
والأمر كذلك، فإن الإنسان لا بد أن يكون قادرا على الفعل والترك، أي الاختيار لكي تصبح منه الطاعة بفعل المأمورية، إذ أنه يكون عاصيا بتركه، ويلزم أن يكون الإنسان عالما بالأفعال التي كلف بها، إتيانا أو تركا «٧» .
ويقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ ... «قال علي بن أبى طلحة عن ابن عباس: الأمانة: الفرائض عرضها الله على السموات والأرض والجبال إن أدوها أثابهم، وإن ضيعوها عذبهم فكرهوا ذلك وأشفقوا منه من غير معصية، ولكن تعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها ثم عرضها على آدم
стр. 190
فقبلها بما فيها» «١» .
أيا كان الأمر فقد منح الإنسان ما يساعده على القيام بمهمة التكليف، ويمكن عرض ذلك بإيجاز فيما يلى:
١- الإنسان غاية حياته تحقيق وظائف الاستخلاف في الأرض: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً «٢» ، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ «٣» .
٢- الإنسان وحده من بين سائر الكائنات هو المخصوص بالكرامة والتكريم وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا «٤» .
والفعل المختص بالإنسان ثلاثة:
أ- عمارة الأرض المذكورة في قوله تعالى: وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها «٥» وذلك تحصيل ما به تزجية المعاش وغيره.
ب- وعبوديته لله المذكورة في قوله تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ «٦» وذلك هو طاعة الله- في عبادته، في أوامره ونواهيه.
ج- استخلافه المذكور في قوله تعالى: وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ «٧» وغيره من الآيات، وذلك هو الطاعة للباري سبحانه على قدر طاقة البشر في السياسة بامتثال الأوامر واجتناب النواهي واستعمال مكارم الشريعة، ومكارم الشريعة هى الحكمة، والقيام بالعدالة بين الناس في الحكم، والإحسان، والفضل، والقصد منها أن يبلغ الإنسان إلى جنة المأوى، وجوار رب العزة ﵎ «٨» .
٣- على هذا الأساس وهب الإنسان استعدادات وقدرات ومواهب تؤهله للقيام بتلك الوظيفة سواء المادية والمعنوية، وهما جماع الذات الإنسانية، وبهما تتم حياة الإنسان، ويعود الاهتمام بالجانب المادي إلى أنه وعاء الشخصية الإنسانية، ومن هنا تأتي علاقة الإنسان المادية بالأشياء طبيعية، إذ أنها مفطورة في جبلته «٩» . وهو بهذا قادر على المشى في الأرض، والسعي فيها، وتعميرها وتحسينها، ولو كان الإنسان روحا محضا ما وجدت لديه الدافعية الحافزة له على استخدام المادة والسير في مناكب الأرض، وممارسة معطياتها «١٠» .
стр. 191
وتعطي تعليمات الإسلام الجانب المادي حقه، ولم تنكر مطلبا من مطالبه، بل وجهت إلى ضبطها وضبط إشباعها. ومن التوجيهات النبوية الخالدة، إنكاره ﷺ على من سولت له نفسه حرمان جسده من حقه وحاجاته الأساسية، يروي البخاري- ﵀: «جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ ؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبدا، وقال الآخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا، فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس منى» «١» .
إن الإسلام في توجيهاته لم يطغ الجانب المعنوي على الحاجات الحياتية ولكنه يعطي الجانب المعنوي مكانه وأثره حتى يؤدي غرضه، ومن هذه القوى المعنوية التي أولاها الإسلام عنايته العقل باعتباره القوة المدركة التي يستطيع الإنسان عن طريقها أن يعقل الأمور ويميز الخير من الشر، والنافع من الضار.
٤- ومن منطلق رسالة الإنسان فإن لديه الإمكانية والاستعداد لفعل الخير والشر، ويكتسب جانب الخير وجانب الشر بالتطبيع لا بالطبع، وهذا ما أوضحته الآية الكريمة: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ «٢» . وقوله تعالى فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها «٣» . وهو قادر على فعل الخير وفعل الشر والأمر راجع إلى تربية الاختيار، وقد يختار الإنسان أن يسلك سلوكا مضادا للقوانين الأخلاقية، ولكنه لا يستطيع أن يفلت من الإطار الخلقي بعيدا عن الخير والشر «٤» .
وتعود تلك القدرة على الاختيار إلى التربية: تربية الاختيار، وهذا ما أشار إليه الحديث الشريف: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه» «٥» . والحديث يتضمن تصوير حالة الاستعدادات والقدرات القابلة للتشكيل والصياغة، ويبين أنه من خلال التربية والبيئة والتفاعل والتنشئة الاجتماعية يكون سلوك الإنسان، وتكون إرادته وقدرته على مواجهة الشر والتغلب عليه واختيار الخير، وعلى شكل هذه الإرادة وقوتها تكون حياة الإنسان.
стр. 192
والإسلام يقرر من خلال نصوصه أن هذه القضية ترتبط أصلا بالابتلاء، لأنها ترتبط بالإرادة الإنسانية والاختيار، وهذا يلقي على الإنسان مسئولية ضخمة، قال تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً* إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً «١» . وهو سبحانه الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا «٢» .
فالابتلاء يجري على الإنسان في كل لحظة من لحظات حياته، فهو إما مبتلى بالسراء أو بالضراء، بالمعصية أو بالطاعة «٣» .
٥- إن تكليف الإنسان المشار إليه في الآية الكريمة: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (الأحزاب/ ٧٢) . هو أيضا ابتلاء، وعلى هذا الأساس كان خلق الإنسان تمهيدا وتأهيلا من حيث كانت قابلة لفعل الخير وتقبله، وكذلك لفعل الشر وتقبله وتحمّل نتائجه، ولذلك زود الإنسان بالصفات الخلقية والعقلية اللازمة للقيام بمهامه في إطار الابتلاء، وكانت القيم الخلقية طبقا للمنهج الإسلامي هي الضابط الأساسي لحركة الإنسان المكلف برسالة الاستخلاف في الأرض، وكانت الابتلاءات الخاصة من منح ومحن لإظهار جودة الإنسان أو رداءته من خلال التزامه بالمنهج الإسلامي في التعامل مع مواقف الابتلاء المختلفة «٤» .
لقد ثارت منذ القدم مسألة الجبر والاختيار، وتنوعت الآراء حولها، والذي يهمنا هنا هو توضيح الموقف الإسلامي الصحيح من خلال نصوص القرآن الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهناك عنصران أساسيان للإجابة هما:
أ- غيبية أفعالنا المستقبلة وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَداً (لقمان/ ٣٤) .
ب- قدرة الإنسان على أن يحسن أو يفسد كيانه الداخلي قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها* وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (الشمس/ ٩- ١٠) .
ويمكن أن تكتمل هذه الإجابة القرآنية من خلال تفهم أن جميع المثيرات مهما بلغت لا تستطيع أن تمارس إكراها على قراراتنا في مواجهة الابتلاءات، يقول الله تعالى على لسان الشيطان: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا
стр. 193
أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ (إبراهيم/ ٢٢) . هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هناك إدانة شديدة للأعمال الناشئة عن الهوى أو التقليد الأعمى «١» ، يقول الله تعالى: وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (الأعراف/ ١٧٦) ، إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ* فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ (الصافات/ ٦٩- ٧٠) .
ويرى ابن تيمية: أن الطبيعة الإنسانية تتميز بأنها طبيعة حية، والإرادة والحركة من لوازم الحياة، ولما كانت الإرادة والعمل من لوازم ذاتها، فإذا أهداها الله، علمها ما ينفعها وما يضرها. فأرادت ما ينفعها، وتركت ما يضرها، وهذه الإرادة الحرة المتحركة، النشطة، الفاعلة، المتفاعلة هى من أخص الخصائص الإنسانية، وتبعا لهذه الحركة الإرادية يكون له دور في سلوكه، ومختلف أنماط نشاطه، وميوله، ومن ثم تكون الهداية الإلهية ضرورية، والمعرفة الدينية حيوية، حتى لا تنحرف به ميوله، وإراداته عن طريق الخير «٢» . ومعنى هذا: أن الإرادة الإنسانية لا بد أن يكون لها دورها في اختيار النمط السلوكى، الذي تتحمل مسئوليته، ومما يدعم هذه المسئولية، حريتها بالإضافة إلى الفطرة، والمعرفة الإلهية متمثلة في الكتب والرسل، ومن ثم تبرز مسئولية الإنسان عن فعل الشر «٣» .
إذن الإنسان يعيش بين جبر واختيار، ويتمثل الجانب الجبرى في حياة الإنسان في الموروثات التي تكون نفسيته وشخصيته أو تشترك في تكوينها، «من ذكاء وطباع ومزاج وغرائز وعواطف، ومواهب، وقدرات، بالإضافة إلى الشكل العام للجسد وقوته» وكذلك «المكتسبات الناتجة عن تفاعل الموروثات ببيئة الفرد مثل العادات والتقاليد، والأنماط السلوكية والمكانة لكل مجتمع ولكل عصر وما إلى ذلك» ، وهو ضرورى «لقيام التجربة الوجودية» «٤» .
ومن الجبر أيضا الرزق والعمر والولد والقوة والجاه وكل ما يمنح الله الإنسان من نعم، وكل ما يصيبه من نقم، وأما الجانب الاختيارى فله ركائزه، وهي محققة في القرآن الكريم والسنة المطهرة «٥» ، وهذا الاختيار له مساحاته، وإذا أراد الإنسان ونوى وعزم على الفعل، يأتى الفعل من الإنسان، والتوفيق من الله، وفي كل أفعال الإنسان يظل في تلك الحركة الدائبة، وهذا الجانب الاختياري من حياة الإنسان يتكون من مجموع اختياراته حيال التجارب الائتلافية التي يجتازها في حياته كلها، ومن مجموع الجانبين وامتزاجهما نتج لنا شخصية الفرد واضحة
стр. 194
جلية محددة الاتجاه والمصير، فالإنسان ليس في نهاية حياته سوى عمله الذي اختاره ونفذه ومات عليه» «١» .
وبالإرادة القوية الصحيحة التي تتكون لدى الإنسان عن طريق العلم الصحيح والتربية السليمة المعتمدة على أن الإنسان مفكر ذكي ذو قدرات واستعدادات تساعده على الاختيار السليم يكون الاختيار السليم، ولعل هذا بعض مما يوحى به الحديث الشريف: «اعملوا فكلّ ميسّر» «٢» .
٦- والإنسان لا يعيش وحده بل في مجتمع، أي في علاقة، وهذا النوع من العلاقة لا يمكن أن يوجد إلا في وسط مجتمع له غايته الخاصة، وتأتى معطيات الإسلام مقررة أن الإنسان ليس فردا فردية مطلقة، ولا هو ذائب في الجماعة، بل هو يشكل جزءا من كل أكبر، وهذه الجماعة منسّقة لغايات أسمى، فالإسلام لا يضخم الفرد، ولا يضخم الجماعة، إذ هو يعطى الفرد ذاتيته المسئولة بحيث يصبح في النهاية فردا في مجموع، ويعطى المجتمع كيانا ووجودا في ضمير الأفراد، فهو يغذى في الفرد النزعة الفردية بحيث يشعر بذاتيته واستقلاله ويبين للإنسان دوره في المجموع، لأن الإنسان لا يمكن أن يعيش بمعزل عن المجتمع.
والدور الاجتماعى للفرد مطلوب، وفي الوقت نفسه يقرر الإسلام ضمانات معينة ليسير المجتمع على أساسها، وليوفر الجو المستقر الذي يستطيع الفرد فيه استغلال قدراته كقوة متميزة متفردة، مسئولا عن أعماله إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْداً* لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا* وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَرْداً «٣» .
وفي إطار هذه المسئولية الاجتماعية التي ترتب على الإنسان واجبات عديدة نحو مجتمعه وأسرته، بل ذاته، فإن له أيضا حقوقا لابد أن ينالها مثل حقه في الحياة والتملك، كل ذلك أي تلك الحقوق وما يقابلها من الواجبات يتم من خلال التوجه إلى مرضاة الله تعالى، وبهذا فقط ينشرح صدر الإنسان وتطمئن نفسه، ويتجاوب مع أهله وأصدقائه مشاركا لهم في أفراحهم، ومعينا لهم في وقت الشدة، ويتلقى منهم ما يسر خاطره، وقد جعل الإسلام هذه المشاعر النبيلة وتلك المشاركة الوجدانية الحقة ضمن عناصر الإيمان، يقول الرسول ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» «٤» .
ويعنى الإسلام كذلك بتقوية الروح الاجتماعية في الإنسان، ومحاربة القبلية والعائلية والانعزالية في نفسه لأنه مهما اتصف الفرد بأكمل الصفات وأتمها، فلن يتم كماله إلا إذا ملأت الروح الاجتماعية قلبه ووجهت عمله، وأيقظت ضميره، وكانت المسيطرة عليه في كل تصرفاته «٥» .
стр. 195
وإلى هذا كله تشير الآيات الكريمة: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ «١» .
يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً «٢» .
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا «٣» .
تؤكد الآيات ومعها الأحاديث النبوية مسئولية الإنسان الفرد في بناء المجتمع المسلم، وتؤكد أن الفرد عضو في كيان أكبر، هو المجتمع الإسلامي الذي يقوم على الإيمان والعدل والمساواة والأخوة والتحرك الواعي تجاه أهداف الجماعة الإسلامية.
هذه المعطيات الأساسية تعتبر المبادىء التي تم بناء الفرد المسلم عليها، وهى المنطلقات الأساسية للتكليف السليم، وهي أساس التربية الخلقية السليمة باعتبار أن الأخلاق الإسلامية تحتل المكان البارز في حياة المسلمين ولأن قواعد الأخلاق الإسلامية تتميز عن غيرها لاقترانها دائما بأمر التكليف حيث نرى اقتران أمر التكليف في كثير من آيات القرآن الكريم بالأمر بالفضائل الخلقية، كالبر والتعاون والمودة والأمانة وأمثالها «٤» .
وهذا ما نلاحظه في كثير من آيات القرآن الكريم والسنة المطهرة حيث يربط بين الاثنين في أمر واحد يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ «٥» .
يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ* وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ* وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ «٦» .
هذا ما يتعلق بطبيعة الإنسان كمكلف إلا أن هناك شقا آخر في فهم التكليف يعد ضروريا ومهما، وهو (الأحكام التكليفية) وقد حدد الفقهاء هذه الأحكام في أنها: «ما اقتضى طلب الفعل من المكلف، أو كفه عن فعل،
стр. 196
أو تخيره بين فعل والكف عنه» «١» . أو هو: «خطاب الله، المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخير أو الوضع» «٢» .
وينقسم الحكم الشرعي التكليفي خمسة أقسام: الإيجاب، والندب، والتحريم، والكراهة، والإباحة، وهذه الأقسام تجعل الفعل الصادر من المكلف ذا قيمة أو غير ذي قيمة، وتفصيل ذلك فيما يلى:
* الإيجاب: هو «ما اقتضاه خطاب الله من المكلف اقتضاء جازما، لا يجوز تركه» كالأمر بالصلاة والزكاة والحج، والذي يتعلق بالإيجاب من فعل المكلف: الواجب وهو: «الفعل الذي يذم شرعا تاركه قصدا، أو هو الذي يثاب فاعله ويعاقب تاركه قصدا» «٣» .
- والندب: هو «ما اقتضاه خطاب الله من المكلف اقتضاء غير جازم بأن يجوز تركه» وذلك كالأمر بصلاة الليل والضحى، وصدقة التطوع وإفشاء السلام وغير ذلك، ويتعلق بفعل المكلف ويسمى (مندوبا) وهو الفعل الذي يحمد فاعله ولا يذم تاركه، أو هو الذي يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه، وقد قسمه العلماء أقساما كثيرة «٤» .
- والتحريم: هى «ما اقتضى خطاب الله تعالى من المكلف تركه اقتضاء جازما، بأن منع من فعله ولم يجوزه» كالنهي عن الزنا، وأكل مال اليتيم، والغيبة والنميمة.. ويتعلق بفعل المكلف، ويوصف (بالحرام) وهو الفعل الذي يذم شرعا فاعله قصدا، أو هو الذي يعاقب فاعله ويثاب تاركه «٥» .
والكراهة هي: ما طلب الشارع الكف عنه طلبا غير ملزم بأن كان منهيا عنه واقترن لفظ النهي بما يدل على أنه لم يقصد به التحريم «٦» .
- والإباحة: هى «ما كان الخطاب فيها غير مقتض شيئا من الفعل والترك، بل خيّر المكلف بينهما» ويتعلق بفعل المكلف ويوصف (بالمباح) وهو الفعل الذي لا يتعلق بفعله مدح ولا ذم، أو هو الفعل «الذي لا يثاب فاعله ولا يعاقب تاركه «٧» .
وهكذا يتضح أن أفعال المكلف تتعلق ببواعث ومثيرات ومعايير معينة، تشكل اتجاهه نحو الأشياء والأفكار والأفعال، والناس مما يجعل هذا الفعل أو هذا السلوك ذا قيمة أو غير ذي قيمة فإذا ما انطبعت نفس الإنسان على الفعل والترك كان ذلك خلقا له.
وخلاصة الأمر أن الإسلام أتى بتلك الأحكام كمعايير لسلوك المسلم، لينظم لهم حياتهم ويصنع بهم العمارة الكبرى في الحياة، ولم يتركهم هملا ولم يكلفهم من أمرهم عسرا، وإنما أخذهم بخطة رشيدة تجعلهم يقومون
стр. 197
بأعباء الحياة ويعيشونها على نحو فاضل كريم، وكان هذا من باب تزكية الفرد والجماعة لتكون القيم الخلقية معايير ضابطة، ولتكون موصولة بالله تعالى. ومن خلال ذلك يتضح أن الإسلام أعطى للإنسان قيما حقيقية لضبط الحياة وتنظيمها فيتمكن الإنسان من أداء دوره ورسالته المكلف بها.
[ثانيا] أركان الفعل الخلقى في الإسلام:
على أساس مما سبق وعلى ضوئه يمكننا التعرض لبعض الجوانب المتصلة بالأخلاق في الإسلام، حيث إن الأخلاق الإسلامية تعنى إرساء القيم العالية الرفيعة المتصلة بكل نواحي الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والسلمية والحربية، والدينية.
أولا: الإلزام الخلقى ومصدره:
أي عمل يوجه إليه الإسلام لا بد أن يكون موصوفا بالصفة الخلقية، فالواجب، والخير وغيرهما يقومان على فكرة القيمة، التي تستمد من مثل أعلى، وفي الأخلاق الإسلامية فإن الوحى والعقل يعتبران المصدر الأساسي للإلزام الخلقي، جنبا إلى جنب، باعتبارهما مستويين للمصدر الخلقي، وعلى هذا فيمكن التعبير عن ذلك بالمصدر الفطري، والمصدر الموصى به.
وعلى هذا تكون مصادر الإلزام الخلقى كما يلى:
(أ) المصدر الأول: القرآن الكريم
وهو كتاب الله الذي نزل على النبي ﷺ بألفاظه ومعانيه ليكون «حجة للرسول على أنه رسول الله، ودستورا للناس يهتدون بهداه، وقربة يتعبدون بتلاوته، وهو المدون بين دفتي المصحف، المبدوء بسورة الفاتحة، المختوم بسورة الناس، المنقول إلينا بالتواتر كتابة ومشافهة جيلا عن جيل محفوظا من أي تغيير أو تبديل «١» .
وتشير المؤلفات في أصول الفقه وفي تفسير القرآن إلى احتواء القرآن على آيات تتصل بأحكام العقيدة، والأخلاق، والأعمال الصادرة عن المكلف، وهذه تسمى بالأحكام العملية، وتنتظم على فرعين: العبادات والمعاملات، ويمكن القول بأن القرآن باعتباره معبرا عن الإرادة الإلهية هو المصدر الأساسي للإلزام الخلقي، إذ أن آياته تنتظم على النحو التالى:
- آيات الاعتقاد وهى تتعلق بما يجب على المكلف أن يعتقده في الله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره حلوه ومره.
- آيات تتعلق بما يجب على المكلف أن يتحلى به من الفضائل ويتخلى عنه من الرذائل.
стр. 198
- آيات تتعلق بما يصدر عن المكلف من أعمال وأقوال وتصرفات وهي على نوعين: العبادات، ويقصد بها تنظيم علاقة الإنسان بربه، والمعاملات ويقصد بها تنظيم علاقات الناس بعضهم ببعض سواء كانت علاقات أفراد أو أمم أو جماعات، وهذه تضم أخلاقا تتصل بالأسرة، والقضاء ونظام الحكم، ومعاملات الدولة الإسلامية، ومعاملات غير المسلمين، كما تضم أخلاقا تتصل بالنواحى المادية والاقتصادية «١» .
وغاية الأمر، فإن القرآن يحتوى على النسق القيمى الإسلامي بأبعاده المتعددة، فهذا المصدر الأول للإلزام الخلقي. وهو جامع لكل ما يحتاج إليه البشر من موعظة حسنة لإصلاح أخلاقهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة، والحكم البالغة لإصلاح خبايا النفس وشفاء أمراضها الباطنة وهداية واضحة للصراط المستقيم الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة. وهذا مقتضى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ «٢» .
والقرآن كتاب الله سبحانه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، قال الله تعالى: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ «٣» . وقال: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ «٤» .
(ب) المصدر الثانى: السنة:
وهى «ما صدر عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير» «٥» . فهى بهذا سنة قولية، وسنة فعلية وسنة تقريرية «٦» . وهى مكملة للكتاب وشارحة له، وقد أجمع المسلمون على مر العصور على أن «ما صدر عن رسول الله ﷺ من قول أو فعل أو تقرير، ونقل إلينا بسند صحيح يفيد القطع أو الظن الراجح بصدقه يكون حجة على المسلمين، ومصدرا تشريعيا يستنبط منه المجتهدون الأحكام الشرعية لأفعال المكلفين. أي أن الأحكام الواردة في هذه السنن تكون مع الأحكام الواردة في القرآن قانونا واجب الاتباع» «٧» .
ومع هذا فالسنة «أصل في الاستنباط قائم بذاته» «٨» . وقد أمرنا الله- باتباع الرسول الكريم ﷺ في كثير من آيات القرآن، يقول الحق ﵎:
стр. 199
- فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً «١» .
- مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «٢» .
- وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ «٣» .
- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ «٤» .
وكما يقول محمد عبد الله دراز: «إن كل حديث صحيح لم يرد ما ينسخه، وكان موضوعه جزءا من رسالة النبي ﷺ ، هذا الحديث له في نظر المسلمين نفس السلطة الأخلاقية التي للنص القرآني، ولو اشتمل الحديث علاوة على ذلك، تفصيلات وتحديدات أكثر مما اشتمل عليه النص القرآني، فإن هذا الحديث هو الذي يبين النص القرآنى، ويفسره، ويحدده، ويبين نماذج تطبيقه» «٥» .
وقد أوجب الله تعالى لأمته أمرين:
أحدهما: البيان، والثانى: البلاغ.
قال تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ «٦» .
وأوجب للرسول على أمته أمرين:
أحدهما: طاعته في قبول قوله، والثانى: أن يبلغوا عنه ما أخبرهم به «٧» .
كما قال ﷺ : «ليبلغ الشاهد منكم الغائب» «٨» .
وقال ﷺ : «بلغوا عني ولا تكذبوا فرب مبلغ أوعى من سامع، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» «٩» .
يقول الماوردي: «ولما كان الرسول ﷺ لا يقدر أن يبلغ جميع الناس للعجز عنه اقتصر على إبلاغ من حضر
стр. 200
لينقله الحاضر إلى الغائب، ولما لم يبق فيهم إلى الأبد فكل من يأتي في عصر بعد عصر يأخذون بمن تقدمهم من عصر وينقلون إلى من بعدهم من عصر، لينقل عنه كل سلف إلى خلفه فيستديم على الأبد نقل سننه ويعلم جميع ما يأتي لشرائعه.
فصار نقل الأخبار عنه واجبا على أهل كل عصر وصار قبولها واجبا في كل عصر، فلذلك صارت الأخبار عنه أصلا من أصول الشرع» «١» .
ويذكر ابن حبان: «قال أبو حاتم- ﵀ قوله «بلغوا عني ولو آية» أمر قصد به الصحابة، ويدخل في جملة هذا الخطاب من كان بوصفهم إلى يوم القيامة في تبليغ من بعدهم عنه ﷺ ، وهو فرض على الكفاية، إذا قام البعض بتبليغه سقط عن الآخرين فرضه، وإنما يلزم فرضيته من كان عنده منه ما يعلم أنه ليس عند غيره، وأنه متى امتنع عن بثه، خان المسلمين، فحينئذ يلزم فرضه.
وفيه دليل على أن السنة يجوز أن يقال لها: الآي، إذ لو كان الخطاب على الآي نفسه دون السنن، لاستحال، لاشتمالهما معا على المعنى الواحد» «٢» .
وكل هذا يؤكد المعنى الذي نريد وهو أن السنة الأصل الثانى أو المصدر الثاني من مصادر الإلزام الخلقي في الإسلام، لأن ما صدر عن الرسول ﷺ مما يتصل ببيان المنهج الإسلامي هو شرع متبع، وبالتالي يكون خلقا من أخلاق الإسلام، وما صدر عنه بمقتضى طبيعته البشرية فهو ملزم إذا قام على ذلك دليل يدل على أن المقصود من فعله الاقتداء، وكذا ما صدر عنه بمقتضى الخبرة البشرية أو بمقتضى العادات الجارية، أما ما صدر عنه ودل الدليل على أنه خاص به فلا يعتبر تشريعا لعموم المسلمين. وعليه: فإن ما يثبت بدليل يقصند به التشريع العام واقتداء المسلمين به فهو من قبيل الإلزام، لأنه قانون يجب اتباعه «٣» .
ومهما يكن من أمر، فإن السنة زاخرة بالأخلاق، ولا غرو فهى حياة النبى ﷺ ، والمجتمع الإسلامي المعاصر له، ولأنها مصدر تشريعى لهذه الحياة كانت بالتوجيه ملازمة للقرآن، وبالتالي فإن اعتبارها مصدر الإلزام الخلقي أمر واجب.
(ج) المصدر الثالث: الإجماع:
وهو «اتفاق جميع المجتهدين من المسلمين في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ﷺ على حكم شرعى في
стр. 201
واقعة» «١» .
ومعنى الاتفاق: الاشتراك إما في القول أو في الفعل أو الاعتقاد، والمقصود بأهل الحل والعقد المجتهدون في الأحكام» «٢» . وإذا أجمعوا على فعل نحو أكلهم طعاما دل إجماعهم على إباحته، كما يدل أكله ﵊ على الإباحة، ما لم تقم قرينة دالة على الندب أو الوجوب» «٣» .
والأدلة عليه في القرآن كثيرة منها:
- وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ «٤» .
- كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... «٥» .
- وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً «٦» .
- وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ... «٧» .
- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ... «٨» .
ومن النصوص النبوية، قوله ﷺ ، «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم، حتى يأتيهم أمر الله وهم ظاهرون» «٩» . وفي تفسير البخاري: أن الطائفة هم أهل العلم.
ويعلق محمد عبد الله دراز: «أنه إذا كانت عصبة الحق لا تزال باقية في العالم الإسلامي، فإن فكرة الاتفاق الإجماعي على الضلالة سوف تكون إذن مستبعدة، على أنها أمر محال من الوجهة العملية في العالم الإسلامي» «١٠» .
ودور الإجماع هو حسم مشكلة جديدة، ذات طابع أخلاقي أو فقهي، أو عبادي، أما الحياة المادية فليس
стр. 202
له النظر فيها، وشرط الإجماع أن يكون كل عضو مدركا لاستقلاله الأدبي ولمسئوليته الأخلاقية وأن يعبر عن رأيه في حرية، بعد تأمل ناضج في المشكلة المعروضة ولا أحد يمكن أن يكون مجتهدا في هذه الجماعة إلا إذا كان له حق الاجتهاد، أما من له هذا الحق فهم أولئك الذين توفرت فيهم الشروط التي نص عليها العلماء في هذا الشأن، وقد كان الشافعي- ﵀ من أسبق من جمع الآلة التي له القياس بها، وهي العلم بأحكام كتاب الله، فرضه وأدبه، وناسخه ومنسوخه، وعامّه وخاصّه وإرشاده، ويستدل على ما احتاج التأويل منه بسنن رسول الله ﷺ ، فإذا لم يجد سنّة فبإجماع المسلمين، فإن لم يكن إجماع فبالقياس، ولا يمكن أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى فيه من السّنّة وأقاويل السلف، وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب، وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده، والإنصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما قال، وترك ما يترك. فأما من تمّ عقله ولم يكن عالما بما وصفنا فلا يجوز أن يقول بقياس، ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة فليس له أيضا أن يقول بقياس، لأنه قد يذهب عليه عقل المعاني «١» ، وقد استنبط بعض الباحثين شروطا أخرى للمجتهد ليس هنا محل تفصيلها «٢» . ولينظرها من شاء في مظانها من كتب الأصوليين.
(د) المصدر الرابع: القياس:
القياس يفترض وجود حالة نقيس عليها، تمثل بها الحالة الجديدة، وعلى ذلك فالحالة الأصلية ينبغي أن يكون قد سبق لها ذكر في القرآن أو في السنة، أو في الإجماع، ولذا يعرف بأنه «إثبات حكم معلوم في معلوم آخر لاشتراكهما في علة الحكم عند المثبت» «٣» .
وللقياس حجيته، ولهذه الحجية أدلتها من القرآن، والسنة، والإجماع «٤» . ومهما قيل في أمر القياس فإننا لا نجد وراء جهود الفقهاء إلا التوصل إلى المنبع الوحيد الذي يستقي منه الناس جميعا هو حكم الله وهو الحكم الذي أثبته القرآن، ثم الحديث، فالإجماع فالقياس. فالله سبحانه هو إذن المشرع، وليس الآخرون سوى مقررين لأمره وحكمه، بطريقة مباشرة، أو غير مباشرة «٥» .
стр. 203
وعموم القول هنا، أن الإلزام الخلقي في الإسلام يستند إلى ما قرره الإسلام عن طبيعة الإنسان من حيث كونه حرّا مختارا وهدى إلى طريقي الفضيلة والرذيلة، ففي الإنسان من حيث كونه فاعلا، عنصر أخلاقي بالمعنى الحق، وفي الأمر الخلقي عنصر آخر هو العقل والحرية، والمشروعية، وتلكم هي العوامل الأساسية في الالتزام الخلقي، ولذا كان القرآن يقف موقفا دافعا أمام عدوين خطيرين للأخلاق الإسلامية، أولهما: اتباع الهوى دون تفكير، والثاني: الانقياد الأعمى دون تمييز.
إذن فالإلزام الخلقي يقوم على مصدرين أساسيين أولهما: النور الفطري، والثاني: النور الشرعي. والأمر اختيار حر دنيوي ليس مفروضا علويا، ويرجع إلى استخدامنا الحسن أو السيء لملكاتنا وقدراتنا وهي ملكات يزكي تثقيفها النفس، كما يدسيها ويطمسها إهمالها «١» .
ثانيا: المسئولية الخلقية:
كل مسئولية تفترض الإلزام سلفا ويتبعه جزاء، وقد رأينا أن الإنسان مكلف، والأخلاق الإسلامية قائمة على التكليف، ويعني هذا أن الأخلاق الإسلامية قائمة على المسئولية التي تلزم الإنسان بالعمل الخلقي، وتعني المسئولية «تحمل الشخص نتيجة التزاماته وقراراته واختياراته العملية من الناحية الإيجابية والسلبية أمام الله» «٢» .
وتقوم المسئولية على الحرية، ولا يكلف بها مجنون، وتسقط عن صاحب الإرادة المسلوبة، ويشترط في المسئولية الكاملة أن يكون هناك نص ثابت يأمر بالفعل أو بالترك، وأن يكون المسئول كامل الأهلية، ومعنى هذا أن المسئولية الخلقية تقوم على مبدأ الالتزام الخلقي «٣» .
وقد ثبت أن الإنسان لديه أهلية للقيام بهذه المسئولية، والقيام بها شرف للإنسان، وعلى هذا نجد أنفسنا أمام أنواع من السلطة التي تحدد المسئولية، وهي:
١- سلطة داخلية، أي إلزام الفرد نفسه بإرادة وقصد وتصميم، وهناك العزم على فعل شيء وهذا كاف لتحمل مسئولياته إن خيرا فخير وإن شرّا فشر.
٢- سلطة خارجية، أي إلزام من خارج النفس، كأن يتلقى المسئولية من أناس آخرين، أو من سلطة أعلى.
стр. 204
وأيا كان الأمر، فإن الإنسان يكون مسئولا أمام نفسه، أو أمام الآخرين (الإنسان والمجتمع) أو أمام الله، هذا ما يعنيه التقسيم السابق، ومع هذا فإن الإنسان يظل مسئولا عن كل شيء أمام الله تعالى.
وعلى ما سبق يمكن أن يكون هناك ثلاثة أنواع من المسئولية:
١- المسئولية الأخلاقية المحضة.
٢- المسئولية الاجتماعية.
٣- المسئولية الدينية.
والمسئولية الأخلاقية المحضة هي ما تقابل الالتزام الذاتي من الإنسان نفسه على الإتيان بشيء أو الانتهاء عن فعل شيء، والمسئولية الاجتماعية هي ما تقابل الالتزام تجاه الإنسان وما يفرضه المجتمع من قواعد، أما المسئولية الدينية فهي ما تقابل الالتزام أمام الله تعالى. ولعله من الضروري الإشارة إلى أن كلا من المسئولية الأخلاقية والمسئولية الاجتماعية إنما هما مسئولية دينية، وفي الوقت ذاته هي مسئولية خلقية، إذ أنه على حد قول (دراز) : «فالمسئولية التي يحملنا إياها غيرنا تصبح بمجرد قبولنا لها مطلبا صادرا إليه شخصنا. وإذا فليس من المستغرب أن نرى القرآن يقدم لنا المسئولية الدينية ذاتها في صورة مسئولية أخلاقية محضة حين يقول بمناسبة بعض التعاليم المتعلقة بالصوم المفروض، وقد تحايل بعض الناس على التخلص منه سرا: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ «١» . وفي كثير من الأحيان لا يكتفي الكتاب، حين يستحث المؤمنين إلى الطاعة بأن يذكرهم بالأمر الإلهي، بل يذكرهم في الوقت نفسه بالعهد الذي قطعوه على أنفسهم بأن يطيعوا هذا الأمر» «٢» .
معنى هذا أن الالتزام الذاتي، والمؤسسات الاجتماعية لا حق لها في إصدار التكليف، والمسئولية، ما لم تكن مفوضة من قبل السلطة الإلهية، ويعني هذا أن الأخلاق مرتبطة بالدين ارتباطا واسعا، ولا يمكنها الفكاك من أسره، وعليه فعلى الإنسان المسلم أن يتحمل مسئوليته الخلقية التي أقرتها الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ويراعي الأمانة بناء على الأمانة التي حمّلها له القرآن، على أساس من المبادرة الفردية وحفظ العهد، في إطار شرع الله وهذا واجب عليهم.
كما أن عليه أن يتحمل مسئوليته عن التكاليف والأعمال تجاه الآخرين، وذلك انطلاقا من قول الله تعالى:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «٣» . وذلك في إطار شرع الله، أما إذا كان أي من هذه الأمور مخالفا لما في القواعد الإسلامية مخالفة صريحة، فإن عليه أن لا يأتيها. يقول الرسول الكريم ﷺ : «السمع والطاعة على المرء
стр. 205
المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» «١» . أي لا يجب السمع والطاعة في الأمر بالمعصية، قال ابن حجر: «يحرم على من كان قادرا على الامتناع، وفي حديث معاذ عند أحمد «لا طاعة لمن لم يطع الله» وعنده وعند البزار في حديث عمران بن حصين والحكم بن عمرو الغفاري «لا طاعة في معصية الله» وسنده قوي «٢» . وفي مسند أحمد «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» «٣» .
وعن جنادة بن أبي أمية قال: دخلنا على عبادة بن الصامت وهو مريض، قلنا: أصلحك الله حدث بحديث ينفعك الله به سمعته من النبي ﷺ ، قال: دعانا النبي ﷺ فبايعناه. فقال: فيما أخذ علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان» «٤» .
يقول ابن حجر في قوله: «أن لا ننازع الأمر أهله» أي الملك والإمارة، زاد أحمد عن طريق عمير بن هانيء عن جنادة «وإن رأيت أن لك رأيا وإن اعتقدت أن لك في الأمر حقا فلا تعمل بذلك الظن بل اسمع وأطع إلى أن يصل إليك بغير خروج عن الطاعة» وفي قوله «إلا أن تروا كفرا بواحا» قال الخطابي: معنى قوله بواحا يريد ظاهرا باديا من قولهم باح بالشيء يبوح به بوحا وبواحا إذا أذاعه وأظهره» «وعندكم من الله فيه برهان» : «أي نص آية أو خبر صحيح لا يحتمل التأويل، ومقتضاه أنه لا يجوز الخروج عليهم ما دام فعلهم يحتمل التأويل، قال النووي:
المراد بالكفر هنا المعصية، ومعنى الحديث: لا تنازعوا ولاة الأمور في ولايتهم، ولا تعترضوا عليهم إلا أن تروا منهم منكرا محققا تعلمونه من قواعد الإسلام، فإذا رأيتم ذلك فأنكروا عليهم وقولوا بالحق حيثما كنتم» «٥» .
وبهذا يتحقق الاتزان حيث يطيع الإنسان المسلم الأوامر المتسقة مع نصوص القرآن والسنة، ولا يتبع ما يخرج عن أوامرهما أو يتعارض معهما. ولا بد إذن من الإشارة إلى أن المسئولية شاملة متكاملة، إذ أن كل إنسان مسئول مسئولية كاملة عن كافة أعماله، وما منحه من قدرات وإمكانيات، يقول الله تعالى: إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا «٦» . وقال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره
стр. 206
فيم أفناه وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه» «١» .
ويقول الرسول ﷺ : «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته، والمرأة في بيت زوجها راعية، ومسئولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسئول عن رعيته» «٢» .
وكما نلاحظ، فإن المسئولية شاملة كل شيء في حياة الإنسان. إذ أن كل فرد مسئول مسئولية تامة عن حسن سير الأمور في مجاله، سواء كانت عامة أم خاصة، إذا وكلت إليه، وأسند إليه مسئوليتها.
شروط المسئولية الخلقية في الإسلام:
ذكرنا أن الأخلاق في الإسلام تقوم على أساس من التكليف، وذكرنا أن الإنسان لكي يكون مكلفا، لابد وأن يكون حرا، وأن تكون لديه الإمكانيات اللازمة للقيام بمهام التكليف، وأوضحنا ذلك بما يكفي للإفادة في هذا المجال، ومع هذا فيمكن عرض شروط تحمل المسئولية في إيجاز فيما يأتي:
١- الإعلام والبيان:
إن الإنسان يجب أن تصل إليه الدعوة، وذلك حتى تستيقظ الضمائر الغافلة، وهذا لا يتم إلا بإعلام الإنسان بما هو مفروض وواجب عليه فعلا أو تركا، بمعنى أن الإنسان لابد أن يكون عالما بما هو مكلف به.
وقد اقتضت الحكمة الإلهية أن يعلم الإنسان وتعلم الأمم بواجباتها وحقوقها عن طريق الرسل الذين يذكرونهم دائما بالأوامر الشرعية من أجل تحقيق المسئولية والالتزام، وقد وردت الآيات القرآنية دالة على ذلك، فما كان الله ليحاسب إلا بعد الإبلاغ والبيان والإعلام، وما كان الله ليعذب أهل القرى دون أن يرسل لهم الرسل والأنبياء لدعوتهم إلى التقوى والصلاح وحتى يكونوا شهداء عليهم، يقول الحق ﵎:
- وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (الإسراء: ١٥) .
- وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها رَسُولًا يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا (القصص: ٥٩) .
- وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ* ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (الشعراء: ٢٠٨، ٢٠٩) .
- هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (آل عمران: ١٣٨) .
- وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (إبراهيم: ٤) .
إن معنى ذلك أن هذا البيان والإعلام هدفه الأساسي رد الناس إلى الاهتداء بنور الوحي المنزل حتى
стр. 207
يصلوا إلى الهداية، فإذا ضلوا كان العذاب الغليظ، وإذا اهتدوا كانوا في سعادة في الدنيا والآخرة. وذلك حتى يكون الجزاء لعمل ناتج عن عمل. وحتى يكون الحساب على أفعال قد علموا مسبقا أحكامها.
٢- الالتزام الشخصي:
وتتسم المسئولية الخلقية في الإسلام بأنها ذات طابع شخصي فردي خالص، ونجد كثيرا من الآيات القرآنية الدالة على ذلك:
- لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ «١» .
- مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى «٢» .
- وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى «٣» .
فالإنسان مسئول مسئولية كاملة عما يصدر عنه من أفعال، وعلى ذلك يأتي الثواب والعقاب. فمسئولية كل فرد واضحة جلية عن العمل الذي يقوم به سواء كان هذا العمل من أجل نفسه أو من أجل الغير إذ هو لا يتحمل تبعة عمل إنسان غيره، ولكنه مسئول عن الطريقة التي أتى بها هذا العمل أو ذاك بعد أن علم وتعلم سبل الخير والشر.
إلا أن هذه المسئولية الفردية لا تمنع الفرد أن يكون مسئولا عن انحراف مسلك أقرانه، فعليه أن يتدخل بوسائل مشروعة ليمنع الجماعة من التمادي في الأعمال التي تضر المجتمع الإسلامي، وهنا تتحول المسؤلية إلى مسئولية ذات طابع جماعي، حيث إن هذه الجماعة ما هي إلا مجموعة الضمائر التي تربت في أحضان المدرسة الإسلامية الحقة. فأوجدت المجتمع المتكافل والمتعاون الذي يعمل من أجل الخير والسلام «٤» .
٣- النية (القصد) :
وهذا الشرط يتعلق بعلاقتنا بالعمل، وهذه العلاقة علاقة إرادة، فبعد المعرفة والإعلام، والذي أنتج الطابع الشخصي للمسئولية، فإن هناك مركزا داخليّا في النفس الإنسانية تصدر عنه إرادة العمل، أو النية، حيث يتبنى الإنسان الفعل أو يحققه ويؤكده من داخله، والإنسان ليس بما يفعل، فحسب بل بما يرغب فيه بشغف، وبدون ذلك يصبح عمل الإنسان آليا، ومجرد صدفة في العالم الذي يعيش فيه، فالأخلاق الحقيقية ينصب اهتمامها على النية أن تريد وأن تعمل، وذلك أمر إنساني فبالإرادة والعمل ينتهي مجال الأخلاق، أما النتائج والمعطيات فهي أمور بيد الله تعالى.
стр. 208
ولعله من المهم الإشارة إلى أن الإنسان غير مسئول عن الأعمال اللاإرادية للإنسان حيث يفتقر إلى الإرادة، ولا هو مسئول عن الفعل الخطأ غير المقصود أو المراد وذلك لعدم استهدافها الشر أو الخطأ. فالإنسان لا يحاسب على عمل إلا إذا توافر القصد الكامل له. وهذا مصداق قوله : وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ «١» .
وهكذا يظهر دور النية في الأخلاق الإسلامية باعتبارها شرطا ضروريا، وعلى ذلك هي شرط للمسئولية، ومصداق هذا قول رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» «٢» . ويفيد الحديث أن الأعمال لا قيمة لها إلا بالنية، وأن الأعمال بنياتها، وعلى هذا فالأعمال لا توجد «أخلاقيا» إلا بالنية، وهذا يؤكد وجود النية كشرط لقيمة الفعل الخلقي «٣» .
٤- حرية الاختيار:
حين تتحقق شروط المعرفة والعمل الإرادي على بصيرة من الفرد بما يعمل، فليس معنى ذلك أن العمل قد استوفى جميع شروط المسئولية، إذ أن هناك شرطا آخر على درجة من الأهمية، وهو القدرة وفاعلية الجهد الإنساني، أو بتعبير آخر: الحرية. ويؤكد «دراز على ذلك بقوله: «إن مبدأ التناسب بين المسئولية والحرية تمتد جذوره بعمق في الضمير الإنساني، بحيث لا يمكن تجاهله دون أن يبدو في موقفنا شيء من الإجحاف «٤» .
إن المسلم مطلوب منه استخدام قدرته على الاختيار حتى لا يتخذ من القضاء والقدر ذريعة للتهرب من المسئولية، وقد بسطنا القول قبل ذلك فيما يتعلق بشرط التكليف، وهو أن يكون الإنسان مختارا فلا معنى لكون الإنسان مجبرا على شيء ونحاسبه عليه وإنما يحاسب على اختياراته. إن الإنسان يصبح مسئولا، وهو يحقق ذاته بنفسه، وهكذا يصبح مسئولا أمام الله عما آتاه من فعل بإرادته وحريته.
لعله قد تبين أن المعرفة لا تكفي دليلا على تحمل المسئولية الخلقية، ما لم تصاحبها النية (الإرادة الجازمة) تجاه الخير أو الشر، وهذه الإرادة وحدها- أيضا- لا تكفي، بل لا بد من الاختيار والقدرة والحرية التي تسلك معها في نمط واحد حتى تكون الخلقية هي الصفة الجوهرية التي تميز الإنسان المسئول في هذه الحالة «٥» .
وكما يقرر «دراز» : فالشروط الضرورية والكافية لمسئولياتنا أمام الله وأمام أنفسنا هي: أن يكون العمل
стр. 209
شخصيا، إراديا، تم أداؤه بحرية «أي بدون إكراه» وأن نكون على وعي كامل وعلى معرفة بالشرع أو القانون «١» .
ثالثا: الجزاء:
يعتبر الجزاء العنصر الثالث من عناصر النظرية الخلقية. فالقانون الخلقي يبدأ بتوجيه الدعوة إلى الإرادة، فتستجيب لتلك الدعوة، ثم بإعلان الالتزام تأتي المسئولية، كاستجابة جازمة، ثم يأتي التقويم بعد ذلك، أي يأتي الجزاء.
فالجزاء هو رد فعل القانون الخلقي على موقف الأشخاص الخاضعين لهذا القانون والملتزمين به.
وللجزاء ثلاثة ميادين هي:
١- الجزاء الأخلاقي . ٢- الجزاء الشرعي. ٣- الجزاء الإلهي.
وفيما يلي تناول موجز لهذه الأنواع:
(١) الجزاء الأخلاقي:
يباشر الإنسان عمله طبقا لقواعد يعرفها ويحس بها، وبعد ذلك تحدث في النفس أصداء معبرة عن الرضا في حالة النجاح، وعن الألم في حالة الفشل، هذا يتعلق بالإنسان الذي يعرف أن هناك قواعد للسلوك، أما ذلك الإنسان الذي لا يعرف قواعد السلوك فإنه يكون فاقدا لمعنى الخير والشر تماما، فما معنى هذا بالنسبة للجزاء الخلقي؟.
يحلل ذلك الدكتور دراز متوصلا إلى أن الندم لا يعتبر جزاء لما يقترفه الفرد، وهو ليس بعقوبة أو مكافأة للقانون الأخلاقي. ويرى كذلك أن المتعة والألم اللذين نحس بهما بعد أن نفعل خيرا أو شرا هما رد فعل لضميرنا على ذاته، أكثر من أن يكون رد فعل للقانون علينا. فهما تعبيران طبيعيان يدلان على توافق في الذات مع المثل الأعلى، أو على تضاد الذات معه. وهذا ما تدل عليه النصوص النبوية. يقول رسول الله ﷺ : «إذا ساءتك سيئتك، وسرتك حسنتك فأنت مؤمن» «٢» . فالحديث لم ينظر إلى حالات النفس هذه على أنها ثواب يقتضيه سلوكنا، وإنما رأي فيه ترجمة وتحديدا للإيمان الخلقي.
وفي حديث آخر: «إنه المؤمن يرى ذنوبه كأنه في أصل جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب وقع على أنفه» «٣» . وهذا يعود إلى درجة شدة اللوم الباطن التي تعكس صدق إيماننا وتقيس درجته قياسا دقيقا فنحن نشعر بمساءة الذنب وخطورته فينا لدرجة شعورنا الحي بالتكليف.
стр. 210
وهذا كله يشير إلى أن الندم لا ينشيء جزاء ثوابيّا، ولا جزاء إصلاحيّا. ولذا فإن الجزاء الخلقي الصحيح هو ذلك الشعور الذي يعيد تثبيت القانون المنتهك وهو (التوبة) ، والندم هو مقدمة التوبة وإعداد لها. وهو محاولة لتجميع قوى النفس ورأب لصدعها، وتجد في حرارة الندم المؤلمة وسيلتها لتلتئم وتقوى، وتعاود حمل الأمانة من جديد بمزيد من الطاقة والحماس وقد يثير الندم التوبة، وقد لا يثيرها على وجه الإطلاق، أي أنه لا يستتبعها كنتيجة مبدئية «١» .
وعلى هذا فالتوبة هي الجزاء الخلقي، يفرض تدخل الجهد من أجل الإصلاح، إنها واجب يفرضه الشرع على أثر تقصير في أداء الواجب، وهناك الكثير من الآيات والأحاديث الدالة على ذلك «٢» . لكون التوبة كذلك، فإنها في ذاتها ندم على ما سلف، وإقلاع عنه في الحال، وعزم على عدم المعاودة في المستقبل «٣» .
إن التوبة لا يمكن أن تؤدي وظيفتها الإصلاحية في الأخلاق الإسلامية إذا اقتصرت على الأسف على ما اقترفناه من شر والعزم على عدم المعاودة ولكنها موقف أكثر تعقيدا، موقف ينظر للماضي والحاضر والمستقبل، ويتجلى في الأفعال لا في اتخاذ خط سلوكي جديد فقط، بل أيضا في إعادة تجديد البناء الذي تهدم بصورة منهجية، وقد أوضح القرآن مجموع الشروط الموضوعية الضرورية ليصبح للتوبة عائدها الحقيقي هو الغفران.
- إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ «٤» .
فليس المهم التوبة فقط، وإنما الإصلاح، إصلاح ما نقص أو فسد أو أفسده الإنسان وهذا الإصلاح يتمثل في أمور عدة:
- إما في عمل ناقص، ويجب أن يعاد، ويؤدى بطريقة مناسبة آجلا أو عاجلا.
وإما في إصلاح شر بتعويض آثاره من سلبيات إلى تقليل آثاره السلبية بأداء أفعال ذات طبيعة مناقضة للفعل الأول: إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ «٥» .
وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ* خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها «٦» .
стр. 211
- وإما في خطأ واجب إزالته: وفي هذا المجال يميز الرسول ﷺ بين أخطاء تنتهك واجبا شخصيا، وما يطلق عليه: حق الله. وهو إما أن يكون خالصا أو مختلطا عن إنسان آخر. وبين أخطاء ترتكب في حق العباد، وهو ما يسمى: حق العباد.
والأخطاء التي في حق الله تعالى يغفرها الله تعالى، إلا الشرك. أما ما يتعلق بحق العباد فمهما فعلنا من أفعال طيبة مناقضة، ومهما دعونا الله أن يغفر لنا فإنه يظل عاجزا عن أن يصل إلى التوبة الكاملة، إذ يجب أن نحصل على إبراء صريح ومحدد من الذين أساءوا إليه، والأحاديث الشريفة في هذا المجال وافرة رويت في الصحيحين وفي المسانيد.
إلا أن الأمر لا يتوقف على مجرد الجزاء الإصلاحي. بل هناك جزاء ثوابي لممارسة القواعد الخلقية، فالفضيلة لها محاسنها، فالصلاة تجعلنا على اتصال بمنبع الكمالات، والزكاة تزكى، والصوم وسيلة إلى بلوغ التقوى، وبالجملة فإن ممارسة الفضائل تجعل الإنسان حكيما. شجاعا. كريما.
وكذلك ممارسة الرذيلة لا يتوقف أمرها على أضرار اجتماعية وفردية، بل يمتد أثرها إلى الجوانب النفسية والروحية. والأحاديث في هذا الباب كثيرة. ودلالتها واضحة.
وبالجملة كما يقول الدكتور دراز: «إن الجزاء الأخلاقي الثوابي يتمثل في الحسنة والسيئة أي في كسب القيمة أو خسارتها كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ «١» . كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ «٢» «٣» .
٢- الجزاء الشرعي:
المراد بالجزاء الشرعي تلك العقوبات التي أقرتها الشريعة الإسلامية لأولئك الذين يتعدون حدود الله، فيظلمون بذلك أنفسهم أولا، وغيرهم ثانيا.
إنه إذا كان الجزاء الأخلاقي يتصل بتركيب النفس من حيث الإصلاح وتزكية النفس فإن الجزاء الشرعي جزاء تأديبي أو عقابي لكل من تسول نفسه تجاوز قانون الحياة في المجتمع الإسلامي.
إن الترغيب والترهيب وإن كان لهما أثر بالغ في الردع عن مخالفة القواعد الشرعية لما يحدثانه من خشية وخوف ورجاء وطمع، ويؤازرهما في ذلك ما يسمّى ب «الوازع الأخلاقي» المتمثل في محاسبة النفس ومجاهدتها وما ينجم عن ذلك من نهي النفس عن الهوى وابتعاد الإنسان عن ارتكاب الخطايا والآثام، إلا أن ذلك كله قد لا
стр. 212
يكفي- أحيانا- لكف بعض الأشقياء عن الظلم والاعتداء واقتراف الجرائم ومن ثم كان الوازع المتمثل في الحدود الشرعية، هاما وضروريا في هذا المجال، نظرا لما لهذا الوازع من خطورة اجتماعية. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا الجزاء الشرعي يرتبط بارتكاب الأمور المنهي عنها شرعا، تلك الأمور التي تعد في حد ذاتها من المفاسد الأخلاقية، ومن هنا ندرك أهمية الجزاءات الشرعية في دفع المفاسد الأخلاقية «١» .
إن لهذه الجزاءات الشرعية أهدافا عديدة ترمي إلى تحقيقها منها:
١- الردع عن ارتكاب الجرائم أو تكرار ارتكابها، وبالتالي تربية هؤلاء وإصلاحهم.
٢- جعل من يرتكب هذه المفاسد أو الجرائم عبرة وعظة لغيرهم، وزجر هذا الغير عن التشبه بهم.
٣- تلافي الثأر، وإحلال الوئام والسلام في المجتمع والمحافظة على أمنه وسلامته «٢» .
وبالنظر في نظام المجازاة في التشريع الإسلامي يمكن أن نميز فيه مرتبتين أساسيتين هما:
١- الحدود: وهي الجزاءات التي حددها الشرع بدقة وصرامة. وهي من حقوق الله تعالى، ولا تسقط بالعفو ولا بالصلح، وهذه تتعلق بالجرائم التالية:
الزنا، السرقة، القذف، شرب الخمر، البغي، قطع الطريق، الردة.
والصرامة في هذه العقوبات لا تتيح مجالا أمام أي تنازل أو حل وسط. وفي الأحاديث ما يوضح ذلك جيدا فلا شفاعة لأحد في حد من حدود الله ولا تنازل عن توقيع هذا الحد، يوضح هذا ما روي عن عائشة- ﵂ أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم رسول الله ﷺ ومن يجتريء عليه إلا أسامة حب رسول الله ﷺ ، فكلم رسول الله ﷺ ، فقال: «أتشفع في حد من حدود الله؟» ثم قام فخطب قال:
«يا أيها الناس إنما ضل من كان قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد، وأيم الله، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها» «٣» .
وهذه الأخطاء لا يجوز العفو فيها إلا إذا كان في المجال الخاص، فمتى وصلت السلطة الجريمة أصبح تطبيق الحد أمرا جازما لا رجعة فيه «٤» .
إن هذه الحدود باعتبارها حق الله تعالى: إنما جعلت للحفاظ على حياة الإنسان، وبدنه وماله وعرضه،
стр. 213
بمعنى آخر الحفاظ على المقومات الأساسية لحياة الإنسان، ولأن الله خالقها وحده جل علاه، جعلها حرمات لا يجوز لأحد الاقتراب منها إلا بحقها فإذا ما تجاوز أحد ذلك كان الحد.
وفي هذا المجال يشير دراز إلى حقيقة مهمة، وهي أن الجرائم التي تقع تحت طائلة القانون هي تلك الرذيلة التي تتفشى، وتعرض نفسها، وتتحدى، أما حالة الإنسان الذي يستتر، وترتعد فرائصه حين يخضع لأهوائه، وهو الواقع الذي لا ينكشف لنا، لا بذاته، ولا بواسطة صاحبه، فإنه سيكون من اختصاص محاكمة الله تعالى له. وهذا ما يشير إليه الحديث الشريف حين يقول: «بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا..... فمن وفي منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة، ومن أصاب من ذلك شيئا فستره الله عليه، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه» «١» .
وفي نص آخر يشير إلى استهجان النبي ﷺ فعل بعض الناس. ممن يقعون في الحرام خفية ثم يثرثرون بما فعلوا: «كل أمتي معافى إلا المجاهرين. وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملا، ثم يصبح وقد ستره الله عليه. فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه، ويصبح يكشف ستر الله عنه» «٢» .
٢- التعزيرات: وهي عقوبات تأديبية يفرضها القاضي على جناية أو معصية لا حد فيها. ويتعلق بالتعزير حقان: حق الله وحق العباد، وما كان حق العباد فيه غالبا فيجوز قبول العفو فيه، وما كان حق الله فيه أغلب فبرغم عفو المتضرر فإن التعزير واجب.
وهنا تتنوع العقوبة الموقعة على المجرم من تأنيب، إلى تعنيف أمام العامة إلى السجن، إلى الجلد، ومن حق القاضي أن يتغاضى عن بعض الأخطاء القليلة حين تقع من إنسان ذي خلق.
وقد روي عن النبي ﷺ : «أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود» «٣» .
٣- الجزاء الإلهي:
إذا كان النوعان السالفان من الجزاء ينتميان إلى مجال الواقع الدنيوي، فإن الجزاء الإلهي له طبيعته وامتداداته، ولعل هذا يرتبط أساسا بنظام التوجيه الإسلامي في القرآن والسنة، ولهذا بحثه الخاص، إلا أنه يمكن القول أن القرآن حدد الجزاء الإلهي في ناحيتين.
стр. 214
١- الجزاء الإلهي في العاجلة: أي في الدنيا .
وهذا الجزاء الإلهي في الدنيا له عدة جوانب:
الجانب المادي: ويعني أن من يقوم بفعل الأوامر يلتزم بقواعد السلوك الخلقي يحصل على نصيب من ثوابها في الدنيا، وكذا من يتجنب فعل الفضيلة ويأتي مضادها فإن الله يصب سخطه عليه في غضبه على هذا السلوك المنحرف. وفي القرآن أمثلة تؤكد ذلك:
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ «١» .
وفي سورة سبأ وبعد عرض قصتهم يقول الله : فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ* ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ «٢» .
وهكذا في قصة صاحب الجنتين، وفي قصة أصحاب الجنة، وفي قصص الأمم الأوائل الذين كذبوا الرسل، كل ذلك يدلنا على أن غير الملتزمين، والمتمردين يدفعون ويجازون من حياتهم، أما حالات الإفساد العام أو انتشار الفساد الأخلاقي العام فإن الله سبحانه يقابلها بتدمير الشعب كله وإهلاكه، وينجي الله المتقين الصالحين المحسنين الطائعين.
وهكذا: وباستقراء آيات القرآن نجد أنه يثير اهتمامنا وانتباهنا وانتباه البشر جميعا إلى أن الأمن والترف ما كان ليعصم الناس من الجزاء الإلهي إذا انتشر الفساد.
وهناك حالات يحتوي الجزاء فيها على حالات مادية، أو عناصر مادية: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ «٣» ، لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ «٤» . وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ «٥» .
- تأييد الله لجماعة المؤمنين:
وهذا التأييد والنصر من الله سبحانه لجماعة المؤمنين الملتزمين بالقانون الخلقي، وهذا التأييد يشمل النصر والمساعدة والتثبيت، أما خصوم المؤمنين فهم مسوقون إلى الهزيمة والعذاب، وموعودون بالذل، ومشمولون بالخزي.
وفي نص واحد يبين الحق ﵎ هذا الجزاء الدنيوي في قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ
стр. 215
وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً «١» .
أما إذا ركن الناس إلى الأخلاق المنحلة، والفوضى والعصيان فإن الجزاء عبر عنه القرآن بقوله تعالى: وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ «٢» .
- الهداية والرشاد:
إن الأمر لا يقتصر على ما سبق من جزاءات مادية، أو جزاءات جماعية، فالجزاء الإلهي في الدنيا يمتد إلى هداية المؤمنين، وهداية قلوبهم، ويبدد ظلماتهم، ويوصلهم إلى النور، ويرشدهم إلى الطريق المستقيمة، ويمنحهم القوة على تمييز الحق من الباطل والخير من الشر، ويصلح نواياهم، ويزيدهم نورا، ويهدي خطاهم على دروب مستقيمة، وينزل في قلوبهم الطمأنينة والسكينة.
أما الظالمون فيحدث لهم عكس ما يحدث للمؤمنين المتمسكين بالفضيلة. وكذلك المؤمنون إذا ما غيروا مواقفهم فإن ذلك يؤدي إلى سحب النعم الممنوحة لهم ليصبحوا كالظالمين تماما.
- رضا الله تعالى وحبه:
وهذا نوع من الجزاء العظيم، وهذا هو الهدف الأسمى الصالح للحصول عليه، حيث يسعى المسلم من خلال سلوكه إلى التمثل بالصفات المستحسنة عند الله، فهو من المحسنين والمقسطين، والصابرين، والمتقين، والمتطهرين، والمتوكلين، ومحبيه، الذين يقاتلون في سبيله، إن المسلم كلما وقف موقفا يحترم فيه أوامر الله تعالى كلما اقترب من رضاه ورحمته، وفي نفس الوقت كلما وقف موقفا لا يحترم فيه أوامر الله تعالى اقترب من سخط الله وعدم حبه.
٢- الجزاء الإلهي في الآجلة: (الحياة الأخرى) :
لا يقتصر الجزاء الإلهي على الجزاءات الدنيوية والتي سبق بيانها، بل إن الجزاء الإلهي يمتد إلى الآخرة فهناك عودة للعدالة الإلهية، أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ «٣» . أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً «٤» .
ومن ثم نجد تفرقة واضحة بين المؤمنين الصالحين، والظالمين، فلكل منهم جزاؤهم في الآخرة، مما يجعل العمل الدنيوي مرتبطا أيضا بالجزاء الأخروي: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ
«٥» . أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ