← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

قال: قلت: يا رسول الله بأبي وأمّي ذرني فلأسابق الرّجل. قال: «إن شئت» . قال: قلت: اذهب إليك. وثنيت رجليّ فطفرت «١» فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي «٢» ثمّ عدوت في إثره. فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثمّ إنّي رفعت حتّى ألحقه «٣» . قال فأصكّه بين كتفيه. قال قلت: قد سبقت والله! قال: أنا أظنّ «٤» قال: فسبقته إلى المدينة قال: فو الله ما لبثنا إلّا ثلاث ليال حتّى خرجنا إلى خيبر مع رسول الله ﷺ . قال: فجعل عمّي «٥» عامر يرتجز بالقوم: تا لله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا ونحن عن فضلك ما استغنينا ... فثبّت الأقدام إن لاقينا وأنزلن سكينة علينا فقال رسول الله ﷺ : «من هذا؟» . قال: أنا عامر. قال: «غفر لك ربّك» . قال: وما استغفر رسول الله ﷺ لإنسان يخصّه إلّا استشهد. قال: فنادى عمر بن الخطّاب، وهو على جمل له: يا نبيّ الله لولا ما متّعتنا بعامر. قال: فلمّا قدمنا خيبر قال: خرج ملكهم مرحب يخطر بسيفه «٦» ويقول: قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السّلاح «٧» بطل مجرّب «٨» إذا الحروب أقبلت تلهّب قال: وبرز له عمّي عامر، فقال: قد علمت خيبر أنّي عامر ... شاكي السّلاح بطل مغامر «٩» قال: فاختلفا ضربتين: فوقع سيف مرحب في ترس عامر. وذهب عامر يسفل له «١٠» . فرجع سيفه على نفسه. فقطع أكحله. فكانت فيها نفسه. قال سلمة: فخرجت فإذا نفر من أصحاب النّبي ﷺ يقولون: بطل عمل عامر. قتل نفسه. قال: فأتيت النّبيّ ﷺ

стр. 3047

وأنا أبكي. فقلت: يا رسول الله! بطل عمل عامر؟. قال رسول الله ﷺ : «من قال ذلك؟» . قال قلت: ناس من أصحابك. قال: «كذب من قال ذلك. بل له أجره مرّتين» . ثمّ أرسلني إلى عليّ، وهو أرمد. فقال: «لأعطينّ الرّاية رجلا يحبّ الله ورسوله، أو يحبّه الله ورسوله» . قال: فأتيت عليّا فجئت به أقوده، وهو أرمد. حتّى أتيت به رسول الله ﷺ . فبسق في عينيه فبرأ. وأعطاه الرّاية. وخرج مرحب. فقال: قد علمت خيبر أنّي مرحب ... شاكي السّلاح بطل مجرّب إذا الحروب أقبلت تلهّب فقال عليّ: أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره «١» ... كليث غابات كريه المنظره أوفيهم بالصّاع كيل السّندره «٢» قال: فضرب رأس مرحب فقتله. ثمّ كان الفتح على يديه» ) * «٣» . ٦-* (عن أبي ذرّ- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ثلاثة يحبّهم الله- وثلاثة يبغضهم الله- . أمّا الّذين يحبّهم الله- : فرجل أتى قوما فسألهم بالله- ولم يسألهم بقرابة بينه وبينهم فمنعوه فتخلّفه رجل بأعقابهم، فأعطاه سرّا، لا يعلم بعطيّته إلّا الله- والّذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتّى إذا كان النّوم أحبّ إليهم ممّا يعدل به نزلوا، فوضعوا رؤوسهم، فقام يتملّقني، ويتلو آياتي، ورجل كانوا في سريّة فلقوا العدوّ فهزموا، فأقبل بصدره حتّى يقتل أو يفتح الله له. والثّلاثة الّذين يبغضهم الله- : الشّيخ الزّاني، والفقير المختال، والغنيّ الظّلوم» ) * «٤» . ٧-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: ندب النّبيّ ﷺ النّاس يوم الخندق، فانتدب الزّبير، ثمّ ندبهم فانتدب الزّبير، ثمّ ندبهم «٥» فانتدب الزّبير. قال النّبيّ ﷺ : «إنّ لكلّ نبيّ حواريّا «٦» وحواريّ الزّبير» ) * «٧» .

стр. 3048

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الشجاعة) ٨-* (عن البراء بن عازب- ﵄ أنّه قال لرجل قال له: أكنتم ولّيتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على نبيّ الله ﷺ ما ولّى ولكنّه انطلق أخفّاء من النّاس، وحسّر إلى هذا الحيّ من هوازن، وهم قوم رماة. فرموهم برشق من نبل. كأنّها رجل من جراد. فانكشفوا. فأقبل القوم إلى رسول الله ﷺ ، وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته. فنزل ودعا واستنصر، وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب. أنا ابن عبد المطّلب. اللهمّ نزّل نصرك» . قال البراء: كنّا والله إذا احمرّ البأس نتّقي به. وإنّ الشّجاع منّا للّذي يحاذي به- يعني النّبيّ ﷺ * «١» . ٩-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ قال: لمّا جال النّاس عن رسول الله ﷺ تلك الجولة يوم أحد، تنحّيت فقلت: أذود عن نفسي، فإمّا أن أستشهد، وإمّا أن أنجو حتّى ألقى رسول الله ﷺ . فبينا أنا كذلك إذا برجل مخمّر وجهه ما أدري من هو، فأقبل المشركون حتّى قلت: قد ركبوه، ملأ يده من الحصى، ثمّ رمى به في وجوههم، فنكبوا على أعقابهم القهقرى حتّى يأتوا الجبل، ففعل ذلك مرارا، ولا أدري من هو، وبيني وبينه المقداد بن الأسود، فبينا أنا أريد أن أسأل المقداد عنه، إذ قال المقداد: يا سعد هذا رسول الله ﷺ يدعوك، فقلت: وأين هو؟ فأشار لي المقداد إليه، فقمت ولكأنّه لم يصبني شيء من الأذى، فقال رسول الله ﷺ : «أين كنت اليوم يا سعد؟» . فقلت: حيث رأيت يا رسول الله! فأجلسني أمامه فجعلت أرمي، وأقول: اللهمّ سهمك فارم به عدوّك، ورسول الله ﷺ يقول: «اللهمّ استجب لسعد، اللهم سدّد لسعد رميته، إيها «٢» سعد» . فداك أبي وأمّي، فما من سهم أرمي به إلّا قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ سدّد رميته وأجب دعوته، إيها سعد» حتّى إذا فرغت من كنانتي نثر رسول الله ﷺ ما في كنانته فنبلني سهما نضيّا) * «٣» . قال الزّهريّ: إنّ السّهام الّتي رمى بها سعد يومئذ كانت ألف سهم «٤» . ١٠-* (عن العبّاس بن عبد المطّلب- ﵁ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ يوم حنين. فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطّلب رسول الله ﷺ فلم نفارقه. ورسول الله ﷺ على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذاميّ. فلمّا التقى المسلمون والكفّار ولّى المسلمون مدبرين، فطفق

стр. 3049

رسول الله ﷺ يركض بغلته قبل الكفّار. قال عبّاس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ . أكفّها إرادة أن لا تسرع وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «أي عبّاس! ناد أصحاب السّمرة» فقال عبّاس: (وكان رجلا صيّتا) فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السّمرة «١» ؟ قال: فو الله لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها. فقالوا: يا لبّيك يا لبّيك. قال: فاقتتلوا والكفّار. والدّعوة في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار يا معشر الأنصار. قال: ثمّ قصرت الدّعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم، فقال رسول الله ﷺ : «هذا حين حمي الوطيس «٢» » قال: ثمّ أخذ رسول الله ﷺ حصيات، فرمى بهنّ وجوه الكفّار. ثمّ قال: «انهزموا، وربّ محمّد» . قال: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى. قال: فو الله! ما هو إلّا أن رماهم بحصياته. فما زلت أرى حدّهم كليلا «٣» وأمرهم مدبرا) * «٤» . ١١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة قبل نجد، فأدركنا رسول الله ﷺ في واد كثير العضاه «٥» . فنزل رسول الله ﷺ تحت شجرة، فعلّق سيفه بغصن من أغصانها، قال: وتفرّق النّاس في الوادي يستظلّون بالشّجر. قال: فقال رسول الله ﷺ : «إنّ رجلا أتاني وأنا نائم. فأخذ السّيف فاستيقظت وهو قائم على رأسي. فلم أشعر إلّا والسّيف صلتا «٦» في يده. فقال لي: من يمنعك منّي؟ قال: قلت: الله. ثمّ قال في الثّانية: من يمنعك منّي؟ قال: قلت: الله. قال: فشام السّيف «٧» فها هو ذا جالس» ثمّ لم يعرض له رسول الله ﷺ *» .

стр. 3050

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الشجاعة) ١-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: «إنّ الشّجاعة والجبن غرائز في الرّجال، تجد الرّجل يقاتل لا يبالي ألّا يؤوب إلى أهله، وتجد الرّجل يفرّ عن أبيه وأمّه، وتجد الرّجل يقاتل ابتغاء وجه الله فذلك الشّهيد» ) * «١» . ٢-* (قيل لعليّ- ﵁: «إذا جالت الخيل، فأين نطلبك؟ قال: حيث تركتموني» ) * «٢» . ٣-* (قال الزّبير بن العوّام- ﵁ «كان أوّل من جهر بالقرآن بعد رسول الله ﷺ بمكّة عبد الله بن مسعود. قال: اجتمع يوما أصحاب رسول الله ﷺ فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قطّ، فمن رجل يسمعهموه؟. قال عبد الله ابن مسعود: أنا. قالوا: إنّا نخشاهم عليك. إنّما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه، قال: دعوني فإنّ الله- سيمنعني، قال: فغدا ابن مسعود حتّى أتى المقام في الضّحى وقريش في أنديتها فقام عند المقام ثمّ قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ رافعا صوته الرَّحْمنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ قال: ثمّ استقبلها يقرأ فيها قال: وتأمّلوا فجعلوا يقولون: ما يقول ابن أمّ عبد؟ قال: ثمّ قالوا إنّه ليتلو بعض ما جاء به محمّد، فقاموا إليه فجعلوا يضربون في وجهه وجعل يقرأ حتّى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ. ثمّ انصرف إلى أصحابه وقد أثّروا في وجهه، فقالوا: هذا الّذي خشينا عليك، قال: ما كان أعداء الله أهون عليّ منهم الآن ولئن شئتم لأغادينّهم بمثلها. قالوا: حسبك فقد أسمعتهم ما يكرهون) * «٣» . ٤-* (قال طلحة بن عبيد الله- ﵁ «لمّا كان يوم أحد ارتجزت بهذا الشّعر: نحن حماة غالب ومالك ... نذبّ عن رسولنا المبارك نضرب عنه اليوم في المعارك ... ضرب صفاح الكوم «٤» في المبارك فلمّا انصرف النّبيّ ﷺ يوم أحد، قال لحسّان: «قل في طلحة» . فأنشأ حسّان، وقال: طلحة يوم الشّعب آسى محمّدا ... على سالك ضاقت عليه وشّقت يقيه بكفّيه الرّماح وأسلمت ... أشاجعه تحت السّيوف فشلّت وكان أمام النّاس إلّا محمّدا ... أقام رحى الإسلام حتّى استقلّت «٥»

стр. 3051

٥-* (وقال موسى بن طلحة: «إنّ طلحة رجع بسبع وثلاثين أو خمس وثلاثين بين ضربة وطعنة ورمية، ترصّع جبينه وقطعت سبّابته وشلّت الإصبع الّتي تليها» ) * «١» . ٦-* (قال سعد بن أبي وقّاص- ﵁: «كان حمزة بن عبد المطّلب يقاتل يوم أحد بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: «أنا أسد الله» ) * «٢» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: بعث رسول الله ﷺ عشرة منهم خبيب الأنصاريّ، فأخبرني عبيد الله بن عياض أنّ ابنة الحارث أخبرته أنّهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحدّ بها، فلمّا خرجوا من الحرم ليقتلوه قال خبيب الأنصاريّ: ولست أبالي حين أقتل مسلما ... على أيّ شقّ كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... يبارك على أوصال شلو ممزّع فقتله ابن الحارث، فأخبر النّبيّ ﷺ أصحابه خبرهم يوم أصيبوا) * «٣» . ٨-* (قال معاذ بن عمرو- ﵁: جعلت أبا جهل يوم بدر من شأني. فلمّا أمكنني حملت عليه، فضربته، فقطعت قدمه بنصف ساقه، وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، وبقيت معلّقة بجلدة بجنبي، وأجهضني عنها القتال، فقاتلت عامّة يومي وإنّي لأسحبها خلفي. فلمّا آذتني، وضعت قدمي عليها ثمّ تمطّأت عليها حتّى طرحتها» قال الذّهبيّ بعد هذه القصّة: «هذه والله الشّجاعة لا كآخر من خدش بسهم ينقطع قلبه وتخور قواه «٤» ) * «٥» . ٩-* (عن رجل من أسلم أنّه قال: «إنّ أبا جهل اعترض لرسول الله ﷺ عند الصّفا فاذاه وشتمه، وقال فيه ما يكره من العيب لدينه والتّضعيف له، فلم يكلّمه رسول الله ﷺ ، ومولاة لعبد الله بن جدعان «٦» التّيميّ في مسكن لها فوق الصّفا تسمع ذلك، ثمّ انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم، ولم يلبث حمزة بن عبد المطّلب أن أقبل متوشّحا قوسه راجعا عن قنص له، وكان إذا فعل ذلك لم يمرّ على نادي قريش وأشدّها شكيمة، وكان يومئذ مشركا على دين قومه، فجاءته المولاة، وقد قام رسول الله ﷺ ليرجع إلى بيته، فقالت له: يا أبا عمارة! لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمّد من أبي الحكم آنفا، وجده هاهنا فاذاه وشتمه وبلغ ما يكره، ثمّ انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم ولم يكلّم محمّدا فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله من كرامته- فخرج سريعا لا يقف على

стр. 3052

أحد كما كان يصنع يريد الطّواف بالبيت متعمّدا لأبي جهل أن يقع به، فلمّا دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه حتّى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه على رأسه ضربة مملوءة، وقامت رجال من قريش من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقالوا: ما نراك يا حمزة إلّا صبأت فقال حمزة: وما يمنعني وقد استبان لي ذلك منه. أنا أشهد أنّه رسول الله وأنّ الّذي يقول حقّ، فو الله لا أنزع. فامنعوني إن كنتم صادقين. فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة لقد سببت ابن أخيه سبّا قبيحا، ومرّ حمزة على إسلامه وتابع يخفّف رسول الله ﷺ فلمّا أسلم حمزة علمت قريش أنّ رسول الله ﷺ قد عزّ وامتنع، وأنّ حمزة سيمنعه فكفّوا عن بعض ما كانوا يتناولونه وينالون منه، فقال في ذلك سعد حين ضرب أبا جهل فذكر رجزا غير مستقر أوّله: «ذق أبا جهل بما غشيت» . قال: ثمّ رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشّيطان، فقال: أنت سيّد قريش اتّبعت هذا الصّابأ وتركت دين آبائك، للموت خير لك ممّا صنعت، فأقبل على حمزة شبه، فقال: ما صنعت؟ اللهمّ إن كان رشدا فاجعل تصديقه في قلبي، وإلّا فاجعل لي ممّا وقعت فيه مخرجا، فبات بليلة لم يبت بمثلها من وسوسة الشّيطان، حتّى أصبح فغدا على رسول الله ﷺ ، فقال: ابن أخي إنّي وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو، أرشد هو أم غيّ شديد؟ فحدّثني حديثا فقد استشهيت يا ابن أخي أن تحدّثني، فأقبل رسول الله ﷺ فألقى الله في نفسه الإيمان، كما قال رسول الله، فقال: «أشهد إنّك لصادق شهادة المصدّق والعارف، فأظهر يا ابن أخي دينك، فهو الله ما أحبّ أنّ لي ما ألمعت الشّمس، وأنّي على ديني الأوّل. قال: فكان حمزة ممّن أعزّ الله به الدّين» ) * «١» . ١٠-* (قيل لعبد الملك: من أشجع العرب في شعره؟ فقال: «عبّاس بن مرداس حين يقول: أشدّ على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها وهذا أشجع بيت قالته العرب» ) * «٢» . ١١-* (قال الشّعبيّ- رحمه الله تعالى-: «كان موالي بلال يضربونه على بطنه ويعصرونه ويقولون: دينك الّلات والعزّى، فيقول: ربّي الله. أحد أحد، ولو أعلم كلمة أحفظ لكم منها لقلتها. فمرّ أبو بكر بهم، فقالوا اشتر أخاك في دينك، فاشتراه بأربعين أوقيّة، فأعتقه، فقالوا: لو أبى إلّا أوقيّة لبعناه، فقال- وأقسم بالله-: لو أبيتم إلّا بكذا وكذا بشيء كثير لاشتريته» ) * «٣» . ١٢-* (قال الحافظ ابن عبد البرّ- رحمه الله تعالى- في ترجمة البراء بن مالك- ﵁ «كان من الأبطال الأشدّاء قتل من المشركين مائة رجل مبارزة سوى من شارك فيه» . وقال- رحمه الله تعالى-: «زحف المسلمون إلى المشركين في اليمامة حتّى

стр. 3053

ألجأوهم إلى الحديقة، وفيها عدوّ الله مسيلمة، فقال البراء: يا معشر المسلمين ألقوني عليهم، فاحتمل حتّى إذا أشرف على الجدار اقتحم فقاتلهم حتّى فتح على المسلمين، ودخل عليهم المسلمون ووقع به يومها بضع وثمانون جراحة من بين رمية بسهم وضربة فحمل إلى رحله يداوى» ) * «١» . ١٣-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «إنّ الجميع يتمادحون بالشّجاعة والكرم، حتّى إنّ ذلك عامّة ما تمدح به الشّعراء ممدوحيهم في شعرهم، وكذلك يتنافون بالجبن والبخل، ولمّا كان صلاح بني آدم لا يتمّ في دينهم ودنياهم إلّا بالشّجاعة والكرم، بيّن الله سبحانه أنّه من تولّى عنه بترك الجهاد بنفسه أبدل الله من يقوم بذلك فقال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ، إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (التوبة/ ٣٨- ٣٩) ، وكذلك من تولّى عنه بترك الإنفاق توعّده كما في آخر سورة (محمّد) ﷺ » . ثمّ قال- رحمه الله تعالى-: «وبالشّجاعة والكرم في سبيل الله فضّل الله السّابقين فقال تعالى: لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى (الحديد/ ١٠) . وقد ذكر الله الجهاد بالنّفس والمال في سبيله ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشّجاعة والسّماحة في طاعته سبحانه وطاعة رسوله ﷺ » ) * «٢» . ١٤-* (قال الذّهبيّ- رحمه الله تعالى- في ترجمة حمزة بن عبد المطّلب- ﵁: «الإمام البطل الضّرغام أسد الله أبو عمارة» ) * «٣» . ١٥-* (وقال في ترجمة خالد بن الوليد- ﵁: «سيف الله وفارس الإسلام، وليث المشاهد السّيّد الإمام الأمير الكبير قائد المجاهدين، تأمّر على المسلمين يوم مؤتة بعد استشهاد الأمراء وأخذ الرّاية، وحمل على العدوّ. فكان النّصر، وسمّاه النّبيّ ﷺ : سيف الله، وشهد الفتح وحنينا، وحارب أهل الرّدّة ومسيلمة، وغزا العراق وشهد حروب الشّام، ولم يبق في جسده قيد شبر إلّا وعليه طابع الشّهداء» ثمّ ذكر حادثة له وقال بعدها «هذه والله الكرامة، وهذه الشّجاعة» ) * «٤» . ١٦-* (قال الأبشيهيّ- رحمه الله تعالى- عن هذا أيضا: «من الأبطال (الشّجعان) سيف الله وسيف رسوله ﷺ بطل مذكور وفارس مشهور في الجاهليّة والإسلام» ) * «٥» . ١٧-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى- وهو يعدّد الأبطال الشّجعان منهم عليّ بن أبي طالب آية

стр. 3054

من آيات الله، ومعجزة من معجزات رسول الله ﷺ مؤيّد بالتأييد الإلهي، مثبّت قواعد الإسلام ومرسيها، وهو المتقدّم على ذوي الشّجاعة كلّهم بلا مرية ولا خلاف، وكان يقول: والّذي نفس ابن أبي طالب بيده، لألف ضربة بالسّيف أهون عليّ من موتة على فراش، وقال بعض العرب ما لقينا كتيبة فيها عليّ بن أبي طالب- ﵁ إلّا أوصى بعضنا على بعض» ) * «١» . ١٨-* (وقال: «قهر ألب آرسلان ملك التّرك ملك الرّوم وقمعه، وقتل رجاله، وأباد جمعه وكانت الرّوم قد جمعت جيوشا يقلّ أن يجمع لغيرهم من بعدهم مثلها، وكان قد بلغ عددهم ستّمائة ألف مقاتل، كتائب متواصلة، وعساكر مترادفة، وكراديس يتلو بعضها بعضا، لا يدركهم الطّرف، ولا يحصيهم العدد، وقد استعدّوا من الكراع، والسّلاح، والمجانيق، والآلات المعدّة للحروب وفتح الحصون بما لا يحصى. وكانوا قد قسّموا بلاد المسلمين: الشّام، والعراق، ومصر، وخراسان، وديار بكر. ولم يشكّوا أنّ الدّولة قد دارت لهم. وأنّ نجوم السّعود قد خدمتهم. ثمّ استقبلوا بلاد المسلمين فتواترت أخبارهم إلى بلاد المسلمين، واضطربت لها ممالك أهل الإسلام. فاحتشد للقائهم الملك ألب آرسلان وهو الّذي يسمّى الملك العادل، وجمع جموعه بمدينة أصبهان، واستعدّ بما قدر عليه، ثمّ خرج يؤمّهم فلم يزل العسكران يتدانيان إلى أن عادت طلائع المسلمين إلى المسلمين. وقالوا لأب آرسلان: غدا يتراءى الجمعان، فبات المسلمون ليلة الجمعة، والرّوم في عدد لا يحصيهم إلّا الله الّذي خلقهم، وما المسلمون فيهم إلّا أكلة جائع، فبقي المسلمون وجلين لما دهمهم، فلمّا أصبحوا صباح يوم الجمعة نظر بعضهم إلى بعض، فهال المسلمين ما رأوا من كثرة العدوّ، فأمر ألب آرسلان أن يعدّ المسلمون، فبلغوا اثني عشر ألفا، فكانوا كالشّامة البيضاء في الثّور الأسود. فجمع ذوي الرّأي من أهل الحرب والتّدبير، والشّفقة على المسلمين، والنّظر في العواقب، واستشارهم في استخلاص أصوب الرّأي فتشاوروا برهة، ثمّ اجتمع رأيهم على اللّقاء. فتوادع القوم، وتحاللوا، وناصحوا الإسلام وأهله، وتأهّبوا أهبة اللّقاء. وقالوا لألب آرسلان: باسم الله نحمل عليهم. فقال ألب آرسلان: يا معشر أهل الإسلام أمهلوا، فإنّ هذا يوم الجمعة، والمسلمون يخطبون على المنابر، ويدعون لنا في شرق البلاد وغربها، فإذا زالت الشّمس، وعلمنا أنّ المسلمين قد صلّوا ودعوا الله أن ينصر دينه، حملنا عليهم إذ ذاك. وكان ألب آرسلان قد عرف خيمة ملك الرّوم، وعلامته، وزيّه، وزينته، وفرسه. ثمّ قال لرجاله: لا يتخلّف أحد منكم أن يفعل كفعلي، ويتبع أثري، ويضرب بسيفه ويرمي سهمه حيث أضرب بسيفي، وأرمي بسهمي، ثمّ حمل برجاله حملة

стр. 3055

رجل واحد إلى خيمة ملك الرّوم فقتلوا من كان دونها، ووصلوا إلى الملك فقتلوا من كان دونه، وجعلوا ينادون بلسان الرّوم: قتل الملك، قتل الملك. فسمعت الرّوم أنّ ملكهم قد قتل، فتبدّدوا، وتمزّقوا كلّ ممزّق، وعمل السّيف فيهم أيّاما، وأخذ المسلمون أموالهم وغنائمهم. وأتوا بالملك أسيرا بين يدي ألب أرسلان، والحبل في عنقه. فقال له ألب آرسلان: ماذا كنت تصنع بي لو أسرتني، قال: وهل تشكّ أنّني كنت أقتلك. فقال له ألب آرسلان: أنت أقلّ في عيني من أن أقتلك. اذهبوا به فبيعوه لمن يزيد فيه، فكان يقاد والحبل في عنقه، وينادى عليه من يشتري ملك الرّوم. وما زالوا كذلك يطوفون به على الخيام، ومنازل المسلمين وينادون عليه بالدّراهم، والفلوس فلم يدفع فيه أحد شيئا حتّى باعوه من إنسان بكلب، فأخذه الّذي ينادي عليه، وأخذ الكلب وأتى بهما إلى ألب آرسلان وقال قد طفت به جميع العسكر، وناديت عليه، فلم يبذل أحد فيه شيئا، سوى رجل واحد دفع فيه هذا الكلب. فقال قد أنصفك. إنّ الكلب خير منه، ثمّ أمر ألب آرسلان بعد ذلك بإطلاقه وذهب إلى القسطنطينيّة، فعزلته الرّوم وكحّلوه بالنّار. فانظر ماذا يأتي على الملوك إذا عرفوا في الحرب من الحيلة، والمكيدة» ) * «١» . ١٩-* (وقال- رحمه الله تعالى-: «لا ينبغي أن يقدم الجيش إلّا الرّجل ذو البسالة والنّجدة والشّجاعة والجرأة، ثابت الجأش، صارم القلب، صادق البأس، ممّن قد توسّط الحروب ومارس الرّجال ومارسوه، ونازل الأقران، وقارع الأبطال، عارفا بمواضع الفرص، خبيرا بمواقع القلب والميمنة والميسرة. فإنّه إذا كان كذلك وصدر الكلّ عن رأيه كانوا جميعا كأنّهم مثله» ) * «٢» . ٢٠-* (حكي أنّه كان للعرب فارس يقال له ابن فتحون، وكان أشجع العرب والعجم في زمانه. وكان المستعين يكرمه ويعظّمه ويجري له في كلّ عطيّة خمسمائة دينار. وكانت جيوش الكفّار تهابه وتعرف منه الشّجاعة، وتخشى لقاءه. فيحكى أنّ الرّوميّ كان إذا سقى فرسه ولم يشرب يقول له: ويلك لم لا تشرب هل رأيت ابن فتحون في الماء، فحسده نظراؤه على كثرة العطاء ومنزلته من السّلطان. فوشوا به عند المستعين فأبعده ومنعه من عطائه، ثمّ إنّ المستعين أنشأ غزوة إلى بلاد الرّوم فتقابل المسلمون والمشركون صفوفا، ثمّ برز علج إلى وسط الميدان ونادى وقال: هل من مبارز؟ فبرز إليه فارس من المسلمين فتجاولا ساعة فقتله الرّومي، فصاح المشركون سرورا، وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الكلب الرّوميّ يجول بين الصّفّين وينادي: هل من اثنين لواحد؟ فخرج إليه فارس من المسلمين فقتله الرّوميّ. فصاح الكفّار سرورا، وانكسرت نفوس المسلمين، وجعل الكلب يجول بين الصّفّين وينادي ويقول: ثلاثة لواحد، فلم يجترئ

стр. 3056

أحد من المسلمين أن يخرج إليه، وبقي النّاس في حيرة، فقيل للسّلطان: ما لها إلّا أبو الوليد بن فتحون فدعاه وتلطّف به، قال: السّاعة أكفي المسلمين شرّه، فلبس قميص كتّان واستوى على سرج فرسه بلا سلاح وأخذ بيده سوطا طويلا، وفي طرفه عقدة معقودة، ثمّ برز إليه فتعجّب منه النّصرانيّ. ثمّ حمل كلّ واحد منهما على صاحبه فلم تخطأ طعنة النّصرانيّ سرج ابن فتحون. وإذا ابن فتحون متعلّق برقبة الفرس، ونزل إلى الأرض لا شيء منه في السّرج، ثمّ انقلب في سرجه وحمل على العلج، وضربه بالسّوط فالتوى على عنقه فجذبه بيده من السّرج فاقتلعه، وجاء به يجرّه حتّى ألقاه بين يدي المستعين. فعلم المستعين أنّه كان قد أخطأ في صنعه مع أبي الوليد بن فتحون فاعتذر إليه، وأكرمه، وأحسن إليه، وبالغ في الإنعام عليه، وردّه إلى أحسن أحواله، وكان من أعزّ النّاس إليه» ) * «١» . ٢١-* (يقال: «الشّجاع محبّب حتّى إلى عدوّه، والجبان مبغّض حتّى إلى أمّه) * «٢» . ٢٢-* (قال بعضهم: «الشّجاعة صبر ساعة، وقد جمع الله تعالى جميع ما يحتاج إليه في الحرب في قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ* وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (الأنفال/ ٤٥- ٤٦) » ) * «٣» . ٢٣-* (وقيل: «الرّجال ثلاثة: فارس وشجاع وبطل، فالفارس الّذي يشدّ إذا شدّوا، والشّجاع الدّاعي إلى البراز والمجيب داعيه، والبطل الحامي لظهورهم إذا انهزموا» ) * «٤» . ٢٤-* (وقيل أيضا: «الشّجاع يبادر للحرب غير مبال بها لثقته بنفسه وعزمه على التّغلّب على عدوّه. لكنّه في نفس الوقت يفرّق بين الشّجاعة والتّهوّر والإقدام، وانتظار الفرصة المناسبة لينقضّ» ) * «٥» . ٢٥-* (وقال بعضهم: «الشّجاع لا يقرّ له قرار ولا يهدأ له بال، ولا يغمض له جفن، ولا يهنأ بطعام أو شراب إذا كان يرى عدوّه طليقا يتحدّاه وينغّص عليه حياته. وبالطّبع فإنّ الفارس الشّجاع لا بدّ أن يكون متمرّسا على الطّعن والرّمي والإبداع في إصابة الهدف بمرماه، ولا يعيب الشّجاع أن يفرّ مرّة أو مرّتين» ) * «٦» . ٢٦-* (قالت الحكماء: أصل الخيرات كلّها في ثبات القلب، ومنه تستمدّ جميع الفضائل وهو الثّبوت والقوّة على ما يوجبه العدل والعلم، والجبن غريزة يجمعها سوء الظّنّ بالله تعالى، والشّجاعة غريزة يجمعها حسن الظّنّ بالله تعالى) * «٧» .

стр. 3057

من فوائد (الشجاعة) (١) دليل على حسن الظّنّ بالله والتّوكّل عليه. (٢) أصلها الّذي يمدّها الإيمان بالله والصّبر، وهي أصل لكلّ فضيلة من النّجدة والمروءة والنّخوة. (٣) الشّجاع يحبّه كلّ الخلق ويهابونه حتّى الأعداء. (٤) خلق وسط بين التّهوّر والجبن. (٥) تظهر في مواطن الشّدّة والمحنة. (٦) تبعث في نفس الإنسان قوّة غير مدركة حين يقرأ عن الشّجعان الأقوياء. (٧) الرّجل الشّجاع درع لأمّته وصون لها. (٨) الشّجاعة تكون في كثير من الأحيان حاسمة لبعض المواقف الشّائكة.

стр. 3058

الشرف الشرف لغة: مصدر قولهم شرف يشرف، وهو مأخوذ من مادّة (ش ر ف) الّتي تدلّ على علوّ وارتفاع، فالشّرف: العلوّ، والشّريف: الرّجل العالي، ويقال للّذي غلبه غيره بالشّرف مشروف واستشرفت الشّيء إذا رفعت بصرك تنظر إليه، ويقال للأنوف: الأشراف، الواحد شرف، والمشرف: المكان تشرف عليه وتعلوه، ومشارف الأرض: أعاليها، ويقال إنّ الشّرفة: خيار المال واشتقاقه من الشّرفة الّتي تشرّف بها القصور، والجمع شرف. وقال ابن منظور: الشّرف: الحسب بالآباء، شرف يشرف شرفا وشرفة وشرافة وشرفة فهو شريف أي علا في دين أو دنيا والجمع أشراف وشرفاء. والشّرف والمجد لا يكونان إلّا بالآباء. قال: والحسب والكرم يكونان وإن لم يكن له آباء لهم شرف. يقال: هو شرف قومه وكرمهم أي شريفهم وكريمهم. والشّرف: مصدر الشّريف من النّاس، وشريف وأشراف، مثل نصير وأنصار، وشهيد وأشهاد، والجمع شرفاء وأشراف والشّرفة أعلى الشّيء، والشّرف كالشّرفة والجمع أشراف والشّرف: كلّ نشز من الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢/ ٢٦/ ١٨ الأرض قد أشرف على ما حوله. واستعمل أبو إسحاق الزّجّاج الشّرف في القرآن فقال: أشرف آية في القرآن آية الكرسيّ. وقد شرفه وشرف عليه وشرّفه: جعل له شرفا. وشارفت الرّجل: فاخرته أيّنا أشرف وفي الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «ما ذئبان عاديان أصابا فريقة غنم بأفسد فيها من حبّ المرء المال والشّرف لدينه» . يريد أنّه يتشرّف للمباراة والمفاخرة «١» . الشرف اصطلاحا: قال الكفويّ: الشّرف محرّكة: العلوّ والمكان العالي، وشرفه كنصره: غلبه شرفا أو طاله في الحسب «٢» . الفرق بين الشرف والعزة: الفرق بين العزّة والشّرف أنّ العزّة تتضمّن معنى الغلبة والامتناع. فأمّا قولهم عزّ الطّعام فهو عزيز فمعناه قلّ حتّى لا يقدر عليه، فشبّه بمن لا يقدر عليه، لقوّته ومنعته؛ لأنّ العزّ بمعنى القلّة، والشّرف إنّما هو في الأصل شرف المكان، ومنه قولهم: أشرف فلان على الشّيء إذا صار فوقه، ومنه قيل شرفة القصر، وأشرف على التّلف إذا قاربه، ثمّ استعمل في

стр. 3059

كرم النّسب فقيل للقرشيّ شريف، وكلّ من له نسب مذكور عند العرب شريف ولهذا لا يقال لله تعالى شريف كما يقال له عزيز» . الفرق بين الشرف والمجد: أنّ المجد لا يكون إلّا بالآباء وعلوّ النّسب، والشّرف يكون بذلك وبغيره «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الرجولة- العزم والعزيمة- العزة- النبل- النزاهة.- علو الهمة- الشهامة. وفي ضد ذلك: انظر صفات:- الذل- صغر الهمة- الضعف- التهاون- الدياثة- التفريط والإفراط] . () الآيات الواردة في «الشرف» معنى ١-* وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا (٧٠) «٣» . ٢- يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣) «٤»

стр. 3060

الأحاديث الواردة في (الشرف) ١-* (عن عروة بن الزّبير- ﵄ أنّ امرأة سرقت في عهد رسول الله ﷺ في غزوة الفتح، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد يستشفعونه. قال عروة: فلمّا كلّمه أسامة فيها تلوّن وجه رسول الله ﷺ فقال: «أتكلّمني في حدّ من حدود الله؟» . قال أسامة: استغفر لي يا رسول الله. فلمّا كان العشيّ قام رسول الله ﷺ خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله، ثمّ قال: «أمّا بعد فإنّما أهلك النّاس قبلكم أنّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضّعيف أقاموا عليه الحدّ. والّذي نفس محمّد بيده، لو أنّ فاطمة بنت محمّد سرقت لقطعت يدها» . ثمّ أمر رسول الله ﷺ بتلك المرأة فقطعت يدها. فحسنت توبتها بعد ذلك وتزوّجت. قالت عائشة: فكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله ﷺ * «١» . ٢-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ أنّ أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه. قال: انطلقت في المدّة الّتي كانت بيني وبين رسول الله ﷺ . الحديث وفيه: ثمّ قال لترجمانه: سله. كيف حسبه فيكم؟ قال قلت: هو فينا ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قلت: لا. قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا. قال: ومن يتّبعه؟ أشراف النّاس «٢» أم ضعفاؤهم؟ قال: قلت: بل ضعفاؤهم ... الحديث، وفيه: قال لترجمانه: قل له. إنّي سألتك عن حسبه، فزعمت أنّه فيكم ذو حسب. وكذلك الرّسل تبعث في أحساب قومها. وسألتك: هل كان في آبائه ملك؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو كان من آبائه ملك قلت: رجل يطلب ملك آبائه. وسألتك عن أتباعه، أضعفاؤهم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. وهم أتباع الرّسل. وسألتك: هل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت أن لا. فقد عرفت أنّه لم يكن ليدع الكذب على النّاس ثمّ يذهب فيكذب على الله. وسألتك: هل يرتدّ أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له؟ فزعمت أن لا. وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب «٣» وسألتك: هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنّهم يزيدون. وكذلك الإيمان حتّى يتمّ. وسألتك: هل قاتلتموه؟ فزعمت أنّكم قد قاتلتموه. فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا. ينال منكم وتنالون منه. وكذلك الرّسل تبتلى، ثمّ تكون لهم العاقبة. وسألتك: هل يغدر؟ فزعمت أنّه لا يغدر. وكذلك الرّسل لا تغدر. وسألتك هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا. فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله، قلت رجل

стр. 3061

ائتمّ بقول قيل قبله. قال: ثمّ قال: بم يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصّلاة والزّكاة والصّلة والعفاف. قال: إن يكن ما تقول فيه حقّا، فإنّه نبيّ. وقد كنت أعلم أنّه خارج. ولم أكن أظنّه منكم. ولو أنّي أعلم أنّي أخلص إليه، لأحببت لقاءه. ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه. وليبلغنّ ملكه ما تحت قدميّ) * «١» . ٣-* (عن عبد الله بن حبشيّ الخثعميّ- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ ، سئل: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «طول القيام» . قيل: فأيّ الصّدقة أفضل؟ قال: «جهد المقلّ» . قيل: فأيّ الهجرة أفضل؟ قال: «من هجر ما حرّم الله عليه» . قيل: فأيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من جاهد المشركين بماله ونفسه» . قيل: فأيّ القتل أشرف؟ قال: «من أهريق دمه وعقر جواده» ) * «٢» . ٤-* (عن سهل بن سعد- ﵁ قال: جاء جبريل إلى النّبيّ ﷺ فقال: يا محمّد! عش ما شئت فإنّك ميّت، واعمل ما شئت فإنّك مجزيّ به وأحبب ما شئت فإنّك مفارقه، واعلم أنّ شرف المؤمن قيام اللّيل، وعزّه استغناؤه عن النّاس) * «٣» . ٥-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ليس منّا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا» ) * «٤» . ٦-* (عن سهل بن سعد السّاعديّ- ﵁ أنّه قال: مرّ رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالس: «ما رأيك في هذا؟» . فقال: رجل من أشراف النّاس، هذا والله حريّ إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفّع. قال: فسكت رسول الله ﷺ . ثمّ مرّ رجل، فقال له رسول الله ﷺ : «ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حريّ إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفّع، وإن قال أن لا يسمع لقوله. فقال رسول الله ﷺ : «هذا خير من ملء الأرض من مثل هذا» ) * «٥» . ٧-* (عن البراء بن عازب- ﵄ قال: مرّ على النّبيّ ﷺ بيهوديّ محمّما «٦» مجلودا. فدعاهم ﷺ فقال: «هكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟» . قالوا: نعم. فدعا رجلا من علمائهم. فقال: «أنشدك بالله الّذي أنزل التّوراة على موسى! أهكذا تجدون حدّ الزّاني في كتابكم؟» قال: لا. ولولا أنّك نشدتني بهذا لم أخبرك. نجده الرّجم. ولكنّه كثر في أشرافنا. فكنّا إذا أخذنا الشّريف تركناه. وإذا أخذنا الضّعيف أقمنا عليه الحدّ. قلنا: تعالوا فلنجتمع

стр. 3062

على شيء نقيمه على الشّريف والوضيع. فجعلنا التّحميم والجلد مكان الرّجم. فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ إنّي أوّل من أحيا أمرك إذ أماتوه» . فأمر به فرجم. فأنزل الله : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ.. إلى قوله إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ (المائدة/ ٤١) يقول: ائتوا محمّدا ﷺ . فإن أمركم بالتّحميم والجلد فخذوه. وإن أفتاكم بالرّجم فاحذروا. فأنزل الله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ (المائدة/ ٤٤) . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٥/ المائدة/ ٤٥) . وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥/ المائدة/ ٤٧) . في الكفّار كلّها) * «١» . () الأحاديث الواردة في (الشرف) معنى ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: أتي رسول الله ﷺ يوما بلحم. فرفع إليه الذّراع وكانت تعجبه. فنهس «٢» منها نهسة فقال: «أنا سيّد النّاس يوم القيامة. وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأوّلين والآخرين في صعيد واحد «٣» . فيسمعهم الدّاعي، وينفذهم البصر «٤» . وتدنو الشّمس فيبلغ النّاس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون. وما لا يحتملون. فيقول بعض النّاس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربّكم؟ فيقول بعض النّاس لبعض: ائتوا آدم. فيأتون آدم. فيقولون: يا آدم! أنت أبو البشر. خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأمر الملائكة فسجدوا لك. اشفع لنا إلى ربّك. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إنّ ربّي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله. ولن يغضب بعده مثله. وإنّه نهاني عن الشّجرة فعصيته، نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى نوح. فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح! أنت أوّل الرّسل إلى الأرض. وسمّاك الله عبدا شكورا. اشفع لنا إلى ربّك. ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إنّ ربّي قد غضب غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. وإنّه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي. نفسي. اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ . فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض. اشفع لنا إلى ربّك. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إنّ

стр. 3063

ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله!، ولا يغضب بعده مثله. وذكر كذباته، نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى. فيأتون موسى ﷺ فيقولون: يا موسى أنت رسول الله. فضّلك الله، برسالاته وبتكليمه، على النّاس. اشفع لنا إلى ربّك. ألا ترى إلى ما نحن فيه؟. ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى ﷺ : إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. وإنّي قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي. نفسي. اذهبوا إلى عيسى ﷺ . فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى! أنت رسول الله، وكلّمت النّاس في المهد. وكلمة منه ألقاها إلى مريم، وروح منه. فاشفع لنا إلى ربّك. ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﷺ : إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله. ولم يذكر له ذنبا. نفسي. نفسي. اذهبوا إلى غيري. اذهبوا إلى محمّد ﷺ . فيأتونّي فيقولون: يا محمّد! أنت رسول الله وخاتم الأنبياء. وغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فاتي تحت العرش فأقع ساجدا لربّي. ثمّ يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثّناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي. ثمّ يقال: يا محمّد! ارفع رأسك، سل تعطه. اشفع تشفّع. فأرفع رأسي فأقول: يا ربّ! أمّتي. أمّتي. فيقال: يا محمّد! أدخل الجنّة من أمّتك من لا حساب عليه، من الباب الأيمن من أبواب الجنّة. وهم شركاء النّاس «١» فيما سوى ذلك من الأبواب. والّذي نفس محمّد بيده! إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة «٢» لكما بين مكّة وهجر «٣» أو كما بين مكّة وبصرى «٤» » ) * «٥» . ٩-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: سمعت الحسن يقول: استقبل والله الحسن بن عليّ معاوية بكتائب أمثال الجبال، فقال عمرو بن العاص: إنّي لأرى كتائب لا تولّي حتّى تقتل أقرانها. فقال له معاوية- وكان والله خير الرّجلين- أي عمرو! إن قتل هؤلاء هؤلاء، وهؤلاء هؤلاء من لي بأمور النّاس، من لي بنسائهم؟ من لي بضيعتهم؟ فبعث إليه رجلين من قريش من بني عبد شمس عبد الرّحمن بن سمرة وعبد الله بن عامر بن كريز. فقال: اذهبا إلى هذا الرّجل فاعرضا عليه وقولا له واطلبا إليه. فأتياه فدخلا عليه فتكلّما، وقالا له وطلبا إليه. فقال لهما الحسن بن عليّ: إنّا بني عبد المطّلب قد أصبنا من هذا المال، وإنّ هذه الأمّة قد عاثت في

стр. 3064

دمائها. قالا: فإنّه يعرض عليك كذا وكذا، ويطلب إليك ويسألك. قال: فمن لي بهذا؟ قالا: نحن لك به. فما سألهما شيئا إلّا قالا: نحن لك به. فصالحه. فقال الحسن: ولقد سمعت أبا بكرة يقول: رأيت رسول الله ﷺ على المنبر- والحسن بن عليّ إلى جنبه- وهو يقبل على النّاس مرّة وعليه أخرى، ويقول: «إنّ ابني هذا سيّد، ولعلّ الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» ) * «١» . ١٠-* (عن البراء بن عازب- ﵄ قال: اشترى أبو بكر من عازب سرجا بثلاثة عشر درهما، قال: فقال أبو بكر لعازب: مر البراء فليحمله إلى منزلي، فقال: لا، حتّى تحدّثنا كيف صنعت حين خرج رسول الله ﷺ وأنت معه، قال فقال أبو بكر ... الحديث، وفيه: ومضى رسول الله ﷺ وأنا معه حتّى قدمنا المدينة، فتلقّاه النّاس فخرجوا في الطّريق وعلى الأجاجير «٢» ، فاشتدّ الخدم والصّبيان في الطّريق يقولون: الله أكبر، جاء رسول الله ﷺ ، جاء محمّد، قال: وتنازع القوم أيّهم ينزل عليه، قال: فقال رسول الله ﷺ : أنزل اللّيلة على بني النّجّار أخوال عبد المطّلب لأكرمهم بذلك، فلمّا أصبح غدا حيث أمر. قال البراء بن عازب: أوّل من كان قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير أخو بني عبد الدّار، ثمّ قدم علينا ابن أمّ مكتوم الأعمى أخو بني فهر، ثمّ قدم علينا عمر بن الخطّاب في عشرين راكبا، فقلنا: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ فقال: هو على أثري، ثمّ قدم رسول الله ﷺ وأبو بكر معه» ) * «٣» . ١١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: أقبل نبيّ الله ﷺ إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، ونبيّ الله ﷺ شابّ «٤» لا يعرف، قال: فيلقى الرّجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر من هذا الرّجل الّذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرّجل يهديني السّبيل، قال فيحسب الحاسب أنّه إنّما يعني الطّريق، وإنّما يعني سبيل الخير. فالتفت أبو بكر، فإذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا رسول الله، هذا فارس قد لحق بنا، فالتفت نبيّ الله ﷺ فقال: «اللهمّ اصرعه، فصرعه الفرس، ثمّ قامت تحمحم، فقال: يا نبيّ الله مرني بما شئت. قال: فقف مكانك، لا تتركنّ أحدا يلحق بنا. قال فكان أوّل النّهار جاهدا على نبيّ الله ﷺ ، وكان آخر النّهار مسلحة له، فنزل رسول الله ﷺ جانب الحرّة، ثمّ بعث إلى الأنصار، فجاءوا إلى نبيّ الله ﷺ وأبي بكر، فسلّموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطاعين. فركب نبيّ الله ﷺ وأبو بكر، وحفّوا دونهما بالسّلاح، فقيل في المدينة: جاء نبيّ الله، جاء نبيّ الله ﷺ فأشرفوا ينظرون، ويقولون: جاء نبيّ

стр. 3065

الله. فأقبل يسير حتّى نزل جانب دار أبي أيّوب، فإنّه ليحدّث أهله، إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف «١» لهم، فعجّل أن يضع الّذي يخترف لهم فيها، فجاء وهي معه «٢» ، فسمع من نبيّ الله ﷺ ثمّ رجع إلى أهله، فقال نبيّ الله ﷺ : أيّ بيوت أهلنا أقرب؟ فقال أبو أيّوب: أنا يا نبيّ الله، هذه داري وهذا بابي. قال: فانطلق فهيّأ لنا مقيلا «٣» . قال: قوما على بركة الله. فلمّا جاء نبيّ الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال: أشهد أنّك رسول الله، وأنّك جئت بحقّ وقد علمت يهود أنّي سيّدهم، وابن سيّدهم وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم عنّي قبل أن يعلموا أنّي قد أسلمت، فإنّهم إن يعلموا أنّي قد أسلمت قالوا فيّ ما ليس فيّ. فأرسل نبيّ الله ﷺ فأقبلوا فدخلوا عليه، فقال لهم رسول الله ﷺ : «يا معشر اليهود، ويلكم اتّقوا الله، فو الله الّذي لا إله إلّا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقّا، وأنّي جئتكم بحقّ، فأسلموا. قالوا: ما نعلمه- قالوا للنّبيّ ﷺ قالها- ثلاث مرار- قال: فأيّ رجل فيكم عبد الله بن سلام؟» . قالوا: ذاك سيّدنا، وابن سيّدنا، وأعلمنا وابن أعلمنا. قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» . قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: «أفرأيتم إن أسلم» . قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: «أفرأيتم إن أسلم؟» . قالوا: حاشا لله ما كان ليسلم. قال: «يا ابن سلام اخرج عليهم» . فخرج، فقال: يا معشر اليهود، اتّقوا الله، فو الله الّذي لا إله إلّا هو إنّكم لتعلمون أنّه رسول الله، وأنّه جاء بحقّ. فقالوا: كذبت، فأخرجهم رسول الله ﷺ * «٤» . ١٢-* (عن بريدة بن الحصيب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ أحساب أهل الدّنيا الّذي يذهبون إليه: المال» ) * «٥» . ١٣-* (عن أبي هريرة؛ أنّ سعد بن عبادة الأنصاريّ؛ قال: يا رسول الله! أرأيت الرّجل يجد مع امرأته رجلا أيقتله؟ قال رسول الله ﷺ : «لا» . قال سعد: بلى، والّذي أكرمك بالحقّ، فقال رسول الله ﷺ : «اسمعوا إلى ما يقول سيّدكم» ) * «٦» . ١٤-* (عن سهل بن سعد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله- كريم يحبّ الكرم، ويحبّ معالي الأخلاق، ويكره سفسافها» ) *» . ١٥-* (عن جبير بن مطعم- ﵁

стр. 3066

قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ للقرشيّ مثلي قوّة الرّجل من غير قريش» . قيل للزّهريّ: ما عنى بذلك قال: «نبل الرّأي» ) * «١» . ١٦-* (عن المسور- ﵁ أنّه بعث إليه حسن بن حسن يخطب ابنته فقال له: قل له فليلقني في العتمة. قال: فلقيه فحمد المسور الله وأثنى عليه وقال: أمّا بعد، والله ما من نسب ولا سبب ولا صهر أحبّ إليّ من سببكم وصهركم، ولكنّ رسول الله ﷺ قال: «فاطمة مضغة منّي، يقبضني ما قبضها، ويبسطني ما بسطها، وإنّ الأنساب يوم القيامة تنقطع غير نسبي وسببي وصهري، وعندك ابنتها، ولو زوّجتك لقبضها ذلك» ، قال: فانطلق عاذرا له) * «٢» . ١٧-* (عن عائشة- ﵂ أنّ رسول الله ﷺ قال: «اهجوا قريشا. فإنّه أشدّ عليها من رشق بالنّبل «٣» » . فأرسل إلى ابن رواحة فقال: «اهجهم» . فهجاهم فلم يرض. فأرسل إلى كعب بن مالك. ثمّ أرسل إلى حسّان بن ثابت. فلمّا دخل عليه، قال حسّان: قد آن لكم «٤» أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضّارب بذنبه «٥» . ثمّ أدلع لسانه «٦» فجعل يحرّكه. فقال: والّذي بعثك بالحقّ لأفرينّهم بلساني فري الأديم «٧» . فقال رسول الله ﷺ : «لا تعجل. فإنّ أبا بكر أعلم قريش بأنسابها. وإنّ لي فيهم نسبا. حتّى يلخّص لك نسبي» . فأتاه حسّان. ثمّ رجع فقال: يا رسول الله قد لخّص لي نسبك. والّذي بعثك بالحقّ لأسلّنّك منهم كما تسلّ الشّعرة من العجين. قالت عائشة: فسمعت رسول الله ﷺ يقول لحسّان: «إنّ روح القدس لا يزال يؤيّدك، ما نافحت عن الله ورسوله» . وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هجاهم حسّان فشفى واشتفى» ) * «٨» . قال حسّان: هجوت محمّدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء

стр. 3067

هجوت محمّدا برّا تقيّا «١» ... رسول الله شيمته الوفاء «٢» فإنّ أبي ووالده وعرضي «٣» ... لعرض محمّد منكم وقاء «٤» ثكلت بنيّتي «٥» إن لم تروها ... تثير النّقع «٦» من كنفي كداء «٧» يبارين الأعنّة «٨» مصعدات «٩» ... على أكتافها الأسل الظّماء «١٠» تظلّ جيادنا متمطّرات «١١» ... تلطّمهنّ بالخمر النّساء «١٢» فإن أعرضتموه عنّا اعتمرنا «١٣» ... وكان الفتح وانكشف الغطاء

стр. 3068

وإلّا فاصبروا لضراب يوم ... يعزّ الله فيه من يشاء وقال الله: قد أرسلت عبدا ... يقول الحقّ ليس به خفاء وقال الله: قد يسّرت جندا «١» ... هم الأنصار عرضتها للّقاء «٢» لنا في كلّ يوم من معدّ «٣» ... سباب أو قتال أو هجاء فمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره سواء وجبريل رسول الله فينا ... وروح القدس ليس له كفاء «٤» ) * «٥» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «تنكح المرأة لأربع «٦» : لما لها، ولحسبها «٧» ، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدّين تربت يداك «٨» » ) * «٩» . ١٩-* (عن عائشة- ﵂ قالت: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا ... الحديث، وفيه: قالت التّاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النّجاد، عظيم الرّماد، قريب البيت من النّاد. قالت العاشرة: زوجي مالك وما مالك، مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، وإذا سمعن صوت المزهر، أيقنّ أنّهنّ هوالك ... » ) * «١٠» . ٢٠-* (عن سمرة- ﵁ عن النّبي ﷺ قال: «الحسب: المال، والكرم: التقوى» ) *١» . ٢١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله هل نرى ربّنا يوم القيامة؟

стр. 3069

قال: «هل تضارّون في رؤية الشّمس في الظّهيرة، ليست في سحابة؟» . قالوا: لا. قال: «فهل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر، ليس في سحابة؟» . قالوا: لا. قال: «فو الّذي نفسي بيده لا تضارّون في رؤية ربّكم إلّا كما تضارّون في رؤية أحدهما. قال فيلقى العبد فيقول: أي فل! «١» ألم أكرمك، وأسوّدك «٢» ، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس «٣» وتربع «٤» ؟ فيقول: بلى. قال فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقولا: لا فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني «٥» . ثمّ يلقى الثّاني فيقول: أي فل! ألم أكرمك، وأسوّدك، وأزوّجك، وأسخّر لك الخيل والإبل، وأذرك ترأس وتربع؟ فيقول: بلى. أي ربّ فيقول: أفظننت أنّك ملاقيّ؟ فيقول: لا. فيقول: فإنّي أنساك كما نسيتني. ثمّ يلقى الثّالث فيقول له مثل ذلك. فيقول: يا ربّ آمنت بك وبكتابك وبرسلك وصلّيت وصمت وتصدّقت ويثني بخير ما استطاع. فيقول: هاهنا إذا «٦» . قال ثمّ يقال له: الآن نبعث شاهدنا عليك. ويتفكّر في نفسه: من ذا الّذي يشهد عليّ؟ فيختم على فيه. ويقال لفخذه ولحمه وعظامه: انطقي. فتنطق فخذه ولحمه وعظامه بعمله. وذلك ليعذر «٧» من نفسه. وذلك المنافق وذلك الّذي يسخط الله عليه» ) * «٨» . ٢٢-* (عن سلمة بن الأكوع- ﵁ قال: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ الحديث، وفيه: قال: فلمّا اصطلحنا نحن وأهل مكّة، واختلط بعضنا ببعض، أتيت شجرة فكسحت شوكها «٩» فاضطجعت في أصلها. قال: فأتاني أربعة من المشركين من أهل مكّة. فجعلوا يقعون في رسول الله ﷺ . فأبغضتهم. فتحوّلت إلى شجرة أخرى. وعلّقوا سلاحهم. واضطجعوا. فبينما هم كذلك إذ نادى مناد من أسفل الوادي: يا للمهاجرين قتل ابن زنيم. قال: فاخترطت سيفي «١٠» ثمّ شددت «١١»

стр. 3070

على أولئك الأربعة وهم رقود. فأخذت سلاحهم. فجعلته ضغثا «١» في يدي. قال: ثمّ قلت: والّذي كرّم وجه محمّد لا يرفع أحد منكم رأسه إلّا ضربت الّذي فيه عيناه «٢» . قال: ثمّ جئت بهم أسوقهم إلى رسول الله ﷺ قال: وجاء عمّي عامر برجل من العبلات «٣» يقال له مكرز. يقوده إلى رسول الله ﷺ . على فرس مجفّف «٤» في سبعين من المشركين. فنظر إليهم رسول الله ﷺ فقال: «دعوهم يكن لهم بدء الفجور وثناه «٥» » . فعفا عنهم رسول الله ﷺ . وأنزل الله: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ (الفتح/ ٢٤) الآية كلّها. قال: ثمّ خرجنا راجعين إلى المدينة فنزلنا منزلا. بيننا وبين بني لحيان جبل. وهم المشركون «٦» . فاستغفر رسول الله ﷺ لمن رقي هذا الجبل اللّيلة. كأنّه طليعة للنّبيّ ﷺ وأصحابه قال سلمة: فرقيت تلك اللّيلة مرّتين أو ثلاثا. ثمّ قدمنا المدينة. فبعث رسول الله ﷺ بظهره «٧» مع رباح غلام رسول الله ﷺ وأنا معه. وخرجت معه بفرس طلحة. أندّيه «٨» مع الظّهر. فلمّا أصبحنا إذا عبد الرّحمن الفزاريّ قد أغار على ظهر رسول الله ﷺ . فاستاقه أجمع. وقتل راعيه. قال فقلت: يا رباح! خذ هذا الفرس فأبلغه طلحة بن عبيد الله. وأخبر رسول الله ﷺ أنّ المشركين قد أغاروا على سرحه. قال: ثمّ قمت على أكمة فاستقبلت المدينة. فناديت ثلاثا: يا صباحاه! ثمّ خرجت في آثار القوم أرميهم بالنّبل. وأرتجز أقول: أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع فألحق رجلا منهم. فأصكّ سهما في رحله «٩» . حتّى خلص نصل السّهم إلى كتفه. قال قلت: خذها: وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع قال: فو الله ما زلت أرميهم وأعقر بهم «١٠» . فإذا رجع إليّ فارس أتيت شجرة فجلست في أصلها. ثمّ رميته. فعقرت به. حتّى إذا تضايق الجبل فدخلوا في تضايقه «١١» ، علوت الجبل. فجعلت أرديهم

стр. 3071

بالحجارة «١» . قال: فما زلت كذلك أتبعهم حتّى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله ﷺ «٢» إلّا خلّفته وراء ظهري «٣» . وخلّوا بيني وبينه. ثمّ اتّبعتهم «٤» أرميهم. حتّى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا. يستخفّون «٥» . ولا يطرحون شيئا إلّا جعلت عليه آراما «٦» من الحجارة. يعرفها رسول الله ﷺ وأصحابه. حتّى أتوا متضايقا من ثنيّة «٧» فإذا هم قد أتاهم فلان ابن بدر الفزاريّ. فجلسوا يتضحّون (يعني يتغدّون) . وجلست على رأس قرن «٨» . قال الفزاريّ: ما هذا الّذي أرى؟ قالوا: لقينا، من هذا البرح. والله! ما فارقنا منذ غلس. يرمينا حتّى انتزع كلّ شيء في أيدينا. قال: فليقم إليه نفر منكم، أربعة. قال: فصعد إليّ منهم أربعة في الجبل. قال: فلمّا أمكنوني من الكلام قال قلت: هل تعرفوني؟ قالوا: لا. ومن أنت؟ قال قلت: أنا سلمة بن الأكوع. والّذي كرّم وجه محمّد ﷺ لا أطلب رجلا منكم إلّا أدركته. ولا يطلبني رجل منكم فيدركني. قال أحدهم: أنا أظنّ. قال: فرجعوا فما برحت مكاني حتّى رأيت فوارس رسول الله ﷺ يتخلّلون الشّجر. قال: فإذا أوّلهم الأخرم الأسديّ. على إثره أبو قتادة الأنصاريّ. وعلى إثره المقداد بن الأسود الكندي. قال: فأخذت بعنان الأخرم قال: فولّوا مدبرين. قلت: يا أخرم احذرهم. لا يقتطعوك حتّى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة! إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر، وتعلم أنّ الجنّة حقّ والنّار حقّ، فلا تحل بيني وبين الشّهادة. قال: فخلّيته. فالتقى هو وعبد الرّحمن. قال: فعقر بعبد الرّحمن فرسه. وطعنه عبد الرّحمن فقتله. وتحوّل على فرسه. ولحق أبو قتادة فارس رسول

стр. 3072

الله ﷺ بعبد الرّحمن. فطعنه فقتله. فو الّذي كرّم وجه محمّد ﷺ لتبعتهم أعدو على رجلىّ. حتّى ما أرى ورائي، من أصحاب محمّد ﷺ ولا غبارهم، شيئا. حتّى يعدلوا قبل غروب الشّمس إلى شعب فيه ماء. يقال له ذا قرد «١» . ليشربوا منه وهم عطاش قال: فنظروا إليّ أعدو وراءهم. فحلّيتهم عنه» (يعني أجليتهم عنه) فما ذاقوا منه قطرة. قال: ويخرجون فيشتدّون في ثنيّة. قال: فأعدو فألحق رجلا منهم فأصكّه بسهم في نغض «٣» كتفه. قال قلت: خذها وأنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرّضّع قال: يا ثكلته أمّه أكوعه بكرة «٤» . قال قلت: نعم. يا عدوّ نفسه أكوعك بكرة. قال: وأرادوا «٥» فرسين على ثنيّة. قال: فجئت بهما أسوقهما إلى رسول الله ﷺ . قال: ولحقني عامر بسطيحة فيها مذقة من لبن «٦» وسطيحة فيها ماء. فتوضّأت وشربت. ثمّ أتيت رسول الله ﷺ وهو على الماء الّذي حلّأتهم «٧» عنه. فإذا رسول الله ﷺ قد أخذ تلك الإبل وكلّ شيء استنقذته من المشركين وكلّ رمح وبردة. وإذا بلال نحر ناقة من الإبل الّذي «٨» استنقذت من القوم. وإذا هو يشوي لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها. قال قلت: يا رسول الله خلّني فأنتخب من القوم مائة رجل. فأتّبع القوم فلا يبقى منهم مخبر إلّا قتلته. قال: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه «٩» في ضوء النّار. فقال: «يا سلمة

стр. 3073

أتراك كنت فاعلا؟» . قلت: نعم. والّذي أكرمك فقال: «إنّهم الآن ليقرون «١» في أرض غطفان» . قال: فجاء رجل من غطفان فقال: نحر لهم فلان جزورا. فلمّا كشفوا جلدها رأوا غبارا. فقالوا: أتاكم القوم. فخرجوا هاربين. فلمّا أصبحنا قال رسول الله ﷺ : «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة. وخير رجّالتنا سلمة» . قال: ثمّ أعطاني رسول الله ﷺ سهمين: سهم الفارس وسهم الرّاجل. فجمعهما لي جميعا. ثمّ أردفني رسول الله ﷺ وراءه على العضباء «٢» . راجعين إلى المدينة. قال: فبينما نحن نسير. قال: وكان رجل من الأنصار لا يسبق شدّا «٣» قال: فجعل يقول: ألا مسابق إلى المدينة؟ هل من مسابق؟ فجعل يعيد ذلك. قال: فلمّا سمعت كلامه قلت: أما تكرم كريما، ولا تهاب شريفا؟ قال: لا. إلّا أن يكون رسول الله ﷺ . قال قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي، ذرني فلأسابق الرّجل قال: إن شئت، قال قلت: اذهب إليك وثنيت رجلي فطفرت «٤» فعدوت. قال: فربطت عليه شرفا أو شرفين أستبقي نفسي «٥» ثمّ عدوت في إثره. فربطت عليه شرفا أو شرفين. ثمّ إنّي رفعت حتّى ألحقه «٦» . قال فأصكّه بين كتفيه. قال قلت: قد سبقت. والله. قال: أنا أظنّ «٧» قال: فسبقته إلى المدينة» الحديث ... ) * «٨» . ٢٣-* (عن جرير بن عبد الله- ﵁ قال: لمّا بعث النّبيّ ﷺ أتيته فقال: «يا جرير لأيّ شيء جئت؟ قال: جئت لأسلم على يديك يا رسول الله. قال: فألقى إليّ كساءه ثمّ أقبل على أصحابه وقال: «إذا جآءكم كريم قوم فأكرموه» . وقال: وكان لا يراني بعد ذلك إلّا تبسّم في وجهي) * «٩» . ٢٤-* (عن أبي بكرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من أكرم سلطان الله- ﵎ في الدّنيا أكرمه الله يوم القيامة، ومن أهان سلطان الله- ﵎ في الدّنيا أهانه الله يوم القيامة» ) * «١٠» . ٢٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفّس عن مؤمن كربة

стр. 3074

من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدّنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة «١» ، وغشيتهم الرّحمة، وحفّتهم الملائكة «٢» ، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» ) * «٣» . ٢٦-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ، فأرسل النّبيّ ﷺ إلى سعد فأتى على حمار، فلمّا دنا من المسجد قال للأنصار: «قوموا إلى سيّدكم، أو خيركم» . فقال: هؤلاء نزلوا على حكمك. فقال: «تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريّهم» . قال: «قضيت بحكم الله» . وربّما قال: «بحكم الملك» ) * «٤» . () من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الشرف) ١-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ في قصّة وفاة النّبيّ ﷺ وخطبة أبي بكر في الأنصار: فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه، وقال: «ألا من كان يعبد محمّدا ﷺ فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت وقال: إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (الزّمر/ ٣٠) . وقال: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ، (آل عمران/ ١٤٤) . قال فنشج النّاس يبكون. قال واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: منّا أمير ومنكم أمير؛ فذهب إليهم أبو بكر وعمر بن الخطّاب وأبو عبيدة بن الجرّاح، فذهب عمر يتكلّم، فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلّا أنّي قد هيّأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر. ثمّ تكلّم أبو بكر فتكلّم أبلغ النّاس، فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء. فقال حباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منّا أمير ومنكم أمير فقال أبو بكر: لا، ولكنّا الأمراء وأنتم الوزراء. هم أوسط العرب دارا، وأعربهم أحسابا، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة. فقال عمر: بل نبايعك أنت، فأنت سيّدنا وخيرنا وأحبّنا إلى رسول الله

стр. 3075

صلّى الله عليه وسلّم. فأخذ عمر بيده فبايعه وبايعه النّاس. فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله» ) * «١» . ٢-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: «كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفرّ عن أبيه وأمّه والجريء يقاتل عمّا لا يؤوب به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف، والشّهيد من احتسب نفسه على الله» ) * «٢» . ٣-* (وقال أيضا- ﵁: «تفقّهوا قبل أن تسودوا» . قال أبو عبد الله (أي البخاريّ) وبعد أن تسودوا) * «٣» . ٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: «كان عمر يقول: أبو بكر سيّدنا وأعتق سيّدنا، يعني بلالا» ) * «٤» . ٥-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: «ما رأيت أحدا كان أسود من معاوية بن أبي سفيان. قال: قلت ولا عمر؟ قال: كان عمر خيرا من معاوية ﵄ وكان معاوية أسود منه» ) * «٥» . ٦-* (عن عكرمة قال: «السّيّد: الّذي لا يغلبه الغضب» ) * «٦» . ٧-* (وقال الضّحّاك: «السّيّد: الحليم التقيّ» ) * «٧» . ٨-* (وقال مرّة: «السّيّد: الحسن الخلق» ) * «٨» . ٩-* (عن هشام الكلبيّ قال: «قيل لمعاوية: من أسود النّاس؟ فقال: أسخاهم نفسا حين يسأل وأحسنهم في المجالس خلقا، وأحلمهم حين يستجهل» ) * «٩» . ١٠-* (عن حكيم بن قيس بن عاصم عن أبيه أنّه أوصى ولده عند موته، قال: «اتّقوا الله- وسوّدوا أكبركم؛ فإنّ القوم إذا سوّدوا أكبرهم خلفوا أباهم.- فذكر الحديث- فلا تنوحوا عليّ فإنّ رسول الله ﷺ لم ينح عليه» ) * «١٠» . ١١-* (قال بعض الأنصار: وقال رسول الله والقول قوله ... لمن قال منّا من تسمّون سيّدا فقالوا له جدّ بن قيس على الّتي ... نبخّله فيها وإن كان أسودا فسوّد عمرو بن الجموح لجوده ... وحقّ لعمرو بالنّدى أن يسوّدا) *١» . ١٢-* (قد روي من طرق ذكرها الصّوليّ

стр. 3076

والجريريّ وغير واحد؛ أنّ هشام بن عبد الملك حجّ في خلافة أبيه وأخيه الوليد، فطاف بالبيت، فلمّا أراد أن يستلم الحجر لم يتمكّن حتّى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه، وقام أهل الشّام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل عليّ بن الحسين، فلمّا دنا من الحجر ليستلمه تنحّى عنه النّاس إجلالا وهيبة واحتراما، وهو في بزّة حسنة، وشكل مليح، فقال أهل الشّام لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه استنقاصا به، واحتقارا، لئلّا يرغب فيه أهل الشّام، فقال الفرزدق وكان حاضرا: أنا أعرفه، فقالوا: ومن هو؟ فأشار الفرزدق يقول: هذا الّذي تعرف البطحاء «١» وطأته ... والبيت «٢» يعرفه والحلّ والحرم هذا ابن خير عباد الله كلّهم ... هذا التّقيّ النّقيّ الطّاهر العلم إذا رأته قريش قال قائلها ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم ينمى إلى ذروة العزّ الّتي قصرت ... عن نيلها عرب الإسلام والعجم يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم «٣» إذا ما جاء يستلم يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلّا حين يبتسم بكفّه خيزران ريحها عبق ... من كفّ أروع في عرنينه «٤» شمم مشتقّة من رسول الله نبعته ... طابت عناصرها والخيم والشّيم «٥» ينجاب نور الهدى من نور غرّته ... كالشّمس ينجاب عن إشراقها الغيم حمّال أثقال أقوام إذا فدحوا ... حلو الشّمائل تحلو عنده نعم هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله ... بجدّه أنبياء الله قد ختموا من جدّه دان فضل الأنبياء له ... وفضل أمّته دانت له الأمم عمّ البريّة بالإحسان فانقشعت «٦» ... عنها الغواية والإملاق والظّلم كلتا يديه غياث عمّ نفعهما ... يستوكفان ولا يعروهما العدم سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الحلم والكرم لا يخلف الوعد ميمون نقيبته ... رحب الفناء أريب حين يعتزم من معشر حبّهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجى ومعتصم

стр. 3077

يستدفع السّوء والبلوى بحبّهم ... ويستزاد به الإحسان والنّعم مقدّم بعد ذكر الله ذكرهم ... في كلّ حكم ومختوم به الكلم إن عدّ أهل التّقى كانوا أئمّتهم ... أو قيل: من خير أهل الأرض قيل: هم لا يستطيع جواد بعد غايتهم ... ولا يدانيهم قوم وإن كرموا هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت ... والأسد أسد الشّرى والبأس محتدم يأبى لهم أن يحلّ الذمّ ساحتهم ... خيم كرام وأيد بالنّدى هضم لا ينقص العدم بسطا من أكفّهم ... سيّان ذلك إن أثروا وإن عدموا أيّ الخلائق ليست في رقابهم ... لأوّلية هذا أوله نعم فليس قولك من هذا بضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم من يعرف الله يعرف أوّلية ذا ... فالدّين من بيت هذا ناله الأمم قال: فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكّة والمدينة، فلمّا بلغ ذلك عليّ بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، فلم يقبلها وقال: إنّما قلت ما قلت لله- ونصرة للحقّ، وقياما بحقّ رسول الله ﷺ في ذرّيّته، ولست أعتاض عن ذلك بشيء. فأرسل إليه عليّ بن الحسين يقول: قد علم الله صدق نيّتك في ذلك، وأقسمت عليك بالله لتقبلنّها فتقبّلها منه ثمّ جعل يهجو هشاما) * «١» . ١٣-* (قال ابن القيّم- ﵀ في وصف إرادة ربّ العالمين: يا محمّد! أنت تريد أبا طالب ونحن نريد سلمان، أبو طالب إذا سئل عن اسمه قال عبد مناف. وإذا انتسب افتخر بالآباء. وإذا ذكرت الأموال عدّ الإبل. وسلمان إذا سئل عن اسمه قال: عبد الله، وعن نسبه قال ابن الإسلام. وعن ماله قال: الفقر. وعن حانوته قال: المسجد، وعن كسبه قال: الصّبر. وعن لباسه قال: التّقوى والتّواضع. وعن وساده: قال: السّهر. وعن فخره قال: سلمان منّا. وعن قصده قال: يريدون وجهه. وعن سيره قال: إلى الجنّة. وعن دليله في الطّريق قال: إمام الخلق وهادي الأئمّة) * «٢» . ١٤-* (قال الماورديّ- ﵀: «من يعين ولا يستعين، فهو كريم الطّبع، مشكور الصّنع، وقد حاز فضيلتي الابتداء والاكتفاء، فلا يرى ثقيلا في نائبة، ولا يقعد عن نهضة في معونة، فهذا أشرف الإخوان نفسا وأكرمهم طبعا» ) * «٣» .

стр. 3078

١٥-* (قال الشّعبيّ: لا نرفع العبد فوق سنّته ... ما دام فينا بأرضنا شرف «١» ) * «٢» . ١٦-* (قال النّابغة الذّبيانيّ: ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرّجال المهذّب «٣» ١٧-* (قال المتنبّي: لا يسلم الشّرف الرّفيع من الأذى ... حتّى يراق على جوانبه الدّم) * «٤» . ١٨-* (قال الشّاعر: ومن ذا الّذي ترضى سجاياه كلّها ... كفى المرء نبلا أن تعدّ معايبه) * «٥» . () من فوائد (الشرف) (١) شرف المرء بحسن فعاله لا بحسب آبائه. (٢) شرف المرء يجلب له المحبّة بين أهله. (٣) الشّرف يحجب المرء عن السّقوط في قبيح الأفعال. (٤) إذا شرف المرء بحسن عمله اكتسب رضوان الله وغنم محبّته. (٥) محمّد ﷺ سيّد ولد آدم في الدّنيا والآخرة وأشرفهم بحسن خلائقه وكرم أصله. (٦) الشّرف إذا اتّخذ ذريعة لأغراض غير مشروعة أضلّ صاحبه وأهلكه.

стр. 3079

الشفاعة الشفاعة لغة: الشّفاعة مصدر قولهم شفع يشفع وهو مأخوذ من مادّة (ش ف ع) الّتي تدلّ على مقارنة الشّيئين، من ذلك الشّفع خلاف الوتر، تقول: كان فردا فشفعته، قال جلّ ثناؤه وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ (الفجر/ ٣) ، قال أهل التّفسير: الوتر الله تعالى، والشّفع: الخلق، وشفع فلان لفلان إذا جاء ملتمسا مطلبه ومعينا له، والشّفعة في الدّار من هذا؛ لأنّه يشفع بها ماله، وقال الرّاغب: الشّفع ضمّ الشّيء إلى مثله، ومن ذلك: الشّفعة الّتي هي طلب مبيع في شركته بما بيع به ليضمّه إلى ملكه، والشّفعة: الزّيادة، وهي أن يشفّعك فيما تطلب حتّى تضمّه إلى ما عندك فتزيده وتشفعه بها، أي تزيده بها أي إنّه كان وترا، فضمّ إليه ما زاده وشفعه به. وقد كان الرّجل في الجاهليّة إذا أراد بيع منزل أتاه رجل فشفع إليه فيما باع فشفّعه وجعله أولى بالمبيع ممّن بعد فبسببه سمّيت شفعة. وشفع: أيضا طلب، وتقول: شفع لي يشفع شفاعة وتشفّع. والشّفيع: الشّافع. والجمع شفعاء، واستشفع بفلان على فلان، وتشفّع له إليه فشفّعه فيه. وقال الفارسيّ: استشفعه طلب منه الشّفاعة، أي قال له: كن لي شافعا، واستشفعته إلى الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٦/ ٤٠/ ١١ فلان أي سألته أن يشفع لي إليه. وفي التّنزيل: مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها (النساء/ ٨٥) . أي من انضمّ إلى غيره وعاونه وصار شفعا له، أو شفيعا في فعل الخير والشّرّ فعاونه وقوّاه شاركه في نفعه وضرّه، وقيل الشّفاعة هاهنا أن يشرع الإنسان للآخر طريق خير أو شرّ فيقتدي به فيصير كأنّه شفع له، وقول الله ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ (يونس/ ٣) أي يدبّر الأمر وحده لا ثاني له في فصل الأمر إلّا أن يأذن للمدبّرات والمقسّمات من الملائكة فيفعلون ما يفعلونه بعد إذنه. وتقول: شفعت في الأمر شفعاء وشفاعة: طالبت بوسيلة وذمام. والشّفاعة: الدّعاء، والشّفاعة: كلام الشّفيع للملك في حاجة يسألها لغيره. والشّافع: الطّالب لغيره، يتشفّع به إلى المطلوب، يقال: تشفّعت بفلان إلى فلان فشفّعني فيه. وتشفّعت إليه في فلان فشفّعني فيه تشفيعا. والمشفّع: الّذي يقبل الشّفاعة، والمشفّع الّذي تقبل شفاعته. واستشفعت بفلان فشفع لي، وشفّعه: أجاب شفاعته ومنه قوله ﵊ «القرآن شافع مشفّع» «١» .

стр. 3080

واصطلاحا: قال الرّاغب: الشّفاعة الانضمام إلى آخر ناصرا له وسائلا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى، ومنه الشّفاعة يوم القيامة «١» . وقال الجرجانيّ وابن المناويّ: هي السّؤال في التّجاوز عن الذّنوب من الّذي وقعت الجناية في حقّه «٢» وقال الكفويّ: هي سؤال فعل الخير وترك الضّرّ عن الغير على سبيل الضّراعة «٣» . وقال المناويّ (نقلا عن الحراليّ) : الشّفاعة وصلة بين الشّفيع والمشفوع له لمزيد وصلة بين الشّفيع والمشفوع عنده «٤» . أنواع الشفاعة: قال ابن أبي العزّ- رحمه الله تعالى- في شرحه للعقيدة الطّحاوية: الشّفاعة أنواع: النّوع الأوّل: الشّفاعة العظمى الخاصّة بنبيّنا ﷺ من بين سائر إخوانه من الأنبياء والمرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين. النّوع الثّاني: شفاعته ﷺ في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيّئاتهم، فيشفع فيهم ليدخلوا الجنّة. النّوع الثّالث: شفاعته ﷺ في قوم آخرين قد أمر بهم إلى النّار أن لا يدخلوها. النّوع الرّابع: شفاعته ﷺ في رفع درجات من يدخل الجنّة فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم. النّوع الخامس: الشّفاعة في أقوام ليدخلوا الجنّة بغير حساب وهم السّبعون ألفا. النّوع السّادس: الشّفاعة في تخفيف العذاب عمّن يستحقّه. كشفاعته في عمّه أبي طالب أن يخفّف عنه عذابه. النّوع السّابع: شفاعته ﷺ أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنّة. النّوع الثّامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمّته ممّن دخل النّار فيخرجون منها. وهذه الشّفاعة تشاركه فيها الملائكة والنّبيّون والمؤمنون «٥» . الفرق بين الشفاعة الشرعية والشفاعة الشّركيّة: قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: عند قوله تعالى: أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ* قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (الزمر/ ٤٣- ٤٤) . أخبر الله في كتابه أنّ الشفاعة لمن له ملك السّموات والأرض، وهو الله وحده. فهو الّذي يشفع بنفسه إلى نفسه، ليرحم عبده. فيأذن هو لمن يشاء أن يشفع فيه. فصارت الشّفاعة في الحقيقة إنّما هي له، والّذي يشفع عنده إنّما يشفع بإذنه له وأمره له، بعد شفاعته سبحانه إلى نفسه وهي إرادته من نفسه أن يرحم عبده. وهذا ضدّ الشّفاعة الشّركيّة الّتي أثبتها المشركون ومن وافقهم، وهي الّتي أبطلها الله سبحانه في كتابه،

стр. 3081

بقوله: وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ (البقرة/ ١٢٣) وقوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ (البقرة/ ٢٥٤) وقال تعالى: وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (الأنعام/ ٥١) وقال تعالى: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ (السجدة/ ٤) . فأخبر سبحانه أنّه ليس للعباد شفيع من دونه، بل إذا أراد الله سبحانه رحمة عبده أذن هو لمن يشفع فيه. كما قال تعالى: ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ (يونس/ ٣) وقال: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (البقرة/ ٢٥٥) فالشّفاعة بإذنه ليست شفاعة من دونه، ولا الشافع شفيع من دونه، بل شفيع بإذنه. والفرق بين الشّفيعين، كالفرق بين الشّريك والعبد المأمور. فالشّفاعة الّتي أبطلها الله: شفاعة الشّريك فإنّه لا شريك له، والّتي أثبتها: شفاعة العبد المأمور الّذي لا يشفع، ولا يتقدّم بين يدي مالكه حتّى يأذن له. ويقول: اشفع في فلان. ولهذا كان أسعد النّاس بشفاعة سيّد الشّفعاء يوم القيامة أهل التّوحيد، الّذين جرّدوا التّوحيد وخلّصوه من تعلّقات الشّرك وشوائبه، وهم الّذين ارتضى الله سبحانه. قال تعالى: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى (الأنبياء/ ٢٨) وقال: يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (طه/ ١٠٩) . وأعلى الخلق وأفضلهم وأكرمهم عنده: هم الرّسل والملائكة المقرّبون. وهم عبيد محض، لا يسبقونه بالقول، ولا يتقدّمون بين يديه، ولا يفعلون شيئا إلّا بعد إذنه لهم، وأمرهم. ولا سيّما يوم لا تملك نفس لنفس شيئا. فهم مملوكون مربوبون، أفعالهم مقيّدة بأمره وإذنه. فإذا أشرك بهم المشرك، واتّخذهم شفعاء من دونه، ظنّا منه أنّه إذا فعل ذلك تقدّموا وشفعوا له عند الله، فهو من أجهل النّاس بحقّ الرّبّ سبحانه وما يجب له. ويمتنع عليه. فإنّ هذا محال ممتنع، شبيه قياس الرّبّ تعالى على الملوك والكبراء، حيث يتّخذ الرّجل من خواصّهم وأوليائهم من يشفع له عندهم في الحوائج. وبهذا القياس الفاسد عبدت الأصنام، واتّخذ المشركون من دون الله الشّفيع والوليّ. فالشّفعاء عند المخلوقين: هم شركاؤهم. فإنّ قيام مصالحهم بهم. وهم أعوانهم وأنصارهم، الّذين قيام أمر الملوك والكبراء بهم. ولولا هم لما انبسطت أيديهم وألسنتهم في النّاس، فلحاجتهم إليهم يحتاجون إلى قبول شفاعتهم. وإن لم يأذنوا فيها ولم يرضوا عن الشّافع. لأنّهم يخافون أن يردّوا شفاعتهم فتنتقض طاعتهم لهم، ويذهبون إلى غيرهم. فلا يجدون بدّا من قبول شفاعتهم على الكره والرّضى. فأمّا الغنيّ الّذي غناه من لوازم ذاته، وكلّ ما سواه فقير إليه بذاته. وكلّ من في السّماوات والأرض عبيد له، مقهورون بقهره، مصروفون بمشيئته. لو أهلكهم جميعا لم ينقص من عزّه وسلطانه وملكه وربوبيّته وإلهيّته مثقال ذرّة، قال سبحانه في سيّدة آي

стр. 3082

القرآن، آية الكرسيّ: لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (البقرة/ ٢٥٥) وقال: قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (الزّمر/ ٤٤) . فأخبر أنّ حال ملكه للسّموات والأرض يوجب أن تكون الشّفاعة كلّها له وحده، وأنّ أحدا لا يشفع عنده إلّا بإذنه، فإنّه ليس بشريك، بل مملوك محض. بخلاف شفاعة أهل الدّنيا بعضهم عند بعض. شروط قبول الشفاعة: وسرّ الفرق بين الشّفاعتين: أنّ شفاعة المخلوق للمخلوق، وسؤاله للمشفوع عنده، لا يفتقر فيها إلى المشفوع عنده، لا خلقا، ولا أمرا، ولا إذنا، بل هو سبب محرّك له من خارج كسائر الأسباب الّتي تحرّك الأسباب. وهذا السّبب المحرّك قد يكون عند المتحرّك لأجله ما يوافقه، كمن يشفع عنده في أمر يحبّه ويرضاه، وقد يكون عنده ما يخالفه، كمن يشفع إليه في أمر يكرهه، ثمّ قد يكون سؤاله، وشفاعته أقوى من المعارض، فيقبل شفاعة الشّافع، وقد يكون المعارض الّذي عنده أقوى من شفاعة الشّافع، فيردّها ولا يقبلها، وقد يتعارض عنده الأمران، فيبقى متردّدا بين ذلك المعارض الّذي يوجب الرّدّ، وبين الشّفاعة الّتي تقتضي القبول، فيتوقّف إلى أن يترجّح عنده أحد الأمرين بمرجّح، فشفاعة الإنسان عند المخلوق مثله: هي سعي في سبب منفصل عن المشفوع إليه يحرّكه به، ولو على كره منه، فمنزلة الشّفاعة عنده منزلة من يأمر غيره، أو يكرهه على الفعل، إمّا بقوّة وسلطان، وإمّا برغبة، فلا بدّ أن يحصل للمشفوع إليه من الشّافع إمّا رغبة ينتفع بها، وإمّا رهبة منه تندفع عنه بشفاعته، وهذا بخلاف الشّفاعة عند الرّبّ سبحانه، فإنّه ما لم يخلق شفاعة الشّافع، ويأذن له فيها، ويحبّها منه، ويرضى عن الشّافع، لم يمكن أن توجد. والشّافع لا يشفع عنده لحاجة الرّبّ إليه، ولا لرهبته منه، ولا لرغبته فيما لديه، وإنّما يشفع عنده مجرّد امتثال لأمره وطاعة له. فهو مأمور بالشّفاعة، مطيع بامتثال الأمر. فإنّ أحدا من الأنبياء والملائكة، وجميع المخلوقات لا يتحرّك بشفاعة ولا غيرها إلّا بمشيئة الله تعالى وخلقه. فالرّبّ هو الّذي يحرّك الشّفيع حتّى يشفع، والشّفيع عند المخلوق هو الّذي يحرّك المشفوع إليه حتّى يقبل. والشّافع عند المخلوق مستغن عنه في أكثر أموره. وهو في الحقيقة شريكه. ولو كان مملوكه وعبده. فالمشفوع عنده محتاج إليه فيما يناله منه من النّفع بالنّصر، والمعاونة. وغير ذلك. كما أنّ الشّافع محتاج إليه فيما يناله منه: من رزق، أو نصر، أو غيره، فكلّ منهما محتاج إلى الآخر «١» . [للاستزادة: انظر صفات: التوسل- التعاون على البر والتقوى- التناصر- الضراعة والتضرع- الإخاء. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- التخاذل- القسوة- التعاون على الإثم والعدوان] .

стр. 3083

الآيات الواردة في «الشفاعة» آيات تثبت عدم قبول الشفاعة: ١- يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨) «١» ٢- يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْها عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُها شَفاعَةٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (١٢٣) «٢» ٣- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفاعَةٌ وَالْكافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤) «٣» ٤- قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ (٥٠) وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٥١) «٤» ٥- وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) قُلْ أَنَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُنا وَلا يَضُرُّنا وَنُرَدُّ عَلى أَعْقابِنا بَعْدَ إِذْ هَدانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ (٧١) «٥» ٦- الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) «٦»

стр. 3084

الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله تعالى: ٧- اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥) «١» ٨- إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ ما خَلَقَ اللَّهُ ذلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥) «٢» ٩- وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفاً (١٠٥) فَيَذَرُها قاعاً صَفْصَفاً (١٠٦) لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً (١٠٧) يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً (١٠٨) يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً (١١٠) «٣» ١٠- وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩) «٤» ١١- قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقالَ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَما لَهُمْ فِيهِما مِنْ شِرْكٍ وَما لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا ماذا قالَ رَبُّكُمْ

стр. 3085

قالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٢٣) » ١٢-* وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى (٢٦) «٢» الشفاعة لله- -: ١٣- أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) «٣» الشفاعة يثاب عليها: ١٤- مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥) «٤» الشفاعة للكفار أمنية لا سبيل إليها: ١٥- وَلَقَدْ جِئْناهُمْ بِكِتابٍ فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنا مِنْ شُفَعاءَ فَيَشْفَعُوا لَنا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٥٣) «٥» الشفاعة في سياق التحذير: ١٦- وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ قالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣) وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤) «٦»
следующие страницы →