← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

ثمّ ماذا يكون؟ قال: «إن كان لله خليفة في الأرض فضرب ظهرك وأخذ مالك فأطعه وإلّا فمت وأنت عاضّ بجذل شجرة «١» .» قلت: ثمّ ماذا؟ قال: «ثمّ يخرج الدّجّال معه نهر ونار فمن وقع في ناره وجب أجره وحطّ وزره، ومن وقع في نهره وجب وزره وحطّ أجره» . قال: قلت: ثمّ ماذا؟ قال: «ثمّ هي قيامة السّاعة» ) * «٢» . ١٠-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: إنّ النّبيّ ﷺ بعث معاذا- ﵁ إلى اليمن فقال: «ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم خمس صلوات في كلّ يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أنّ الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وتردّ على فقرائهم» ) * «٣» . ١١-* (عن جرير- ﵁ قال: بايعت النّبيّ ﷺ على السّمع والطّاعة. فلقّنني: «فيما استطعت، والنّصح لكلّ مسلم» ) * «٤» . ١٢-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السّمع والطّاعة في المنشط والمكره. وأن لا ننازع الأمر أهله وأن نقوم- أو نقول- بالحقّ حيثما كنّا. ولا نخاف في الله لومة لائم) * «٥» . ١٣- (عن عليّ- ﵁ قال: بعث النّبيّ ﷺ سريّة وأمّر عليهم رجلا من الأنصار وأمرهم أن يطيعوه، فغضب عليهم وقال: أليس قد أمر النّبيّ ﷺ أن تطيعوني؟ قالوا: بلى. قال: قد عزمت عليكم لما جمعتم حطبا وأوقدتم نارا ثمّ دخلتم فيها. فجمعوا حطبا فأوقدوا نارا، فلمّا همّوا بالدّخول، فقاموا ينظر بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: إنّما تبعنا النّبيّ ﷺ فرارا من النّار أفندخلها؟ فبينما هم كذلك إذ خمدت النّار وسكن غضبه، فذكر للنّبيّ ﷺ فقال: «لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنّما الطّاعة في المعروف» ) * «٦» . ١٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: جاءت ملائكة إلى النّبيّ ﷺ وهو نائم فقال بعضهم: إنّه نائم، وقال بعضهم: إنّ العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: إنّ لصاحبكم هذا مثلا قال: فاضربوا له مثلا. فقال بعضهم: إنّه نائم؛ وقال بعضهم: إنّ العين نائمة والقلب يقظان. فقالوا: مثله كمثل رجل بنى دارا. جعل فيها مأدبة وبعث داعيا، فمن أجاب الدّاعي دخل الدّار وأكل من المأدبة، ومن

стр. 3397

لم يجب الدّاعي لم يدخل الدّار ولم يأكل من المأدبة. فقالوا: أوّلوها له يفقهها، فقال بعضهم: إنّه نائم. وقال بعضهم: إنّ العين نائمة والقلب يقظان، فقالوا: فالدّار الجنّة، والدّاعي محمّد ﷺ ، فمن أطاع محمّدا ﷺ فقد أطاع الله ومن عصى محمّدا ﷺ فقد عصى الله، ومحمّد فرّق بين النّاس) * «١» . ١٥-* (عن عائشة- ﵂ قالت: جلس إحدى عشرة امرأة. فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا ... الحديث، وفيه: بنت أبي زرع، فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها وطوع أمّها، وملء كسائها، وغيظ جارتها، جارية أبي زرع، فما جارية أبي زرع؟ لا تبثّ حديثنا تبثيثا «٢» .. ولا تنقّث ميرتنا تنقيثا «٣» . ولا تملأ بيتنا تعشيشا ... الحديث) * «٤» . ١٦-* (عن أمّ الحصين- ﵂ قالت: حججت مع رسول الله ﷺ حجّة الوداع. فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته. ومعه بلال وأسامة. أحدهما يقود به راحلته. والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشّمس. فقال رسول الله ﷺ قولا كثيرا. ثمّ سمعته يقول: «إن أمّر عليكم عبد مجدّع «٥» . أسود يقودكم بكتاب الله تعالى، فاسمعوا له وأطيعوا» ) * «٦» . ١٧-* (عن سليمان بن عمرو بن الأحوص قال: حدّثني أبي، أنّه شهد حجّة الوداع مع رسول الله ﷺ . فحمد الله وأثنى عليه، وذكّر ووعظ، فذكر في الحديث قصّة فقال «ألا واستوصوا بالنّساء خيرا، فإنّما هنّ عوان «٧» . عندكم، ليس تملكون منهنّ شيئا غير ذلك، إلّا أن يأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن فاهجروهنّ في المضاجع واضربوهنّ ضربا غير مبرّح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهنّ سبيلا. ألا إنّ لكم على نسائكم حقّا، ولنسائكم عليكم حقّا. فأمّا حقّكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون، ولا يأذنّ في بيوتكم لمن تكرهون. ألا وحقّهنّ عليكم أن تحسنوا إليهنّ في كسوتهنّ وطعامهنّ» ) * «٨» . ١٨-* (عن أسماء- ﵂ قالت: خسفت الشّمس على عهد رسول الله ﷺ . فدخلت على عائشة وهي تصلّي. فقلت: ما شأن النّاس يصلّون؟ فأشارت برأسها إلى السّماء. فقلت: آية؟ قالت: نعم. فأطال رسول الله ﷺ القيام جدّا. حتّى تجلّاني الغشي «٩» فأخذت قربة من ماء إلى جنبي. فجعلت أصبّ على رأسي أو على وجهي من الماء. قالت: فانصرف رسول الله ﷺ وقد تجلّت الشّمس. فخطب رسول الله ﷺ النّاس. فحمد الله وأثنى عليه. ثمّ قال: «أمّا بعد، ما من شيء لم أكن رأيته إلّا قد

стр. 3398

رأيته في مقامي هذا. حتّى الجنّة والنّار. وإنّه قد أوحي إليّ أنّكم تفتنون في القبور قريبا أو مثل فتنة المسيح الدّجّال. (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء) فيؤتى أحدكم فيقال: ما علمك بهذا الرّجل؟ فأمّا المؤمن أو الموقن. (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء) فيقول: هو محمّد، هو رسول الله. جاءنا بالبيّنات والهدى فأجبنا وأطعنا، ثلاث مرار، فيقال له: نم. قد كنّا نعلم أنّك لتؤمن به. فنم صالحا. وأمّا المنافق أو المرتاب (لا أدري أيّ ذلك قالت أسماء) فيقول: لا أدري. سمعت النّاس يقولون شيئا فقلت» ) * «١» . ١٩-* (عن أبي قتادة- ﵁ قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: «إنّكم تسيرون عشيّتكم وليلتكم. وتأتون الماء، إن شاء الله، غدا» فانطلق النّاس لا يلوي أحد على أحد «٢» .... الحديث، وفيه: ثمّ قال: ما ترون النّاس صنعوا؟ قال: ثمّ قال «٣» .: أصبح النّاس فقدوا نبيّهم. فقال أبو بكر وعمر: رسول الله ﷺ بعدكم. لم يكن ليخلّفكم. وقال النّاس: إنّ رسول الله ﷺ بين أيديكم. فإن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا ... الحديث) * «٤» . ٢٠-* (عن عوف بن مالك- ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: «خيار أئمّتكم الّذين تحبّونهم ويحبّونكم. ويصلّون عليكم وتصلّون عليهم، وشرار أئمّتكم الّذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم» . قيل: يا رسول الله؛ أفلا ننابذهم بالسّيف؟ فقال: «لا. ما أقاموا فيكم الصّلاة. وإذا رأيتم من ولاتكم شيئا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدا من طاعة» ) * «٥» . ٢١-* (عن عبد الرّحمن بن عبد ربّ الكعبة قال: دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظلّ الكعبة. والنّاس مجتمعون عليه. فأتيتهم. فجلست إليه. فقال: كنّا مع رسول الله ﷺ في سفر. فنزلنا منزلا. فمنّا من يصلح خباءه. ومنّا من ينتضل «٦» ومنا من هو في جشره «٧» . إذ نادى منادي رسول الله ﷺ : الصّلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله ﷺ فقال: «إنّه لم يكن نبيّ قبلي إلّا كان حقّا عليه أن يدلّ أمّته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شرّ ما يعلمه لهم. وإن أمّتكم هذه جعل عافيتها في أوّلها. وسيصيب آخرها بلاء وأمور

стр. 3399

تنكرونها. وتجيء فتنة فيرقّق بعضها بعضا «١» . وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه مهلكتي. ثمّ تنكشف. وتجيء الفتنة فيقول المؤمن: هذه هذه. فمن أحبّ أن يزحزح عن النّار ويدخل الجنّة، فلتأته منيّته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر. وليأت إلى النّاس الّذي يحبّ أن يؤتى إليه. ومن بايع إماما، فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع. فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر» فدنوت منه فقلت له: أنشدك الله آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه. وقال سمعته أذناي ووعاه قلبي فقلت له: هذا ابن عمّك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل. ونقتل أنفسنا. والله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (النساء/ ٢٩) . قال: فسكت ساعة ثمّ قال: أطعه في طاعة الله. واعصه في معصية الله» ) * «٢» . ٢٢-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: السّمع والطّاعة على المرء المسلم فيما أحبّ وكره، ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» ) * «٣» . ٢٣-* (عن وائل بن حجر- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ ورجل سأله فقال: أرأيت إن كان علينا أمراء يمنعونا حقّنا ويسألونا حقّهم، فقال رسول الله ﷺ : «اسمعوا وأطيعوا، فإنّما عليهم ما حمّلوا، وإنّما عليكم ما حمّلتم» ) * «٤» . ٢٤-* (عن أبي أمامة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب في حجّة الوداع فقال: «اتّقوا الله ربّكم، وصلّوا خمسكم، وصوموا شهركم، وأدّوا زكاة أموالكم، وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنّة ربّكم» ) * «٥» . ٢٥-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصّلاة يوم العيد. فبدأ بالصّلاة قبل الخطبة. بغير أذان ولا إقامة. ثمّ قام متوكّئا على بلال، فأمر بتقوى الله. وحثّ على طاعته. ووعظ النّاس. وذكّرهم. ثمّ مضى. حتّى أتى النّساء. فوعظهنّ وذكّرهنّ. فقال: «تصدّقن. فإنّ

стр. 3400

أكثركنّ حطب جهنّم» فقامت امرأة من سطة النّساء «١» سفعاء الخدّين «٢» . فقالت: لم؟ يا رسول الله! قال: «لأنّكنّ تكثرن الشّكاة «٣» وتكفرن العشير «٤» » . قال: فجعلن يتصدّقن من حليّهنّ. يلقين في ثوب بلال من أقرطتهنّ وخواتمهنّ» ) * «٥» . ٢٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «عليك السّمع والطّاعة في عسرك ويسرك «٦» ومنشطك ومكرهك وأثرة «٧» عليك» ) * «٨» . ٢٧-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «الغزو غزوان، فأمّا من ابتغى وجه الله وأطاع الإمام وأنفق الكريمة وياسر الشّريك واجتنب الفساد كان نومه ونبهه أجرا كلّه. وأمّا من غزا رياء وسمعة وعصى الإمام وأفسد في الأرض فإنّه لا يرجع بالكفاف» ) * «٩» . ٢٨-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال رجل: يا رسول الله، أيّ الهجرة أفضل؟ قال: أن تهجر ما كره ربّك، وقال رسول الله ﷺ «الهجرة هجرتان: هجرة الحاضر وهجرة البادي. فأمّا البادي فيجيب إذا دعي، ويطيع إذا أمر، وأمّا الحاضر فهو أعظمها بليّة، وأعظمها أجرا» ) * «١٠» . ٢٩-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: قلّما كان رسول الله ﷺ يقوم من مجلس حتّى يدعو بهؤلاء الدّعوات لأصحابه: «اللهمّ اقسم لنا من خشيتك ما يحول بيننا وبين معاصيك، ومن طاعتك ما تبلّغنا به جنّتك. ومن اليقين ما تهوّن به علينا مصيبات الدّنيا، ومتّعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوّتنا ما أحييتنا، واجعله الوارث منّا، واجعل ثأرنا على من ظلمنا، وانصرنا على من عادانا، ولا تجعل مصيبتنا في ديننا، ولا تجعل الدّنيا أكبر همّنا ولا مبلغ علمنا، ولا تسلّط علينا من لا يرحمنا» ) * «١١» . ٣٠-* (عن أنس- ﵁ قال: كان غلام يهوديّ يخدم النّبيّ ﷺ فمرض، فأتاه النّبيّ ﷺ يعوده، فقعد عند رأسه، فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: أطع أبا القاسم ﷺ . فأسلم فخرج النّبيّ ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الّذي أنقذه

стр. 3401

من النّار» ) * «١» . ٣١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «كلّ أمّتي يدخلون الجنّة إلّا من أبى» . قالوا: يا رسول الله؛ ومن يأبى؟ قال: «من أطاعني دخل الجنّة، ومن عصاني فقد أبى» ) * «٢» . ٣٢-* (عن عوف بن مالك الأشجعيّ- ﵁ قال: كنّا عند رسول الله ﷺ تسعة أو ثمانية أو سبعة. فقال: «ألا تبايعون رسول الله؟» وكنّا حديث عهد ببيعة. فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثمّ قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله. ثمّ قال: «ألا تبايعون رسول الله؟» قال: فبسطنا أيدينا وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: «على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، والصّلوات الخمس وتطيعوا (وأسرّ كلمة خفيّة) ولا تسألوا النّاس شيئا» . فلقد رأيت بعض أولئك النّفر يسقط سوط أحدهم. فما يسأل أحدا يناوله إيّاه) * «٣» . ٣٣-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: كنّا نبايع رسول الله ﷺ على السّمع والطّاعة، فيقول لنا: «فيما استطعتم» ) * «٤» . ٣٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: لمّا نزلت على رسول الله ﷺ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ- عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة: آية ٢٨٤) قال: فاشتدّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فأتوا رسول الله ﷺ . ثمّ بركوا على الرّكب. فقالوا: أي رسول الله؛ كلّفنا من الأعمال ما نطيق، الصّلاة والصّيام والجهاد والصّدقة. وقد أنزلت عليك هذه الآية. ولا نطيقها. قال رسول الله ﷺ : «أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. (البقرة/ ٢٨٥) . فلمّا اقترأها القوم ذلّت بها ألسنتهم. فأنزل الله في إثرها آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (البقرة/ ٢٨٥) فلمّا فعلوا ذلك نسخها الله تعالى. فأنزل الله- لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا (قال: نعم) رَبَّنا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا (قال: نعم) رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ (قال: نعم) وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (قال: نعم) (البقرة/ ٢٨٦) * «٥» . ٣٥-* (عن عديّ بن حاتم، أنّ رجلا خطب عند النّبيّ ﷺ فقال: من يطع الله ورسوله فقد

стр. 3402

رشد، ومن يعصهما فقد غوى. فقال. رسول الله ﷺ : «بئس الخطيب أنت. قل: ومن يعص الله ورسوله) * «١» . ٣٦-* (عن عائشة- ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه» ) * «٢» . ٣٧-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجّة له. ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهليّة» ) * «٣» . ٣٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «من خرج من الطّاعة وفارق الجماعة، فمات مات ميتة جاهليّة «٤» . ومن قاتل تحت راية عمّيّة «٥» يغضب لعصبة «٦» . أو يدعو إلى عصبة. أو ينصر عصبة، فقتل، فقتلة جاهليّة. ومن خرج على أمّتي يضرب برّها وفاجرها ولا يتحاش «٧» . من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس منّي ولست منه) * «٨» . ٣٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله. ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني، وإنّما الإمام جنّة «٩» يقاتل من ورائه. ويتّقى به. فإن أمر بتقوى الله وعدل؛ فإنّ له بذلك أجرا، وإن قال بغيره فإنّ عليه منه» ) * «١٠» . الأحاديث الواردة في (الطاعة) معنى ٤٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ أعرابيّا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله دلّني على عمل إذا عملته دخلت الجنّة. قال: «تعبد الله لا تشرك به شيئا. وتقيم الصّلاة المكتوبة، وتؤدّي الزّكاة المفروضة، وتصوم رمضان» قال: والّذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئا أبدا، ولا أنقص منه. فلمّا ولّى. قال النّبيّ ﷺ : «من سرّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّد، فلينظر إلى هذا» ) * «١١» .

стр. 3403

٤١-* (عن طلق بن عليّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا الرّجل دعا زوجته لحاجته فلتأته، وإن كانت على التّنّور «١» » ) * «٢» . ٤٢-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرّتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيّه وأدرك النّبيّ ﷺ فامن به واتّبعه وصدّقه فله أجران، وعبد مملوك أدّى حقّ الله تعالى، وحقّ سيّده فله أجران، ورجل له أمة فغذّاها فأحسن غذاءها. ثمّ أدّبها فأحسن أدبها، ثمّ أعتقها وتزوّجها، فله أجران» ) * «٣» . ٤٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «دعوني ما تركتكم «٤» ، فإنّما أهلك من كان قبلكم سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم» ) * «٥» . ٤٤-* (عن جابر- ﵁ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتّى نزلنا واديا أفيح «٦» . فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته فاتّبعته بإداوة من ماء. فنظر رسول الله ﷺ فلم ير شيئا يستتر به. فإذا شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها. فقال: «انقادي عليّ بإذن الله» فانقادت معه كالبعير المخشوش «٧» ، الّذي يصانع قائده حتّى أتى الشّجرة الآخرى، فأخذ بغصن من أغصانها. فقال: «انقادي عليّ بإذن الله» . فانقادت معه كذلك حتّى إذا كان بالمنصف «٨» ممّا بينهما، لأم بينهما (يعني جمعهما) فقال: التئما عليّ بإذن الله» فالتأمتا. قال جابر: فخرجت أحضر «٩» مخافة أن يحسّ رسول الله ﷺ بقربي فيبتعد (وقال محمّد بن عبّاد: فيتبعّد) فجلست أحدّث نفسي. فحانت منّي لفتة، فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلا. وإذا الشّجرتان قد افترقتا. فقامت كلّ واحدة منهما على ساق. فرأيت رسول الله ﷺ وقف وقفة. فقال برأسه هكذا (وأشار أبو إسماعيل برأسه يمينا وشمالا) ثمّ أقبل. فلمّا انتهى قال: «يا جابر هل رأيت مقامي؟» قلت: نعم. يا رسول الله، قال: «فانطلق إلى الشّجرتين فاقطع من كلّ واحدة منهما غصنا فأقبل بهما حتّى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن يسارك» قال جابر: فقمت فأخذت حجرا فكسرته وحسرته «١٠» .

стр. 3404

فانذلق «١» لي. فأتيت الشّجرتين فقطعت من كلّ واحدة منهما غصنا. ثمّ أقبلت أجرّهما حتّى قمت مقام رسول الله ﷺ . أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يساري. ثمّ لحقته فقلت: قد فعلت. يا رسول الله فعمّ ذاك؟ قال: «إنّي مررت بقبرين يعذّبان. فأحببت، بشفاعتي، أن يرفّه «٢» عنهما، ما دام الغصنان رطبين» ) * «٣» . ٤٥-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: كان أبو طلحة أكثر الأنصار بالمدينة مالا من نخل وكان أحبّ أمواله إليه بيرحاء «٤» ، وكانت مستقبلة المسجد وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيّب، قال أنس: فلمّا أنزلت هذه الآية لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ قام أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إنّ الله ﵎ يقول: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (آل عمران/ ٩٢) وإنّ أحبّ أموالي إلىّ بيرحاء، وإنّها صدقة لله أرجو برّها وذخرها عند الله. فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال: فقال رسول الله ﷺ : «بخ، ذلك مال رابح. ذلك مال رابح. وقد سمعت ما قلت، وإنّي أرى أن تجعلها في الأقربين» فقال أبو طلحة أفعل يا رسول الله. فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمّه) * «٥» . ٤٦-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «كان الكفل من بني إسرائيل لا يتورّع من ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستّين دينارا على أن يطأها فلمّا قعد منها مقعد الرّجل من امرأته أرعدت وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكنّه عمل ما عملته قطّ، وما حملني عليه إلّا الحاجة، فقال: تفعلين أنت هذا وما فعلته «٦» ؟ اذهبي فهي لك، وقال: لا، والله لا أعصي الله بعدها أبدا، فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه: إنّ الله قد غفر للكفل) * «٧» . ٤٧-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ يقول: كان النّاس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير. وكنت أسأله عن الشّرّ. مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله؛ إنّا كنّا في جاهليّة وشرّ. فجاءنا الله بهذا الخير. فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: «نعم» فقلت: هل بعد ذلك الشّرّ من خير؟ قال: «نعم، وفيه دخن» «٨» قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنّون بغير سنّتي. ويهدون بغير هديي «٩» ، تعرف منهم وتنكر» . فقلت:

стр. 3405

هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم دعاة على أبواب جهنّم «١» من أجابهم إليها قذفوه فيها» . فقلت: يا رسول الله صفهم لنا. قال: «نعم. قوم من جلدتنا ويتكلّمون بألسنتنا» . قلت: يا رسول الله؛ فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» ، فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها. ولو أن تعضّ على أصل شجرة حتّى يدركك الموت، وأنت على ذلك» ) * «٢» . ٤٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم «٣» الأنبياء. كلّما هلك نبيّ خلفه نبيّ. وإنّه لا نبيّ بعدي. وستكون خلفاء فتكثر» قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا ببيعة الأوّل فالأوّل «٤» . وأعطوهم حقّهم، فإنّ الله سائلهم عمّا استرعاهم» ) * «٥» . ٤٩-* (عن عبد الله بن عمر عن أبيه- ﵄ قال: كانت تحتي امرأة كان عمر يكرهها فقال: طلّقها، فأبيت، فأتى عمر رسول الله ﷺ فقال «أطع أباك» ) * «٦» . ٥٠-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: كنّا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث منى، فرخّص لنا النّبيّ ﷺ فقال: «كلوا وتزوّدوا، فأكلنا وتزوّدنا» ) * «٧» . ٥١-* (عن عمر بن أبي سلمة- ﵁ قال: كنت غلاما في حجر رسول الله «٨» ﷺ وكانت يدي تطيش في الصّحفة «٩» . فقال لي رسول الله ﷺ : «يا غلام، سمّ الله، وكل بيمينك، وكل ممّا يليك» فما زالت تلك طعمتي «١٠» بعد) * «١١» . ٥٢-* (عن عبد الله بن أبي أوفى- ﵄ قال: لمّا قدم معاذ من الشّام سجد للنّبيّ ﷺ قال: «ما هذا يا معاذ؟» قال: أتيت الشّام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم. فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رسول الله ﷺ : «فلا تفعلوا. فإنّي لو كنت آمرا أحدا أن يسجد لغير الله، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. والّذي نفس محمّد

стр. 3406

بيده لا تؤدّي المرأة حقّ ربّها حتّى تؤدّي حقّ زوجها ولو سألها نفسها وهي على قتب «١» لم تمنعه» ) * «٢» . ٥٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجنّ وما رآهم. انطلق رسول الله ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ. وقد حيل بين الشّياطين وبين خبر السّماء. وأرسلت عليهم الشّهب. فرجعت الشّياطين إلى قومهم. فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السّماء. وأرسلت علينا الشّهب. قالوا ما ذاك إلّا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. فانظروا ما هذا الّذي حال بيننا وبين خبر السّماء. فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها. فمرّ النّفر الّذين أخذوا نحو تهامة. (وهو بنخل «٣» ، عامدين إلى سوق عكاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر) فلمّا سمعوا القرآن استمعوا له. وقالوا: هذا الّذي حال بيننا وبين خبر السّماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنّا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرّشد فامنّا به ولن نشرك بربّنا أحدا. فأنزل الله على نبيّه محمّد ﷺ : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ (الجن/ ١)) * «٤» . ٥٤-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: ما من نبيّ بعثه الله في أمّة قبلي إلّا كان له من أمّته حواريّون وأصحاب يأخذون بسنّته، ويقتدون بأمره ثمّ إنّها تخلف «٥» من بعده خلوف. يقولون مالا يفعلون، ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن. ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبّة خردل) * «٦» . ٥٥-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: وقف النّبيّ ﷺ بعرفات وقد كادت الشّمس تغرب فقال: «يا بلال، أنصت لي النّاس، فقام بلال، فقال: أنصتوا لرسول الله ﷺ . فنصت النّاس فقال: معاشر النّاس، أتاني جبريل آنفا فأقرأني من ربّي السّلام وقال: إنّ الله- غفر لأهل عرفات وأهل المشعر الحرام وضمن عنهم التّبعات «٧» فقام عمر بن الخطّاب- ﵁ فقال: يا رسول الله؟ هذا لنا خاصّة؟ قال: «هذا لكم ولمن أتى بعدكم إلى يوم القيامة» فقال عمر بن الخطّاب: كثر خير الله وطاب) * «٨» .

стр. 3407

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الطاعة) ٥٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ كان يقول في دعائه: «ربّ أعنّي ولا تعن عليّ. وانصرني ولا تنصر عليّ. وامكر لي «١» ولا تمكر عليّ. واهدني ويسّر الهدى لي. وانصرني على من بغى عليّ. ربّ اجعلني لك شكّارا. لك ذكّارا. لك رهّابا. لك مطيعا. إليك مخبتا «٢» . إليك أوّاها منيبا «٣» . ربّ تقبّل توبتي واغسل حوبتي «٤» . وأجب دعوتي. واهد قلبي. وسدّد لساني. وثبّت حجّتي واسلل سخيمة قلبي «٥» » ) * «٦» . ٥٧-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: بعث عليّ وهو في اليمن إلى النّبيّ ﷺ بذهيبة في تربتها، فقسمها بين الأقرع بن حابس الحنظليّ ثمّ أحد بني مجاشع وبين عيينة بن بدر الفزاريّ وبين علقمة بن علاثة العامريّ ثمّ أحد بني كلاب وبين زيد الخيل الطّائيّ، ثمّ أحد بني نبهان فتغيّظت قريش والأنصار فقالوا: يعطيه صناديد أهل نجد ويدعنا، قال: إنّما أتألّفهم. فأقبل رجل غائر العينين ناتأ الجبين «٧» كثّ اللّحية مشرف الوجنتين «٨» محلوق الرّأس. فقال: يا محمّد اتّق الله. فقال: النّبيّ ﷺ «فمن يطيع الله إذا عصيته؟ فيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني؟!» فسأل رجل من القوم قتله، أراه خالد ابن الوليد، فمنعه النّبيّ ﷺ فلمّا ولّى قال النّبيّ ﷺ : «إنّ من ضئضئ «٩» هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السّهم من الرّميّة يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد «١٠» ) * «١١» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الطاعة) ١-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁ «لا تصحب الفجّار، لتعلّم من فجورهم، واعتزل عدوّك، واحذر صديقك إلّا الأمين، ولا أمين إلّا من خشي الله، وتخشّع عند القبور، وذلّ عند الطّاعة، واستعصم عند المعصية، واستشر الّذين يخشون الله» ) * «١٢» .

стр. 3408

٢-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ في وصيّته بأصحاب رسول الله ﷺ ... الحديث، وفيه: قال: «إنّي لا أعلم أحدا أحقّ بهذا الأمر من هؤلاء النّفر الّذين توفّي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فمن استخلفوا بعدي فهو الخليفة فاسمعوا له وأطيعوا. فسمّى عثمان وعليّا وطلحة والزّبير وعبد الرّحمن بن عوف وسعد بن أبي وقّاص ... الحديث» ) * «١» . ٣-* (قال عبد الله بن مسعود- رضي الله تعالى عنه-: «إنّ معاذ بن جبل- رضي الله تعالى عنه- كان أمّة قانتا لله حنيفا. فقيل: إنّ إبراهيم كان أمّة قانتا لله حنيفا. فقال: ما نسيت، هل تدري ما الأمّة وما القانت؟ فقلت: الله أعلم. فقال: الأمّة؟ الّذي يعلّم الخير، والقانت المطيع لله وللرّسول، وكان معاذ يعلّم النّاس الخير ومطيعا لله ولرسوله» ) * «٢» . ٤-* (كتب أبو الدّرداء إلى سلمة بن مخلد: «أمّا بعد، فإنّ العبد إذا عمل بطاعة الله أحبّه الله، وإذا أحبّه الله حبّبه إلى خلقه، وإذا عمل بمعصية الله أبغضه الله فإذا أبغضه بغّضه إلى خلقه» ) * «٣» . ٥-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁ في قوله تعالى اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ (آل عمران/ ١٠٢) قال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى) * «٤» . ٦-* (عن عبد الله بن سلمة قال: قال رجل لمعاذ بن جبل: علّمني، قال: وهل أنت مطيعي؟ قال: إنّي على طاعتك لحريص، قال: صم وأفطر، وصلّ ونم، واكتسب ولا تأثم، ولا تموتنّ إلّا وأنت مسلم، وإيّاك ودعوة المظلوم) * «٥» . ٧-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه كان إذا تلا هذه الآية أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ (الحديد/ ١٦) قال: بلى يا ربّ، بلى يا ربّ) * «٦» . ٨-* (عن خالد بن أسلم مولى عمر بن الخطّاب قال: خرجت مع عبد الله بن عمر، فلحقه أعرابيّ. فقال له: قول الله وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ (التوبة/ ٣٤) قال له ابن عمر: من كنزها فلم يؤّد زكاتها فويل له. إنّما كان هذا قبل أن تنزل الزّكاة. فلمّا أنزلت جعلها الله طهورا للأموال. ثمّ التفت فقال: ما أبالي لو كان لي أحد ذهبا، أعلم عدده وأزكّيه، وأعمل فيه بطاعة الله- ) * «٧» . ٩-* (عن سعيد بن المسيّب- ﵀ قال: كتب إلىّ بعض إخواني من أصحاب رسول الله ﷺ أن ضع أمر أخيك على أحسنه ما لم يأتك ما

стр. 3409

يغلبك، ولا تظنّنّ بكلمة خرجت من امريء مسلم شرّا وأنت تجد لها في الخير محملا، ومن عرّض نفسه للتّهم فلا يلومنّ إلّا نفسه، ومن كتم سرّه كانت الخيرة في يده، وما كافيت من عصى الله تعالى فيك بمثل أن تطيع الله تعالى فيه) * «١» . ١٠-* (قال الحسن البصريّ- ﵀ عملوا لله بالطّاعات، واجتهدوا فيها وخافوا أن تردّ عليهم. إنّ المؤمن جمع إيمانا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنا) * «٢» . ١١-* (سئل الحسن البصريّ ما برّ الوالدين؟ قال: أن تبذل لهما ما ملكت، وأن تطيعهما فيما أمراك به، إلّا أن يكون معصية) * «٣» . ١٢-* (قال بعض السّلف: لمّا قدم سليمان ابن عبد الملك المدينة المنوّرة، وهو يريد مكّة المكرّمة أرسل إلى أبي حازم فدعاه، فلمّا دخل عليه، قال له سليمان: يا أبا حازم، ما لنا نكره الموت؟ قال: لأنّكم خرّبتم آخرتكم وعمّرتم الدّنيا، فكرهتم أن تنتقلوا من العمران إلى الخراب، قال: أيّ المؤمنين أكيس؟ قال: رجل عمل بطاعة الله ودعا النّاس إليها. قال: فأيّ المؤمنين أخسر؟ قال: رجل أخطأ في هوى أخيه وهو ظالم فباع آخرته بدنيا غيره، قال سليمان: ماذا تقول فيما نحن فيه؟ قال: أو تعفيني؟ قال: لا. ولكن نصيحة تلقيها إليّ، قال: يا أمير المؤمنين، إنّ آباءك قهروا النّاس بالسّيف وأخذوا هذا الملك عنوة من غير مشورة من المسلمين ولا رضى منهم حتّى قتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقد ارتحلوا فلو شعرت ما قالوا وما قيل لهم؟. فقال له رجل من جلسائه: بئسما قلت. قال أبو حازم. إنّ الله ﵎ قد أخذ الميثاق على العلماء ليبيّننّه للنّاس ولا يكتمونه. قال: فكيف لنا نصلح هذا الفساد، فقال: أن تأخذه من حلّه فتضعه في حقّه، فقال سليمان: ومن يقدر عليه؟. قال: من يطلب الجنّة ويخاف النّار. فقال: ادع لي. قال أبو حازم: اللهمّ إن كان سليمان وليّك فيسّر له خير الدّنيا والآخرة، وإن كان عدوّك فخذ بناصيته إلى ما تحبّ وترضى. فقال سليمان: أوصني. قال: عظّم ربّك ونزّهه أن يراك حيث ينهاك، أو يفقدك حيث أمرك) * «٤» . ١٣-* (عن الزّهريّ- ﵀ قال: إنّ عمر ابن الخطّاب- ﵁ تلا هذه الآية: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا قال: استقاموا والله لله بطاعته ولم يروغوا «٥» روغان الثّعالب) * «٦» . ١٤-* (قال عبد الله بن المبارك- ﵀: أيضمن لي فتى ترك المعاصي ... وأرهنه الكفالة بالخلاص أطاع الله قوم فاستراحوا ... ولم يتجرّعوا غصص المعاصي ) * «٧» .

стр. 3410

١٥-* (قال أبو البختريّ- ﵀: لوددت أنّ الله تعالى يطاع وأنّي عبد مملوك) * «١» . ١٦-* (عن عبد الله بن المبارك، في ذكر شروط التّوبة، قال: النّدم، والعزم على عدم العود، وردّ المظلمة، وأداء ما ضيّع من الفرائض، وأن يعمد إلى البدن الّذي ربّاه بالسّحت، فيذيبه بالهمّ والحزن حتّى ينشأ له لحم طيّب، وأن يذيق نفسه ألم الطّاعة، كما أذاقها لذّة المعصية) * «٢» . ١٧-* (قال طلق بن حبيب: التّقوى عمل بطاعة الله، رجاء رحمة الله، على نور من الله، والتّقوى ترك معصية الله، مخافة عقاب الله، على نور من الله) * «٣» . ١٨-* (قال مالك- ﵀: بلغني أنّ عمر بن الخطّاب قال: إنّي لأضطجع على فراشي فما يأتيني النّوم، وأقوم إلى الصّلاة، فما تتوجّه إليّ القراءة من اهتمامي بأمر النّاس. قال مالك: يريد أن يطاع الله ولا يعصى الله) * «٤» . ١٩-* (سئل أبو حمزة الشّيبانيّ عن الإخوان في الله- فقال: المتعاونون على أمر الله- وإن تفرّقت دورهم وأبدانهم) * «٥» . ٢٠-* (كتب رجل إلى أبي العتاهية: يأبا إسحاق إنّي ... واثق منك بودّك فأعنّي بأبي أن ... ت على عيبي برشدك «٦» فأجابه بقوله: أطع الله بجهدك ... راغبا أو دون جهدك فأطع مولاك ما تطلب من طاعة عبدك) * «٧» . ٢١-* (قال الحسن- ﵁ في قوله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ قال: أي من طاعتي) * «٨» . ٢٢-* (قال محمود الورّاق: هذا الدّليل لمن أرا ... د غنى يدوم بغير مال وأراد عزّا لم توطّده العشائر بالقتال ومهابة من غير سلطان وجاها في الرّجال فليعتصم بدخوله ... في عزّ طاعة ذي الجلال وخروجه من ذلّ معصية له في كلّ حال) * «٩» . ٢٣-* (قال شاه الكرمانيّ: علامة صحّة الرّجاء حسن الطّاعة) * «١٠» . ٢٤-* (قال أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الأندلسيّ لنفسه: إذا كنت أعلم علما يقينا ... بأنّ جميع حياتي كساعةْ

стр. 3411

فلم لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعه) * «١» . ٢٥-* (قال أبو العتاهية: وإذا تناسبت الرّجال، فما أرى ... نسبا يقاس بصالح الأعمال وإذا بحثت عن التّقيّ وجدته ... رجلا يصدّق قوله بفعال وإذا اتّقى الله امرؤ وأطاعه ... فيداه بين مكارم ومعال ) * «٢» . ٢٦-* (قال الشّاعر: تعصي الإله وأنت تظهر حبّه ... هذا محال في القياس بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع ) * «٣» . ٢٧-* (قال ابن القيّم- ﵀: من أعجب الأشياء أن تعرفه ثمّ لا تحبّه، وأن تسمع داعيه ثمّ تتأخّر عن الإجابة. وأن تعرف قدر الرّبح في معاملته ثمّ تعامل غيره. وأن تعرف قدر غضبه ثمّ تتعرّض له. وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثمّ لا تطلب الأنس بطاعته. وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثمّ لا تشتاق إلى انشراح الصّدر بذكره ومناجاته. وأن تذوق العذاب عند تعلّق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعمى الإقبال عليه والإنابة إليه) * «٤» . ٢٨-* (وقال- ﵀ أيضا: إذا علقت شروش «٥» . المعرفة في أرض القلب نبتت فيه شجرة المحبّة، فإذا تمكّنت وقويت أثمرات الطّاعة، فلا تزال الشّجرة تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها) * «٦» . ٢٩-* (وقال- ﵀: مثال تولّد الطّاعة ونموّها وتزايدها كمثل نواة غرستها فصارت شجرة ثمّ أثمرات فأكلت ثمرها وغرست نواها فكلّما أثمر منها شيء جنيت ثمره وغرست نواه وكذلك تداعي المعاصي، فليتدبّر اللّبيب هذا المثال) * «٧» . ٣٠-* (قال ابن القيّم- ﵀: قال أكثر المفسّرين في قوله تعالى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها (الأعراف/ ٥٦) أي لا تفسدوا فيها بالمعاصي، والدّعاء إلى غير طاعة الله، بعد إصلاح الله لها ببعث الرّسل، وبيان الشّريعة، والدّعاء إلى طاعة الله، فإنّ عبادة غير الله والدّعوة إلى غيره والشّرك به. هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنّما هو بالشّرك به ومخالفة أمره، فالشّرك والدّعوة إلى غير الله وإقامة معبود غيره ومطاع متّبع غير رسول الله ﷺ هو أعظم فساد في الأرض، ولا صلاح لها ولا لأهلها إلّا بأن يكون الله وحده هو المعبود المطاع،

стр. 3412

والدّعوة له لا لغيره والطّاعة والاتّباع لرسوله ليس إلّا، وغيره إنّما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرّسول ﷺ فإذا أمر بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، ومن تدبّر أحوال العالم وجد كلّ صلاح في الأرض فسببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكلّ شرّ في العالم وفتنة وبلاء وقحط وتسليط عدوّ وغير ذلك فسببه: مخالفة رسوله، والدّعوة إلى غير الله ورسوله) * «١» . ٣١-* (قال ابن ضبارة- ﵀: إنّا نظرنا فوجدنا الصّبر على طاعة الله تعالى أهون من الصّبر على عذاب الله تعالى) * «٢» . ٣٢-* (قال الشّاعر: إذا كنت في نعمة فارعها ... فإنّ الذّنوب تزيل النّعم وحطها بطاعة ربّ العبا ... د فربّ العباد سريع النّقم وإيّاك والظّلم مهما استطع ... ت فظلم العباد شديد الوخم وسافر بقلبك بين الورى ... لتبصر آثار من قد ظلم ) * «٣» . من فوائد (الطاعة) (١) الفوز بالجنّة، والنّجاة من النّار. (٢) علامة على صلاح العبد واستقامته. (٣) تورث هداية في القلب. (٤) تثمر محبّة الله ورضاه. (٥) بها تدفع النّقم، وتجلب النّعم. (٦) حصن حصين من أخطار المعاصي والذّنوب. (٧) علامة على حسن الخاتمة. (٨) صمام أمن للبيوت وعمارة لها. (٩) دليل اليقين وعلامة التّصديق بالدّين. (١٠) اتّباع للرّسول الكريم ﷺ .

стр. 3413

طلاقة الوجه الطلاقة لغة: الطّلاقة في اللّغة مصدر قولهم: طلق وجهه إذا كان ضاحكا مستبشرا، وهو مأخوذ من مادّة (ط ل ق) الّتي تدلّ على التّخلية والإرسال، يقال من هذا الأصل: انطلق الرّجل انطلاقا: ذهب، ورجل طلق الوجه وطليقه: أي فرح ظاهر البشر، كأنّه منطلق، وهو ضدّ الباسر؛ لأنّ الباسر «١» الّذي لا يكاد يهشّ ولا ينفسح ببشاشة، ويقال: طلق يده بخير وأطلق بمعنى، ورجل طلق اليدين والوجه وطليقهما: سمحهما وفي الحديث: «أفضل الإيمان أن تكلّم أخاك وأنت طليق» أي مستبشر منبسط الوجه ومنه الحديث أن تلقاه بوجه طلق. ويوم طلق: بيّن الطّلاقة، وليلة طلق أيضا، وليلة طلقة: مشرق لا برد فيه ولا حرّ ولا مطر ولا قرّ، والطّالق: النّاقة ترسل ترعى حيث شاءت، وتقول: هذا أمر ما تطّلق له نفسي، أي لا الآيات/ الأحاديث/ الآثار -/ ٩/ ٢ تنشرح له، ويقال: طلّق السّليم (أي اللّديغ) إذا سكن وجعه بعد العداد، وقال أبو زيد: الطّليق: المتهلّل البسّام، إذا لم يكن كالحا. ويجمع طلق على طلقات، ولا يقال: أوجه طوالق إلّا في الشّعر خاصّة. ويقال: لقيته منطلق الوجه (بفتحة ثمّ كسرة) إذا أسفر. ويقال للرّجل السّخيّ: طلق الوجه «٢» . طلاقة الوجه اصطلاحا: انفساحه بالبشاشة وهشاشته عند اللّقاء بحيث لا يكون كالحا ولا باسرا «٣» . [للاستزادة: البشاشة- التودد- حسن السمت- السرور- البشارة- حسن المعاملة- الرضا- التفاؤل- حسن الظن- حسن العشرة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: العبوس- الجفاء- الحزن- التطير- الغضب- سوء الظن- سوء الخلق- سوء المعاملة] .

стр. 3414

الأحاديث الواردة في (طلاقة الوجة) ١-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قال لي النّبيّ ﷺ : «لا تحقرنّ من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق «١» » ) * «٢» . ٢-* (عن بريدة الأسلميّ- ﵁ قال: إنّ النّبيّ ﷺ ، كان لا يتطيّر من شيء، وكان إذا بعث عاملا سأل عن اسمه. فإذا أعجبه اسمه فرح به ورؤي بشر ذلك في وجهه، وإن كره اسمه رؤي كراهية ذلك في وجهه. وإذا دخل قرية سأل عن اسمها، فإن أعجبه اسمها فرح بها، ورؤي بشر ذلك في وجهه. وإن كره اسمها رؤي كراهية ذلك في وجهه» ) * «٣» . ٣-* (عن أبي ذرّ الغفاريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «تبسّمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرّجل في أرض الضّلال لك صدقة وبصرك للرّجل الرّديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشّوكة والعظم عن الطّريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة» ) * «٤» . ٤-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظيّ إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: إنّي كنت عند رفاعة فطلّقني فبتّ طلاقي «٥» فتزوّجت عبد الرّحمن بن الزّبير، وإنّما معه مثل هدبة الثّوب، فتبسّم رسول الله ﷺ ، وقال: «تريدين أن ترجعي إلى رفاعة، لا، حتّى تذوقي عسيلته «٦» ويذوق عسيلتك» ، وأبو بكر عند رسول الله ﷺ ، وخالد بن سعيد بن العاص على الباب ينتظر أن يؤذن له فسمع كلامها فقال: يا أبا بكر ألا تسمع هذه ما تجهر به عند رسول الله ﷺ وقال مرّة: ما نرى هذه ترفث عند رسول الله ﷺ » ) * «٧» . ٥-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: شهدت من المقداد بن الأسود مشهدا لأن أكون صاحبه أحبّ إليّ ممّا عدل به: أتى النّبيّ ﷺ وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى (اذهب أنت وربّك فقاتلا) ولكنّا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرأيت النّبيّ ﷺ . أشرق وجهه، وسرّه- يعني قوله-) * «٨» . ٦-* (عن جرير بن عبد الله- ﵁ قال: لمّا بعث النّبيّ ﷺ أتيته، فقال: «يا جرير لأيّ شيء جئت؟» قال: جئت لأسلم على يديك يا رسول الله. قال: فألقى إليّ كساءه، ثمّ أقبل على أصحابه،

стр. 3415

وقال: «إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه» وقال: وكان لا يراني بعد ذلك إلّا تبسّم في وجهي) * «١» . ٧-* (كان النّبيّ ﷺ أكثر النّاس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجّبا ممّا تحدّثوا به وخلطا لنفسه بهم، ولربّما ضحك حتّى تبدو نواجذه. قال الحافظ العراقيّ: حديث «كان أكثر النّاس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجّبا مما تحدّثوا به وخلطا لنفسه بهم» أخرجه التّرمذيّ في الشّمائل من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء. ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ . وفي الصّحيحين من حديث جرير من حديث عليّ: يضحك ممّا تضحكون منه ويتعجّب ممّا تعجبون منه، ومسلم من حديث جابر بن سمرة: كانوا يتحدّثون في أمر الجاهليّة فيضحكون ويتبسّم» ) * «٢» . ٨-* (أخرج التّرمذيّ في الشّمائل: كان ضحك أصحابه عنده التّبسّم اقتداء به وتوقيرا له) * «٣» . ٩-* (كان النّبيّ ﷺ ، إذا سرّ ورضي فهو أحسن النّاس رضا) * «٤» . من الآثار الواردة في (طلاقة الوجه) ١-* (قال أبو جعفر بن صهبان- رحمه الله تعالى-: «كان يقال: أوّل المودّة طلاقة الوجه، والثّانية التّودّد، والثّالثة قضاء حوائج النّاس» ) * «٥» . ٢- قال بعض الحكماء: من جاد لك بمودّته، فقد جعلك عديل نفسه. فأوّل حقوقه اعتقاد مودّته، ثمّ إيناسه بالانبساط إليه في غير محرّم، ثمّ نصحه في السّرّ والعلانية، ثمّ تخفيف الأثقال عنه، ثمّ معاونته فيما ينوبه من حادثة، أو يناله من نكبة، فإنّ مراقبته في الظّاهر نفاق، وتركه في الشّدّة لؤم» ) * «٦» . من فوائد (طلاقة الوجه) (١) تثمر المحبّة بين المسلمين. (٢) تبعث الاطمئنان في اللّقاء بين المسلمين. (٣) تعين على مناصحة الإخوان. (٤) فيها مرضاة للرّبّ. (٥) فيها تأسّ بسيّد الخلق ﷺ .

стр. 3416

الطمأنينة الطمأنينة لغة: هي الاسم من الاطمئنان الّذي هو مصدر قولهم: اطمأنّ الشّيء يطمئنّ إذا سكن، وذلك مأخوذ من مادّة (ط م ن) بزيادة الهمزة، يقال فيه: اطمأنّ المكان إذا ثبت واستقرّ. واطمأنّ الرّجل اطمئنانا وطمأنينة أي سكن، قال أبو إسحاق في قوله تعالى: فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ (النساء/ ١٠٣) : أي إذا سكنت قلوبكم، يقال: اطمأنّ الشّيء إذا سكن وطأمنته وطمأنته إذا سكّنته. وقوله- : الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ (الرعد/ ٢٨) معناه: إذا ذكر الله بوحدانيّته آمنوا به غير شاكّين. وقيل في تفسير قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ هي الّتي قد اطمأنّت بالإيمان وأخبتت لربّها. وقال الرّاغب: معناه: هي ألّا تصير أمّارة بالسّوء، واطمأنّ وتطامن متقاربان لفظا ومعنى «١» . الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٢/ ٢١/ ٦ الطمأنينة اصطلاحا: قال الرّاغب: الطّمأنينة: هي السّكون بعد الانزعاج، وقال الكفويّ: الطّمأنينة في الشّرع (أي عند الفقهاء) القرار بمقدار التّسبيحة في أركان الصّلاة «٢» ، وقال الحراليّ: هي الهدوء والسّكون على سواء الخلقة واعتدال الخلق «٣» ، وقال صاحب المنازل (الهرويّ) الطّمأنينة: سكون يقوّيه أمن صحيح شبيه بالعيان «٤» . الفرق بين الطمأنينة والسكينة: قال الفيروز آباديّ: الطّمأنينة والسّكينة كلّ منهما تستلزم الآخرى. لكنّ استلزام الطّمأنينة السّكينة أقوى من العكس. ثمّ إنّ الطّمأنينة أعمّ من السّكينة. وهي على درجات: طمأنينة القلب بذكر الله. وهي طمأنينة الخائف إلى الرّجاء، والطّمأنينة: سكون أمن فيه استراحة أنس. والسّكينة تكون: حينا بعد حين، والطّمأنينة لا تفارق صاحبها وكأنّها نهاية السّكينة «٥» .

стр. 3417

وذكر ابن القيّم عن صاحب المنازل أنّ بين الطّمأنينة والسّكينة فرقين: أحدهما: أنّ السّكينة صولة تورث خمود الهيبة أحيانا، والطّمأنينة: سكون أمن في استراحة أنس. والثّاني: أنّ السّكينة تكون نعتا، وتكون حينا بعد حين، والطّمأنينة لا تفارق صاحبها، ومن ثمّ تكون الطّمأنينة موجب السّكينة وأثرا من آثارها وكأنّها نهاية السّكينة «١» . درجات الطمأنينة: هي على درجات منها: الدّرجة الأولى: طمأنينة القلب بذكر الله. وهي طمأنينة الخائف إلى الرّجاء. والضّجر إلى الحكم. والمبتلى إلى المثوبة. لأنّ الخائف إذا طال عليه الخوف واشتدّ به، وأراد الله- أن يريحه، ويحمل عنه أنزل عليه السّكينة فاستراح قلبه إلى الرّجاء واطمأنّ به، وسكن لهيب خوفه. وأمّا طمأنينة الضّجر إلى الحكم: فالمراد بها: أنّ من أدركه الضّجر من قوّة التّكاليف، وأعباء الأمر وأثقاله. ولا سيّما من أقيم مقام التّبليغ عن الله. ومجاهدة أعداء الله، وقطّاع الطّريق إليه. فإنّ ما يحمله ويتحمّله فوق ما يحمله النّاس ويتحمّلونه. فلابدّ أن يدركه الضّجر ويضعف صبره. فإذا أراد الله أن يريحه ويحمل عنه: أنزل عليه سكينة. فاطمأنّ إلى حكمه الدّينيّ. وحكمه القدريّ. ولا طمأنينة له بدون مشاهدة الحكمين. وأمّا طمأنينة المبتلى إلى المثوبة. فلا ريب أنّ المبتلى إذا قويت مشاهدته للمثوبة سكن قلبه، واطمأنّ بمشاهدة العوض. وإنّما يشتدّ به البلاء إذا غاب عنه ملاحظة الثّواب. الدّرجة الثّانية: طمأنينة الرّوح في الشّوق إلى ما وعدت به بحيث لا تلتفت إلى ما وراءها، وهذا شأن كلّ مشتاق إلى محبوب وعد بحصوله، إذ تحدث الطّمأنينة بسكون نفسه إلى وعد اللّقاء والعلم بحصول الموعود به «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: السكينة- الإيمان- التقوى- الثبات- حسن السمت- الرضا- القناعة- اليقين- الإخبات- الخشوع- الخشية- الذكر- القنوت. وفي ضد ذلك: القلق- السخط- الشك- العجلة- القنوط- الجزع- الكفر- اليأس] .

стр. 3418

الآيات الواردة في «الطمأنينة» ١- وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠) «١» ٢- وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦) «٢» ٣- فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً (١٠٣) «٣» ٤- إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ قالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢) قالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ (١١٣) قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً لِأَوَّلِنا وَآخِرِنا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١٤) «٤» ٥- إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) «٥» ٦- إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ (٧) أُولئِكَ مَأْواهُمُ النَّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (٨) «٦» ٧- الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) «٧» ٨- مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ وَلكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) «٨»

стр. 3419

٩- وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) «١» ١٠- قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا (٩٥) «٢» ١١- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١١) «٣» ١٢- يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) «٤»

стр. 3420

الأحاديث الواردة في (الطمأنينة) ١-* (عن ميمونة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا سجد خوّى بيديه (يعني جنّح) حتّى يرى وضح إبطيه من ورائه. وإذا قعد اطمأنّ على فخذه اليسرى) * «١» . ٢-* (عن صفيّة بنت شيبة- ﵂ قالت: لمّا اطمأنّ رسول الله ﷺ بمكّة عام الفتح طاف على بعير يستلم الرّكن بمحجن في يده. قالت: وأنا أنظر إليه) * «٢» . ٣-* (عن أبي ثعلبة الخشنيّ- ﵁ قال: «قلت يا رسول الله أخبرني بما يحلّ لي ويحرم عليّ قال: فصعّد النّبيّ ﷺ وصوّب فيّ النّظر. فقال النّبيّ ﷺ «البرّ ما سكنت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما لم تسكن إليه النّفس. ولم يطمئنّ إليه القلب، وإن أفتاك المفتون» . وقال «لا تقرب لحم الحمار الأهليّ، ولا ذا ناب من السّباع) * «٣» . ٤-* (عن وابصة بن معبد- ﵁ قال: «أتيت رسول الله ﷺ ، وأنا أريد أن لا أدع شيئا من البرّ والإثم إلّا سألته عنه، وإذا عنده جمع، فذهبت أتخطّى النّاس، فقالوا: إليك وابصة عن رسول الله ﷺ ، إليك يا وابصة. فقلت: أنا وابصة، دعوني أدنو منه، فإنّه من أحبّ النّاس إليّ أن أدنو منه. فقال لي: ادن يا وابصة. ادن يا وابصة، فدنوت منه حتّى مسّت ركبتي ركبته. فقال: يا وابصة أخبرك ما جئت تسألني عنه، أو تسألني؛ فقلت: يا رسول الله، فأخبرني. قال جئت تسألني عن البرّ والإثم. قلت: نعم فجمع أصابعه الثّلاث. فجعل ينكت بها في صدري ويقول: يا وابصة استفت نفسك: البرّ ما اطمأنّ إليه القلب، واطمأنّت إليه النّفس. والإثم ما حاك في القلب، وتردّد في الصّدر، وإن أفتاك النّاس» ) * «٤» . ٥-* (عن أبي الحوراء السّعديّ- ﵁ قال: قلت للحسن بن عليّ ﵄ ما حفظت من رسول الله ﷺ ؟ قال: حفظت من رسول

стр. 3421

الله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك. فإنّ الصّدق طمأنينة وإنّ الكذب ريبة» ) * «١» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «نحن أحقّ بالشّك من إبراهيم إذ قال رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي (البقرة/ ٢٦٠)) * «٢» . ٧-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «يكون عليكم أمراء تطمئنّ إليهم القلوب، وتلين لهم الجلود، ثمّ يكون عليكم أمراء تشمئزّ منهم القلوب. وتقشعرّ منهم الجلود» ، فقال رجل أنقاتلهم يا رسول الله؟ قال: «لا ما أقاموا الصّلاة» ) * «٣» . ٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال. أقبل نبيّ الله ﷺ إلى المدينة وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف ونبيّ الله ﷺ شابّ «٤» لا يعرف، قال: فيلقى الرّجل أبا بكر فيقول: يا أبا بكر! من هذا الرّجل الّذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرّجل يهديناي إلى السّبيل، فيحسب الحاسب أنّه إنّما يهديه الطّريق وإنّما يعني سبيل الخير، فالتفت أبو بكر فإذا هو بفارس قد لحقهم فقال: يا نبيّ الله هذا فارس قد لحق بنا. قال: فالتفت نبيّ الله ﷺ فقال: «اللهمّ اصرعه» فصرعته فرسه، ثمّ قامت تحمحم قال: ثمّ قال: يا نبيّ الله مرني بما شئت. قال: «قف مكانك لا تتركنّ أحدا يلحق بنا» قال: فكان أول النّهار جاهدا على نبيّ الله ﷺ وكان آخر النّهار مسلحة «٥» له. قال فنزل نبيّ الله ﷺ جانب الحرّة ثمّ بعث إلى الأنصار فجاؤا نبيّ الله ﷺ فسلّموا عليهما وقالوا: اركبا آمنين مطمئنّين. قال: فركب نبيّ الله ﷺ وأبو بكر وخفروا حولهما بالسّلاح. قال فقيل بالمدينة جاء نبيّ الله فاستشرفوا نبيّ الله ﷺ ينظرون إليه ويقولون: جاء نبيّ الله، فأقبل يسير حتّى جاء إلى جانب دار أبي أيّوب، قالوا: فإنّه ليحدّث أهلها إذ سمع به عبد الله بن سلام وهو في نخل لأهله يخترف «٦» لهم منه، فعجل أن يضع الّذي يخترف فيها، فجاء وهي معه، فسمع من نبيّ الله ﷺ فرجع إلى أهله، فقال رسول الله ﷺ : «أيّ بيوت أهلنا أقرب؟» قال: فقال أبو أيّوب أنا يا نبيّ الله هذه داري، وهذا

стр. 3422

بابي، قال: «فانطلق فهيّأ لنا مقيلا، ثمّ جاء. فقال: يا نبيّ الله قد هيّأت لكم مقيلا، فقوما على بركة الله فقيلا. فلمّا جاء نبيّ الله ﷺ جاء عبد الله بن سلام فقال، أشهد أنّك رسول الله حقّا، وأنّك جئت بحقّ، ولقد علمت اليهود أنّي سيّدهم وابن سيّدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، فادعهم فاسألهم فدخلوا عليه فقال لهم نبيّ الله ﷺ يا معشر اليهود، ويلكم اتّقوا الله، فو الّذي لا إله إلّا هو إنّكم لتعلمون أنّي رسول الله حقّا، وأنّي جئتكم بحقّ. أسلموا» . قالوا ما نعلمه ثلاثا) * «١» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ دخل المسجد، فدخل رجل فصلّى، ثمّ جاء فسلّم على رسول الله ﷺ . فردّ رسول الله ﷺ السّلام. قال: «ارجع فصلّ. فإنّك لم تصلّ» . فرجع الرّجل فصلّى كما كان صلّى. ثمّ جاء إلى النّبيّ ﷺ فسلّم عليه. فقال رسول الله ﷺ : «وعليك السّلام» ، ثمّ قال: «ارجع فصلّ. فإنّك لم تصلّ» . حتّى فعل ذلك ثلاث مرّات. فقال الرّجل: والّذي بعثك بالحقّ ما أحسن غير هذا. علّمني. قال: «إذا قمت إلى الصّلاة فكبّر. ثمّ اقرأ ما تيسّر معك من القرآن. ثمّ اركع حتّى تطمئنّ راكعا، ثمّ ارفع حتّى تعتدل قائما، ثمّ اسجد حتّى تطمئنّ ساجدا. ثمّ ارفع حتّى تطمئنّ جالسا، ثمّ افعل ذلك في صلاتك كلّها» ) * «٢» . الأحاديث الواردة في (الطمأنينة) معنى ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «الإيمان يمان، والكفر قبل المشرق، والسّكينة في أهل الغنم. والفخر والرّياء في الفدّادين «٣» أهل الخيل والوبر» ) * «٤» . ١١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّه دفع مع النّبيّ ﷺ يوم عرفة فسمع النّبيّ ﷺ وراءه زجرا «٥» شديدا وضربا وصوتا للإبل، فأشار بسوطه إليهم وقال: «أيّها النّاس، عليكم بالسّكينة، فإنّ البرّ ليس بالإيضاع «٦» » ) * «٧» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «إذا أقيمت الصّلاة فلا تأتوها تسعون. وأتوها تمشون. وعليكم السّكينة،

стр. 3423

فما أدركتم فصلّوا، وما فاتكم فأتمّوا» ) * «١» . ١٣-* (عن جابر بن سمرة- ﵄ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال «مالي أراكم رافعي أيديكم كأنّها أذناب «٢» خيل شمس «٣» ؟ اسكنوا في الصّلاة» ، قال: ثمّ خرج علينا فرآنا حلقا «٤» . فقال: «مالي أراكم عزين «٥» ؟» ، قال: ثمّ خرج علينا فقال: «ألا تصفّون كما تصفّ الملائكة عند ربّها؟» . فقلنا: يا رسول الله وكيف تصفّ الملائكة عند ربّها؟ قال: «يتمّون الصّفوف الأول، ويتراصّون في الصّفّ» ) * «٦» . ١٤-* (عن البراء- ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل التّراب- وقد وارى التّراب بياض بطنه- وهو يقول: لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزل السّكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا «٧» . ١٥-* (عن البراء- ﵁ قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف. وعنده فرس مربوط بشطنين «٨» فتغشّته سحابة. فجعلت تدور وتدنو. وجعل فرسه ينفر منها. فلمّا أصبح أتى النّبيّ ﷺ فذكر ذلك له، فقال: «تلك السّكينة تنزّلت للقرآن» ) * «٩» . ١٦-* (عن أبي قتادة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا تقوموا حتّى تروني، وعليكم السّكينة» ) * «١٠» . ١٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر، يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدّنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما، سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه» ) * «١١» . ١٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يسّروا ولا تعسّروا وسكّنوا ولا تنفّروا» ) * «١٢» .

стр. 3424

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (الطمأنينة) ١٩-* (عن عائشة- ﵂ أنّها قالت: أوّل ما بدأ به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّادقة في النّوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءته مثل فلق الصّبح. فكان يأتي حراء فيتحنّث فيه- وهو التّعبّد- اللّيالي ذوات العدد. ويتزوّد لذلك ثمّ يرجع إلى خديجة فتزوّده لمثلها. حتّى فجئه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فيه فقال: اقرأ. فقال له النّبيّ ﷺ : «ما أنا بقارىء» فأخذني فغطّني «١» حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارىء. فأخذني فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارئ» فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني. فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ حتّى بلغ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق/ ١- ٥) . فرجع بها ترجف بوادره «٢» حتّى دخل على خديجة. فقال: زمّلوني، زمّلوني «٣» » فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع. فقال: «يا خديجة! مالي؟» ، وأخبرها الخبر. وقال: «قد خشيت على نفسي» فقالت له كلّا. أبشر. فو الله لا يخزيك الله أبدا. إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ «٤» ، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ ثمّ انطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد ابن عبد العزّى بن قصيّ،- وهو ابن عمّ خديجة أخي أبيها، وكان امرآ تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العربيّ، فيكتب بالعربيّة من الإنجيل ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي ابن عمّ، اسمع من ابن أخيك. فقال ورقة: ابن أخي! ماذا ترى؟. فأخبره النّبيّ ﷺ ما رأى. فقال ورقة: هذا النّاموس الّذي أنزل على موسى، يا ليتني فيها جذعا «٥» ، أكون حيّا حين يخرجك قومك. فقال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» . فقال ورقة: نعم، لم يأت رجل قطّ بما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا. ثمّ لم ينشب «٦» ورقة أن توفّي، وفتر الوحي فترة حتّى حزن النّبيّ ﷺ فيما بلغنا- حزنا غدا منه مرارا كي يتردّى من رؤوس شواهق الجبال، فكلّما أوفى بذروة جبل لكي يلقي منه نفسه تبدّى له جبريل فقال: يا محمّد! إنّك رسول الله حقّا. فيسكن لذلك جأشه «٧» وتقرّ نفسه فيرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل فقال له مثل ذلك) * «٨» .

стр. 3425

٢٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: خسفت «١» الشّمس في عهد رسول الله ﷺ فقام رسول الله ﷺ يصلّي. فأطال القيام جدّا، ثمّ ركع فأطال الرّكوع جدّا، ثمّ رفع رأسه فأطال القيام جدّا، وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع فأطال الرّكوع جدّا، وهو دون الرّكوع الأوّل، ثمّ سجد، ثمّ قام فأطال القيام، وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع فأطال الرّكوع، وهو دون الرّكوع الأوّل، ثمّ رفع رأسه فقام، فأطال القيام، وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع فأطال الرّكوع، وهو دون الرّكوع الأوّل، ثمّ سجد. ثمّ انصرف رسول الله ﷺ وقد تجلّت الشّمس، فخطب النّاس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثمّ قال: «إنّ الشّمس والقمر من آيات الله وإنّهما لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فكبّروا وادعوا الله وصلّوا وتصدّقوا. يا أمّة محمّد! إن من أحد أغير من الله «٢» أن يزني عبده أو تزني أمته. يا أمّة محمّد، والله لو تعلمون ما أعلم «٣» لبكيتم كثيرا ولضحكتم قليلا. ألا هل بلّغت؟» ) * «٤» . ٢١-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ليلة فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء، قلنا: وما هممت؟ قال: هممت أن أقعد وأذر النّبيّ ﷺ » ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (الطمأنينة) ١-* (قال مالك بن أنس- ﵀: «حقّ على من طلب العلم أن يكون له وقار وسكينة وخشية. والعلم حسن لمن رزق خيره» ) * «٦» . ٢-* (قال بشير «٧» بن كعب: «مكتوب في الحكمة: إنّ من الحياء وقارا، وإنّ من الحياء سكينة» ) * «٨» . ٣-* (عن قتادة في قوله تعالى وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ (الرعد/ ٢٨) . قال: هشّت إليه واستأنست به» وقال السّدّيّ في قوله تعالى أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (الرعد/ ٢٨) : تسكن القلوب» ) * «٩» . ٤-* (عن مجاهد في قوله تعالى: يا أَيَّتُهَا

стр. 3426

النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (الفجر/ ٢٧) قال: «الّتي أيقنت بأنّ الله ربّها» ) * «١» . ٥-* (أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن- ﵁ في قوله تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (الفجر/ ٢٧) قال: «إنّ الله إذا أراد قبض عبده المؤمن اطمأنّت النّفس إليه، واطمأنّ إليها، ورضيت عن الله، ورضي الله عنها أمر بقبضها فأدخلها الجنّة وجعلها من عباده الصّالحين» ) * «٢» . ٦-* (عن قتادة في قوله تعالى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ قال: هذا المؤمن اطمأنّ إلى ما وعد الله» ) * «٣» . من فوائد (الطمأنينة) (١) أثر من آثار هداية القلب. (٢) ركن من أركان الصّلاة لا تتمّ إلّا بها. (٣) ثناء الله على النّفوس المطمئنّة ورضاه عنها. (٤) سبب من أسباب سعادة الإنسان ودليل فلاحه. (٥) طريق موصل إلى الجنّة. (٦) دليل اليقين وصحّة الدّين. (٧) دليل الوقار. (٨) الطّمأنينة دليل اتّصاف المرء بالحياء وكفى بالحياء خلقا حميدا. (٩) الطّمأنينة عند الموت دليل رضا الله- وبشرى لصاحبها بدخول الجنّة.

стр. 3427

الطموح الطّموح لغة: مصدر قولهم: طمح يطمح، وهو مأخوذ من مادّة (ط م ح) الّتي تدلّ على علوّ في الشّيء، يقال طمح ببصره إلى الشّيء: علا، وكلّ مرتفع مفرط في تكبّر طامح، ويقال في المصدر أيضا طماح مثل جماح، يقال: فرس فيه طماح، وطمحت المرأة مثل جمحت، فهي طامح أي تطمح إلى الرّجال، وفي حديث قيلة: كنت إذا رأيت رجلا ذا قشر طمح بصري إليه، أي امتدّ وعلا، ومنه أيضا الحديث الآخر: فخرّ إلى الأرض فطمحت عيناه إلى السّماء، ويقال أطمح فلان بصره أي رفعه، قال الجوهريّ: وقال بعضهم طمح، أي أبعد في الطّلب ورجل طمّاح: بعيد الطّرف، والطّماح أيضا: الكبر والفخر لارتفاع صاحبه «١» . الطّموح اصطلاحا: لم تذكر كتب الاصطلاحات الّتي وقفنا عليها تعريفا للطّموح ويمكن أن نستخلص ذلك من جملة ما ذكره اللّغويّون وشرّاح الحديث، فنقول: الطّموح: هو أن الآيات/ الأحاديث/ الآثار -/ ٢/ ١٣ ينزع الإنسان إلى معالي الأمور ويعمل على تغيير حاله إلى ما هو أسمى وأنفع، وكلّما نال مرتبة نظر إلى ما فوقها، ولا يكون ذلك محمودا إلّا إذا وافق الشّرع الحنيف. الطّموح في طلب العلم: قال الشّيخ الخضر حسين- ﵀: «وممّا جبل عليه الحرّ الكريم، أن لا يقنع من شرف الدّنيا والآخرة بشيء ممّا انبسط له، أملا فيما هو أسنى منه درجة وأرفع منزلة «٢» . وفي هذا المعنى يقول الشّاعر: والحرّ لا يكتفي من نيل مكرمة ... حتّى يروم «٣» الّتي من دونها العطب «٤» يسعى به أمل من دونه أجل ... إن كفّه رهب يستدعه رغب لذاك ما سال موسى ربّه أرني ... أنظر إليك وفي تساله عجب يبغي التّزيّد فيما نال من كرم ... وهو النّجيّ لديه الوحي والكتب «٥» إنّ معالي الأمور وعرة المسالك محفوفة بالمكاره،

стр. 3428

والعلم أرفع مقام تطمح إليه الهمم، وأشرف غاية تتسابق إليها الأمم، فلا يخلص إليه الطّالب دون أن يقاسي شدائد، ويحتمل متاعب، ولا يستهين بالشّدائد إلّا كبير الهمّة ماضي العزيمة. كان سعيد بن المسيّب يسير اللّيالي في طلب الحديث الواحد، ورحل أبو أيّوب الأنصاريّ من المدينة إلى عقبة بن عامر وهو في مصر ليروي عنه حديثا، فقدم مصر ونزل عن راحلته ولم يحلّ رحلها، فسمع منه الحديث وركب راحلته وقفل إلى المدينة راجعا، ولم ينتشر العلم في بلاد المغرب أو الأندلس إلّا برجال رحلوا إلى الشّرق ولاقوا في رحلاتهم عناء ونصبا، مثل أسد بن الفرات وأبي الوليد الباجيّ وأبي بكر بن العربيّ. وخلاصة المقال: تذكير النّبهاء من نشئنا بأن يقبلوا على العلم بهمم كبيرة صيانة للوقت من أن ينفق في غير فائدة، وعزم يبلى الجديدان وهو صارم صقيل، وحرص لا يشفي غليله إلّا أن يغترف من موارد العلوم بأكواب طافحة، وغوص في البحث لا تحول بينه وبين نفائس العلوم وعورة المسلك ولا طول مسافة الطّريق، وألسنة مهذّبة لا تقع في لغو أو مهاترة «١» » «٢» . الفرق بين الطّموح وعلو الهمة: إذا كان كلّ من الطّموح وعلوّ الهمّة يشتركان في الهدف والغاية، أي تطلّب المعالي، فإنّهما قد يختلفان في الوسيلة والباعث، إذ الباعث في علوّ الهمّة قد يكون الأنفة من خمول الضّعة أو الاستنكار لمهانة النّقص، أمّا الباعث على الطّموح فهو نزوع النّفس دائما نحو الأعلى والأرقى، ومن حيث الوسيلة نجد أنّ الطّموح قد يجنح بصاحبه إلى الغلوّ والإسراف على النّفس أو الغير، أمّا علوّ الهمّة فلا يسلك صاحبها إلّا الدّروب الشّريفة الّتي تتّفق مع مباديّ الشّرع الحنيف. [للاستزادة: انظر صفات: علو الهمة- الشجاعة- الشرف- النبل- القوة والشدة- الرجولة- العزم والعزيمة- قوة الإرادة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: صغر الهمة- التهاون- الجبن- الوهن- الذل- الضعف- الكسل- التفريط والإفراط.

стр. 3429

الأحاديث الواردة في (الطموح) معنى ١-* (عن الحسن بن عليّ- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله- تعالى- يحبّ معالي الأمور وأشرافها، ويكره سفسافها «١» » ) * «٢» . ٢-* (عن سعد بن أبي وقّاص- ﵁ قال: رأيت أخي عمير بن أبي وقّاص قبل أن يعرضنا رسول الله ﷺ يوم بدر يتوارى «٣» ، فقلت: ما لك يا أخي؟ قال: إنّي أخاف أن يراني رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردّني، وأنا أحبّ الخروج لعلّ الله أن يرزقني الشّهادة. قال: فعرض على رسول الله ﷺ فردّه، فبكى فأجازه. فكان سعد- ﵁ يقول: فكنت أعقد حمائل «٤» سيفه من صغره، فقتل وهو ابن ستّ عشرة سنة) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (الطموح) ١-* (أخرج الطّبرانيّ عن ابن عمر- ﵄ أنّ عمر- ﵁ قال يوم أحد لأخيه: خذ درعي يا أخي. قال: أريد من الشّهادة مثل الّذي تريد، فتركاها جميعا) * «٦» . ٢-* (عن سليمان بن بلال- ﵁: أنّ رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى بدر أراد سعد بن خيثمة وأبوه جميعا الخروج معه، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فأمر أن يخرج أحدهما. فاستهما «٧» ، فقال خيثمة بن الحارث لابنه سعد- ﵄: إنّه لابدّ لأحدنا من أن يقيم، فأقم مع نسائك، فقال سعد: لو كان غير الجنّة لآثرتك به، إنّي أرجو الشّهادة في وجهي هذا، فاستهما، فخرج سهم سعد؛ فخرج مع رسول الله ﷺ إلى بدر، فقتله عمرو بن عبد ودّ) * «٨» . ٣-* (قال معاوية لعمرو بن العاص: «من طلب عظيما خاطر بعظيمته» . وكان عمرو يقول: «عليكم بكلّ أمر مزلقة مهلكة. أي عليكم بجسام الأمور» ) * «٩» . ٤-* (عن دكين الرّاجز قال: «أتيت عمر بن

стр. 3430

عبد العزيز بعد ما استخلف أستنجز منه وعدا كان وعدنيه وهو والي المدينة فقال لي: يا دكين، إنّ لي نفسا توّاقة «١» ، لم تزل تتوق إلى الإمارة، فلمّا نلتها تاقت إلى الخلافة. فلمّا نلتها تاقت إلى الجنّة» ) * «٢» . ٥-* (عن عبّاد بن عبد الله بن الزّبير عن أبيه- ﵄ قالا: حدّثني أبي الّذي أرضعني- وكان أحد بني مرّة بن عوف- وكان في تلك الغزوة «غزوة مؤتة» قال: والله لكأنّي أنظر إلى جعفر- ﵁ حين اقتحم عن فرس له «شقراء» ثّمّ عقرها، ثمّ قاتل القوم حتّى قتل وهو يقول: يا حبّذا الجنّة واقترابها ... طيّبة وبارد شرابها والرّوم روم قد دنا عذابها ... كافرة بعيدة أنسابها عليّ إذ لاقيتها ضرابها «٣» ) * «٤» . ٦- قيل للعتّابيّ: فلان بعيد الهمّة، قال: إذن لا يكون له غاية دون الجنّة) * «٥» . ٧-* (نظر رجل إلى أبي دلف في مجلس المأمون فقال: إنّ همّته ترمي به وراء سنّه) * «٦» . ٨-* (قال مالك بن عمارة اللّخميّ: كنت جالسا في ظلّ الكعبة أيّام الموسم عند عبد الملك بن مروان وقبيصة بن ذؤيب، وعروة بن الزّبير، وكنّا نخوض في الفقه مرّة، وفي المذاكرة مرّة، وفي أشعار العرب وأمثال النّاس مرّة، فكنت لا أجد عند أحد ما أجده عند عبد الملك بن مروان من الاتّساع في المعرفة، والتّصرّف في فنون العلم، وحسن استماعه إذا حدّث، وحلاوة لفظه إذا حدّث، فخلوت معه ليلة فقلت له، والله إنّي لمسرور بك لما شاهدته من كثرة تصرّفك وحسن حديثك، وإقبالك على جليسك، فقال: إن تعش قليلا فسترى العيون طامحة إليّ والأعناق نحوي متطاولة، فإذا صار الأمر إليّ فلعلّك أن تنقل إليّ ركابك، فلأملأنّ يديك. فلمّا أفضت إليه الخلافة توجّهت إليه فوافيته يوم الجمعة وهو يخطب على المنبر، فلمّا رآني أعرض عنّي فقلت: لعلّه لم يعرفني، أو عرفني وأظهر لي نكرة، فلمّا قضيت الصّلاة ودخل بيته لم ألبث أن خرج الحاجب، فقال: أين مالك بن عمارة. فقمت فأخذ بيدي وأدخلني عليه فمدّ إليّ يده وقال: إنّك تراءيت لي في موضع لا يجوز فيه إلّا ما رأيت، فأمّا الآن فمرحبا، وأهلا، كيف كنت بعدي، فأخبرته، فقال لي: أتذكر ما كنت قلت لك؟ قلت: نعم، فقال: والله ما هو بميراث وعيناه، ولا أثر رويناه، ولكنّي أخبرك بخصال منّي سمت بها نفسي إلى الموضع الّذي ترى. ما خنت ذا ودّ قطّ، ولا شمتّ بمصيبة عدوّ قطّ، ولا أعرضت عن محدّث حتّى ينتهي حديثه، ولا قصدت كبيرة من محارم الله تعالى متلذّذا بها. فكنت أؤمّل بهذه أن يرفع الله تعالى منزلتي، وقد فعل ثمّ دعا بغلام له، فقال: يا غلام بوّئه منزلا في الدّار، فأخذ الغلام بيدي، وأفرد لي منزلا حسنا،

стр. 3431

فكنت في ألذّ حال وأنعم بال، وكان يسمع كلامي، وأسمع كلامه، ثمّ أدخل عليه في وقت عشائه وغدائه فيرفع منزلتي، ويقبل عليّ ويحادثني ويسألني مرّة عن العراق، ومرّة عن الحجاز، حتّى مضت عشرون ليلة، فتغدّيت يوما عنده، فلمّا تفرّق النّاس نهضت قائما، فقال: على رسلك، فقعدت، فقال: أيّ الأمرين أحبّ إليك: المقام عندي مع النّصفة لك في المعاشرة، أو الرّجوع إلى أهلك ولك الكرامة؟ فقلت: يا أمير المؤمنين فارقت أهلي وولدي على أنّي أزور أمير المؤمنين، وأعود إليهم فإن أمرني أمير المؤمنين اخترت رؤيته على الأهل والولد، فقال: لا بل أرى لك الرّجوع إليهم، والخيار لك بعد في زيارتنا، وقد أمرنا لك بعشرين ألف دينار كسوة، وحملناك، أتراني قد ملأت يديك؟ فلا خير فيمن ينسى إذا وعد وعدا، وزرنا إذا شئت، صحبتك السّلامة) * «١» . ٩-* (قال الشّاعر: رأيت عرابة الأوسيّ يسمو ... إلى الخيرات منقطع القرين إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقّاها عرابة باليمين ) * «٢» . ١٠- قال القاضي عليّ بن عبد العزيز الجرجانيّ: يقولون لي فيك انقباض وإنّما ... رأوا رجلا عن موقف الذّلّ أحجما «٣» أرى النّاس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزّة النّفس أكرما ولم أقض حقّ العلم إن كان كلّما ... بدا طمع صيّرته لي سلّما وما كلّ برق لاح لي يستفزّني ... ولا كلّ من لاقيت أرضاه منعما إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكنّ نفس الحرّ تحتمل الظّما أنهنهها «٤» عن بعض ما لا يشينها «٥» ... مخافة أقوال العدا فيم أولما؟ ولم أبتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت، لكن لا أخدما أأشقى به غرسا وأجنيه ذلّة ... إذن فاتّباع الجهل قد كان أحزما ولو أنّ أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظّموه في النّفوس لعظّما ولكن أهانوه فهان ودنّسوا ... محيّاه «٦» بالأطماع حتّى تجهّما ) * «٧» .

стр. 3432

١١-* (قال الشّاعر: وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام ) * «١» . ١٢-* (قال الشّاعر: سافر إذا حاولت قدرا ... سار الهلال فصار بدرا والماء يكسب ما جرى ... طيبا ويخبث ما استقرّا وبنقلها الدّرر النّفيسة ... بدّلت بالبحر نحرا ) * «٢» . ١٣-* (وقال آخر: لا يدرك المجد من لا يركب الخطرا ... ولا ينال العلا من قدّم الحذرا ومن أراد العلا صفوا بلا كدر ... قضى ولم يقض من إدراكه وطرا وأحزم النّاس من لو مات من ظمأ ... لا يقرب الورد حتّى يعرف الصّدرا «٣» ) * «٤» . من فوائد (الطموح) ١- دليل شرف النّفس ونبلها. ٢- يكسب معالي الأمور وعظائمها. ٣- ينزّه النّفس عن سفاسف الأمور. ٤- يكسب النّشاط في طلب العلم. ٥- يرفع الصّغير ويسمو بالحقير.

стр. 3433

الطهارة الطهارة لغة: مصدر قولهم: طهر الشّيء طهرا وطهارة وهو مأخوذ من مادّة (ط هـ ر) الّتي تدلّ على نقاء وزوال دنس، يقال طهر وطهر (بالفتح والضّمّ) ، طهرا وطهارة (المصدران عن سيبويه) ، وقال الرّاغب: يقال: طهرت المرأة وطهرت والفتح أقيس لأنّها خلاف طمثت ويقال في المؤنّث طاهرة (بالتّاء) ، وطهّرته بالماء، نظّفته به، ويقال طهّرته فتطهّر وطهر واطّهّر فهو طاهر ومتطهّر. عن ابن الأعرابيّ وأنشد: أضعت المال للأحساب حتّى ... خرجت مبرّأ طهر الثّياب والطّهر، نقيض الحيض. والطّهر: نقيض النّجاسة، والجمع أطهار. واسم الماء: الطّهور. وكلّ ماء نظيف: طهور، وماء طهور أي يتطهّر به وكلّ طهور طاهر، وليس كلّ طاهر طهورا. قال الأزهريّ: وكلّ ما قيل في قوله- وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (الفرقان/ ٤٨) فإنّ الطّهور في اللّغة: هو الطّاهر المطهّر؛ لأنّه لا يكون طهورا إلّا وهو يتطهّر به. الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٦/ ٦٢/ ١٣ وقال ابن الأثير: الطّهور بالضّم: التّطهّر وبالفتح: الماء الّذي يتطهّر به. والطّهارة: اسم يقوم مقام التّطهّر بالماء. التّطهّر والتّطهير: التّنزّه والكفّ عن الإثم وما لا يجمل، ورجل طاهر الثّياب أي منزّه. وهم قوم يتطهّرون أي يتنزّهون عن الأدناس ورجل طهر الخلق وطاهره، والأنثى طاهرة. والتّوبة الّتي تكون بإقامة الحدّ، كالرّجم وغيره: طهور للمذنب تطهّره تطهيرا، وقد طهّره الحدّ. وطهّر فلان ولده إذا أقام سنّة ختانه «١» . واصطلاحا: قال الرّاغب: الطّهارة ضربان: طهارة جسم وطهارة نفس، ولكلّ معناه الاصطلاحيّ فطهارة النّفس: ترك الذّنب والعمل للصّلاح وتنقية النّفس من المعايب. وطهارة الجسم: رفع حدث أو إزالة نجس أو ما في معناهما وعلى صورتهما «٢» . وقال المناويّ: الطّهارة شرعا صفة حكميّة توجب أن تصحّح للموصوف صحّة الصّلاة به أو فيه

стр. 3434

أو معه «١» . وقال الجرجانيّ: الطّهارة في الشّرع: عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة بصفة مخصوصة «٢» . من معاني كلمة «الطهارة» في القرآن الكريم: قال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى-: ذكر أهل التّفسير أنّ الطّهارة في القرآن على أوجه: (١) الطّهارة من الذّنوب، ومنه قوله تعالى في براءة: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها التوبة/ ١٠٣) . وفي المجادلة فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ (المجادلة/ ١٢) . (٢) الطّهارة من الأوثان، ومنه قوله تعالى في البقرة: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ (البقرة/ ١٢٥) ومثلها في الحجّ. (٣) ومنها: الحلال، ومنه قوله تعالى في هود: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ (هود/ ٧٨) أي أحلّ. (٤) ومنها: طهارة القلب من الرّيبة، ومنه قوله تعالى في البقرة: ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ (البقرة/ ٢٣٢) يريد: أطهر لقلب الرّجل والمرأة من الرّيبة، وفي الأحزاب ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ (الأحزاب/ ٥٣) أي من الرّيبة والدّنس. (٥) ومنها: الطّهارة من الفاحشة، ومنه قوله تعالى في آل عمران يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ (آل عمران/ ٤٢) «٣» . أنواع الطهارة: قال شيخ الإسلام ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: الطّهارة أنواع: (١) منها الطّهارة من الكفر والفسوق، كما يراد بالنّجاسة ضدّ ذلك كقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (التوبة/ ٢٨) . (٢) ومنها: الطّهارة من الحدث وضدّ هذه نجاسة الحدث. (٣) ومنها: الطّهارة من الأعيان الخبيثة الّتي هي نجسة «٤» . قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: المراد من قوله تعالى وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (المدثر/ ٤) الآية تعمّ كلّ ما ذكره ابن تيميّة سابقا، إن كان طهارة القلب، فطهارة الثّوب، وطيب مكسبه تكميل لذلك، فإنّ خبث الملبس يكسب القلب هيئة خبيثة، كما أنّ خبث المطعم يكسبه ذلك، ولذلك حرّم ما حرّم من اللّباس، لما تكسب القلب من الهيئة المشابهة لتلك الحيوانات الّتي تلبس جلودها، فإنّ الملابسة الظّاهرة تسري إلى الباطن. والمقصود أنّ طهارة الثّوب وكونه من مكسب طيّب وهو من تمام طهارة القلب وكمالها، فإن كان المأمور به ذلك فهو وسيلة مقصودة لغيرها. فالمقصود لنفسه أولى أن يكون مأمورا به، وإن كان المأمور به طهارة القلب وتزكية النّفس، فلا يتمّ إلّا بذلك. والله

стр. 3435

سبحانه بحكمته جعل الدّخول إلى جنّته موقوفا على الطّيب والطّهارة، فلا يدخلها إلّا طيّب طاهر، فهما طهارتان: طهارة البدن، وطهارة القلب «١» . قال الفيروز آباديّ- رحمه الله تعالى-: الطّهارة ضربان: جسمانيّة، ونفسانيّة وحمل عليهما عامّة الآيات. وقوله تعالى وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (المائدة/ ٦) أي استعملوا الماء أو ما يقوم مقامه. وقال تعالى وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ ... (البقرة/ ٢٢٢) . وقوله تعالى: وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا (آل عمران/ ٥٥) . أي مخرجك من جملتهم ومنزّهك أن تفعل فعلهم. وقيل في قوله تعالى: لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (الواقعة/ ٧٩) يعني به تطهير النّفس أي إنّه لا يبلغ حقائق معرفته إلّا من يطهّر نفسه من درن الفساد والجهالات والمخالفات. وقوله تعالى وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ (البقرة/ ٢٥) أي مطهّرات من درن الدّنيا وأنجاسها. وقيل من الأخلاق السّيّئة، بدلالة قوله تعالى وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ قيل معناه: نفسك نزّهها عن المعايب. وقيل: طهّره عن الأغيار (يعني القلب) ، وتطهّر من الإثم: تنزّه منه. وهو طاهر الثّياب: نزه من مدانس الأخلاق «٢» . وقال الجرجانيّ: الطّاهر من عصمه الله- تعالى- من المخالفات وطاهر الظّاهر: من عصمه الله- تعالى- من المعاصي. وطاهر الباطن: من عصمه الله تعالى من الوساوس والهوامس. وطاهر السّرّ: من لا يغافل عن الله- تعالى- طرفة عين. وطاهر السّرّ والعلانية: من قام بتوفية حقوق الحقّ والخلق جميعا لسعته برعاية الجانبين «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: الإيمان- التقوى- التوبة- الصلاة- النزاهة- العبادة- الحياء- الوقاية- الصدقة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: النجاسة- الخبث- ترك الصلاة- البذاذة- الإهمال- الكسل- التفريط والإفراط- اتباع الهوى- التهاون] .
следующие страницы →