← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

وتعالى- وسنّة نبيّنا ﷺ ، فأعجبت النّبيّ ﷺ ، وفرح بها ثمّ أقبل علينا رجلا رجلا يعرضنا على من يعلّمنا وعلّمنا، فمنّا، من علم التّحيّات وأمّ الكتاب والسّورة والسّورتين والسّنن، فأقبل علينا بوجهه فقال: «هل معكم من أزوادكم» . ففرح القوم بذلك، وابتدروا رواحلهم، فأقبل كليب- رجل منهم- معه صرّة من تمر فوضعها على نطع بين يديه وأومأ بجريدة في يده كان يتخصّر بها فوق الذّراع ودون الذّراعين فقال: تسمّون هذا التّعضوض «١» » قلنا: نعم. ثمّ أومأ إلى صرّة أخرى. فقال: «تسمّون هذا الصّرفان «٢» » . قلنا: نعم. ثمّ أومأ إلى صرّة أخرى. فقال: «تسمّون هذا البرنيّ «٣» » قلنا: نعم، فقال النّبيّ ﷺ : «أما إنّه من خير تمركم وأنفعه لكم» قال: فرجعنا من وفادتنا تلك فأكثرنا الغرز منه وعظمت رغبتنا فيه حتّى صار أعظم نخلنا وتمرنا البرنيّ. قال: فقال الأشجّ: يا رسول الله، إنّ أرضنا أرض ثقيلة وخمة «٤» وإنّا إذا لم نشرب هذه الأشربة هيّجت ألواننا وعظمت بطوننا. فقال رسول الله ﷺ : لا تشربوا في الدّبّاء والحنتم والنّقير «٥» ، وليشرب أحدكم على سقاء يلاث على فيه «٦» » . فقال له الأشجّ: بأبي وأمّي يا رسول الله، رخّص لنا في مثل هذه، وأومأ بكفّيه. فقال: يا أشجّ، إنّي إن رخّصت لك في مثل هذه،. وقال بكفّيه هكذا- شربته في مثل هذه وفرّج بين يديه وبسطهما- يعني أعظم منها حتّى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمّه فهزر «٧» ساقه بالسّيف» . وكان في القوم رجل من بني عقيل يقال له الحارث قد هزرت ساقه في شراب لهم في بيت من الشّعر تمثّل به في امرأة منهم، فقام بعض أهل ذلك البيت فهزر ساقه بالسّيف، فقال الحارث: لمّا سمعتها من رسول الله ﷺ جعلت أسدل ثوبي فأغطّي الضّربة بساقي، وقد أبداها لنبيّه ﷺ * «٨» .

стр. 4097

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (المروءة) ١٢-* (عن سهل- ﵁ أنّ امرأة جاءت النّبيّ ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها. أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشّملة. قال: نعم. قالت: نسجتها بيدي، فجئت لأكسوكها، فأخذها النّبيّ ﷺ محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنّها إزاره، فحسّنها فلان، فقال: اكسنيها، ما أحسنها!. قال القوم: ما أحسنت. لبسها النّبيّ ﷺ محتاجا إليها، ثمّ سألته وعلمت أنّه لا يردّ. قال: إنّي والله ما سألته لألبسها، إنّما سألته لتكون كفني. قال: سهل فكانت كفنه) * «١» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: بعث النّبيّ ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النّبيّ ﷺ ، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي خير. يا محمّد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فترك حتّى كان الغد، ثمّ قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتّى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي ما قلت لك. فقال: «أطلقوا ثمامة» . فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثمّ دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله. يا محمّد، والله، ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ. والله، ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدّين إليّ. والله، ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ. وإنّ خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشّره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر. فلمّا قدم مكّة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمّد رسول الله ﷺ ، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتّى يأذن فيها النّبيّ ﷺ * «٢» . ١٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد، فلمّا أدركته القائلة «٣» وهو في واد كثير العضاه «٤» فنزل تحت شجرة واستظلّ بها وعلّق سيفه، فتفرّق النّاس في الشّجر يستظلّون. وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله ﷺ فجئنا. فإذا أعرابيّ قاعد بين يديه، فقال: «إنّ هذا أتاني وأنا نائم، فاخترط سيفي «٥» ، فاستيقظت وهو قائم على رأسي مخترط سيفي صلتا «٦» ، قال: ما يمنعك منّي؟ قلت: الله، فشامه «٧» ثمّ قعد، فهو هذا. قال: ولم يعاقبه رسول الله ﷺ * «٨» .

стр. 4098

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المروءة) ١-* (عن يحيى بن سعيد أنّ عمر بن الخطّاب، قال: «كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفرّ عن أبيه وأمّه، والجريء يقاتل عمّا لا يؤوب «١» به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف «٢» والشّهيد من احتسب نفسه على الله» ) * «٣» . ٢-* (كتب عمر بن الخطّاب- ﵁ إلى أبي موسى الأشعريّ- ﵁: «خذ النّاس بالعربيّة، فإنّه يزيد في العقل، ويثبت المروءة» ) * «٤» . ٣-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّه قال: «لا تصغرنّ هممكم، فإنّي لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم» ) * «٥» . ٤-* (قال عليّ بن أبي طالب- ﵁ لابنه الحسن في وصيّته له: «يا بنيّ، إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، ولا تكن عبد غيرك، وقد جعلك الله حرّا، فإنّ اليسير من الله تعالى أكرم وأعظم من الكثير من غيره، وإن كان كلّ منه كثيرا» ) * «٦» . ٥-* (حكي أنّ معاوية سأل عمرا «٧» ﵄ عن المروءة؟ فقال: تقوى الله تعالى وصلة الرّحم. وسأل المغيرة؟ فقال: هي العفّة عمّا حرّم الله تعالى، والحرفة فيما أحلّ الله تعالى. وسأل يزيد؟ فقال: هي الصّبر على البلوى، والشّكر على النّعمى، والعفو عند المقدرة «٨» . فقال معاوية: أنت منّي حقّا» ) * «٩» . ٦-* (قال زياد لبعض الدّهاقين «١٠» : «ما المروءة فيكم؟ قال: اجتناب الرّيب فإنّه لا ينبل مريب، وإصلاح الرّجل ماله فإنّه من مروءته، وقيامه بحوائجه وحوائج أهله فإنّه لا ينبل من احتاج إلى أهله ولا من احتاج أهله إلى غيره» ) * «١١» . ٧-* (وقيل: «لا مروءة لمن لا أدب له، ولا أدب لمن لا عقل له» ) * «١٢» . ٨-* (وقال بعض الشّعراء:

стр. 4099

وكنت إذا صحبت رجال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا وأبصر ما يعيبهم بعين ... عليها من عيوبهم غطاء أريد رضاهم أبدا وآتي ... مشيئتهم وأترك ما أشاء ) * «١» . ٩-* (سئل محمّد بن عليّ عن المروءة، فقال: «أن لا تعمل عملا في السّرّ تستحيي منه في العلانية» ) * «٢» . ١٠-* (قال مسروق،: «كان يقال: مجالسة أهل الدّيانة تجلو عن القلب صدأ الذّنوب، ومجالسة ذوي المروءات تدلّ على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تذكّي القلوب» ) * «٣» . ١١-* (سئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال: «صدق اللّسان، ومواساة الإخوان، وذكر الله تعالى في كلّ مكان» ) * «٤» . ١٢-* (وقال مرّة: «العفّة والحرفة» ) * «٥» . ١٣-* (قال أبو حاتم البستيّ- ﵀ بعد أن ساق حديث «كرم المومن دينه، ومروءته عقله» صرّح النّبيّ ﷺ في هذا الخبر: «بأنّ المروءة هي العقل: أي اسم يقع على العلم بسلوك الصّواب واجتناب الخطإ» وقال: فالواجب على العاقل: أن يلزم إقامة المروءة بما قدر عليه من الخصال المحمودة وترك الخلال المذمومة» ) * «٦» . ١٤-* (وقال ﵀: «الواجب على العاقل تفقّد الأسباب المستحقرة عند العوامّ من نفسه حتّى لا يثلم «٧» مروءته، فإنّ المحقّرات ضدّ المروءات تؤذي الكامل في الحال بالرّجوع القهقرى إلى مراتب العوامّ وأوباش «٨» النّاس» ) * «٩» . ١٥-* (قال الماورديّ: «وأمّا الإسعاف في النّوائب فلأنّ الأيام غادرة، والنّوازل غائرة، والحوادث عارضة، والنّوائب راكضة. والإسعاف في النّوائب نوعان: واجب وتبرّع. فأمّا الواجب فيما اختصّ بثلاثة أصناف وهم الأهل والإخوان والجيران ... فيجب من حقوق المروءة وشروط الكرم في هؤلاء الثّلاثة تحمّل أثقالهم وإسعافهم في نوائبهم. وأمّا التّبرّع ففيمن عدا هؤلاء الثّلاثة من البعداء» ) * «١٠» . ١٦-* (وقال: «اعلم أنّ من شواهد الفضل ودلائل الكرم المروءة الّتي هي حلية النّفوس، وزينة الهمم» ) * «١١» .

стр. 4100

١٧-* (وقال أيضا: «شرف النّفس مع صغر الهمّة أولى من علوّ الهمّة مع دناءة النّفس، لأنّ من علت همّته مع دناءة نفسه كان متعدّيا إلى طلب ما لا يستحقّه، ومتخطّيا إلى التماس مالا يستوجبه. ومن شرفت نفسه مع صغر همّته فهو تارك لما يستحقّ، ومقصّر عمّا يجب له، وفضل ما بين الأمرين ظاهر، وإن كان لكلّ واحد منهما من الذّمّ نصيب» ) * «١» . ١٨-* (وقال: «أمّا شرف النّفس فإنّ به يكون قبول التّأديب واستقرار التّقويم والتّهذيب، لأنّ النّفس ربّما جمحت عن الأفضل وهي به عارفة ونفرت عن التّأديب وهي له مستحسنة، لأنّها عليه غير مطبوعة، وله غير ملائمة فتصير منه أنفر، ولضدّه الملائم آثر» ) * «٢» . ١٩-* (قال الحصين بن المنذر الرّقاشيّ: إنّ المروءة ليس يدركها امرؤ ... ورث المكارم عن أب فأضاعها أمرته نفس بالدّناوة والخنا ... ونهته عن سبل العلا فأطاعها فإذا أصاب من المكارم خلّة ... يبني الكريم بها المكارم باعها ) * «٣» . ٢٠-* (يقول شيخ الأزهر السّابق محمّد الخضر حسين: «وتنتظم المروءة أخلاقا سنيّة وآدابا مضيئة، ورسوخ هذه الأخلاق والآداب في النّفس يحتاج إلى صبر ومجاهدة ودقّة ملاحظة وسلامة ذوق) * «٤» . ٢١-* (قال وحيد الدّين خان في كتابه «البعث الإسلاميّ» : «إنّ هؤلاء الّذين نشأوا في جزيرة العرب، وشبّوا في الكثبان الرّمليّة والصّحارى القاحلة الجدباء، كانوا يتمتّعون بميزات يمكن تلخيصها في كلمة واحدة هي المروءة» ) * «٥» . ٢٢-* (قال حافظ إبراهيم: إنّي لتطربني الخلال كريمة ... طرب الغريب بأوبة وتلاقي وتهزّني ذكرى المروءة والنّدى ... بين الشّمائل هزّة المشتاق ) * «٦» . ٢٣-* (وقال بعضهم: «من حقوق المروءة وشروطها مالا يتوصّل إليه إلّا بالمعاناة، ولا يوقف عليه إلّا بالتّفقّد والمراعاة. فثبت أنّ مراعاة النّفس على أفضل أحوالها هي المروءة، وإذا كانت كذلك فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها إلّا من تسهّلت عليه المشاقّ رغبة في الحمد، وهانت عليه الملاذّ حذرا من الذّمّ، ولذلك قيل: سيّد القوم أشقاهم» ) * «٧» . ٤٢-* (قيل لبعض الحكماء: ما أصعب شيء

стр. 4101

على الإنسان؟ قال: «أن يعرف نفسه، ويكتم الأسرار فإذا اجتمع الأمران واقترن بشرف النّفس علوّ الهمّة كان الفضل بهما ظاهرا، والأدب بهما وافرا، ومشاقّ الحمد بينهما مسهّلة، وشروط المروءة بينهما متينة» ) * «١» . ٢٥-* (قال بعضهم: الكامل المروءة من حصّن دينه، ووصل رحمه، وأكرم إخوانه) * «٢» . ٢٦-* (سئل بعض الحكماء عن الفرق بين العقل والمروءة، فقال «العقل يأمرك بالأنفع، والمروءة تأمرك بالأجمل» وقال الماورديّ «ولن تجد الأخلاق على ما وصفنا من حدّ المروءة منطبعة، ولا عن المراعاة مستغنية، وإنّما المراعاة هي المروءة لا ما انطبعت عليه من فضائل الأخلاق، لأنّ غرور الهوى ونازع الشّهوة يصرفان النّفس أن تركب الأفضل من خلائقها، والأجمل من طرائقها، وإن سلمت منها، وبعيد أن تسلم إلّا لمن استكمل شرف الأخلاق طبعا، واستغنى عن تهذيبها تكلّفا وتطبّعا» ) * «٣» . ٢٧-* (قال أحدهم: إذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلا عليه عسير ) * «٤» . ٢٨-* (قال بعض الشّعراء: إذا أنت لم تعرف لنفسك حقّها ... هوانا بها كانت على النّاس أهونا فنفسك أكرمها وإن ضاق مسكن ... عليك لها فاطلب لنفسك مسكنا وإيّاك والسّكنى بمنزل ذلّة ... يعدّ مسيئا فيه من كان محسنا ) * «٥» . من فوائد (المروءة) (١) تعلّم الإنصاف والصّدق والاحتمال والصّبر. (٢) تبعد المسلم عمّا يكره الله والمسلمون. (٣) رفع الهمم للملمّات، والتّرفّع عن المحقّرات. (٤) شكر المنعم على ما أنعم. (٥) التّحلّي بالحزم عند العزم والعفو عند المقدرة. (٦) تكسب الإنسان مكارم الأخلاق. (٧) تبتعد بالإنسان عن كلّ ما يؤذي صفة الكمال في الإنسان. (٨) مساعدة الأهل والإخوان والجيران. (٩) تعلي شرف النّفس وقدرها. (١٠) تخلّص الانسان من غرور الهوى ونوازع الشّهوة. (١١) تدعو الإنسان إلى الأنفة من الخمول والكسل. (١٢) تدعو الإنسان إلى استنكار مهانة النّقص. (١٣) دعوة للإنسان إلى تجنّب الأماني بلا عمل، لأنّ التّمنّي استصغار لنعم الله تعالى. (١٤) تضفي على الإنسان عزّا، وعلى المجتمع ترابطا.

стр. 4102

المسارعة في الخيرات المسارعة لغة: مصدر قولنا: سارع فلان إلى كذا، وهو مأخوذ من مادّة (س ر ع) الّتي تدلّ على خلاف البطء، ومنه قول العرب: لسرعان ما صنعت كذا، أي ما أسرع ما صنعته، وأمّا السّرع من الكرم فهو أسرع ما يطلع منه» «١» . وقال الجوهريّ: يقال: سرع سرعا مثل صغر صغرا فهو سريع، وقولهم «سرعان ذا خروجا» ، وسرعان وسرعان ثلاث لغات، أي سرع ذا خروجا، وأسرع القوم، إذا كانت دوابّهم سراعا» «٢» . وقال الفيروزاباديّ: السّرعة ضدّ البطء، وتستعمل في الأجسام والأفعال يقال: سرع فهو سريع، وأسرع فهو مسرع، كما يقال: سير سريع، وفرس سريع، والمصدر من سرع هو السّرعة، والسّراعة والسّرع «٣» ، وسارع إلى الخير وتسارع «٤» (بمعنى) ، قال تعالى: أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (المؤمنون/ ٦١) الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٨/ ٢٠/ ٢٨ يسارعون أي يسابقون من سابقهم إليها «٥» ، وقريء يسرعون في الخيرات، أي يكونون سراعا إليها، أمّا سابقون في الآية الكريمة فقد ذكر القرطبيّ أنّ المراد السّبق إلى أوقاتها، وكلّ من تقدّم في شيء فهو سابق إليه، وكلّ من تأخّر عنه فقد سبقه وفاته، ومن ثمّ تكون اللّام في «لها» بمعنى إلى كما جاء في قوله بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحى لَها (الزلزلة/ ٥) أي إليها «٦» . وسرعان النّاس: أوائلهم الّذين يتسارعون إلى الشّيء، ويقبلون عليه بسرعة، ويجوز فيها تسكين الرّاء، والمساريع، جمع مسراع، وهو الشّديد الإسراع في الأمور، وهو من أبنية المبالغة «٧» ، والمتسرّع: المبادر إلى الشّرّ، يقال تسرّع إلى الشّرّ، والمسرع: السّريع إلى خير أو شرّ، وسارع إلى الأمر كأسرع إليه، وسارع إلى كذا وتسرّع إليه بمعنى «٨» ، والمسارعة إلى الشّيء المبادرة إليه «٩» ، والفرق بين السّرعة والإسراع أنّ الإسراع فيه

стр. 4103

طلب وتكلّف، وأمّا السّرعة فكأنّها غريزة، يقال: أسرع أي طلب ذلك من نفسه وتكلّفه كأنّه أسرع المشي أي عجّله، وأمّا سرع فلان، فالمعنى أنّ السّرعة فيه طبع وسجيّة «١» ، أمّا قول الله : وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (آل عمران/ ١٣٣) فالمعنى سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطّاعة، وقيل أداء الفرائض، وقيل الإخلاص، وقيل: التّوبة من الرّبا، وقيل: الثّبات في القتال، وقيل غير هذا، قال القرطبيّ: والآية عامّة في الجميع، ومعناها معنى اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (البقرة/ ١٤٨) الّتي تتضمّن الحثّ والاستعجال على جميع الطّاعات بالعموم» «٢» . المسارعة في الخيرات اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات- الّتي وقفنا عليها- «المسارعة» في الخيرات مصطلحا، ويمكن أن نعرّف ذلك من خلال ما كتبه اللّغويّون والمفسّرون فنقول: المسارعة في الخيرات: هي المبادرة إلى الطّاعات والسّبق إليها والاستعجال في أدائها وعدم الإبطاء فيها أو تأخيرها. المسارعة والمسابقة والمبادرة: هذه الألفاظ الثّلاثة متقاربة المعنى إلى حدّ كبير، ومع أنّ بينها فروقا في الاستعمال في كثير من السّياقات، إلّا أنّ بينها ما يسمّيه بعض اللّغويّين بالتّرادف الجزئيّ ويراد به أن يستعمل اللّفظان أو الألفاظ استعمالا واحدا في بعض السّياقات دون بعضها الآخر، والألفاظ الثّلاثة (المسارعة- المسابقة- المبادرة) من هذا القبيل، أي إنّها عند الاقتران بالخيرات أو العمل الصّالح يكون لها المعنى نفسه، وقد كثر لفظ «المبادرة» في الحديث الشّريف، ولفظ المسارعة في القرآن الكريم، أمّا المسابقة فقد وردت فيهما على سواء، ومن الألفاظ الحديثيّة الّتي تؤدّي معنى المسارعة أو المبادرة، لفظ التّبكير وخاصّة إذا اقترن بأداء الصّلاة. [للاستزادة: انظر صفات: الإغاثة- البر- بر الوالدين- التعاون على البر والتقوى- الطاعة- العبادة- الإحسان- الكرم- المروءة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإهمال- البخل- التخاذل- التفريط والإفراط- التهاون- الشح- الإعراض- اتباع الهوى] .

стр. 4104

الآيات الواردة في «المسارعة في الخيرات» ١-* لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٤) «١» ٢- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٣٠) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢) * وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (١٣٦) «٢» ٣- وَزَكَرِيَّا إِذْ نادى رَبَّهُ رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْداً وَأَنْتَ خَيْرُ الْوارِثِينَ (٨٩) فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كانُوا يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَيَدْعُونَنا رَغَباً وَرَهَباً وَكانُوا لَنا خاشِعِينَ (٩٠) «٣» ٤- إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ (٦١) «٤»

стр. 4105

الآيات الواردة في «المسارعة إلى الخيرات» معنى ٥- لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨) «١» ٦- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) «٢» ٧- قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٤) «٣» ٨-* وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (١٤١) «٤» ٩- قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) «٥» ١٠- وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣) «٦» ١١- وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٠٠) «٧» ١٢- فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ

стр. 4106

تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) «١» ١٣- ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) «٢» ١٤- قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) «٣» ١٥- وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠) «٤» ١٦- اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) «٥» ١٧- لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) «٦» ١٨- إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ (٢٢) عَلَى الْأَرائِكِ يَنْظُرُونَ (٢٣) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (٢٥) خِتامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذلِكَ فَلْيَتَنافَسِ الْمُتَنافِسُونَ (٢٦) «٧»

стр. 4107

الأحاديث الواردة في (المسارعة في الخيرات) ١-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: أقبل النّبيّ ﷺ عام الفتح وهو مردف أسامة على القصواء- ومعه بلال وعثمان بن طلحة- حتّى أناخ عند البيت، ثمّ قال لعثمان: ائتنا بالمفتاح، فجاءه بالمفتاح ففتح له الباب، فدخل النّبيّ ﷺ وأسامة وبلال وعثمان، ثمّ أغلقوا عليه الباب، فمكث نهارا طويلا، ثمّ خرج، وابتدر النّاس الدّخول فسبقتهم، فوجدت بلالا قائما من وراء الباب، فقلت له: أين صلّى رسول الله ﷺ ؟ فقال: صلّى بين ذينك العمودين المقدّمين، وكان البيت على ستّة أعمدة سطرين، صلّى بين العمودين من السّطر المقدّم، وجعل باب البيت خلف ظهره، واستقبل بوجهه الّذي يستقبلك حين تلج البيت، بينه وبين الجدار. قال: ونسيت أن أسأله كم صلّى. وعند المكان الّذي صلّى فيه مرمرة حمراء» ) * «١» . ٢-* (عن أبي موسى- ﵁ أنّ أسماء لمّا قدمت لقيها عمر بن الخطّاب- رضي الله تعالى عنه- في بعض طرق المدينة فقال: آلحبشيّة هي؟ قالت: نعم. فقال: نعم القوم أنتم لولا أنّكم سبقتم بالهجرة، فقالت هي لعمر: كنتم مع رسول الله ﷺ يحمل راجلكم، ويعلّم جاهلكم، وفررنا بديننا، أما إنّي لا أرجع حتّى أذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فرجعت إليه، فقالت له، فقال النّبيّ ﷺ : «بل لكم الهجرة مرّتين؛ هجرتكم إلى المدينة، وهجرتكم إلى الحبشة» ) * «٢» . ٣-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن نتصدّق، فوافق ذلك مالا، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، قال: فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : «ما أبقيت لأهلك؟ قلت: مثله، وأتى أبو بكر بكلّ ما عنده، فقال: يا أبا بكر: ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: والله لا أسبقه إلى شيء أبدا» ) * «٣» . ٤-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ قال: مرّ رسول الله ﷺ وأنا معه وأبو بكر على عبد الله ابن مسعود وهو يقرأ، فقام فسمع قراءته، ثمّ ركع عبد الله وسجد، قال: فقال رسول الله ﷺ «سل تعطه» قال: ثمّ مضى رسول الله ﷺ وقال: «من سرّه أن يقرأ القرآن غضّا كما أنزل فليقرأه من ابن أمّ عبد» . قال: فأدلجت إلى عبد الله بن مسعود لأبشّره بما قال رسول الله ﷺ ، قال: فلمّا ضربت الباب، أو قال: لمّا سمع صوتي قال: ما جاء بك هذه السّاعة؟ قلت: جئت لأبشّرك بما قال رسول الله ﷺ ، قال: قد سبقك أبو بكر، قلت: إن يفعل فإنّه سبّاق بالخيرات، ما استبقنا خيرا قطّ إلّا سبقنا إليه أبو بكر» ) * «٤» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال:

стр. 4108

قال النّبيّ ﷺ «عرضت عليّ الأمم فأخذ النّبيّ يمرّ معه الأمّة، والنّبيّ يمرّ معه العشرة، والنّبيّ يمرّ معه الخمسة، والنّبيّ يمرّ وحده، فنظرت فإذا سواد كثير، قلت: يا جبريل هؤلاء أمّتي؟ قال: لا، ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمّتك، وهؤلاء سبعون ألفا قدّامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: كانوا لا يكتوون ولا يسترقون، ولا يتطيّرون، وعلى ربّهم يتوكّلون، فقام إليه عكّاشة بن محصن فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «اللهمّ اجعله منهم» ، ثمّ قام إليه رجل آخر فقال: ادع الله أن يجعلني منهم. قال «سبقك بها عكّاشة» ) * «١» . ٦-* (عن سهل عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنّه أمر أصحابه بالغزو، وأنّ رجلا تخلّف وقال لأهله: أتخلّف حتّى أصلّي مع رسول الله ﷺ الظّهر ثمّ أسلّم عليه وأودّعه فيدعو لي بدعوة تكون شافعة يوم القيامة. فلمّا صلّى النّبيّ ﷺ أقبل الرّجل مسلّما عليه فقال له رسول الله ﷺ «والّذي نفسي بيده لقد سبقوك بأبعد ما بين المشرقين والمغربين في الفضيلة» ) * «٢» . الأحاديث الواردة في (المسارعة في الخيرات) معنى ٧-* (عن يزيد بن الأخنس أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا تنافس بينكم إلّا في اثنتين: رجل أعطاه الله القرآن فهو يقوم به آناء اللّيل وآناء النّهار ويتّبع ما فيه فيقول رجل: لو أنّ الله تعالى أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأقوم به كما يقوم به. ورجل أعطاه الله مالا فهو ينفق ويتصدّق فيقول رجل: لو أنّ الله أعطاني مثل ما أعطى فلانا فأتصدّق به ... الحديث» ) * «٣» . ٨-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «بادروا الصّبح بالوتر» ) * «٤» . ٩-* (عن عبد الله بن شفيق قال: سألت ابن عمر عن صلاة اللّيل، فقال ابن عمر: سأل رجل النّبيّ ﷺ عن صلاة اللّيل وأنا بينهما فقال: صلاة اللّيل مثنى مثنى، فإذا خشيت الصّبح فبادر الصّبح بركعة، وركعتين قبل صلاة الغداة) * «٥» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ

стр. 4109

رسول الله ﷺ قال: بادروا بالأعمال سبعا: هل تنظرون إلّا فقرا منسيا، أو غنى مطغيا، أو مرضا مفسدا، أو هرما مفندا، أو موتا مجهزا، أو الدّجّال، فشرّ غائب ينتظر، أو السّاعة فالسّاعة أدهى وأمرّ) * «١» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: بادروا بالأعمال فتنا كقطع اللّيل المظلم، يصبح الرّجل مؤمنا ويمسي كافرا، أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدّنيا) * «٢» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «تبادروا بالأعمال ستّا: طلوع الشّمس من مغربها، والدّجّال، والدّخان، ودابّة الأرض، وخويصة أحدكم، وأمر العامّة» قال عفّان في حديثه: وكان قتادة إذا قال وأمر العامّة وأمر السّاعة.) * «٣» . ١٣-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: كان المؤذّن إذا أذّن قام ناس من أصحاب النّبيّ ﷺ يبتدرون السّواري حتّى يخرج النّبيّ ﷺ وهم كذلك يصلّون الرّكعتين قبل المغرب، ولم يكن بين الأذان والإقامة شيء، قال عثمان بن جبلة وأبو داود عن شعبة «لم يكن بينهما إلّا قليل» ) * «٤» . ١٤-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لرجل وهو يعظه: «اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحّتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» ) * «٥» . ١٥-* (عن مصعب بن سعد عن أبيه، قال الأعمش: ولا أعلمه إلّا عن رسول الله ﷺ قال: «التؤدة» «٦» في كلّ شيء إلّا في عمل الآخرة) * «٧» . ١٦-* (عن أبي عبد الرّحمن السّلميّ قال: لمّا حصر عثمان أشرف عليهم فوق داره، ثمّ قال: أذكّركم بالله هل تعلمون أنّ حراء حين انتفض، قال رسول الله ﷺ : اثبت حراء، فليس عليك إلّا نبي أو صدّيق أو شهيد؟ قالوا: نعم. قال: أذكّركم بالله، هل تعلمون أنّ رسول الله ﷺ قال في جيش العسرة: «من ينفق نفقة متقبّلة» والنّاس مجهدون معسرون فجهّزت ذلك الجيش؟ قالوا: نعم. ثمّ قال: أذكّركم بالله، هل تعلمون أنّ بئر رومة لم يكن يشرب منها أحد إلّا بثمن فابتعتها

стр. 4110

فجعلتها للغنيّ والفقير وابن السّبيل؟ قالوا: اللهمّ نعم، وأشياء عدّدها» ) * «١» . ١٧- عن محمّد بن سعد عن أبيه قال: «استأذن عمر بن الخطّاب- ﵁ على رسول الله ﷺ ، وعنده نسوة من قريش يسألنه ويستكثرنه عالية أصواتهنّ على صوته، فلمّا استأذن عمر تبادرن الحجاب، فأذن له النّبيّ ﷺ فدخل، والنّبيّ ﷺ يضحك، فقال: أضحك الله سنّك يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي. فقال: عجبت من هؤلاء اللّاتي كنّ عندي، لمّا سمعن صوتك تبادرن الحجاب. فقال: أنت أحقّ أن يهبن يا رسول الله، ثمّ أقبل عليهنّ فقال: يا عدوّات أنفسهنّ، أتهبنني ولم تهبن رسول الله ﷺ ؟ فقلن: إنّك أفظّ وأغلظ من رسول الله ﷺ ، قال رسول الله ﷺ : إيه يا ابن الخطّاب، والّذي نفسي بيده ما لقيك الشّيطان سالكا فجّا إلّا سلك فجّا غير فجّك» ) * «٢» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثمّ راح فكأنّما قرّب بدنة، ومن راح في السّاعة الثّانية فكأنّما قرّب بقرة، ومن راح في السّاعة الثّالثة فكأنّما قرّب كبشا أقرن، ومن راح في السّاعة الرّابعة فكأنّما قرّب دجاجة، ومن راح في السّاعة الخامسة فكأنّما قرّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذّكر» ) * «٣» . ١٩-* (عن أبي قلابة عن أبي المليح قال كنّا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم، فقال: بكّروا بصلاة العصر، فإنّ النّبيّ ﷺ قال: «من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله» ) * «٤» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (المسارعة في الخيرات) ٢٠-* (عن أنس- ﵁ قال: كان النّبيّ ﷺ أحسن النّاس، وأشجع النّاس، وأجود النّاس، ولقد فزع أهل المدينة، فكان النّبيّ ﷺ سبقهم على فرس، وقال: وجدناه بحرا) * «٥» .

стр. 4111

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (المسارعة في الخيرات) ١-* (عن عليّ- ﵁ قال: تقوى الله مفتاح سداد «١» ، وذخيرة معاد، وعتق من كلّ ملكة، ونجاة من كلّ هلكة، فبادروا بالأعمال عمرا ناكسا «٢» ، أو مرضا حابسا «٣» ، أو موتا خالسا «٤» ، فإنّه هادم لذّاتكم، ومباعد طيّاتكم «٥» ، زائر غير محبوب، وواتر غير مطلوب، قد أعلقتكم حبائله، وتكنّفتكم «٦» غوائله، وأقصدتكم معابله «٧» ، فيوشك أن تغشاكم دواجي ظلله، واحتدام علله، وحنادس «٨» غمراته، وغواشي سكراته، وأليم إرهاقه، ودجوّ إطباقه، وجشوبة «٩» مذاقه، فأسكت نجيّكم «١٠» ، وفرّق نديّكم، فلا تغرّنّكم الدّنيا كما غرّت من كان قبلكم من الأمم الماضية والقرون الخالية، الّذين احتلبوا درّتها «١١» ، وأصابوا عزّتها، وأفنوا عدّتها، وأخلقوا جدّتها، أصبحت مساكنهم أجداثا، وأموالهم ميراثا، فإنّها غرّارة «١٢» خدوع، معطية منوع، لا يدوم رخاؤها، ولا ينقضي عناؤها، ولا يركد بلاؤها» ) * «١٣» . ٢-* (عن ابن عبّاس في قوله أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ (المؤمنون/ ٦١) : قال: «سبقت لهم السّعادة من الله» ) * «١٤» . ٣-* (عن أبي زيد في قوله تعالى اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (البقرة/ ١٤٨) قال: فسارعوا في الخيرات) * «١٥» . ٤-* (عن سعيد بن جبير في قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (آل عمران/ ١٣٣) . يقول: سارعوا بالأعمال الصّالحة إلى مغفرة من ربّكم) * «١٦» . ٥-* (وعن أنس بن مالك في الآية قال: هي التّكبيرة الأولى) * «١٧» . ٦-* (عن ابن مسعود في الآية وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ (فاطر/ ٣٢) . قال: «يدخلون الجنّة بغير حساب» ) * «١٨» . ٧-* (وعن عمر بن الخطّاب- ﵁

стр. 4112

في الآية وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ. قال سابقنا سابق) * «١» . ٨-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ قال في الآية السّابقة وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ قال: «السّابق بالخيرات يدخل الجنّة بغير حساب» ) * «٢» . ٩-* (عن قتادة قال في الآية وَمِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ. قال: «هذا المقرّب» ) * «٣» . ١٠-* (عن ابن زيد في قوله تعالى: أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (الشعراء/ ٥١) . قال: كانوا كذلك يومئذ أوّل من آمن بآياته حين رآها) * «٤» . ١١-* (قال القرطبيّ في الآية وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ (آل عمران/ ١١٤) . الّتي يعملونها مبادرين غير متثاقلين لمعرفتهم بقدر ثوابهم. وقيل: يبادرون بالعمل قبل الفوت) * «٥» . ١٢-* (قال القرطبيّ في قوله تعالى: وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ (آل عمران/ ١٣٣) . المسارعة: المبادرة، أي سارعوا إلى ما يوجب المغفرة وهي الطّاعة) * «٦» . ١٣-* (وذكر عن عليّ بن أبي طالب في الآية السّابقة: «إلى أداء الفرائض» ، وعن عثمان بن عفّان: إلى الإخلاص. وعن الكلبيّ: إلى التّوبة من الرّبا، وقيل: إلى الثّبات في القتال) * «٧» . ١٤-* (يقول القرطبيّ في قوله تعالى اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (البقرة/ ١٤٨) . أي إلى الخيرات، أي بادروا إلى ما أمركم به الله من استقبال البيت الحرام، وإن كان يتضمّن الحثّ على المبادرة والاستعجال إلى جميع الطّاعات بالعموم. يقول: والمعنى المراد بالمبادرة بالصّلاة أوّل وقتها) * «٨» . ١٥-* (قال أبو حيّان الأندلسيّ في قوله تعالى: اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ (البقرة/ ١٤٨) هذا أمر بالتّبكير إلى فعل الخير والعمل الصّالح وناسب هذا أنّ من جعل الله له شريعة أو قبلة أو صلاة فينبغي الاهتمام بالمسارعة إليها) * «٩» . ١٦-* (قال قتادة: الاستباق في أمر الكعبة رغما لليهود بالمخالفة) * «١٠» . ١٧-* (قال ابن زيد: معناه سارعوا إلى الأعمال الصّالحة من التّوجّه إلى القبلة وغيره) * «١١» . ١٨-* (قال الزّمخشريّ: ويجوز أن يكون المعنى فاستبقوا الفاضلات من الجهات وهي الجهات المسامتة للكعبة وإن اختلفت) * «١٢» . ١٩-* (يقول أبو حيّان في قوله تعالى

стр. 4113

وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ (آل عمران/ ١١٤) : المسارعة في الخير ناشئة عن فرط الرّغبة فيه، لأنّ من رغب في أمر بادر إليه وإلى القيام به، وآثر الفور على التّراخي) * «١» . ٢٠-* (عن أنس قال: «كنّا نبكّر بالجمعة ونقيل بعد الجمعة) * «٢» . ٢١-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: إنّ للقلوب شهوة وإدبارا، فاغتنموها عند شهوتها وإقبالها، ودعوها عند فترتها وإدبارها) * «٣» . ٢٢-* (قال أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى-: كلّ شيء من الخير يبادر به) * «٤» . ٢٣-* (وقال محمّد بن نصر العابد: «وشاورته (أي الإمام أحمد) في الخروج إلى الثّغر فقال: بادر، بادر» ) * «٥» . ٢٤-* (كان الجنيد يقرأ وقت خروج روحه، فيقال له: في هذا الوقت؟! فيقول: أبادر طيّ صحيفتي) * «٦» . ٢٥-* (قال ابن الجوزيّ: من علم قرب الرّحيل عن مكّة استكثر من الطّواف، خصوصا إن كان لا يؤمّل العود لكبر سنّه وضعف قوّته، فكذلك ينبغي لمن قاربه ساحل الأجل بعلوّ سنّه أن يبادر اللّحظات، وينتظر الهاجم بما يصلح له، فقد كان في قوس الأجل منزع زمان الشّباب) * «٧» . ٢٦-* (وقال ابن الجوزيّ- أيضا-: «.. كم يضيّع الآدميّ من ساعات يفوته فيها الثّواب الجزيل، وهذه الأيّام مثل المزرعة، فكأنّه قيل للإنسان: كلّما بذرت حبّة أخرجنا لك ألف كرّ «٨» ، فهل يجوز للعاقل أن يتوقّف في البذر ويتوانى؟!» ) * «٩» . ٢٧-* (وقال ابن الجوزيّ- أيضا-: «من عجائب ما أرى من نفسي ومن الخلق كلّهم الميل إلى الغفلة عمّا في أيدينا مع العلم بقصر العمر، وأنّ زيادة الثّواب هناك بقدر العمل ههنا. فيا قصير العمر، اغتنم يومي منّي، وانتظر ساعة النّفر، وإيّاك أن تشغل قلبك بغير ما خلق له، واحمل نفسك على المرّ، واقمعها إذا أبت، ولا تسرح لها في الطّول، فما أنت إلّا في مرعى. وقبيح بمن كان بين الصّفّين أن يتشاغل بغير ما هو فيه» ) * «١٠» . ٢٨-* (وقال أيضا: « ... البدار البدار يا أرباب الفهوم، فإنّ الدّنيا معبر إلى دار إقامة، وسفر إلى المستقرّ والقرب من السّلطان ومجاورته،. فتهّيئوا للمجالسة، واستعدّوا للمخاطبة، وبالغوا في استعمال الأدب، لتصلحوا للقرب من الحضرة. ولا يشغلنّكم

стр. 4114

عن تضمير الخيل تكاسل، وليحملكم على الجدّ في ذلك تذكّركم يوم السّباق ... فليتذكّر السّاعي حلاوة التّسليم إلى الأمين، وليتذكّر في لذاذة المدح يوم السّباق، وليحذر المسابق من تقصير لا يمكن استدراكه» ) * «١» . من فوائد (المسارعة في الخيرات) (١) المسارعة في الخيرات والأعمال الصّالحة مرضاة للرّبّ ومغضبة للشّيطان. (٢) المسارعة في الخيرات ترفع صاحبها إلى جنّات عدن حيث النّعيم المقيم والفضل العظيم. (٣) السّبق إلى الخيرات يجعل صاحبه من المفلحين في الدّنيا والآخرة. (٤) المبادرة إلى العمل الصّالح توجد نوعا من التّنافس الحميد الّذي يرقى بالمجتمع. (٥) السّابق إلى الخيرات يغبطه أصحابه ويتمنّون أن يصيروا مثله ويمتد حونه بهذا السّبق. (٦) السّابقون إلى الخيرات يدركون مقاصدهم ولا يرجعون خائبين أبدا. (٧) المبادرة إلى الصّلاة في أوقاتها وعدم التّخلّف عن الجماعة الأولى تجعل لصاحبها من الفضيلة ما يسبق به المتخلّفين بما هو أبعد ممّا بين المشرقين والمغربين «٢» . (٨) المبادرة بالأعمال الصّالحة تجعل صاحبها في مأمن من الفتن أو الأمور الّتي قد تشغل الإنسان وتلهيه مثل المرض أو الفقر أو الغنى المطغي أو الهرم. (٩) المسارعة إلى صلاة الجمعة والذّهاب إليها في السّاعة الأولى يعظّم الأجر ويجزل الثّواب. (١٠) السّابقون إلى الخيرات يدخلون الجنّة بغير حساب.

стр. 4115

المسئولية المسئولية لغة: المسئوليّة مصدر صناعيّ «١» مأخوذ من مادّة (س أل) الّتي تدلّ على استدعاء معرفة أو ما يؤدّي إلى المعرفة، أو استدعاء مال أو ما يؤدّي إلى المال، قال الرّاغب: فاستدعاء المعرفة جوابه على اللّسان، واليد خليفة له بالكتابة أو الإشارة، واستدعاء المال جوابه على اليد، واللّسان خليفة لها إمّا بوعد أو بردّ، والسّؤال للمعرفة يكون تارة للاستعلام، وتارة للتّبكيت كما في قوله تعالى: وَإِذَا الْمَوْؤُدَةُ سُئِلَتْ (التكوير/ ٨) والسّؤال إذا كان للتّعريف تعدّى إلى المفعول الثّاني تارة بنفسه وتارة بالجارّ، تقول سألته كذا، وسألته عن كذا وبكذا، والأكثر «عن» ، وإذا كان السّؤال لاستدعاء مال فإنّه يتعدّى بنفسه أو بمن، وذلك كما في قول الله تعالى وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً ... (الأحزاب/ ٥٣) وقوله عزّ من قائل: وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ (النساء/ ٣٢) . يقال: سألته الشّيء، وسألته عن الشّيء سؤالا، ومسألة والأمر منه اسأل، وقد تخفّف همزته فيقال: سال، والأمر منه سل، وقال ابن سيده: والعرب قاطبة تحذف الهمز منه في الأمر فإذا وصلوا بالفاء أو الواو همزوا وكقولك: فاسأل واسأل، الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٩/ ١٠/ ٥ ورجل سؤلة: كثير السّؤال، وتساءلوا: سأل بعضهم بعضا، وأسألته سؤلته ومسألته، أي قضيت حاجته، وقول الله تعالى: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ (الصافات/ ٢٤) قال الزّجّاج: سؤالهم سؤال توبيخ وتقرير، لإيجاب الحجّة عليهم لأنّ الله- جلّ ثناؤه- عالم بأعمالهم. أمّا قوله سبحانه فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (الرحمن/ ٣٩) أي لا يسأل ليعلم ذلك منه، لأنّ الله قد علم أعمالهم، وقال ابن برّيّ: يقال: سألته الشّيء بمعنى استعطيته، وسألته عن الشّيء استخبرته، وقال ابن الأثير: السّؤال في كتاب الله والحديث الشّريف نوعان: أحدهما: ما كان على وجه التّبيّن والتّعلّم ممّا تمسّ الحاجة إليه فهو مباح أو مندوب، أو مأمور به. والآخر: ما كان على طريق التّكلّف والتّعنّت فهو مكروه ومنهيّ عنه، فكلّ ما كان من هذا الوجه ووقع السّكوت عن جوابه فإنّما هو ردع وزجر للسّائل، وإن وقع الجواب عنه، فهو عقوبة وتغليظ، قال ابن منظور: وما جاء في الحديث من أنّه «كره المسائل وعابها» أراد المسائل الدّقيقة الّتي لا يحتاج إليها، وفي حديث الملاعنة: لمّا سأله عاصم عن أمر من يجد مع

стр. 4116

أهله رجلا..» فأظهر النّبيّ ﷺ الكراهة في ذلك إيثارا لستر العورة، وكراهة لهتك الحرمة، وفي الحديث: أنّه نهى عن كثرة السّؤال، قيل هو من هذا، وقيل هو سؤال النّاس أموالهم من غير حاجة «١» ولفظ «المسئوليّة» من الألفاظ المحدثة الّتي يراد بها التّبعة يقال: أنا بريء من مسئوليّة هذا العمل أي من تبعته، وقيل: المسئوليّة ما يكون به الإنسان مسئولا ومطالبا عن أمور أو أفعال أتاها. والمسئوليّة عند أرباب السّياسة: هي الأعمال الّتي يكون الإنسان مطالبا بها «٢» . واصطلاحا: قال الدّكتور دراز: تعني المسئوليّة كون الفرد مكلّفا بأن يقوم ببعض الأشياء وبأن يقدّم عنها حسابا إلى غيره وينتج عن هذا التّحديد أنّ فكرة المسئوليّة تشتمل على علاقة مزدوجة من ناحية الفرد المسئول بأعماله وعلاقته بمن يحكمون على هذه الأعمال، والمسئوليّة قبل كلّ شيء هي استعداد فطريّ، إنّها هذه المقدرة على أن يلزم الإنسان نفسه أوّلا، والقدرة على أن يفي بعد ذلك بالتزامه بوساطة جهوده الخاصّة «٣» . وقال الخاقانيّ: يراد بالمسئوليّة الشّعور بأداء الواجب والإخلاص في العمل وليست المسئوليّة مجرّد الإقرار فإنّ الجزم بالشّيء لا يعطي صفة المسئوليّة وإنّما يجد المتحسّس بها أنّ هناك واجبات لا بدّ من الانقياد إليها بغضّ النّظر عن النّتائج، فإنّ إنقاذ الغريق ممّا يشعر الشّخص بالمسئوليّة في إنقاذه إذا كانت له القدرة على الإنقاذ وإنّ دفع الظّلم ممّن له القدرة على دفع الظّلم يجب على ذلك الشّخص أن يدفع عن المظلوم وهو مسئول عن التّرك، فالمسئوليّة تختلف بلحاظ الأفراد وبلحاظ المجتمعات «٤» . وقيل: المسئوليّة حالة يكون فيها الإنسان صالحا للمؤاخذة على أعماله وملزما بتبعاتها المختلفة. وقد قرّرها القرآن في آيات كثيرة، فقال تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (المؤمنون/ ١١٥) . أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (القيامة/ ٢٦) . هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (الجاثية/ ٢٩) . مسئوليّة الإنسان أمام الخالق- -: ذكرنا في صفة «الأمانة» أنّ جمهور المفسّرين قد ذكروا أنّ الأمانة تعمّ جميع وظائف الدّين، وأنّ جميع الأقوال في تفسير قول الله تعالى: إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ (الأحزاب/ ٧٢) متّفقة وراجعة إلى أنّ الأمانة هي التّكليف وقبول الأوامر والنّواهي «٥» . إنّ حمل هذه الأمانة يعني مسئوليّة الإنسان

стр. 4117

عنها واستعداده لتحمّل نتائجها وقبوله بمبدإ الثّواب والعقاب المنوطين بها، أمّا السّموات والأرض والجبال المشار إليها في الآية الكريمة فلا تعدو وظيفتها أداء الدّور الّذي خلقها الله لتؤدّيه بطريقة عفويّة، وعلى نسق واحد «وليس هناك أيّ تدخّل ممكن لمبادرتها الخاصّة، لا من أجل صيانة النّظام الثّابت، ولا من أجل تغييره، أو تعديله في أيّ صورة ما كان، وإذن فلا مسئوليّة مطلقا «١» تقع عليها. يقول الدّكتور دراز: أمّا في النّظام الأخلاقيّ، فالأمر بالعكس حيث يواجه الفاعل (وهو هنا الإنسان) إمكانات متعدّدة، يستطيع أن يختار من بينها واحدة، توافق هواه، سواء احترم القاعدة (الأخلاقيّة) أو اخترمها، وعلى ذلك فإنّ الإمكان والضّرورة هما الصّفتان اللّتان تكوّنان مجال المسئوليّة أو عدم المسئوليّة «٢» ، وجانب الإمكان هو الّذي رصد له الإنسان استعداده. لقد أبرز القرآن الكريم هذا التّباين الّذي يضع الإنسان العاقل «٣» في مقابل الكائنات غير المزوّدة بالعقل من حيث مقدرتها الأخلاقيّة، وذلك قول الله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ الآية، والحمل هنا يعني في رأي أكثر المفسّرين- تحمّل التّكاليف، كما في قوله عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ.. (النور/ ٥٤) أو قوله سبحانه مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ (الجمعة/ ٥) «٤» ، وعلى هذا التّفسير يكون المراد بالإنسان جنس الإنسان عامّة كما قال النّيسابوريّ وغيره «٥» . أمّا المعنى الآخر للحمل وهو تحمّل الخطإ أو الوزر- وهو أيضا معنى وارد، وقال به بعض المفسّرين، فإنّه يحصر الإنسان في الكافر أو المنافق (أو قابيل) ، خاصّة «٦» . وقد لخّص الشّيخ دراز وجهة من قال بذلك من المفسّرين فقال: المعنى: مع أنّ المخلوقات الأخرى قد وفت بمهمّتها حين خضعت للقانون الكونيّ (الّذي خلقها الله عليه) دون اعتراض أو مقاومة قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ (فصلت/ ١١) ، فإنّ الإنسان الّذي لم يطع القانون الأخلاقيّ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى ... الآية (الأعراف/ ١٧٢) يبقى محمّلا به وعلى ذلك فالأمر لا يتعلّق بالإنسان بعامّة، بل بالكفّار والعصاة وحدهم، وقال- رحمه الله تعالى- معقّبا على هذا التّفسير: وهو تفسير- لا ريب معقول، في ذاته، ولكنّه فضلا عن ذلك التّقييد الّذي يفرضه على مفهوم الإنسان الّذي جاء غير محدّد في النّصّ، فإنّه لا يحدّد

стр. 4118

على وجه الدّقة التّطابق بين الأسماء والضّمائر الّتي ترجع إليها، ولم تعد الأمانة المعروضة كما هي وصار من اللّازم اللّجوء إلى فكرة بعيدة «١» حتّى يتقرّر للكائنات غير العاقلة نوع من الالتزام أو المسئوليّة. أنواع المسئولية: ١- المسئوليّة الدّينيّة: وهي التزام المرء بأوامر الله ونواهيه، وقبوله في حال المخالفة لعقوبتها ومصدرها الدّين. ٢- المسئوليّة الاجتماعيّة: هي التزام المرء بقوانين المجتمع ونظمه وتقاليده. وقيل: هي المسئوليّة الذّاتيّة عن الجماعة، وتتكوّن من عناصر ثلاثة هي: الاهتمام والفهم والمشاركة «٢» . ٣- المسئوليّة الأخلاقيّة: هي حالة تمنح المرء القدرة على تحمّل تبعات أعماله وآثارها، ومصدرها الضّمير «٣» . وكلّ مسئوليّة قبلناها، وارتضينا الالتزام بها فهي مسئوليّة أخلاقيّة بدليل: أ- أنّ القرآن يقدّم المسئوليّة الدّينيّة ذاتها في صورة أخلاقيّة محضة حين تحايل بعض النّاس على التّخلّص من بعض تعاليم الصّوم سرّا: عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ وَعَفا عَنْكُمْ (البقرة/ ١٧٨) . ب- أنّ القرآن لا يكتفي بتذكير النّاس في كثير من الأحيان بالأمر الإلهيّ، وإنّما يذكّرهم بالعهد الّذي قطعوه على أنفسهم، يقول الله تعالى: وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (الحديد/ ٨) . وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وَأَطَعْنا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (المائدة/ ٧) . مدى شمولها: قرّر القرآن أنّ شرط هذه المسئوليّة الشّمول: ١- من ناحية الفرد يقول الله تعالى: فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ* عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (الحجر/ ٩٢ ٩٣) . فَلَنَسْئَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْئَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (الأعراف/ ٦) . ٢- من ناحية الأعمال الخيّرة والشّرّيرة صغيرة وكبيرة.. ظاهرة وخفيّة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/ ٧- ٨) . ٣- من ناحية الأقوال والألفاظ سرّها ونجواها. يقول الله تعالى: ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (ق/ ١٨) .

стр. 4119

٤- من ناحية السّمع والبصر والملكات: يقول تعالى: وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (الإسراء/ ٢٦) . ٥- من ناحية النّعيم والمال: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (التكاثر/ ٨) . وقال ﷺ : «لا تزول قدما عبد حتّى يسأل عن عمره فيم أفناه. وعن شبابه فيم أبلاه. وعن علمه فيم عمل فيه. وعن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه؟» . المسئولية شخصية: من المبادىء الّتي قرّرها الإسلام قصر المسئوليّة على المسئول وحده. قال تعالى: تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (البقرة/ ١٤١) . قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (سبأ/ ٢٥) فلا يؤخذ بريء بجريرة مذنب، ولا يشترك أهله فيما اقترفت يداه، أو نسب إليه. وقد كان التّشريع اليونانيّ القديم يقضي بالإعدام على المجرم نفسه، وعلى جميع أفراد أسرته في الخيانة العظمى، وفي انتهاك الأشياء المقدّسة. وحماية للإمام المسلم من الانزلاق في الظّلم جاء قوله تعالى: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (الإسراء/ ١٥) . وقوله تعالى: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ (الإسراء/ ٣٣) . اشتراك الراعي والرعية: الرّاعي والرّعيّة يدان تتعاونان على خير الأمّة. ورعاية مصالحها. وكفالة الأمن على حياة النّاس وأعراضهم وأموالهم. ولا يستقيم أمر الأمّة. ولا تتّسق شئونها إلّا إذا قام كلّ من الحاكم والمحكوم بمسئوليّاته، وأخلص المعاونة لصاحبه. قال ﷺ : «كلّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته: الإمام راع ومسئول عن رعيّته، والرّجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيّته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيّتها، والخادم راع في مال سيّده ومسئول عن رعيّته، والرّجل راع في مال أبيه وهو مسئول عن رعيّته. وكلّكم راع ومسئول عن رعيّته» . ولكي تنجح الأمّة في مسيرتها. وتحقّق غايتها لا بدّ من أن ينهض كلّ بمسئوليّاته. وإليك تفصيل ذلك: أوّلا: مسئوليّة الرّاعي: ١- التّسوية بين الرّعيّة: أمر الله الحاكم بالعدالة حتّى يسوّي بين النّاس جميعا. قال تعالى: وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى (المائدة/ ٨) . وقال تعالى: فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا (النساء/ ١٣٥) . وقال تعالى: يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى (ص/ ٢٠) . وخرج ﷺ في مرضه الأخير بين الفضل بن العبّاس وعليّ بن أبي طالب حتّى جلس على المنبر ثمّ قال: «أيّها النّاس، من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالا فهذا

стр. 4120

مالي فليأخذ منه. ولا يخش الشّحناء، فإنّها ليست من شأني. ألا وإنّ أحبّكم إليّ من أخذ منّي حقّا إن كان له، أو حلّلني فلقيت ربّي وأنا طيّب النّفس» . وقال ﷺ لأهل بيته: «يا معشر قريش، اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد مناف، لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عبّاس بن عبد المطّلب، لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفيّة عمّة رسول الله، لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمّد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» . هذا الينبوع الفيّاض الغزير سرت منه العدالة إلى الخلفاء والولاة. ٢- رعاية مصالح النّاس: على الحاكم رعاية المصالح الدّينيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والأمنيّة بإقامة المساجد للعبادة. وإنشاء المدارس للتّعليم. ونشر المستشفيات للعلاج. وشقّ التّرع لإحياء الأرض، وتكوين المجتمعات اهتماما للزّراعة والصّناعة والتّجارة. وفتحا لمجالات العمل أمامهم. فمن عجز عن العلم قامت الدّولة برعايته،: يحفظ التّاريخ أنّ عمر- ﵁ رأى شيخا من أهل الذّمّة يسأل، فقال له: ما الّذي يحملك على ذلك؟ قال: الحاجة. قال عمر: لقد فرضنا لك سهما في بيت مال المسلمين. ما كنّا لنأخذ منك الجزية وأنت شابّ، ونضيّعك وأنت شيخ. قال ابن عمر: إنّ رفقة من التّجّار نزلوا المصلّى، فقال عمر لعبد الرّحمن بن عوف: هل لك أن تحرسهم اللّيلة من السّرقة؟ فباتا يحرسان ويصلّيان ما كتب الله، فسمع عمر في جوف اللّيل بكاء طفل فتوجّه نحوه وقال لأمّه: اتّقي الله، وأصغي إلى طفلك. ثمّ عاد إلى مكانه. فسمع بكاءه، فعاد إلى أمّه وقال مقالته، وعاد إلى مكانه، فلمّا كان آخر اللّيل سمع بكاء الصّبيّ، فقال لأمّه: ويحك، مالي أرى ابنك لا يقرّ منذ اللّيلة؟ قالت:- وهي لا تعرفه- يا عبد الله، قد أبرمتني طول اللّيل، إنّي أعالجه على الفطام فيأبى إلّا رضاعا. قال عمر: ولم؟ قالت: لأنّ عمر لا يفرض إلّا للفطيم. قال: وكم لابنك؟ قالت: كذا وكذا شهرا. قال لها: ويحك لا تعجليه. ثمّ صلّى الفجر، وما يستبين النّاس قراءته من غلبة البكاء!! فلمّا انتهى من صلاته قال: يا بؤسا لعمر! كم قتل من أولاد المسلمين؟ ثمّ أمر مناديا ينادي: لا تعجلوا صبيانكم على الفطام، فإنّا نفرض لكلّ مولود في الإسلام. ٣- حسن اختيار البطانة: حسن اختيار الأعوان من الأمناء المخلصين ذوي الدّراية والكفاية ممّا يحقّق الغايات والأهداف. ويزيل من دنيا النّاس الوساطة والمحسوبيّة والرّشوة. قال ﷺ : «من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه» . وقال عمر لبعض عمّاله: إنّي لم أستعملكم على أمّة محمّد، على أعشارهم ولا على أبشارهم- جلودهم- وإنّما استعملتكم عليهم لتقيموا بهم الصّلاة، وتقضوا بينهم بالحقّ، وتقسموا بينهم بالعدل، لا تجلدوا المسلمين فتذلّوهم، ولا تضيّعوا حقوقهم فتفتنوهم. ٤- إعطاء القدوة الحسنة: الحاكم سوق ما

стр. 4121

راج عنده راج عند النّاس. حينما عهد أبو بكر لعمر بالخلافة أوصاه قائلا: اعلم أنّهم لن يزالوا منك خائفين ما خفت الله. وقال عمر في خطبة له بعد توليته: من رأى فيّ اعوجاجا فليقوّمه، فقال أعرابيّ: والله لو رأينا فيك اعوجاجا لقوّمناه بسيوفنا. ومن شدّة حرصه على مال الدّولة وخوفه من سؤال الله عن الأموال العامّة يقول: لو ماتت شاة على شطّ الفرات ضائعة لظننت أنّ الله سائلني عنها يوم القيامة. تكافؤ المسئولية والجزاء: حدّد القرآن الجزاء بقدر المسئوليّة مع إيثار جانب الرّحمة والعفو. ومضاعفة الحسنة. قال تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها (الأنعام/ ١٦٠) . مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (القصص/ ٨٤) . ويمثّل القرآن العدل الإلهي بالميزان. ذلك الميزان الّذي جعله أركان رسالة الأنبياء. قال تعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ (الحديد/ ٢٥) . وَالسَّماءَ رَفَعَها وَوَضَعَ الْمِيزانَ* أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزانِ* وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ (الرحمن/ ٧- ٩) . هذه معالم المسئوليّة في الإسلام: فالإنسان مسئول عن كسبه من خير وشرّ ومجازى عنه. وباب التّوبة مفتوح له ما بقيت الحياة، والجزاء العادل يوم القيامة «١» . يقول الدّكتور عليّ أبو العينين: ومسئوليّة الفرد نحو المجتمع تتلخّص في التّالي: ١- الالتزام بقانون الجماعة، وهذا يستلزم من الأفراد الالتزام بعقيدة المجتمع الأساسيّة، الّتي تعتبر أمانة اجتماعيّة. ٢- التّعاون مع الجماعة في سبيل الخير العامّ: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى (المائدة/ ٢) . من مساهمة الاقتصاد وغير ذلك. ٣- تقديم العمل الصّالح والتّنافس في هذا السّبيل: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (هود/ ٧) . حيث يجب الإنفاق في سبيل الله، واستثمار الأموال، والاعتدال في الإنفاق وغير ذلك من الجوانب الأخلاقيّة. ٤- نشر العلم الّذي يسهم إسهاما إيجابيّا في بناء المجتمع وتطويره واستغلال الذّكاء في هذا السّبيل: فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ (التوبة/ ١٢٢) . ومن ذلك، الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر.

стр. 4122

أمّا مسئوليّة الدّولة نحو الأفراد فتتلخّص فيما يلي: ١- توفير العلم لجميع أفراد المجتمع انطلاقا من قاعدة وجوب نشر العلم. ٢- إقرار النّظام العامّ المستمدّ من شريعة الله وتوفير الأمن والطّمأنينة للفرد والمجتمع ويشمل ذلك الأقلّيّات.. ٣- الحفاظ على الوحدة الإسلاميّة. ٤- توفير الأمن لجميع أفراد المجتمع، فالمجتمع مسئول عن رفع مستوى أفراده، وتعاونه في سبيل تقوية نفسه. أمّا قيادة المجتمع، فمهمّتها صعبة، ونجاح القيادة نجاح للمجتمع، وفشلها يعوق المجتمع، ولهذا نجد القرآن يلزم القيادة بالعدل والرّحمة بالجميع واتّباع الحقّ، ويبعدها عن انتظار الأجر من المجتمع، ويحذّرها من الفتنة والميل، ويمنعها من الطّغيان والفرديّة، والإفساد في الأرض، ويوجب عليها استشارة الأمّة، والاستماع إلى آرائها بما فيها الآراء المعارضة «١» . تحمل الفرد مسئولية إصلاح المجتمع: قال الدّكتور عبد الكريم زيدان: ومن خصائص النّظام الاجتماعيّ في الإسلام تحميل الفرد مسئوليّة إصلاح المجتمع، بمعنى أنّ كلّ فرد فيه مطالب بالعمل على إصلاح المجتمع وإزالة الفساد منه على قدر طاقته ووسعه، والتّعاون مع غيره لتحقيق هذا المطلوب. قال تعالى: وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ (المائدة/ ٢) . تعليل مسئولية الفرد عن إصلاح المجتمع: وإذا كان الفرد مسئولا عن إصلاح المجتمع، فما تعليل ذلك؟ ولماذا يطالب الفرد بهذا الواجب مع مطالبته بإصلاح نفسه؟ الّذي نراه، أنّ تعليل هذه المسئوليّة أو هذه المطالبة، ما يأتي: أوّلا: الفرد يتأثّر بالمجتمع: الإنسان كائن اجتماعيّ يتأثّر بالمجتمع الّذي يعيش فيه، فتمرض روحه أو تهزل، أو تصحّ وتقوى تبعا لصلاح المجتمع أو فساده. وقد أشار النّبيّ الكريم ﷺ إلى هذه الحقيقة، فقد جاء في الحديث الشّريف «ما من مولود إلّا يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ... الخ» فالأبوان بالنّسبة للصّغير مجتمعه الصّغير الّذي يؤثّر فيه، فيدفعه إلى الفساد أو الصّلاح، فإذا كان الأبوان ضالّين دفعاه إلى الضّلال، وأخرجاه عن مقتضى الفطرة السّليمة الّتي خلقه الله عليها، وإذا كانا صالحين أبقياه على الفطرة الّتي خلقه الله عليها. ونمّيا فيه جانب الخير. وهكذا شأن المجتمع الكبير في تأثيره في الفرد صلاحا وفسادا. ثانيا: ضرورة قيام المجتمع الصّالح: وقيام المجتمع الصّالح ضروريّ للفرد، لأنّ المطلوب من المسلم تحقيق الغرض الّذي خلق من أجله وهو عبادة الله وحده، قال تعالى: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات/ ٥٦) . والعبادة اسم جامع لما يحبّه الله تعالى من الأقوال والأفعال والأحوال الظّاهرة

стр. 4123

والباطنة وهذا المعنى الواسع للعبادة يقتضي أن يجعل المسلم أقواله وأفعاله وتصرّفاته وعلاقاته مع النّاس على وفق ما جاءت به الشّريعة الإسلاميّة، والمسلم لا يستطيع أن يصوغ حياته هذه الصّياغة الإسلاميّة إلّا إذا كان المجتمع الّذي يعيش فيه منظّما على نحو يسهّل عليه هذه الصّياغة أي أن يكون مجتمعا إسلاميّا صحيحا. فإن لم يكن كذلك بأن كان مجتمعا جاهليّا صرفا، أو مجتمعا مشوبا بمعاني الجاهليّة، فإنّ المسلم لا يستطيع فيه أن يحيا الحياة الإسلاميّة المطلوبة أو يتعذّر عليه ذلك. ولهذا يأمر الإسلام بالتّحوّل من المجتمع الجاهليّ إلى المجتمع الإسلاميّ، ما دام عاجزا عن إزالة جاهليّته، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَساءَتْ مَصِيراً (النساء/ ٩٧) وقد جاء في تفسير هذه الآية الكريمة أنّها نزلت: في كلّ من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكّنا من إقامة الدّين فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع. ولهذا يجب على كلّ مسلم تعهّد المجتمع الّذي يعيش فيه وإزالة المنكر حال ظهوره أو وقوعه وأن لا يستهين به، لأنّ المنكرات كالجراثيم الّتي تؤثّر في الجسد قطعا، وإذا لم تمرض البعض فإنّها تضعف مقاومته فيسهل عليها فيما بعد التّغلّب عليه. ولهذا كانت أولى مهمّات الدّولة الإسلاميّة إقامة هذا المجتمع الإسلاميّ الفاضل وإزالة المنكرات منه، قال تعالى: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ (الحج/ ٤١) . ثالثا: النّجاة من العقاب الجماعيّ: وقيام الأفراد بإصلاح المجتمع ينجّيهم وينجّي المجتمع من الهلاك الجماعيّ أو العقاب الجماعيّ أو الضّيق والضّنك والقلق والشّرّ الّذي يصيب المجتمع. وتوضيح هذه الجملة يحتاج إلى شيء من التّفصيل لأهميّة الموضوع وخطورته، فنقول: من سنّة الله تعالى، أنّ المجتمع الّذي يشيع فيه المنكر، وتنتهك فيه حرمات الله، وينتشر فيه الفساد، ويسكت الأفراد عن الإنكار والتّغيير، فإنّ الله تعالى يعمّهم بمحن غلاظ قاسية، تعمّ الجميع، وتصيب الصّالح والطّالح، وهذه في الحقيقة سنّة مخيفة وقانون رهيب يدفع كلّ فرد لا سيّما من كان عنده علم وفقه أو سلطان إلى المسارعة والمبادرة فورا لتغيير المنكر دفعا للعذاب والعقاب عن نفسه وعن مجتمعه «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الإخلاص- النظام- الوفاء- الرجولة- الشهامة- القوة- قوة الإرادة- النزاهة- النبل. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإمعة- الإهمال- التخاذل- التفريط والإفراط- التهاون- الخيانة- نقض العهد- الغلول- الغدر] .

стр. 4124

الآيات الواردة في «المسئولية» ١- فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣) «١» ٢- وَيَجْعَلُونَ لِما لا يَعْلَمُونَ نَصِيباً مِمَّا رَزَقْناهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوارى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ ما بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ أَلا ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٥٩) «٢» ٣- وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣) «٣» ٤- وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥) وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا (٣٦) «٤» ٥- وَكَمْ قَصَمْنا مِنْ قَرْيَةٍ كانَتْ ظالِمَةً وَأَنْشَأْنا بَعْدَها قَوْماً آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ (١٣) «٥» ٦- لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا فَسُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢) لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ (٢٣) «٦» ٧- وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَلَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) «٧» ٨- وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُلًا (١٥) «٨» ٩-* قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنا رَبُّنا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦) «٩» ١٠- فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣) وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ (٤٤) «١٠»

стр. 4125

الآيات الواردة في «المسئولية» معنى ١١- قَدْ جاءَكُمْ بَصائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤) «١» ١٢- مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (١٦٠) «٢» ١٣- قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (١٦٤) «٣» ١٤- وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) «٤» ١٥- وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً (١٣) اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً (١٤) مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥) «٥» ١٦- أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦) «٦» ١٧- وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٥٥) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦) «٧» ١٨- مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤) «٨» ١٩- إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا (٧٢) «٩»

стр. 4126

٢٠- وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلى حِمْلِها لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (١٨) «١» ٢١- مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦) «٢» ٢٢- هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (٣٠) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آياتِي تُتْلى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْماً مُجْرِمِينَ (٣١) «٣» ٢٣- وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ وَنَعْلَمُ ما تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ (١٧) ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) «٤» ٢٤- أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطى قَلِيلًا وَأَكْدى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِما فِي صُحُفِ مُوسى (٣٦) وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى (٤١) «٥» ٢٥- وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) «٦» ٢٦- مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥) «٧» ٢٧- كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) «٨» ٢٨- إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (١٢) يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) «٩» ٢٩- يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتاتاً لِيُرَوْا أَعْمالَهُمْ (٦) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) «١٠»

стр. 4127

الأحاديث الواردة في (المسئولية) ١-* (عن لقيط بن عامر- ﵁ أنّه خرج وافدا إلى رسول الله ﷺ ومعه صاحب له، يقال له نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق. قال لقيط فخرجت أنا وصاحبي حتّى قدمنا على رسول الله ﷺ لانسلاخ رجب فأتينا رسول الله ﷺ فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في النّاس خطيبا، فقال «أيّها النّاس، إنّي قد خبّأت لكم صوتي منذ أربعة أيّام، ألا لأسمعنّكم ألا فهل من امرئ بعثه قومه» . فقالوا: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ ، ألا ثمّ لعلّه أن يلهيه حديث نفسه أو حديث صاحبه، أو يلهيه الضّلال ألا إنّي مسئول هل بلّغت؟ ألا اسمعوا تعيشوا، ألا اجلسوا، ألا اجلسوا، قال: فجلس النّاس وقمت أنا وصاحبي حتّى إذا فرغ لنا فؤاده وبصره، قلت: يا رسول الله، ما عندك من علم الغيب؟ فضحك لعمر الله، وهزّ رأسه، وعلم أنّي أبتغي لسقطه، فقال «ضنّ ربّك- بمفاتيح خمس من الغيب لا يعلمها إلّا الله» ، وأشار بيده ... الحديث) * «١» . ٢-* (عن محمّد بن عليّ، قال: دخلنا على جابر بن عبد الله. فسأل عن القوم «٢» . حتّى انتهى إليّ. فقلت: أنا محمّد بن عليّ بن حسين. فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زرّي الأعلى «٣» . ثمّ نزع زرّي الأسفل. ثمّ وضع كفّه بين ثدييّ وأنا يومئذ غلام شابّ. فقال: «مرحبا بك. يا ابن أخي! سل عمّا شئت» . فسألته ... الحديث وفيه: فخطب النّاس وقال: «إنّ دماءكم وأموالكم حرام عليكم، كحرمة يومكم هذا «٤» ، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلّ شيء من أمر الجاهليّة تحت قدميّ موضوع، ودماء الجاهليّة موضوعة، وإنّ أوّل دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل، وربا الجاهليّة موضوع، وأوّل ربا أضع ربانا، ربا عبّاس ابن عبد المطّلب، فإنّه موضوع كلّه، فاتّقوا الله في النّساء، فإنّكم أخذتموهنّ بأمان الله، واسحللتم فروجهنّ بكلمة الله «٥» ، ولكم عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه «٦» ، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ

стр. 4128

ضربا غير مبرّح «١» ، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله «٢» ، وأنتم تسألون عنّي، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنّك قد بلّغت وأدّيت ونصحت، فقال بإصبعه السّبّابة يرفعها إلى السّماء وينكتها إلى النّاس «٣» : «اللهمّ اشهد، اللهمّ اشهد. ثلاث مرّات ثمّ أذّن، ثمّ أقام فصلّى الظّهر، ثمّ أقام فصلّى العصر، ولم يصلّ بينهما شيئا، ثمّ ركب رسول الله ﷺ حتّى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصّخرات «٤» وجعل حبل المشاة بين يديه «٥» واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتّى غربت الشّمس، وذهبت الصّفرة قليلا حتّى غاب القرص «٦» ، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله ﷺ وقد شنق للقصواء «٧» الزّمام.. الحديث) * «٨» . ٣-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كلّكم راع وكلّكم مسئول عن رعيّته، الإمام راع ومسئول عن رعيّته، والرّجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيّته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسئولة عن رعيّتها، والخادم راع في مال سيّده ومسئول عن رعيّته» . قال: وحسبت أنّه قد قال: «والرّجل راع في مال أبيه ومسئول عن رعيّته، وكلّكم راع ومسئول عن رعيّته» ) * «٩» . الأحاديث الواردة في تحمل (المسئولية) معنى ٤-* (عن أبي حميد السّاعديّ- ﵁ قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من الأسد «١٠» يقال له ابن اللّتبيّة- قال عمرو وابن أبي عمر: على الصّدقة- فلمّا قدم قال: هذا لكم. وهذا لي، أهدي لي.

стр. 4129

قال: فقام رسول الله ﷺ على المنبر. فحمد الله وأثنى عليه. وقال: «ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا أهدي لي! أفلا قعد في بيت أبيه أو في بيت أمّه حتّى ينظر أيهدى إليه أم لا. والّذي نفس محمّد بيده! لا ينال أحد منكم منها شيئا إلّا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه، بعير له رغاء. أو بقرة لها خوار. أو شاة تيعر «١» » . ثمّ رفع يديه حتّى رأينا عفرتي إبطيه «٢» » . ثمّ قال: اللهمّ! هل بلّغت؟» . مرّتين) * «٣» . ٥-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرّحمن- وكلتا يديه يمين- الّذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا» ) * «٤» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تضمّن الله «٥» لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلّا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي «٦» . فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنّة. أو أرجعه إلى مسكنه الّذي خرج منه. نائلا ما نال من أجر أو غنيمة «٧» . والّذي نفس محمّد بيده! ما من كلم يكلم في سبيل الله «٨» ، إلّا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم، لونه لون دم، وريحه مسك. والّذي نفس محمّد بيده! لولا أن يشقّ على المسلمين ما قعدت خلاف سريّة «٩» تغزو في سبيل الله أبدا. ولكن لا أجد سعة فأحملهم «١٠» . ولا يجدون سعة «١١» . ويشقّ عليهم أن

стр. 4130

يتخلّفوا عنّي «١» . والّذي نفس محمّد بيده! لوددت أنّي أغزو في سبيل الله فأقتل. ثمّ أغزو فأقتل. ثمّ أغزو فأقتل» ) * «٢» . ٧-* (عن أبي مريم الأزديّ- ﵀ قال: دخلت على معاوية، فقال: ما أنعمنا بك أبا فلان؟ - وهي كلمة تقولها العرب- فقلت: حديثا سمعته أخبرك به، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من ولّاه الله- شيئا من أمر المسلمين فاحتجب دون حاجتهم وخلّتهم وفقرهم احتجب الله عنه دون حاجته وخلّته وفقره» ، قال: فجعل رجلا على حوائج النّاس) * «٣» . وفي رواية التّرمذيّ: عن عمرو بن مرّة الجهنيّ: أنّه قال لمعاوية: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من إمام يغلق بابه دون ذوي الحاجة والخلّة والمسكنة، إلّا أغلق الله أبواب السّماء دون خلّته وحاجته ومسكنته» . فجعل معاوية رجلا على حوائج النّاس) * «٤» . ٨-* (عن الحسن، قال: عاد عبيد الله بن زياد، معقل بن يسار المزنيّ. في مرضه الّذي مات فيه. فقال معقل: إنّي محدّثك حديثا سمعته من رسول الله ﷺ . لو علمت أنّ لي حياة ما حدّثتك. إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد يسترعيه الله رعيّة، يموت يوم يموت وهو غاشّ لرعيّته، إلّا حرّم الله عليه الجنّة» » ) * «٥» . ٩-* (عن عديّ بن عميرة الكنديّ- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من عبد استعملناه منكم على عمل، فكتمنا مخيطا فما فوقه، كان غلولا يأتي به يوم القيامة. قال: فقام إليه رجل أسود، من الأنصار. كأنّي أنظر إليه. فقال: يا رسول الله، اقبل عنّي عملك. قال: «ومالك؟» قال: سمعتك تقول كذا وكذا. قال: وأنا أقوله الآن. من استعملناه منكم على عمل فليجأ بقليله وكثيره. فما أوتي منه أخذ. وما نهي عنه انتهى» ) * «٦» . ١٠-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبيّ. ثمّ قال: «يا أبا ذرّ، إنّك ضعيف. وإنّها أمانة «٧» . وإنّها يوم القيامة خزي وندامة. إلّا من أخذها بحقّها، وأدّى الّذي عليه فيها» ) * «٨» .

стр. 4131

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المسئولية) ١-* (دخل أعرابيّ على سليمان بن عبد الملك، فقال: تكلّم يا أعرابيّ. فقال: يا أمير المؤمنين، إنّي مكلّمك بكلام فاحتمله وإن كرهته، فإنّ وراءه ما تحبّ إن قبلته. فقال: «يا أعرابيّ، إنّا نجود بسعة الاحتمال على من لا نرجو نصحه ولا نأمن غشّه فكيف بمن نأمن غشّه ونرجو نصحه؟ فقال الأعرابيّ: يا أمير المؤمنين، إنّه قد تكنّفك رجال أساءوا الاختيار لأنفسهم، ابتاعوا دنياهم بدينهم، ورضاك بسخط ربّهم، خافوك في الله تعالى، ولم يخافوا الله فيك، فلا تأمنهم على من ائتمنك الله عليه، فإنّهم لم يألوا في الأمانة تضييعا، وفي الأمّة خسفا وعسفا، وأنت مسئول عمّا اجترحوا، وليسوا بمسئولين عمّا اجترحت، فلا تصلح دنياهم بفساد آخرتك، فإنّ أعظم النّاس غبنا من باع آخرته بدنيا غيره» ) * «١» . ٢-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: «دخلت على حفصة فقالت: أعلمت أنّ أباك غير مستخلف؟ قال قلت: ما كان ليفعل. قالت: إنّه فاعل. قال: فحلفت أنّي أكلّمه في ذلك. فسكتّ. حتّى غدوت. ولم أكلّمه. قال: فكنت كأنّما أحمل بيميني جبلا حتّى رجعت فدخلت عليه. فسألني عن حال النّاس. وأنا أخبره. قال: ثمّ قلت له: إنّي سمعت النّاس يقولون مقالة. فآليت أن أقولها لك. زعموا أنّك غير مستخلف. وإنّه لو كان لك راعي إبل أو راعي غنم ثمّ جاءك وتركها رأيت أن قد ضيّع. فرعاية النّاس أشدّ. قال: فوافقه قولي. فوضع رأسه ساعة ثمّ رفعه إليّ. فقال: إنّ الله- يحفظ دينه. وإنّي لئن لا أستخلف فإنّ رسول الله ﷺ لم يستخلف. وإن أستخلف فإنّ أبا بكر قد استخلف. قال: فو الله! ما هو إلّا أن ذكر رسول الله ﷺ وأبا بكر. فعلمت أنّه لم يكن ليعدل برسول الله ﷺ أحدا. وأنّه غير مستخلف» ) * «٢» . ٣-* (قال د. حسن عليّ الحجّاجيّ: يرى ابن القيّم أنّ مسئوليّة التّربية تقع على الآباء والمربّين لا سيّما إذا كان النّاشىء في أوّل مراحل نموّه، فإنّه في أمسّ الحاجة إلى تقويم أخلاقه وتوجيه سلوكه، وهو بمفرده لا يستطيع القيام بذلك، فالمسئوليّة على وليّ أمره، يقول- ﵀: ( ... وممّا يحتاج إليه الطّفل غاية الاحتياج الاعتناء بأمر خلقه، فإنّه ينشأ على ما عوّده المربّي في صغره من حرد وغضب، ولجاج، وعجلة، وخفّة مع هواه وطيش، وحدّة، وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك. وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة، فلو تحرّز منها غاية التّحرّز فضحته ولا بدّ يوما ما، ولهذا تجد أكثر النّاس منحرفة أخلاقهم، وذلك من قبل التّربية الّتي نشأ

стр. 4132

عليها) . فابن القيّم يبيّن أنّ للتّربية أهمّية قصوى في تهذيب الخلق وتقويم السّلوك، كما يوضّح أنّ التّربية السّليمة هي الّتي تجعل للتّدريب والتّعويد شأنا في رسوخ الصّفات الطّيّبة. وفي هذا القول أيضا يحمّل ابن القيّم التّربية مسئوليّة انحراف الأخلاق والسّلوك» ) * «١» . ٤-* (قال د. محمّد عليّ الهاشميّ: «الفرد المسلم يشعر بمسئوليّته عن رعيّته: ذلك أنّه ما من تقصير أو تهاون أو تفريط في جنب الله ورسوله، يقع فيه أحد أفراد أسرة هذا المسلم إلّا وهو مسئول عنه: «كلّكم راع، وكلّكم مسئول عن رعيّته ... » . وهذه المسئوليّة الّتي يحسّها المسلم الصّادق من جرّاء تفريط أحد أفراد أسرته تخزّ جنبه، فلا يطيق عليها صبرا، ويسارع في إزالة أسبابها مهما تكن النّتائج، فما يصبر على هذه المسئوليّة، وما يطيق السّكوت عليها إلّا رجل في إيمانه ضعف، وفي دينه رقّة) * «٢» . ٥-* (قال الدّكتور عليّ أبو العينين: «من المقوّمات الأساسيّة الّتي يقوم عليها المجتمع المسلم أنّه مجتمع مسئول، كلّ فرد فيه مطالب بالمشاركة في تسيير أمور مجتمعه، والمسلمون مسئولون عن بعضهم، ومأمورون بالدّعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر» ) * «٣» . من فوائد (المسئولية) (١) تشعر بوجوب أداء الأمانة أمام الله وأمام النّاس. (٢) الإخلاص في العمل والثّبات عليه. (٣) كسب ثقة النّاس واعتزازهم به. (٤) يشعر الشّخص المسئول بالسّعادة تغمره كلّما قام بتنفيذ عمل نافع. (٥) كلّ مسئول بقدر استطاعة تحمّله ولا يخلو أحد من المسئوليّة مهما قلّت منزلته في المجتمع. (٦) تجعل بنيان الدّولة قويّا غير قابل للتّصدّع عند التّعرّض للمحن والحروب. (٧) المسئوليّة تجعل للإنسان قيمة في مجتمعه.

стр. 4133

المعاتبة والمصارحة المعاتبة لغة: المعاتبة مصدر قولهم: عاتب يعاتب، وهو مأخوذ من مادّة (ع ت ب) الّتي تدلّ على «الأمر فيه صعوبة من كلام أو غيره» من ذلك العتبة، وهي أسكفّة الباب، وإنّما سمّيت بذلك لارتفاعها عن المكان المطمئنّ السّهل، ومن الباب العتب بمعنى الموجدة، تقول عتبت على فلان عتبا ومعتبة، أي وجدت عليه، ثمّ يشتقّ منها فيقال: أعتبني، أي ترك ما كنت أجد عليه «١» ورجع إلى مسرّتي، وهو معتب أي راجع عن الإساءة، ويقولون: أعطاني العتبى أي أعتبني، والتّعتّب: إذا قال هذا وهذا يصفان الموجدة وكذلك المعاتبة، ويقال للرّجل إذا طلب أن يعتب: قد استعتب. قال أبو الأسود: فعاتبته ثمّ راجعته ... عتابا رقيقا وقولا أصيلا فألفيته غير مستعتب ولا ذاكر الله إلّا قليلا وقال الرّاغب: إنّ قولهم: أعتبت فلانا أي أبرزت الغلظة الّتي وجدت له في الصّدر، وأعتبته أيضا: حملته على العتب، وأعتبته أي أزلت عتبه، نحو أشكيته (أي أزلت شكواه) قال تعالى: فَما هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ الآيات/ الأحاديث/ الآثار ١٤/ ١٣/ ١٥ والاستعتاب: أن يطلب من الإنسان أن يذكر عتبه ليعتب، والعتبى إزالة ما لأجله يعتب، وبينهم أعتوبة: أي ما يتعاتبون به، وقال الجوهريّ: يقال: عتب عليه، أي وجد عليه عتبا ومعتبا، والتّعتّب مثله، والاسم المعتبة والمعتبة (بفتح التّاء وكسرها) ، وتقول: عاتبه معاتبة (وعتابا) ، وأعتبني فلان، إذا عاد إلى مسرّتي راجعا عن الإساءة، واستعتب وأعتب بمعنى (واحد) ، واستعتب أيضا طلب أن يعتب، ومن ذلك استعتبته فأعتبني أي استرضيته فأرضاني، والاعتتاب: الانصراف عن الشّيء، وقال الفيروز آباديّ: والعتوب من لا يعمل فيه العتاب، وقراءة عبيد بن عمير: (وإن يستعتبوا) على ما لم يسمّ فاعله (مبنيّ للمجهول) معناه: إن أقالهم الله، وردّهم إلى الدّنيا لم يعملوا بطاعته لما سبق في علم الله تعالى لهم من الشّقاء، وذلك كما في قوله تعالى: وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ «٢» . وقال ابن منظور: العتب: الموجدة، يقال: عتب عليه يعتب ويعتب عتبا وعتابا ومعتبا ومعتبة ومعتبة: وجد عليه. قال الغطمّش الضّبّيّ:

стр. 4134

أقول وقد فاضت بعيني عبرة ... أرى الدّهر يبقى والأخلّاء تذهب أخلّاي! لو غير الحمام أصابكم ... عتبت ولكن ليس للدّهر معتب قوله: عتبت أي سخطت، أي لو أصبتم في حرب لأدركنا بثأركم وانتصرنا، ولكنّ الدّهر لا ينتصر منه. وعاتبه معاتبة وعتابا: لامه. قال الشّاعر: أعاتب ذا المودّة من صديق ... إذا ما رابني منه اجتناب إذا ذهب العتاب فليس ودّ ... ويبقى الودّ ما بقي العتاب والعتبى: الرّضا، وأعتبه: أعطاه العتبى وأرضاه، والعتبى (أيضا) رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضي العاتب، والإعتاب كذلك، والاستعتاب طلبك إلى المسيء الرّجوع عن إساءته، وقال أبو منصور: العتب والعتبان: لومك الرّجل على إساءة كانت له إليك، فاستعتبته منها، وكلّ واحد من اللّفظين (العتب والعتبان) يخلص للعاتب، فإذا اشتركا في ذلك، وذكّر كلّ واحد منهما صاحبه ما فرط منه إليه من الإساءة، فهو العتاب والمعاتبة، وفي الحديث: كان يقول لأحدنا عند المعتبة «١» : ماله تربت يمينه! والعتب: الرّجل الّذي يعاتب صاحبه أو صديقه في كلّ شيء إشفاقا عليه ونصيحة له، والعتوب: الّذي لا يعمل فيه العتاب، ويقال إذا تعاتبوا: أصلح ما بينهم العتاب، وروي عن أبي الدّرداء أنّه قال: معاتبة الأخ خير من فقده، والعتبى اسم على فعلى، يوضع موضع الإعتاب وهو الرّجوع عن الإساءة إلى ما يرضي العاتب، وفي الحديث: لا يعاتبون في أنفسهم، يعني لعظم ذنوبهم وإصرارهم عليها، وإنّما يعاتب من ترجى عنده العتبى، وفي الحديث الشّريف: لا يتمنّينّ أحدكم الموت، إمّا محسنا فلعلّه يزداد، وإمّا مسيئا فلعلّه يستعتب، أي يرجع عن الإساءة ويطلب الرّضا، ومنه الحديث. «ولا بعد الموت من مستعتب» معناه: ليس بعد الموت من استرضاء، لأنّ الأعمال بطلت، وانقضى زمانها، وما بعد الموت دار جزاء لا دار عمل «٢» . المعاتبة اصطلاحا: قال المناويّ: العتاب هو مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة «٣» . وقال أبو منصور الأزهريّ: التّعتّب والمعاتبة والعتاب: كلّ ذلك مخاطبة المدلّين أخلّاءهم، طالبين حسن مراجعتهم ومذاكرة بعضهم بعضا ما كرهوه ممّا كسبهم الموجدة «٤» . التوسط فى المعاتبة: قال الماورديّ- ﵀: إنّ كثرة العتاب تكون سببا للقطيعة، واطّراح جميعه دليل علي قلّة الاكتراث بأمر الصّديق، وقد قيل: علّة المعاداة قلّة المبالاة، والمفروض أن تتوسّط الحال بين العتاب وتركه،

стр. 4135

فيسامح بالمتاركة، ويستصلح بالمعاتبة، لأنّ المسامحة والاستصلاح إذا اجتمعا، لم يلبث معهما نفور، ولم يبق معهما وجد، وقد قال بعضهم: لا تكثرنّ معاتبة إخوانك فيهون عليهم سخطك «١» . المصارحة لغة: المصارحة مصدر قولهم: صارحه بكذا إذا صرّح له بما في نفسه أي أظهره، وهي مأخوذة من مادّة (ص ر ح) الّتي تدلّ على ظهور الشّيء وبروزه، ومن ذلك الشّيء الصّريح (أي الخالص) ، وكلّ خالص صريح، يقال هو بيّن الصّراحة والصّروحة «٢» ، والصّريح اللّبن إذا ذهبت رغوته، وجاء بنوا تميم صريحة: إذا لم يخالطهم غيرهم ويقال: انصرح الحقّ أي بان، وشتمت فلانا مصارحة، أي كفاحا ومواجهة، والتّصريح خلاف التّعريض، ويوم مصرّح أي ليس فيه سحاب، وفي المثل: صرّح الحقّ عن محضه أي انكشف «٣» ، وقال ابن منظور: الصّرح والصّريح والصّراح والصّراح والصّراح المحض الخالص من كلّ شيء «٤» ، وفي حديث ابن عبّاس- ﵄ أنّه سئل متى يحلّ شراء النّخل؟ قال: حين يصرّح. قيل: وما التّصريح؟ قال: حين يستبين الحلو من المرّ، والتّصريح ضدّ الكناية «٥» ، وفي المثل: ظهر الصّريح بجانب المتن، يضرب هذا للأمر الّذي وضح، ويقال صرّح فلان ما في نفسه (تصريحا) ، وصارح (غيره به) مصارحة إذا أبدى ما في نفسه وأظهره «٦» . المصارحة اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات الّتي وقفنا عليها «المصارحة» مصطلحا ومن ثمّ تكون باقية على أصل معناها الّذي ذكره اللّغويّون وهو: أن يظهر كلّ متحدّث للآخر رأيه واضحا جليّا دون لبس أو غموض. أمّا التّصريح عند علماء البلاغة فهو ما ليس بكناية أو تعريض والمراد بالكناية أن تعبّر عن الشّيء وأنت تريد لازم معناه دون أن تصرّح بذلك المعنى كقولك: فلان كثير الرّماد تريد كونه كريما، أمّا التّعريض فهو أن تستعمل اللّفظ في معناه لكي تلوّح به إلى غيره كأن تخاطب شخصا بشيء وأنت تريد اتّصاف غيره به (إيّاك أعني واسمعي يا جارة) ، ولكلّ من التّصريح والكناية والتّعريض موطنه الّذي يستعمل فيه ومقامه الّذي يتطلّبه وإذا استعمل في غير ذلك كان غير مطلوب. [للاستزادة: انظر صفات: الإخاء- التذكير- التودد- الصدق- النصيحة- الوعظ- الإرشاد- المحبة. وفي ضد ذلك: الإهمال- الجفاء- الحقد- الهجر الإعراض- التفريط والإفراط- التهاون- البغض النفاق- الرياء] .
следующие страницы →