← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

الله! آنت سمعت هذا من رسول الله ﷺ ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه. وقال: سمعته أذناي ووعاه قلبي. فقلت له: هذا ابن عمّك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا والله يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (النساء/ ٢٩) . قال: فسكت ساعة ثمّ قال: «أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله» ) * «١» . ٤٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» ) * «٢» . ٤٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا. ولا تؤمنوا «٣» حتّى تحابّوا. أولا أدلّكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السّلام بينكم «٤» » ) * «٥» . ٤٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «لا يجد أحد حلاوة الإيمان حتّى يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله، وحتّى أن يقذف في النّار أحبّ إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد إذ أنقذه الله، وحتّى يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما» ) * «٦» . ٤٧-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال ذرّة من كبر» . قال رجل: إنّ الرّجل يحبّ أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا. قال: «إنّ الله جميل يحبّ الجمال. الكبر بطر الحقّ «٧» وغمط النّاس «٨» » ) * «٩» . ٤٨-* (عن أنس- ﵁ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه» ) * «١٠» . ٤٩-* (عن أبي سلمة أنّه قال: لقد كنت أرى الرّؤيا فتمرضني، حتّى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت أرى الرّؤيا تمرضني، حتّى سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «الرّؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم ما يحبّ فلا يحدّث به إلّا من يحبّ. وإذا رأى ما يكره فليتعوّذ بالله من شرّها ومن شرّ الشّيطان، وليتفل ثلاثا، ولا يحدّث بها أحدا، فإنّها لن تضرّه» ) * «١١» . ٥٠-* (عن عائشة- ﵂ قالت: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة وعك «١٢» أبو بكر

стр. 4062

وبلال، فكان أبو بكر إذا أخذته الحمّى يقول: كلّ امرىء مصبّح في أهله ... والموت أدنى من شراك نعله وكان بلال إذا أقلع عنه الحمّى يرفع عقيرته «١» يقول: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة ... بواد وحولي إذخر «٢» وجليل وهل أردن يوما مياه مجنّة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل وقال: «اللهمّ العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة وأميّة بن خلف، كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء» . ثمّ قال رسول الله ﷺ : «اللهمّ حبّب إلينا المدينة كحبّنا مكّة أو أشدّ. اللهمّ بارك لنا في صاعنا وفي مدّنا، وصحّحها لنا، وانقل حمّاها إلى الجحفة» قالت: وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله، فكان بطحان «٣» يجري نجلا «٤» . تعني ماء آجنا «٥» ) * «٦» . ٥١-* (عن عائشة- ﵂ قالت: ما أحبّ رسول الله ﷺ إلّا ذا تقى) * «٧» . ٥٢-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحبّ لقاء الله، أحبّ الله لقاءه. ومن كره لقاء الله، كره الله لقاءه» . فقلت: يا نبيّ الله! أكراهية الموت؟ فكلّنا نكره الموت. فقال: «ليس كذلك. ولكنّ المؤمن إذا بشّر برحمة الله ورضوانه وجنّته، أحبّ لقاء الله، فأحبّ الله لقاءه. وإنّ الكافر إذا بشّر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله، وكره الله لقاءه» ) * «٨» . ٥٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من أيّام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيّام العشر» . فقالوا: يا رسول الله! ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : «ولا الجهاد في سبيل الله، إلّا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء» ) * «٩» . ٥٤-* (عن أبي أمامة الباهليّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ ، قال: «من أحبّ لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان» ) * «١٠» . ٥٥-* (عن جابر بن عتيك- ﵁ أنّ نبيّ الله ﷺ ، كان يقول: «من الغيرة ما يحبّ الله،

стр. 4063

ومنها ما يبغض الله؛ فأمّا الّتي يحبّها الله فالغيرة في الرّيبة، وأمّا الغيرة الّتي يبغضها الله فالغيرة في غير ريبة. وإنّ من الخيلاء ما يبغض الله، ومنها ما يحبّ الله؛ فأمّا الخيلاء الّتي يحبّ الله فاختيال الرّجل بنفسه عند القتال، واختياله عند الصّدقة، وأمّا الّتي يبغض الله فاختياله في البغي والفخر» ) * «١» . ٥٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القويّ خير وأحبّ إلى الله من المؤمن الضّعيف، وفي كلّ خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أنّي فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإنّ لو تفتح عمل الشّيطان» ) * «٢» . ٥٧-* (عن فاطمة بنت قيس أنّها قالت: نكحت ابن المغيرة. وهو من خيار شباب قريش يومئذ، فأصيب في أوّل الجهاد «٣» مع رسول الله ﷺ . فلمّا تأيّمت «٤» خطبني عبد الرّحمن بن عوف، في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ . وخطبني رسول الله ﷺ على مولاه أسامة بن زيد. وكنت قد حدّثت؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من أحبّني فليحبّ أسامة ... الحديث» ) * «٥» . ٥٨-* (عن عمرو بن عبسة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قال الله- قد حقّت محبّتي للّذين يتحابّون من أجلي، وقد حقّت محبّتي للّذين يتزاورون من أجلي، وقد حقّت محبّتي للّذين يتباذلون من أجلي، وقد حقّت محبّتي للّذين يتصادقون من أجلي. ما من مؤمن ولا مؤمنة يقدّم الله له ثلاثة أولاد من صلبه، لم يبلغوا الحنث «٦» إلّا أدخله الله الجنّة بفضل رحمته إيّاهم» . وفي رواية: «وحقّت محبّتي للّذين يتناصرون من أجلي، وحقّت محبّتي للّذين يتصادقون من أجلي» ) * «٧» . ٥٩-* (عن زرّ، قال: قال عليّ- ﵁: والّذي فلق الحبّة وبرأ النّسمة «٨» إنّه لعهد النّبيّ الأمّيّ ﷺ إليّ: «أن لا يحبّني إلّا مؤمن، ولا يبغضني إلّا منافق» ) * «٩» . ٦٠-* (عن أبي مالك الأشعريّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ أقبل على النّاس بوجهه، فقال: «يأيّها النّاس، اسمعوا واعقلوا، واعلموا أنّ لله عبادا ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشّهداء على مجالسهم وقربهم من الله» فجاء رجل من الأعراب من قاصية النّاس وألوى بيده إلى

стр. 4064

نبىّ الله ﷺ فقال: يا نبيّ الله! ناس من النّاس ليسوا بأنبياء ولا شهداء، يغبطهم الأنبياء والشّهداء على مجالسهم وقربهم من الله؟! انعتهم لنا- يعنى: صفهم لنا- فسرّ وجه رسول الله ﷺ لسؤال الأعرابيّ، فقال رسول الله ﷺ : «هم ناس من أفناء النّاس «١» ونوازع القبائل «٢» ، لم تصل بينهم أرحام متقاربة، تحابّوا في الله، وتصافوا، يضع الله لهم يوم القيامة منابر من نور، ويجلسهم عليها، فيجعل وجوههم نورا وثيابهم نورا. يفزع النّاس يوم القيامة ولا يفزعون، وهم أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون» ) * «٣» . ٦١-* (عن أنس- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «لا يؤمن أحدكم حتّى أكون أحبّ إليه من ماله وولده والنّاس أجمعين» ) * «٤» . ٦٢-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: قلت: يا رسول الله، أقرأ من سورة يوسف وسورة هود؟ فقال: «يا عقبة، اقرأ ب أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فإنّك لن تقرأ بسورة أحبّ إلى الله، وأبلغ عنده منها، فإن استطعت أن لا تفوتك فافعل» ) * «٥» . الأحاديث الواردة في (المحبة) معنى ٦٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يقول الله- : أنا عند ظنّ عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني: إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم، وإن تقرّب منّي شبرا، تقرّبت إليه ذراعا. وإذا تقرّب إليّ ذراعا، تقرّبت منه باعا، وإذا أتاني يمشي، أتيته هرولة» ) * «٦» . ٦٤-* (عن رجل من بني سليط، قال: أتيت النّبيّ ﷺ وهو في أزفلة «٧» من النّاس فسمعته يقول: «المسلم أخو المسلم، لا يخذله ولا يحقره، التّقوى هاهنا (وأشار إلى صدره) . وما توادّ رجلان في الله- ﵎ فيفرّق بينهما إلّا بحدث «٨» يحدثه أحدهما» ) * «٩» .

стр. 4065

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (المحبة) ٦٥-* (عن المسور بن مخرمة- ﵁ قال: سمعت النّبيّ ﷺ يقول وهو على المنبر: «إنّ بني هشام بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم عليّ ابن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثمّ لا آذن لهم، ثمّ لا آذن لهم، إلّا أن يحبّ ابن أبي طالب أن يطلّق ابنتي وينكح ابنتهم فإنّما ابنتي بضعة منّي، يريبني ما رابها ويؤذيني ما آذاها» ) * «١» . ٦٦-* (عن عائشة- ﵂ أنّ نساء رسول الله ﷺ كنّ حزبين: فحزب فيه عائشة وحفصة وصفيّة وسودة، والحزب الآخر أمّ سلمة وسائر نساء رسول الله ﷺ ، وكان المسلمون قد علموا حبّ رسول الله ﷺ عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هديّة يريد أن يهديها إلى رسول الله ﷺ أخّرها، حتّى إذا كان رسول الله ﷺ في بيت عائشة بعث صاحب الهديّة إلى رسول الله ﷺ في بيت عائشة. فكلّم حزب أمّ سلمة فقلن لها: كلّمي رسول الله ﷺ يكلّم النّاس فيقول: من أراد أن يهدي إلى رسول الله ﷺ هديّة فليهدها حيث كان من بيوت نسائه، فكلّمته أمّ سلمة بما قلن، فلم يقل لها شيئا، فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا، فقلن لها: فكلّميه، قالت: فكلّمته حين دار إليها أيضا، فلم يقل لها شيئا. فسألنها فقالت: ما قال لي شيئا. فقلن لها: كلّميه حتّى يكلّمك. فدار إليها فكلّمته، فقال لها: لا تؤذيني في عائشة، فإنّ الوحي لم يأتني وأنا في ثوب امرأة إلّا عائشة. قالت: أتوب إلى الله من أذاك يا رسول الله. ثمّ إنّهنّ دعون فاطمة بنت رسول الله ﷺ فأرسلت إلى رسول الله ﷺ تقول: إنّ نساءك ينشدنك العدل «٢» في بنت أبي بكر. فكلّمته، فقال: يا بنيّة، ألا تحبّين ما أحبّ؟ قالت: بلى. فرجعت إليهنّ فأخبرتهنّ، فقلن: ارجعي إليه، فأبت أن ترجع. فأرسلن زينب بنت جحش، فأتته فأغلظت وقالت: إنّ نساءك ينشدنك الله العدل في بنت ابن أبي قحافة، فرفعت صوتها حتّى تناولت عائشة- وهي قاعدة- فسبّتها، حتّى إنّ رسول الله ﷺ لينظر إلى عائشة هل تكلّم؟ قال: فتكلّمت عائشة تردّ على زينب حتّى أسكتتها. قالت: فنظر النّبيّ ﷺ إلى عائشة وقال: «إنّها بنت أبي بكر «٣» » ) * «٤» . ٦٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال لأبي طلحة: «التمس لي غلاما من غلمانكم يخدمني حتّى أخرج إلى خيبر» ، فخرج بي أبو

стр. 4066

طلحة مردفي وأنا غلام راهقت الحلم، فكنت أخدم رسول الله ﷺ إذا نزل، فكنت أسمعه كثيرا يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من الهمّ والحزن، والعجز والكسل، والبخل والجبن، وضلع الدّين، وغلبة الرّجال» . ثمّ قدمنا خيبر، فلمّا فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفيّة بنت حييّ بن أخطب- وقد قتل زوجها، وكانت عروسا- فاصطفاها رسول الله ﷺ لنفسه، فخرج بها حتّى بلغنا سدّ الصّهباء حلّت، فبنى بها «١» ، ثمّ صنع حيسا في نطع «٢» صغير، ثمّ قال رسول الله ﷺ : «آذن من حولك» . فكانت تلك وليمة رسول الله ﷺ على صفيّة. ثمّ خرجنا إلى المدينة قال: فرأيت رسول الله ﷺ يحوّي «٣» لها وراءه بعباءة، ثمّ يجلس عند بعيره فيضع ركبته، فتضع صفيّة رجلها على ركبته حتّى تركب، فسرنا حتّى إذا أشرفنا على المدينة نظر إلى أحد فقال: «هذا جبل يحبّنا ونحبّه» ثمّ نظر إلى المدينة فقال: «اللهمّ إنّي أحرّم ما بين لابتيها بمثل ما حرّم إبراهيم مكّة. اللهمّ بارك لهم في مدّهم وصاعهم» ) * «٤» . ٦٨-* (عن أسامة بن زيد ﵄؛ حدّث عن النّبيّ ﷺ : «أنّه كان يأخذه والحسن فيقول: «اللهمّ أحبّهما فإنّي أحبّهما» ) «٥» . ٦٩-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «حبّب إليّ: النّساء والطّيب، وجعل قرّة عيني في الصّلاة» ) * «٦» . ٧٠-* (عن أنس- ﵁ قال: رأى النّبيّ ﷺ النّساء والصّبيان مقبلين- قال: حسبت أنّه قال: من عرس- فقام النّبيّ ﷺ ممثلا «٧» فقال: «اللهمّ أنتم من أحبّ النّاس إليّ» . قالها ثلاث مرار) * «٨» . ٧١-* (عن البراء- ﵁ قال: رأيت النّبيّ ﷺ والحسن بن عليّ على عاتقه يقول: «اللهمّ إنّي أحبّه فأحبّه» ) * «٩» . ٧٢-* (عن عائشة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ ، قالت: كان أوّل ما بدىء به رسول الله ﷺ من الوحي الرّؤيا الصّادقة في النّوم. فكان لا يرى رؤيا إلّا جاءت مثل فلق الصّبح. ثمّ حبّب إليه الخلاء. فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه (وهو التّعبّد) اللّيالي أولات العدد. قبل أن يرجع إلى أهله ويتزوّد لذلك، ثمّ يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها. حتّى فجئه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك

стр. 4067

فقال: اقرأ. قال: «ما أنا بقارىء» . قال: فأخذني فغطّني حتّى بلغ منّي الجهد، ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. قال: قلت: «ما أنا بقارىء» . قال: فأخذنى فغطّني الثّانية حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني. فقال: اقرأ. فقلت: «ما أنا بقارىء» . فأخذني فغطّني الثّالثة حتّى بلغ منّي الجهد. ثمّ أرسلني. فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ* خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (العلق/ ١- ٥) . فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره «١» حتّى دخل على خديجة. فقال: «زمّلوني، زمّلوني» . فزمّلوه حتّى ذهب عنه الرّوع «٢» . ثمّ قال لخديجة: «أي خديجة! مالي؟!» ، وأخبرها الخبر. قال «لقد خشيت على نفسي» . قالت له خديجة: كلّا. أبشر. فو الله لا يخزيك الله أبدا. والله إنّك لتصل الرّحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ «٣» ، وتكسب المعدوم «٤» ، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ. فانطلقت به خديجة حتّى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزّى، وهو ابن عمّ خديجة أخي أبيها، وكان امرأ تنصّر في الجاهليّة، وكان يكتب الكتاب العربيّ، ويكتب من الإنجيل بالعربيّة ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي. فقالت له خديجة: أي عمّ! اسمع من ابن أخيك. قال ورقة بن نوفل: يا ابن أخي! ماذا ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رآه. فقال له ورقة: هذا النّاموس «٥» الّذي أنزل على موسى ﷺ ، ياليتني فيها جذعا «٦» ، يا ليتني أكون حيّا حين يخرجك قومك. قال رسول الله ﷺ : «أو مخرجيّ هم؟» . قال ورقة: نعم، لم يأت رجل قطّ بما جئت به إلّا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزّرا) * «٧» . ٧٣-* (عن سهل بن سعد- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: «لأعطينّ هذه الرّاية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله» . قال: فبات النّاس يدوكون «٨» ليلتهم: أيّهم يعطاها؟ فلمّا أصبح النّاس غدوا على رسول الله ﷺ ، كلّهم يرجو أن يعطاها، فقال: «أين عليّ بن أبي طالب؟» . فقيل: هو يا رسول الله يشتكي عينيه. قال: «فأرسلوا إليه» فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه، ودعا له فبرأ، حتّى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الرّاية. فقال عليّ: يا رسول الله! أقاتلهم حتّى يكونوا مثلنا. فقال: «انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثمّ ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ

стр. 4068

الله فيه، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من أن يكون لك حمر النّعم» ) * «١» . ٧٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لولا أن أشقّ على أمّتي ما تخلّفت عن سريّة، ولكن لا أجد حمولة، ولا أجد ما أحملهم عليه، ويشقّ عليّ أن يتخلّفوا عنّي، ولوددت أنّي قاتلت في سبيل الله فقتلت ثمّ أحييت، ثمّ قتلت، ثمّ أحييت» ) * «٢» . ٧٥-* (عن أبي ذرّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: يا أبا ذرّ، إنّي أراك ضعيفا. وإنّي أحبّ لك ما أحبّ لنفسي. لا تأمّرنّ «٣» على اثنين ولا تولّينّ مال يتيم» ) * «٤» . ٧٦-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ أخذ بيده وقال: «يا معاذ، والله إنّي لأحبّك، والله إنّي لأحبّك» ، فقال: «أوصيك يا معاذ لا تدعنّ في دبر كلّ صلاة تقول: اللهمّ أعنّي على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المحبة) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: وضع عمر على سريره، فتكنّفه «٦» النّاس يدعون ويصلّون قبل أن يرفع، وأنا فيهم، فلم يرعني إلّا رجل آخذ منكبي، فإذا عليّ بن أبي طالب، فترحّم على عمر وقال: ما خلّفت أحدا أحبّ إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك. وايم الله إن كنت لأظنّ أن يجعلك الله مع صاحبيك، وحسبت أنّي كثيرا أسمع النّبيّ ﷺ يقول: «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر» ) * «٧» . ٢-* (عن حرملة مولى أسامة بن زيد- ﵄ أنّه بينما هو مع عبد الله بن عمر إذ دخل الحجّاج بن أيمن، فلم يتمّ ركوعه ولا سجوده فقال: أعد. فلمّا ولّى، قال لي ابن عمر: من هذا؟ قلت: الحجّاج بن أيمن بن أمّ أيمن. فقال ابن عمر: «لو رأى هذا رسول الله ﷺ لأحبّه. فذكر حبّه وما ولدته أمّ أيمن» . قال: «وزادني بعض أصحابي عن سليمان:

стр. 4069

وكانت حاضنة النّبيّ ﷺ » ) * «١» . ٣-* (عن مجاهد- ﵀ قال: «مرّ على عبد الله بن عبّاس رجل فقال: إنّ هذا يحبّني. فقيل: أنّى علمت ذلك؟ قال: إنّي أحبّه» ) * «٢» . ٤-* (عن أبي حيّان التّيميّ- ﵀ قال: «رؤي على عليّ بن أبي طالب- ﵁ ثوب كأنّه كان يكثر لبسه، فقيل له فيه. فقال: هذا كسانيه خليلي وصفيّي عمر بن الخطّاب- ﵁ إنّ عمر ناصح الله فنصحه» ) * «٣» . ٥-* (عن ابن عون قال: «ثلاث أحبّهنّ لنفسي ولإخواني: هذه السّنّة أن يتعلّموها ويسألوا عنها، والقرآن أن يتفهّموه ويسألوا النّاس عنه، ويدعوا النّاس إلّا من خير» ) * «٤» . ٦-* (قال رجل لخالد بن صفوان: «أخوك أحبّ إليك أم صديقك؟» . فقال: إنّ أخي إذا لم يكن لي صديقا لم أحبّه» ) * «٥» . ٧-* (عن سفيان بن عيينة، قال: «سمعت مساور الورّاق يحلف بالله- ما كنت أقول لرجل إنّي أحبّك في الله- فأمنعه شيئا من الدّنيا» ) * «٦» . ٨-* (قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀: «ما حفظت حدود الله ومحارمه، ووصل الواصلون إليه بمثل خوفه ورجائه ومحبّته. وهذه الثّلاثة: الحبّ والخوف والرّجاء، هي الّتي تبعث على عمارة الوقت بما هو الأولى لصاحبه، والأنفع له، وهي أساس السّلوك، والسّير إلى الله. وهذه الثّلاثة هي قطب رحى العبوديّة، وعليها دارت رحى الأعمال. فمتى خلا القلب من هذه الثّلاث فسد فسادا لا يرجى صلاحه أبدا، ومتى ضعف فيه شيء من هذه ضعف إيمانه بحسبه» ) * «٧» . ٩-* (وقال- ﵀: «إنّك إذا أحببت الشّخص لله، كان الله هو المحبوب لذاته، فكلّما تصوّرته في قلبك، تصوّرت محبوب الحقّ فأحببته، فازداد حبّك لله، كما إذا ذكرت النّبيّ ﷺ والأنبياء قبله والمرسلين وأصحابهم الصّالحين، وتصوّرتهم في قلبك، فإنّ ذلك يجذب قلبك إلى محبّة الله المنعم عليهم، وبهم، إذا كنت تحبّهم لله. فالمحبوب لله يجذب إلى محبّة الله، والمحبّ لله إذا أحبّ شخصا لله فإنّ الله هو محبوبه. فهو يحبّ أن يجذبه إلى الله تعالى، وكلّ من المحبّ لله والمحبوب لله يجذب إلى الله» ) * «٨» . ١٠-* (قال ابن القيّم- ﵀: «على حسب المحبّة وقوّتها يكون الرّجاء، فكلّ محبّ راج،

стр. 4070

خائف بالضّرورة، فهو أرجى ما يكون لحبيبه وأحبّ ما يكون إليه، وكذلك خوفه فإنّه يخاف سقوطه من عينه، وطرد محبوبه له إبعاده، واحتجابه عنه. فخوفه أشدّ خوف، ورجاؤه ذاتيّ للمحبّة، فإنّه يرجوه قبل لقائه والوصول إليه. فتأمّل هذا الموضع حقّ التّأمّل يطلعك على أسرار عظيمة من أسرار العبوديّة والمحبّة. فكلّ محبّة فهي مصحوبة بالخوف والرّجاء، وعلى قدر تمكّنها من قلب المحبّ يشتدّ خوفه ورجاؤه» ) * «١» . ١١-* (وقال- ﵀: «المحبّة هي حياة القلوب وغذاء الأرواح، وليس للقلب لذّة، ولا نعيم، ولا فلاح، ولا حياة إلّا بها. وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمّه، واللّسان إذا فقد نطقه، بل فساد القلب إذا خلا من محبّة فاطره وبارئه وإلهه الحقّ أعظم من فساد البدن إذا خلا من الرّوح، وهذا الأمر لا يصدّق به إلّا من فيه حياة» ) * «٢» . ١٢-* (وقال أيضا: «لا ينال رضا المحبوب وقربه والابتهاج والفرح بالدّنوّ منه، والزّلفى لديه، إلّا على جسر من الذّلّة والمسكنة وعلى هذا قام أمر المحبّة فلا سبيل إلى الوصول إلى المحبوب إلّا بذلك» ) * «٣» . ١٣-* (وقال: «المحبّ الصّادق: لا بدّ أن يقارنه أحيانا فرح بمحبوبه، ويشتدّ فرحه به، ويرى مواقع لطفه به، وبرّه به، وإحسانه إليه، وحسن دفاعه عنه، والتّلطّف في إيصاله المنافع والمسارّ والمبارّ إليه بكلّ طريق، ودفع المضارّ والمكاره عنه بكلّ طريق» ) * «٤» . ١٤-* (وقال ﵀: «قرّة عين المحبّ ولذّته ونعيم روحه: في طاعة محبوبه، بخلاف المطيع كرها، المتحمّل للخدمة ثقلا: الّذي يرى أنّه لولا ذلّ قهره لما أطاع، فهو يتحمّل طاعته كالمكره الّذي أذلّه مكرهه وقاهره، بخلاف المحبّ الّذي يعدّ طاعة محبوبه قوتا ونعيما، ولذّة وسرورا، فهذا ليس الحامل له ذلّ الإكراه» ) * «٥» . ١٥-* (وقال أيضا- ﵀: «إنّ ما يفعله المحبّ الصّادق، ويأتي به في خدمة محبوبه، هو أسرّ شيء إليه، وألذّه عنده، ولا يرى ذلك تكليفا» ) * «٦» . ١٦-* (وقال- ﵀: «المحبّ الصّادق إن نطق نطق لله وبالله، وإن سكت سكت لله، وإن تحرّك فبأمر الله، وإن سكن فسكونه استعانة على مرضاة الله، فحبّه لله وبالله ومع الله» ) * «٧» . ١٧-* (قال ابن قدامة: «علامة المحبّة، كمال الأنس بمناجاة المحبوب، وكمال التّنعّم بالخلوة، وكمال الاستيحاش من كلّ ما ينقض عليه الخلوة.

стр. 4071

ومتى غلب الحبّ والأنس صارت الخلوة والمناجاة قرّة عين تدفع جميع الهموم، بل يستغرق الحبّ والأنس قلبه» ) * «١» . ١٨-* (قال بعضهم: تعصي الإله وأنت تزعم حبّه ... هذا محال في القياس بديع لو كان حبّك صادقا لأطعته ... إنّ المحبّ لمن يحبّ مطيع «٢» . ١٩-* (قال الشّيخ سيّد قطب- ﵀: «حبّ الله لعبد من عبيده، أمر هائل عظيم، وفضل غامر جزيل لا يقدر على إدراك قيمته إلّا من يعرف الله سبحانه بصفاته كما وصف نفسه» ) * «٣» . من فوائد (المحبة) (١) دلالة على كمال الإيمان وحسن الإسلام. (٢) المحبّة تغذّي الأرواح والقلوب وبها تقرّ العيون، بل إنّها هي الحياة الّتي يعدّ من حرم منها من جملة الأموات «٤» . (٣) قلب صاحبها تغشاه مباركة الله ونعمه على الدّوام. (٤) تظهر آثار المحبّة عند الشّدائد والكربات. (٥) من ثمار المحبّة النّعيم والسّرور في الدّنيا الموصّل إلى نعيم وسرور الآخرة. (٦) في حبّ الله تعالى حمد المحبوب والرّضى عنه وشكره وخوفه ورجاؤه والتّنعّم بذكره والسّكون إليه والأنس به والإنفاق في سبيله. (٧) حبّ النّبيّ ﷺ يوجب السّعي إلى إحياء سنّته. والحفاظ على دعوته. (٨) محبّة النّاس مع التّودّد إليهم تحقّق الكمال الإنسانيّ لمن يسعى إليه. (٩) وحبّه ﷺ يستوجب حبّ من أحبّه وما أحبّه. (١٠) محبّة الإخوان في الله من محبّة الله ورسوله. (١١) التّحابّ في الله يجعل المتحابّين في الله من الّذين يستظلّون بظلّ الله تعالى يوم لا ظلّ إلّا ظلّه (الحديث ٣٥) . (١٢) لا يكتمل إيمان المرء إلّا إذا تحقّق حبّه لأخيه ما يحبّه لنفسه وفي هذا ما يخلّصه من داء الأنانيّة (الحديث ٤٨) . (١٣) أن يستشعر المرء حلاوة الإيمان فيذوق طعم الرّضا وينعم بالرّاحة النّفسيّة (الحديث ٢٧) . (١٤) حبّ الله ورسوله وسيلة أكيدة لاستجلاب نصر الله وعونه (الحديث ٧٣) .

стр. 4072

المداراة المداراة لغة: مصدر قولهم دارى فلان فلانا بمعنى ختله وخدعه، يقول ابن فارس: الدّال والرّاء والحرف المعتلّ (الياء) أصلان: أحدهما: قصد الشّيء واعتماده طلبا، والآخر حدّة تكون في الشّيء، وأمّا المهموز (درأ) فأصل واحد وهو دفع الشّيء، ومن المعنى الأوّل للمعتلّ (درى) قولهم: ادّرى بنو فلان مكان كذا، أي اعتمدوه بغزو أو غارة، والدّريّة الدّابّة الّتي يستتر بها الّذى يرمي الصّيد ليصيده، ومن الأصل الآخر قولهم: شاة مدراة: حديدة القرنين، وأمّا الأصل المهموز فمنه قولهم: درأت الشّيء دفعته، قال تعالى: وَيَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ (النور/ ٨) . وقال الجوهريّ: ومداراة النّاس تهمز ولا تهمز، وهي المداجاة (أي المساندة للعداوة) والملاينة، وتدّراه وادّراه بمعنى أي ختله، قال سحيم: وماذا تدّري الشّعراء منّي ... وقد جاوزت حدّ الأربعين وقولهم: السّلطان ذو تدرإ أي ذو عدّة وقوّة على دفع أعدائه عن نفسه، والمدارأة: المخالفة والمدافعة ويقال: فلان لا يدارىء ولا يمارىء، فأمّا المداراة ففي الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٦/ ٦/ ١٩ حسن الخلق والمعاشرة؛ لأنّه يهمز ولا يهمز، تقول داريته ودارأته، إذا اتّقيته ولاينته. وقال ابن منظور: المداراة: المخالفة والمدافعة، يقال فلان: ذو تدرأ، أي حفاظ ومنعة وقوّة على أعدائه ومدافعة، وذلك في الحرب والخصومة. وأصله مهموز، فيقال: دارأته مدارأة وغير مهموز فيقال: داريته وذلك إذا اتّقيته ولاينته. ومنهم من فرّق بين المهموز وغيره فجعل المهموز بمعنى الاتّقاء لشرّه وغير المهموز لمعنى الختل، فيقال: فلان لا يداري ولا يماري، وكذلك في حديث قيس بن السّائب- ﵁: قال: كان النّبيّ ﷺ شريكي فكان خير شريك، لا يداري ولا يماري. قال أبو عبيد: معناه هنا المشاغبة والمخالفة على الشّريك؛ لأنّه من المهموز يعني درأت، ومنه كذلك قوله تعالى: فَادَّارَأْتُمْ فِيها (البقرة/ ٧٢) يعني اختلافهم في القتل. والمدارأة أيضا: الاعوجاج والاختلاف والنّشوز، قال الشّعبيّ في المرأة المختلعة: إذا كان الدّرء من قبلها فلا بأس أن يأخذ منها. ويقال: درأ الدّريئة للصّيد يدرؤها: إذا ساقها واستتر بها فإذا أمكنه الصّيد رمى، كما يقال: ادّرأت للصّيد إذا اتّخذت له دريئة «١» .

стр. 4073

واصطلاحا: قال المناويّ: المداراة: الملاينة والملاطفة، وأصلها المخاتلة ومنه: الدّراية وهو العلم مع تكلّف وحيلة «١» . قال ابن بطّال- رحمه الله تعالى-: المداراة: خفض الجناح للنّاس، ولين الكلام وترك الإغلاظ لهم في القول. وقال ابن حجر: المداراة الدّفع برفق «٢» . المداراة لا بد منها في الحياة: قال ابن حبّان- رحمه الله تعالى-: الواجب على العاقل أن يلزم المداراة مع من دفع إليه في العشرة من غير مفارقة المداهنة، إذ المداراة من المداري صدقة له، والمداهنة من المداهن تكون خطيئة عليه، والفصل بين المداراة والمداهنة: هو أن يجعل المرء وقته في الرّياضة لإصلاح الوقت الّذي هو له مقيم بلزوم المداراة من غير ثلم في الدّين من جهة من الجهات، فمتى ما تخلّق المرء بخلق شابه بعض ما كره الله منه في تخلّقه فهذا هو المداهنة، لأنّ عاقبتها تصير إلى قلّ ويلازم المداراة لأنّها تدعو إلى صلاح أحواله، ومن لم يدار النّاس ملّوه، وقد أنشد عليّ بن محمّد البسّاميّ: دار من النّاس ملا لاتهم ... من لم يدار النّاس ملّوه ومكرم النّاس حبيب لهم ... من أكرم النّاس أحبّوه فالواجب على العاقل أن يداري النّاس مداراة الرّجل السّابح في الماء الجاري، ومن ذهب إلى عشرة النّاس من حيث هو كدّر على نفسه عيشه، ولم تصف له مودّتهم، لأنّ وداد النّاس لا يستجلب إلّا بمساعدتهم على ما هم عليه. إلّا أن يكون مأثما، فإذا كانت حالة معصية فلا سمع ولا طاعة، والبشر قد ركّب فيهم أهواء مختلفة وطبائع متباينة، فكما يشقّ عليك ترك ما جبلت عليه فكذلك يشقّ على غيرك مجانبة مثله، فليس إلى صفو ودادهم سبيل إلّا بمعاشرتهم من حيث هم، والإغضاء عن مخالفتهم في كلّ الأوقات، إذ إنّ من لم يعاشر النّاس على لزوم الإغضاء عمّا يأتون من المكروه، وترك التّوقّع لما يأتون من المحبوب كان إلى تكدير عيشه أقرب منه إلى صفائه، وإلى أن يدفعه الوقت إلى العداوة والبغضاء أقرب منه إلى أن ينال منهم الوداد، وترك الشّحناء، ومن لم يدار صديق السّوء كما يداري صديق الصّدق ليس بحازم، ولقد أحسن الّذي يقول: تجنّب صديق السّوء واصرم حباله ... وإن لم تجد عنه محيصا فداره وأحبب حبيب الصّدق واحذر مراءه ... تنل منه صفو الودّ ما لم تماره وذلك لأنّه إذا كان كلّما رأى من أحد زلّة رفضه لزلّته بقي وحيدا، لا يجد من يعاشر، وفريدا لا يجد من يخادن، بل يغضي على الأخ الصّادق زلّاته ولا يناقش الصّديق السّيّيء على عثراته. وقد قال منصور بن محمّد الكريزيّ:

стр. 4074

أغمّض عيني عن صديقي كأنّني ... لديه بما يأتي من القبح جاهل وما بي جهل غير أنّ خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما أحاول متى ما يربني مفصل فقطعته ... بقيت ومالي في نهوضي مفاصل ولكن أداريه، وإن صحّ شدّني ... فإن هو أعيا كان فيه تحامل «١» مداراة الأعداء واجب للحذر من شرهم: قال الماورديّ- رحمه الله تعالى-: إذا كان للإنسان عدوّ وقد استحكمت شحناؤه، واستوعرت سرّاؤه، واستخشنت ضرّاؤه، فهو يتربّص بدوائر السّوء انتهاز فرصة ويتجرّع بمهانة العجز مرارة غصّة، فإذا ظفر بنائبة ساعدها، وإذا شاهد نعمة عاندها، فالبعد عن هذا حذرا أسلم، والكفّ عنه متاركة أغنم، لأنّه لا يسلم من عواقب شرّه، ولا يفلت من غوائل مكره إلّا بالبعد عنه أو مداراته. وقد قال لقمان لابنه: يا بنيّ، كذب من قال إنّ الشّرّ بالشّرّ يطفأ، فإن كان صادقا فليوقد نارين، ولينظر هل تطفىء إحداهما الأخرى، وإنّما يطفىء الخير الشّرّ كما يطفىء الماء النّار. وأمّا إذا كان هذا العدوّ لئيم الطّبع خبيث الأصل فمثل هذا لا يستقبح الشّرّ، ولا يكفّ عن المكروه فهذا حاله أطمّ وضرره أعمّ ولا سلامة من مثله إلّا بالبعد عنه والانقباض، ولا خلاص منه إلّا بالصّفح والإعراض لأنّه كالسّبع الضّاري في سوارح الغنم وكالنّار بطبع لا يزول، وجوهر لا يتغيّر «٢» . الفرق بين المداراة والمداهنة: قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: المداراة صفة مدح، والمداهنة صفة ذمّ، والفرق بينهما أنّ المداري يتلطّف بصاحبه حتّى يستخرج منه الحقّ أو يردّه عن الباطل، والمداهن يتلطّف به ليقرّه على باطله ويتركه على هواه. فالمداراة لأهل الإيمان والمداهنة لأهل النّفاق. وقد ضرب مثل لذلك مطابق، وهو حال رجل به قرحة قد آلمته فجاءه الطّبيب المداوي الرّفيق، فتعرّف حالها ثمّ أخذ في تليينها، حتّى إذا نضجت أخذ في بطّها برفق وسهولة، حتّى إذا أخرج ما فيها وضع على مكانها من الدّواء والمرهم ما يمنع فسادها، ثمّ تابع عليها بالمراهم الّتي تنبت اللّحم، ثمّ يذرّ عليها بعد نبات اللّحم ما ينشّف رطوبتها، ثمّ يشدّ عليها الرّباط، ثمّ لم يزل يتابع ذلك حتّى صلحت، أمّا المداهن فقال لصاحبها لا بأس عليك منها وهذه لا شيء فاسترها عن العيون بخرقة ثمّ اله عنها، فلا تزال مدّتها تقوى وتستحكم حتّى عظم فسادها «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: التودد- الحكمة- الشفقة- حسن الخلق- الحلم- حسن المعاملة- الستر. وفي ضد ذلك: انظر صفات: البذاءة- الفحش- الفضح- المجاهرة بالمعصية- الطيش- الحمق- الإساءة- سوء الخلق- سوء المعاملة- النفاق] .

стр. 4075

الآيات الواردة في «المداراة» معنى ١-* وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦) «١» ٢- ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥) «٢» ٣- وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا (٤١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً (٤٢) يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا (٤٣) يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا (٤٤) يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا (٤٥) قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا (٤٧) «٣» ٤- وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى (٣٧) إِذْ أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي (٣٩) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى (٤٠) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (٤١) اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآياتِي وَلا تَنِيا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبا إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (٤٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى (٤٤)

стр. 4076

قالا رَبَّنا إِنَّنا نَخافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أَوْ أَنْ يَطْغى (٤٥) قالَ لا تَخافا إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى (٤٦) فَأْتِياهُ فَقُولا إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى (٤٧) «١» ٥- وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلى وَهْنٍ وَفِصالُهُ فِي عامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (١٤) وَإِنْ جاهَداكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُما وَصاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٥) «٢» ٦- وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ (٢٧) وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جاءَكُمْ بِالْبَيِّناتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (٢٨) يا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جاءَنا قالَ فِرْعَوْنُ ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ (٢٩) وَقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ (٣٠) مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ (٣١) وَيا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٣) «٣»

стр. 4077

الأحاديث الواردة في (المداراة) ١-* (عن السّائب- ﵁ أنّه قال: أتيت النّبيّ ﷺ فجعلوا يثنون عليّ ويذكروني، فقال رسول الله ﷺ : «أنا أعلمكم به، قلت: صدقت بأبي وأمّي- كنت شريكي فنعم الشّريك، كنت لا تداري ولا تماري» ) * «١» . ٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «مداراة النّاس صدقة» ) * «٢» . الأحاديث الواردة في (المداراة) معنى ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لم يكذب إبراهيم النّبيّ- ﵇ قطّ إلّا ثلاث كذبات: ثنتين في ذات الله «٣» ، قوله: إنّي سقيم، وقوله: بل فعله كبيرهم هذا. وواحدة في شأن سارة. فإنّه قدم أرض جبّار ومعه سارة، وكانت أحسن النّاس، فقال لها: إنّ هذا الجبّار، إن يعلم أنّك امرأتي يغلبني عليك. فإن سألك فأخبريه أنّك أختي، فإنّك أختي في الإسلام. فإنّي لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك. فلمّا دخل أرضه رآها بعض أهل الجبّار أتاه فقال له: لقد دخل أرضك امرأة لا ينبغي لها أن تكون إلّا لك. فأرسل إليها فأتي بها. فقام إبراهيم ﵇ إلى الصّلاة. فلمّا دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها فقبضت يده قبضة شديدة، فقال لها: ادعي الله أن يطلق يدي ولا أضرّك. فعلت. فعاد. فقبضت أشدّ من القبضة الأولى. فقال لها مثل ذلك. ففعلت. فعاد، فقبضت أشدّ من القبضتين الأوليين. فقال: ادعي الله أن يطلق يدي فلك الله «٤» أن لا أضرّك، ففعلت. وأطلقت يده. ودعا

стр. 4078

الّذي جاء بها فقال له: إنّك إنّما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان، فأخرجها من أرضي، وأعطها هاجر. قال: فأقبلت تمشي، فلمّا رآها إبراهيم ﵇ انصرف، فقال لها: مهيم؟ «١» قالت: خيرا. كفّ الله يد الفاجر. وأخدم خادما) * «٢» المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (المداراة) ٤-* (عن عروة بن الزّبير أنّ عائشة أخبرته أنّه استأذن على النّبيّ ﷺ رجل فقال ﷺ : «ائذنوا له، فبئس ابن العشيرة أو بئس أخو العشيرة» . فلمّا دخل ألان له الكلام. فقلت له: يا رسول الله، قلت ما قلت، ثمّ ألنت له في القول. فقال: «أي عائشة، إنّ شرّ النّاس منزلة عند الله من تركه أو ودعه النّاس اتّقاء فحشه» ) * «٣» . ٥-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّا نكشر «٤» في وجوه أقوام وإنّ قلوبنا لتلعنهم» ) * «٥» ٦-* (عن ابن أبي مليكة أنّ النّبيّ ﷺ أهديت له أقبية من ديباج مزرّدة بالذّهب، فقسمها فى أناس من أصحابه، وعزل منها واحدا لمخرمة بن نوفل فجاء ومعه ابنه المسور بن مخرمة، فقام على الباب، فقال: ادعه لي، فسمع النّبىّ ﷺ صوته فأخذ قباء فتلقّاه به واستقبله بأزراره فقال: يا أبا المسور، خبأت هذا لك، وكان في خلقه شيء» ) * «٦» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المداراة) ١-* (روي أنّ داود- ﵇ جلس كئيبا خاليا فأوحى الله إليه يا داود، مالي أراك خاليا؟ قال: «هجرت النّاس فيك قال: أفلا أدلّك على شيء تبلغ به رضائي؟ خالق النّاس بأخلاقهم واحتجر الإيمان فيما بيني وبينك» ) * «٧» . ٢-* (قال أبو الدّرداء- ﵁ لأمّ

стр. 4079

الدّرداء: «إذا غضبت فرضّيني، وإذا غضبت رضّيتك فإذا لم نكن هكذا ما أسرع ما نفترق» ) * «١» . ٣-* (قال معاوية- ﵁: «لو أنّ بيني وبين النّاس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف؟ قال: لأنّهم إن مدّوها خلّيتها، وإن خلّوا مددتها» ) * «٢» . ٤-* (قال ابن مفلح- رحمه الله تعالى-: «أعطى الحسن بن عليّ- ﵄ شاعرا فقيل له: لم تعطي من يقول البهتان ويعصي الرّحمن؟ فقال: إنّ خير ما بذلت من مالك ما وقيت به من عرضك، ومن ابتغى الخير اتّقى الشّرّ» ) * «٣» . ٥-* (قال محمّد ابن الحنفيّة- رحمه الله تعالى-: «ليس بحكيم من لا يعاشر بالمعروف من لا يجد من معاشرته بدّا، حتّى يجعل الله له فرجا- أو قال مخرجا- وأنشد المتنبّي: ومن نكد الدّنيا على الحرّ أن يرى ... عدوّا له ما من صداقته بدّ «٤» ٦-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: «كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول هي العقل كلّه» ) * «٥» . ٧-* (قال أبو يوسف- رحمه الله تعالى-: «خمسة يجب على النّاس مداراتهم: الملك المسلّط، والقاضي المتأوّل، والمريض، والمرأة، والعالم ليقبس من علمه» ) * «٦» . ٨-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-: لمّا عفوت ولم أحقد على أحد ... أرحت نفسي من همّ العداوات إنّي أحيّي عدوّي عند رؤيته ... لأدفع الشّرّ عنّي بالتّحيّات وأظهر البشر للإنسان أبغضه ... كأنّما قد حشا قلبي محبّات النّاس داء وداء النّاس قربهم ... وفي اعتزالهم قطع المودّات «٧» ٩- (قال ابن حبّان- رحمه الله تعالى-: «من التمس رضا جميع النّاس التمس ما لا يدرك، ولكن يقصد العاقل رضا من لا يجد من معاشرته بدّا، وإن دفعه الوقت إلى استحسان أشياء من العادات كان يستقبحها واستقباح أشياء كان يستحسنها، ما لم يكن مأثما، فإنّ ذلك من المداراة، وما أكثر من دارى فلم يسلم فكيف توجد السّلامة لمن لا يداري» ) * «٨» . ١٠-* (قال أبو سليمان الخطّابيّ- رحمه الله تعالى-: ما دمت حيّا فدار النّاس كلّهم ... فإنّما أنت في دار المداراة

стр. 4080

من يدر دارى ومن لم يدر سوف يرى ... عمّا قليل نديما للنّدامات «١» ١١-* (قال القاضي التّنوخيّ: الق العدوّ بوجه لا قطوب به ... يكاد يقطر من ماء البشاشات فأحزم النّاس من يلقى أعاديه ... في جسم حقد وثوب من مودّات الرّفق يمن وخير القول أصدقه ... وكثرة المزح مفتاح العداوات «٢» ١٢-* (قال صالح بن عبد القدّوس: أرضى عن المرء ما أصفى مودّته ... وليس شيء من البغضاء يرضينى والله لو كرهت كفّى مصاحبتي ... لقلت إذ كرهت يوما لها بيني ثمّ انثنيت على الأخرى فقلت لها ... إن تسعديني وإلّا مثلها كوني إنّي كذاك إذا أمر تعرّض لي ... خشيت منه على دنياي أو ديني خرجت منه وعرضي ما أدنّسه ... ولم أقم غرضا للنّذل يرميني وملطف بي مدار ذي مكاشرة ... مغض على وغر في الصّدر مكنون ليس الصّديق الّذي تخشى بوادره ... ولا العدوّ على حال بمأمون يلومني النّاس فيما لو أخبّرهم ... بالعذر فيه يوما لم يلوموني «٣» ١٣-* (قال ابن بطّال- رحمه الله تعالى-: المداراة من أخلاق المؤمنين، وهي من أقوى أسباب الألفة بينهم. فإن قال بعضهم إنّ المداراة هي المداهنة، وهذا غلط، لأنّ المداراة مندوب إليها، والمداهنة محرّمة، والفرق بينهما أنّ المداهنة من الدّهان، وهو الّذي يظهر الشّيء، ويستر باطنه وقد فسّرها العلماء بأنّها معاشرة الفاسق وإظهار الرّضا بما هو فيه من غير إنكار عليه، والمداراة: هي الرّفق بالجاهل في التّعليم وبالفاسق في النّهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه حيث لا يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف القول والفعل، ولا سيّما إذا احتيج إلى تألّفه) * «٤» . ١٤-* (وقال الماورديّ- رحمه الله تعالى- أيضا: إنّ الإنسان إن كان مأمورا بتألّف الأعداء، ومندوبا إلى مقاربتهم، فإنّه لا ينبغي له أن يكون لهم راكنا وبهم واثقا، بل يكون منهم على حذر، ومن مكرهم على تحرّز، فإنّ العداوة إذا استحكمت في الطّباع صارت طبعا لا يستحيل، وجبلّة لا تزول، وإنّما يستكفي بالتّألّف إظهارها «٥» ، ويستدفع به

стр. 4081

أضرارها، كالنّار يستدفع بالماء إحراقها، ويستفاد به إنضاجها، وإن كانت محرقة متأجّجة في يابس الحطب لا يقربها إلّا تالف، ولا يدنو منها إلّا هالك) * «١» . ١٥-* (قال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى-: من الابتلاء العظيم إقامة الرّجل في غير مقامه، مثل أن يحتاج الرّجل الصّالح إلى مداراة الظّالم والتّردّد إليه، وإلى مخالطته من لا يصلح، وإلى أعمال لا تليق به، وإلى أمور تقطع عليه مراده الّذي يؤثره، فقد يقال للعالم: تردّد على الأمير وإلّا خفنا عليك سطوته، فيتردّد فيرى ما لا يصلح له ولا يمكنه أن ينكر أو يحتاج إلى شيء من الدّنيا وقد منع حقّه، فيحتاج أن يعرّض بذكر ذلك أو يصرّح لينال بعض حقّه، ويحتاج إلى مداراة من تصعب مداراته، بل يتشتّت همّه لتلك الضّرورات) * «٢» . ١٦-* (قال بعض العلماء: رأس المداراة ترك المماراة) * «٣» . ١٧-* (وقال شاعر: ما يقي عنك قوما أنت خائفهم ... كمثل دفعك جهّالا بجهّال قعّس «٤» إذا حدبوا واحدب إذا قعسوا ... ووازن الشّر مثقالا بمثقال) * «٥» . ١٨-* (قال زهير: ومن لم يصانع في أمور كثيرة ... يضرّس بأنياب ويوطأ بمنسم) * «٦» . ١٩-* (قال النّمر بن تولب: وأبغض بغيضك بغضا رويدا ... إذا أنت حاولت أن تحكما وأحبب حبيبك حبّا رويدا ... فليس يعولك أن تصرما) * «٧» . من فوائد (المداراة) ١- الرّاحة في الدّنيا، والأجر والثّواب في الآخرة. ٢- لا بدّ منها لاتّقاء شرّ الأشرار، ودوام معاشرة الأخيار. ٣- يحتاج إليها مع الأصدقاء كما يحتاج إليها مع الأعداء. ٤- دليل كمال العقل، وحسن الخلق، ومتانة الدّين. ٥- المداراة تكون في الأمور الدّنيويّة فقط، وتحرم إذا كانت في أمور الدّين وهذه هي المداهنة.

стр. 4082

المراقبة المراقبة لغة: مصدر قولهم: راقب مراقبة وهو مأخوذ من مادّة رقب الّتي تدلّ على «انتصاب» لمراعاة شيء ومن ذلك: الرّقيب وهو الحافظ، يقال منه: رقبت أرقب رقبة ورقبانا، والمرقب: المكان العالي يقف عليه النّاظر ومن ذلك اشتقاق الرّقبة لأنّها منتصبة، ولأنّ النّاظر لا بدّ ينتصب عند نظره، ويقال أرقبت فلانا هذه الدّار، وذلك أن تعطيه إيّاها يسكنها، ثمّ يقول له إن متّ قبلي رجعت إليّ، وإن متّ قبلك فهي لك، وهذا من المراقبة كأنّ كلّ واحد منهما يرقب موت صاحبه، والرّقوب: المرأة الّتي لا يعيش لها ولد كأنّها ترقبه لعلّه يبقى لها، وجاء في الصّحاح: والرّقيب: المنتظر، والرّقيب الموكّل بالضّريب، والرّقيب: الثّالث من سهام الميسر، والتّرقّب: الانتظار، وكذلك: الارتقاب. قال تعالى: وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (هود/ ٩٣) . وقال ابن منظور: راقب الله تعالى في أمره أي خافه، ورقبه يرقبه رقبة ورقبانا، بالكسر فيهما، ورقوبا، وترقّبه، وارتقبه: انتظره ورصده، وارتقب: أشرف وعلا، والمرقب والمرقبة: الموضع المشرف، يرتفع عليه الرّقيب. الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ ٥/ ١٩ ورقب الشّيء يرقبه: حرسه، وفي أسماء الله تعالى: (الرّقيب) : وهو الحافظ الّذي لا يغيب عنه شيء، فعيل بمعنى فاعل «١» . المراقبة اصطلاحا: قال ابن القيّم: المراقبة دوام علم العبد وتيقّنه باطّلاع الحقّ على ظاهره وباطنه «٢» . وقال المحاسبيّ: المراقبة: دوام علم القلب بعلم الله- في السّكون والحركة علما لازما مقترنا بصفاء اليقين. أمّا أوّل المراقبة فهو علم القلب بقرب الرّبّ «٣» . بيان حقيقة المراقبة ودرجاتها: اعلم أنّ حقيقة المراقبة هي ملاحظة الرّقيب وانصراف الهمم إليه، فمن احترز من أمر من الأمور بسبب غيره، يقال إنّه يراقب فلانا، ويراعي جانبه، ويعني بهذه المراقبة حالة للقلب يثمرها نوع من المعرفة، وتثمر تلك الحالة أعمالا في الجوارح وفي القلب. أمّا الحالة فهي مراعاة القلب للرّقيب واشتغاله

стр. 4083

به والتفاته إليه وملاحظته إيّاه وانصرافه إليه. وأمّا المعرفة الّتي تثمر هذه الحالة فهي العلم بأنّ الله مطّلع على الضّمائر، عالم بالسّرائر، رقيب على أعمال العباد، قائم على كلّ نفس بما كسبت، وأنّ سرّ القلب في حقّه مكشوف كما أنّ ظاهر البشرة للخلق مكشوف بل أشدّ من ذلك. فهذه المعرفة إذا صارت يقينا- أعني أنّها خلت عن الشّكّ- ثمّ استولت بعد ذلك على القلب قهرته؛ فربّ علم لا شكّ فيه لا يغلب على القلب كالعلم بالموت، فإذا استولت على القلب استجرّت القلب إلى مراعاة جانب الرّقيب وصرفت همّه إليه؛ والموقنون بهذه المعرفة هم المقرّبون، وهم ينقسمون إلى الصّدّيقين وإلى أصحاب اليمين «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الإحسان- مجاهدة النفس- محاسبة النفس- القوة- قوة الإرادة- اليقين- الخوف- الخشية. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإعراض- الشك- الغفلة- اتباع الهوى- أكل الحرام] .

стр. 4084

الأحاديث الواردة في (المراقبة) معنى ١-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر يتمشّون أخذهم المطر. فأووا إلى غار في جبل. فانحطّت على فم غارهم صخرة من الجبل. فانطبقت عليهم. فقال بعضهم لبعض: انظروا أعمالا عملتموها صالحة لله، فادعوا الله تعالى بها، لعلّ الله يفرجها عنكم. فقال أحدهم: اللهمّ إنّه كان لي والدان شيخان كبيران، وامرأتي، ولي صبية صغار أرعى عليهم، فإذا أرحت عليهم «١» ، حلبت، فبدأت بوالديّ فسقيتهما قبل بنيّ، وإنّه نأى بي ذات يوم الشّجر فلم آت حتّى أمسيت فوجدتهما قد ناما، فحلبت كما كنت أحلب، فجئت بالحلاب، فقمت عند رءوسهما، أكره أن أوقظهما من نومهما، وأكره أن أسقي الصّبية قبلهما، والصّبّية يتضاغون «٢» عند قدميّ، فلم يزل ذلك دأبي ودأبهم حتّى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، نرى منها السّماء، ففرج الله منها فرجة، فرأوا السّماء. وقال الآخر: اللهمّ إنّه كانت لي ابنة عمّ أحببتها كأشدّما يحبّ الرّجال النّساء، وطلبت إليها نفسها. فأبت حتّى آتيها بمائة دينار. فتعبت حتّى جمعت مائة دينار، فجئتها بها، فلمّا وقعت بين رجليها «٣» قالت: يا عبد الله! اتّق الله، ولا تفتح الخاتم إلّا بحقّه «٤» فقمت عنها، فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا منها فرجة، ففرج لهم. وقال الآخر: اللهمّ إنّي كنت استأجرت أجيرا بفرق أرزّ، فلمّا قضى عمله قال: أعطني حقّي، فعرضت عليه فرقه فرغب عنه. فلم أزل أزرعه حتّى جمعت منه بقرا ورعاءها، فجاءني فقال: اتّق الله ولا تظلمني حقّي. قلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها، فخذها. فقال: اتّق الله، ولا تستهزأ بي. فقلت: إنّي لا أستهزئ بك. خذ ذلك البقر ورعاءه. فأخذه فذهب به. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج لنا ما بقي، ففرج الله ما بقي» ) * «٥» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁، عن النّبيّ ﷺ قال: «سبعة يظلّهم الله في ظلّه يوم لا ظلّ إلّا ظلّه: الإمام العادل، وشاب نشأ بعبادة الله، ورجل قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وتفرّقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إنّي أخاف الله، ورجل تصدّق بصدقة فأخفاها حتّى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل

стр. 4085

ذكر الله خاليا ففاضت عيناه» ) * «١» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول ﷺ : «قال الله- إذا تحدّث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل. فإن عملها أكتبها له بعشر أمثالها، وإذا تحدّث بأن يعمل سيّئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها. وقال رسول الله ﷺ : قالت الملائكة ربّ! ذاك عبدك يريد أن يعمل سيّئة (وهو أبصر به) فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة. فإنّه تركها من جرّاي «٢» ) * «٣» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كان النّبيّ ﷺ بارزا يوما للنّاس فأتاه رجل فقال: ما الإيمان؟ قال: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وبلقائه وبرسله وتؤمن بالبعث» . قال: ما الإسلام؟ قال: «الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به، وتقيم الصّلاة وتؤدّي الزّكاة المفروضة وتصوم رمضان. قال: ما الإحسان؟ قال: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك» ، قال: متى السّاعة؟ قال: «ما المسئول عنها بأعلم من السّائل، وسأخبرك عن أشراطها. إذا ولدت الأمة ربّتها. وإذا تطاول رعاة الإبل البهم في البنيان في خمس لا يعلمهنّ إلّا الله، ثمّ تلا النّبيّ ﷺ : إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ الآية (لقمان/ ٣٤) ، ثمّ أدبر فقال: ردّوه فلم يروا شيئا. فقال: «هذا جبريل جاء يعلّم النّاس دينهم» ) * «٤» . ٥-* (عن معاذ- ﵁، قال: يا رسول الله، أوصني. قال: «اعبد الله كأنّك تراه، واعدد نفسك من الموتى، وإن شئت أنبأتك بما هو أملك بك من هذا كلّه؟ قال: هذا» وأشار بيده إلى لسانه) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المراقبة) ١-* (قال عبد الله بن دينار: خرجت مع عمر بن الخطّاب- ﵁ إلى مكّة فعرّسنا في بعض الطّريق فانحدر عليه راع من الجبل، فقال له: يا راعي، بعني شاة من هذه الغنم؟ فقال: إنّي مملوك، فقال: قل لسيّدك: أكلها الذّئب؟ قال: فأين الله؟ قال: فبكى عمر- ﵁ ثمّ غدا إلى المملوك فاشتراه من مولاه، وأعتقه وقال: أعتقتك في الدّنيا هذه الكلمة وأرجو أن تعتقك في الآخرة) * «٦» . ٢-* (قال ابن المبارك لرجل: راقب الله تعالى، فسأله عن تفسيرها فقال: كن أبدا كأنّك ترى الله عزّ

стр. 4086

وجلّ) * «١» . ٣-* (قال سفيان الثّوريّ: عليك بالمراقبة ممّن لا تخفى عليه خافية، وعليك بالرّجاء ممّن يملك الوفاء) * «٢» . ٤-* (قال أبو عثمان: قال لي أبو حفص: إذا جلست للنّاس فكن واعظا لنفسك وقلبك، ولا يغرّنّك اجتماعهم عليك فإنّهم يراقبون ظاهرك والله رقيب على باطنك) * «٣» . ٥-* (قال الجريريّ: أمرنا هذا مبنيّ على أصلين: أن تلزم نفسك المراقبة لله- ويكون العلم على ظاهرك قائما) * «٤» . ٦-* (قال أبو عثمان المغربيّ: أفضل ما يلزم الإنسان نفسه في هذه الطّريقة المحاسبة والمراقبة وسياسة عمله بالعلم) * «٥» . ٧-* (قال رجل للجنيد: بم أستعين على غضّ البصر؟ فقال: بعلمك أنّ نظر النّاظر إليك أسبق من نظرك إلى المنظور إليه) * «٦» . ٨-* (قال حميد الطّويل لسليمان بن عليّ: عظني، فقال: لئن كنت إذا عصيت خاليا ظننت أنّه يراك لقد اجترأت على أمر عظيم، ولئن كنت تظنّ أنّه لا يراك فلقد كفرت) * «٧» . ٩-* (سئل ذو النّون: بم ينال العبد الجنّة؟ فقال: بخمس: استقامة ليس فيها روغان، واجتهاد ليس معه سهو، ومراقبة الله تعالى في السّرّ والعلانية، وانتظار الموت بالتّأهّب له، ومحاسبة نفسك قبل أن تحاسب) * «٨» . ١٠-* (قال عبد الواحد بن زيد: إذا كان سيّدي رقيبا عليّ فلا أبالي بغيره) * «٩» . ١١-* (قال ابن عطاء: أفضل الطّاعات مراقبة الحقّ على دوام الأوقات) * «١٠» . ١٢-* (قال ابن الجوزيّ- ﵀: الحقّ أقرب إلى عبده من حبل الوريد. لكنّه عامل العبد معاملة الغائب عنه البعيد منه، فأمر بقصد نيّته، ورفع اليدين إليه، والسّؤال له. فقلوب الجهّال تستشعر البعد، ولذلك تقع منهم المعاصي، إذ لو تحقّقت مراقبتهم للحاضر النّاظر لكفّوا الأكفّ عن الخطايا. والمتيقّظون علموا قربه فحضرتهم المراقبة، وكفتهم عن الانبساط) * «١١» . ١٣-* (سئل المحاسبيّ عن المراقبة فقال: أوّلها علم القلب بقرب الله تعالى) * «١٢» .

стр. 4087

١٤-* (قال ابن منظور- ﵀: فسّر النّبيّ ﷺ الإحسان حين سأله جبريل، صلوات الله عليهما وسلامه، فقال: «هو أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك. أراد بالإحسان الإشارة إلى المراقبة وحسن الطّاعة فإنّ من راقب الله أحسن عمله) * «١» . ١٥-* (ينبغي أن يراقب الإنسان نفسه قبل العمل وفي العمل، هل يحرّكه عليه هوى النّفس أو المحرّك له هو الله تعالى خاصّة؟ فإن كان الله تعالى، أمضاه، وإلّا تركه، وهذا هو الإخلاص. قال الحسن: رحم الله عبدا وقف عند همّه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخّر. فهذه مراقبة العبد في الطّاعة، وهو أن يكون مخلصا فيها، ومراقبته في المعصية تكون بالتّوبة والنّدم والإقلاع، ومراقبته في المباح تكون بمراعاة الأدب، والشّكر على النّعم، فإنّه لا يخلو من نعمة لا بدّ له من الشّكر عليها، ولا يخلو من بليّة لا بدّ من الصّبر عليها، وكلّ ذلك من المراقبة) * «٢» . ١٦-* (سئل بعضهم عن قوله تعالى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (البينة/ ٨) فقال: معناه: ذلك لمن راقب ربّه- وحاسب نفسه وتزوّد لمعاده) * «٣» . ١٧-* (قيل: من راقب الله في خواطره، عصمه في حركات جوارحه) * «٤» . ١٨- (وقيل لبعضهم: متى يهشّ الرّاعي غنمه بعصاه عن مراتع الهلكة؟ فقال: إذا علم أنّ عليه رقيبا) * «٥» . ١٩-* (قال الشّاعر: إذا ما خلوت الدّهر يوما فلا تقل ... خلوت ولكن قل عليّ رقيب ولا تحسبنّ الله يغفل ساعة ... ولا أنّ ما تخفيه عنه يغيب ألم تر أنّ اليوم أسرع ذاهب ... وأنّ غدا للنّاظرين قريب) * «٦» . من فوائد (المراقبة) (١) الفوز بالجنّة والنّجاة من النّار. (٢) الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة. (٣) دليل على كمال الإيمان وحسن الإسلام. (٤) تثمر محبّة الله تعالى ورضاه. (٥) دليل على حسن الخاتمة. (٦) مظهر من مظاهر صلاح العبد واستقامته.

стр. 4088

المروءة المروءة لغة: مصدر مرؤ الرّجل يمرؤ، وهو مأخوذ من مادّة (م ر أ) الّتى ذكر ابن فارس أنّها لا تنقاس (أي ليس لها معنى واحد ترجع إليه مشتقّاتها) ، يقال امرؤ وامرآن وامريء، وامرأة تأنيث امرىء، المروءة: كمال الرّجوليّة. وقال الأزهريّ: قد مرؤ الرّجل، وتمرّأ إذا تكلّف المروءة، والمرآة مصدر الشّيء المرئيّ، وجمع المرآة مراء، والعوامّ يقولون في جمع المرآة مرايا، قال: وهو خطأ والمراء: المماراة والجدل، والمريء الرّجل المقبول في خلقه وخلقه، وقال الجوهريّ: المروءة الإنسانيّة، ولك أن تشدّد (بعد قلب الهمزة واوا فتقول: مروّة) والمرأ: الرّجل، يقال: هذا مرأ صالح، وضمّ الميم لغة، وهما مرءان صالحان، ولا يجمع على لفظه، وبعضهم يقول: هذه مرأة صالحة ومرة أيضا بترك الهمزة وتحريك الرّاء بحركتها، والنّسبة إلى امرىء: مرئيّ. وقال ابن منظور: المروءة: كمال الرّجوليّة. مرؤ الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ ١٤/ ٢٨ الرّجل يمرؤ مروءة، فهو مريء على فعيل، وتمرّأ على تفعّل: صار ذا مروءة. وتمرّأ: تكلّف المروءة. وتمرّأ بنا أي طلب بإكرامنا اسم المروءة. وفلان يتمرّأ بنا أي يطلب المروءة بنقصنا أو عيبنا. وفي حديث عليّ- ﵁: لمّا تزوّج فاطمة، قال له يهوديّ، أراد أن يبتاع منه ثيابا- لقد تزوّجت امرأة، يريد: امرأة كاملة، كما يقال: فلان رجل أي كامل في الرّجال «١» . المروءة اصطلاحا: قال الماورديّ: المروءة مراعاة الأحوال إلى أن تكون «٢» على أفضلها، حتّى لا يظهر منها قبيح عن قصد، ولا يتوجّه إليها ذمّ باستحقاق «٣» . وقال الكفويّ: المروّة هي الإنسانيّة. وقيل هي الرّجوليّة الكاملة «٤» . وقال الجرجانيّ: هي قوّة للنّفس مبدأ لصدور الأفعال الجميلة عنها المستتبعة للمدح شرعا وعقلا (وعرفا) «٥» . وقال المقّريّ: المروءة آداب نفسانيّة، تحمل

стр. 4089

مراعاتها الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات «١» . وقال ابن القيّم: حقيقة المروءة: اتّصاف النّفس بصفات الإنسان الّتي فارق بها الحيوان البهيم، والشّيطان الرّجيم، فإنّ في النّفس ثلاثة دواع متجاذبة: داع يدعوها إلى الاتّصاف بأخلاق الشّيطان، من الكبر، والحسد والعلوّ والبغي، والشّرّ والأذى، والفساد والغشّ. وداع يدعوها إلى أخلاق الحيوان، وهو داعي الشّهوة، وداع يدعوها إلى أخلاق الملك، من الإحسان، والنّصح، والبرّ، والطّاعة، والعلم. والمروءة بغض الدّاعيين الأوّلين وإجابة الدّاعي الثّالث، ولهذا قيل في حدّ المروءة: إنّها غلبة العقل للشّهوة، ونقل عن الفقهاء قولهم: حدّ المروءة: استعمال ما يجمّل العبد ويزينه، وترك ما يدنّسه ويشينه «٢» ، سواء تعلّق ذلك به وحده أو تعدّاه إلى غيره «٣» . مروءة كلّ شيء بحسبه: وقال- رحمه الله تعالى-: مروءة اللّسان: حلاوته وطيبه ولينه. ومروءة الخلق: سعته وبسطه للحبيب والبغيض. ومروءة المال: الإصابة ببذله مواقعه المحمودة عقلا وعرفا وشرعا. ومروءة الجاه: بذله للمحتاج إليه. ومروءة الإحسان والبذل: تعجيله وتيسيره، وتوفيره وعدم رؤيته حال وقوعه، ونسيانه بعد وقوعه. درجات المروءة: للمروءة ثلاث درجات: الأولى: مروءة المرء مع نفسه، وهي أن يحملها قسرا على فعل ما يجمّل ويزين، وترك ما يقبّح ويشين، ليصير لها ملكة في العلانية، ولا يفعل خاليا ما يستحي من فعله في الملإ، إلّا مالا يحظره الشّرع والعقل. الثّانية: مروءة المرء مع الخلق، بأن يستعمل معهم شروط الأدب والحياء، والخلق الجميل، ولا يظهر لهم ما يكرهه هو من غيره لنفسه. الثّالثة: المروءة مع الحقّ سبحانه، ويكون ذلك بالاستحياء من نظره إليك، واطّلاعه عليك في كلّ لحظة ونفس، وإصلاح عيوب نفسك جهد الإمكان فإنّه قد اشتراها منك، وأنت ساع في تسليم المبيع، وليس من المروءة تسليمه معيبا «٤» . حقوق المروءة وشروطها: قال بعض البلغاء من شرائط المروءة: ١- أن يتعفّف المرء عن الحرام. ٢- أن ينصف في الحكم. ٣- أن يكفّ عن الظّلم.

стр. 4090

٤- ألّا يطمع فيما لا يستحقّ. ٥- ألّا يعين قويّا على ضعيف. ٦- ألّا يؤثر دنيّ الأفعال علي شريفها. ٧- ألّا يسرّ ما يعقبه الوزر والإثم. ٨- ألّا يفعل ما يقبّح الاسم والذّكر. وقال الماورديّ: إذا كانت مراعاة النّفس على أفضل أحوالها هي المروءة، فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها إلّا من تسهّلت عليه المشاقّ، رغبة في الحمد، وهانت عليه الملاذّ، حذرا من الذّمّ، ولذا قيل: سيّد القوم أشقاهم، وقد لحظ المتنبّيّ ذلك فقال: لولا المشقّة، ساد النّاس كلّهم ... الجود يفقر والإقدام قتّال وله أيضا: وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام إنّ حقوق المروءة أكثر من أن تحصى ... فلذلك أعوز استيفاء شروطها، والأظهر من ذلك ينقسم إلى قسمين: شروط المروءة في النّفس، وشروطها في الغير. شروط المروءة في نفس المرء: أي شروطها في نفسه، بعد التزام ما أوجبه الشّرع من أحكامه فيكون بثلاثة أمور: الأوّل: العفّة وهي نوعان: العفّة عن المحارم، والآخر: العفّة عن المآثم (انظر في تفصيل ذلك صفة العفّة) . الثّاني: النّزاهة وهي أيضا نوعان: النّزاهة عن المطامع الدّنيويّة، والثّاني النّزاهة عن مواقف الرّيبة (انظر في تفصيل ذلك صفة النّزاهة) . الثّالث: الصّيانة وهي أيضا على نوعين: أ- صيانة النّفس بالتزام كفايتها، ذلك أنّ المحتاج إلى النّاس كلّ مهتضم، وذليل مستثقل، وهو لما فطر عليه محتاج إلى ما يستمدّه ليقيم أود نفسه، ويدفع ضرورتها ولذلك قالت العرب: كلب جوّال خير من أسد رابض. ب- صيانتها عن تحمّل المنن، ذلك لأنّ المنّة استرقاق للأحرار تحدث ذلّة في الممنون عليه، وسطوة في المانّ، والاسترسال في الاستعانة تثقيل، ومن ثقل على النّاس هان، ولا قدر عندهم لمهان. شروط المروءة في الغير: شروط المروءة في الغير ثلاثة: الأوّل: المؤازرة وهي على نوعين:- الإسعاف بالجاه، ويكون من الأعلى قدرا والأنفذ أمرا، وهو أرخص المكارم يمنا، وألطف الصّنائع موقعا، وربّما كان أعظم من المال نفعا، وهو الظّلّ الّذى يلجأ إليه المضطرّون، والحمى الّذى يأوي إليه الخائفون، ولا عذر لمن منح جاها أن يبخل به، فيكون أسوأ حالا من البخيل بماله. الإسعاف فى النّوائب، وهو إمّا واجب فيما يتعلّق بالأهل والإخوان والجيران، وإمّا تبرّع في من عدا هؤلاء الثّلاثة، أمّا الأهل فلمماسّة الرّحم وتعاطف النّسب. وقد قيل: لم يسد من احتاج أهله إلى غيره، وأمّا الإخوان فلمستحكم الودّ، ومتأكّد العهد وقد سئل

стр. 4091

الأحنف بن قيس عن المروءة، فقال: صدق اللّسان ومواساة الإخوان. وأمّا الجار فلدنوّ داره واتّصال مزاره. وللجار حقّ فاحترز من أذاته ... وما خير جار لم يزل لك مؤذيا فيجب في حقوق المروءة وشروط الكرم في هؤلاء الثّلاثة تحمّل أثقالهم وإسعافهم في نوائبهم، ولا فسحة لذي مروءة عند ظهور المكنة، أن يكلهم إلى غيره، أو يلجئهم إلى سؤاله، وليكن السّائل عنهم كرم نفسه، فإنّهم عيال كرمه، وأضياف مروءته. أمّا التّبرّع لغير هؤلاء، فإنّه تبرّع بفضل الكرم وفائض المروءة، فمن تكفّل بنوائب هؤلاء فقد زاد على شرط المروءة وتجاوزها إلى شروط الرّياسة. الثانى: المياسرة وهى أيضا على نوعين: العفو عن الهفوات. المسامحة في الحقوق. فأمّا العفو عن الهفوات، فلأنّه لا مبرّأ من سهو وزلل، ولا سليم من نقص أو خلل، وإذا كان الإغضاء حتما والصّفح كرما، ترتّب ذلك بحسب الهفوة، والهفوات نوعان: صغائر وكبائر، أمّا الصّغائر فمغفورة، والنّفوس بها معذورة، وأمّا الكبائر فنوعان أحدهما: أن يهفو بها خاطيا، ويزلّ بها ساهيا، فالحرج فيها مرفوع، والعتب عليها موضوع، لأنّ هفوة الخاطئ هدر، ولومه هذر. والثّاني: أن يعتمد ما اجترم من كبائره، ويقصد ما اجترح من سيّئاته، وهو في ذلك إمّا موتور، فالّلائمة على من وتره. وإمّا عدوّ قد استحكمت شحناؤه، وحينئذ فالبعد منه حذرا أسلم، وإمّا أن يكون لئيم الطّبع خبيث النّفس ولا سلامة من مثله إلّا بالصّفح والإعراض، وإمّا أن يكون صديقا قد استحدث نبوة وتغيّرا، أو أخا قد استجدّ جفوة وتنكّرا، فأبدى صفحة عقوقه، واطّرح لازم حقوقه فهذا- ومثله- قد يعرض في المودّات المستقيمة، كما تعرض الأمراض في الأجسام السّليمة، فإن عولجت أقلعت، وإن أهملت أسقمت ثمّ أتلفت. أمّا المسامحة فنوعان: المسامحة في العقود، بأن يكون فيها سهل المناجزة، قليل المحاجزة مأمون الغيبة بعيدا من المكر والخديعة، والمسامحة في الحقوق، قال- ﵀: وأمّا الحقوق فتتنوّع المسامحة فيها نوعين: أحدهما: في الأحوال، والثّاني في الأموال. فأمّا المسامحة في الأحوال فهي اطّراح المنازعة في الرّتب، وترك المنافسة في التّقدّم، فإنّ مشاحّة النّفوس فيها أعظم، والعناد عليها أكثر، فإن سامح فيها ولم ينافس. كان مع أخذه بأفضل الأخلاق واستعماله لأحسن الآداب، أوقع في النّفوس من إفضاله برغائب الأموال ثمّ هو أزيد فى رتبته، وأبلغ في تقدّمه. وأمّا المسامحة في الأموال، فتتنوّع ثلاثة أنواع: أ- مسامحة إسقاط لعدم. ب- مسامحة تخفيف لعجز. ج- مسامحة إنظار لعسرة. والمسامحة مع اختلاف أسبابها تفضّل مأثور، وتألّف مشكور، وإذا كان الكريم قد يجود بما تحويه

стр. 4092

يده، كان أولى أن يجود بما خرج عن يده فطاب نفسا بفراقه. الثّالث: الإفضال: وهو نوعان:- إفضال اصطناع، ويتضمّن ما أسداه جودا في شكور أو ما تألّف به نبوة نفور، وكلاهما من شروط المروءة لأنّ من قلّت صنائعه في الشّاكرين، وأعرض عن تألّف النّافرين، كان فردا مهجورا، وقابعا «١» محقورا، ولا مروءة لمتروك مطروح ولا قدر لمحقور مهتضم. إفضال استكفاف (أي بالكفّ عن السّفهاء) لأنّ ذا الفضل، لا يعدم حاسد نعمة يبعثه اللّؤم على البداء بسفهه، فإن غفل ذو المروءة عن استكفاف السّفهاء صار عرضه هدفا للمثالب، وحاله عرضة للنّوائب، فإن استكفّهم صان عرضه، وحمى نعمته، وعليه أن يخفي ذلك حتّى لا تنتشر فيه مطامع السّفهاء، وأن يتطلّب له في المجاملة وجها ويجعل في الإفضال عليه سببا «٢» . بما تكون المروءة: قال أبو حاتم البستيّ ﵀: اختلف النّاس في كيفية المروءة، على أقوال منها: المروءة: إكرام الرّجل إخوان أبيه، وإصلاحه ماله، وقعوده على باب داره ويقصد، بهذا: كرمه. وإتيان الحقّ. وتقوى الله وإصلاح الضّيعة. وإنصاف الرّجل من هو دونه والسّموّ إلى من هو فوقه، والجزاء بما أتي إليه (يقبل الهديّة ويثيب عليها) . ومروءة الرّجل: صدق لسانه واحتمال عثرات جيرانه وبذل المعروف لأهل زمانه وكفّه الأذى عن أباعده وجيرانه. وحسن العشرة وحفظ الفرج واللّسان وترك المرء ما يعاب منه ... وقال ربيعة: المروءة مروءتان فللسّفر مروءة وللحضر مروءة، فأمّا مروءة السّفر: فبذل الزّاد، وقلّة الخلاف على الأصحاب، وكثرة المزاح في غير مساخط الله. وأمّا مروءة الحضر: فالإدمان إلى المساجد، وكثرة الإخوان في الله، وقراءة القرآن. قال أبو حاتم: اختلفت ألفاظهم في كيفيّة المروءة، ومعاني ما قالوا قريبة بعضها من بعض، أورد لها أكثر من عشرين تعريفا، ثمّ يقول: والمروءة عندي خصلتان: اجتناب ما يكره الله والمسلمون من الفعال، واستعمال ما يحبّ الله والمسلمون من الخصال «٣» . الفرق بين المروءة والرجولة والفتوة: انظر صفة الرجولة. [للاستزادة: انظر صفات: الإغاثة- تفريج الكربات- حسن الخلق- الرجولة- الشهامة- العفة- النزاهة- النبل- الإيثار- أكل الطيبات. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الأذى- الإمعة- التخاذل- التفريط والإفراط- التهاون- الإعراض- أكل الحرام- الأثرة] .

стр. 4093

الأحاديث الواردة في (المروءة) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «كرم المؤمن دينه، ومروءته عقله، وحسبه خلقه» ) * «١» . الأحاديث الواردة في (المروءة) معنى ٢-* (عن سهل بن سعد- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله- كريم يحبّ الكرماء ويحبّ معالي الأمور، ويكره سفسافها «٢» » * «٣» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁: أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ ، فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلّا الماء، فقال رسول الله ﷺ «من يضمّ أو يضيّف هذا؟» فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ . فقالت: ما عندنا إلّا قوت صبياني. فقال: هيّئي طعامك، وأصبحي سراجك «٤» ، ونوّمي صبيانك إذا أرادوا عشاء. فهيّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوّمت صبيانها، ثمّ قامت كأنّها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنّهما يأكلان، فباتا طاويين «٥» . فلمّا أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ فقال: «ضحك الله اللّيلة أو عجب من فعالكما «٦» .» فأنزل الله: وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) * «٧» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ موسى كان رجلا حييّا ستّيرا لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التّستّر إلّا من عيب بجلده: إمّا برص وإمّا أدرة «٨» ، وإمّا آفة. وإنّ الله أراد أن يبرّئه ممّا قالوا لموسى، فخلا يوما وحده،

стр. 4094

فوضع ثيابه على الحجر ثمّ اغتسل. فلمّا فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإنّ الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر «١» . حتّى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وأبرأه ممّا يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربا بعصاه، فو الله إنّ بالحجر لندبا «٢» من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا، فذلك قوله (الأحزاب: ٦٩) : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً) * «٣» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «بينما رجل يمشي بطريق، اشتدّ عليه العطش، فوجد بئرا فنزل فيها فشرب، ثمّ خرج فإذا كلب يلهث «٤» يأكل الثّرى «٥» من العطش، فقال الرّجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الّذي كان بلغ بي، فنزل البئر فملأ خفّه ماء ثمّ أمسكه بفيه، فسقى الكلب فشكر الله له. فغفر له» قالوا: يا رسول الله! وإنّ لنا في البهائم أجرا؟ فقال: «في كلّ ذات كبد رطبة أجر «٦» » ) * «٧» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «بينما كلب يطيف «٨» بركيّة «٩» كاد يقتله العطش. إذ رأته بغيّ «١٠» من بغايا بني إسرائيل. فنزعت موقها «١١» ، فسقته، فغفر لها به» ) * «١٢» . ٧-* (عن عائشة- ﵂ قالت: جاءتني مسكينة تحمل ابنتين لها. فأطعمتها ثلاث تمرات. فأعطت كلّ واحدة منهما تمرة. ورفعت إلى فيها تمرة لتأكلها. فاستطعمتها ابنتاها. فشقّت التّمرة، الّتي كانت تريد أن تأكلها بينهما. فأعجبني شأنها. فذكرت الّذي صنعت لرسول الله ﷺ ، فقال: «إنّ الله قد أوجب لها بها الجنّة، أو أعتقها بها من النّار» ) * «١٣» . ٨-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه

стр. 4095

قال: «دخلت على رسول الله ﷺ فألقى إليّ وسادة حشوها ليف، فلم أقعد عليها، بقيت بيني وبينه) * «١» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «السّاعي «٢» على الأرملة «٣» والمسكين كالمجاهد في سبيل الله وأحسبه قال: وكالقائم لا يفتر، وكالصّائم لا يفطر» ) * «٤» . ١٠-* (عن أبي ذرّ- ﵁ قال: سألت النّبيّ ﷺ : أيّ العمل أفضل؟ قال: «إيمان بالله، وجهاد في سبيله» . قلت: فأيّ الرّقاب أفضل؟ قال: «أعلاها ثمنا، وأنفسها عند أهلها» : قلت: فإن لم أفعل؟ قال: «تعين صانعا، أو تصنع لأخرق «٥» » . قال: فإن لم أفعل؟ قال: «تدع النّاس من الشّرّ، فإنّها صدقة تصدّق بها على نفسك» ) * «٦» . ١١-* (عن شهاب بن عبّاد أنّه سمع بعض وفد عبد القيس وهم يقولون: قدمنا على رسول الله ﷺ فاشتدّ فرحهم بنا، فلمّا انتهينا إلى القوم أوسعوا لنا فقعدنا، فرحّب بنا النّبيّ ﷺ ودعا لنا، ثمّ نظر إلينا فقال: «من سيّدكم وزعيمكم؟» فأشرنا جميعا إلى المنذر بن عائذ، فقال النّبيّ ﷺ : «أهذا الأشجّ؟» فكان أوّل يوم وضع عليه هذا الاسم لضربة بحافر حمار، قلنا: نعم، يا رسول الله. فتخلّف بعد القوم فعقل رواحلهم، وضمّ متاعهم، ثمّ أخرج عيبته «٧» فألقى عنه ثياب السّفر، ولبس من صالح ثيابه، ثمّ أقبل إلى النّبيّ ﷺ وقد بسط النّبيّ ﷺ رجله واتّكأ، فلمّا دنا منه الأشجّ، أوسع القوم له وقالوا: ههنا يا أشجّ، فقال النّبيّ ﷺ واستوى قاعدا وقبض رجله: «ههنا يا أشجّ» فقعد عن يمين رسول الله ﷺ ، فرحّب به وألطفه وسألهم عن بلادهم وسمّى لهم قرية الصّنفا والمنقيرة وغير ذلك من قرى هجر فقال: بأبي وأمّي يا رسول الله، لأنت أعلم بأسماء قرانا منّا، فقال: «إنّي وطئت بلادكم وفسح لي فيها» . قال: ثمّ أقبل على الأنصار، فقال: «يا معشر الأنصار، أكرموا إخوانكم فإنّهم أشباهكم في الإسلام أشبه شيء بكم أشعارا وأبشارا، أسلموا طائعين غير مكرهين ولا موتورين، إذ أبى قوم أن يسلموا حتى قتلوا» . قال: فلمّا أصبحوا قال: «وكيف رأيتم كرامة إخوانكم لكم وضيافتهم إيّاكم؟» . قالوا: خير إخوان ألانوا فراشنا، وأطابوا مطعمنا، وباتوا وأصبحوا يعلّموننا كتاب ربّنا- تبارك

стр. 4096

وتعالى- وسنّة نبيّنا ﷺ ، فأعجبت النّبيّ ﷺ ، وفرح بها ثمّ أقبل علينا رجلا رجلا يعرضنا على من يعلّمنا وعلّمنا، فمنّا، من علم التّحيّات وأمّ الكتاب والسّورة والسّورتين والسّنن، فأقبل علينا بوجهه فقال: «هل معكم من أزوادكم» . ففرح القوم بذلك، وابتدروا رواحلهم، فأقبل كليب- رجل منهم- معه صرّة من تمر فوضعها على نطع بين يديه وأومأ بجريدة في يده كان يتخصّر بها فوق الذّراع ودون الذّراعين فقال: تسمّون هذا التّعضوض «١» » قلنا: نعم. ثمّ أومأ إلى صرّة أخرى. فقال: «تسمّون هذا الصّرفان «٢» » . قلنا: نعم. ثمّ أومأ إلى صرّة أخرى. فقال: «تسمّون هذا البرنيّ «٣» » قلنا: نعم، فقال النّبيّ ﷺ : «أما إنّه من خير تمركم وأنفعه لكم» قال: فرجعنا من وفادتنا تلك فأكثرنا الغرز منه وعظمت رغبتنا فيه حتّى صار أعظم نخلنا وتمرنا البرنيّ. قال: فقال الأشجّ: يا رسول الله، إنّ أرضنا أرض ثقيلة وخمة «٤» وإنّا إذا لم نشرب هذه الأشربة هيّجت ألواننا وعظمت بطوننا. فقال رسول الله ﷺ : لا تشربوا في الدّبّاء والحنتم والنّقير «٥» ، وليشرب أحدكم على سقاء يلاث على فيه «٦» » . فقال له الأشجّ: بأبي وأمّي يا رسول الله، رخّص لنا في مثل هذه، وأومأ بكفّيه. فقال: يا أشجّ، إنّي إن رخّصت لك في مثل هذه،. وقال بكفّيه هكذا- شربته في مثل هذه وفرّج بين يديه وبسطهما- يعني أعظم منها حتّى إذا ثمل أحدكم من شرابه قام إلى ابن عمّه فهزر «٧» ساقه بالسّيف» . وكان في القوم رجل من بني عقيل يقال له الحارث قد هزرت ساقه في شراب لهم في بيت من الشّعر تمثّل به في امرأة منهم، فقام بعض أهل ذلك البيت فهزر ساقه بالسّيف، فقال الحارث: لمّا سمعتها من رسول الله ﷺ جعلت أسدل ثوبي فأغطّي الضّربة بساقي، وقد أبداها لنبيّه ﷺ * «٨» .

стр. 4097

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (المروءة) ١٢-* (عن سهل- ﵁ أنّ امرأة جاءت النّبيّ ﷺ ببردة منسوجة فيها حاشيتها. أتدرون ما البردة؟ قالوا: الشّملة. قال: نعم. قالت: نسجتها بيدي، فجئت لأكسوكها، فأخذها النّبيّ ﷺ محتاجا إليها، فخرج إلينا وإنّها إزاره، فحسّنها فلان، فقال: اكسنيها، ما أحسنها!. قال القوم: ما أحسنت. لبسها النّبيّ ﷺ محتاجا إليها، ثمّ سألته وعلمت أنّه لا يردّ. قال: إنّي والله ما سألته لألبسها، إنّما سألته لتكون كفني. قال: سهل فكانت كفنه) * «١» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: بعث النّبيّ ﷺ خيلا قبل نجد، فجاءت برجل من بني حنيفة، يقال له ثمامة بن أثال، فربطوه بسارية من سواري المسجد، فخرج إليه النّبيّ ﷺ ، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي خير. يا محمّد، إن تقتلني تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل منه ما شئت. فترك حتّى كان الغد، ثمّ قال له: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر. فتركه حتّى كان بعد الغد، فقال: «ما عندك يا ثمامة؟» فقال: عندي ما قلت لك. فقال: «أطلقوا ثمامة» . فانطلق إلى نخل قريب من المسجد فاغتسل، ثمّ دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلّا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله. يا محمّد، والله، ما كان على الأرض وجه أبغض إليّ من وجهك، فقد أصبح وجهك أحبّ الوجوه إليّ. والله، ما كان من دين أبغض إليّ من دينك، فأصبح دينك أحبّ الدّين إليّ. والله، ما كان من بلد أبغض إليّ من بلدك، فأصبح بلدك أحبّ البلاد إليّ. وإنّ خيلك أخذتني، وأنا أريد العمرة، فماذا ترى؟ فبشّره رسول الله ﷺ ، وأمره أن يعتمر. فلمّا قدم مكّة قال له قائل: صبوت؟ قال: لا والله، ولكن أسلمت مع محمّد رسول الله ﷺ ، ولا والله، لا يأتيكم من اليمامة حبّة حنطة حتّى يأذن فيها النّبيّ ﷺ * «٢» . ١٤-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: غزونا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد، فلمّا أدركته القائلة «٣» وهو في واد كثير العضاه «٤» فنزل تحت شجرة واستظلّ بها وعلّق سيفه، فتفرّق النّاس في الشّجر يستظلّون. وبينا نحن كذلك إذ دعانا رسول الله ﷺ فجئنا. فإذا أعرابيّ قاعد بين يديه، فقال: «إنّ هذا أتاني وأنا نائم، فاخترط سيفي «٥» ، فاستيقظت وهو قائم على رأسي مخترط سيفي صلتا «٦» ، قال: ما يمنعك منّي؟ قلت: الله، فشامه «٧» ثمّ قعد، فهو هذا. قال: ولم يعاقبه رسول الله ﷺ * «٨» .

стр. 4098

من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المروءة) ١-* (عن يحيى بن سعيد أنّ عمر بن الخطّاب، قال: «كرم المؤمن تقواه، ودينه حسبه، ومروءته خلقه، والجرأة والجبن غرائز يضعها الله حيث شاء، فالجبان يفرّ عن أبيه وأمّه، والجريء يقاتل عمّا لا يؤوب «١» به إلى رحله، والقتل حتف من الحتوف «٢» والشّهيد من احتسب نفسه على الله» ) * «٣» . ٢-* (كتب عمر بن الخطّاب- ﵁ إلى أبي موسى الأشعريّ- ﵁: «خذ النّاس بالعربيّة، فإنّه يزيد في العقل، ويثبت المروءة» ) * «٤» . ٣-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ أنّه قال: «لا تصغرنّ هممكم، فإنّي لم أر أقعد عن المكرمات من صغر الهمم» ) * «٥» . ٤-* (قال عليّ بن أبي طالب- ﵁ لابنه الحسن في وصيّته له: «يا بنيّ، إن استطعت أن لا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، ولا تكن عبد غيرك، وقد جعلك الله حرّا، فإنّ اليسير من الله تعالى أكرم وأعظم من الكثير من غيره، وإن كان كلّ منه كثيرا» ) * «٦» . ٥-* (حكي أنّ معاوية سأل عمرا «٧» ﵄ عن المروءة؟ فقال: تقوى الله تعالى وصلة الرّحم. وسأل المغيرة؟ فقال: هي العفّة عمّا حرّم الله تعالى، والحرفة فيما أحلّ الله تعالى. وسأل يزيد؟ فقال: هي الصّبر على البلوى، والشّكر على النّعمى، والعفو عند المقدرة «٨» . فقال معاوية: أنت منّي حقّا» ) * «٩» . ٦-* (قال زياد لبعض الدّهاقين «١٠» : «ما المروءة فيكم؟ قال: اجتناب الرّيب فإنّه لا ينبل مريب، وإصلاح الرّجل ماله فإنّه من مروءته، وقيامه بحوائجه وحوائج أهله فإنّه لا ينبل من احتاج إلى أهله ولا من احتاج أهله إلى غيره» ) * «١١» . ٧-* (وقيل: «لا مروءة لمن لا أدب له، ولا أدب لمن لا عقل له» ) * «١٢» . ٨-* (وقال بعض الشّعراء:

стр. 4099

وكنت إذا صحبت رجال قوم ... صحبتهم وشيمتي الوفاء فأحسن حين يحسن محسنوهم ... وأجتنب الإساءة إن أساءوا وأبصر ما يعيبهم بعين ... عليها من عيوبهم غطاء أريد رضاهم أبدا وآتي ... مشيئتهم وأترك ما أشاء ) * «١» . ٩-* (سئل محمّد بن عليّ عن المروءة، فقال: «أن لا تعمل عملا في السّرّ تستحيي منه في العلانية» ) * «٢» . ١٠-* (قال مسروق،: «كان يقال: مجالسة أهل الدّيانة تجلو عن القلب صدأ الذّنوب، ومجالسة ذوي المروءات تدلّ على مكارم الأخلاق، ومجالسة العلماء تذكّي القلوب» ) * «٣» . ١١-* (سئل الأحنف بن قيس عن المروءة فقال: «صدق اللّسان، ومواساة الإخوان، وذكر الله تعالى في كلّ مكان» ) * «٤» . ١٢-* (وقال مرّة: «العفّة والحرفة» ) * «٥» . ١٣-* (قال أبو حاتم البستيّ- ﵀ بعد أن ساق حديث «كرم المومن دينه، ومروءته عقله» صرّح النّبيّ ﷺ في هذا الخبر: «بأنّ المروءة هي العقل: أي اسم يقع على العلم بسلوك الصّواب واجتناب الخطإ» وقال: فالواجب على العاقل: أن يلزم إقامة المروءة بما قدر عليه من الخصال المحمودة وترك الخلال المذمومة» ) * «٦» . ١٤-* (وقال ﵀: «الواجب على العاقل تفقّد الأسباب المستحقرة عند العوامّ من نفسه حتّى لا يثلم «٧» مروءته، فإنّ المحقّرات ضدّ المروءات تؤذي الكامل في الحال بالرّجوع القهقرى إلى مراتب العوامّ وأوباش «٨» النّاس» ) * «٩» . ١٥-* (قال الماورديّ: «وأمّا الإسعاف في النّوائب فلأنّ الأيام غادرة، والنّوازل غائرة، والحوادث عارضة، والنّوائب راكضة. والإسعاف في النّوائب نوعان: واجب وتبرّع. فأمّا الواجب فيما اختصّ بثلاثة أصناف وهم الأهل والإخوان والجيران ... فيجب من حقوق المروءة وشروط الكرم في هؤلاء الثّلاثة تحمّل أثقالهم وإسعافهم في نوائبهم. وأمّا التّبرّع ففيمن عدا هؤلاء الثّلاثة من البعداء» ) * «١٠» . ١٦-* (وقال: «اعلم أنّ من شواهد الفضل ودلائل الكرم المروءة الّتي هي حلية النّفوس، وزينة الهمم» ) * «١١» .

стр. 4100

١٧-* (وقال أيضا: «شرف النّفس مع صغر الهمّة أولى من علوّ الهمّة مع دناءة النّفس، لأنّ من علت همّته مع دناءة نفسه كان متعدّيا إلى طلب ما لا يستحقّه، ومتخطّيا إلى التماس مالا يستوجبه. ومن شرفت نفسه مع صغر همّته فهو تارك لما يستحقّ، ومقصّر عمّا يجب له، وفضل ما بين الأمرين ظاهر، وإن كان لكلّ واحد منهما من الذّمّ نصيب» ) * «١» . ١٨-* (وقال: «أمّا شرف النّفس فإنّ به يكون قبول التّأديب واستقرار التّقويم والتّهذيب، لأنّ النّفس ربّما جمحت عن الأفضل وهي به عارفة ونفرت عن التّأديب وهي له مستحسنة، لأنّها عليه غير مطبوعة، وله غير ملائمة فتصير منه أنفر، ولضدّه الملائم آثر» ) * «٢» . ١٩-* (قال الحصين بن المنذر الرّقاشيّ: إنّ المروءة ليس يدركها امرؤ ... ورث المكارم عن أب فأضاعها أمرته نفس بالدّناوة والخنا ... ونهته عن سبل العلا فأطاعها فإذا أصاب من المكارم خلّة ... يبني الكريم بها المكارم باعها ) * «٣» . ٢٠-* (يقول شيخ الأزهر السّابق محمّد الخضر حسين: «وتنتظم المروءة أخلاقا سنيّة وآدابا مضيئة، ورسوخ هذه الأخلاق والآداب في النّفس يحتاج إلى صبر ومجاهدة ودقّة ملاحظة وسلامة ذوق) * «٤» . ٢١-* (قال وحيد الدّين خان في كتابه «البعث الإسلاميّ» : «إنّ هؤلاء الّذين نشأوا في جزيرة العرب، وشبّوا في الكثبان الرّمليّة والصّحارى القاحلة الجدباء، كانوا يتمتّعون بميزات يمكن تلخيصها في كلمة واحدة هي المروءة» ) * «٥» . ٢٢-* (قال حافظ إبراهيم: إنّي لتطربني الخلال كريمة ... طرب الغريب بأوبة وتلاقي وتهزّني ذكرى المروءة والنّدى ... بين الشّمائل هزّة المشتاق ) * «٦» . ٢٣-* (وقال بعضهم: «من حقوق المروءة وشروطها مالا يتوصّل إليه إلّا بالمعاناة، ولا يوقف عليه إلّا بالتّفقّد والمراعاة. فثبت أنّ مراعاة النّفس على أفضل أحوالها هي المروءة، وإذا كانت كذلك فليس ينقاد لها مع ثقل كلفها إلّا من تسهّلت عليه المشاقّ رغبة في الحمد، وهانت عليه الملاذّ حذرا من الذّمّ، ولذلك قيل: سيّد القوم أشقاهم» ) * «٧» . ٤٢-* (قيل لبعض الحكماء: ما أصعب شيء
следующие страницы →