← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

الأحاديث الواردة في (معرفة الله- ) معنى ٦-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون. قالوا: إنّا لسنا كهيئتك يا رسول الله، إنّ الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر. فيغضب حتّى يعرف الغضب في وجهه ثمّ يقول: «إنّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» ) * «١» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (معرفة الله- -) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ في تفسير قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ (الأعراف/ ١٧٢) قال: إنّ الله ﵎ ضرب منكبه الأيمن فخرجت كلّ نفس مخلوقة للجنّة بيضاء نقيّة، فقال: هؤلاء أهل الجنّة ثمّ ضرب منكبه الأيسر فخرجت كلّ نفس مخلوقة للنّار سوداء، فقال: هؤلاء أهل النّار، ثمّ أخذ عهودهم على الإيمان والمعرفة له ولأمره والتّصديق به وبأمره وأشهدهم على أنفسهم فآمنوا وصدّقوا وعرفوا وأقرّوا وبلغني أنّه أخرجهم على كفّه أمثال الخردل) * «٢» . ٢-* (قال ابن عبّاس- ﵄ في تفسير قوله تعالى: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (الأنعام/ ٧٥) إنّه تعالى جلّى له الأمر سرّه وعلانيته فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق فلمّا جعل يلعن أصحاب الذّنوب قال الله: إنّك لا تستطيع هذا، فردّه كما كان قبل ذلك. قال ابن كثير: فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره حتّى رأى ذلك عيانا ويحتمل أن يكون كشف عن بصيرته حتّى شاهده بفؤاده وتحقّقه وعرفه وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدّلالات القاطعة كما رواه الإمام أحمد والتّرمذيّ وصحّحه عن معاذ بن جبل في حديث المنام «أتاني ربّي في أحسن صورة فقال: يا محمّد فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا ربّ، فوضع يده بين كتفيّ حتّى وجدت برد أنامله بين ثدييّ فتجلّى لي كلّ شيء وعرفت ذلك» ) * «٣» .

стр. 4167

٣-* (وعن ابن عبّاس- ﵄ في تفسير قول الله : إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (الأنعام/ ٧٩) ، نُورٌ عَلى نُورٍ (النور/ ٣٥) قال: كذلك قلب المؤمن يعرف الله ويستدلّ عليه بقلبه، فإذا عرفه ازداد نورا على نور، وكذا إبراهيم ﵇ عرف الله بقلبه واستدلّ عليه بدلائله، فعلم أنّ له ربّا وخالقا، فلمّا عرّفه الله بنفسه ازداد معرفة فقال أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ (الأنعام/ ٨٠)) * «١» . ٤-* (وعنه أيضا- ﵁: أفضل العبادة الفقه في الدّين، والحقّ جعل الفقه صفة القلب فقال: لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها (الأعراف/ ١٧٩) ، فلمّا فقهوا علموا، ولمّا علموا عملوا، ولمّا عملوا عرفوا، ولمّا عرفوا اهتدوا، فكلّ من كان أفقه كانت نفسه أسرع إجابة وأكثر انقيادا لمعالم الدّين وأوفر حظّا من نور اليقين، فالعلم جملة موهوبة من الله للقلوب والمعرفة تميّز تلك الجملة) * «٢» . ٥-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: رحم الله تعالى صهيبا لو لم يخف الله لم يعصه، يعني لو كتب له كتاب الأمان من النّار حمله صرف «٣» المعرفة بعظيم أمر الله على القيام بواجب حقّ العبوديّة) * «٤» . ٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: اختصم رجلان، فدارت اليمين على أحدهما، فحلف بالله الّذي لا إله إلّا هو ما له عليه حقّ فنزل جبريل فقال: مره فليعطه حقّه، فإنّ الحقّ قبله، وهو كاذب، وكفّارة يمينه معرفته بالله أنّه لا إله إلّا هو، أو شهادته أنّه لا إله إلّا هو) * «٥» . ٧-* (قال البخاريّ: وباب قول النّبيّ ﷺ «أنا أعلمكم بالله» وأنّ المعرفة فعل القلب لقول الله تعالى: وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ (البقرة/ ٢٢٥)) * «٦» . ٨-* (قال النّوويّ في شرح قوله ﷺ «الإسلام أن تعبد الله لا تشرك به شيئا وتقيم الصّلاة ... إلى آخره» : أمّا العبادة، فهي: الطّاعة مع خضوع، فيحتمل أن يكون المراد بالعبادة هنا: معرفة الله تعالى والإقرار بوحدانيّته، فعلى هذا يكون عطف الصّلاة والصّوم والزّكاة عليها لإدخالها في الإسلام. فإنّها لم تكن دخلت في العبادة، وعلى هذا إنّما اقتصر على هذه الثّلاث لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره والباقي ملحق بها) * «٧» .

стр. 4168

٩-* (قال الغزاليّ- ﵀: أخوف النّاس لربّه أعرفهم بنفسه وبربّه، ولذلك قال ﷺ : «أنا أخوفكم لله» ، وكذلك قال تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (فاطر/ ٢٨) ثمّ إذا كملت المعرفة أورثت جلال الخوف واحتراق القلب) * «١» . ١٠-* (وقال أيضا: الخوف من المعصية خوف الصّالحين، والخوف من الله خوف الموحّدين والصّدّيقين وهو ثمرة المعرفة بالله تعالى، وكلّ من عرفه وعرف صفاته علم من صفاته ما هو جدير بأن يخاف من غير جناية) * «٢» . ١١-* (وقال- ﵀ كذلك: لا وصول إلى سعادة لقاء الله في الآخرة إلّا بتحصيل محبّته والأنس به في الدّنيا، ولا تحصل المحبّة إلّا بالمعرفة، ولا تحصل المعرفة إلّا بدوام الفكر) * «٣» . ١٢-* (وقال أيضا: من عرف الله تعالى عرف أنّه يفعل ما يشاء ولا يبالي، ويحكم ما يريد ولا يخاف) * «٤» . ١٣-* (قال ابن القيّم: اعلم أنّ الله تعالى خلق في صدرك بيتا وهو القلب، ووضع في صدره عرشا لمعرفته يستوي عليه المثل الأعلى وهو مستو على عرشه بذاته بائن من خلقه. والمثل الأعلى من معرفته ومحبّته وتوحيده مستو على سرير القلب وعلى السّرير بساط من الرّضا، ووضع عن يمينه وشماله مرافق شرائعه وأوامره. وفتح إليه بابا من جنّة رحمته والأنس به والشّوق إلى لقائه. وأمطره من وابل كلامه ما أنبت فيه أصناف الرّياحين والأشجار المثمرة من أنواع الطّاعات. والتّهليل والتّسبيح والتّحميد والتّقديس. وجعل في وسط البستان شجرة معرفته تعالى، فهي تؤتي أكلها كلّ حين بإذن ربّها من المحبّة والإنابة والخشية والفرح به والابتهاج بقربه وأجرى إلى تلك الشّجرة ما يسقيها من تدبّر كلامه وفهمه والعمل بوصاياه، وعلّق في ذلك البيت قنديلا أسرجه بضياء معرفته والإيمان به وتوحيده فهو يستمدّ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ (النور/ ٣٥)) * «٥» . ١٤-* (قال بعضهم: من أمارات المعرفة بالله حصول الهيبة، فمن ازدادات معرفته زادت هيبته. وقال أيضا: المعرفة توجب السّكينة. وقيل: علامتها أن يحسّ بقرب قلبه من الله فيجده قريبا منه) * «٦» . ١٥-* (وقال الشّبليّ: ليس لعارف علاقة، ولا لمحبّ شكوى، ولا لعبد دعوى، ولا لخائف قرار، ولا لأحد من الله فرار) * «٧» .

стр. 4169

١٦-* (قال الفيروزاباديّ (تعقيبا على كلام الشّبليّ في الأثر السّابق) : وهذا كلام جيّد، فإنّ المعرفة الصّحيحة تقطع من القلب العلائق كلّها، وتعلّقه بمعروفه فلا يبقى فيه علاقة لغيره، ولا تمرّ به العلائق إلّا وهي مجتازة) * «١» . ١٧-* (وقال أحمد بن عاصم: من كان بالله أعرف كان من الله أخوف. ويدلّ على هذا قوله تعالى: إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ (فاطر/ ٢٨) . وقول النّبيّ ﷺ : «أنا أعرفكم بالله وأشدّكم له خشية» ) * «٢» . ١٨-* (وقال هرم بن حيّان: المؤمن إذا عرف ربّه أحبّه، وإذا أحبّه أقبل إليه) * «٣» . ١٩-* (وقال أيضا: من عرف نفسه وعرف ربّه عرف قطعا أنّه لا وجود له من ذاته إنّما وجود ذاته ودوام وجوده وكمال وجوده من الله وإلى الله وبالله) * «٤» . ٢٠-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: من عرف ربّه أحبّه، ومن عرف الدّنيا زهد فيها، ومن خلا عن الحبّ هذا فلأنّه اشتغل بنفسه وشهواته وذهل عن ربّه وخالقه فلم يعرفه حقّ معرفته وقصر نظره على شهواته ومحسوساته) * «٥» . ٢١-* (وقال ذو النّون: الزّهّاد ملوك الآخرة، وهم فقراء العارفين) *. ٢٢-* (سئل الجنيد عن العارف فقال: لون الماء لون إنائه. وهذه كلمة رمز بها إلى حقيقة العبوديّة، وهو أنّه يتلّون في أقسام العبوديّة، فبينا تراه مصلّيا، إذ رأيته ذاكرا أو قارئا، أو متعلّما، أو معلّما، أو مجاهدا، أو حاجّا، أو مساعدا للضّعيف، أو معينا للملهوف، فيضرب في كلّ غنيمة بسهم. فهو مع المنتسبين منتسب، ومع المتعلّمين متعلّم، ومع الغزاة غاز، ومع المصلّين مصلّ، ومع المتصدّقين متصدّق. وهكذا ينتقل في منازل العبوديّة من عبوديّة إلى عبوديّة، وهو مستقيم على معبود واحد لا ينتقل عنه إلى غيره) * «٦» . ٢٣-* (وقال ابن عطاء: المعرفة على ثلاثة أركان: الهيبة، والحياء، والأنس) *. ٢٤-* (وقيل: العارف ابن وقته. وهذا من أحسن الكلام وأخصره، فهو مشغول بوظيفة وقته عمّا مضى وصار في العدم، وعمّا لم يدخل بعد في الوجود، فهمّه عمارة وقته الّذي هو مادّة حياته الباقية. ومن علاماته أنّه مستوحش ممّن يقطعه عنه. ولهذا قيل:

стр. 4170

العارف من أنس بالله فأوحشه من الخلق، وافتقر إلى الله فأغناه عنهم، وذلّ لله فأعزّه فيهم، وتواضع لله فرفعه بينهم، واستغفر بالله فأحوجهم إليه) *. ٢٥-* (وقيل: العارف فوق ما يقول، والعالم دون ما يقول. يعني: أنّ العالم علمه أوسع من حاله وصفته والعارف حاله وصفته فوق كلامه وخبره) * «١» . ٢٦-* (قال الفيروزاباديّ: وعلامة العارف أن يكون قلبه مرآة إذا نظر فيها رأى فيها الغيب الّذي دعا إلى الإيمان به، فعلى قدر جلاء تلك المرآة يتراءى فيها سبحانه والدّار الآخرة والجنّة والنّار والملائكة والرّسل، كما قيل: إذا سكن الغدير على صفاء ... فيشبه أن يحرّكه النّسيم بدت فيه السّماء بلا مراء ... كذاك الشّمس تبدو والنّجوم كذاك قلوب أرباب التجلّي ... يرى في صفوها الله العظيم ومن علامات المعرفة أن يبدو لك الشّاهد وتفنى الشّواهد، وتنجلي العلائق وتنقطع العوائق، وتجلس بين يدي الرّبّ، وتقوم وتضطجع على التّأهّب للقائه كما يجلس الّذي قد شدّ أحماله وأزمع السّفر، على تأهّب له، ويقوم على ذلك ويضطجع عليه. ومن علامات العارف: أنّه يأسف على فائت ولا يفرح بآت ولأنّه ينظر في الأشياء الفناء والزّوال، وأنّها في الحقيقة كالظّلال والخيال. وقال الجنيد: لا يكون العارف عارفا حتّى يكون كالأرض يطؤها البرّ والفاجر، وكالسّحاب يظلّ كلّ شيء، وكالمطر يسقي ما يحبّ وما لا يحبّ) * «٢» . ٢٧-* (وقال يحيى بن معاذ: يخرج العارف من الدّنيا ولم يقض وطره من شيئين: بكاؤه على نفسه، وثناؤه على ربّه. وهذا من أحسن ما قيل، لأنّه يدلّ على معرفته بنفسه وعلى معرفته بربّه وجماله وجلاله، فهو شديد الإزراء على نفسه، لهج بالثّناء على ربّه) * «٣» . ٢٨-* (وقال أبو يزيد: إنّما نالوا المعرفة بتضييع ما لهم، والوقوف مع ما له. يريد تضييع حظوظهم والوقوف مع حقوق الله تعالى. وقال آخر: لا يكون العارف عارفا حتّى لو أعطي ملك سليمان لم يشغله عن الله طرفة عين. وهذا يحتاج إلى شرح، فإنّ ما هو دون ذلك يشغل القلب، لكن إذا كان اشتغاله بغير الله لله فذلك اشتغال بالله) * «٤» . ٢٩-* (حكى الفيروزاباديّ عن بعضهم قوله: من عرف الله ضاقت عليه الأرض بسعتها. وقال غيره: من عرف الله اتّسع عليه كلّ ضيق.

стр. 4171

قال الفيروزاباديّ: ولا تنافي بين هذين الكلامين فإنّه يضيق عليه كلّ مكان لاتّساعه فيه على شأنه ومطلوبه، ويتّسع له ما ضاق على غيره لأنّه ليس فيه ولا هو مساكن له بقلبه، فقلبه غير محبوس فيه. والأوّل في بداية المعرفة، والثّاني في غايتها الّتي يصل إليها العبد. وقال: من عرف الله تعالى صفا له العيش، وطابت له الحياة، وهابه كلّ شيء، وذهب عنه خوف المخلوقين، وأنس بالله) * «١» . ٣٠-* (وقال غيره: من عرف الله قرّت عينه بالله وقرّت به كلّ عين، ومن لم يعرف الله تقطّع قلبه على الدّنيا حسرات، ومن عرف الله لم يبق له رغبة فيما سواه) * «٢» . ٣١-* (قال ابن الجوزيّ: من ذاق طعم المعرفة وجد طعم المحبّة، فالرّضا من جملة ثمرات المعرفة، فإذا عرفته سبحانه رضيت بقضائه) * «٣» . ٣٢-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى-: ليس في الدّنيا ولا في الآخرة أطيب عيشا من العارفين بالله تعالى، فإنّ العارف به مستأنس به في خلوته، فإن عمّت نعمة علم من أهداها، وإن مرّ مرّ حلا مذاقه في فيه لمعرفته بالمبتلي، وإن سأل فتعوّق مقصوده، صار مراده ما جرى به القدر، علما منه بالمصلحة، بعد يقينه بالحكمة، وثقته بحسن التّدبير) * «٤» . من فوائد (معرفة الله- -) (١) معرفة الله هي أساس الإيمان به، والتّصديق برسله، وما أرسلوا به. (٢) معرفة الله تورث السّكينة والرّضا، وتبعد عن العبد السّخط والغضب. (٣) العارف بالله تعالى من أطيب النّاس عيشا. (٤) المعرفة بالله تورث محبّته سبحانه. (٥) معرفة الله هي جماع السّعادة في الدّنيا والآخرة. (٦) من عرف الله في الرّخاء عرفه الله في شدّته وأنقذه منها.

стр. 4172

(٧) المعرفة في قلب المؤمن سراج ينير طريقه، أمّا معرفة المنافق الّتي يعقبها إنكار فإنّها تجعل قلبه منكوسا. (٨) العارفون بالله يوم القيامة يهديهم ربّهم بإيمانهم فيتّبعونه عندما يأتيهم في صورته الّتي يعرفونها (الحديث رقم ٥) . (٩) العارفون بالله تعالى لهم أوفر حظّ من نور اليقين وأصحاب اليقين هم الفائزون في الدّنيا والآخرة. (١٠) المعرفة تورث الخوف من الله وتؤدّي إلى الخشية منه والبعد عن معاصيه. (١١) من ثمرات المعرفة الإقبال على الله . (١٢) قلب العارف يزداد نورا على نور.

стр. 4173

المواساة المواساة لغة: المواساة مصدر قولهم: واسيته وهي لغة في آسيته، يقول ابن فارس: الهمزة والسّين والواو أصل واحد يدلّ على المداواة والإصلاح. يقال: أسوت الجرح إذا داويته، ولذلك يسمّى الطّبيب الآسي. قال الحطيئة: هم الآسون أمّ الرّأس لمّا ... تواكلها الأطبّة والإساء ويقال: أسوت بين القوم، إذا أصلحت بينهم، ومن هذا الباب قولهم: لي في فلان أسوة (بضمّ الهمزة وكسرها) ، أي قدوة، أي أنّي أقتدي به، وأسّيت فلانا إذا عزّيته من هذا، أي قلت له: ليكن لك بفلان أسوة فقد أصيب بمثل ما أصبت به فرضي وسلّم، ومن هذا الباب آسيته بنفسي (وواسيته) . وقال الرّاغب: الأسو: إصلاح الجرح وأصله: إزالة الأسى، والآسى: طبيب الجرح، جمعه: إساء وأساة، والمجروح مأسيّ وأسيّ معا، ويقال آسيته (أصلحته) ، قال الشّاعر: آسى أخاه بنفسه. وقال: آخر: فآسى وآذاه فكان كمن جنى. الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ ٢٧/ ١٥ وقال الجوهريّ: في مادّة (وس ى) : وواساه لغة ضعيفة في آساه، تبنى على يواسي، وقد استوسيته: أي قلت له واسني، وقال في مادّة (أسا) يقال: آسيته بمالي مواساة، أي جعلته أسوتي فيه، والإسوة والأسوة (بالكسر والضّمّ) هي ما يأتسي به الحزين ويتعزّى به، والجمع إسى وأسى، ثمّ سمّي الصّبر أسى، وتآسوا: أي آسى بعضهم بعضا، والأسى: المداواة والعلاج، وهو الحزن أيضا والإساء: الدّواء بعينه والإساء (أيضا) الأطبّة. جمع الآسي. وقال ابن منظور: الأسا (مفتوح مقصور) المداواة والعلاج، وهو الحزن أيضا، وأسا الجرح أسوا وأسا: داواه، والأسوّ على فعول: دواء تأسو به الجرح، ويقال: أسا بينهم أسوا أصلح، وتآسوا أي آسى بعضهم بعضا، قال الشّاعر: وإنّ الألى بالطّفّ من آل هاشم ... تآسوا فسنّوا للكرام التّآسيا قال ابن برّيّ: وهذا البيت تمثّل به مصعب (بن الزّبير) يوم قتل، وتآسوا فيه من المؤاساة لا من التّأسّي، والمواساة: المساواة والمشاركة في المعاش والرّزق وأصلها الهمزة فقلبت واوا تخفيفا وفي حديث الحديبية: إنّ المشركين واسونا للصّلح، جاء به على التّخفيف، وعلى الأصل جاء الحديث الآخر: ما أحد عندي

стр. 4174

أعظم يدا من أبي بكر آساني بنفسه وماله، ويقال: آساه بماله: أناله منه وجعله فيه أسوة، وقيل لا يكون منه ذلك إلّا من كفاف، فإن كان من فضلة فليس بمؤاساة. قال أبو طالب: أصل الكلمة إمّا أن يكون أساه يأسوه، إذا عالجه وداواه، وإمّا أن يكون من آس يئوس: إذا عاض، فأخّر الهمزة وليّنها ولكلّ مقال. وأمّا قولهم: واساه فلغة ضعيفة في آساه. وقال أبو بكر في قولهم: ما يواسي فلان فلانا ثلاثة أقوال: أحدها: ما يشارك فلان فلانا فالمواساة المشاركة. وأنشد لهذا المعنى: فإن يك عبد الله آسى ابن أمّه ... وآب بأسلاب الكميّ المغاور وثانيها: ما يصيبه بخير. من قول العرب: آس فلانا بخير أي أصبه. ثالثها: ما يعوّضه من مودّته ولا قرابته شيئا أي ما يعوّضه وهو مأخوذ من الأوس وهو العوض. ويقال: قد استوسيته: أي قلت له: واسني «١» . واصطلاحا: قال ابن مسكويه: المواساة: معاونة الأصدقاء والمستحقّين ومشاركتهم في الأموال والأقوات «٢» . وقال ابن حجر- رحمه الله تعالى-: المواساة: أن يجعل صاحب المال يده ويد صاحبه في ماله سواء «٣» . وقال غيرهما: المواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرّزق «٤» . أنواع المواساة: قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى: المواساة للمؤمنين أنواع: الأوّل: مواساة بالمال. الثّاني: مواساة بالجاه. الثّالث: مواساة بالبدن والخدمة. الرّابع: مواساة بالنّصيحة والإرشاد. الخامس: مواساة بالدّعاء والاستغفار لهم. السّادس: مواساة بالتّوجّع لهم. قال: وعلى قدر الإيمان تكون هذه المواساة، فكلّما ضعف الإيمان ضعفت المواساة، وكلّما قوي قويت، وكان رسول الله ﷺ أعظم النّاس مواساة لأصحابه بذلك، فلا أتباعه من المواساة بحسب اتّباعهم له، ودخلوا على بشر الحافي في يوم شديد البرد، وقد تجرّد وهو ينتفض، فقالوا: ما هذا يا أبا نصر؟ فقال: ذكرت الفقراء وبردهم، وليس لي ما أواسيهم، فأحببت أن أواسيهم في بردهم» «٥» . وهذا النّوع الأخير الّذي يعني المشاركة إنّما يرمي إلى جبر خاطر المحتاجين عندما يتعذّر القيام بسدّ هذه الحاجة، وفي هذا ما يعينهم على الرّضا الصّبر وتحمّل المشاقّ.

стр. 4175

من المواساة جبر خاطر المسلم وإدخال السّرور على قلبه: لمّا كانت المواساة لا تقتصر على مشاركة المسلم لأخيه في المال والجاه أو الخدمة والنّصيحة.. أو غير ذلك فإنّ من المواساة مشاركة المسلم في مشاعره خاصّة في أوقات حزنه، وعند تعرّضه لما يعكّر صفوه، وهنا فإنّ إدخال السّرور عليه وتطييب خاطره بالكلمة الطّيّبة، أو المساعدة الممكنة بالمال أو الجاه، أو المشاركة الوجدانيّة هو من أعظم المواساة وأجلّ أنواعها، وقد كان ﷺ يواسي بالقليل والكثير «١» ، وقد علّمنا؟ أنّ من أقال مسلما من عثرته أقال الله عثرته «٢» ، وأنّ الله لا يزال في حاجة العبد مادام العبد في حاجة أخيه «٣» . إنّ حاجة المسلم تتنوّع وتختلف من موقف إلى آخر، فهناك من تكون حاجته إلى المال، وهناك من تكون حاجته إلى عمل أو وظيفة، وهناك من تكون حاجته إلى كلمة طيّبة، وهناك من تكون حاجته إلى دفع الظّلم عنه، وهناك من تكون حاجته إلى مشاركة النّاس له في أتراحه أو أفراحه، وهناك من تكون حاجته في وضع الدّين عنه أو إرجائه، إلى غير ذلك من الحاجات وكلّ ذلك يدخل في إطار القاعدة العامّة للمواساة، وهي أن يكون المسلم في حاجة أخيه، وعلى المسلم أن يعرف أنّ فائدة هذه المواساة لا ترجع إلى صاحب الحاجة (المواسى) فقط، وإنّما تشمل أيضا المواسي لأنّ الله يقف إلى جانبه ويكون في حاجته، هذا في الدّنيا، ويجازيه عليها أفضل جزاء يوم القيامة، وقد أخبر الصّادق المصدوق ﷺ أنّ من لقي أخاه بما يحبّ ليسرّه بذلك سرّه الله يوم القيامة «٤» ، لقد حفلت سير أعلام النّبلاء بنماذج مشرّفة من المواساة، ومن تأمّل هذه الصّفحات المشرقة الّتي حفلت بها سير هؤلاء يتّضح أنّ مجالسة المساكين والتّحدّث معهم فيه جبر خاطرهم وإدخال السّرور عليهم «٥» ، وإذا كان الإنسان واجدا فإنّه كان يتكفّل بنفقة هؤلاء وإعالتهم مع المحافظة على كرامتهم وتقديم المعونة لهم سرّا «٦» . [للاستزادة: انظر صفات: الإغاثة- الإنفاق- البر- بر الوالدين- تفريج الكربات- حق الجار- السخاء- صلة الرحم- عيادة المريض- كفالة اليتيم تكريم الإنسان- الكرم- الجود- الصدقة. وفي ضد ذلك انظر صفات: الأثرة- البخل- التخاذل- الشح- الإعراض- التفريط والإفراط- التهاون- قطيعة الرحم- عقوق الوالدين- الكنز] .

стр. 4176

الأحاديث الواردة في (المواساة) ١-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ قال: كنت جالسا عند النّبيّ ﷺ إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتّى أبدى عن ركبته، فقال النّبيّ ﷺ : «أمّا صاحبكم فقد غامر» فسلّم وقال: يا رسول الله إنّي كان بيني وبين ابن الخطّاب شيء «فأسرعت إليه ثمّ ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليّ، فأقبلت إليك، فقال: «يغفر الله لك يا أبا بكر» (ثلاثا) ثمّ إنّ عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثمّ أبو بكر؟ فقالوا: لا، فأتى إلى النّبيّ ﷺ فجعل وجه النّبيّ ﷺ يتمعّر (أي تذهب نضارته من الغضب) حتّى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم (مرّتين) فقال النّبيّ ﷺ : «إنّ الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» (مرّتين) فما أوذي بعدها) * «١» . ٢-* (عن أنس قال: لمّا قدم النّبيّ ﷺ المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله، ما رأينا قوما أبذل من كثير، ولا أحسن مواساة من قليل من قوم نزلنا بين أظهرهم لقد كفونا المؤنة، وأشركونا في المهنأ حتّى خفنا أن يذهبوا بالأجر كلّه، فقال النّبيّ ﷺ : «لا ما دعوتم الله لهم، وأثنيتم عليهم» ) * «٢» . ٣-* (عن عائشة- ﵂ قالت: كان النّبيّ ﷺ إذا ذكر خديجة أثنى عليها فأحسن الثّناء. قالت: فغرت يوما، فقلت: ما أكثر ما تذكرها حمراء الشّدق، قد أبدلك الله- بها خيرا منها. قال: «ما أبدلني الله- خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي النّاس، وصدّقتني إذ كذّبني النّاس، وواستني بمالها إذ حرمني النّاس، ورزقني الله ولدها إذ حرمني أولاد النّساء» ) * «٣» . الأحاديث الواردة في (المواساة) معنى ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال أبو القاسم ﷺ : «لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت شعب الأنصار أو وادي الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار» فقال أبو هريرة: فما ظلم بأبي وأمّي ﷺ ، لآووه ونصروه، قال: وأحسبه قال: وواسوه) * «٤» .

стр. 4177

٥-* (عن أبي موسى- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الأشعريّين إذا أرملوا «١» في الغزو أو قلّ طعام عيالهم بالمدينة جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثمّ اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسّويّة، فهم منّي، وأنا منهم» ) * «٢» . ٦-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «أربعون خصلة- أعلاهنّ منيحة العنز- ما من عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها، وتصديق موعودها، إلّا أدخله الله بها الجنّة» قال حسّان بن عطيّة- أحد الرّواة- فعددنا ما دون منيحة «٣» العنز. من ردّ السّلام وتشميت العاطس، وإماطة الأذى عن الطّريق ونحوه فما استطعنا أن نبلّغ خمس عشرة خصلة) * «٤» . ٧-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكّوا العاني» ) * «٥» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة تغدو بعسّ «٦» وتروح بعسّ إنّ أجرها لعظيم» ) * «٧» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «طعام الاثنين كافي الثّلاثة، وطعام الثّلاثة كافي الأربعة» ) * «٨» . ١٠-* (عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة فأصابنا جهد «٩» حتّى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا «١٠» ، فأمر نبيّ الله ﷺ فجمعنا مزاودنا «١١» فبسطنا له نطعا «١٢» فاجتمع زاد القوم على النّطع. قال: فتطاولت لأحزره «١٣» كم هو؟ فحزرته كربضة العنز «١٤» ونحن أربع عشرة مائة. قال: فأكلنا حتّى شبعنا جميعا ثمّ حشونا جربنا «١٥» فقال نبيّ الله ﷺ : «فهل من وضوء» ؟ قال: فجاء رجل بإداوة «١٦»

стр. 4178

له فيها نطفة «١» فأفرغها في قدح فتوضّأنا كلّنا ندغفقه دغفقة «٢» أربع عشرة مائة) * «٣» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قالت الأنصار: اقسم بيننا وبينهم النّخل، قال: «لا» قال: «يكفوننا المئونة، ويشركوننا في الثّمر» قالوا: سمعنا وأطعنا) * «٤» . ١٢-* (عن زيد بن ثابت- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال الله في حاجة العبد ما دام في حاجة أخيه» ) * «٥» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من أقال مسلما أقاله الله عثرته» ) * «٦» . ١٤-* (عن سلمة بن الأكوع- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من ضحّى منكم فلا يصبحنّ في بيته بعد ثالثة شيئا، فلمّا كان في العام المقبل، قالوا: يا رسول الله!، نفعل كما فعلنا عام أوّل؟ فقال: «لا، إنّ ذاك عام كان النّاس فيه بجهد فأردت أن يفشو فيهم «٧» » ) * «٨» . ١٥-* (عن جابر بن عبد الله قال: كنّا فى زمان رسول الله ﷺ نأخذ الأرض بالثّلث أو الرّبع الماذيانات «٩» ، فقام رسول الله ﷺ فى ذلك فقال: من كانت له أرض فليزرعها فإن لم يزرعها، فليمنحها أخاه، فإن لم يمنحها أخاه فليمسكها» ) * «١٠» . ١٦-* (عن عبد الرّحمن بن أبي بكر- ﵄ أنّ أصحاب الصّفّة كانوا ناسا فقراء، وإنّ رسول الله ﷺ قال مرّة: «من كان عنده طعام اثنين، فليذهب بثلاثة. ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، بسادس» أو كما قال: وإنّ أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق نبيّ الله ﷺ بعشرة، وأبو بكر بثلاثة، قال: فهو وأنا وأبي وأمّي- ولا أدري هل قال: وامرأتي وخادم بين بيتنا وبيت أبي بكر- قال: وإنّ أبا بكر تعشّى عند النّبيّ ﷺ . ثمّ لبث حتّى صلّيت العشاء، ثمّ رجع فلبث حتّى نعس رسول الله ﷺ ، فجاء بعدما مضى من اللّيل ما شاء الله، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ - أو قالت: ضيفك- قال: أو ما عشيّتهم؟ قالت: أبوا حتّى تجيء. قد عرضوا عليهم

стр. 4179

فغلبوهم. قال: فذهبت أنا فاختبأت. وقال: يا غنثر! فجدّع وسبّ «١» ، وقال: كلوا. لا هنيئا. وقال: والله لا أطعمه أبدا. قال: فايم الله! ما كنّا نأخذ من لقمة إلّا ربا من أسفلها أكثر منها. قال: حتّى شبعنا وصارت أكثر ممّا كانت قبل ذلك. فنظر إليها أبو بكر فإذا هي كما هي أو أكثر. قال لامرأته: يا أخت بني فراس! ما هذا؟ قالت: لا. وقرّة عيني! لهي الآن أكثر منها قبل ذلك بثلاث مرار. قال: فأكل منها أبو بكر وقال: إنّما كان ذلك من الشّيطان. يعني يمينه. ثمّ أكل منها لقمة. ثمّ حملها إلى رسول الله ﷺ فأصبحت عنده، قال: وكان بيننا وبين قوم عقد فمضى الأجل. فعرّفنا «٢» اثنا عشر رجلا، مع كلّ رجل منهم أناس، الله أعلم كم مع كلّ رجل، إلّا أنّه بعث معهم فأكلوا منها أجمعون، أو كما قال) * «٣» . ١٧-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: بينما نحن في سفر مع النّبيّ ﷺ إذ جاء رجل على راحلة له فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا، فقال رسول الله ﷺ : «من كان معه فضل ظهر «٤» فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له» قال: فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتّى رأينا أنّه لا حقّ لأحد منّا في فضل) * «٥» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: إنّي مجهود «٦» . فأرسل إلى بعض نسائه. فقالت: والّذي بعثك بالحقّ! ما عندي إلّا ماء. ثمّ أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك. حتّى قلن كلّهنّ مثل ذلك: لا. والّذي بعثك بالحقّ! ما عندي إلّا ماء. فقال: «من يضيف هذا، اللّيلة، ﵀» فقام رجل من الأنصار فقال: أنا. يا رسول الله!، فانطلق به إلى رحله. فقال لامرأته: هل عندك شيء؟. قالت: لا. إلّا قوت صبياني. قال: فعلّليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السّراج وأريه أنّا نأكل. فإذا أهوى ليأكل فقومي إلى السّراج حتّى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضّيف، فلمّا أصبح غدا على النّبيّ ﷺ ، فقال: «قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما اللّيلة» ) * «٧» . ١٩-* (عن عبد الرّحمن بن أبي بكر- ﵄ قال: كنّا مع النّبيّ ﷺ ثلاثين ومائة، فقال النّبيّ ﷺ : «هل مع أحد منكم طعام؟» فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن، ثمّ جاء رجل مشرك مشعانّ «٨» طويل بغنم يسوقها، فقال النّبيّ ﷺ : «أبيع أم عطيّة- أو قال: هبة-؟» قال: لا، بل بيع. قال:

стр. 4180

فاشترى منه شاة. فصنعت، فأمر نبيّ الله ﷺ بسواد البطن «١» يشوى، وايم الله ما من الثّلاثين ومائة إلّا قد حزّ له حزّة «٢» من سواد بطنها، إن كان شاهدا أعطاها إيّاه، وإن كان غائبا خبّأها له، ثمّ جعل فيها قصعتين، فأكلنا أجمعون وشبعنا، وفضل في القصعتين فحملته على البعير، أو كما قال) * «٣» . ٢٠-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: قدم علينا عبد الرّحمن بن عوف وآخى النّبيّ ﷺ بينه وبين سعد بن الرّبيع- وكان كثير المال- فقال سعد: قد علمت الأنصار أنّي من أكثرها مالا، سأقسم مالي بيني وبينك شطرين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فأطلّقها حتّى إذا حلّت تزوّجتها. فقال عبد الرّحمن: بارك الله لك في أهلك، فلم يرجع يومئذ حتّى أفضل شيئا من سمن وأقط، فلم يلبث إلّا يسيرا حتّى جاء رسول الله ﷺ وعليه وضر من صفرة «٤» ، فقال له رسول الله ﷺ : «مهيم؟» «٥» قال: تزوّجت امرأة من الأنصار. قال: «ما سقت فيها؟» قال: وزن نواة من ذهب- أو نواة من ذهب- فقال: «أولم ولو بشاة» ) * «٦» . ٢١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «كان رجل يداين النّاس، فكان يقول لفتاه: إذا أتيت معسرا فتجاوز عنه، لعلّ الله يتجاوز عنّا، فلقي الله تعالى فتجاوز عنه» ) * «٧» . ٢٢-* (عن عبد الله بن أبي قتادة- ﵄ أنّ أبا قتادة طلب غريما له، فتوارى عنه، ثمّ وجده، فقال: إنّي معسر، فقال: آلله؟ قال: آلله «٨» ، قال: فإنّي سمعت، رسول الله ﷺ يقول: «من سرّه أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة فلينفّس عن معسر، أو يضع عنه» ) * «٩» . ٢٣-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لقي أخاه المسلم بما يحبّ ليسرّه بذلك، سرّه الله يوم القيامة» ) * «١٠» . ٢٤-* (عن ابن عبّاس- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ أحبّ الأعمال إلى الله تعالى بعد الفرائض إدخال السّرور على المسلم» ) * «١١» .

стр. 4181

المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (المواساة) ٢٥-* (عن المقداد- ﵁ أنّه قال: أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد «١» فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله ﷺ . فليس أحد منهم يقبلنا «٢» . فأتينا النّبيّ ﷺ فانطلق بنا إلى أهله. فإذا ثلاثة أعنز. فقال النّبيّ ﷺ : «احتلبوا هذا اللّبن بيننا» قال: فكنّا نحتلب فيشرب كلّ إنسان منّا نصيبه. ونرفع للنّبيّ ﷺ نصيبه. قال: فيجيء من اللّيل فيسلّم تسليما لا يوقظ نائما. ويسمع اليقظان. قال: ثمّ يأتي المسجد فيصلّي. ثمّ يأتي شرابه فيشرب. فأتاني الشّيطان ذات ليلة، وقد شربت نصيبي. فقال: محمّد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم. ما به حاجة إلى هذه الجرعة «٣» . فأتيتها فشربتها. فلمّا أن وغلت في بطني «٤» وعلمت أنّه ليس إليها سبيل. قال: ندّمني الشّيطان. فقال: ويحك! ما صنعت؟ أشربت شراب محمّد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك. فتذهب دنياك وآخرتك. وعليّ شملة إذا وضعتها على قدميّ خرج رأسي وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النّوم. وأمّا صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت. قال: فجاء النّبيّ ﷺ فسلّم كما كان يسلّم. ثمّ أتى المسجد فصلّى. ثمّ أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا. فرفع رأسه إلى السّماء فقلت: الآن يدعو عليّ فأهلك. فقال: «اللهمّ! أطعم من أطعمني. واسق من أسقاني» قال: فعمدت إلى الشّملة فشددتها عليّ. وأخذت الشّفرة فانطلقت إلى الأعنز أيّها أسمن فأذبحها لرسول الله ﷺ ، فإذا هي حافلة «٥» . وإذا هنّ حفّل كلّهنّ، فعمدت إلى إناء لآل محمّد ﷺ ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتّى علته رغوة «٦» . فجئت إلى رسول الله ﷺ . فقال: «أشربتم شرابكم اللّيلة؟» قال: قلت: يا رسول الله! اشرب، فشرب ثمّ ناولني، فقلت: يا رسول الله اشرب. فشرب ثمّ ناولني، فلمّا عرفت أنّ النّبيّ ﷺ قد روي، وأصبت دعوته، ضحكت حتّى ألقيت إلى الأرض. قال: فقال النّبيّ ﷺ : «إحدى سوآتك «٧» يا مقداد» فقلت: يا رسول الله! كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا، فقال النّبيّ ﷺ : «ما هذه إلّا رحمة من الله أفلا كنت آذنتني،

стр. 4182

فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها» قال: فقلت: والّذي بعثك بالحقّ! ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك. من أصابها من النّاس) * «١» . ٢٦-* (عن عثمان بن عفّان- ﵁ أنّه قال وهو يخطب: إنّا والله قد صحبنا رسول الله ﷺ في السّفر والحضر، يعود مرضانا، ويتبع جنائزنا، ويغزو معنا، ويواسينا بالقليل والكثير، وإنّ ناسا يعلموني به عسى أن لا يكون أحدهم رآه قطّ) * «٢» . ٢٧-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: كنت جالسا في داري. فمرّ بي رسول الله ﷺ . فأشار إليّ. فقمت إليه. فأخذ بيدي. فانطلقنا حتّى أتى بعض حجر نسائه. فدخل. ثمّ أذن لي. فدخلت الحجاب عليها «٣» . فقال: «هل من غداء» فقالوا: نعم. فأتي بثلاثة أقرصة. فوضعن على نبيّ «٤» . فأخذ رسول الله قرصا فوضعه بين يديه. وأخذ قرصا آخر فوضعه بين يديّ. ثمّ أخذ الثّالث فكسره باثنين. فجعل نصفه بين يديه ونصفه بين يديّ. ثمّ قال: «هل من أدم؟» قالوا: لا. إلّا شيء من خلّ. قال: «هاتوه. فنعم الأدم هو» ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (المواساة) ١-* (قال إبراهيم بن أدهم- رحمه الله تعالى-: المواساة من أخلاق المؤمنين) * «٦» . ٢-* (قال أبو الأعرج- ﵁ لقد رأيتنا في مجلس زيد بن أسلم- ﵁ أربعين فقيها أدنى خصلة فينا التّواسي بما في أيدينا، وما رأيت في مجلسه مماريين ولا متنازعين في حديث لا ينفعنا) * «٧» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: كنّا نسمّي جعفرا أبا المساكين، كان يذهب إلى بيته، فإذا لم يجد لنا شيئا، أخرج لنا عكّة أثرها عسل، فنشقّها ونلعقها) * «٨» . ٤-* (قال الذّهبيّ: قيل: كانت لأبي برزة الأسلميّ جفنة من ثريد غدوة، وجفنة عشيّة للأرامل واليتامى والمساكين) * «٩» .

стр. 4183

٥-* (عن شعبة- ﵁ قال: لمّا توفّي الزّبير لقي حكيم (بن حزام) عبد الله بن الزّبير، فقال: كم ترك أخي من الدّين؟ قال: ألف ألف، قال: عليّ خمسمائة ألف) * «١» . ٦-* (قال ابن عيينة: كان سعيد بن العاص إذا قصده سائل وليس عنده شيء قال: اكتب عليّ سجلا بمسألتك إلى الميسرة) * «٢» . ٧-* (عن أبي حمزة الثّماليّ- ﵁ قال: إنّ عليّ بن الحسين كان يحمل الخبز باللّيل على ظهره يتّبع به المساكين في الظّلمة، ويقول: إنّ الصّدقة في سواد اللّيل تطفيء غضب الرّبّ) * «٣» . ٨-* (عن عمرو بن ثابت- ﵁ قال: لمّا مات عليّ بن الحسين وجدوا بظهره أثرا ممّا كان ينقل الجرب «٤» باللّيل إلى منازل الأرامل) * «٥» . ٩-* (عن محمّد بن إسحاق- ﵁ قال: كان ناس من أهل المدينة يعيشون، لا يدرون من أين كان معاشهم، فلمّا مات عليّ بن الحسين، فقدوا ذلك الّذي كانوا يؤتون باللّيل) * «٦» . ١٠-* (وقال شيبة بن نعامة: لمّا مات عليّ (بن الحسين) ﵄ وجدوه يعول مائة أهل بيت، قال الذّهبيّ: قلت ولهذا كان يبخّل فإنّه كان ينفق سرّا ويظنّ أهله أنّه كان يجمع الدّراهم) * «٧» . ١١-* (عن بكر بن عبد الله «٨» ﵁ قال: إنّي لأرجو أن أعيش عيش الأغنياء، وأموت موت الفقراء، قال الذّهبيّ: فكان ﵀ كذلك، يلبس كسوته، ثمّ يجيء إلى المساكين، فيجلس معهم يحدّثهم ويقول: لعلّهم يفرحون بذلك) * «٩» . ١٢-* (قال أبو حمزة- ﵁ اختلفت إلى إبراهيم الصّائغ نيّفا وعشرين سنة، ما علم أحد من أهل بيتي أين ذهبت، ولا من أين جئت، قال الذّهبيّ لأنّ إبراهيم كان في السّجن، ولا يذهب إليه أحد إلّا متخفّيا) * «١٠» . ١٣-* (عن محمّد بن عليّ بن الحسن- ﵃ قال: أراد جار لأبي حمزة السّكّريّ أن يبيع داره، فقيل له: بكم؟ قال: بألفين ثمن الدّار، وبألفين جوار أبي حمزة، فبلغ ذلك أبا حمزة، فوجّه إليه بأربعة آلاف، وقال لا تبع دارك» ) * «١١» . ١٤-* (قال الحاكم (النّيسابوريّ) صحبت ابن أبي ذهل حضرا وسفرا ... قيل لي: إنّ عشر غلّته

стр. 4184

تبلغ ألف حمل، وحدّثني أبو أحمد الكاتب أنّ النّسخة بأسامي من يمونهم تزيد على خمسة آلاف بيت، وقد عرضت عليه ولايات جليلة فأبى» ) * «١» . ١٥-* (حكى الذّهبيّ أنّ الرّفاعيّ (أبا العبّاس أحمد بن أبي الحسن المغربيّ ثمّ البطائحيّ، كان يجمع الحطب، ويجيء به إلى بيوت الأرامل، ويملأ لهم بالجرّة» ) * «٢» . من فوائد (المواساة) (١) تورث حبّ الله- ثمّ حبّ الخلق. (٢) دليل حبّ الخير للآخرين. (٣) تشيع روح الأخوّة بين المسلمين. (٤) تقوّي العلاقات بين المسلمين. (٥) تساعد على قضاء حاجات المحتاجين وسدّ عوز المعوزين. (٦) تدخل السّرور على المسلم وترفع من معنويّاته فيقبل على الحياة مسرورا. (٧) المواساة تجعل صاحبها من المسرورين يوم القيامة. (٨) المواساة من أحبّ الأعمال إلى الله- . (٩) المواساة تدعو إلى الألفة وتؤكّد معنى الإخاء وتنشر المحبّة. (١٠) المواساة تدفع الغيظ وتذهب الغلّ وتميت الأحقاد.

стр. 4185

[حرف النون] النبل الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ ٤/ ٩ النبل لغة: مصدر قولهم: نبل فلان أي صار نبيلا، وهو مأخوذ من مادّة (ن ب ل) الّتي تدلّ- كما يقول ابن فارس- على فضل وكبر، ثمّ يستعار منه الحذق في العمل، فيقال للفضل في الإنسان نبل، والمعنى في الحذق قولهم: إنّ النّابل: الحاذق بالأمر، والفعل (أي المصدر) النّبالة، وفلان أنبل النّاس بالإبل: أي أعلمهم بما يصلحها، قال الشّاعر: تدلّى عليها بالحبال موثّقا ... شديد الوصاة نابل وابن نابل وفي الباب قياس آخر يدلّ على رمي الشّيء ونبذه وخفّة أمره، ومن ذلك: النّبل: السّهام العربيّة، والنّابل صاحب النّبل، والنّبّال الّذي يعمله، ونبلته: أي رميته بالنّبل. وقال الجوهريّ: النّبل: النّبالة والفضل، وقد نبل- بالضّمّ- فهو نبيل، والجمع نبل- بالتّحريك- مثل كريم وكرم، يقال: نابلته فنبلته، إذا كنت أجود نبلا منه، وقد يكون ذلك في النّبل أيضا، وتنبّل تكلّف النّبل، وتنبّل (أيضا) أخذ الأنبل فالأنبل وتنبّل البعير: مات، قال ابن الأعرابيّ ويقال: تنبّل الإنسان أيضا (مات) ، والنّبيلة: الجيفة «١» والنّابل: الحاذق بالأمر، يقال فلان نابل وابن نابل، أي حاذق وابن حاذق، ويقال ما انتبل نبله إلّا بأخرة، أي ما انتبه له وما بالى به، وقال ابن منظور: النّبل، بالضّمّ: الذّكاء والنّجابة، وقد نبل نبلا ونبالة وتنبّل، وهو نبيل ونبل، والأنثى نبلة، والجمع نبال بالكسر، ونبل، بالتّحريك ونبلة. والنّبيلة: الفضيلة، وأمّا النّبالة فهي أعمّ، تجري مجرى النّبل، وتكون مصدرا للشّيء النّبيل أي الجسيم قال: والنّبل في معنى جماعة النّبيل، كما أنّ الأدم جماعة الأديم، والكرم قد يجيء جماعة الكريم، وفي بعض القول: رجل نبل وامرأة نبلة وقوم نبال، وفي المعنى الأوّل، قوم نبلاء. وقال ابن سيده: وكلّ حاذق نابل ويقال: نبل الرّجل بالطّعام ينبله: علّله به. وناوله الشّيء بعد الشّيء، ونبل به ينبله: رفق به، ولأنبلنّك بنبالتك، أي لأجزينّك جزاءك، والنّبل (بالفتح) حسن السّوق، والنّابل: المحسن للسّوق وقولهم: انبل بقومك أي ارفق بهم، والنّبل (بضمّتين) الرّفق، والنّبل:

стр. 4186

الحذق، والنّبالة والنّبل في الرّجال، ويقال: ثمرة نبيلة وقدح نبيل (أي ضخم) «١» . النبل اصطلاحا: لم تذكر كتب المصطلحات لفظ «النّبل» أو النّبالة ضمن الاصطلاحات، ومن ثمّ يكون النّبل باعتباره خلقا حميدا باقيا على أصل معناه في اللّغة، ويمكن أن نستخلص له تعريفا من جملة ما أوردته كتب اللّغة فنقول: النّبل: خلق حميد يتحلّى صاحبه بالذّكاء والنّجابة في ذاته، والفضل والرّفق في تعامله مع النّاس، مع حذق في الرّأي والعمل. [للاستزادة: انظر صفات: الرجولة- الشرف- الشهامة- علو الهمة- قوة الإرادة- المروءة- النزاهة العفة- الورع- القوة والشدة- المسئولية- النشاط. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الخنوثة- التخاذل- الدياثة- صغر الهمة- الضعف- التهاون] .

стр. 4187

الأحاديث الواردة في (النبل) ١-* (عن جبير بن مطعم- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ للقرشيّ مثلي قوّة الرّجل من غير قريش» . فقلت للزّهريّ: ما عنى بذلك؟ قال: نبل الرّأي) * «١» . الأحاديث الواردة في (النبل) معنى ٢-* (عن أنس- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّي لأوّل النّاس تنشقّ الأرض عن جمجمتي يوم القيامة، ولا فخر، وأعطى لواء الحمد ولا فخر، وأنا سيّد النّاس يوم القيامة ولا فخر، وأنا أوّل من يدخل الجنّة يوم القيامة، ولا فخر ... الحديث) * «٢» . ٣-* (عن كعب بن مالك- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال لبني ساعدة: «من سيّدكم؟» . قالوا: جدّ بن قيس. قال: «بم سوّدتموه؟» . قالوا: إنّه أكثرنا مالا، وإنّا على ذلك لنزنّه «٣» بالبخل؟. فقال النّبيّ ﷺ : «وأيّ داء أدوى من البخل؟» . قالوا: فمن سيّدنا؟. قال: «بشر بن البراء بن معرور «٤» » ) * «٥» . ٤-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لا أبي بكر وعمر: «هذان سيّدا كهول «٦» أهل الجنّة من الأوّلين والآخرين إلّا النّبيّين والمرسلين» ) * «٧» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في (النبل) ١-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: «ما رأيت أحدا كان أسود من معاوية بن أبي سفيان» . قلت: ولا عمر؟. قال: «كان عمر خيرا من معاوية، وكان معاوية أسود منه» ) * «٨» .

стр. 4188

٢-* (قيل لمعاوية: من أسود النّاس؟ قال: «أسخاهم نفسا حين يسأل، وأحسنهم في المجالس خلقا، وأحلمهم حين يستجهل» ) * «١» . ٣-* (ذكر بعض خصال النّبلاء*: قال ابن الجوزيّ: خلقت لي همّة عالية تطلب الغايات. فقلّت السّنّ وما بلغت ما أمّلت، فأخذت أسأل تطويل العمر، وتقوية البدن، وبلوغ الآمال. فأنكرت عليّ العادات، وقالت: ما جرت عادة بما تطلب. فقلت: إنّما أطلب من قادر يخرق العادات. وقد قيل لرجل: لنا حويجة. فقال: اطلبوا لها رجيلا. وقيل لآخر: جئناك في حاجة لا ترزؤك، فقال: هلّا طلبتم لها سفاسف النّاس؟. فإذا كان أهل الأنفة من أرباب الدّنيا يقولون هذا، فلم لا نطمع في فضل كريم قادر؟ «٢» . إلى أن يقول: فالله الله، وعليكم بملاحظة سير السّلف، ومطالعة تصانيفهم، وأخبارهم، فالاستكثار من مطالعة كتبهم رؤية لهم، كما قال: فاتني أن أرى الدّيار بطرفي ... فلعلّي أرى الدّيار بسمعي وإنّي أخبر عن حالي، ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابا لم أره، فكأنّي وقعت على كنز. ولقد نظرت في ثبت الكتب الموقوفة في المدرسة النّظاميّة، فإذا به يحتوي على نحو ستّة آلاف مجلّد، وفي ثبت كتب أبي حنيفة، وكتب الحميديّ، وكتب شيخنا عبد الوهّاب وابن ناصر، وكتب أبي محمّد بن الخشّاب، وكانت أحمالا، وغير ذلك من كلّ كتاب أقدر عليه. ولو قلت: إنّي طالعت عشرين ألف مجلّد كان أكثر وأنا بعد في الطّلب. فاستفدت بالنّظر فيها من ملاحظة سير القوم، وقدر هممهم، وحفظهم، وعباداتهم، وغرائب علومهم، ما لا يعرفه من لم يطالع. فصرت أستزري ما النّاس فيه، وأحتقر همم الطلّاب ولله الحمد. وقال أيضا: ما يتناهى في طلب العلم إلّا عاشق العلم، والعاشق ينبغي أن يصبر على المكاره، ومن ضرورة المتشاغل به البعد عن الكسب، ومذ فقد التّفقّد لهم من الأمراء ومن الإخوان لازمهم الفقر ضرورة. والفضائل تنادي: هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً. فكلّما خافت من ابتلاء قالت: لا تحسب المجد تمرا أنت آكله ... لن تبلغ المجد حتّى تلعق الصّبرا ولمّا آثر أحمد بن حنبل- رحمه الله تعالى- طلب العلم وكان فقيرا، بقي أربعين سنة يتشاغل به ولا يتزوّج، فينبغي للفقير أن يصابر فقره كما فعل أحمد. ومن يطيق ما أطاق!؟ فقد ردّ من المال خمسين ألفا،

стр. 4189

وكان يأكل الكامخ ويتأدّم بالملح. فما شاع له الذّكر الجميل جزافا، ولا تردّدت الأقدام إلى قبره إلّا لمعنى عجيب، فياله ثناء ملأ الآفاق!، وجمالا زيّن الوجود، وعزّا نسخ كلّ ذلّ. هذا في العاجل، وثواب الآجل لا يوصف. فالصّبر الصّبر أيّها الطّالب للفضائل، فإنّ لذّة الرّاحة بالهوى أو البطالة، تذهب، ويبقى الأسى، وقال الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-: يا نفس ما هو إلّا صبر أيّام ... كأنّ مدّتها أضغاث أحلام يا نفس جوزي عن الدّنيا مبادرة ... وخلّ عنها فإنّ العيش قدّامي ) * «١» . ٤-* (قال المتنبّي: وإذا كانت النّفوس كبارا ... تعبت في مرادها الأجسام ) * «٢» . ٥-* (قال عكرمة: السّيّد الّذي لا يغلبه غضبه) * «٣» . ٦-* (قال الضّحّاك: السّيّد الحسن الخلق) * «٤» . ٧-* (قال الضّحّاك: السّيّد: الحليم التّقيّ) * «٥» . ٨-* (قال كشاجم: لا أستلذّ العيش لم أدأب له ... طلبا وسعيا في الهواجر والغلس وأرى حراما أن يواتيني الغنى ... حتّى يحاول بالعناء ويلتمس فاصرف نوالك عن أخيك موفّرا ... فاللّيث ليس يسيغ إلّا ما افترس ) * «٦» . ٩-* (قال الشّاعر: تفضّل على من شئت واعن بأمره ... فأنت ولو كان الأمير أميره وكن ذا غنى عن من تشاء من الورى ... ولو كان سلطانا فأنت نظيره ومن كنت محتاجا إليه وواقفا ... على طمع منه فأنت أسيره ) * «٧» . من فوائد (النبل) ١- يثمر قوّة العقل. ٢- فيه تأسّ بسيّد النّبلاء وأشرف الخلق رسول الله ﷺ . ٣- النّببل سيّد في قومه. ٤- يثمر الكرم والجود. ٥- يثمر الحلم والعفو والصّفح.

стр. 4190

النزاهة الآيات/ الأحاديث/ الآثار/ ١٧/ ١١ النزاهة لغة: هي الاسم من التّنزّه، وهذا الاسم مأخوذ من مادّة (ن ز هـ) الّتي تدلّ على بعد في مكان أو غيره، يقال منه: رجل نزيه أي بعيد عن المطامع الدّنيّة، ونزه النّفس، ونازه النّفس: ظلفها (أي بعيدها) عن المدانس، وقولهم: خرجنا نتنزّه، إذا تباعدوا عن الماء والرّيف، ومكان نزيه: خال ليس به أحد. وقال ابن الأثير: أصل النّزه: البعد، وتنزيه الله تعالى: تبعيده عمّا لا يجوز عليه من النّقائص. قال ابن منظور: والتّنزّه: التّباعد، والاسم النّزهة. ومكان نزه ونزيه، وقد نزه نزاهة ونزاهية. وخرجنا نتنزّه في الرّياض وأصله من البعد، وقد نزهت الأرض. وهو يتنزّه عن الشّيء إذا تباعد عنه. وفي حديث عمر ﵁: الجابية أرض نزهة أي بعيدة عن الوباء (والجابية قرية بدمشق) قال ابن سيده: وتنزّه الإنسان خرج إلى الأرض النّزهة. قال: والعامّة يضعون الشّيء في غير موضعه ويغلطون فيقولون خرجنا نتنزّه: إذا خرجوا إلى البساتين فيجعلون التّنزّه الخروج إلى البساتين والخضر والرّياض، وإنّما التّنزّه: التّباعد عن الأرياف والمياه حيث لا يكون ماء ولا ندى ولا جمع ناس. ومنه قيل: فلان يتنزّه عن الأقذار وينزّه نفسه عنها، أي يباعد نفسه عنها. ورجل نزه الخلق ونزهه. ونازه النّفس: عفيف متكرّم يحلّ وحده ولا يخالط البيوت بنفسه ولا ماله. والاسم النّزه والنّزاهة. ونزّه نفسه عن القبيح: نحّاها. والنّزاهة: البعد عن السّوء. وإنّ فلانا لنزيه كريم إذا كان بعيدا من اللّؤم، وهو نزيه الخلق. قال الأزهريّ: التّنزّه: رفعه نفسه عن الشّيء تكرّما ورغبة عنه. والتّنزيه: تسبيح الله- وإبعاده عمّا يقول المشركون وتقديسه عن الأنداد والأشباه. وفي الحديث: كان يصلّي من اللّيل فلا يمرّ بآية فيها تنزيه الله إلّا نزّهه. ومنه حديث أبي هريرة ﵁: الإيمان نزه أي بعيد عن المعاصي. ومنه الحديث في تفسير سبحان الله: هو تنزيهه أي إبعاده عن السّوء وتقديسه. وفي حديث المعذّب في قبره: كان لا يستنزه من البول أي لا يستبرأ ولا يتطهّر ولا يستبعد منه، وقوم أنزاه أي يتنزّهون عن الحرام، الواحد نزيه مثل مليء وأملاء، ورجل نزيه ونزه أي ورع، ويقال أيضا: فلان نزيه أي بعيد (عن الماء) ، وتنزّهوا بحرمكم عن القوم أي تباعدوا، وهذا مكان نزيه: خلاء بعيد عن النّاس ليس فيه أحد، فأنزلوا فيه حرمكم، ونزه الفلا: ما تباعد منها عن المياه والأرياف «١» .

стр. 4191

واصطلاحا: قال الجرجانيّ: النّزاهة: هي عبارة عن اكتساب مال من غير مهانة ولا ظلم للغير «١» وأضاف المناويّ إلى عدم المهانة والظّلم قيدا آخر في تعريف النّزاهة: هو «الإنفاق في المصارف الحميدة، فقال: النّزاهة: هي اكتساب المال من غير مهانة ولا ظلم، وإنفاقه في المصارف الحميدة «٢» . وقال الماورديّ: النّزاهة تكون عن المطامع الدّنيّة ومواقف الرّيبة «٣» . أنواع النزاهة: قال الماورديّ: النّزاهة نوعان: أحدهما: النّزاهة عن المطامع الدّنيّة. والثّاني: النّزاهة عن مواقف الرّيبة، فأمّا المطامع الدّنيّة، فلأنّ الطمع ذلّ، والدّناءة لؤم، وهما أدفع شيء للمروءة وقد كان النّبيّ ﷺ يقول في دعائه: اللهمّ إنّي أعوذ بك من طمع يهدي إلى طبع، أي إلى شين وعيب. وقال بعض الشّعراء: لا تخضعنّ لمخلوق على طمع ... فإنّ ذلك نقص منك في الدّين واسترزق الله ممّا في خزائنه ... فإنّما هو بين الكاف والنّون والباعث على ذلك شيئان: الشّره، وقلّة الأنفة، فلا يقنع بما أوتي وإن كان كثيرا، لأجل شرهه، ولا يستنكف ممّا منع وإن كان حقيرا، لقلّة أنفته. وهذه حال من لا يرضى لنفسه قدرا، ويرى المال أعظم خطرا، فيرى بذل أهون الأمرين لأجلّهما مغنما، وليس لمن كان المال عنده أجلّ، ونفسه عليه أقلّ، إصغاء لتأنيب، ولا قبول لتأديب. وحسم هذه المطامع شيئان: اليأس، والقناعة. وقد روى عبد الله بن مسعود، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «إنّ روح القدس نفث في روعي «٤» : أنّ نفسا لن تموت حتّى تستوفي رزقها؛ فاتّقوا الله وأجملوا في الطّلب، ولا يحملنّكم إبطاء الرّزق على أن تطلبوه بمعاصي الله تعالى، فإنّ الله- لا يدرك ما عنده إلّا بطاعته» فهذا شرط. وأمّا مواقف الرّيبة فهي التّردّد بين منزلتي حمد وذمّ، والوقوف بين حالتي سلامة وسقم، فتتوجّه إليه لائمة المتوهّمين، ويناله ذلّة المريبين، وكفى بصاحبها موقفا، إن صحّ افتضح، وإن لم يصحّ امتهن. وقد قال النّبيّ ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» . والدّاعي إلى هذه الحال شيئان: الاسترسال، وحسن الظّنّ. والمانع منهما شيئان: الحياء والحذر. وربّما انتفت الرّيبة بحسن الثّقة، وارتفعت التّهمة بطول الخبرة «٥» . [للاستزادة: انظر صفات: الشهامة- العفة- المروءة- الورع- الرجولة- الشرف- علو الهمة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاحتكار- أكل الحرام- التطفيف- الغلول- التناجش- صغر الهمة- الدياثة- الخنوثة] .

стр. 4192

الأحاديث الواردة في (النزاهة) ١-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ على قبرين. فقال: «أما إنّهما ليعذّبان، وما يعذّبان في كبير، أمّا أحدهما فكان يمشي بالنّميمة، وأمّا الآخر فكان لا يستتر من بوله» . قال: فدعا بعسيب «١» رطب فشقّه باثنين، ثمّ غرس على هذا واحدا، وعلى هذا واحدا، ثمّ قال: «لعلّه أن يخفّف عنهما، ما لم ييبسا» . وعن سليمان الأعمش، بهذا الإسناد. غير أنّه قال: «وكان الآخر لا يستنزه عن البول (أو من البول) » ) * «٢» . الأحاديث الواردة في (النزاهة) معنى ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ . فذكر أحاديث منها: وقال رسول الله ﷺ : «اشترى رجل من رجل عقارا «٣» له. فوجد الرّجل الّذي اشترى العقار في عقاره جرّة «٤» فيها ذهب. فقال له الّذي اشترى العقار: خذ ذهبك منّي. إنّما اشتريت منك الأرض. ولم أبتع منك الذّهب. فقال الّذي شرى الأرض «٥» : إنّما بعتك الأرض وما فيها. قال: فتحاكما إلى رجل. فقال الّذي تحاكما إليه: ألكما ولد؟ فقال أحدهما: لي غلام. وقال الآخر: لي جارية. قال: أنكحوا الغلام الجارية. وأنفقوا على أنفسكما منه وتصدّقا» ) * «٦» . ٣-* (عن أبي ذرّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ سئل: أيّ الكلام أفضل؟. قال: «ما اصطفى الله لملائكته أو لعباده: سبحان الله وبحمده» ) * «٧» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ لله- ﵎ ملائكة سيّارة «٨» فضلا «٩» يتّبّعون «١٠» مجالس الذّكر. فإذا

стр. 4193

وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم. وحفّ «١» بعضهم بعضا بأجنحتهم. حتّى يملأوا ما بينهم وبين السّماء الدّنيا. فإذا تفرّقوا عرجوا وصعدوا إلى السّماء. قال: فيسألهم الله- وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟. فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبّحونك ويكبّرونك ويهلّلونك ويحمدونك ويسألونك. قال: وما يسألوني؟. قالوا: يسألونك جنّتك. قال: وهل رأوا جنّتي؟. قالوا: لا. أي ربّ، قال: فكيف لو رأوا جنّتي؟. قالوا: ويستجيرونك «٢» . قال: وممّ يستجيرونني؟. قالوا: من نارك. يا ربّ، قال: وهل رأوا ناري؟. قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري؟. قالوا: ويستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرت لهم. فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم ممّا استجاروا. قال: فيقولون: ربّ، فيهم فلان. عبد خطّاء «٣» . إنّما مرّ فجلس معهم. قال: فيقول: وله غفرت. هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» ) * «٤» . ٥-* (عن ابن عبّاس- ﵄ عن جويرية- ﵂ أنّ النّبيّ ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلّى الصّبح، وهي في مسجدها «٥» ، ثمّ رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة. فقال: «ما زلت على الحال الّتي فارقتك عليها؟» . قالت: نعم. قال النّبيّ ﷺ : «لقد قلت بعدك أربع كلمات، ثلاث مرّات. لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهنّ: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد «٦» كلماته» ) * «٧» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ «أنّه ذكر رجلا من بني إسرائيل، سأل بعض بني إسرائيل أن يسلفه ألف دينار فقال: ائتني بالشّهداء أشهدهم، فقال: كفى بالله شهيدا. قال: فائتني بالكفيل، قال: كفى بالله كفيلا. قال: صدقت، فدفعها إليه على أجل مسمّى. فخرج في البحر فقضى حاجته، ثمّ التمس مركبا يركبها يقدم عليه للأجل الّذي أجّله فلم يجد مركبا، فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار وصحيفة منه إلى صاحبه، ثمّ زجّج موضعها «٨» ، ثمّ أتى بها إلى البحر فقال: اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت تسلّفت فلانا ألف دينار فسألني كفيلا فقلت: كفى بالله كفيلا، فرضي بك. وسألني شهيدا، فقلت: كفى بالله شهيدا، فرضي بذلك. وإنّي جهدت

стр. 4194

أن أجد مركبا أبعث إليه الّذي له فلم أقدر، وإنّي أستودعكها. فرمى بها في البحر حتّى ولجت فيه، ثمّ انصرف وهو في ذلك يلتمس مركبا يخرج إلى بلده، فخرج الرّجل الّذي كان أسلفه ينظر لعلّ مركبا قد جاء بماله، فإذا بالخشبة الّتي فيها المال، فأخذها لأهله حطبا، فلمّا نشرها وجد المال والصّحيفة، ثمّ قدم الّذي كان أسلفه فأتى بالألف دينار فقال: والله ما زلت جاهدا في طلب مركبة لآتيك بمالك فما وجدت مركبا قبل الّذي أتيت فيه. قال: هل كنت بعثت إليّ بشيء؟. قال: أخبرك أنّي لم أجد مركبا قبل الّذي جئت فيه. قال: فإنّ الله قد أدّى عنك الّذي بعثت في الخشبة، فانصرف بالألف الدّينار راشدا» ) * «١» . ٧-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «بينما ثلاثة نفر ممّن كان قبلكم إذ أصابهم مطر، فأووا إلى غار فانطبق عليهم، فقال بعضهم لبعض: إنّه والله يا هؤلاء لا ينجيكم إلّا الصّدق، فليدع كلّ رجل منكم بما يعلم أنّه قد صدق فيه. فقال واحد منهم: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أجير عمل لي على فرق من أرزّ، فذهب وتركه، وأنّي عمدت إلى ذلك الفرق فزرعته، فصار من أمره أنّي اشتريت منه بقرا، وأنّه أتاني يطلب أجره، فقلت له: إعمد إلى تلك البقر فسقها، فقال لي: إنّما لي عندك فرق من أرزّ. فقلت له: اعمد إلى تلك البقر، فإنّها من ذلك الفرق، فساقها، دفإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة. فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي أبوان شيخان كبيران، وكنت آتيهما كلّ ليلة بلبن غنم لي، فأبطأت عنهما ليلة، فجئت وقد رقدا، وأهلي وعيالي يتضاغون من الجوع، وكنت لا أسقيهم حتّى يشرب أبواي، فكرهت أن أوقظهما، وكرهت أن أدعهما فيستكنّا لشربتهما، فلم أزل أنتظر حتّى طلع الفجر. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا. فانساخت عنهم الصّخرة حتّى نظروا إلى السّماء. فقال الآخر: اللهمّ إن كنت تعلم أنّه كان لي ابنة عمّ من أحبّ النّاس إليّ، وأنّي راودتها عن نفسها فأبت إلّا أن آتيها بمائة دينار، فطلبتها حتّى قدرت، فأتيتها بها فدفعتها إليها، فأمكنتني من نفسها، فلمّا قعدت بين رجليها فقالت: اتّق الله ولا تفضّ الخاتم إلّا بحقّه، فقمت وتركت المائة الدّينار. فإن كنت تعلم أنّي فعلت ذلك من خشيتك ففرّج عنّا، ففرّج الله عنهم فخرجوا» ) * «٢» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: جاء الفقراء إلى النّبيّ ﷺ فقالوا: ذهب أهل الدّثور من الأموال بالدّرجات العلى والنّعيم المقيم: يصلّون كما نصلّي، ويصومون كما نصوم، ولهم فضل من أموال يحجّون بها ويعتمرون، ويجاهدون ويتصدّقون. قال: «ألا أحدّثكم بأمر إن أخذتم به أدركتم من سبقكم،

стр. 4195

ولم يدرككم أحد بعدكم، وكنتم خير من أنتم بين ظهرانيه، إلّا من عمل مثله: تسبّحون وتحمّدون وتكبّرون خلف كلّ صلاة ثلاثا وثلاثين» ، فاختلفنا بيننا، فقال بعضنا: نسبّح ثلاثا وثلاثين، ونحمّد ثلاثا وثلاثين، ونكبّر أربعا وثلاثين. فرجعت إليه، فقال: «تقول سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، حتّى يكون منهنّ كلّهنّ ثلاث وثلاثون» ) * «١» . ٩-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما مشبّهات لا يعلمها كثير من النّاس. فمن اتّقى المشبّهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشّبهات كراع يرعى حول الحمى يوشك أن يواقعه. ألا وإنّ لكلّ ملك حمى، ألا إنّ حمى الله في أرضه محارمه. ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» ) * «٢» . ١٠-* (عن حكيم بن حزام- ﵁ قال: سألت النّبيّ ﷺ فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني، ثمّ سألته فأعطاني. ثمّ قال: «إنّ هذا المال خضرة حلوة «٣» ، فمن أخذه بطيب نفس «٤» بورك له فيه. ومن أخذه بإشراف نفس «٥» لم يبارك له فيه. وكان كالّذي يأكل ولا يشبع «٦» . واليد العليا خير من اليد السّفلى» ) * «٧» . ١١-* (عن أنس- ﵁ قال: صلّى رسول الله ﷺ ونحن معه بالمدينة الظّهر أربعا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثمّ بات بها حتّى أصبح، ثمّ ركب حتّى استوت به على البيداء، حمد «٨» الله وسبّح وكبّر، ثمّ أهلّ بحجّ وعمرة، وأهلّ النّاس بهما، فلمّا قدمنا أمر النّاس فحلّوا، حتّى كان يوم التّروية أهلّوا بالحجّ. قال: ونحر النّبيّ ﷺ بدنات بيده قياما، وذبح رسول الله ﷺ بالمدينة كبشين أملحين) * «٩» . ١٢-* (عن أبي الحوراء السّعديّ؛ قال: قلت للحسن بن عليّ: ما حفظت من رسول الله ﷺ ؟ قال: حفظت من رسول الله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما

стр. 4196

لا يريبك، فإنّ الصّدق طمأنينة، وإنّ الكذب ريبة» ) * «١» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «كلمتان خفيفتان على اللّسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرّحمن: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده» ) * «٢» . ١٤-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ قال: قال لي رسول الله ﷺ : «كيف أنت إذا بقيت في حثالة من النّاس؟» . قال: قلت: يا رسول الله، كيف ذلك؟. قال: «إذا مرجت عهودهم وأماناتهم وكانوا هكذا» ، وشبّك يونس بين أصابعه، يصف ذاك، قال: قلت: ما أصنع عند ذاك يا رسول الله؟. قال: «اتّق الله- وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بخاصّتك، وإيّاك وعوامّهم» ) * «٣» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (النزاهة) ١٥-* (عن حذيفة- ﵁ قال: صلّيت مع النّبيّ ﷺ ذات ليلة قال فافتتح (البقرة) فقرأ حتّى بلغ رأس المائة. فقلت: يركع ثمّ مضى حتّى بلغ المائتين. فقلت: يركع ثمّ مضى حتّى ختمها قال: فقلت: يركع. ثمّ افتتح سورة آل عمران حتّى ختمها، قال: فقلت: يركع. ثمّ افتتح سورة النّساء فقرأها، قال: ثمّ ركع، قال: فقال في ركوعه: «سبحان ربّي العظيم» . قال: وكان ركوعه بمنزلة قيامه، ثمّ سجد فكان سجوده مثل ركوعه، وقال في سجوده: «سبحان ربّي الأعلى» . قال: وكان إذا مرّ بآية رحمة سأل، وإذا مرّ بآية فيها عذاب تعوّذ، وإذا مرّ بآية فيها تنزيه لله سبّح) * «٤» . ١٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال:» «إنّي لأنقلب إلى أهلي، فأجد التّمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثمّ أخشى أن تكون صدقة فألقيها» ) «٥» . ١٧-* (عن عبد الرّحمن بن سمرة- ﵄ وكان من أصحاب رسول الله ﷺ قال: كنت أرتمي بأسهم لي بالمدينة في حياة رسول الله ﷺ . إذ كسفت الشّمس. فنبذتها، فقلت: والله! لأنظرنّ إلى ما حدث لرسول الله ﷺ في كسوف الشّمس، قال: فأتيته وهو قائم في الصّلاة. رافع يديه، فجعل يسبّح ويحمّد ويهلّل ويكبّر ويدعو، حتّى حسر عنها. قال: فلمّا حسر عنها، قرأ سورتين وصلّى ركعتين) * «٦» .

стр. 4197

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في (النزاهة) ١-* (عن عائشة- ﵂ «قالت: «كان لأبي بكر غلام يخرج له الخراج، وكان أبو بكر يأكل من خراجه، فجاء يوما بشيء فأكل منه أبو بكر، فقال له الغلام: أتدري ما هذا؟ فقال أبو بكر- ﵁: وما هو؟ قال: (كنت) تكهّنت لإنسان في الجاهليّة، وما أحسن الكهانة، إلّا أنّي خدعته فلقيني فأعطاني بذلك، فهذا الّذي أكلت منه، قالت: فأدخل أبو بكر يده فقاء كلّ شيء في بطنه» ) * «١» . ٢-* (عن عاصم بن عمر بن الخطّاب قال: بعث إليّ عمر عند الفجر أو عند صلاة الصّبح، فأتيته فوجدته جالسا في المسجد، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: «أمّا بعد، فإنّي لم أكن أرى شيئا من هذا المال يحلّ لي قبل أن أليه إلّا بحقّه، ثمّ ما كان أحرم عليّ منه يوم وليته، فعاد بأمانتي، وإنّي كنت أنفقت عليك من مال الله شهرا، فلست بزايدك عليه وإنّي كنت أعطيتك ثمرتي بالعالية العام، فبعه فخذ ثمنه، ثمّ ائت رجالا من تجّار قومك فكن إلى جنبه، فإذا ابتاع شيئا فاستشركه، وأنفقه عليك وعلى أهلك» ، قال: «فذهبت ففعلت» ) * «٢» . ٣-* (عن الحسن قال: «بينما عمر بن الخطّاب يمشي ذات يوم في نفر من أصحابه، إذا صبيّة في السّوق يطرحها الرّيح لوجهها من ضعفها، فقال عمر: يا بؤس هذا، من يعرف هذه؟ قال له عبد الله: أو ما تعرفها؟ هذه إحدى بناتك، قال: وأيّ بناتي؟ قال: بنت عبد الله بن عمر، قال: فما بلغ بها ما أرى من الضّيعة؟ قال: إمساكك ما عندك، قال: إمساكي ما عندي عنها يمنعك أن تطلب لبناتك ما تطلب الأقوام، أما والله ما لك عندي إلّا سهمك مع المسلمين، وسعك أو عجز عنك، بيني وبينكم كتاب الله» ) * «٣» . ٤-* (عن عمر- ﵁ قال: «إنّه لا أجده يحلّ لي، أن آكل من مالكم هذا، إلّا كما كنت آكل من صلب مالي: الخبز والزّيت، والخبز والسّمن، قال: فكان ربّما يؤتى بالجفنة قد صنعت بالزّيت، وممّا يليه منها سمن، فيعتذر إلى القوم ويقول: إنّي رجل عربيّ، ولست أستمري الزّيت» ) * «٤» . ٥-* (وعن زيد بن أسلم أنّ عمر بن الخطّاب- ﵁ شرب لبنا فأعجبه، فقال للّذي سقاه: من أين لك هذا اللّبن؟ فأخبره أنّه ورد على ماء قد سمّاه، فإذا نعم من نعم الصّدقة وهم يسقون فحلبوه لي من ألبانها، فجعلته في سقائي وهو هذا، فأدخل عمر يده فاستقاءه» ) * «٥» .

стр. 4198

٦-* (وعن ابن عبّاس- ﵄ «سبحان الله» . قال: «تنزيه الله نفسه عن السّوء» ) * «١» . ٧-* (عن عبد الرّحمن بن يزيد، قال: أكثروا على عبد الله (ابن مسعود) ذات يوم، فقال عبد الله: «إنّه قد أتى علينا زمان ولسنا نقضي ولسنا هنالك، ثمّ إنّ الله- قدّر علينا: أن بلغنا ما ترون، فمن عرض له منكم قضاء بعد اليوم، فليقض بما في كتاب الله، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله، فليقض بما قضى به نبيّه ﷺ ، فإن جاء أمر ليس في كتاب الله، ولا قضى به نبيّه، فليقض بما قضى به الصّالحون، فإن جاءه أمر ليس في كتاب الله ولا قضى به نبيّه ﷺ ، ولا قضى به الصّالحون، فليجتهد رأيه، ولا يقل: إنّي أخاف، فإنّ الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبين ذلك أمور متشابهات، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك» ) * «٢» . ٨-* (قال محمّد بن المنكدر- رحمه الله تعالى:- «إذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الّذين كانوا ينزّهون أنفسهم وأسماعهم عن مجالس اللهو ومزامير الشّيطان، أسكنوهم بياض المسك، ثمّ يقول للملائكة: أسمعوهم تمجيدي وتحميدي» ) * «٣» . ٩-* (قال ابن الجوزيّ- ﵀: «الكمال عزيز، والكامل قليل الوجود، وأوّل أسباب الكمال تناسب أعضاء البدن وحسن صورة الباطن، فصورة البدن تسمّى خلقا، وصورة الباطن تسمّى خلقا، ودليل كمال صورة البدن حسن السّمت واستعمال الأدب، ودليل كمال صورة الباطن حسن الطّبائع والأخلاق، فالطّبائع العفّة والنّزاهة والأنفة من الجهل، ومباعدة الشّره، والأخلاق: الكرم والإيثار وستر العيوب وابتداء المعروف والحلم عن الجاهل. فمن رزق هذه الأشياء رقّته إلى الكمال، وظهر عنه أشرف الخلال، وإن نقصت خلّة أوجبت النّقص» ) * «٤» . ١٠-* (قال أبو يزيد الفيض: «سألت موسى ابن أعين عن قول الله- إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (المائدة/ ٢٧) ، قال: «تنزّهوا عن أشياء من الحلال مخافة أن يقعوا في الحرام فسمّاهم متّقين» ) * «٥» . ١١-* (قال ابن أبي الدّنيا: أنشدني الحسين ابن عبد الرّحمن: نزهة المؤمن الفكر ... لذّة المؤمن العبر نحمد الله وحده ... نحن كلّ على خطر ربّ لاه وعمره ... قد تقضّى وما شعر ربّ عيش قد كان فو ... ق المنى مونق الزّهر

стр. 4199

في خرير من العيو ... ن وظلّ من الشّجر وسرور من النّبا ... ت وطيب من الثّمر غيّرته وأهله ... سرعة الدّهر بالغير نحمد الله وحده ... إنّ في ذا لمعتبر إنّ في ذا لعبرة ... للبيب إن اعتبر ) * «١» من فوائد (النزاهة) (١) تنزيه الله- عمّا لا يليق به من الأسماء والصّفات والأفعال وهو التّسبيح. (٢) المؤمن التّقيّ يتنزّه عن أشياء من الحلال مخافة أن يقع في الحرام، لتبقى العلاقة بينه وبين الله- ناصعة لا تشوبها شائبة. (٣) من نزّه نفسه عمّا في أيدي النّاس وصانها عن مواقف الرّيبة والتّهم أحبّه النّاس وكان موضع ثقتهم. (٤) إنّ الّذين ينزّهون أنفسهم وأسماعهم في الحياة الدّنيا عن مجالس اللهو ومزامير الشّيطان يسكنهم الله في الآخرة بياض المسك، ثمّ يقول للملائكة: أسمعوهم تمجيدي وتحميدي. (٥) النّزيه يحبّه الله ويحبّه النّاس. (٦) النّزاهة تثمر الورع وتنمّي التّقوى.

стр. 4200

النشاط الآيات/ الأحاديث/ الآثر/ ٧/- النشاط لغة: مصدر قولهم «نشط ينشط» وهو مأخوذ من مادّة (ن ش ط) الّتي تدلّ على اهتزاز وحركة وسمّيت الحالة الّتي ينشط فيها الإنسان ويخفّ للعمل ويسرع إليه نشاطا لما يصاحبها من الحركة والاهتزاز والتّفتّح، وسمّي الثّور ناشطا لأنّه ينشط من بلد إلى بلد، ويقال: أنشط القوم إذا كانت دوابّهم نشيطة، ونشطت النّاقة في سيرها إذا شدّت، والأنشوطة: العقدة مثل عقدة السّراويل، يقال: أنشطته بأنشوطة، وأنشطت العقال: مددت أنشوطته فانحلّت وقال قوم: الإنشاط: الحلّ، والتّنشيط: العقد، والنّاشطات في قوله تعالى: (وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً) ، قيل أراد بها النّجوم الخارجات من الشّرق إلى الغرب بسير الفلك أو السّائرات من المغرب إلى المشرق بسير أنفسها من قولهم ثور ناشط أي خارج من أرض إلى أرض، وقيل الملائكة الّتي تنشط أرواح النّاس أي تنزعها، وقيل الملائكة الّتي تعقد الأمور من قولهم نشطت العقدة، وتخصيص النّشط وهو العقد الّذي يسهل حلّه تنبيها على سهولة الأمر عليهم، والنّشيطة ما ينشط الرّئيس لأخذه (أي يخفّ له ويسرع إليه) قبل القسمة، وفي القاموس: يقال نشط كسمع فهو ناشط ونشيط أي طابت نفسه للعمل وغيره ونشط الحبل كنصر عقده، ونشط من المكان كضرب: خرج، ونشط الدّلو ينشطها (بالكسر) نزعها بلا بكرة. وقال الجوهريّ: يقال نشط الرّجل نشاطا فهو نشيط، وتنشّط لأمر كذا والنّاشط الثّور الوحشيّ يخرج من أرض إلى أرض وقوله سبحانه: وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً يعنى النّجوم تنشط من برج إلى برج كالثّور النّاشط من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها (أي تخفّ به وتخرجه من بلد إلى بلد) قال هميان بن قحافة: أمست همومى تنشط المناشطا ... الشّام بي طورا وطورا واسطا وقال ابن منظور: النّشاط ضدّ الكسل، يكون ذلك فى الإنسان والدّابّة يقال: نشط نشاطا، ونشط إليه، فهو نشيط، ونشّطه هو وأنشطه وقولهم «نشيط» أي طيّب النّفس للعمل، والنّعت: ناشط، وفي حديث عبادة: بايعت رسول الله ﷺ على المنشط والمكره» المنشط هنا مفعل من النّشاط وهو الأمر الّذى تنشط له وتخفّ إليه وتؤثر فعله وهو مصدر بمعنى النّشاط، ويقال رجل نشيط ومنشط أي نشط دوابّه وأهله، ورجل متنشّط إذا كانت له دابّة يركبها، فإذا سئم الرّكوب نزل عنها وقيل منتشط (من الانتشاط وهو النّزول عن الدّابة من طول الرّكوب) ولا يقال ذلك للرّاجل، وأنشط القوم إذا

стр. 4201

كانت دوابّهم نشيطة، وأنشطه الكلأ أسمنه «١» . النشاط اصطلاحا: قال ابن الأثير: المنشط: مفعل من النّشاط وهو الأمر الّذى تنشط له وتخفّ إليه وتؤثر فعله، وهو مصدر بمعنى النّشاط، ومن ثمّ يكون النّشاط هو أن يخفّ الإنسان إلى الأمر ويؤثر فعله. وقال الإمام ابن حجر في شرح قوله ﷺ «بايعنا على السّمع والطّاعة في منشطنا ومكرهنا، أي في حالة نشاطنا، وفي الحالة الّتي نكون فيها عاجزين عن العمل بما نؤمر به، والظّاهر أنّه أراد في وقت الكسل والمشقّة في الخروج ليطابق قوله «منشطنا» قال ابن حجر- ﵀: ويؤيّده ما وقع في رواية إسماعيل بن عبيد «في النّشاط والكسل» ، ونستنبط من ذلك أنّ النّشاط يقابله الكسل، وإذا كانت كتب المصطلحات لم تعرّف النّشاط فإنّها عرّفت الكسل، فقال ابن المناويّ: الكسل هو التّغافل عمّا لا ينبغي التّغافل عنه، وقال الرّاغب: الكسل هو التّثاقل عمّا لا ينبغي التّثاقل عنه. ونستطيع على ضوء ذلك أن نعرّف النّشاط اصطلاحا فنقول: النّشاط هو عدم التّغافل عمّا لا ينبغي التّغافل عنه أو هو عدم التّثاقل عمّا لا ينبغي التّثاقل عنه. أهمية النشاط واطّراح الكسل: قال الرّاغب في الذّريعة: من تعطّل وتبطّل انسلخ من الإنسانيّة، بل من الحيوانيّة، وصار من جنس الموتى، وحقّ الإنسان أن يتأمّل قوّته ويسعى بحسب ذلك إلى ما يفيده السّعادة، ويتحقّق أنّ اضطرابه (أي نشاطه) سبب وصوله من الذّلّ إلى العزّ، ومن الفقر إلى الغنى، ومن الضّعة إلى الرّفعة، ومن الخمول إلى النّباهة، وعليه أن يعلم أنّ من تعوّد الكسل ومال إلى الرّاحة فقد الرّاحة (فحبّ الهوينى يكسب النّصب) ، وقد قيل: إذا أردت ألّا تتعب، فاتعب لئلّا تتعب، وقد قيل (أيضا) إيّاك والكسل والضّجر فإنّك إن كسلت لم تؤدّ حقّا، وإن ضجرت لم تصبر على الحقّ، وإذا تأمّلت قول النّبيّ ﷺ «سافروا تغنموا» ونظرت إليه نظرا عاليا علمت أنّه حثّك على التّحرّك (أي النّشاط) الّذي يثمر لك جنّة المأوى، ومصاحبة الملإ الأعلى بل مجاورة الله تعالى «٢» . [للاستزادة: انظر صفات: الرجولة- القوة- قوة الإرادة- العمل- علو الهمة- العزم والعزيمة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التهاون- الضعف- الكسل- الوهن- التفريط والإفراط] .

стр. 4202

الأحاديث الواردة في (النشاط) ١-* (عن عبادة بن الصّامت- ﵁ أنّه قال: بايعنا رسول الله ﷺ على السّمع والطّاعة في العسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا «١» ، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله، وعلى أن نقول بالحقّ أينما كنّا، لا نخاف في الله لومة لائم) * «٢» . ٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: دخل النّبيّ ﷺ فإذا حبل ممدود بين السّاريتين، فقال: «ما هذا الحبل؟» قالوا: هذا حبل زينب، فإذا فترت تعلّقت، فقال النّبيّ ﷺ : «لا، حلّوه، ليصلّ أحدكم نشاطه فإذا فتر فليقعد» ) * «٣» . ٣-* (عن زيد بن أرقم قال: سحر النّبيّ ﷺ رجل من اليهود فاشتكى لذلك أيّاما، فأتاه جبريل- ﵇ فقال: إنّ رجلا من اليهود سحرك، عقد لك عقدا في بئر كذا وكذا. فأرسل رسول الله ﷺ ، فاستخرجوها، فجأ بها، فقام رسول الله ﷺ كأنّما نشط من عقال «٤» ، فما ذكر ذلك لذلك اليهوديّ، ولا رآه في وجهه قطّ) * «٥» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يعقد الشّيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كلّ عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلّت عقدة، فإن توضّأ انحلّت عقدة، فإن صلّى انحلّت عقدة، فأصبح نشيطا طيّب النّفس، وإلّا أصبح خبيث النّفس كسلان» ) * «٦» . المثل التطبيقي من حياة النبي ﷺ في (النشاط) ٥-* (عن البراء- ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم الأحزاب ينقل التّراب- وقد وارى بياض بطنه- وهو يقول: «لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدّقنا ولا صلّينا فأنزل السّكينة علينا ... وثبّت الأقدام إن لاقينا إنّ الألى قد بغوا علينا ... إذا أرادوا فتنة أبينا » ) * «٧» . ٦-* (قالت عائشة- رضي الله- عنها للأسود بن يزيد سألها عن قيام النّبيّ ﷺ : كان ينام أوّل اللّيل ويحيي آخره، ثمّ إن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته، ثمّ ينام، فإذا كان عند النّداء وثب (ولا والله ما قالت: قام) فأفاض عليه الماء (ولا والله ما قالت: اغتسل) وإن لم يكن جنبا توضّأ وضوء الرّجل

стр. 4203

للصّلاة، ثمّ صلّى ركعتين) * «١» . ٧-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: لمّا قدم رسول الله ﷺ المدينة نزل في علو المدينة «٢» ، في حيّ يقال لهم بنو عمرو بن عوف، قال: فأقام فيهم أربع عشرة ليلة، ثمّ أرسل إلى ملأ بني النّجّار، قال: فجاء وا متقلّدي سيوفهم، قال وكأنّي أنظر إلى رسول الله ﷺ على راحلته وأبو بكر ردفه، وملأ بني النّجّار «٣» حوله حتّى ألقى بفناء أبي أيّوب، قال: فكان يصلّي حيث أدركته الصّلاة ويصلّي في مرابض الغنم، قال: ثمّ إنّه أمر ببناء المسجد، فأرسل إلى ملأ بني النّجّار، فجاءوا، فقال: يا بني النّجّار ثامنوني بحائطكم هذا «٤» ، فقالوا: لا والله، لا نطلب ثمنه إلّا إلى الله، قال: فكان فيه ما أقول لكم: كانت فيه قبور المشركين، وكانت فيه خرب، وكان فيه نخل، فأمر رسول الله ﷺ بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسوّيت، وبالنّخل فقطع، قال: فصفّوا النّخل قبلة المسجد، قال: وجعلوا عضادتيه «٥» حجارة، قال: جعلوا ينقلون ذاك الصّخر. وهم يرتجزون- ورسول الله ﷺ معهم يقول: اللهمّ إنّه لا خير إلّا خير الآخره ... فانصر الأنصار والمهاجره ) * «٦» . من فوائد (النشاط) ١- دليل اليقين والإيمان. ٢- علامة من علامات إزهاق الشّيطان بذكر الله. ٣- كثرة تحصيل الثّواب. ٤- الاجتهاد في الطّاعات، وبلوغ أعلى المقامات. ٥- يرفع قدر الضّعيف. ٦- النّشاط في العبادة دليل رضا الله وعلامة القرب منه. ٧- النّشاط في عمل الخير يكسب المرء حبّ الله ورضا الناس ويرفع ذكره في العالمين. ٨- به تعمر الدّنيا، وتفتح البلدان لنشر دين الله. ٩- به يزاد عن الأوطان، وتحمى الأعراض وتنشر الفضيلة، وتدحر الرّذيلة.

стр. 4204

النصيحة والتواصي الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢١/ ٣٦/ ٢٦ النصيحة لغة: هي الاسم من النّصح، وكلاهما مأخوذ من مادّة (ن ص ح) الّتي تدلّ على ملاءمة بين شيئين وإصلاح لهما، وأصل ذلك النّاصح وهو الخيّاط، والنّصاح: هو الخيط يخاط به، ومن المادّة النّصح، والنّصيحة: خلاف الغشّ، يقال: نصحته أنصحه، وهو ناصح الجيب مثل يضرب لمن وصف بخلوص العمل، والتّوبة النّصوح منه «١» ، كأنّها صحيحة ليس فيها خرق ولا ثلمة. وناصح العسل خالصه، كأنّه الخالص الّذي لا يتخلّله ما يشوبه، وقال الرّاغب: النّصح مأخوذ من قولهم: نصحت له الودّ، أي أخلصته أو من قولهم: نصحت الجلد: خطته. واستخدام الفعل باللّام أفصح، قال تعالى: وَأَنْصَحُ لَكُمْ (الأعراف/ ٦٢) ، والنّصيح: النّاصح، وجمعه نصحاء، ورجل ناصح الجيب أي: نقيّ القلب، قال الأصمعيّ: النّاصح: الخالص من العسل وغيره، وكلّ شيء خلص فقد نصح، وانتصح فلان أي قبل النّصيحة، يقال: انتصحني إنّني لك ناصح، وتنصّح أي تشبّه بالنّصحاء، واستنصحه: عدّه نصيحا، والتّوبة النّصوح هي الصّادقة، والنّصح بالفتح مصدر قولهم نصحت الثّوب: خطته. وقال ابن منظور: نصح الشّيء: خلص والنّاصح الخالص من العمل وغيره. والنّصح: الإخلاص والصّدق في المشورة والعمل. وقال ابن الأثير: النّصيحة كلمة يعبّر بها عن جملة، هي إرادة الخير للمنصوح له «٢» . واصطلاحا: كلمة جامعة تتضمّن قيام النّاصح للمنصوح له بوجوه الخير إرادة وفعلا، وتشمل النّصيحة لله ولرسوله ولكتابه ولأئمّة المسلمين وعامّتهم «٣» . وقال الجرجانيّ: هي الدّعاء إلى ما فيه الصّلاح والنّهي عمّا فيه الفساد «٤» . وقال الكفويّ: النّصيحة كلمة جامعة معناها حيازة الحظّ للمنصوح له «٥» . وقال الرّاغب: النّصح: تحرّي فعل أو قول فيه صلاح صاحبه «٦» .

стр. 4205

وقال في الذّريعة: النّصح إخلاص المحبّة للغير بإظهار ما فيه صلاحه «١» . أول النصح: أوّل النّصح أن ينصح الإنسان نفسه، فمن غشّها فقلّما ينصح غيره، وحقّ من استنصح أن يبذل غاية النّصح وإن كان ذلك في شيء يضرّه، ويتحرّى فيه قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ (النساء/ ١٣٥) ، وقال تعالى: وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى (الأنعام/ ١٥٢) ، وقال ابن عبّاس- ﵄: لا يزال الرّجل يزداد فى صحّة رأيه ما نصح لمستشيره، فإذا غشّه سلبه الله نصحه ورأيه، ولا يلتفتنّ إلى من قال: إذا نصحت الرّجل فلم يقبل منك فتقرّب إلى الله بغشّه، فذلك قول ألقاه الشّيطان على لسانه، اللهمّ إلّا أن يريد بغشّه السّكوت عنه، فقد قيل: كثرة النّصيحة تورث الظّنّة، ومعرفة النّاصح من الغاشّ صعبة جدّا، فالإنسان- لمكره- يصعب الاطّلاع على سرّه، إذ هو قد يبدي خلاف ما يخفي، وليس كالحيوانات الّتي يمكن الاطّلاع على طبائعها «٢» . لمن تكون النصيحة؟ وكيف ؟ النّصيحة- كما جاء في الحديث- تكون لله ولرسوله ولكتابه ولأئمّة المسلمين وعامّتهم «٣» . وقد أوضح العلماء معنى هذه النّصيحة فيما يحكيه ابن حجر قال: النّصيحة لله وصفه بما هو له أهل، والخضوع له ظاهرا وباطنا، والرّغبة في محابّه بفعل طاعته، والرّهبة من مساخطه بترك معصيته، والجهاد في ردّ العاصين إليه. والنّصيحة لكتاب الله تعلّمه، وتعليمه، وإقامة حروفه في التّلاوة، وتحريرها في الكتابة، وتفهّم معانيه، وحفظ حدوده، والعمل بما فيه، وذبّ تحريف المبطلين عنه، والنّصيحة لرسوله تعظيمه، ونصره حيّا وميّتا، وإحياء سنّته بتعلّمها وتعليمها، والاقتداء به في أقواله وأفعاله، ومحبّته ومحبّة أتباعه، والنّصيحة لأئمة المسلمين إعانتهم على ما حمّلوا القيام به، وتنبيههم عند الغفلة، وسدّ خلّتهم عند الهفوة، وجمع الكلمة عليهم، وردّ القلوب النّافرة إليهم، ومن أعظم نصيحتهم دفعهم عن الظّلم بالّتي هي أحسن. ومن جملة أئمة المسلمين أئمة الاجتهاد، وتقع النّصيحة لهم ببثّ علومهم، ونشر مناقبهم، وتحسين الظّنّ بهم، والنّصيحة لعامّة المسلمين الشّفقة عليهم، والسّعي فيما يعود نفعه عليهم، وتعليمهم ما ينفعهم، وكفّ وجوه الأذى عنهم، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه، ويكره لهم ما يكره لنفسه «٤» . وقال عبد الرّحمن بن ناصر السّعديّ: النّصيحة لله ورسوله تكون بصدق الإيمان، وإخلاص النّيّة في الجهاد والعزم عليه عند القدرة، وفعل المستطاع من الحثّ والتّرغيب والتّشجيع للمسلمين عليه «٥» . التواصي لغة: التّواصي مصدر قولهم: تواصى فلان وفلان
следующие страницы →