← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.

стр. 5391

من مضار (سوء الظن) (١) يؤدّي إلى غضب الله وسخطه. (٢) دليل على فساد النّيّة، وسوء الطّويّة. (٣) خلق من أخلاق المنافقين. (٤) يولّد الشّحناء والبغضاء بين النّاس. (٥) مفتاح للعواقب الوخيمة، والأعمال السّيّئة. (٦) يورث الذّلّ والهوان على الله ثمّ على النّاس. (٧) دليل ضعف الإيمان. (٨) دليل على عدم الثّقة بالنّفس.

стр. 5392

سوء المعاملة سوء المعاملة لغة: هو الاسم من قولهم: ساء يسوء، والمصدر السّوء (بفتح السّين) والمساءة، والمسائية، وكلّ ذلك مأخوذ من مادّة (س وأ) الّتي تدلّ على القبح، وعلى خلاف السّرور «١» ، تقول: رجل أسوأ أي قبيح، وامرأة سوآء أي قبيحة، قال ابن فارس: لذلك سمّيت السّيّئة سيّئة، وسمّيت النّار سوءى لقبح منظرها، وأساء إليه: نقيض أحسن إليه، وقولهم: ما أنكرك من سوء: أي لم يكن إنكاري إيّاك من سوء رأيته بك، إنّما هو لقلّة المعرفة، والسّوأة: العورة، والفاحشة والسّوأة السّوآء: الخلّة القبيحة، والسّوء: قد يراد به الهزيمة والشّرّ كما في قراءة من قرأ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ (الفتح ٦) أمّا من قرأ بالفتح فهو من المساءة، وسوء المعاملة: نقيض حسن المعاملة «٢» . السوء اصطلاحا: هو كلّ ما يغمّ الإنسان من أمور الدّارين من الأحوال النّفسيّة والبدنيّة والخارجيّة من فوات مال، وفقد حبيب ونحوهما «٣» . الآيات/ الأحاديث/ الآثار / ٣١/ ٦ المعاملة في اللغة: المعاملة في اللّغة مصدر قولهم: عاملت الرّجل أعامله معاملة، وتدلّ الصّيغة (فاعل) هنا على المشاركة، أي إنّ الحدث المقصود قد اشترك فيه طرفان وذلك كما في البيع والشّراء والإجارة ونحو ذلك، يقال: عاملته معاملة، وأصل ذلك من مادّة (ع م ل) الّتي تدلّ على كلّ فعل يفعل، وقال الرّاغب: العمل كلّ فعل يكون من الحيوان بقصد، فهو أخصّ من الفعل لأنّ الفعل قد ينسب إلى الحيوانات، وهو يقع منها بغير قصد، وقد ينسب إلى الجمادات، والعمل قلّما ينسب إلى ذلك «٤» . المعاملة اصطلاحا: قال التّهانويّ: المعاملة عند الفقهاء عبارة عن العقد على العمل ببعض الخارج (أي النّاتج عنها) ، وتطلق أيضا على الأحكام الشّرعيّة المتعلّقة بأمر الدّنيا باعتبار بقاء الشّخص كالبيع والشّراء والإجارة ونحوها «٥» .

стр. 5393

شمولية معنى المعاملة: إنّ المعاملة المقصودة هنا أعمّ ممّا يطلق عليه أبواب المعاملات في الفقه الإسلاميّ كالبيع والإجارة ونحوهما وإنّما تشمل إلي جانب ذلك ما يطلق عليه الأحكام العمليّة في الشّريعة الإسلاميّة وتشمل هذه الأحكام. يقول الدّكتور النّبهان: تشمل الأحكام العمليّة الأحكام المتعلّقة بحياة الإنسان، معاملاته وعلاقاته مع الآخرين، كما تشمل كلّ الأحكام المتعلّقة بالأسرة، والمعاملات الماليّة والمدنيّة والمنازعات والعقوبات وما يتعلّق بالحكم أو بالدّولة سواء فيما يخصّ العلاقة بين الحاكم والمحكوم، أو بين الدّولة والدّول الأخرى «١» ، ونقول: إنّ المعاملة الّتي ينبغي عدم الإساءة فيها تمتدّ إلى معاملة الإنسان نفسه ومعاملته للحيوانات وغيرها ممّا يحيط به في بيئته الّتي يعيش فيها. سوء المعاملة اصطلاحا: أن يفعل الإنسان ما من شأنه أن يغمّ أو يؤذي غيره في المعاملات الشّرعيّة من بيع وإجارة ونحوهما، أو المعاملات السّلوكيّة والأخلاقيّة المتعلّقة بالنّفس أو الغير في إطار الأسرة والمجتمع والبيئة «٢» . أنواع سوء المعاملة: لسوء المعاملة أنواع عديدة يمكن تلخيصها في نوعين: الأوّل: الإساءة القوليّة وتحتها فروع «٣» . الثّاني: الإساءة الفعليّة وتحتها فروع «٤» . وقد فصّل القول في ذلك في صفة الإساءة ممّا أغنى عن إعادته هنا. [للاستزادة: انظر صفات: الأذى- الإساءة- الاستهزاء- التحقير- السخرية- اتباع الهوى- سوء الخلق- السفاهة. وفي ضد ذلك: انظر صفات: حسن المعاملة البشاشة- حسن الخلق- الشفقة- طلاقة الوجه- تكريم الإنسان- الإحسان- الأدب] . الآيات الواردة في (سوء المعاملة) معنى انظر الآيات الواردة في صفة ((الإساءة))

стр. 5394

الأحاديث الواردة في ذمّ (سوء المعاملة) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رجلا قال: يا رسول الله، إنّ لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إليّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليّ «١» . فقال ﷺ : «لئن كنت كما قلت فكأنّما تسفّهم الملّ «٢» ، ولا يزال معك من الله ظهير «٣» عليهم مادمت على ذلك» ) * «٤» . ٢-* (عن عبد الرّحمن بن أبي بكرة عن أبيه ﵄ أنّ رجلا قال: يا رسول الله، أيّ النّاس خير؟ قال: «من طال عمره وحسن عمله» قال: فأيّ النّاس شرّ؟ قال: «من طال عمره وساء عمله» ) * «٥» . الأحاديث الواردة في ذمّ (سوء المعاملة) معنى ٣-* (عن أبي أمامة- ﵁ قال: أتت النّبيّ ﷺ امرأة معها صبيّان لها. قد حملت أحدهما وهي تقود الآخر. فقال رسول الله ﷺ : «حاملات «٦» ، والدات، رحيمات. لولا ما يأتين إلى أزواجهنّ «٧» ، دخل مصلّياتهنّ الجنّة» ) * «٨» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا دعا الرّجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجأ لعنتها الملائكة حتّى تصبح» ) * «٩» . ٥-* (عن عبد الله بن جعفر- ﵄ قال: أردفني رسول الله ﷺ خلفه ذات يوم فأسرّ إليّ حديثا لا أحدّث به أحدا من النّاس- وكان أحبّ ما استتر به رسول الله ﷺ لحاجته، هدفا أو حائش نخل- قال: فدخل حائطا لرجل من الأنصار فإذا جمل، فلمّا رأى النّبيّ ﷺ حنّ وذرفت عيناه فأتاه النّبيّ ﷺ فمسح ذفراه «١٠» فسكت، فقال: «من ربّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟» فجاء فتى من الأنصار

стр. 5395

فقال: لي، يا رسول الله. فقال: «أفلا تتّقي الله في هذه البهيمة الّتي ملّكك الله إيّاها، فإنّه شكا إليّ أنّك تجيعه وتدئبه «١» » ) * «٢» . ٦-* (عن عائشة- ﵂ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ أبغض الرّجال إلى الله الألدّ الخصم» ) * «٣» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رجلا تقاضى «٤» رسول الله ﷺ فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فقال: «دعوه، فإنّ لصاحب الحقّ مقالا، واشتروا له بعيرا فأعطوه إيّاه» . وقالوا: لا نجد إلّا أفضل من سنّه، قال: «اشتروه فأعطوه إيّاه؛ فإنّ خيركم أحسنكم قضاء» ) * «٥» . ٨-* (عن عبد الله بن الزّبير- ﵄ عن أبيه، أنّه حدّثه: أنّ رجلا من الأنصار خاصم الزّبير عند النّبيّ ﷺ في شراج «٦» الحرّة الّتي يسقون بها النّخل، فقال الأنصاريّ: سرّح «٧» الماء يمرّ. فأبى عليه. فاختصما عند النّبيّ ﷺ فقال رسول الله ﷺ للزّبير: «اسق يا زبير: ثمّ أرسل الماء إلى جارك» . فغضب الأنصاريّ فقال: أن كان ابن عمّتك! فتلوّن وجه رسول الله ﷺ ، ثمّ قال: «اسق يا زبير، ثمّ احبس الماء حتّى يرجع إلى الجدر «٨» . فقال الزّبير: والله إنّي لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك: فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ (النساء: ٦٥)) * «٩» . ٩-* (عن أمّ سلمة- ﵂ زوج النّبيّ ﷺ أنّ رسول الله ﷺ سمع خصومة بباب حجرته، فخرج إليهم فقال: «إنّما أنا بشر، وإنّه يأتيني الخصم فلعلّ بعضكم أن يكون أبلغ من بعض فأحسب أنّه صادق فأقضي له بذلك، فمن قضيت له بحقّ مسلم فإنّما هي قطعة من النّار فليأخذها أو ليتركها» ) * «١٠» . ١٠-* (عن النّعمان بن بشير- ﵄ أنّ أباه أتى به رسول الله ﷺ فقال: إنّي نحلت ابني هذا غلاما كان لي، فقال رسول الله ﷺ : «أكلّ ولدك نحلته مثل هذا؟» فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : «فأرجعه» . وفي رواية: فقال رسول الله ﷺ : «أفعلت هذا بولدك كلّهم؟» قال: لا، قال: «اتّقوا الله واعدلوا في أولادكم» فرجع أبي فردّ تلك الصّدقة) * «١١» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن

стр. 5396

النّبيّ ﷺ قال: «بينما رجل راكب على بقرة التفتت إليه فقالت: لم أخلق لهذا. خلقت للحراثة. قال: آمنت به أنا وأبو بكر وعمر. وأخذ الذّئب شاة فتبعها الرّاعي، فقال له الذّئب: من لها يوم السّبع «١» ، يوم لا راعي لها غيري؟ قال: آمنت به أنا وأبو بكر وعمر» قال أبو سلمة: وما هما يومئذ في القوم) * «٢» . ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «ثلاثة لا يكلّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم: رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها أكثر ممّا أعطي وهو كاذب، ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها مال رجل مسلم، ورجل منع فضل مائه فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك» ) * «٣» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكّيهم ولهم عذاب أليم: رجل كان له فضل ماء بالطّريق فمنعه من ابن السّبيل، ورجل بايع إمامه لا يبايعه إلّا لدنيا: فإن أعطاه منها رضي، وإن لم يعطه منها سخط. ورجل أقام سلعته بعد العصر فقال: والله الّذي لا إله غيره لقد أعطيت بها كذا وكذا، فصدّقه رجل. ثمّ قرأ هذه الآية إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا (آل عمران: ٧٧)) * «٤» . ١٤-* (عن عائشة- ﵂ قالت: جلس إحدى عشرة امرأة فتعاهدن وتعاقدن أن لا يكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا. قالت الأولى: زوجي لحم جمل غثّ «٥» . على رأس جبل، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. قالت الثّانية: زوجي لا أبثّ خبره «٦» إنّي أخاف أن لا أذره، إن أذكره أذكر عجره وبجره «٧» . قالت الثّالثة: زوجي العشنّق «٨» . إن أنطق أطلّق، وإن أسكت أعلّق. قالت الرّابعة: زوجي كليل تهامة «٩» لا حرّ ولا قرّ ولا مخافة ولا سآمة. قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد «١٠» وإن

стр. 5397

خرج أسد، ولا يسأل عمّا عهد. قالت السّادسة: زوجي إن أكل لفّ «١» وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التفّ، ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ. قالت السّابعة: زوجي غياياء أو عياياء «٢» طباقاء، كلّ داء له داء، شجّك «٣» أو فلّك أو جمع كلّا لك. قالت الثّامنة: زوجي الرّيح ريح زرنب «٤» والمسّ مسّ أرنب. قالت التّاسعة: زوجي رفيع العماد «٥» طويل النّجاد، عظيم الرّماد، قريب البيت من النّاد. قالت العاشرة: زوجي مالك. وما مالك «٦» ؟ مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك، قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر «٧» أيقنّ أنّهنّ هوالك. قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع. فما أبو زرع؟ أناس من حليّ أذنيّ «٨» ، وملأ من شحم عضديّ، وبجّحني فبجحت إليّ نفسي «٩» . وجدني في أهل غنيمة بشقّ، فجعلني في أهل صهيل وأطيط، ودائس ومنقّ «١٠» ، فعنده أقول فلا أقبّح، وأرقد فأتصبّح، وأشرب فأتقنّح. أمّ أبي زرع. فما أمّ أبي زرع؟ عكومها رداح «١١» وبيتها فساح. ابن أبي زرع. فما ابن أبي زرع؟ مضجعه كمسلّ

стр. 5398

شطبة «١» ويشبعه ذراع الجفرة «٢» . بنت أبي زرع. فما بنت أبي زرع؟ طوع أبيها، وطوع أمّها، وملء كسائها، وغيظ جارتها. جارية أبي زرع. فما جارية أبي زرع؟ لا تبثّ حديثنا تبثيثا «٣» ولا تنقّث ميرتنا تنقيثا «٤» . ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت: خرج أبو زرع- والأوطاب تمخض- فلقي امرأة معها ولدان لها كالفهدين يلعبان من تحت خصرها برمّانتين، فطلّقني ونكحها، فنكحت بعده رجلا سريّا، ركب شريّا، وأخذ خطّيّا، وأراح عليّ نعما ثريا، وأعطاني من كلّ رائحة زوجا، وقال: كلي أمّ زرع، وميري أهلك، قالت: فلو جمعت كلّ شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع. قالت عائشة: قال لي رسول الله ﷺ : «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» ) * «٥» . ١٥-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ أنّه قال: خسفت الشّمس على عهد رسول الله ﷺ فصلّى رسول الله ﷺ والنّاس معه، فقام قياما طويلا، نحوا من سورة البقرة، ثمّ ركع ركوعا طويلا، ثمّ رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع ركوعا طويلا وهو دون الرّكوع الأوّل، ثمّ رفع، ثمّ سجد، ثمّ قام، فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع ركوعا طويلا وهو دون الرّكوع الأوّل، ثمّ رفع فقام قياما طويلا وهو دون القيام الأوّل، ثمّ ركع ركوعا طويلا وهو دون الرّكوع الأوّل، ثمّ رفع، ثمّ سجد، ثمّ انصرف وقد تجلّت الشّمس فقال: «إنّ الشّمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته. فإذا رأيتم ذلك فاذكروا الله» قالوا: يا رسول الله، رأيناك تناولت شيئا في مقامك هذا، ثمّ رأيناك تكعكعت، فقال: «إنّي رأيت الجنّة أو أريت الجنّة، فتناولت منها عنقودا، ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدّنيا. ورأيت النّار فلم أر كاليوم منظرا قطّ، ورأيت أكثر أهلها النّساء» . قالوا: لم يا رسول الله؟ قال: «بكفرهنّ» . قيل: يكفرن بالله؟ قال: «يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان. لو أحسنت إلى إحداهنّ الدّهر ثمّ رأت منك شيئا قالت: ما رأيت منك خيرا قطّ» ) * «٦» . ١٦-* (عن المعرور بن سويد قال: رأيت أبا ذرّ الغفاريّ- ﵁ وعليه حلّة وعلى غلامه حلّة فسألناه عن ذلك فقال: إنّي ساببت رجلا فشكاني إلى النّبيّ ﷺ فقال لي النّبيّ ﷺ : «أعيّرته بأمّه؟» ثمّ

стр. 5399

قال: «إنّ إخوانكم خولكم «١» . جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه ممّا يأكل، وليلبسه ممّا يلبس، ولا تكلّفوهم ما يغلبهم، فإن كلّفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم» ) * «٢» . ١٧-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «عذّبت امرأة في هرّة حبستها حتّى ماتت جوعا، فدخلت فيها النّار، قال: فقالوا- والله أعلم-: لا أنت أطعمتها ولا سقيتها حين حبستها، ولا أنت أرسلتها فأكلت من خشاش الأرض» ) * «٣» . ١٨-* (عن أبي مسعود البدريّ- ﵁ قال: كنت أضرب غلاما لي بالسّوط، فسمعت صوتا من خلفي: «اعلم أبا مسعود» فلم أفهم الصّوت من الغضب، فلمّا دنا منّي إذا هو رسول الله ﷺ فإذا هو يقول: «اعلم أبا مسعود. اعلم أبا مسعود» قال: فألقيت السّوط من يدي فقال: «اعلم أبا مسعود، أنّ الله أقدر عليك منك على هذا الغلام» قال: فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا. وفي رواية: فقلت: يا رسول الله، هو حرّ لوجه الله. فقال: «أما لو لم تفعل للفحتك النّار «٤» ، أو لمسّتك النّار» ) * «٥» . ١٩-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: كنت أمشي مع النّبيّ ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية- فأدركه أعرابيّ فجذبه جذبة شديدة حتّى نظرت إلى صفحة عاتق النّبيّ ﷺ قد أثّرت به حاشية الرّداء من شدّة جذبته، ثمّ قال: مر لي من مال الله الّذي عندك. فالتفت إليه فضحك ثمّ أمر له بعطاء) * «٦» . ٢٠-* (عن إياس بن عبد الله بن أبي ذباب- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تضربوا إماء الله» فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: ذئرن النّساء «٧» على أزواجهنّ، فرخّص في ضربهنّ فأطاف بآل رسول الله ﷺ نساء كثير يشكون أزواجهنّ، فقال النّبيّ ﷺ : «لقد طاف «٨» بآل محمّد نساء كثير يشكون أزواجهنّ. ليس أولئك بخياركم» ) * «٩» . ٢١-* (عن معاذ بن جبل- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا تؤذي امرأة زوجها في الدّنيا إلّا قالت زوجته من الحور العين: لا تؤذيه- قاتلك

стр. 5400

الله- فإنّما هو عندك دخيل «١» يوشك «٢» أن يفارقك إلينا» ) * «٣» . ٢٢-* (عن عبد الله بن زمعة- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ثمّ يجامعها في آخر اليوم» ) * «٤» . ٢٣-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يحلبنّ أحد ماشية امرىء بغير إذنه. أيحبّ أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر خزانته فينتقل طعامه؟ فإنّما تخزن لهم ضروع ماشيتهم أطعماتهم «٥» ، فلا يحلبنّ أحد ماشية أحد إلّا بإذنه» ) * «٦» . ٢٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يفرك «٧» مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر» أو قال: «غيره» ) * «٨» . ٢٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره» . ثمّ يقول أبو هريرة: مالي أراكم عنها معرضين؟ والله لأرمينّ بها بين أكتافكم) * «٩» . ٢٦-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: لم أزل حريصا أن أسأل عمر عن المرأتين من أزواج النّبيّ ﷺ اللّتين قال الله تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (التحريم/ ٤) . حتّى حجّ عمر وحججت معه. فلمّا كنّا ببعض الطّريق عدل عمر وعدلت معه بالإداوة فتبرّز، ثمّ أتاني فسكبت على يديه فتوضّأ. فقلت: يا أمير المؤمنين، من المرأتان من أزواج النّبيّ ﷺ اللّتان قال الله- لهما: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (التحريم/ ٤) ؟ قال عمر: وا عجبا لك يابن عبّاس (قال الزّهريّ: كره والله ما سأله عنه ولم يكتمه) قال: هي حفصة وعائشة. ثمّ أخذ يسوق الحديث. قال: كنّا، معشر قريش، قوما نغلب النّساء. فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم. قال: وكان منزلي في بني أميّة بن زيد، بالعوالي «١٠» . فتغضّبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فو الله إنّ أزواج النّبيّ ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل. فانطلقت فدخلت على حفصة فقلت: أتراجعين رسول الله ﷺ ؟ فقالت: نعم. فقلت: أتهجره إحداكنّ اليوم إلى اللّيل؟ قالت: نعم. قلت: قد خاب من فعل ذلك منكنّ وخسر. أفتأمن إحداكنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ ؟ فإذا هي قد هلكت. لا تراجعي رسول الله ﷺ

стр. 5401

ولا تسأليه شيئا وسليني ما بدا لك، ولا يغرّنّك أن كانت جارتك «١» هي أوسم «٢» وأحبّ إلى رسول الله ﷺ منك (يريد عائشة) . قال:- وكان لي جار من الأنصار- فكنّا نتناوب النّزول «٣» إلى رسول الله ﷺ فينزل يوما وأنزل يوما، فيأتيني بخبر الوحي وغيره وآتيه بمثل ذلك، وكنّا نتحدّث أنّ غسّان تنعل الخيل «٤» لتغزونا. فنزل صاحبي. ثمّ أتاني عشاء فضرب بابي. ثمّ ناداني فخرجت إليه فقال: حدث أمر عظيم. قلت: ماذا؟ أجاءت غسّان؟ قال: لا. بل أعظم من ذلك وأطول. طلّق النّبيّ ﷺ نساءه. فقلت: قد خابت حفصة وخسرت. قد كنت أظنّ هذا كائنا حتّى إذا صلّيت الصّبح شددت عليّ ثيابي، ثمّ نزلت فدخلت على حفصة وهي تبكي، فقلت: أطلّقكنّ رسول الله ﷺ ؟ فقالت: لا أدري. ها هو ذا معتزل في هذه المشربة. فأتيت غلاما له أسود. فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثمّ خرج إليّ فقال: قد ذكرتك له فصمت، فانطلقت حتّى انتهيت إلى المنبر فجلست فإذا عنده رهط جلوس يبكي بعضهم، فجلست قليلا ثمّ غلبني ما أجد، ثمّ أتيت الغلام فقلت: استأذن لعمر. فدخل ثمّ خرج إليّ؟ فقال: قد ذكرتك له فصمت. فولّيت مدبرا فإذا الغلام يدعوني. فقال: ادخل فقد أذن لك. فدخلت فسلّمت على رسول الله ﷺ فإذا هو متّكيء على رمل حصير «٥» . قد أثّر في جنبه. فقلت: أطلّقت يا رسول الله نساءك؟ فرفع رأسه إليّ وقال: «لا» فقلت: الله أكبر. لو رأيتنا يا رسول الله- وكنّا معشر قريش قوما نغلب النّساء- فلمّا قدمنا المدينة وجدنا قوما تغلبهم نساؤهم، فطفق نساؤنا يتعلّمن من نسائهم فتغضّبت يوما على امرأتي فإذا هي تراجعني، فأنكرت أن تراجعني. فقالت: ما تنكر أن أراجعك؟ فو الله إنّ أزواج النّبيّ ﷺ ليراجعنه، وتهجره إحداهنّ اليوم إلى اللّيل. فقلت: قد خاب من فعل ذلك منهنّ وخسر. أفتأمن إحداهنّ أن يغضب الله عليها لغضب رسوله ﷺ . فإذا هي قد هلكت؟ فتبسّم رسول الله ﷺ . فقلت: يا رسول الله، قد دخلت على حفصة فقلت: لا يغرّنّك أن كانت جارتك هي أوسم منك وأحبّ إلى رسول الله ﷺ منك. فتبسّم أخرى فقلت: أستأنس «٦» يا رسول الله؟ قال: «نعم» فجلست. فرفعت رأسي في البيت فو الله ما رأيت فيه شيئا يردّ البصر إلّا أهبا ثلاثة «٧» . فقلت: ادع الله يا رسول الله أن يوسّع على أمّتك؛ فقد وسّع على فارس والرّوم- وهم لا يعبدون الله- فاستوى جالسا ثمّ قال: «أفي شكّ أنت يابن الخطّاب؟ أولئك

стр. 5402

قوم عجّلت لهم طيّباتهم في الحياة الدّنيا» . فقلت: استغفر لي يا رسول الله وكان أقسم أن لا يدخل عليهنّ شهرا من شدّة موجدته «١» عليهنّ. حتّى عاتبه الله- ) * «٢» . ٢٧-* (عن سهل بن الحنظليّة- ﵁ قال: مرّ رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه فقال: «اتّقوا الله في هذه البهائم المعجمة فاركبوها صالحة، وكلوها صالحة» ) * «٣» . ٢٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «مطل الغنيّ ظلم» ) * «٤» . ٢٩-* (عن عبد الله- ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «من حلف على يمين يقتطع بها مال امرىء مسلم هو عليها فاجر لقي الله وهو عليه غضبان، فأنزل الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا ... الآية» فجاء الأشعث فقال: ما حدّثكم أبو عبد الرّحمن؟ فيّ أنزلت هذه الآية. كانت لي بئر في أرض ابن عمّ لي فقال لي: شهودك. قلت: ما لي شهود. قال: فيمينه. قلت يا رسول الله إذا يحلف. فذكر النّبيّ ﷺ هذا الحديث. فأنزل الله ذلك تصديقا له) * «٥» . ٣٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقّه مائل» ) * «٦» . ٣١-* (عن معاوية بن حيدة القشيريّ- ﵁ قال: قلت يا رسول الله، ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح «٧» ، ولا تهجر إلّا في البيت» ) * «٨» . من الآثار وأقوال العلماء الواردة في ذمّ (سوء المعاملة) ١-* (قال داود- ﵇ «المرأة السّوء على بعلها كالحمل الثّقيل على الشّيخ الكبير، والمرأة الصّالحة كالتّاج المرصّع بالذّهب كلّما راها قرّت عينه برؤيتها» ) * «٩» . ٢-* (عن خبّاب- ﵁ قال: «كنت قينا في الجاهليّة وكان لي على العاص بن وائل دراهم فأتيته أتقاضاه فقال: لا أقضيك حتّى تكفر بمحمّد. فقلت: لا، والله لا أكفر بمحمّد ﷺ حتّى يميتك الله، ثمّ يبعثك. قال: فدعني حتّى أموت ثمّ أبعث فأوتى مالا وولدا ثمّ أقضيك. فنزلت:

стр. 5403

أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً الآية» ) * «١» . ٣-* (عن رافع بن خديج- ﵁ قال: «كنّا أكثر أهل المدينة مزدرعا. كنّا نكري الأرض بالنّاحية منها مسمّى لسيّد الأرض. قال: فممّا يصاب ذلك وتسلم الأرض، وممّا يصاب الأرض ويسلم ذلك. فنهينا. وأمّا الذّهب والورق فلم يكن يومئذ» ) * «٢» . ٤* (عن هشام بن حكيم بن حزام- ﵄ قال مرّ بالشّام على أناس من الأنباط «٣» وقد أقيموا في الشّمس، وصبّ على رؤوسهم الزّيت- فقال: ما هذا؟ قيل يعذّبون في الخراج «٤» ، وفي رواية: حبسوا في الجزية «٥» . فقال هشام: أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله يعذّب الّذين يعذّبون النّاس في الدّنيا» فدخل على الأمير فحدّثه، فأمر بهم فخلّوا) * «٦» . ٥-* (قال بعضهم في سوء المعاشرة: لقد كنت محتاجا إلى موت زوجتي ... ولكن قرين السّوء باق معمّر فياليتها صارت إلى القبر عاجلا ... وعذّبها فيه نكير ومنكر «٧» . ٦-* (قال بعضهم: لا يغرّنك من المرء قميص رقعه ... أوجبين لاح فيه أثر قد قلعه أو إزار فوق كعب السّاق منه رفعه ... ولدى الدّرهم فانظر غيّه أو ورعه «٨» . من مضار (سوء المعاملة) (١) تسبّب سخط الرّبّ . (٢) من يسيء المعاملة مع إنسان أو حيوان يلقى الله بما عمل. (٣) سوء المعاملة بين النّاس هدم للمجتمع وضياع للأمّة. (٤) شرّ النّاس من طال عمره وساء عمله. (٥) سيّىء المعاملة يحارب نفسه بنفسه حيث يلفظه المجتمع ويزدريه. (٦) يسبّب إيذاء الآخرين والإضرار بهم. (٧) تنزع البركة من العمر والرّزق. (٨) تترك ذكرى خبيثة لصاحبها.

стр. 5404

[حرف الشين] الشح الشح لغة: هو الاسم من قولهم: شحّ يشحّ شحّا، وشحّا، والضّمّ أعلى، وهو مأخوذ من مادّة (ش ح ح) الّتي تدلّ على المنع، قال ابن فارس: الأصل فيه المنع، ثمّ يكون منعا مع حرص، يقال: تشاحّ الرّجلان على الأمر، إذا أراد كلّ واحد منهما الفوز به ومنعه من صاحبه، وقال الرّاغب: الشّحّ: بخل مع حرص وذلك فيما يكون عادة، قال تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر/ ٩) قيل في تفسيرها: الشّحّ أن تأكل مال أخيك بغير حقّه، وقيل: من وقي شحّ نفسه فلم يأخذ من الحرام شيئا، ولم يقربه ولم يحبس من الحلال شيئا فهو من المفلحين «١» ، وقال القرطبيّ: المراد بالشّحّ في الآية: الشّحّ بالزّكاة وما ليس بفرض من صلة ذوي الأرحام والضّيافة وما شاكل ذلك، فليس بشحيح ولا بخيل من أنفق في ذلك، وإن أمسك عن نفسه، ومن وسّع على نفسه ولم ينفق فيما ذكر من الزّكوات والطّاعات فلم يوق شحّ نفسه، وقيل: الشّحّ: أن يشحّ بما في أيدي النّاس، يحبّ أن يكون له ما في أيديهم بالحلّ والحرام، لا يقنع «٢» . الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٤/ ١٦/ ١٢ وقال الجوهريّ: يقال: شححت بالكسر تشحّ، وشححت (بالفتح) تشحّ وتشحّ، ورجل شحيح، وشحاح من قوم أشحّة وأشحّاء وشحاح، والشّحاح (بالفتح) الشّحيح، ويقال أيضا: أرض شحاح: لا تسيل إلّا من مطر كثير، والزّند الشّحاح: الّذي لا يوري. وقال ابن الأثير: وفيه (أي الحديث) «إيّاكم والشّحّ» الشّحّ: أشدّ البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص، وقيل: الشّحّ يكون بالمال والمعروف، وفي الحديث: «بريء من الشّحّ من أدّى الزّكاة، وقرى الضّيف وأعطى في النّائبة» . وقال ابن منظور: الشّحّ: حرص النّفس على ما ملكت وبخلها به، وما جاء في التّنزيل من الشّحّ فهذا معناه «٣» ، وقول الله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ (النساء/ ١٢٨) قال القرطبيّ: الشّحّ هنا: هو شحّ المرأة بالنّفقة من مال زوجها وبقسمه لها أموالها. وقال ابن زيد: الشّحّ هنا منه ومنها إذ الغالب على المرأة الشّحّ بنفسها من زوجها، والغالب على الزّوج الشّحّ بنصيبه من الشّابّة «٤» .

стр. 5405

الشح اصطلاحا: قال الرّاغب: الشّحّ بخل مع حرص، وذلك فيما كان عادة «١» . وقال الكفويّ: الشّحّ: هو الحالة النّفسيّة الّتي تقتضي منع الإنسان ما في يده «٢» أو في يد غيره. وقال ابن رجب- رحمه الله تعالى-: هو تشوّق النّفس إلى ما حرّم الله ومنع منه، وعدم قناعة الإنسان بما أحلّه الله له من مال أو فرج أو غيرهما «٣» . أو هو: تناول ما ليس للإنسان ظلما وعدوانا من مال أو غيره «٤» . الفرق بين الشح والبخل: قال القرطبيّ: قال طاوس: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشّحّ أن يشحّ بما في أيدي النّاس، يحبّ أن يكون له ما في أيديهم بالحلّ والحرام «٥» . وقال ابن منظور: الشّحّ أشدّ البخل، وقيل البخل في أفراد الأمور وآحادها، والشّحّ عامّ، وقيل البخل بالمال، والشّحّ بالمال والمعروف «٦» وقال أبو هلال: الشّحّ: الحرص على منع الخير، والبخل: منع الحقّ فلا يقال لمن يؤدّي حقوق الله بخيل «٧» . وقال ابن القيّم- رحمه الله تعالى- الفرق بين الشّحّ والبخل أنّ الشّحّ هو شدّة الحرص على الشّيء والإحفاء في طلبه والاستقصاء في تحصيله وجشع النّفس عليه، والبخل: منع إنفاقه بعد حصوله وحبّه وإمساكه، فهو شحيح قبل حصوله بخيل بعد حصوله، فالبخل ثمرة الشّحّ، والشّحّ يدعو إلى البخل، والشّحّ كامن في النّفس، فمن بخل فقد أطاع شحّه، ومن لم يبخل فقد عصى شحّه ووقي شرّه، وذلك هو المفلح. قال الله تعالى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر/ ٩) «٨» . حكم الشح: عدّ ابن حجر شحّ الدّائن على مدينه المعسر مع علمه بإعساره بالملازمة أو الحبس من الكبائر بدليل أنّ النّبيّ ﷺ خرج إلى المسجد وهو يقول هكذا- وأومأ أبو عبد الرّحمن بيده إلى الأرض-: «من أنظر معسرا أو وضع عنه- أي حطّ عنه دينه أو بعضه بالبراءة منه- وقاه الله من فيح جهنّم» . وبقوله أيضا: «من نفّس عن مسلم كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة. ومن يسّر على معسر في الدّنيا يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة، ومن ستر على مسلم في الدّنيا ستر الله عليه في الدّنيا والآخرة، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» . وما ذكره من أنّ فعل الدّائن بمدينه كبيرة ظاهر جدّا وإن لم يصرّحوا به، إلّا أنّه داخل في إيذاء المسلم

стр. 5406

الشّديد الّذي لا يطاق عادة، ومفهوم الحديثين الأوّلين: أنّ من لم ينظر مدينة المعسر لا يوقى فيح جهنّم، وذلك وعيد شديد، وبه يتأكّد عدّ ذلك كبيرة «١» . ولم يذكر الذّهبيّ من الكبائر الشّحّ، وهو الظّاهر والله أعلم. [للاستزادة: انظر صفات: البخل- اتباع الهوى- الأثرة- الكنز. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإنفاق- الإيثار- البر- السخاء- الجود- الصدقة- الكرم- الإحسان- صلة الرحم- بر الوالدين] .

стр. 5407

الآيات الواردة في «الشح» ١- وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠) «١» ٢-* قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠) «٢» ٣- ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (٧) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١٠) «٣» ٤- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْواجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٦) «٤»

стр. 5408

الأحاديث الواردة في ذمّ (الشح) ١-* (عن أبي أميّة الشّعبانيّ، قال: أتيت أبا ثعلبة الخشنيّ، فقلت له: كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أيّ آية؟ قلت: قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ (المائدة/ ١٠٥) قال: أما والله لقد سألت عنها خبيرا، سألت عنها رسول الله ﷺ قال: «بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتّى إذا رأيت شحّا مطاعا، وهوى متّبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كلّ ذي رأي برأيه، فعليك بخاصّة نفسك، ودع العوامّ، فإنّ من ورائكم أيّاما الصّبر فيهنّ مثل القبض على الجمر، للعامل فيهنّ مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم» قال ابن المبارك: وزادني غير عتبة: قيل يا رسول الله، أجر خمسين منّا أو منهم؟ قال: «بل أجر خمسين منكم» ) * «١» . ٢-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّ رسول الله ﷺ : «اتّقوا الظّلم؛ فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، واتّقوا الشّحّ؛ فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم. حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم» ) * «٢» . ٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «اجتنبوا السّبع الموبقات» . قيل: يا رسول الله، وما هي؟ قال: «الشّرك بالله والشّحّ، وقتل النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، وأكل الرّبا، وأكل مال اليتيم، والتّولّي يوم الزّحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات» ) * «٣» . ٤-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إيّاكم والشّحّ، فإنّه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظّلم فظلموا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وإيّاكم والظّلم؛ فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، وإيّاكم والفحش؛ فإنّ الله لا يحبّ الفحش ولا التّفحّش» قال: فقام إليه رجل فقال: يا رسول الله، أيّ المسلمين أفضل؟ قال: «من سلم المسلمون من لسانه ويده» قال: فقام هو أو آخر فقال: يا رسول الله، أيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه» قال أبي، وقال يزيد بن هارون فى حديثه: ثمّ ناداه هو أو غيره فقال: يا رسول الله، أيّ الهجرة أفضل؟ قال: «أن تهجر ما كره ربّك، وهما هجرتان: هجرة للبادي،

стр. 5409

وهجرة للحاضر، فأمّا هجرة البادي فيطيع إذا أمر، ويجيب إذا دعي، وأمّا هجرة الحاضر فهي أشدّهما بليّة وأعظمهما أجرا» ) * «١» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، أيّ الصدقة أعظم أجرا؟ قال: «أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتّى إذا بلغت الحلقوم «٢» قلت: لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان» ) * «٣» . ٦-* (عن أنس بن مالك- ﵁ عن النّبيّ ﷺ : أنّه قال: «ثلاث كفّارات، وثلاث درجات، وثلاث منجيات، وثلاث مهلكات، فأمّا الكفّارات: فإسباغ الوضوء في السّبرات «٤» ، وانتظار الصّلوات بعد الصّلوات، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وأمّا الدّرجات: فإطعام الطّعام، وإفشاء السّلام، والصّلاة باللّيل والنّاس نيام، وأمّا المنجيات: فالعدل في الغضب والرّضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السّرّ والعلانية، وأمّا المهلكات: فشحّ مطاع، وهوى متّبع، وإعجاب المرء بنفسه» ) * «٥» . ٧-* (عن عائشة- ﵂ قالت: قالت هند أمّ معاوية لرسول الله ﷺ : إنّ أبا سفيان رجل شحيح، فهل عليّ جناح «٦» أن آخذ من ماله سرّا؟ قال: «خذي أنت وبنوك ما يكفيك بالمعروف» ) * «٧» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «شرّ ما في رجل شحّ هالع وجبن خالع» ) * «٨» . ٩-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رجلا أتى النّبيّ ﷺ فبعث إلى نسائه، فقلن: ما معنا إلّا الماء، فقال رسول الله ﷺ : «من يضمّ أو يضيف هذا؟» فقال رجل من الأنصار: أنا، فانطلق به إلى امرأته فقال: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ . فقالت: ما عندنا إلّا قوت صبياني. فقال: هيّئي طعامك، وأصبحي سراجك «٩» ، ونوّمي صبيانك إذا أرادوا

стр. 5410

عشاء. فهيّأت طعامها، وأصبحت سراجها، ونوّمت صبيانها، ثمّ قامت كأنّها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنّهما يأكلان، فباتا طاويين، فلمّا أصبح غدا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: «ضحك الله اللّيلة- أو عجب- من فعالكما. فأنزل الله وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر/ ٩) » ) * «١» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنّم في جوف عبد أبدا، ولا يجتمع الشّحّ والإيمان في قلب عبد أبدا» ) * «٢» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يتقارب الزّمان، وينقص العمل «٣» ، ويلقى الشّحّ، ويكثر الهرج» قالوا: وما الهرج؟ قال: «القتل، القتل» ) * «٤» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الشح) معنى ١٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلّا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكا تلفا» ) * «٥» . ١٣-* (عن بريدة الأسلميّ- ﵁ قال: قال النّبيّ ﷺ : «ما نقض قوم العهد قطّ إلّا كان القتل بينهم، وما ظهرت فاحشة في قوم قطّ إلّا سلّط الله- عليهم الموت، ولا منع قوم الزّكاة إلّا حبس الله عنهم القطر» ) * «٦» . ١٤-* (عن أبي أمامة الباهليّ- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «يا ابن آدم، إنّك أن تبذل الفضل خير لك. وأن تمسكه شرّ لك. ولا تلام

стр. 5411

على كفاف، وابدأ بمن تعول. واليد العليا خير من اليد السّفلى» ) * «١» . ١٥-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين، خمس إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ، حتّى يعلنوا بها، إلّا فشا فيهم الطّاعون والأوجاع الّتي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا. ولم ينقصوا المكيال والميزان، إلّا أخذوا بالسّنين وشدّة المئونة وجور السّلطان عليهم. ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلّا منعوا القطر من السّماء، ولولا البهائم لم يمطروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلّا سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا ممّا أنزل الله، إلّا جعل الله بأسهم بينهم» ) * «٢» . ١٦-* (عن عبد الله بن الشّخّير- ﵁ قال: أتيت النّبيّ ﷺ وهو يقرأ أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (التكاثر/ ١) قال: «يقول ابن آدم: مالي. مالي. قال: وهل لك يا ابن آدم من مالك إلّا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدّقت فأمضيت» ) * «٣» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الشح) ١-* (قال قطبة بن أوس الغطفانيّ الجاهليّ: إنّا نعفّ فلا نريب حليفنا ... ونكفّ شحّ نفوسنا في المطمع «٤» ٢-* (قال ابن مسعود- ﵁ الشّحّ: منع الزّكاة، وإدخال الحرام) * «٥» . ٣-* (وقال أيضا- ﵁ لرجل: البخل: أن تمنع ما تقدر عليه. والشّحّ: أن تأخذ مال أخيك بغير حقّه) * «٦» . ٤-* (قال ابن عمر- ﵄ (لرجل قال له: إنّي شحيح) : إن كان شحّك لا يحملك على أن تأخذ ما ليس لك فليس بشحّك بأس) * «٧» . ٥-* (وقال أيضا- ﵁ لجلسائه يوما: أيّهما أشدّ: البخل أو الشّحّ؟ فاختلفوا،

стр. 5412

فقال لهم: الشّحّ أشدّ من البخل لأنّ الشّحيح يشحّ على ما فى يديه فيحبسه، ويشحّ على ما فى أيدي النّاس حتّى يأخذه. وأمّا البخيل فهو يبخل على ما فى يديه) * «١» . ٦-* (دخل الحسن البصريّ على عبد الله بن الأهتم يعوده فى مرضه، فرآه يصوّب بصره فى صندوق فى بيته ويصعّده، ثمّ قال: أبا سعيد، ما تقول فى مائة ألف فى هذا الصّندوق، لم أؤدّ منها زكاة، ولم أصل منها رحما؟ قال: ثكلتك أمّك، ولمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزّمان، وجفوة السّلطان، ومكاثرة العشيرة. ثمّ مات، فشهده الحسن فلمّا فرغ من دفنه. قال: انظروا إلى هذا المسكين. أتاه شيطانه فحذّره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشيرته، عمّا رزقه الله إيّاه وغمره فيه. انظروا كيف خرج منها مسلوبا محروبا. ثمّ التفت إلى الوارث فقال: أيّها الوارث، لا تخدعنّ كما خدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا المال حلالا فلا يكوننّ عليك وبالا، أتاك عفوا صفوا ممّن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، ومن حقّ منعه، قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، لم تكدح فيه بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين. إنّ يوم القيامة يوم ذو حسرات، وإنّ من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك فيالها عثرة لا تقال، وتوبة لا تنال) * «٢» . ٧-* (قال الخطّابيّ- رحمه الله تعالى-: الشّحّ من البخل، وكأنّ الشّحّ جنس، والبخل نوع، وأكثر ما يقال: البخل في أفراد الأمور، والشّحّ عامّ كالوصف اللّازم وما هو من قبل الطّبع) * «٣» . ٨-* (قال ابن عقيل- رحمه الله تعالى-: البخل: يورث التّمسّك بالموجود، والمنع من إخراجه لألم يجده عند تصوّر قلّة ما حصل وعدم الظّفر بخلفه، والشّحّ يفوّت النّفس كلّ لذّة، ويجرّعها كلّ غصّة) * «٤» . ٩-* (قال محمود الورّاق- رحمه الله تعالى-: تمتّع بمالك قبل الممات ... وإلّا فلا مال إن أنت متّا شقيت به ثم خلّفته ... لغيرك بعدا وسحقا ومقتا فجاد عليك بزور البكا ... وجدت له بالّذي قد جمعتا وأعطيته كلّ ما في يديك ... فخلّاك رهنا بما قد كسبتا ) * «٥» . ١٠-* (أنشد ابن الأعرابيّ- رحمه الله تعالى-: لسانك معسول ونفسك شحّة ... وعند الثّريّا من صديقكما لكا وأنت امرؤ خلط إذا هي أرسلت ... يمينك شيئا أمسكته شمالكا ) * «٦» .

стр. 5413

١١-* (قال الأزهريّ- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (الحشر/ ٩) : إنّ من أخرج زكاته، وعفّ عن المال الّذي لا يحلّ له، فقد وقي شحّ نفسه) * «١» . ١٢-* (قال ابن رجب- رحمه الله تعالى-: إنّ الله تعالى- أحلّ لنا الطّيّبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرّم تناول هذه الأشياء من غير وجوه حلّها، وأباح لنا دماء الكفّار والمحاربين وأموالهم، وحرّم علينا ما عدا ذلك من الخبائث من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرّم علينا أخذ الأموال وسفك الدّماء بغير حقّها. فمن اقتصر على ما أبيح له فهو مؤمن، ومن تعدّى ذلك إلى ما منع منه فهو الشّحّ المذموم، وهو مناف للإيمان، وقد قيل: إنّه رأس المعاصي كلّها) * «٢» . من مضار (الشح) ١- يورث قطيعة الرّحم وانفصام عرى المحبّة. ٢- من أسباب الظّلم والبغي والعدوان وسفك الدّماء. ٣- بغض النّاس للشّحيح وبعدهم عن شرّه. ٤- يجرّىء على المعاصي وفعل السّيّئات. ٥- ينافي الإيمان ويغضب الرّحمن. ٦- من أسباب هلاك الخلق. ٧- من أعظم الموبقات الّتي أمر الشّارع باجتنابها. ٨- الشّحيح محروم، والمنفق مرزوق. ٩- يستوجب عذاب الله.

стр. 5414

شرب الخمر شرب الخمر لغة: الشّرب مصدر قولهم: شرب الماء ونحوه شربا. يقول ابن فارس: الشّين والرّاء والباء أصل واحد منقاس مطّرد، وهو الشّرب المعروف، ثمّ يحمل عليه ما يقاربه مجازا وتشبيها، تقول: شربت الماء شربا. وهو المصدر، والشّرب الاسم، والشّرب أيضا: القوم الّذين يشربون، والشّرب الحظّ من الماء، والمشربة: الموضع الّذي يشرب منه النّاس، والشّريب: الّذي يشاربك، وقولهم: أشربتني مالم أشرب: أي ادّعيت عليّ شربه، وهذا مثل يقال لمن ادّعي عليه ما لم يفعله، ويقال: ماء مشروب وشريب، إذا صلح أن يشرب، وأشرب فلان حبّ فلان: إذا خالط قلبه، وقال الجوهريّ: يقال: شرب الماء شربا وشربا وشربا، وقد قرىء بالثّلاثة قوله تعالى: فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (الواقعة/ ٥٥) ، قال أبو عبيدة: الشّرب- بالفتح- مصدر، وبالرّفع والخفض اسمان من شرب، والتّشراب الشّرب، والشّربة: المرّة الواحدة من الشّرب، والشّرّيب: المولع بالشّراب، وتقول: شرّب مالي وأكّله أي أطعمه النّاس وسقاهم به. وقال ابن منظور: الشّراب: ما شرب من أيّ الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٣/ ٣٣/ ٢٨ نوع كان، وعلى أيّ حال كان، ورجل شارب، وشروب، وشرّاب، وشرّيب، أي مولع بالشّراب، وقيل: الشّرّيب المولع بالشّراب، والشّرّاب الكثير الشّرب، ورجل شروب: شديد الشّرب، وفي الحديث: «من شرب الخمر في الدّنيا لم يشربها في الآخرة» «١» . الخمر لغة: الخمر اسم للشّراب المعروف وهو مأخوذ من مادّة (خ م ر) الّتي تدلّ على التّغطية والمخالطة في ستر، قال الخليل: واختمارها: إدراكها وغليانها، ومخمّرها: متّخذها، وخمرتها ما غشي المخمور من الخمار والسّكر في قلبه. وقال الرّاغب: أصل الخمر ستر الشّيء، يقال لما يستتر به: خمار، وأخمرت العجين جعلت فيه الخمير، وسمّيت الخمر بذلك لكونها مخامرة للعقل أي مخالطة له. والخمار: الدّاء العارض من الخمر، وجعل بناؤه بناء الأدواء كالزّكام والسّعال، وخمرة الطّيب ريحه، وقال الجوهريّ: يقال خمرة صرف (خالصة) وجمعها خمر وخمور مثل تمرة وتمر وتمور، قيل: سمّيت

стр. 5415

خمرا لأنّها تركت فاختمرت، واختمارها تغيّر ريحها، وقولهم: ما عند فلان خلّ ولا خمر، ما عنده خير ولا شرّ، وخمرة النّبيذ والطّيب، ما يجعل فيه من الخمر والدّرديّ، والتّخمير: التّغطية، والمخامرة: المخالطة، وخامر الرّجل المكان: لزمه، واستخمر فلان فلانا: استعبده، ومنه حديث معاذ: من استخمر قوما؟ أي أخذهم قهرا وتملّك عليهم وذلك في لغة أهل اليمن، وقال ابن منظور: يقال خامر الشّيء: قاربه وخالطه. ويقال خمّر وجهه. وخمّر إناءك. أي غطّه. والأعرف في الخمر التّأنيث فيقال: خمرة صرف، وقد يذكّر، وتجمع على خمور وسمّيت الخمر خمرا لمخامرتها العقل. وروى الأصمعيّ عن معمر بن سليمان، قال: لقيت أعرابيّا فقلت: ما معك؟ قال: خمر. والخمر ما خمّر العقل (أي غطّاه) ويقال: خمر الرّجل والدّابة يخمره خمرا أي سقاه خمرا. والمخمّر: متّخذ الخمر. والخمّار بائعها، ويقال: هذا عنب خمريّ، أي يصلح للخمر، ولون خمريّ: أي يشبه لون الخمر. وأمّا خمرتها وخمارها، فهو ما خلّط من سكرها ويقال المراد: ما أصابك من ألمها وصداعها وأذاها، كما يطلق الخمار على بقيّة السّكر كما يقال: رجل مخمور أي به خمار، ورجل خمّير أي شرّيب للخمر دائما «١» . الخمر اصطلاحا: قال الرّاغب: الخمر: اسم لكلّ مسكر وعند بعضهم: اسم للمتّخذ من العنب والتّمر، لما روي عنه ﷺ : «الخمر من هاتين الشّجرتين: النّخلة والعنبة» ومنهم من جعلها اسما لغير المطبوخ، ثمّ اختلف في كمّيّة الطّبخ الّتي تسقط عن المطبوخ اسم الخمر «٢» . وقال الكفويّ: الخمر: كلّ شراب مغطّ للعقل، سواء أكان عصيرا أو نقيعا مطبوخا أو نيّئا «٣» . شرب الخمر اصطلاحا: يقصد بشرب الخمر: تناول أيّ نوع من المسكرات على أيّ هيئة كان، مطبوخا أو نيّئا، عصيرا أو منقوعا، قليلا أو كثيرا «٤» . حكم شرب الخمر: عدّ الذّهبيّ وابن حجر شرب الخمر من الكبائر. وألحق الذّهبيّ بذلك شرب الحشيشة، وهي ما صنع من ورق القنّب، وذلك من جهة أنّها تفسد العقل والمزاج حتّى يصير في الرّجل تخنّث ودياثة وغير ذلك من الفساد، والخمر أخبث من جهة أنّها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة وكلاهما يصدّ عن الصّلاة وعن

стр. 5416

ذكر الله «١» . وجعل ابن حجر الهيتميّ: شرب الخمر مطلقا والمسكر من غيرها ولو قطرة، وكذلك عصر المسكر، وحمله وطلب حمله، وطلب سقيه وبيعه وشراؤه وطلب أحدهما، وأكل ثمنه. كلّ ذلك من الكبائر. وذكر عددا كبيرا من الآيات والأحاديث والآثار الدّالّة على ذلك، ثمّ حكى الإجماع على شرب الخمر ولو قطرة وكذلك المسكر من غيرها «٢» . تجنب الخمر يسمو بالأخلاق ويعين على العفة: قال الجاحظ: أكثر ما يجب على (المتطلّع إلى السموّ) تجنّب السّكر، لأنّ السّكر من الشّراب يثير النّفس الشّهوانيّة ويقوّيها ويحملها على التّهتّك، وارتكاب الفواحش والمجاهرة بها، وذلك أنّ الإنسان إنّما يرتدع عن القبائح بالعقل والتّمييز، فإذا سكر عدم ذلك الّذي كان يردعه عن الفعل القبيح، فلا يبالي أن يرتكب كلّ ما كان يتجنّب في صحوه، فأولى الأشياء لمن طلب العفّة هجر الشّراب بالجملة، ويتجنّب مجالس المجاهرين بالشّراب والسّكر والخلاعة، ولا يظنّنّ أنّه إذا حضر تلك المجالس، واقتصر على اليسير من الشّراب لم يستضرّ به، فإنّ هذا أغلظ، وذلك أنّ من يحضر مجالس الشّراب ليس تنقاد له نفسه إلى القناعة بيسير الشّراب بل إن حضر مجالس الشّرب وكان في غاية العفّة تاركا للشّرب متمتّعا بالورع حملته شهوته على التّشبّه بأهل المجلس وتاقت نفسه إلى التّهتّك وما أكثر من فعل وتهتّك بعد السّتر والصّيانة فشرّ الأحوال لمن طلب العفّة حضور مجالس الشّراب ومخالطة أهلها والاستكثار من معاشرتهم «٣» . [للاستزادة: انظر صفات: اتباع الهوى- الإسراف- انتهاك الحرمات- التبذير- الطيش- العصيان- الميسر- الإعراض- التفريط والإفراط- الغي والإغواء- الفسوق- الفجور- الضلال- العصيان. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الاستقامة- تعظيم الحرمات- قوة الإرادة- الطاعة- الإيمان- الإسلام- الهدى- الخوف- التقوى- الخشية- العزم والعزيمة] .

стр. 5417

الآيات الواردة في النهي عن «شرب الخمر» ١-* يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما وَيَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠) «١» ٢- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١) «٢» الآيات الواردة في النهي عن «شرب الخمر» معنى ٣- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضى أَوْ عَلى سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً (٤٣) «٣»

стр. 5418

الأحاديث الواردة في ذم (شرب الخمر) ١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: علمت أنّ رسول الله ﷺ كان يصوم فتحيّنت فطره بنبيذ صنعتة في دبّاء «١» ثمّ أتيته به فإذا هو ينشّ «٢» فقال: «اضرب بهذا الحائط، فإنّ هذا شراب من لا يؤمن بالله واليوم الآخر» ) * «٣» . ٢-* (عن عمر بن الخطّاب- ﵁ لمّا نزل تحريم الخمر، قال عمر: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت الآية الّتي في البقرة يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ (الآية/ ٢١٩) ، قال: فدعي عمر فقرئت عليه، قال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت الآية الّتي في النّساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى (آية/ ٤٣) فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقيمت الصّلاة ينادي: ألا لا يقربنّ الصّلاة سكران، فدعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شفاء، فنزلت هذه الآية فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (المائدة/ ٩١) قال عمر: انتهينا) * «٤» . ٣-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: «أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلّا بالحقّ، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تشربوا مسكرا. فمن فعل من ذلك شيئا فأقيم عليه حدّه فهو كفّارة، ومن ستر الله عليه فحسابه على الله- ومن لم يفعل من ذلك شيئا ضمنت له على الله الجنّة» ) * «٥» . ٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: أتي النّبيّ ﷺ برجل قد شرب، قال: «اضربوه» ، فمنّا الضّارب بيده، والضّارب بنعله والضّارب بثوبه، فلمّا انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، قال: «لا تقولوا هكذا، لا تعينوا عليه الشّيطان» ) * «٦» . ٥-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ الله حرّم الخمر وثمنها، وحرّم الميتة وثمنها، وحرّم الخنزير وثمنه» ) * «٧» . ٦-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكّة: «إنّ الله ورسوله حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام» . فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة،

стр. 5419

فإنّه يطلى بها السّفن، ويدهن بها الجلود ويستصبح بها النّاس؟. فقال: لا، هو حرام، ثمّ قال رسول الله ﷺ عند ذلك: قاتل الله اليهود، إنّ الله- لمّا حرّم عليهم شحومها أجملوه «١» ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه» ) * «٢» . ٧-* (عن وائل الحضرميّ: أنّ طارق بن سويد الجعفيّ- ﵁ سأل النّبيّ ﷺ عن الخمر، فنهاه أو كره أن يصنعها. فقال: إنّما أصنعها للدّواء، فقال: «إنّه ليس بدواء لكنّه داء» ) * «٣» . ٨-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ ضرب في الخمر بالجريد والنّعال، وجلد أبو بكر أربعين) * «٤» . ٩-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ أنّه قال: إنّ رجلا قدم من جيشان- وجيشان من اليمن- فسأل النّبيّ ﷺ عن شراب يشربونه بأرضهم من الذّرة يقال له: المزر؟ فقال النّبيّ ﷺ : «أو مسكر هو؟» . قال: نعم. قال رسول الله ﷺ : «كل مسكر حرام» . إنّ على الله- عهدا، لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال» . قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عرق أهل النّار، أو عصارة أهل النّار» ) * «٥» . ١٠-* (عن أبي هريرة- ﵁: أنّ رسول الله ﷺ أتي ليلة أسري به بإيلياء بقد حين من خمر ولبن، فنظر إليهما ثمّ أخذ اللّبن فقال جبريل: الحمد لله الّذي هداك للفطرة، ولو أخذت الخمر غوت أمّتك) * «٦» . ١١-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ قال: لمّا بعثه رسول الله ومعاذ بن جبل، قال لهما: «يسّرا ولا تعسّرا، وبشّرا ولا تنفّرا، وتطاوعا» . قال أبو موسى: يا رسول الله، إنّا بأرض يصنع فيها شراب من العسل يقال له البتع «٧» وشراب من الشّعير يقال له المزر «٨» . فقال رسول الله ﷺ : «كلّ مسكر حرام» ) * «٩» . ١٢-* (عن أنس- ﵁ قال: سمعت من رسول الله ﷺ حديثا لا يحدّثكم به غيري، قال: «من أشراط السّاعة أن يظهر الجهل، ويقلّ العلم، ويظهر الزّنا، وتشرب الخمر، ويقلّ الرّجال، وتكثر النّساء حتّى يكون لخمسين امرأة قيّمهنّ رجل واحد» ) * «١٠» . ١٣-* (عن عائشة ﵂ قالت: سئل رسول الله ﷺ عن البتع. فقال: «كلّ شراب

стр. 5420

أسكر فهو حرام» ) * «١» . ١٤-* (عن عليّ- ﵁ أنّه قال: كانت لي شارف «٢» من نصيبي من المغنم، يوم بدر. وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفا من الخمس يومئذ. فلمّا أردت أن أبتني بفاطمة «٣» ، بنت رسول الله ﷺ ، واعدت رجلا صوّاغا من بني قينقاع يرتحل معي. فنأتي بإذخر «٤» أردت أن أبيعه من الصّوّاغين. فأستعين به في وليمة عرسي. فبينا أنا أجمع لشارفيّ متاعا من الأقتاب «٥» والغرائر «٦» والحبال. وشارفاي مناخان «٧» إلى جنب حجرة رجل من الأنصار. وجمعت حين جمعت ما جمعت. فإذا شارفاي قد اجتبّت «٨» أسنمتهما، وبقرت خواصرهما، وأخذ من أكبادهما. فلم أملك عينيّ حين رأيت ذلك المنظر منهما. قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبد المطّلب. وهو في هذا البيت في شرب «٩» من الأنصار. غنّته قينة وأصحابه. فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشّرف النّواء فقام حمزة بالسّيف. فاجتبّ أسنمتهما، وبقر خواصرهما. فأخذ من أكبادهما. قال عليّ: فانطلقت حتّى أدخل على رسول الله ﷺ وعنده زيد بن حارثة. قال: فعرف رسول الله ﷺ في وجهي الّذي لقيت. فقال رسول الله ﷺ : «مالك؟ قلت: يا رسول الله والله ما رأيت كاليوم قطّ. عدا حمزة على ناقتيّ فاجتبّ أسنمتهما وبقر خواصرهما. وها هو ذا في بيت معه شرب. قال فدعا رسول الله ﷺ بردائه فارتداه. ثمّ انطلق يمشي. واتّبعته أنا وزيد بن حارثة. حتّى جاء الباب الّذي فيه حمزة. فاستأذن، فأذنوا له. فإذا هم شرب فطفق «١٠» رسول الله ﷺ يلوم حمزة فيما فعل. فإذا حمزة محمرّة عيناه. فنظر حمزة إلى رسول الله ﷺ ، ثمّ صعّد النّظر إلى ركبتيه. ثمّ صعّد النّظر فنظر إلى سرّته. ثمّ صعّد النّظر فنظر إلى وجهه. فقال حمزة: وهل أنتم إلّا عبيد لأبي؟ فعرف رسول الله ﷺ أنّه ثمل «١١» . فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى. وخرج وخرجنا معه) * «١٢» . ١٥-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «كلّ مسكر خمر، وكلّ مسكر حرام. ومن شرب الخمر في الدّنيا فمات وهو يدمنها، لم يتب، لم يشربها في الآخرة» ) * «١٣» .

стр. 5421

١٦-* (عن أنس- ﵁ أنّه قال: كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، «١» فأمر رسول الله ﷺ ، مناديا ينادي: ألا إنّ الخمر قد حرّمت. قال: فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فخرجت فهرقتها، فجرت في سكك المدينة، فقال بعض القوم: قد قتل قوم وهي في بطونهم فأنزل الله لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا (المائدة/ ٩٣ الآية) * «٢» . ١٧-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «لعن الله الخمر، وشاربها، وساقيها، وبائعها، ومبتاعها، وعاصرها، ومعتصرها، وحاملها، والمحمولة إليه» ) * «٣» . ١٨-* (عن أبي عامر أو أبي مالك الأشعريّ- ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمّتي أقوام يستحلّون الحر «٤» والحرير والخمر والمعازف، ولينزلنّ أقوام إلى جنب علم «٥» يروح عليهم بسارحة «٦» لهم يأتيهم- يعني الفقير- لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدا، فيبيّتهم الله «٧» ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» ) * «٨» . ١٩-* (قال أنس بن مالك- ﵁ ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الّذي تسمّونه الفضيخ، فإنّي لقائم أسقي أبا طلحة وفلانا وفلانا إذ جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرّمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس. فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرّجل) * «٩» . ٢٠-* (عن أنس- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من ترك الخمر وهو يقدر عليه لأسقينّه منه في حظيرة القدس، ومن ترك الحرير وهو يقدر عليه لأكسونّه إيّاه في حظيرة القدس «١٠» » ) * «١١» . ٢١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من زنى وشرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه» ) * «١٢» . ٢٢-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من شرب الخمر لم يقبل

стр. 5422

الله له صلاة أربعين صباحا. فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرّابعة لم يقبل الله له صلاة أربعين صباحا، فإن تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال» قيل، يا أبا عبد الرّحمن، وما نهر الخبال؟ قال: نهر من صديد أهل النّار) * «١» . ٢٣-* (عن جابر- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يشرب عليها الخمر) * «٢» . ٢٤-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «من مات من أمّتي وهو يشرب الخمر حرّم الله عليه شربها في الجنّة، ومن مات من أمّتي وهو يتحلّى الذّهب حرّم الله عليه لباسه في الجنّة» ) * «٣» . ٢٥-* (عن أبي الدّرداء- ﵁ أنّه قال: أوصاني خليلي ﷺ : «لا تشرب الخمر، فإنّها مفتاح كلّ شرّ» ) * «٤» . ٢٦-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ عن النّبيّ ﷺ : «لا يدخل الجنّة عاقّ، ولا مدمن خمر، ولا منّان، ولا ولد زنية» ) * «٥» . ٢٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا يزني الزّاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السّارق حين يسرق وهو مؤمن» ) * «٦» . ٢٨-* (عن ابن عمرو- ﵄ عن النّبيّ ﷺ قال: «من ترك الصّلاة سكرا مرّة واحدة فكأنّما كانت له الدّنيا وما عليها فسلبها، ومن ترك الصّلاة أربع مرّات سكرا كان حقّا على الله أن يسقيه من طينة الخبال» قيل: وما طينة الخبال؟ قال: «عصارة أهل جهنّم» ) * «٧» . ٢٩-* (عن أمّ سلمة- ﵂ أنّها

стр. 5423

قالت: نهى رسول الله ﷺ عن كلّ مسكر ومفتّر «١» ) * «٢» . ٣٠-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ أنّ نبيّ الله ﷺ ، نهى عن الخمر والميسر والكوبة «٣» والغبيراء «٤» ، وقال: «كلّ مسكر حرام» ) «٥» . ٣١-* (عن أنس بن مالك- ﵁ أنّه قال: «سئل النّبيّ ﷺ : أيتّخذ الخمر خلّا؟ قال: «لا» ) * «٦» . ٣٢-* (عن ديلم الحميريّ- ﵁ أنّه قال: سألت رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله، إنّا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا، وإنّا نتّخذ شرابا من هذا القمح نتقوّى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا؟ قال: «هل يسكر؟» قلت: نعم، قال: «فاجتنبوه» . قال: قلت: فإنّ النّاس غير تاركيه، قال: «فإن لم يتركوه فقاتلوهم» ) * «٧» . ٣٣-* (عن عقبة بن الحارث- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ أتي بنعيمان أو ابن نعيمان وهو سكران، فشقّ عليه وأمر من في البيت أن يضربوه، فضربوه بالجريد والنّعال وكنت فيمن ضربه» ) * «٨» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذم (شرب الخمر) ١-* (عن ابن عمر- ﵄ قال سمعت عمر- ﵁ على منبر النّبيّ ﷺ يقول: أمّا بعد أيّها النّاس، إنّه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة: من العنب والتّمر والعسل والحنطة والشّعير، والخمر ما خامر العقل» ) * «٩» . ٢-* (قال ابن عبّاس- ﵄ بلغ عمر أنّ سمرة باع خمرا فقال: قاتل الله سمرة، ألم يعلم أنّ رسول الله ﷺ قال: «لعن الله اليهود، حرّمت عليهم الشّحوم فجملوها «١٠» فباعوها» ) * «١١» . ٣-* (قال عثمان بن عفّان- ﵁: «اجتنبوا الخمر فإنّها أمّ الخبائث، إنّه كان رجل ممّن خلا قبلكم تعبّد فعلقته امرأة غويّة فأرسلت إليه جاريتها فقالت له: إنّا ندعوك للشّهادة فانطلق مع جاريتها فطفقت كلّما دخل بابا أغلقته دونه حتّى أفضى إلى امرأة وضيئة عندها غلام وباطية خمر فقالت: إنّي والله ما دعوتك للشّهادة ولكن دعوتك

стр. 5424

لتقع عليّ، أو تشرب من هذه الخمرة كأسا، أو تقتل هذا الغلام قال: فاسقني من هذا الخمر كأسا فسقته كأسا قال: زيديني، فلم يرم حتّى وقع عليها، وقتل النّفس، فاجتنبوا الخمر؛ فإنّها والله لا يجتمع الإيمان وإدمان الخمر، إلّا ليوشك أن يخرج أحدهما صاحبه» ) * «١» . ٤-* (قالت عائشة- ﵂: «حرّم أبو بكر- ﵁ الخمر على نفسه فلم يشربها في الجاهليّة ولا الإسلام. وذلك أنّه مرّ برجل سكران يضع يده في العذرة ويدنّيها من فيه فإذا وجد ريحها صرف عنها. فقال: إنّ هذا لا يدري ما يصنع وهو يجد ريحها فحرّمها» ) * «٢» . ٥-* (قال عبد الله بن مسعود- ﵁ «إنّ الله لم يجعل شفاء كم فيما حرّم عليكم. يعني في السّكر» ) * «٣» . ٦-* (وقال: لا تسقوا أولادكم الخمر؛ فإنّهم ولدوا على الفطرة) * «٤» . ٧-* (قال ابن عمر- ﵄: «نزل تحريم الخمر وإنّ في المدينة يومئذ لخمسة أشربة، ما فيها شراب العنب» ) * «٥» . ٨-* (قال ابن عبّاس- ﵄: «لمّا حرّمت الخمر مشى أصحاب رسول الله ﷺ بعضهم إلى بعض وقالوا: حرّمت الخمر، وجعلت عدلا للشّرك» ) * «٦» . ٩-* (وقال أيضا: «ثلاثة لا تقربهم الملائكة: الجنب، والسّكران، والمتضمّخ بالخلوق» ) * «٧» . ١٠-* (قال أبو موسى- ﵁: «ما أبالي شربت الخمر أو عبدت هذه السّارية من دون الله- » ) * «٨» . ١١-* (قال عبد الله بن عمرو- ﵄: «لا تعودوا شرّاب الخمر إذا مرضوا» ) * «٩» . ١٢-* (وقال أيضا: «لا تسلّموا على شربة الخمر» ) * «١٠» . ١٣-* (قال أبو هريرة- ﵁: «من

стр. 5425

زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الإيمان كما يخلع الإنسان القميص من رأسه» ) * «١» . ١٤-* (قال عبد الله بن أبي أوفى- ﵄: «من مات مدمنا للخمر مات كعابد اللّات والعزّى» قيل: أرأيت مدمن الخمر هو الّذي لا يستفيق من شربها؟ قال: «لا، ولكن هو الّذي يشربها إذا وجدها ولو بعد سنين» ) * «٢» . ١٥-* (قال ابن أبي أوفى- ﵄ لقومه حين نهوا عن الخمر: ألا يا لقومي ليس في الخمر رفعة ... فلا تقربوا منها فلست بفاعل فإنّي رأيت الخمر شيئا ولم يزل ... أخو الخمر دخّالا لشرّ المنازل) * «٣» . ١٦-* (قال عروة بن الزّبير، لمّا أراد قطع رجله، لمّا دخلتها الأكلة وقالوا له: لا بدّ أن تشرب شيئا يغيّب عقلك حتّى لا تحسّ بالألم، ونتمكّن من قطعها. فقال: ما ظننت أنّ أحدا يؤمن بالله ويشرب شيئا يغيّب عقله حتّى لا يعرف ربّه- ) * «٤» . ١٧-* (قال الحسن- رحمه الله تعالى-: «لو كان العقل يشترى لتغالى النّاس في ثمنه. فالعجب ممّن يشتري بماله ما يفسده» ) * «٥» . ١٨-* (قال أبو الأسود الدّؤليّ- رحمه الله تعالى-: دع الخمر يشربها الغواة فإنّني ... رأيت أخاها مغنيا بمكانها فإن لا يكنها أو تكنه فإنّه ... أخوها غذته أمّه بلبانها ) * «٦» . ١٩-* (رفع إلى عمر بن عبد العزيز، قوم يشربون الخمر فأمر بضربهم فقيل له: إنّ فيهم صائما. فقال: ابدؤوا به، ثمّ قال: أمّا سمعت قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ ... الآية (النساء/ ١٤٠)) * «٧» . ٢٠-* (قال الضّحّاك بن مزاحم- رحمه الله تعالى- لرجل: ما تصنع بشرب النّبيذ؟ قال: يهضم طعامي. قال: أما إنّه يهضم من دينك وعقلك أكثر» ) * «٨» . ٢١-* (قال الإمام أحمد- رحمه الله تعالى-: «إذا كان الرّجل كفء المرأة في المال والحسب إلّا أنّه يشرب الخمر المسكر لا تزوّج منه، ليس بكفء لها) * «٩» . ٢٢-* (قال ابن أبي الدّنيا- رحمه الله تعالى: «مرّ برجل سكران وهو يبول في يده ويغسل به يده

стр. 5426

كهيئة المتوضّىء ويقول: الحمد لله الّذي جعل الإسلام نورا، والماء طهورا» ) * «١» . ٢٣-* (قال شهاب الدّين بن محمّد الأبشيهيّ: «ممّن ترك الخمر في الجاهليّة عبد الله بن جدعان، وكان جوادا من سادات قريش وذلك أنّه شرب مع أميّة بن أبي الصّلت الثّقفيّ فضربه على عينه فأصبحت عين أميّة مخضرّة يخاف عليها الذّهاب. فقال له عبد الله: ما بال عينك؟ فسكت فألحّ عليه فقال: ألست ضاربها بالأمس فقال: أو بلغ منّي الشّراب ما أبلغ معه إلى هذا؟، لا أشربها بعد اليوم، ثمّ دفع له عشرة آلاف درهم، وقال: الخمر عليّ حرام، لا أذوقها بعد اليوم أبدا، وممّن حرّمها في الجاهليّة أيضا قيس بن عاصم. وذلك أنّه سكر ذات ليلة فقام لابنته أو لأخته فهربت منه فلمّا أصبح سأل عنها فقيل له: أو ما علمت ما صنعت البارحة؟ فأخبر القصّة فحرّم الخمر على نفسه. وحدث له مرّة أخرى أن سكر فجعل يتناول القمر ويقول: والله لا أبرح حتّى أنزله ثمّ يثب الوثبة بعد الوثبة ويقع على وجهه، فلمّا أصبح وأفاق قال: ما لي هكذا، فأخبروه بالقصّة فقال: والله لا أشربها أبدا، ومن هؤلاء العبّاس بن مرداس وقد قيل له: لم تركت شرب الخمر وهو يزيد في سماحتك؟ فقال: أكره أن أصبح سيّد قومي وأمسي سفيههم) * «٢» . ٢٤-* (قال الصّفديّ- رحمه الله تعالى-: دع الخمر فالرّاحات في ترك راحها ... وفي كأسها للمرء كسوة عار وكم ألبست نفس الفتى بعد نورها ... مدارع قار في مدار عقار وفي نفس الموضع قال الأبشيهيّ- رحمه الله تعالى-: «استلقى سكران على طريق فجاء كلب فلحس شفتيه فقال: خدمك بنوك ولا عدموك، فبال على وجهه فقال: وماء حارّ أيضا بارك الله فيك» ) * «٣» . ٢٥-* (قال ابن تيميّة- رحمه الله تعالى-: «إنّ الحشيشة المصنوعة من ورق القنّب حرام، يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنّها تفسد العقل والمزاج حتّى يصير في الرّجل تخنّث ودياثة وغير ذلك من الفساد، والخمر أخبث من جهة أنّها تفضي إلى المخاصمة والمقاتلة وكلاهما يصدّ عن ذكر الله تعالى وعن الصّلاة» ) * «٤» . ٢٦-* (قال حكيم: «إيّاك وإخوان النّبيذ، فبينما أنت متوّج عندهم مخدوم مكرّم معظّم إذ زلّت بك القدم فجرّوك على شوك السّلم فاحفظ قول القائل فيه: وكلّ أناس يحفظون حريمهم ... وليس لأصحاب النّبيذ حريم

стр. 5427

فإن قلت هذا لم أقل عن جهالة ... ولكنّني بالفاسقين عليم ) * «١» . ٢٧-* (قال الشّاعر: قل لمن يأكل الحشيشة جهلا ... يا خسيسا قد عشت شرّ معيشه دية العقل بدرة فلماذا ... يا سفيها تبيعه بحشيشه ) * «٢» . ٢٨-* (قال بعض أهل العلم: «لأن أرى ابني يزني أو يسرق أحبّ إليّ من أن يسكر، يأتي عليه وقت لا يعرف الله فيه» ) * «٣» . من مضار (شرب الخمر) (١) دليل على ضعف الإيمان، إذ قرن بالأنصاب والأزلام في كتاب الله تعالى. (٢) ينزع من متعاطيها أنوار الإيمان وخاصّة حين تعاطيه. (٣) يذهب الحياء والمروءة، والنّخوة والشّهامة والغيرة. (٤) يذهب العقل الّذي به تميّز الإنسان عن الحيوان. (٥) مضرّ بالبدن والنّفس والمال. (٦) يورث البغضاء والأحقاد ويصدّ عن ذكر الله وعن الصّلاة. (٧) جالب لغضب الرّبّ والطّرد من سعة رحمته. (٨) يجرّىء على جلب معاص كثيرة وفواحش جسيمة. (٩) يسبّب دخول النّيران ويحرم متعاطيه من الجنان وما فيها من الخمر الحلال. (١٠) يحشر صاحبها في أخسّ صورة يوم القيامة. (١١) متلف للثّروة، ومضيّع للصّحّة، ويصيب المجتمع في أعزّ ما يملك (قدرات ونشاط الإنسان) .

стр. 5428

الشرك الشرك لغة: الشّرك اسم من قولهم: أشرك به يشرك إشراكا، وهو مأخوذ من مادّة (ش ر ك) الّتي تدلّ على مقارنة وخلاف انفراد «١» ، ومن ذلك الشّركة، وهي أن يكون الشّيء بين اثنين لا ينفرد به أحدهما، يقال: شاركت فلانا في الشّيء، إذا صرت شريكه، وأشركت فلانا، إذا جعلته شريكا لك، ومنه قوله تعالى: وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (طه/ ٣٢) وشركته في البيع والميراث أشركه شركة، والشّرك: الكفر. وقال الرّاغب: الشّركة والمشاركة: خلط الملكين، وقيل: أن يوجد شيء لاثنين فصاعدا، عينا كان ذلك الشّيء أو معنى، يقال: شركته، وأشركته وشاركته، وتشاركوا، واشتركوا في كذا، والشّريك: المشارك، وجمعه شركاء وأشراك مثل شريف وشرفاء وأشراف، والمرأة شريكة، والنّساء شرائك، والمشرك من أشرك بالله تعالى، أي جعل له شريكا في ملكه، والمشركون في قوله تعالى: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ (التوبة/ ٥) أكثر الفقهاء يحملونه الآيات/ الأحاديث/ الآثار ٩٦/ ٦٢/ ١١ على الكفّار جميعا، وقيل: هم من عدا أهل الكتاب، والشّرك (أيضا) : الاشتراك في الأرض ونحوها وفي حديث معاذ: «أنّه أجاز بين أهل اليمن الشّرك» وذلك أن يدفعها صاحبها إلى آخر بالنّصف أو بالثّلث أو نحو ذلك. وقول عمر بن عبد العزيز- ﵁ «الشّرك جائز» وهو من ذلك. قال الأزهريّ: سمعت بعض العرب يقول: فلان شريك فلان، إذا كان متزوّجا بابنته أو بأخته، وامرأة الرّجل: شريكته، ومعنى الشّرك في قوله تعالى: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (لقمان/ ١٣) أي لا تجعل له شريكا في ربوبيّته، وقد دخلت الباء الجارّة لأنّ معناه لا تعدل به غيره، ومن عدل به شيئا من خلقه، فهو كافر مشرك. وقال القرطبيّ في تفسير هذه الآية: لمّا نزل قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ (الأنعام/ ٨٢) شقّ ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ فقال: ليس هو كما تظنّون، إنّما هو كما قال لقمان لابنه لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ واختلف في عبارة إِنَّ الشِّرْكَ

стр. 5429

لَظُلْمٌ عَظِيمٌ هل هي من كلام لقمان أو من كلام المولى- ؟ والرّاجح أنّها من كلام المولى- والشّرك بالله في اعتقاد جلب النّفع ودفع الضّارّ، وليس الكفر بالله لأنّه لو كان كفرا لما ذهب بالتّوكّل. والشّريك في تلبية أهل الجاهليّة هو الصّنم، وذلك قولهم: «لبّيك لا شريك لك إلّا شريكا هو لك، تملكه وما ملك» يريدون أنّ الصّنم وما يملكه ويختصّ به من الآلات الّتي تكون عنده وحوله والنّذور الّتي كانوا يتقرّبون بها إليه ملك لله تعالى. قال ابن منظور (وبمثل قوله تقول) : اللهمّ، إنّا نسألك صحّة التّوحيد والإخلاص في الإيمان، انظر إلى هؤلاء لم ينفعهم طوافهم ولا تلبيتهم ولا قولهم عن الصّنم هو لك، ولا قولهم: تملكه وما ملك، مع تسميتهم الصّنم شريكا، بل حبط عملهم بهذه التّسمية، ولم يصحّ لهم التّوحيد مع الاستثناء ولا نفعتهم معذرتهم بقولهم إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى (الزمر/ ٣) «١» . لأنّ المناسب لتسكين إشفاقهم أن يكون خبرا من الله تعالى «٢» ، وقول الله تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (النحل/ ١٠٠) معناه: الّذين صاروا مشركين بطاعتهم للشّيطان، وليس المعنى أنّهم أشركوا بالشّيطان وآمنوا بالله، ولكن عبدوا الله وعبدوا معه الشّيطان، وصاروا بذلك مشركين، وقال الطّبريّ: المعنى: الّذين هم بالله مشركون أي أنّ الهاء ضمير عائد إلى المولى- وعن مجاهد قال: يعدلون بربّ العالمين، وقيل: عدلوا إبليس بربّهم فإنّهم بالله مشركون «٣» . وقال القرطبيّ: روي عن بعضهم «به» أي بالشّيطان. والمعنى: الّذين هم من أجله مشركون (أي أنّ الباء للسّببيّة) ، يقال: كفرت بهذه الكلمة أي أهلها، وصار فلان بك عالما، أي والّذي تولّى الشّيطان هو بذلك مشرك بالله «٤» ، وجاء في الحديث الشّريف: «من حلف بغير الله فقد أشرك» حيث جعل ما لا يحلف به محلوفا به كاسم الله الّذي يكون به القسم، وأمّا قوله ﷺ «الطّيرة شرك» ولكنّ الله يذهبه بالتّوكّل» قال ابن الأثير: جعل التّطيّر شركا. الشرك اصطلاحا: وقال المناويّ: الشّرك إمّا أكبر، وهو إثبات الشّريك لله تعالى، أو أصغر وهو مراعاة غير الله في بعض الأمور «٥» . أقسام الشرك: قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: الشّرك نوعان: أكبر وأصغر. فالشّرك الأكبر: لا يغفره الله إلّا بالتّوبة منه: وهو أن يتّخذ من دون الله ندّا، يحبّه كما يحبّ الله. وهو الشّرك الّذي تضمّن تسوية آلهة المشركين بربّ

стр. 5430

العالمين. ولهذا قالوا لآلهتهم في النّار: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ* إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ (الشعراء/ ٩٧- ٩٨) مع إقرارهم بأنّ الله وحده خالق كلّ شيء، وربّه ومليكه، وأنّ آلهتهم لا تخلق ولا ترزق، ولا تحيي ولا تميت. وإنّما كانت هذه التّسوية في المحبّة والتّعظيم والعبادة كما هو حال أكثر مشركي العالم، بل كلّهم يحبّون معبوداتهم ويعظّمونها ويوالونها من دون الله. وكثير منهم بل أكثرهم يحبّون آلهتهم أعظم من محبّة الله. ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون لمنتقص معبوديهم وآلهتهم من المشايخ أعظم ممّا يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين، وإذا انتهكت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوداتهم غضبوا غضب اللّيث إذا حرد، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها بإطعامهم شيئا رضوا عنه ولم تنكر له قلوبهم. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة، وترى أحدهم قد اتّخذ ذكر إلهه ومعبوده من دون الله على لسانه ديدنا له إن قام وإن قعد، وإن عثر وإن مرض وإن استوحش فذكر إلهه ومعبوده من دون الله هو الغالب على قلبه ولسانه. وهو لا ينكر ذلك، ويزعم أنّه باب حاجته إلى الله، وشفيعه عنده، ووسيلته إليه. وهكذا كان عبّاد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الّذي قام بقلوبهم، وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم. فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهم اتّخذوها من البشر. قال الله تعالى، حاكيا عن أسلاف هؤلاء المشركين: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (الزمر/ ٣) . ثمّ شهد عليهم بالكفر والكذب، وأخبر أنّه لا يهديهم فقال: إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (الزمر/ ٣) . فهذه حال من اتّخذ من دون الله وليّا يزعم أنّه يقرّبه إلى الله. وما أعزّ من يخلص من هذا؟ بل ما أعزّ من لا يعادي من أنكره. والّذي في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أنّ آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشّرك. وقد أنكر الله عليهم ذلك في كتابه وأبطله، وأخبر أنّ الشّفاعة كلّها له، وأنّه لا يشفع عنده أحد إلّا لمن أذن الله أن يشفع فيه. ومن جهل المشرك: اعتقاده أنّ من اتّخذه وليّا أو شفيعا أنّه يشفع له، وينفعه عند الله كما يكون خواصّ الملوك والولاة تنفع شفاعتهم من والاهم، ولم يعلموا أنّ الله لا يشفع عنده أحد إلّا بإذنه، ولا يأذن في الشّفاعة إلّا لمن رضي قوله وعمله. كما قال تعالى في الأصل الأوّل: مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ (البقرة/ ٢٥٥) . وفي الأصل الثّاني: وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى (الأنبياء/ ٢٨) . وبقي أصل ثالث، وهو أنّه لا يرضى من القول والعمل إلّا التّوحيد، واتّباع الرّسول. وعن هاتين الكلمتين يسأل الأوّلين والآخرين. كما قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأوّلون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟.
следующие страницы →