← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 4446–4485 · переход к 4451.

стр. 4446

[المجلد التاسع] محتويات المجلد التاسع م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة حرف الألف ١/ الابتداع/ ٣٧٣١ ٢/ اتباع الهوى/ ٣٧٥١ ٣/ الأثرة/ ٣٧٧١ ٤/ الإجرام/ ٣٧٨٠ ٥/ الإحباط/ ٣٧٩٦ ٦/ الاحتكار/ ٣٨٠٨ ٧/ الأذى/ ٣٨١١ ٨/ الإرهاب/ ٣٨٢٨ ٩/ الإساءة/ ٣٨٣٧ ١٠/ الاستهزاء/ ٣٨٧٢ ١١/ الإسراف/ ٣٨٨٤ ١٢/ الإصرار على الذنب والعناد/ ٣٨٩٦ ١٣/ إطلاق البصر/ ٣٩٠٥ ١٤/ الإعراض/ ٣٩١٢ ١٥/ الاعوجاج/ ٣٩٢٧ ١٦/ الافتراء/ ٣٩٣٥ ١٧/ إفشاء السر/ ٣٩٤٦ ١٨/ الإفك/ ٣٩٥٨ ١٩/ أكل الحرام/ ٣٩٦٩ ٢٠/ الإلحاد/ ٣٩٨٠ ٢١/ الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف/ ٣٩٨٧ م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة ٢٢/ الإمعة/ ٣٩٩٥ ٢٣/ الأمن من المكر/ ٣٩٩٩ ٢٤/ الانتقام/ ٤٠٠٦ ٢٥/ إنتهاك الحرمات/ ٤٠١٦ ٢٦/ الإهمال/ ٤٠٢٥ حرف الباء ٢٧/ البخل/ ٤٠٢٩ ٢٨/ البذاءة/ ٤٠٤٧ ٢٩/ البذاذة/ ٤٠٦٠ ٣٠/ البطر/ ٤٠٦٨ ٣١/ البغض/ ٤٠٧٣ ٣٢/ البغي/ ٤٠٨٤ ٣٣/ البلادة (عدم الفقه) / ٤٠٩٧ ٣٤/ البهتان/ ٤١٠٧ حرف التاء ٣٥/ التبذير/ ٤١١٣ ٣٦/ التبرج/ ٤١٢٠ ٣٧/ التجسس/ ٤١٢٩ ٣٨/ التحقير والاشمئزاز/ ٤١٣٣ ٣٩/ التخاذل/ ٤١٣٩ ٤٠/ التخلف عن الجهاد/ ٤١٤٥ ٤١/ ترك الصلاة/ ٤١٥٩

стр. 4447

م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة ٤٢/ التسول/ ٤١٦٨ ٤٣/ التشامل/ ٤١٧٤ ٤٤/ التطفيف/ ٤١٨٣ ٤٥/ التطير/ ٤١٩٠ ٤٦/ التعاون على الإثم والعدوان/ ٤٢٠٠ ٤٧/ التعسير/ ٤٢٠٨ ٤٨/ التفرق/ ٤٢١٧ ٤٩/ التفريط والإفراط/ ٤٢٢٩ ٥٠/ التكاثر/ ٤٢٣٧ ٥١/ التكلف/ ٤٢٥٠ ٥٢/ التناجش/ ٤٢٥٧ ٥٣/ التنازع/ ٤٢٦٥ م/ اسم الصفة/ رقم الصفحة ٥٤/ التنصل من المسئولية والتهرب منها/ ٤٢٨٠ ٥٥/ التنفير/ ٤٢٩٦ ٥٦/ التهاون/ ٤٣٠١ ٥٧/ التولي/ ٤٣٠٧ حرف الجيم ٥٨/ الجبن/ ٤٣٢٠ ٥٩/ الجحود/ ٤٣٢٦ ٦٠/ الجدال والمراء/ ٤٣٣٨ ٦١/ الجزع/ ٤٣٥٠ ٦٢/ الجفاء/ ٤٣٥٨ ٦٣/ الجهل/ ٤٣٦٦

стр. 4448

[حرف الألف] الابتداع الابتداع لغة: مصدر قولهم: ابتدع الشّيء يبتدعه، وهو مأخوذ من مادّة (ب د ع) الّتي تدلّ على معنيين: أحدهما: ابتداء الشّيء وصنعه لا عن مثال، والآخر: الانقطاع والكلال، ومن المعنى الأوّل قولهم: أبدعت الشّيء قولا أو فعلا، إذا ابتدأته لا عن سابق مثال، والله سبحانه- بديع السّموات والأرض أي مبدعهما، والعرب تقول: ابتدع فلان الرّكيّ (البئر) إذا استنبطها وأخرج ماءها، ومن المعنى الثّاني قولهم: أبدعت الرّاحلة: إذا كلّت وعطبت، وفي الحديث أنّ رجلا أتاه فقال: يا رسول الله، إنّي أبدع بي فاحملني، (أبدع بي أي كلّت ركابي) ، ويقال: الإبداع لا يكون إلّا بظلع «١» ومن ذلك اشتقّت البدعة، وقال ابن فارس: سمّيت البدعة بذلك؛ لأنّ قائلها ابتدعها من غير مقال إمام. وقال الرّاغب: الإبداع: إنشاء صنعة بلا احتذاء ولا اقتداء، وإذا استعمل ذلك في الله تعالى فهو إيجاد الشّيء بغير آلة ولا مادّة ولا زمان ولا مكان، ولا يكون ذلك إلّا لله- والبديع: المبتدع، والبديع: المبتدع (أيضا) ، والبديع الزّقّ، وقيل: الزّقّ الجديد، وفي الحديث أنّ «تهامة كبديع العسل حلو الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ١٣/ ٧٦ أوّله حلو آخره» شبّهها بزقّ العسل لأنّه لا يتغيّر هواؤها، فأوّله طيّب، وآخره طيّب، وكذلك العسل لا يتغيّر وليس كذلك اللّبن، فإنّه يتغيّر. وشيء بدع أي مبتدع، ويقال: فلان بدع في هذا الأمر أي بديع، وقوم أبداع، والبدعة: الحدث في الدّين بعد الإكمال، وقيل: البدعة كلّ محدثة، وبدّعه نسبه إلى البدعة، ويقال أبدع وابتدع، وتبدّع أتى ببدعة، واستبدعه عدّه بديعا، وأبدعت الشّيء: اخترعته لا على مثال، ويقال أيضا بدع بداعة وبدوعا، والوصف رجل بدع، وامرأة بدعة إذا كان غاية في كلّ شيء، وقد بدع الأمر بدعا صار بديعا. ويقال: البديع والبدع: الشّيء الّذي يكون أوّلا «٢» . وفي التنزيل العزيز: قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ (الأحقاف/ ٩) ، أي ما كنت أوّل من أرسل، وقد كان قبلي رسل، والبدع: الأوّل، ويقال: شيء بدع أي مبتدع، وفلان بدع في هذا الأمر أي بديع، قال عديّ بن زيد: فلا أنا بدع من حوادث تعتري ... رجالا غدت من بعد بؤسى بأسعد «٣» . أمّا قول الله تعالى: وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ (الحديد/ ٢٧) . فالمعنى: أحدثوها

стр. 4449

من تلقاء أنفسهم، يقول القرطبيّ: وذلك أنّهم (النّصارى) حملوا أنفسهم على المشقّات في الامتناع من المطعم والمشرب والنّكاح والتّعلّق بالكهوف والصّوامع، وذلك أنّ ملوكهم غيّروا وبدّلوا، وبقي نفر قليل فترهّبوا وتبتّلوا، وقال قتادة: الرهبانيّة الّتي ابتدعوها: رفض النّساء واتّخاذ الصّوامع، وهذه الآية دالّة على أنّ كلّ محدثة بدعة، فينبغي لمن ابتدع خيرا أن يدوم عليه ولا يعدل عنه إلى ضدّه «١» . الابتداع اصطلاحا: قال الجرجانيّ: الإبداع والإبتداع: إيجاد شيء غير مسبوق بمادّة ولا زمان «٢» . والبدعة: هي الفعلة المخالفة للسّنّة «٣» . وقال الرّاغب: البدعة: إيراد قول لم يستنّ قائله وفاعله فيه بصاحب الشّريعة وأماثلها المتقدّمة وأصولها المتقنة «٤» . وقال التّهانويّ: المبتدع: من خالف أهل السّنّة اعتقادا، والمبتدعون يسمّون بأهل البدع وأهل الأهواء. وهي ما أحدث على خلاف أمر الشّارع ودليله العامّ أو الخاصّ، وقيل: هي اعتقاد ما أحدث على خلاف المعروف عن النّبيّ ﷺ ، لا بمعاندة بل بنوع شبهة «٥» . قال الشّاطبيّ- رحمه الله تعالى-: البدعة: طريقة في الدّين مخترعة تضاهي الشّرعيّة يقصد بالسّلوك عليها المبالغة في التّعبّد لله- سبحانه-. وقيل: طريقة في الدّين مخترعة تضاهي الشّرعيّة يقصد بالسّلوك عليها ما يقصد بالطّريقة الشّرعيّة «٦» . وقيل البدعة: إيراد قول أو فعل لم يستنّ قائلها ولا فاعلها فيه بصاحب الشّريعة «٧» . أقسام البدعة: إنّ الابتداع المنهيّ عنه يراد به: إحداث بدعة ضلالة، ذلك أنّ البدعة في اللّغة قد يراد منها مطلق إحداث أمر لم يكن موجودا على عهد رسول الله ﷺ ومن ثمّ قسّم الشّافعيّ- ﵀ البدعة إلى قسمين: البدعة الضّالّة: ويراد بها ما أحدث وخالف كتابا أو سنّة أو إجماعا أو أثرا. البدعة المحمودة: ما أحدث من الخير ولم يخالف شيئا من ذلك «٨» . والأصل في هذا ما روي عن عمر- ﵁ في قيام رمضان «نعمت البدعة هذه» ولهذا قال ابن الأثير: البدعة بدعتان: بدعة ضلالة، وبدعة هدى، فما كان في خلاف ما أمر به الله ورسوله فهو البدعة الضّالّة الّتي هي مناط الذّمّ والإنكار، وما كان واقعا تحت عموم ما ندب الله إليه وحضّ عليه الله ورسوله فهو بدعة هدى، وهي في حيّز المدح، ولا يجوز أن يكون ذلك في

стр. 4450

خلاف ما ورد الشّرع به، ومن ذلك قول عمر- ﵁ «نعمت البدعة هذه» لمّا كانت الجماعة في قيام رمضان من أفعال الخير وداخلة في حيّز المدح سمّاها بدعة ومدحها، لأنّ النّبيّ ﷺ لم يسنّها لهم، وإنّما صلّاها ثمّ تركها ولم يحافظ عليها، ولا جمع النّاس لها، ولا كانت في زمان أبي بكر وإنّما كان عمر- ﵁ هو الّذي جمع النّاس عليها، فبهذا سمّاها بدعة وهي في الحقيقة سنّة، لقوله ﷺ «عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الرّاشدين من بعدي» وعلى هذا التّأويل يحمل الحديث الآخر «كلّ محدثة بدعة» إنّما يريد ما خالف أصول الشّريعة ولم يوافق السّنّة «١» . قال ابن الأثير: وأكثر ما يستعمل المبتدع عرفا في الذّمّ، أي أنّه إذا أطلق لفظ البدعة فإنّه يراد بها النّوع الأوّل وهو المذموم شرعا. أحكام البدعة (بنوعيها) : قال التّهانويّ: وبالجملة فهي أي البدعة منقسمة إلى الأحكام الخمسة: ١- واجبة على الكفاية، ومن ذلك الاشتغال بالعلوم العربيّة المتوقّف عليها فهم الكتاب والسّنّة كالنّحو والصّرف واللّغة ونحو ذلك لأنّ الشّريعة فرض كفاية ولا يتأتّى إلّا بذلك. ٢- محرّمة، مثل مذاهب أهل البدع المخالفة لما عليه أهل السّنّة والجماعة. ٣- مندوبة: مثل إحداث الرّباطات (نقاط حراسة بلاد المسلمين) والمدارس ونحوهما. ٤- مكروهة: مثل زخرفة المساجد وتزيين المصاحف. ٥- مباحة: مثل التّوسّع في لذيذ المآكل والمشارب والملابس «٢» . قال الشّيخ الدهلويّ في شرح المشكاة: بشرط حلّها، وألّا تكون سببا في الغرور والتّكبّر والتّفاخر وكذلك الشّأن في المباحات الأخرى الّتي لم تكن على عهد رسول الله ﷺ «٣» . كل البدع ضلالة: بعد أن أورد الإمام الشّاطبيّ تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة ردّ هذا التّقسيم وبالغ في ذلك فقال رحمه الله تعالى-: والجواب: أنّ هذا التّقسيم أمر مخترع لا يدلّ عليه دليل شرعيّ بل هو في نفسه متدافع لأنّ من حقيقة البدعة أن لا يدلّ عليها دليل شرعيّ لا من نصوص الشّرع ولا من قواعده، إذ لو كان هنالك ما يدلّ من الشّرع على وجوب أو ندب أو إباحة لما كان ثمّ بدعة، ولكان العمل داخلا في عموم الأعمال المأمور بها أو المخيّر فيها، فالجمع بين عدّ تلك الأشياء بدعا وبين كون الأدلّة تدلّ على وجوبها أو ندبها أو إباحتها جمع بين متنافيين «٤» . حكم المبتدع: قال الكفويّ: حكم المبتدع (للبدعة الضّالّة) في الدّنيا الإهانة باللّعن وغيره وفي الآخرة حكم الفاسق، وعند الفقهاء حكم بعضهم حكم الكافر وحكم الآخرين حكم الضّالّ، والمختار عند جمهور أهل السّنّة من الفقهاء والمتكلّمين عدم تكفير أهل القبلة

стр. 4451

من المبتدعة والمؤوّلة في غير المعلوم من الدّين بالضّرورة لكون التّأويل شبهة «١» . البديع في أسماء الله تعالى: قال ابن الأثير: في أسماء الله تعالى: البديع وهو الخالق المخترع لا عن مثال سابق، فعيل بمعنى مفعل، يقال: أبدع فهو مبدع. قال ابن منظور- رحمه الله تعالى-: البديع من أسماء الله تعالى: هو الأوّل قبل كلّ شيء، ويجوز أن يكون بمعنى مبدع، أو يكون من بدع الخلق أي بدأه، والله تعالى كما قال سبحانه: بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ (البقرة/ ١١٧) أي خالقهما ومبدعهما فهو سبحانه الخالق المخترع لا عن مثال سابق وسمّي بذلك: لإبداعه الأشياء وإحداثه إيّاها. قال أبو إسحاق: يعني أنّه أنشأها على غير حذاء ولا مثال. وبديع فعيل بمعني فاعل مثل قدير بمعنى قادر، وهو صفة من صفات الله تعالى لأنّه بدأ الخلق على ما أراد على غير مثال تقدّمه «٢» . أسباب ودوافع البدعة: قال الشّاطبيّ- رحمه الله تعالى-: إنّ صاحب البدعة إنّما يخترعها ليضاهي بها السّنّة حتّى يكون ملبسا بها على الغير، أو تكون هي ممّا تلتبس عليه بالسّنّة، إذ الإنسان لا يقصد الاستتباع بأمر لا يشابه المشروع، لأنّه إذ ذاك لا يستجلب به في ذلك الابتداع نفعا ولا يدفع به ضررا، ولا يجيبه غيره إليه. فأنت ترى العرب في الجاهليّة في تغيير ملّة إبراهيم ﵇ كيف تأوّلوا فيما أحدثوه احتجاجا منهم، كقولهم في أصل الإشراك ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (الزمر/ ٣) ، وكترك الحمس «٣» الوقوف بعرفة لقولهم: لا نخرج من الحرم اعتدادا بحرمته. وكطواف من طاف منهم بالبيت عريانا قائلين: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، وما أشبه ذلك ممّا وجّهوه ليصيّروه بالتّوجيه كالمشروع، فما ظنّك بمن عدّ أو عدّ نفسه من خواصّ أهل الملّة؟ فهم أحرى بذلك (وهم المخطئون وظنّهم الإصابة) إنّ أصل الدّخول في البدعة يحثّ على الانقطاع إلى العبادة والتّرغيب في ذلك، لأنّ الله تعالى يقول: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات/ ٥٦) فكأنّ المبتدع رأى أنّ المقصود هذا المعنى، ولم يتبيّن له أنّ ما وضعه الشّارع فيه من القوانين والحدود كاف (فرأى من نفسه أنّه لا بدّ لما أطلق الأمر فيه من قوانين منضبطة، وأحوال مرتبطة، مع ما يداخل النّفوس من حبّ الظّهور أو عدم مظنّته) . وأيضا فإنّ النّفوس قد تملّ وتسأم من الدّوام على العبادات المرتّبة، فإذا جدّد لها أمر لا تعهده، حصل لها نشاط آخر لا يكون لها مع البقاء على الأمر الأوّل. وقد تبيّن بهذا أنّ البدع لا تدخل إلّا في

стр. 4452

العبادات. فكلّ ما اخترع من الطّرق في الدّين ممّا يضاهي المشروع ولم يقصد به التّعبّد فقد خرج عن هذه التّسمية. كالمغارم الملزمة على الأموال وغيرها على نسبة مخصوصة وقدر مخصوص ممّا يشبه فرض الزّكوات ولم يكن إليها ضرورة. وكذلك اتّخاذ المناخل وغسل اليد بالأشنان وما أشبه ذلك من الأمور الّتي لم تكن قبل. إنّ البدعة في عموم لفظها يدخل فيها البدعة التّركيّة، كما يدخل فيها البدعة غير التّركيّة، فقد يقع الابتداع بنفس التّرك تحريما للمتروك أو غير تحريم، فإنّ الفعل مثلا قد يكون حلالا بالشّرع فيحرّمه الإنسان على نفسه أو يقصد تركه قصدا، فهذا التّرك إمّا أن يكون لأمر يعتبر مثله شرعا أو لا، فإن كان لأمر يعتبر فلا حرج فيه، إذ معناه أنّه ترك ما يجوز تركه أو ما يطلب تركه، كالّذي يحرّم على نفسه الطّعام الفلانيّ من جهة أنّه يضرّه في جسمه أو عقله أو دينه وما أشبه ذلك، فلا مانع هنا من التّرك: فإن قلنا بطلب التّداوي للمريض فإنّ التّرك هنا مطلوب، وإن قلنا بإباحة التّداوي، فالتّرك مباح، فهذا راجع إلى أنّ العزم على الحمية ليس من المضرّات. وأمّا إن كان التّرك تديّنا فهو الابتداع في الدّين على كلتا الطّريقتين، إذ قد فرضنا الفعل جائزا شرعا فصار التّرك المقصود معارضة للشارع في شرع التّحليل وفي مثله نزل قول الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (المائدة/ ٨٧) ، فنهى أوّلا عن تحريم الحلال. ثمّ جاءت الآية تشعر بأنّ ذلك اعتداء لا يحبّه الله. لأنّ بعض الصّحابة همّ أن يحرّم على نفسه النّوم باللّيل، وآخر الأكل بالنّهار، وآخر إتيان النّساء، وبعضهم همّ بالاختصاء، مبالغة في ترك شأن النّساء. وفي أمثال ذلك قال النّبيّ ﷺ : «من رغب عن سنّتي فليس منّي» . فإذا كلّ من منع نفسه من تناول ما أحلّ الله من غير عذر شرعيّ فهو خارج عن سنّة النّبيّ ﷺ . والعامل بغير السّنّة تديّنا هو المبتدع بعينه. (فإن قيل) فتارك المطلوبات الشّرعيّة ندبا أو وجوبا، هل يسمّى مبتدعا أم لا؟ (فالجواب) أنّ التّارك للمطلوبات على ضربين: (أحدهما) أن يتركها لغير التّديّن إمّا كسلا أو تضييعا أو ما أشبه ذلك من الدّواعي النّفسيّة. فهذا الضّرب راجع إلى المخالفة للأمر، فإن كان في واجب فمعصية، وإن كان في ندب فليس بمعصية، إذا كان التّرك جزئيّا، وإن كان كلّيّا فمعصية حسبما تبيّن في الأصول. (والثّاني) أن يتركها تديّنا. فهذا الضّرب من قبيل البدع حيث تديّن بضدّ ما شرع الله، ومثاله أهل الإباحة القائلين بإسقاط التّكاليف إذا بلغ السّالك عندهم المبلغ الّذي حدّوه «١» . [للاستزادة: انظر صفات: اتباع الهوى- الحكم بغير ما أنزل الله- القدوة السيئة- التفريط والإفراط- الغلو. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاتباع- الأسوة الحسنة- الاعتصام- الإيمان- الإسلام- الحكم بما أنزل الله] .

стр. 4453

الآيات الواردة في «الابتداع» ١- وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) «١» الآيات الواردة في «الابتداع» ولها معنى آخر ٢- وَقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧) «٢» ٣- وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣) «٣» ٤- وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ هذا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئاً هُوَ أَعْلَمُ بِما تُفِيضُونَ فِيهِ كَفى بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٨) قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَما أَدْرِي ما يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩) «٤»

стр. 4454

الأحاديث الواردة في ذمّ (الابتداع) ١-* (عن أنس- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ الله احتجز التّوبة عن صاحب كلّ بدعة» ) * «١» . ٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرّت عيناه، وعلا صوته ... الحديث. وفيه يقول: «أمّا بعد، فإنّ خير الحديث كتاب الله. وخير الهدى هدى محمّد ﷺ وشرّ الأمور محدثاتها. وكلّ بدعة ضلالة ... الحديث» ) * «٢» . ٣-* (عن العرباض بن سارية- ﵁ قال: صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها «٣» العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأنّ هذه موعظة مودّع فماذا تعهد إلينا؟، فقال: «أوصيكم بتقوى الله والسّمع والطّاعة وإن عبدا حبشيّا فإنّه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء المهديّين، الرّاشدين، تمسّكوا بها وعضّوا عليها بالنّواجذ «٤» ، وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة» ) * «٥» . ٤-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: زوّجني أبي امرأة من قريش، فلمّا دخلت عليّ جعلت لا أنحاش لها «٦» ، ممّا بي من القوّة على العبادة: من الصّوم والصّلاة فجاء عمرو بن العاص إلى كنّته «٧» ، حتّى دخل عليها، فقال لها: كيف وجدت بعلك؟ قالت: خير الرّجال، أو كخير البعولة من رجل لم يفتّش لنا كنفا، ولم يعرف لنا فراشا. فأقبل عليّ، فعذمني «٨» ، وعضّني بلسانه فقال: أنكحتك امرأة من قريش ذات حسب، فعضلتها، وفعلت وفعلت ثمّ انطلق إلى النّبيّ ﷺ فشكاني، فأرسل إليّ النّبيّ ﷺ ، فأتيته، فقال لي: «أتصوم النّهار؟» قلت: نعم، قال: «وتقوم اللّيل؟» قلت: نعم، قال: «لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأنام، وأمسّ النّساء، فمن رغب

стр. 4455

عن سنّتي فليس منّي» ، قال: «اقرأ القرآن في كلّ شهر» ، قلت: إنّي أجدني أقوى من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ عشرة أيّام» ، قلت: إنّي أجدني أقوى من ذلك، قال: «فاقرأه في كلّ ثلاث» ، قال: ثمّ قال: «صم في كلّ شهر ثلاثة أيّام» ، قلت: إنّي أجدني أقوى من ذلك، قال: فلم يزل يرفعني حتّى قال: «صم يوما وأفطر يوما، فإنّه أفضل الصّيام، وهو صيام أخي داود» ، ثمّ قال ﷺ : «فإنّ لكلّ عابد شرّة «١» ، ولكلّ شرّة فترة «٢» ، فإمّا إلى سنّة، وإمّا إلى بدعة، فمن كانت فترته إلى سنّة فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك» قال مجاهد: فكان عبد الله بن عمرو، حيث ضعف وكبر، يصوم الأيّام كذلك، يصل بعضها إلى بعض، ليتقوّى بذلك، ثمّ يفطر بعدّ «٣» تلك الأيّام، قال: وكان يقرأ في كلّ حزبه كذلك، يزيد أحيانا، وينقص أحيانا، غير أنّه يوفي العدد، إمّا في سبع، وإمّا في ثلاث، قال: ثمّ كان يقول بعد ذلك: لأن أكون قبلت رخصة رسول الله ﷺ أحبّ إليّ ممّا عدل به أو عدل، لكنّي فارقته على أمر أكره أن أخالفه إلى غيره) * «٤» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الابتداع) معنى ٥-* (عن الحارث الأشعريّ- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله أمر يحيى بن زكريّا بخمس كلمات أن يعمل بها ويأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، وإنّه كاد أن يبطأ بها، فقال عيسى: إنّ الله أمرك بخمس كلمات لتعمل بها وتأمر بني إسرائيل أن يعملوا بها، فإمّا أن تأمرهم، وإمّا أن آمرهم، فقال يحيى: أخشى إن سبقتني بها أن يخسف بي أو أعذّب، فجمع النّاس في بيت المقدس، فامتلأ المسجد وتعدّوا على الشّرف، فقال: إنّ الله أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهنّ، وآمركم أن تعملوا بهنّ: أوّلهنّ أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا. وإنّ مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو ورق «٥» . فقال: هذه داري وهذا عملي فاعمل وأدّ إليّ، فكان يعمل ويؤدّي إلى غير سيّده، فأيّكم يرضى أن يكون عبده كذلك؟. وإنّ الله أمركم بالصّلاة، فإذا صلّيتم فلا تلتفتوا فإنّ الله ينصب وجهه لوجه عبده في صلاته ما لم يلتفت. وآمركم بالصّيام، فإنّ مثل ذلك كمثل رجل في عصابة معه صرّة فيها مسك، فكلّهم يعجب أو يعجبه ريحها. وإنّ ريح الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك. وآمركم بالصّدقة فإنّ مثل ذلك كمثل

стр. 4456

رجل أسره العدوّ، فأوثقوا يده «١» إلى عنقه وقدّموه ليضربوا عنقه «٢» ، فقال أنا أفديه منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم. وآمركم أن تذكروا الله فإنّ مثل ذلك كمثل رجل خرج العدوّ في أثره «٣» سراعا حتّى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم «٤» ، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشّيطان إلّا بذكر الله. قال النّبيّ ﷺ : «وأنا آمركم بخمس الله أمرني بهنّ: السّمع، والطّاعة، والجهاد، والهجرة، والجماعة. فإنّه من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام «٥» من عنقه إلّا أن يرجع، ومن ادّعى دعوى الجاهليّة فإنّه من جثا «٦» جهنّم، فقال رجل: يا رسول الله، وإن صلّى وصام؟ قال: وإن صلّى وصام، فادعوا بدعوى الله الّذي سمّاكم المسلمين المؤمنين. عباد الله) * «٧» . ٦-* (عن عائشة- ﵂، قالت: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ إلى قوله: أُولُوا الْأَلْبابِ (آل عمران/ ٧) ، قالت: قال رسول الله ﷺ : «فإذا رأيت الّذين يتّبعون ما تشابه منه فأولئك الّذين سمّى الله، فاحذروهم» ) * «٨» . ٧-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «أنا فرطكم على الحوض، وليرفعنّ رجال منكم ثمّ ليختلجنّ دوني، فأقول: يا ربّ، أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك» ) * «٩» . ٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث منجيات: خشية الله تعالى في السّرّ والعلانية، والعدل في الرّضا والغضب، والقصد في الفقر والغنى. وثلاث مهلكات: هوى متّبع، وشحّ مطاع، وإعجاب المرء بنفسه» ) * «١٠» . ٩-* (عن أبي أميّة الشّعبانيّ، قال: سألت أبا ثعلبة الخشنيّ فقلت: يا أبا ثعلبة، كيف تقول في هذه الآية عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ (المائدة/ ١٠٥) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا وهوى متّبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك- يعني بنفسك-

стр. 4457

ودع عنك العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّام الصّبر، الصّبر فيه مثل قبض على الجمر، للعامل فيهم مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عمله» وزادني غيره قال: يا رسول الله، أجر خمسين منهم؟ قال: أجر خمسين منكم» ) * «١» . ١٠-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النّبيّ ﷺ يسألون عن عبادة النّبيّ ﷺ فلمّا أخبروا كأنّهم تقالّوها، فقالوا: وأين نحن من النّبيّ ﷺ ؟ قد غفر الله له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر. قال أحدهم: أمّا أنا فأنا أصلّي اللّيل أبدا. وقال آخر: أنا أصوم الدّهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل النّساء فلا أتزوّج أبدا. فجاء رسول الله ﷺ فقال: «أنتم الّذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إنّي لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنّي أصوم وأفطر، وأصلّي وأرقد، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» ) * «٢» . ١١-* (عن حذيفة بن اليمان- ﵄ يقول: كان النّاس يسألون رسول الله ﷺ عن الخير. وكنت أسأله عن الشّرّ، مخافة أن يدركني. فقلت: يا رسول الله، إنّا كنّا في جاهليّة وشرّ، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير شرّ؟ قال: «نعم» فقلت: هل بعد ذلك الشّرّ من خير؟ قال: «نعم. وفيه دخن «٣» » قلت: وما دخنه؟ قال: «قوم يستنّون بغير سنّتي، ويهدون بغير هديي «٤» ، تعرف منهم وتنكر» . فقلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: «نعم. دعاة على أبواب جهنّم «٥» من أجابهم إليها قذفوه فيها» فقلت: يا رسول الله، صفهم لنا. قال: «نعم. قوم من جلدتنا. ويتكلّمون بألسنتنا» قلت: يا رسول الله، فما ترى إن أدركني ذلك؟ قال: «تلزم جماعة المسلمين وإمامهم» فقلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: «فاعتزل تلك الفرق كلّها، ولو أن تعضّ على أصل شجرة، حتّى يدركك الموت، وأنت على ذلك» ) * «٦» . ١٢-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ قال: خطّ لنا رسول الله ﷺ خطّا ثمّ قال: «هذا سبيل الله» ثمّ خطّ خطوطا عن يمينه وعن شماله ثمّ قال: «هذه سبل متفرّقة، قال: على كلّ سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثمّ قرأ وَأَنَّ هذا صِراطِي

стр. 4458

مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ (الأنعام/ ١٥٣)) * «١» . ١٣-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو ردّ «٢» » ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الابتداع) ١-* (عن نافع مولى ابن عمر- ﵄ أنّ صبيغا العراقيّ جعل يسأل عن أشياء من القرآن في أجناد المسلمين حتّى قدم مصر، فبعث به عمرو بن العاص إلى عمر بن الخطّاب، فلمّا أتاه الرّسول بالكتاب فقرأه، فقال: أين الرّجل؟ فقال: في الرّحل قال عمر: أبصر أن يكون ذهب فتصيبك منّي به العقوبة الموجعة، فأتاه به، فقال عمر: تسأل محدثة، فأرسل عمر إلى رطائب من جريد فضربه بها حتّى ترك ظهره وبرة ثمّ تركه حتّى برأ، ثمّ عاد له، ثمّ تركه حتّى برأ، فدعا به ليعود له، قال: فقال صبيغ: إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلا جميلا، وإن كنت تريد أن تداويني فقد والله برأت، فأذن له إلى أرضه، وكتب إلى أبي موسى الأشعريّ: أن لا يجالسه أحد من المسلمين، فاشتدّ ذلك على الرّجل، فكتب أبو موسى إلى عمر: أن قد حسنت توبته، فكتب عمر: أن يأذن للنّاس بمجالسته» ) * «٤» . ٢-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁ «إيّاكم وأصحاب الرّأي، فإنّهم أعداء السّنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها، فقالوا بالرّأي، فضلّوا وأضلّوا» ) * «٥» . ٣-* (عن أبيّ بن كعب- ﵁ قال: «عليكم بالسّبيل والسّنّة، فإنّه ما على الأرض عبد على السّبيل والسّنّة، وذكر الرّحمن ففاضت عيناه من خشية الله- فيعذّبه. وما على الأرض عبد على السّبيل والسّنّة وذكره (يعني الرّحمن) في نفسه فاقشعرّ جلده من خشية الله إلّا كان مثله كمثل شجرة قد يبس ورقها فهي كذلك، وإذا أصابتها ريح شديدة فتحاتّ «٦» عنها ورقها إلّا حطّ عنه خطاياه كما تحاتّ عن تلك الشّجرة ورقها. وإنّ اقتصادا في سبيل وسنّة خير من اجتهاد في خلاف سبيل وسنّة. فانظروا أن يكون عملكم إن كان اجتهادا واقتصادا أن يكون ذلك على منهاج الأنبياء وسنّتهم» ) * «٧» . ٤-* (قال حذيفة- ﵁: «يا معشر القرّاء استقيموا فقد سبقتم سبقا بعيدا، فإن

стр. 4459

أخذتم يمينا وشمالا لقد ضللتم ضلالا بعيدا» ) * «١» . ٥-* (عن عمرو بن زرارة قال: «وقف عليّ عبد الله، يعني ابن مسعود وأنا أقصّ، فقال: يا عمرو، لقد ابتدعت بدعة ضلالة أو إنّك لأهدى من محمّد وأصحابه. فلقد رأيتهم تفرّقوا عنّي حتّى رأيت مكاني ما فيه أحد» ) * «٢» . ٦-* (عن عمر بن يحيى قال: سمعت أبي حدّث عن أبيه قال: «كنّا نجلس على باب عبد الله ابن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد، فجاءنا أبو موسى الأشعريّ فقال: أخرج إليكم أبو عبد الرّحمن بعد؟ قلنا: لا، فجلس معنا حتّى خرج، فلمّا خرج قمنا إليه جميعا، فقال له أبو موسى: يا أبا عبد الرّحمن، إنّي رأيت في المسجد آنفا أمرا أنكرته، ولم أر والحمد لله إلّا خيرا، قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه، قال: رأيت في المسجد قوما حلقا جلوسا ينتظرون الصّلاة، في كلّ حلقة رجل، وفي أيديهم حصى، فيقول: كبّروا مائة، فيكبّرون مائة، فيقول: هلّلوا مائة، فيهلّلون مائة، ويقول: سبّحوا مائة، فيسبّحون مائة. قال: فماذا قلت لهم؟ قال: ما قلت لهم شيئا انتظار رأيك أو انتظار أمرك، قال: أفلا أمرتهم أن يعدّوا سيّئاتهم، وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم، ثمّ مضى ومضينا معه حتّى أتى حلقة من تلك الحلق، فوقف عليهم فقال: ما هذا الّذي أراكم تصنعون؟ قالوا: يا أبا عبد الرّحمن، حصى نعدّ به التّكبير والتّهليل والتّسبيح، قال: فعدّوا سيّئاتكم فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمّة محمّد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيّكم ﷺ متوافرون، وهذه ثيابه لم تبل، وآنيته لم تكسر، والّذي نفسي بيده، إنّكم لعلى ملّة هي أهدى من ملّة محمّد أومفتتحو باب ضلالة؟ قالوا: والله يا أبا عبد الرّحمن ما أردنا إلّا الخير، قال: وكم من مريد للخير لن يصيبه، إنّ رسول الله ﷺ حدّثنا أنّ قوما يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، وايم الله ما أدري لعلّ أكثرهم منكم، ثمّ تولّى عنهم، فقال عمرو بن سلمة: رأينا عامّة أولئك الخلق، يطاعنونا يوم النّهروان مع الخوارج» ) * «٣» . ٧-* (عن قيس بن أبي حازم قال: «ذكر لابن مسعود قاصّ يجلس باللّيل ويقول للنّاس: قولوا كذا وقولوا كذا، فقال: إذا رأيتموه فأخبروني، قال: فأخبروه، فجاء عبد الله متقنّعا فقال: من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا عبد الله بن مسعود تعلمون أنّكم لأهدى من محمّد ﷺ وأصحابه أو إنّكم لمتعلّقون بذنب ضلالة» ) * «٤» .

стр. 4460

٨-* (قال ابن مسعود- ﵁: «قد أصبحتم على الفطرة وإنّكم ستحدثون ويحدث لكم، فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدى الأوّل» ) * «١» ٩-* (وقال- ﵁: الاقتصاد في السّنّة خير من الاجتهاد في البدعة» ) * «٢» . ١٠-* (وقال: «تعلّموا العلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب أهله، ألا وإيّاكم والتّنطّع والتّعمّق والبدع، وعليكم بالعتيق» ، وفي رواية أخرى: أيّها النّاس، إنّكم ستحدثون ويحدث لكم فعليكم بالأمر الأوّل» ) * «٣» . ١١-* (وقال: «إنّا نقتدي ولا نبتدي، ونتّبع ولا نبتدع، ولن نضلّ ما تمسّكنا بالأثر» ) * «٤» . ١٢-* (وقال: «عليكم بالطّريق فالزموه ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلّنّ ضلالا بعيدا» ) * «٥» . ١٣-* (وقال: «إنّ أصدق القول قول الله وإنّ أحسن الهدي هدي محمّد ﷺ والشّقيّ من شقي في بطن أمّه، وإنّ شرّ الرّوايا روايا الكذب، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ ما هو آت قريب» ) * «٦» . ١٤-* (عن أبي إدريس الخولانيّ- عايذ الله: «أنّ يزيد بن عميرة، وكان من أصحاب معاذ بن جبل، أخبره، قال: كان لا يجلس مجلسا للذّكر حين يجلس إلّا قال: الله حكم قسط، هلك المرتابون. فقال: معاذ بن جبل يوما: إنّ من ورائكم فتنا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتّى يأخذه المؤمن والمنافق، والرّجل والمرأة، والصّغير والكبير، والعبد والحرّ، فيوشك قائل أن يقول: ما للّناس لا يتبعوني وقد قرأت القرآن؟ ما هم بمتّبعيّ حتّى أبتدع لهم غيره، فإيّاكم وما ابتدع، فإنّ ما ابتدع ضلالة، وأحذّركم زيغة الحكيم؛ فإنّ الشّيطان قد يقول كلمة الضّلالة على لسان الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحقّ. قال: قلت لمعاذ: ما يدريني- رحمك الله- أنّ الحكيم قد يقول كلمة الضّلالة، وأنّ المنافق قد يقول كلمة الحقّ؟ قال: بلى، اجتنب من كلام الحكيم المشتهرات، الّتي يقال: ما هذا؟ ولا يثنينّك ذلك عنه؛ فإنّه لعلّه أن يراجع، وتلقّ الحقّ إذا سمعته، فإنّ على الحقّ نورا» ) * «٧» . ١٥-* (عن ابن عمر- ﵄: أنّه أتاه رجل فقال: أيصلح أن أطوف بالبيت وأنا محرم؟ قال: ما يمنعك من ذلك؟ قال: إنّ فلانا ينهانا عن ذلك حتّى يرجع النّاس من الموقف، ورأيته كأنّه مالت به الدّنيا وأنت أعجب إلينا منه. قال ابن عمر: تمتّع رسول الله ﷺ ، فطاف بالبيت وسعى بين الصّفا

стр. 4461

والمروة وسنّة الله ورسوله أحقّ أن تتّبع من سنّة ابن فلان إن كنت صادقا» ) * «١» . ١٦-* (عن ابن عمر- ﵄ قال: «كلّ بدعة ضلالة، وإن رآها النّاس حسنة» ) * «٢» . ١٧-* (قال ابن عبّاس- ﵄ يوصي عثمان الأزديّ: «عليك بتقوى الله تعالى والاستقامة، اتّبع ولا تبتدع» ) * «٣» . ١٨-* (وقال: إنّ أبغض الأمور إلى الله تعالى البدع» ) * «٤» . ١٩-* (وقال: «عليكم بالاستقامة والأثر وإيّاكم والبدع» ) * «٥» . ٢٠-* (وقال أيضا: في قوله تعالى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فأهل السّنّة والجماعة وأولو العلم. فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ (آل عمران/ ١٠٦- ١٠٧) فأهل البدع والضّلالة» ) * «٦» . ٢١-* (وقال أيضا: «من أحدث رأيا ليس في كتاب الله ولم تمض به سنّة من رسول الله ﷺ لم يدر ما هو عليه إذا لقي الله- » ) * «٧» . ٢٢-* (قال عبد الله بن الدّيلميّ- ﵁: «بلغني: أنّ أوّل ذهاب الدّين ترك السّنّة، يذهب الدّين سنّة سنّة كما يذهب الحبل قوّة قوّة» ) * «٨» . ٢٣-* (قال أنس بن مالك- ﵁: «لو أنّ رجلا أدرك السّلف الأوّل ثمّ بعث اليوم ما عرف من الإسلام شيئا، قال: ووضع يده على خدّه ثمّ قال: إلّا هذه الصّلاة، ثمّ قال: أما والله على ذلك لمن عاش في النّكر ولم يدرك ذلك السّلف الصّالح فرأى مبتدعا يدعو إلى بدعته، ورأى صاحب دنيا يدعو إلى دنياه، فعصمه من ذلك، وجعل قلبه يحنّ إلى ذلك السّلف الصّالح، يسأل عن سبلهم، ويقتصّ آثارهم، ويتّبع سبيلهم، ليعوّض أجرا عظيما، وكذلك فكونوا إن شاء الله» ) * «٩» . ٢٤-* (قال أبو الدّرداء- ﵁: «لو خرج رسول الله ﷺ عليكم ما عرف شيئا ممّا كان عليه هو وأصحابه إلّا الصّلاة، قال الأوزاعيّ: فكيف لو كان اليوم؟ قال عيسى بن يونس: فكيف لو أدرك الأوزاعيّ هذا الزّمان؟» ) * «١٠» . ٢٥-* (قال أبو إدريس الخولانيّ «لأن أرى في المسجد نارا لا أستطيع إطفاءها أحبّ إليّ من أن أرى فيه بدعة لا أستطيع تغييرها» ) * «١١» . ٢٦-* (قالت أمّ الدّرداء- ﵂:

стр. 4462

«دخل أبو الدّرداء وهو غضبان، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئا من أمر محمّد إلّا أنّهم يصلّون جميعا» ) * «١» . ٢٧-* (عن أبي العالية:- رحمه الله تعالى- قال: «تعلّموا الإسلام فإذا تعلّمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصّراط المستقيم، فإنّه الإسلام، ولا تحرّفوا يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنّة نبيّكم وما كان عليه أصحابه من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا الّذي فعلوا. قد قرأنا القرآن من قبل أن يقتلوا صاحبهم ومن قبل أن يفعلوا الّذي فعلوا، وإيّاكم وهذه الأهواء الّتي تلقي بين النّاس العداوة والبغضاء. فحدّث الحسن بذلك فقال: ﵀، صدق ونصح» ) * «٢» . ٢٨-* (قال أبو العالية- رحمه الله تعالى-: «ما أدري أيّ النّعمتين أفضل؟ أن هداني الله للإسلام أو عافاني من هذه الأهواء» ) * «٣» . ٢٩-* (قال عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى-: «سنّ رسول الله ﷺ وولاة الأمور بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستكمال لطاعة الله، وقوّة على دين الله، ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها، ولا النّظر فيما خالفها. من اقتدى بها فهو مهتد، ومن استنصر بها فهو منصور، ومن خالفها واتّبع غير سبيل المؤمنين ولّاه الله ما تولّى وأصلاه جهنّم وساءت مصيرا» ) «٤» . ٣٠-* (وقال- ﵀: والله لولا أن أنعش سنّة قد أميتت، أو أن أميت بدعة قد أحييت لكرهت أن أعيش فيكم فواقا «٥» » ) * «٦» . ٣١-* (وعنه- ﵀ أنّه كان يكتب في كتبه: «إنّي أحذّركم ما مالت إليه الأهواء والزّيغ البعيدة. ولمّا بايعه النّاس صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثمّ قال: أيّها النّاس، إنّه ليس بعد نبيّكم نبيّ، ولا بعد كتابكم كتاب، ولا بعد سنّتكم سنّة، ولا بعد أمّتكم أمّة، ألا وإنّ الحلال ما أحلّ الله في كتابه على لسان نبيّه حلال إلى يوم القيامة، ألا وإنّ الحرام ما حرّم الله في كتابه على لسان نبيّه حرام إلى يوم القيامة، ألا وإنّي لست بمبتدع ولكنّي متّبع» ) * «٧» . ٣٢-* (وعنه- ﵀ أيضا: «خذوا من الرّأي ما يصدّق من كان قبلكم، ولا تأخذوا ما هو خلاف لهم؛ فإنّهم خير منكم وأعلم» ) * «٨» . ٣٣-* (عن أبي الصّلت قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: أمّا بعد؛ أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد في أمره، واتباع سنّة نبيّه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما

стр. 4463

جرت به سنّته، وكفوا مؤنته، فعليك بلزوم السّنّة فإنّها لك بإذن الله عصمة، ثمّ اعلم أنّه لم يبتدع النّاس بدعة، إلّا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، أو عبرة فيها؛ فإنّ السّنّة إنّما سنّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ، والزّلل، والحمق، والعمق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه. ولئن قلتم: إنّما حدث بعدهم، ما أحدثه إلّا من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم؛ فإنّهم هم السّابقون، فقد تكلّموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصّر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنّهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير بإذن الله وقعت، ما أعلم ما أحدث النّاس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرا، ولا أثبت أمرا، من الإقرار بالقدر» ) * «١» . ٣٤-* (قال الأوزاعيّ- رحمه الله تعالى-: «كتب عمر بن عبد العزيز إلى عمر بن الوليد كتابا فيه: وقسم أبيك لك الخمس كلّه، وإنّما سهم أبيك كسهم رجل من المسلمين وفيه حقّ الله وحقّ الرّسول وذي القربى واليتامى والمساكين وابن السّبيل فما أكثر خصماء أبيك يوم القيامة، فكيف ينجو من كثرت خصماؤه؟ وإظهارك المعارف والمزمار بدعة في الإسلام، ولقد هممت أن أبعث إليك من يجزّ جمّتك جمّة السّوء» ) * «٢» . ٣٥-* (قال الشّعبيّ- رحمه الله تعالى-: «شهدت شريحا وجاءه رجل من مراد فقال: يا أبا أميّة، ما دية الأصابع؟ قال: عشر عشر. قال: يا سبحان الله أسواء هاتان وجمع بين الخنصر والإبهام فقال شريح: يا سبحان الله أسواء أذنك ويدك؟ فإنّ الأذن يواريها الشّعر والعمامة، فيها نصف الدّية، وفي اليد نصف الدّية، ويحك إنّ السّنّة سبقت قياسكم، فاتّبع ولا تبتدع، فإنّك لن تضلّ ما أخذت بالأثر. ثمّ قال له الشّعبيّ: يا هذا لو أنّ أحنفكم قتل وهذا الصّبيّ في مهده أكان ديّتهما سواء؟ قلت: نعم. قال: فأين القياس؟» ) * «٣» . ٣٦-* (قال ابن سيرين: «ما أخذ رجل ببدعة فراجع سنّة» ) * «٤» . ٣٧-* (قال محمّد بن سيرين- رحمه الله تعالى-: «لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلمّا وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم. فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم» ) * «٥» . ٣٨-* (قال مجاهد في قوله تعالى-: وَلا

стр. 4464

تَتَّبِعُوا السُّبُلَ (الأنعام/ ١٥٣) قال: البدع والشّبهات» ) * «١» . ٣٩-* (وقال- رحمه الله تعالى-: «دخلت أنا وعروة بن الزّبير المسجد فإذا عبد الله بن عمر- ﵄ جالس إلى حجرة عائشة وإذا ناس يصلّون في المسجد صلاة الضّحى، قال: فسألناه عن صلاتهم فقال: بدعة «٢» ، ثمّ قال له: كم اعتمر رسول الله ﷺ ؟ قال: أربعا» ) * «٣» . ٤٠-* (قال ميمون بن مهران- رحمه الله تعالى-: «ثلاث لا تبلونّ نفسك بهنّ: لا تدخل على السّلطان، وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تصغينّ بسمعك إلى هوى، فإنّك لا تدري ما يعلق بقلبك منه، ولا تدخل على امرأة، ولو قلت أعلّمها كتاب الله» ) * «٤» . ٤١-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى- «إنّما هلك من كان قبلكم حين تشعّبت بهم السّبل، وحادوا عن الطّريق فتركوا الآثار وقالوا في الدّين برأيهم فضلّوا وأضلّوا» ) * «٥» . ٤٢-* (سئل الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى- عن الصّلاة خلف صاحب البدعة فقال: «صلّ خلفه، وعليه بدعته» ) * «٦» . ٤٣-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: «السّنّة- والّذي لا إله إلّا هو- بين الغالي والجافي، فاصبروا عليها رحمكم الله، فإنّ أهل السّنّة كانوا أقلّ النّاس فيما مضى، وهم أقلّ النّاس فيما بقي: الّذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم، ولا مع أهل البدع في بدعهم، وصبروا على سنّتهم حتّى لقوا ربّهم. فكذلك إن شاء الله فكونوا» ) * «٧» . ٤٤-* (وقال- رحمه الله تعالى-: «لن يزال لله نصحاء في الأرض من عباده يعرضون أعمال العباد على كتاب الله فإذا وافقوه حمدوا الله، وإذا خالفوه عرفوا بكتاب الله ضلالة من ضلّ، وهدى من اهتدى، فأولئك خلفاء الله» ) * «٨» . ٤٥-* (وقال: لا يقبل الله لصاحب بدعة صوما ولا صلاة ولا حجّا ولا عمرة حتّى يدعها» ) * «٩» . ٤٦-* (وقال: «صاحب البدعة لا يزداد اجتهادا، صياما وصلاة، إلّا ازداد من الله بعدا» ) * «١٠» . ٤٧-* (وقال: «لا تجالس صاحب بدعة فإنّه يمرض قلبك» ) * «١١» . ٤٨-* (قال حسّان بن عطيّة: «ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلّا نزع الله من سنّتهم مثلها، ثمّ لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة» ) * «١٢» .

стр. 4465

٤٩-* (قال أيّوب: «ما ازداد صاحب بدعة اجتهادا إلّا ازداد من الله بعدا» ) * «١» . ٥٠-* (قال يحيى بن أبي كثير: «إذا لقيت صاحب بدعة في طريق فخذ في طريق آخر» ) * «٢» . ٥١-* (قال الأوزاعيّ- رحمه الله تعالى-: «اصبر نفسك على السّنّة، وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكفّ عمّا كفّوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصّالح، فإنّه يسعك ما وسعهم» ) * «٣» . ٥٢-* (قال سفيان الثّوريّ- رحمه الله تعالى-: «البدعة أحبّ إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها» ) * «٤» . ٥٣-* (وقال سفيان أيضا: دع الباطل. أين أنت عن الحقّ؟، اتّبع السّنّة، ودع البدعة» ) * «٥» . ٥٤-* (قال مالك: «بئس القوم هؤلاء أهل الأهواء لا يسلّم عليهم» ) * «٦» . ٥٥-* (قال أصبغ- تلميذ الإمام مالك- رحمهما الله تعالى- لمن سأله عن دعاء الخطيب للخلفاء المتقدّمين: «هو بدعة، ولا ينبغي العمل به، وأحسنه أن يدعو للمسلمين عامّة، قيل له: دعاؤه للغزاة والمرابطين. قال: «ما أرى به بأسا عند الحاجة إليه، وأمّا أن يكون شيئا يعمد له في خطبته دائما فإنّي أكره ذلك» ) * «٧» . ٥٦-* (كان مالك كثيرا ما ينشد: وخير أمور الدّين ما كان سنّة ... وشرّ الأمور المحدثات البدائع) * «٨» . ٥٧-* (قال ابن الماجشون- رحمه الله تعالى-: سمعت مالكا- رحمه الله تعالى- يقول: «من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أنّ محمّدا ﷺ خان الرّسالة، لأنّ الله يقول: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (المائدة/ ٣) فما لم يكن يومئذ دينا فلا يكون اليوم دينا» ) * «٩» . ٥٨-* (قال فضيل بن عياض- رحمه الله تعالى-: «من جلس إلى صاحب بدعة فاحذروه. وقال: من أحبّ صاحب بدعة أحبط الله عمله. وأخرج نور الإسلام من قلبه» ) * «١٠» . ٥٩-* (وقال: «إذا رأيت مبتدعا في طريق فخذ في طريق آخر، ولا يرفع لصاحب البدعة إلى الله عمل، ومن أعان صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام» ) * «١١» . ٦٠-* (وقال: «من زوّج كريمته من مبتدع فقد قطع رحمها» ) * «١٢» . ٦١-* (وقال: «إذا علم الله من رجل أنّه

стр. 4466

مبغض لصاحب بدعة رجوت أن يغفر الله له سيّئاته» ) * «١» . ٦٢-* (وقال: «اتّبع طرق الهدى ولا يضرّك قلّة السّالكين، وإيّاك وطرق الضّلالة ولا تغترّ بكثرة الهالكين» ) * «٢» . ٦٣-* (وقال: «من جلس مع صاحب بدعة لم يعط الحكمة» ) * «٣» . ٦٤-* (وقال: «من علامة البلاء أن يكون الرّجل صاحب بدعة» ) * «٤» . ٦٥-* (قال الشّافعيّ- ﵀: «لأن يلقى الله العبد بكلّ ذنب ما خلا الشّرك خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء» ) * «٥» . ٦٦-* (قال أبو بكر التّرمذيّ- رحمه الله تعالى-: «لم يجد أحد تمام الهمّة بأوصافها إلّا أهل المحبّة، وإنّما أخذوا ذلك باتّباع السّنّة ومجانبة البدعة، فإنّ محمّدا ﷺ كان أعلى الخلق كلّهم همّة وأقربهم زلفى» ) * «٦» . ٦٧-* (قال أبو الحسن الورّاق- رحمه الله تعالى-: «لا يصل العبد إلى الله إلّا بموافقة حبيبه ﷺ في شرائعه، ومن جعل الطّريق إلى الوصول في غير الاقتداء يضلّ من حيث يظنّ أنّه مهتد» ) * «٧» . ٦٨-* (سئل إبراهيم الخوّاص- ﵀ عن العافية فقال: «العافية أربعة أشياء: دين بلا بدعة، وعمل بلا آفة، وقلب بلا شغل، ونفس بلا شهوة» ) * «٨» . ٦٩-* (قال أبو عثمان النّيسابوري- رحمه الله تعالى-: «من أمّر السّنّة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة، قال الله- تعالى- وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا (النور/ ٥٤) * «٩» . ٧٠-* (قال ذو النّون المصريّ- رحمه الله تعالى-: «إنّما دخل الفساد على الخلق من ستّة أشياء: الأوّل: ضعف النّيّة بعمل الآخرة. والثّاني: صارت أبدانهم مهيّأة لشهواتهم. والثّالث: غلبهم طول الأمل مع قصر الأجل. والرّابع: آثروا رضاء المخلوقين على رضاء الله. والخامس: اتّبعوا أهواء هم ونبذوا سنّة نبيّهم ﷺ . والسّادس: جعلوا زلّات السّلف حجّة لأنفسهم، ودفنوا أكثر مناقبهم» ) * «١٠» . ٧١-* (سئل أحمد بن أبي الحواريّ- رحمه الله تعالى- عن البدعة؟ فقال: «التّعدّي في الأحكام والتّهاون في السّنن، واتّباع الآراء والأهواء، وترك الاتّباع والاقتداء» ) * «١١» . ٧٢-* (قيل لأبي بكر بن عيّاش: «إنّ أناسا يجلسون ويجلس إليهم النّاس ولا يستأهلون. قال:

стр. 4467

«كلّ من جلس جلس إليه النّاس، وصاحب السّنّة إذا مات أحيا الله ذكره، والمبتدع لا يذكر» ) * «١» . ٧٣-* (قال النّووي- رحمه الله تعالى- في شرح حديث (من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ) : «هذا الحديث ممّا ينبغي أن يعتنى بحفظه واستعماله في إبطال المنكرات، وإشاعة الاستدلال به كذلك» ) * «٢» . ٧٤-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «العبادات مبناها على الشّرع والاتّباع، لا على الهوى والابتداع، فإنّ الإسلام مبنيّ على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له. والثّاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ ، لا نعبده بالأهواء والبدع. فليس لأحد أن يعبد الله إلّا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب ومستحبّ، لا أن نعبده بالأمور المبتدعة» ) * «٣» . ٧٥-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: «القلوب إذا اشتغلت بالبدع أعرضت عن السّنن» ) * «٤» . ٧٦-* (قال الشّاطبيّ- رحمه الله تعالى-: «كلّ صاحب مخالفة من شأنه أن يدعو غيره إليها، ويحضّ سواه عليها، إذ التّأسّي في الأفعال والمذاهب موضوع طلبه في الجبلّة، وبسببه تقع من المخالف المخالفة، وتحصل من الموافق المؤالفة، ومنه تنشأ العداوة والبغضاء للمختلفين» ) * «٥» . من مضار (الابتداع) (١) حبوط الأعمال وإن كانت كثيرة. (٢) من لوازمه دعوى عدم كمال الدّين. (٣) صاحبه من أعوان الشّيطان ومن أعداء الرّحمن. (٤) أبغض إلى الله- من كثير من المعاصي. (٥) صاحبه لا يرجى له التّوبة بخلاف أهل المعاصي (٦) كلّ البدع ضلال ليس فيها شيء حسن. (٧) أنواعها في العقيدة والعبادة وشرّها بدع العقيدة. (٨) البدع تركيّة وفعليّة، وكلّها مذمومة. (٩) إثمها متجدّد لا ينقطع مادام يعمل بها في الأرض. (١٠) من أقرب مداخل الشّيطان للإنسان. (١١) تؤدّي إلى خلط الحقّ بالباطل وحيرة الأغرار في التّمييز بينهما. (١٢) تؤدّي إلى نفرة من ليس له قدم في فهم الإسلام منه لكثرة ما يظنّ من تكاليفه.

стр. 4468

اتباع الهوى الهوى لغة: مصدر قولهم: هوى يهوي، وتدلّ المادّة الّتي اشتقّ منها على «الخلوّ والسّقوط.. ومن ذلك: الهواء بين السّماء والأرض سمّي بذلك لخلوّه، وكلّ خال هواء، قال تعالى: وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ (إبراهيم/ ٤٣) أي خالية لاتعي شيئا، ويقال: هوى الشّيء يهوي أي سقط، والهاوية جهنّم؛ لأنّ الكافر يسقط فيها، والهوّة: الوهدة العميقة، يقول ابن فارس: وهوى النّفس مأخوذ من المعنيين جميعا (أي من الخلوّ والسّقوط) لأنّه خال من كلّ شيء، ويهوي بصاحبه فيما لا ينبغي «١» ، وذهب الرّاغب إلى أنّه مأخوذ من معنى السّقوط فقط فقال: «وقيل سمّي بذلك لأنّه يهوي بصاحبه في الدّنيا إلى كلّ داهية وفى الآخرة إلى الهاوية «٢» ، والهوى، مقصور: هوى النّفس، وجمعه أهواء، وإذا أضفته إليك قلت: هواي وبعض العرب يقول: هويّ، وقولهم: هذا الشّيء أهوى إليّ الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٢٤/ ٨/ ٥٠ من كذا أي أحبّ إليّ، وهوي بالكسر يهوي هوى، أي أحبّ، وهوى بالفتح يهوى هويّا، أي سقط إلى أسفل، وهوى وانهوى بمعنى وتهاوى القوم في المهواة، إذا سقط بعضهم في إثر بعض، واستهواه الشّيطان أي استهامه، قال تعالى كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ.. (الأنعام/ ٧١) أي استغوته وزيّنت له هواه ودعته إليه «٣» وقال ابن منظور: وهوى النّفس: إرادتها، وقيل محبّة الإنسان الشّيء وغلبته على قلبه، قال تعالى: وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوى (النازعات/ ٤٠) معناه: نهاها عن شهواتها وما تدعو إليه من معاصي الله- ، وقيل الهوى: هوى الضّمير، ومتى تكلّم بالهوى مطلقا لم يكن إلّا مذموما، حتّى ينعت بما يخرج معناه عن الذّمّ كقولهم: هوى حسن، وهوى موافق للصّواب «٤» ، وأمّا قول الله تعالى: وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (ص/ ٢٦) فمعناه: ولا تؤثر هواك في قضائك على

стр. 4469

الحقّ والعدل فتجور عن الحقّ؛ فيضلّك ذلك عن سبيل الله، وقيل: لا تقتد بهواك المخالف لأمر الله فيضلّك عن سبيل الله أي عن طريق الجنّة «١» . الهوى اصطلاحا: قال الكفويّ: الهوى: ميل النّفس إلى ما تستلذّه من الشّهوات من غير داعية الشّرع «٢» . وقال المناويّ: وقيل: الهوى: نزوع النّفس لسفل شهواتها لباعث انبساطها ويكون ذلك في مقابلة معتلى الرّوح «٣» . وقال الرّاغب: هو ميل النّفس إلى الشّهوة «٤» . وقال ابن الجوزيّ- رحمه الله تعالى-: ميل الطّبع إلى ما يلائمه «٥» . أهل الأهواء: هم أهل القبلة الّذين لا يكون معتقدهم معتقد أهل السّنّة، وهم الجبريّة والقدريّة والرّوافض والمعطّلة والمشبّهة وكلّ منهم اثنتا عشرة فرقة «٦» . اتباع الهوى اصطلاحا: هو إيثار ميل النّفس إلى الشّهوة والانقياد لها فيما تدعو إليه من معاصي الله- «٧» . اتباع الهوى وأثره على الفرد والمجتمع: إنّ انقياد الإنسان واتّباعه للشّهوة يجعله في مصافّ الحيوانات، ويجلب له الخزي في الدّنيا، والعذاب في الآخرة. يقول الجاحظ: إذا تمكّنت الشّهوة من الإنسان وملكته وانقاد لها كان بالبهائم أشبه منه بالنّاس، لأنّ أغراضه ومطلوباته وهمّته تصير أبدا مصروفة إلى الشّهوات واللّذّات فقط، وهذه هي عادة البهائم، ومن يكون بهذه الصّفة يقلّ حياؤه، ويكثر خرقه، ويستوحش من أهل الفضل، ويبغض أهل العلم، ويودّ أصحاب الفجور، ويستحبّ الفواحش، ويسرّ بمعاشرة السّخفاء، ويغلب عليه الهزل وكثرة اللهو، وقد يصير من هذه الحالة إلى الفجور، وارتكاب الفواحش، والتّعرّض للمحظورات، وربّما دعته محبّة اللّذّات إلى اكتساب الأموال من أقبح وجوهها، وربّما حملته على الغضب والتّلصّص والخيانة وأخذ ما ليس له بحقّ؛ فإنّ اللّذّات لا تتمّ إلّا بالأموال والأعراض، فمحبّ اللّذّة إذا تعذّرت عليه الأموال من وجوهها، جسّرته شهوته إلى اكتسابها من غير وجوهها، ومن تنتهي به شهواته إلى هذا الحدّ، فهو أسوأ النّاس حالا، ويصبح من الأشرار الّذين يخاف خبثهم، ويصير واجبا على متولّي السّياسات تقويمهم وتأديبهم، وإبعادهم ونفيهم، حتّى لا يختلطوا بالنّاس فإنّ

стр. 4470

اختلاط من هذه صفته بالنّاس مضرّة لهم، وبخاصّة الأحداث منهم، لأنّ الحدث (صغير السّنّ) سريع الانطباع، ونفسه مجبولة على الميل إلى الشّهوات، فإذا شاهد غيره مرتكبا لها، مستحسنا للانهماك فيها، مال هو أيضا إلى الاقتداء به «١» . الفرق بين الهوى والشهوة: يقول الإمام الماورديّ: فرق ما بين الهوى والشّهوة، أنّ الهوى مختصّ بالآراء والاعتقادات، والشّهوة مختصّة بنيل المستلذّات فصارت الشّهوة من نتائج الهوى، والهوى أصل وهو أعمّ «٢» . وقال الرّاغب في الفرق بين الهوى والشّهوة، أنّ الشّهوة ضربان: محمودة ومذمومة، فالمحمودة من فعل الله تعالى، والمذمومة من فعل البشر، وهي استجابة النّفس لما فيه لذّاتها البدنيّة، والهوى هو هذه الشّهوة الغالبة إذا استتبعتها الفكرة، وذلك أنّ الفكرة بين العقل والشّهوة، فالعقل فوقها، والشّهوة تحتها، فمتى ارتفعت الفكرة ولّدت المحاسن، وإذا سفلت ولّدت القبائح «٣» . الفرق بين ما يسومه العقل وما يسومه الهوى: يوضّح الرّاغب ذلك فيما يلي: ١- من شأن العقل أن يرى ويختار أبدا الأصلح في العواقب وإن كان في المبدإ على النّفس مشقّة، والهوى على الضّدّ من ذلك، فإنّه يؤثر ما يدفع به المؤذي في الوقت (العاجل) وإن كان يعقبه مضرّة في الآجل، ولذلك قال رسول الله ﷺ «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار بالشّهوات» . ٢- الهوى يري الإنسان ماله دون ما عليه، ويعمّي عليه ما يعقبه من المكروه، أمّا العقل فإنّه يري الإنسان ما له وما عليه، وما يريه العقل يتقوّى إذا فزع فيه المرء إلى الله- بالإستخارة. ٣- العقل يري ما يري بحجّة وعذر، والهوى يري ما يري بشهوة وميل «٤» . الهوى يعمي ويصم: قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: صاحب الهوى يعميه الهوى ويصمّه، فلا يستحضر ما لله ورسوله في الأمر ولا يطلبه أصلا، ولا يرضى لرضا الله ورسوله، ولا يغضب لغضب الله ورسوله، بل يرضى إذا حصّل ما يرضاه بهواه، ويغضب إذا حصّل ما يغضب له بهواه، فليس قصده أن يكون الدّين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العلياء، بل قصده الحميّة لنفسه وطائفته أو الرّياء، ليعظّم هو ويثنى عليه، أو لغرض من الدّنيا فلم يكن لله غضبه، ولم يكن مجاهدا في سبيل الله، بل إنّ أصحاب الهوى يغضبون على من خالفهم وإن كان مجتهدا معذورا لا يغضب الله عليه، ويرضون عمّن يوافقهم، وإن كان جاهلا سيّء القصد، ليس له علم ولا حسن قصد، فيفضي هذا إلى أن يحمدوا من لم يحمده الله ورسوله، ويذمّوا من لم

стр. 4471

يذمّه الله ورسوله، وتصير موالاتهم ومعاداتهم على أهواء أنفسهم لا على دين الله ورسوله «١» . اتباع الهوى ضلال وعلامة من علامات أهل البدع: قال الشّاطبيّ- رحمه الله تعالى-: وهو يذكر علامات أهل البدع، منها: الفرقة الّتي نبّه عليها قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ (الأنعام/ ١٥٩) وقوله وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا (آل عمران/ ١٠٥) فعزا ﵀ إلى بعض المفسّرين: أنّهم صاروا فرقا لاتّباع أهوائهم، وبمفارقة الدّين تشتّتت أهواؤهم فافترقوا ثمّ برّأ الله نبيّه منهم بقوله: لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ. ثمّ ذكر أنّ الصّحابة اختلفوا ولم يتفرّقوا إلى أن قال- رحمه الله تعالى-: فكلّ مسألة حدثت في الإسلام فاختلف النّاس فيها ولم يورث ذلك الاختلاف بينهم عداوة ولا بغضاء ولا فرقة علمنا أنّها من مسائل الإسلام. وكلّ مسألة طرأت فأوجبت العداوة والتّنافر والتّنابز والقطيعة علمنا أنّها ليست من أمر الدّين في شيء قال: فيجب على كلّ ذي دين وعقل أن يجتنبها، فإذا اختلفوا وتقاطعوا كان ذلك لحدث أحدثوه من اتّباع الهوى. وذكر منها أيضا: اتّباع الهوى: وهي الّتي نبّه عليها قوله تعالى فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ (آل عمران/ ٧) وهو الميل عن الحقّ اتّباعا للهوى، وقوله تعالى وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ (القصص/ ٥٠) وقوله أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ (الجاثية/ ٢٣) «٢» . علاج الهوى: يعالج بالعزم القويّ في هجران ما يؤذي، والتّدرّج فيما لا يؤمن أذاه، وهذا يفتقر إلى صبر ومجاهدة، ويهوّن ذلك على المبتلى أمور سبعة هي: ١- التّفكّر في أنّ الإنسان لم يخلق للهوى، وإنّما هيّىء للنّظر في العواقب والعمل للآجل، فلو كان نيل المشتهى فضيلة لما بخس الإنسان- وهو سرف في حظّه- منه وزاد عن حظّ البهائم، وفي توفير حظّ الآدميّ من العقل وبخس حظّه من الهوى دليل على فضل هذا وذاك. ٢- التّفكّر في عواقب الهوى، فكم فوّت من فضيلة، وكم قد أوقع في رذيلة، وكم من زلّة أوجبت انكسار جاه وقبح ذكر مع إثم. غير أنّ صاحب الهوى لا يرى إلّا الهوى. ٣- تصوّر العاقل لانقضاء غرضه من هواه، ثمّ يتصوّر مدى الأذى الّذي يحصل له عقب اللّذّة، فإنّه حينئذ سيرى أنّ ما حصل له من الأذى يربو على الهوى أضعافا مضاعفة. ٤- تصوّر عاقبة ذلك في حقّ غيره؛ فعندئذ

стр. 4472

سيرى ما يعلم به عيب نفسه إن هو وقف في ذلك المقام وارتكس في هذه الآثام. ٥- التّفكّر في حقيقة ما يناله باتّباعه هواه من اللّذّات والشّهوات، فإنّ العقل سيخبره أنّه ليس بشيء، وإنّما عين الهوى عمياء. ٦- التّدبّر لما يحصل له من عزّ الغلبة إن ملك نفسه، وذلّ القهر إن غلبته، فما من أحد غلب هواه إلّا أحسّ بقوّة العزّ، وما من أحد غلبه هواه إلّا وخز في نفسه ذلّ القهر. ٧- التّفكّر في فائدة مخالفة الهوى من اكتساب الذّكر الجميل في الدّنيا، وسلامة النّفس والعرض والأجر في الآخرة، ثمّ يعكس فيتفكّر لو وافق هواه في حصول عكس ذلك على الأبد، من كان يكون يوسف لو نال تلك اللّذّة؟ فلمّا تركها وصبر عنها بمجاهدة ساعة، صار من قد عرفت «١» . [للاستزادة: انظر صفات: الابتداع- الضلال الغرور- الفجور- الفسوق- الردة- الكفر- الأمن من المكر- الإصرار على الذنب- الحكم بغير ما أنزل الله. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاتباع- المحبة- الحكم بما أنزل الله- الهدى- الثبات- الاعتصام- الطاعة] .

стр. 4473

الآيات الواردة في «اتباع الهوى» آيات ورد فيها الهوى في سياق التحذير أو التوبيخ: ١- وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧) «١» ٢- لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ (٧١) «٢» ٣- فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآياتِهِ مُؤْمِنِينَ (١١٨) وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ ما حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيراً لَيُضِلُّونَ بِأَهْوائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩) وَذَرُوا ظاهِرَ الْإِثْمِ وَباطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِما كانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠) وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١) «٣» ٤- وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) ساءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ (١٧٧) «٤» ٥- وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)

стр. 4474

إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤) «١» ٦- قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٩) فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّما يَتَّبِعُونَ أَهْواءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠) «٢» ٧- ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩) «٣» ٨- أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ (٢١) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٢) أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلى بَصَرِهِ غِشاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٢٣) «٤» ٩- أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٤) مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (١٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ماذا قالَ آنِفاً أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ (١٦) وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ (١٧) ١٠- أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) «٥»

стр. 4475

تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣) «١» ١١- اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ (٣) وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنَ الْأَنْباءِ ما فِيهِ مُزْدَجَرٌ (٤) حِكْمَةٌ بالِغَةٌ فَما تُغْنِ النُّذُرُ (٥) «٢» آيات ورد فيها اتباع الهوى في سياق التحذير أو التوجيه: ١٢- وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٢٠) «٣» ١٣- وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ بِكُلِّ آيَةٍ ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥) «٤» ١٤- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥) «٥» ١٥- وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٤٨) وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠) «٦» ١٦- قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ (٧٧)

стр. 4476

لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِياءَ وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٨١) «١» ١٧- قُلْ هَلُمَّ شُهَداءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هذا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠) «٢» ١٨- مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ (٣٥) وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ إِلَيْهِ أَدْعُوا وَإِلَيْهِ مَآبِ (٣٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا واقٍ (٣٧) «٣» ١٩- وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨) «٤» ٢٠- إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى (١٥) فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى (١٦) «٥» ٢١- يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (٢٦) وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨) «٦»

стр. 4477

٢٢- شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣) وَما تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤) فَلِذلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (١٥) وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ (١٦) «١» ٢٣- وَلَقَدْ آتَيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلَى الْعالَمِينَ (١٦) وَآتَيْناهُمْ بَيِّناتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١٧) ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩) هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠) «٢» ٢٤- وَالنَّجْمِ إِذا هَوى (١) ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى (٢) وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) «٣»

стр. 4478

الأحاديث الواردة في ذمّ (اتباع الهوى) ١-* (قال قطبة بن مالك- ﵁: كان النّبيّ ﷺ ، يقول: «اللهمّ إنّي أعوذ بك من منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء» ) * «١» . ٢-* (عن أبي برزة الأسلميّ- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «إنّ ممّا أخشى عليكم شهوات الغيّ في بطونكم وفروجكم ومضلّات الهوى» ) * «٢» . ٣-* (عن أبي أميّة الشّعبانيّ، قال: أتيت أبا ثعلبة الخشنيّ- ﵁ فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية؟ قال: أيّة آية؟ قلت قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة/ ١٠٥) . قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر. حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا. وهوى متّبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودع العوامّ فإنّ من ورائكم أيّاما الصّبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم- قال عبد الله بن المبارك وزادني غير عتبة، قيل: يا رسول الله، أجر خمسين منّا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم» ) * «٣» . ٤-* (عن حذيفة- ﵁ أنّه قال: كنّا عند عمر فقال: أيّكم سمع رسول الله ﷺ يذكر الفتن؟ فقال قوم: نحن سمعناه، فقال: لعلّكم تعنون فتنة الرّجل في أهله وجاره؟ قالوا: أجل «٤» . قال: تلك تكفّرها الصّلاة والصّيام والصّدقة. ولكن أيّكم سمع النّبيّ ﷺ يذكر الفتن الّتى تموج موج البحر؟ قال حذيفة: فأسكت القوم «٥» . فقلت: أنا. قال: أنت؟ لله أبوك «٦» ! قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا «٧» . فأيّ قلب أشربها «٨» نكت فيه نكتة «٩» سوداء. وأيّ قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتّى تصير على قلبين، على أبيض مثل الصّفا. فلا تضرّه فتنة ما دامت السّماوات والأرض، والآخر أسود مربادّ «١٠» كالكوز

стр. 4479

مجخّيّا «١» لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلّا ما أشرب من هواه» . قال حذيفة: وحدّثته أنّ بينك وبينها بابا مغلقا يوشك أن يكسر. قال عمر: أكسرا لا أبالك! فلو أنّه فتح لعلّه كان يعاد. قلت: لا. بل يكسر، وحدّثته أنّ ذلك الباب رجل يقتل أو يموت. حديثا ليس بالأغاليط) * «٢» . ٥-* (عن أنس- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاث كفّارات. وثلاث درجات. وثلاث منجيات. وثلاث مهلكات: أمّا الكفّارات: فإسباغ الوضوء في السّبرات «٣» ، وانتظار الصّلوات بعد الصّلوات، ونقل الأقدام إلى الجمعات، وأمّا الدّرجات: فإطعام الطّعام، وإفشاء السّلام، والصّلاة باللّيل والنّاس نيام، وأمّا المنجيات: فالعدل في الغضب والرّضى، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السّرّ والعلانية، وأمّا المهلكات: فشحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه» ) * «٤» . ٦-* (عن خبّاب بن الأرتّ- ﵁ أنّه قال في معنى قوله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ ... إلى قوله: فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (الأنعام/ ٥٢) قال: جاء الأقرع بن حابس التّميميّ وعيينة بن حصن الفزاريّ، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمّار وخبّاب قاعدا في ناس من الضّعفاء من المؤمنين فلمّا رأوهم حول النّبيّ ﷺ حقروهم فأتوه، فخلوا به، وقالوا: إنّا نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا؛ فإنّ وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هذه الأعبد فإذا نحن جئناك فأقمهم عنك. فإذا نحن فرغنا، فاقعد معهم إن شئت. قال «نعم» قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا. قال، فدعا بصحيفة، ودعا عليّا ليكتب ونحن قعود في ناحية فنزل جبرائيل ﵇ فقال: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ. ثمّ ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال وَكَذلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (الأنعام/ ٥٣) ثمّ قال: وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ (الأنعام/ ٥٤) . قال: فدنونا منه حتّى وضعنا ركبنا على ركبته. وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا. فأنزل الله وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ (الكهف/ ٢٨) (ولا تجالس الأشراف) تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا (يعني

стр. 4480

عيينة والأقرع) وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (الكهف/ ٣٨) (قال: هلاكا) قال: أمر عيينة والأقرع. ثمّ ضرب لهم مثل الرّجلين ومثل الحياة الدّنيا. قال خبّاب: فكنّا نقعد مع النّبيّ ﷺ . فإذا بلغنا السّاعة الّتي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتّى يقوم» ) * «١» . ٧-* (عن معاوية بن أبي سفيان- ﵄ أنّه قال: ألا إنّ رسول الله ﷺ قام فينا فقال: «ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملّة، وإنّ هذه الأمّة ستفترق على ثلاث وسبعين: ثنتان وسبعون في النّار، وواحدة في الجنّة وهي الجماعة، زاد ابن يحيى وعمر في حديثهما: وإنّه سيخرج من أمّتي أقوام تجارى «٢» بهم تلك الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلّا دخله» ) * «٣» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «كلّ ابن آدم أصاب من الزّنا لا محالة، فالعين زناها النّظر، واليد زناها اللّمس، والنّفس تهوى وتحدّث «٤» ، ويصدّق ذلك ويكذّبه الفرج» ) * «٥» . الأحاديث الواردة في ذمّ (اتباع الهوى) معنى انظر: صفة ((الابتداع))

стр. 4481

من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (اتباع الهوى) ١-* (قال عليّ- ﵁: «إنّ أخوف ما أتخوّف عليكم اثنتان: طول الأمل واتّباع الهوى. فأمّا طول الأمل فينسي الآخرة، وأمّا اتّباع الهوى فيصدّ عن الحقّ. ألا وإنّ الدّنيا قد ولّت مدبرة والآخرة مقبلة ولكلّ واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدّنيا، فإنّ اليوم عمل ولا حساب، وغدا حساب ولا عمل» ) * «١» . ٢-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «ما ذكر الله- الهوى في موضع من كتاب إلّا ذمّه» ) * «٢» . ٣-* (قال عبد الله الدّيلميّ- ﵁: «بلغني أنّ أوّل ذهاب الدّين ترك السّنّة، يذهب الدّين سنّة سنّة كما يذهب الحبل قوّة قوّة» ) * «٣» . ٤-* (قال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى-: «الهوى شرّ داء خالط قلبا» ) * «٤» . ٥-* (وقال- رحمه الله تعالى-: لا تجالسوا أصحاب الأهواء، ولا تجادلوهم، ولا تسمعوا منهم» ) * «٥» . ٦-* (وقال- رحمه الله تعالى-: أخذ الله على الحكّام أن لا يتّبعوا الهوى، ولا يخشوا النّاس، ولا يشتروا بآياتي ثمنا قليلا، ثمّ قرأ يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ (ص/ ٢٦) «٦» . ٧-* (وقال أيضا: أفضل الجهاد جهاد الهوى» ) * «٧» . ٨-* (وقال الحسن البصريّ- رحمه الله تعالى- وقد سئل: هل في أهل القبلة شرك؟ فقال: نعم، المنافق مشرك. إنّ المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإنّ المنافق عبد هواه، ثمّ تلا قول الله تعالى أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (الفرقان/ ٤٣) . وقال أيضا-رحمه الله تعالى-- في معنى الآية: «إنّ هذا لا يهوى شيئا إلّا تبعه» ) * «٨» . ٩-* (قال عبد الرّحمن بن مهديّ (وغيره) رحمهم الله تعالى-: «أهل العلم يكتبون ما لهم وما عليهم، وأهل الأهواء لا يكتبون إلّا ما لهم» ) * «٩» . ١٠-* (قال قتادة- رحمه الله تعالى-: «إنّ الرّجل إذا كان كلّما هوي شيئا ركبه، وكلّما اشتهى شيئا

стр. 4482

أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى، فقد اتّخذ إلهه هواه» ) * «١» . ١١-* (قال إبراهيم النّخعيّ- رحمه الله تعالى-: «لا تجالسوا أهل الأهواء، فإنّ مجالستهم تذهب بنور الإيمان من القلوب، وتسلب محاسن الوجوه، وتورث البغضة في قلوب المؤمنين» ) * «٢» . ١٢-* (قال ابن سيرين- رحمه الله تعالى- لرجلين من أصحاب الأهواء وقد دخلا عليه فقالا: يا أبا بكر، نحدّثك بحديث؟ قال: لا. قالا: فنقرأ عليك آية من كتاب الله؟ قال: لا، لتقومانّ عنّي أو لأقومنّ. فخرجا، فقال بعض القوم؟: يا أبا بكر، ما كان عليك أن يقرأ عليك آية من كتاب الله تعالى؟ قال: إنّي خشيت أن يقرآ عليّ آية فيحرّفاها فيقرّ ذلك في قلبي» ) * «٣» . ١٣-* (قال مجاهد- رحمه الله تعالى-: «ما يدرى أيّ النّعمتين عليّ أعظم: أن هداني للإسلام، أو عافاني من هذه الأهواء» ) * «٤» . ١٤-* (قال أبو قلابة- رحمه الله تعالى-: «لا تجالسوا أصحاب الأهواء ولا تجادلوهم، فإنّي لا آمن أن يغمسوكم في ضلالتهم، أو يلبسوا عليكم ما كنتم تعرفون» ) * «٥» . ١٥-* (وقال- رحمه الله تعالى-: «إنّ أهل الأهواء أهل الضّلالة، ولا أرى مصيرهم إلّا النّار، فجرّبهم فليس أحد منهم ينتحل قولا- أو قال حديثا- فيتناهى به الأمر دون السّيف، وإنّ النّفاق كان ضروبا، ثمّ تلا وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ (التوبة/ ٧٥) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ (التوبة/ ٥٨) وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ (التوبة/ ٦١) فاختلف قولهم، واجتمعوا في الشّكّ والتّكذيب، وإنّ هؤلاء اختلف قولهم واجتمعوا في السّيف، ولا أرى مصيرهم إلّا النّار» ) * «٦» . ١٦-* (قال أبو العالية الرّياحيّ: «تعلّموا الإسلام، فإذا تعلّمتموه فلا ترغبوا عنه، وعليكم بالصّراط المستقيم فإنّه الإسلام، ولا تحرّفوا يمينا ولا شمالا، وعليكم بسنّة نبيّكم وما كان عليه أصحابه ... وإيّاكم وهذه الأهواء الّتي تلقي العداوة والبغضاء. فحدّث الحسن بذلك فقال- ﵀: «صدق ونصح» ) * «٧» . ١٧-* (قال الشّعبيّ- رحمه الله تعالى-: «إنّما سمّي الهوى لأنّه يهوي بصاحبه» ) * «٨» . ١٨-* (قال هشام بن عبد الملك- رحمه الله تعالى-:

стр. 4483

إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى ... إلى كلّ ما فيه عليك مقال قال ابن المعتزّ- رحمه الله تعالى-: لم يقل هشام ابن عبد الملك سوى هذا البيت» ) * «١» . ١٩-* (عن عمر بن عبد العزيز- رحمه الله تعالى-: أنّه كان يكتب في كتبه: إنّي أحذّركم ما مالت إليه الأهواء والزّيغ البعيدة» ) * «٢» . ٢٠-* (عن أبي الصّلت، قال: كتب رجل إلى عمر بن عبد العزيز يسأله عن القدر، فكتب: أمّا بعد؛ أوصيك بتقوى الله، والاقتصاد «٣» في أمره، واتّباع سنّة نبيّه ﷺ ، وترك ما أحدث المحدثون بعد ما جرت به سنّته، وكفوا مؤنته «٤» ، فعليك بلزوم السّنّة فإنّها لك- بإذن الله- عصمة، ثمّ اعلم أنّه لم يبتدع النّاس بدعة، إلّا قد مضى قبلها ما هو دليل عليها، أو عبرة فيها؛ فإنّ السّنّة إنّما سنّها من قد علم ما في خلافها من الخطأ، والزّلل، والحمق، والتّعمّق، فارض لنفسك ما رضي به القوم لأنفسهم، فإنّهم على علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا، ولهم على كشف الأمور كانوا أقوى، وبفضل ما كانوا فيه أولى، فإن كان الهدى ما أنتم عليه لقد سبقتموهم إليه. ولئن قلتم: إنّما حدث بعدهم ما أحدثه إلّا من اتّبع غير سبيلهم، ورغب بنفسه عنهم؛ فإنّهم هم السّابقون، فقد تكلّموا فيه بما يكفي، ووصفوا منه ما يشفي، فما دونهم من مقصر، وما فوقهم من محسر، وقد قصّر قوم دونهم فجفوا، وطمح عنهم أقوام فغلوا، وإنّهم بين ذلك لعلى هدى مستقيم. كتبت تسأل عن الإقرار بالقدر فعلى الخبير- بإذن الله- وقعت، ما أعلم ما أحدث النّاس من محدثة، ولا ابتدعوا من بدعة، هي أبين أثرا، ولا أثبت أمرا، من الإقرار بالقدر، لقد كان ذكره في الجاهليّة الجهلاء، يتكلّمون به في كلامهم، وفي شعرهم، يعزّون به أنفسهم على ما فاتهم، ثمّ لم يزده الإسلام بعد إلّا شدّة، ولقد ذكره رسول الله ﷺ في غير حديث ولا حديثين، وقد سمعه منه المسلمون، فتكلّموا به في حياته وبعد وفاته، يقينا وتسليما لربّهم، وتضعيفا لأنفسهم، أن يكون شيء لم يحط به علمه، ولم يحصه كتابه، ولم يمض فيه قدره، وإنّه مع ذلك لفي محكم كتابه: منه اقتبسوه، ومنه تعلّموه. ولئن قلتم: لم أنزل الله آية كذا؟ ولم قال: كذا؟. لقد قرأوا منه ما قرأتم، وعلموا من تأويله ما جهلتم، وقالوا بعد ذلك: كلّه بكتاب وقدر، وكتبت الشّقاوة، وما يقدّر يكن، وما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا نملك لأنفسنا ضرّا ولا نفعا، ثمّ رغبوا بعد ذلك ورهبوا» ) * «٥» .

стр. 4484

٢١-* (قال الأوزاعيّ- رحمه الله تعالى-: «قال إبليس لأوليائه: من أيّ شيء تأتون بني آدم؟ فقالوا: من كلّ شيء. قال: فهل تأتونهم من قبل الاستغفار؟ فقالوا: هيهات، ذاك شيء قرن التّوحيد، قال: لأبثّنّ فيهم شيئا لا يستغفرون الله منه؛ قال: فبثّ فيهم الأهواء» ) * «١» . ٢٢-* (قال يونس بن عبيد- ﵀: «أوصيكم بثلاث: لا تمكّننّ سمعك من صاحب هوى، ولا تخل بامرأة ليست لك بمحرم ولو أن تقرأ عليها القرآن، ولا تدخلنّ على أمير ولو أن تعظه) * «٢» . ٢٣-* (قال أبو عمران الجونيّ- رحمه الله تعالى: «ليت شعري أيّ شيء علم ربّنا من أهل الأهواء حين أوجب لهم النّار» ) * «٣» . ٢٤-* (قال الشّافعيّ- رحمه الله تعالى-: «لأن يلقى الله العبد بكلّ ذنب ما خلا الشّرك خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء» ) * «٤» . ٢٥-* (قال مالك- رحمه الله تعالى-: «لا يؤخذ العلم عن أربعة: سفيه يعلن السّفه، وإن كان أروى النّاس. وصاحب بدعة يدعو إلى هواه. ومن يكذب في حديث النّاس وإن كنت لا أتّهمه في الحديث. وصالح عابد فاضل إذا كان لا يحفظ ما يحدّث به» ) * «٥» . ٢٦-* (وقال- رحمه الله تعالى-: بئس القوم هؤلاء، أهل الأهواء، لا نسلّم عليهم) * «٦» . ٢٧-* (وكان مالك إذا جاءه بعض أهل الأهواء قال: أما إنّي على بيّنة من ديني، وأمّا أنت فشاكّ، اذهب إلى شاكّ مثلك فخاصمه» ) * «٧» . ٢٨-* (قال أبو عثمان النّيسابوريّ: «من أمّر السّنّة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمّر الهوى على نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة. قال الله تعالى: وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا (النور/ ٥٤)) * «٨» . ٢٩-* (قال ذو النّون المصريّ- رحمه الله تعالى-: «إنّما دخل الفساد على الخلق من ستّة أشياء: الأوّل ضعف النّيّة بعمل الآخرة، والثّاني صارت أبدانهم مهيّأة لشهواتهم، والثّالث غلبهم طول الأمل مع قصر الأجل، والرّابع: آثروا رضاء المخلوقين على رضاء الله، والخامس: اتّبعوا أهواءهم ونبذوا سنّة نبيّهم ﷺ ، والسّادس: جعلوا زلّات السّلف حجّة لأنفسهم، ودفنوا أكثر مناقبهم» ) * «٩» . ٣٠-* (سئل أبو حفص الحدّاد- ﵀ عن البدعة فقال: التّعدّي في الأحكام، والتّهاون في السّنن، واتّباع الآراء والأهواء، وترك الاتّباع والاقتداء) * «١٠» .

стр. 4485

٣١-* (قال ابن حبّان- رحمه الله تعالى-: «العقل والهوى متعاديان، فالواجب على المرء أن يكون لرأيه مسعفا ولهواه مسوّفا. فإذا اشتبه عليه أمران اجتنب أقربهما من هواه، لأنّ في مجانبة الهوى إصلاح السّرائر، وبالعقل تصلح الضّمائر» ) * «١» . ٣٢-* (قال الماورديّ- رحمه الله تعالى-: إنّ الهوى والشّهوة يجتمعان في العلّة والمعلول ويتّفقان في الدّلالة والمدلول، لكن الهوى مختصّ بالآراء والاعتقادات، والشّهوة مختصّة بنيل المستلذّات. فصارت الشّهوة من نتائج الهوى، ولذلك فإنّ الهوى عن الخير صادّ، وللعقل مضادّ، لأنّه ينتج من الأخلاق قبائحها، ويظهر من الأفعال فضائحها، ويجعل ستر المروءة مهتوكا، ومدخل الشّرّ مسلوكا. ولمّا كان الهوى غالبا وإلى سبيل المهالك موردا، جعل العقل عليه رقيبا مجاهدا، يلاحظ عثرته، ويدفع بادرة سطوته، ويدفع خداع حيلته، وذلك لأنّ سلطان الهوى قويّ ومدخل مكره خفيّ» ) * «٢» . ٣٣-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى- «أضلّ الضّلّال: هم أتباع الظّنّ والهوى، كما قال الله تعالى في حقّ من ذمّهم إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (النجم/ ٢٣) وقال في حقّ نبيّه ﷺ وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (النجم/ ١- ٤) فنزّهه عن الضّلال والغواية اللّذين هما الجهل والظّلم، فالضّالّ هو الّذي لا يعلم الحقّ، والغاوي الّذي يتّبع هواه، وأخبر (عن نبيّه ﷺ أنّه ما ينطق عن هوى النّفس، بل هو وحي أوحاه الله إليه فوصفه بالعلم ونزّهه عن الهوى» ) * «٣» . ٣٤-* (قال أيضا- رحمه الله تعالى-: «العبادات مبناها على الشّرع والاتّباع، لا على الهوى والابتداع، فإنّ الإسلام مبنيّ على أصلين: أحدهما: أن نعبد الله وحده لا شريك له، والثّاني: أن نعبده بما شرعه على لسان رسوله ﷺ لا نعبده بالأهواء والبدع، فليس لأحد أن يعبد الله إلّا بما شرعه رسوله ﷺ من واجب ومستحبّ، لا أن نعبده بالأمور المبتدعة» ) * «٤» . ٣٥-* (قال ابن رجب- رحمه الله تعالى-: «إنّ جميع المعاصي تنشأ من تقديم هوى النّفوس على محبّة الله ورسوله وقد وصف الله المشركين باتّباع الهوى في مواضع من كتابه، وكذلك البدع تنشأ من تقديم الهوى على الشّرع ولهذا يسمّى أهلها أهل الأهواء، ومن كان حبّه وبغضه وعطاؤه ومنعه لهوى نفسه كان ذلك نقصا في إيمانه الواجب، فيجب عليه حينئذ التّوبة من ذلك، والرّجوع إلى اتّباع ما جاء به الرّسول ﷺ من تقديم محبّة الله ورسوله وما فيه رضا الله ورسوله على هوى النّفس ومراداتها كلّها» ) * «٥» . ٣٦-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- في
следующие страницы →