← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 22798

نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (6 530 стр.). Показаны 6231–6270 · переход к 6236.

стр. 6231

٦-* (عن عديّ بن حاتم- ﵁ قال: «أتينا عمر في وفد فجعل يدعو رجلا رجلا ويسمّيهم. فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفّيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا، فقال عديّ: فلا أبالي إذا» ) * «١» . ٧-* (عن عكرمة قال: أتي عليّ- ﵁ بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عبّاس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي رسول الله ﷺ «لا تعذّبوا بعذاب الله، ولقتلتهم لقول رسول الله ﷺ : من بدّل دينه فاقتلوه» ) * «٢» . ٨-* (قال ابن القيّم- رحمه الله تعالى-: من شبّه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله تشبيها. فالمشبّه يعبد صنما، والمعطّل يعبد عدما، والموحّد يعبد إلها واحدا صمدا» ) * «٣» . ٩-* (وقال أيضا- رحمه الله تعالى-: «من قال: ليس لله بيننا كلام فقد جحد» ) * «٤» . من مضار (الكفر) (١) الكفر الأكبر يخلّد صاحبه فى النّار. (٢) يورث الذّلّ في الدّنيا والهوان على الله في الآخرة. (٣) الكافر خبيث النّيّة فاسد الطويّة. (٤) يورد صاحبه موارد الهلاك والرّدى. (٥) ليس بعد الكفر ذنب. (٦) اشمئزاز النّاس منه وتأذّيهم من شرّه. (٧) معول هدم في المجتمع الّذى يعيش فيه وإن زعم الكافر أنّه مصلح. (٨) نجاسة الكافر وهوانه على الله .

стр. 6232

الكنز الكنز لغة: الكنز مصدر مأخوذ من مادّة (ك ن ز) الّتي تدلّ على تجمّع في شيء، من ذلك ناقة كناز اللّحم أي مجتمعة، وكنزت التّمر في وعائه أكنزه، وكنزت الكنز أكنزه «١» . يقول الجوهريّ: الكنز المال المدفون، وقد كنّزته أكنزه، وفي الحديث: «كلّ مال لا تؤدّى زكاته فهو كنز» واكتنز الشّيء اجتمع وامتلأ «٢» . ويقال: كنزت البرّ في الجراب فاكتنز، ويقال: شددت كنز القربة إذا ملأتها، ورجل مكتنز اللّحم وكنيز اللّحم «٣» . وفي حديث أبي ذرّ «بشّر الكنّازين برضف من جهنّم» هم جمع كنّاز، وهو المبالغ في كنز الذّهب والفضّة، وادّخارهما وترك إنفاقهما في أبواب البرّ «٤» . الكنز: اسم للمال إذا أحرز في وعاء، ولما يحرز فيه، ويقال: كنزه يكنزه كنزا واكتنزه، وفي الحديث: «أعطيت الكنزين الأحمر والأبيض» ، قال العلاء بن عمرو الباهليّ: الكنز: الفضّة في قوله كأنّ الهبرقيّ غدا عليها ... بماء الكنز ألبسه قراها قال: وتسمّي العرب كلّ كثير مجموع يتنافس فيه كنزا. وفي الحديث: «ألا أعلّمك كنزا من كنوز الجنّة: لا حول ولا قوّة إلّا بالله» ، وفي رواية: «لا حول ولا قوّة إلّا بالله كنز من كنوز الجنّة» أي أجرها مدّخر لقائلها والمتّصف بها كما يدّخر الكنز، وفي التّنزيل العزيز: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ (التوبة/ ٣٤) . قال الطّبريّ، اختلف أهل العلم في معنى الكنز: فقال بعضهم: هو كلّ مال وجبت فيه الزّكاة فلم تؤدّ زكاته، وقيل: كلّ ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز أدّيت فيه الزّكاة أو لم تؤدّ ... وقيل الكنز كلّ ما فضل بعد المال عن حاجة صاحبه إليه والأصحّ في ذلك ما روي عن ابن عمر- ﵄ أنّ كلّ مال أدّيت زكاته فليس بكنز، ولا يحرم اكتنازه وإن كثر، وكلّ مال لم تؤدّ زكاته فصاحبه مكتنز معاقب مستحقّ وعيد الله- إلّا أن يتفضّل عليه بعفوه- وإن قلّ إذا كان ممّا يجب فيه الزّكاة «٥» . وقال القرطبيّ: الكنز أصله في اللّغة: الضّمّ والجمع، ولا يختصّ ذلك بالذّهب والفضّة، وقيل:

стр. 6233

الكنز كلّ شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها، قال ابن عمر: من كنزها فلم يؤدّ زكاتها فويل له، إنّما كان هذا قبل أن تنزل الزّكاة، فلمّا أنزلت جعلها الله طهرا للأموال، وقيل: الكنز ما لم تؤدّ منه الحقوق العارضة، كفكّ الأسير، وإطعام الجائع وغير ذلك وقيل: الكنز لغة: المجموع من النّقدين، وغيرهما من المال محمول عليهما بالقياس، وقيل: المجموع منهما ما لم يكن حليّا، لأنّ الحليّ مأذون في اتّخاذه ولا حقّ فيه، والصّحيح ما بدأنا بذكره، وأنّ ذلك كلّه يسمّى كنزا لغة وشرعا والله أعلم «١» . ويقال: كنز الإنسان مالا يكنزه. وكنزت السّقاء إذا ملأته، ويرى ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى في الكهف: وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما (الكهف/ ٨٢) قال: ما كان ذهبا ولا فضّة ولكن كان علما وصحفا. وروي عن عليّ- ﵁ أنّه قال: أربعة آلاف وما دونها نفقة، وما فوقها كنز. والكنز في الأصل المال المدفون تحت الأرض فإذا أخرج منه الواجب عليه لم يبق كنزا وإن كان مكنوزا (أي مختبئا) . والكنّاز: المبالغ في كنز الذّهب والفضّة وادّخارهما وترك إنفاقهما في أبواب البرّ. وكنز الشّيء في الوعاء والأرض يكنزه كنزا: غمره بيده، وشدّ كنز القربة: ملأها، وقد يستعمل الكنز اسما للشّيء المكتنز. فيقال: هذا كنز عظيم أو كبير وما أشبه ذلك، ويرادفه «الخبيئة» بمعنى المخبوءة وهي كلّ شيء ثمين خبّيء في الأرض «٢» . الكنز اصطلاحا: قال المناويّ: الكنز: جمع المال بعضه على بعض وادّخاره، وقيل: المال المدفون وقد صار في الدّين (الشّرع) اسما لكلّ مال لم يخرج منه الواجب وإن لم يكن مدفونا «٣» . وقال الكفويّ: كلّ مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز وإن كان ظاهرا، وكلّ مال أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا «٤» ، وقيل: كلّ ما زاد على أربعة آلاف درهم فهو كنز، أدّيت منه الزّكاة أو لم تؤدّها، وما دونه نفقة «٥» . وقد يستعمل الكنز في معنى الشّيء المكنوز ويصبح معناه الاصطلاحيّ حينئذ: المال الموضوع في الأرض، قاله الجرجانيّ «٦» . [للاستزادة: انظر صفات: اتباع الهوى- الأثرة- البخل- الشح- البر. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الإنفاق- الجود الصدقة- السخاء- الكرم- الزكاة- الإحسان] .

стр. 6234

الآيات الواردة في «الكنز» ١-* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥) » ٢-* إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) «٢» الآيات الواردة في «الكنز» لفظا ولها معنى آخر ٣- فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢) «٣» ٤- وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً (٨٢) «٤» ٥- وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً (٨) «٥» ٦-* وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) «٦»

стр. 6235

الأحاديث الواردة في ذمّ (الكنز) ١-* (عن جابر بن عبد الله- ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقّها إلّا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قطّ «١» . وقعد لها بقاع قرقر، تستنّ عليه بقوائمها وأخفافها «٢» . ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقّها، إلّا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت. وقعد لها بقاع قرقر. تنطحه بقرونها وتطؤه بقوائمها. ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقّها. إلّا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت. وقعد لها بقاع قرقر. تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها، ليس فيها جمّاء «٣» ولا منكسر قرنها. ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقّه. إلّا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع «٤» . يتبعه فاتحا فاه. فإذا أتاه فرّ منه. فيناديه: خذ كنزك الّذي خبأته. فأنا عنه غنيّ. فإذا رأى أن لا بدّ منه. سلك يده «٥» في فيه فيقضمها قضم الفحل «٦» » ) * «٧» . ٢-* (عن سلمان الفارسيّ قال: كنت رجلا فارسيّا من أهل أصبهان من قرية منها يقال لها: جيّ وكان أبي دهقان قريته «٨» وكنت أحبّ خلق الله إليه فلم يزل به حبّه إيّاي حتّى حبسني في بيته- أي ملازم النّار- كما تحبس الجارية واجتهدت في المجوسيّة حتّى كنت قطن النّار «٩» الّذي يوقدها لا يتركها تخبو ساعة. قال: وكانت لأبي ضيعة عظيمة. قال: فشغل في بنيان له يوما فقال لي: يا بنيّ إنّي قد شغلت في بنيان هذا اليوم عن ضيعتي فاذهب فاطّلعها، وأمرني فيها بعض ما يريد. فخرجت أريد ضيعته فمررت بكنيسة من كنائس النّصارى فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلّون، وكنت لا أدري ما أمر النّاس لحبس أبي إيّاي في بيته. فلمّا مررت بهم وسمعت أصواتهم دخلت عليهم أنظر ما يصنعون، فلمّا رأيتهم أعجبني صلاتهم، ورغبت في أمرهم، وقلت: هذا والله خير من الدّين الّذي نحن عليه، فو الله ما تركتهم حتّى غربت الشّمس، وتركت ضيعة أبي، ولم آتها، فقلت لهم: أين أصل هذا الدّين؟ قالوا: بالشّام. قال: ثمّ رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وشغلته عن عمله كلّه. قال: فلمّا جئته قال: أي بنيّ، أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟ قال: قلت: يا أبت، مررت بناس يصلّون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم،

стр. 6236

فو الله، ما زلت عندهم حتّى غربت الشّمس قال: أي بنيّ ليس في ذلك الدّين خير، دينك ودين آبائك خير منه. قال: قلت: كلّا والله إنّه خير من ديننا. قال: فخافني، فجعل في رجلي قيدا، ثمّ حبسني في بيته. قال: وبعثت إلى النّصارى فقلت لهم: إذا قدم عليكم ركب من الشّام تجّار من النّصارى فأخبروني بهم. قال: فقلت لهم: إذا قضوا حوائجهم وأرادوا الرّجعة إلى بلادهم فآذنوني بهم. قال: فلمّا أرادوا الرّجعة إلى بلادهم أخبروني بهم فألقيت الحديد من رجليّ ثمّ خرجت معهم حتّى قدمت الشّام، فلمّا قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدّين؟ قالوا: الأسقف في الكنيسة. قال: فجئته، فقلت: إنّي قد رغبت في هذا الدّين وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلّم منك وأصلّي معك قال: فادخل. فدخلت معه قال: فكان رجل سوء يأمرهم بالصّدقة ويرغّبهم فيها، فإذا جمعوا منها شيئا اكتنزه لنفسه ولم يعطه المساكين، حتّى جمع سبع قلال من ذهب وورق. قال: وأبغضته بغضا شديدا لما رأيته يصنع، ثمّ مات فاجتمعت إليه النّصارى ليدفنوه، فقلت لهم: إنّ هذا كان رجل سوء، يأمركم بالصّدقة ويرغّبكم فيها، فإذا جئتموه بها اكتنزها لنفسه ولم يعط المساكين منها شيئا، قالوا: وما علمك بذلك؟ قال: قلت: أنا أدلّكم على كنزه. قالوا: فدلّنا عليه. قال: فأريتهم موضعه قال: فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبا وورقا فلمّا رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدا، فصلبوه ثمّ رجموه بالحجارة ... الحديث) * «١» . الأحاديث الواردة في ذمّ (الكنز) معنى ٣-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أنّه قال: إنّ امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله ﷺ وبنت لها، في يد ابنتها مسكتان «٢» غليظتان من ذهب فقال: «أتؤدّين زكاة هذا؟» قالت: لا، قال: «أيسرّك أن يسوّرك الله- بها يوم القيامة سوارين من نار» ، قال: فخلعتهما فألقتهما إلى رسول الله ﷺ . فقالت: هما لله ولرسوله ﷺ * «٣» . ٤-* (عن الأحنف بن قيس قال: قدمت المدينة، فبينا أنا في حلقة «٤» فيها ملأ من قريش «٥» إذ جاء رجل أخشن الثّياب «٦» أخشن الجسد، أخشن الوجه.

стр. 6237

فقام عليهم «١» فقال: بشّر الكانزين «٢» برضف «٣» يحمى عليه «٤» في نار جهنّم، فيوضع على حلمة ثدي أحدهم. حتّى يخرج من نغض كتفيه «٥» ويوضع على نغض كتفيه، حتّى يخرج من حلمة ثدييه يتزلزل «٦» . قال: فوضع القوم رؤسهم، فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا «٧» . قال: فأدبر، واتّبعته حتّى جلس إلى سارية. فقلت: ما رأيت هؤلاء إلّا كرهوا ما قلت لهم. قال: إنّ هؤلاء لا يعقلون شيئا، إنّ خليلي أبا القاسم ﷺ دعاني فأجبته. فقال: «أترى أحدا؟» فنظرت ما عليّ من الشّمس «٨» وأنا أظنّ أنّه يبعثني في حاجة له فقلت: أراه. فقال: «ما يسرّني أنّ لي مثله ذهبا «٩» أنفقه كلّه إلّا ثلاثة دنانير» ثمّ هؤلاء يجمعون الدّنيا لا يعقلون شيئا. قال: قلت: مالك ولإخوتك من قريش، لا تعتريهم «١٠» وتصيب منهم. قال: لا. وربّك لا أسألهم عن دنيا «١١» ولا أستفتيهم عن دين حتّى ألحق بالله ورسوله) *١» . ٥-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ أنّه قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: «يا معشر المهاجرين خمس إذا ابتليتم بهنّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنّ: لم تظهر الفاحشة في قوم قطّ حتّى يعلنوا بها إلّا فشا فيهم الطّاعون والأوجاع الّتي لم تكن مضت في أسلافهم الّذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلّا أخذوا بالسّنين وشدّة المئونة وجور السّلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلّا منعوا القطر من السّماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله، إلّا سلّط الله عليهم عدوّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمّتهم بكتاب الله، ويتخيّروا ممّا أنزل الله إلّا جعل الله بأسهم بينهم» ) * «١٣» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال النّبيّ ﷺ : «تأتي الإبل على صاحبها على خير ما كانت إذا هو لم يعط فيها حقّها، تطؤه بأخفافها. وتأتي الغنم على صاحبها خير ما كانت إذا لم يعط فيها حقّها تطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها» .

стр. 6238

قال: «ومن حقّها أن تحلب على الماء» ، قال: «ولا يأتي أحدكم يوم القيامة بشاة يحملها على رقبته لها يعار فيقول: يا محمّد. قأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلّغت. ولا يأتي ببعير يحمله على رقبته له رغاء فيقول: يا محمّد. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد بلّغت» ) * «١» . ٧-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال قال رسول الله ﷺ : «ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدّي منها حقّها «٢» إلّا إذا كان يوم القيامة، صفّحت له صفائح «٣» من نار «٤» فأحمي عليها في نار جهنّم، فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلّما بردت «٥» أعيدت له، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتّى يقضى بين العباد فيرى سبيله «٦» ، إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار» قيل: يا رسول الله: فالإبل؟ قال: «ولا صاحب إبل لا يؤدّي منها حقّها، ومن حقّها حلبها «٧» يوم وردها إلّا إذا كان يوم القيامة، بطح لها بقاع قرقر «٨» أوفر ما كانت، لا يفقد منها فصيلا واحد، تطؤه بأخفافها وتعضّه بأفواهها، كلّما مرّ عليه أولاها ردّ عليه أخراها «٩» في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتّى يقضى بين العباد. فيرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار» قيل: يا رسول الله، البقر والغنم؟ قال: «ولا صاحب بقر ولا غنم لا يؤدّي منها حقّها إلّا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر لا يفقد منها شيئا، ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء «١٠» تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها «١١» كلّما مرّ عليه أولاها ردّ عليه أخراها، في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة. حتّى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إمّا إلى الجنّة وإمّا إلى النّار» قيل: يا رسول الله فالخيل؟ قال: «الخيل ثلاثة هي لرجل وزر، وهي لرجل ستر، وهي لرجل أجر،

стр. 6239

فأمّا الّتي هي له وزر «١» فرجل ربطها رياء وفخرا ونواء على أهل الإسلام «٢» فهي له وزر، وأمّا الّتي هي له ستر، فرجل «٣» ربطها في سبيل الله «٤» ثمّ لم ينس حقّ الله في ظهورها ولا رقابها، فهي له ستر. وأمّا الّتي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام، في مرج وروضة فما أكلت من ذلك المرج والرّوضة من شيء إلّا كتب له عدد ما أكلت، حسنات وكتب له عدد أرواثها وأبوالها حسنات ولا تقطع طولها فاستنّت شرفا أو شرفين «٥» إلّا كتب الله له عدد آثارها وأرواثها حسنات. ولا مرّ بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها إلّا كتب الله له عدد ما شربت حسنات» قيل: يا رسول الله فالحمر «٦» ؟ قال: ما أنزل علىّ في الحمر شيء إلّا هذه الآية الفاذّة الجامعة: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (الزلزلة/ ٧، ٨)) * «٧» . ٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من يوم يصبح العباد فيه إلّا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكا تلفا» ) * «٨» . ٩-* (عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه قال قال رسول الله ﷺ : «في كلّ إبل سائمة في كلّ أربعين ابنة لبون، لا يفرّق إبل عن حسابها «٩» . من أعطاها مؤتجرا فله أجرها، ومن أبى فإنّا آخذوها وشطر إبله عزمة من عزمات ربّنا «١٠» لا يحلّ لآل محمّد ﷺ منها شيء» ) * «١١» . ١٠-* (عن عبد الله بن بريدة- ﵄ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «ما نقض قوم العهد إلّا كان القتل بينهم، ولا ظهرت فاحشة في قوم قطّ إلّا سلّط الله عليهم الموت، ولا منع قوم الزّكاة إلّا حبس الله عنهم المطر» ) * «١٢» . ١١-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: قال رسول الله ﷺ : «من آتاه الله مالا فلم يؤدّ

стр. 6240

زكاته مثّل له يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوّقه يوم القيامة ثمّ يأخذ بلهزمتيه- يعني شدقيه- ثمّ يقول: أنا مالك، أنا كنزك ثمّ تلا (آل عمران/ ١٨٠) : وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ... الآية) * «١» . ١٢-* (عن أبي ذرّ- ﵁ أنّه قال: انتهيت إلى النّبيّ ﷺ وهو جالس في ظلّ الكعبة فلمّا رآني قال: «هم الأخسرون وربّ الكعبة!» قال: فجئت حتّى جلست، فلم أتقارّ «٢» أن قمت، فقلت: يا رسول الله فداك أبي وأمّي «٣» من هم؟ قال: «هم الأكثرون أموالا، إلّا من قال هكذا وهكذا وهكذا (من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله) وقليل ما هم، ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدّي زكاتها إلّا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه، تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها كلّما نفدت أخراها عادت عليه أولاها، حتّى يقضى بين النّاس» ) * «٤» . ١٣-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّه قال: بعث رسول الله ﷺ عمر على الصّدقة، فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعبّاس عمّ رسول الله ﷺ . فقال رسول الله ﷺ : «ما ينقم ابن جميل إلّا أنّه كان فقيرا فأغناه الله، وأمّا خالد فإنّكم تظلمون خالدا. قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأمّا العبّاس فهي عليّ. ومثلها معها» ثمّ قال: «يا عمر! أما شعرت أنّ عمّ الرّجل صنو أبيه» ) * «٥» . من الآثار وأقوال العلماء والمفسرين الواردة في ذمّ (الكنز) ١-* (قال عمر بن الخطّاب- ﵁: «أيّما مال أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض، وأيّما مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض» ) * «٦» . ٢-* (وقال أحمد بن شبيب بن سعيد: «حدّثنا أبي عن يونس عن ابن شهاب عن خالد بن سليم قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر- ﵄، فقال أعرابيّ: أخبرني عن قول الله: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ (التوبة/ ٣٤) قال ابن عمر- ﵄: من كنزها فلم يؤدّ زكاتها فويل له، إنّما كان هذا قبل أن تنزل الزّكاة، فلمّا أنزلت جعلها الله طهرا للأموال» ) * «٧» . ٣-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ أنّه قال: «والّذي لا إله غيره لا يكوى عبد يكنز فيمسّ

стр. 6241

دينار دينارا ولا درهم درهما، ولكن يوسّع جلده فيوضع كلّ دينار ودرهم على حدته» ) *» . ٤-* (عن زيد بن وهب قال: «مررت بالرّبذة فإذا أنا بأبي ذرّ- ﵁. فقلت له: ما أنزلك منزلك هذا؟ قال: كنت بالشّام فاختلفت أنا ومعاوية في: وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ (التوبة/ ٣٤) قال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، فقلت: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذاك، وكتب إلى عثمان- ﵁ يشكوني فكتب إليّ عثمان أن اقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليّ النّاس حتّى كأنّهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان، فقال لي: إن شئت تنحّيت فكنت قريبا فذاك الّذي أنزلني هذا المنزل، ولو أمّروا عليّ حبشيّا لسمعت وأطعت» ) * «٢» . ٥-* (دخل الحسن البصريّ على عبد الله بن الأدهم يعوده في مرضه، فرآه يصوّب بصره في صندوق في بيته ويصعّده، ثمّ قال: أبا سعيد، ما تقول في مائة ألف في هذا الصّندوق، لم أؤدّ منها زكاة، ولم أصل منها رحما؟ قال: ثكلتك أمّك، ولمن كنت تجمعها؟ قال: لروعة الزّمان، وجفوة السّلطان، ومكاثرة العشيرة. ثمّ مات، فشهده الحسن فلمّا فرغ من دفنه. قال: انظروا إلى هذا المسكين، أتاه شيطانه فحذّره روعة زمانه، وجفوة سلطانه، ومكاثرة عشيرته. عمّا رزقه الله إيّاه وغمره فيه، انظروا كيف خرج منها مسلوبا محروبا. ثمّ التفت إلى الوارث فقال: أيّها الوارث لا تخدعنّ كما خدع صويحبك بالأمس، أتاك هذا المال حلالا فلا يكوننّ عليك وبالا، أتاك عفوا صفوا ممّن كان له جموعا منوعا، من باطل جمعه، ومن حقّ منعه، قطع فيه لجج البحار، ومفاوز القفار، لم تكدح فيه بيمين، ولم يعرق لك فيه جبين. إنّ يوم القيامة يوم ذو حسرات، وإنّ من أعظم الحسرات غدا أن ترى مالك في ميزان غيرك، فيالها عثرة لا تقال، وتوبة لا تنال) * «٣» . ٦-* (قال ابن كثير- رحمه الله تعالى- في معنى قوله تعالى: يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (التوبة/ ٣٥) أي يقال لهم هذا الكلام تبكيتا وتقريعا وتهكّما كما في قوله تعالى: ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذابِ الْحَمِيمِ* ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (الدخان/ ٤٨- ٤٩) أي هذا بذاك وهذا الّذي كنتم تكنزون لأنفسكم، ولهذا يقال: من أحبّ شيئا وقدّمه على طاعة الله عذّب به، وهؤلاء لمّا كان جمع هذه الأموال آثر عندهم من رضا الله عنهم عذّبوا بها، كما أنّ هذه الأموال لمّا كانت أعزّ الأموال على أربابها كانت أشرّ الأشياء عليهم في الدّار الآخرة فيحمى عليها في نار جهنّم، وناهيك بحرّها

стр. 6242

فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم» «١» . ٧-* (قال طاوس: بلغني أنّ الكنز يتحوّل يوم القيامة شجاعا يتبع صاحبه وهو يفرّ منه ويقول: أنا كنزك لا يدرك منه شيئا إلّا أخذه) *. من مضار (الكنز) (١) يورث بغض الله- وكراهية الخلق. (٢) يمنع القطر من السّماء ويمنع البركة والنّماء. (٣) يعرّض صاحبه لأشدّ العقوبة في الآخرة ويتعذّب صاحبه به في الدّنيا. (٤) دليل سوء الظّنّ بالله- . (٥) دليل شحّ النّفس ولؤم الطّبع. (٦) دليل على عدم حبّ الخير للآخرين.

стр. 6243

[حرف اللام] اللغو اللغو لغة: اللّغو مصدر لغا يلغو، وهو مأخوذ من مادّة (ل غ و) الّتي تدلّ على معنيين: أوّلهما الدّلالة على الشّيء لا يعتدّ به، والآخر على اللهج بالشّيء، فالأوّل اللّغو: ما لا يعتدّ به من أولاد الإبل في الدّيّة، يقال منه لغا يلغو لغوا، وذلك في لغو الأيمان، واللّغا هو اللّغو بعينه، قال تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ* (البقرة/ ٢٢٥) أي ما لم تعقدوه بقلوبكم «١» . ولغا الإنسان يلغو، ولغا يلغى، ولغي يلغى إذا تكلّم بالمطّرح من القول وما لا يعني، وألغى إذا أسقط «٢» يقول الطّبريّ في قوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ (البقرة/ ٢٢٥) اختلف أهل التّأويل في معنى اللّغو، فقال بعضهم لا يؤاخذكم الله بما سبقتكم به ألسنتكم من الأيمان على عجلة وسرعة فيوجب عليكم به كفّارة إذا لم تقصدوا الحلف واليمين، وذلك كقول القائل فعلت هذا والله أو أفعله والله ... إلخ. وقال آخرون: بل اللّغو من الأيمان الّتي يحلف بها صاحبها في حال الغضب على غير عقد قلب ولا عزم ولكن وصلة للكلام. وقال آخرون: هو الحلف على فعل ما نهى الله عنه وترك ما أمر الله بفعله. وقال آخرون: كلّ يمين وصل الرّجل بها كلامه على غير قصد منه إيجابها على نفسه. قال: واللّغو من الكلام كلّ كلام كان مذموما وسقطا لا معنى له مهجورا، يقال: منه لغا فلان في كلامه يلغو لغوا إذا قال قبيحا من الكلام، ومنه وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ (القصص/ ٥٥) «٣» . وقال ابن منظور: اللّغو واللّغا: السّقط وما لا يعتدّ به من كلام وغيره. ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع. يقال: لغوت باليمين. ولغا في القول يلغو ويلغى لغوا ولغي- بالكسر- يلغى لغا وملغاة: أخطأ وقال باطلا. قال رؤبة ونسبه ابن برّي للعجّاج: وربّ أسراب حجيج كظّم ... عن اللّغا، ورفث التّكلّم قال الشّافعيّ: اللّغو في لسان العرب، الكلام غير المعقود عليه، وجماع اللّغو هو الخطأ إذا كان اللّجاج والغضب والعجلة. وقيل: معنى اللّغو الإثم، واللّغو في الأيمان: ما لا يعقد عليه القلب، مثل قولك لا والله وبلى والله. واللّغو: ما لا يعتدّ به لقلّته أو لخروجه على غير جهة الاعتماد من فاعله كقوله تعالى: لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ ومنه قول عائشة- ﵂: «إنّ اللّغو ما يجري في الكلام على غير عقد» ،

стр. 6244

وألغى: أسقط، واللّاغية: اللّغو، وفي حديث سلمان: إيّاكم وملغاة أوّل اللّيل يريد به اللّغو. وكلمة لاغية: فاحشة، وفي التّنزيل العزيز: لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (الغاشية/ ١١) أي: كلمة ذات لغو، وقيل: أي كلمة قبيحة أو فاحشة، وقيل: أي باطلا ومأثما وقيل: شتما، ولغا يلغو لغوا، تكلّم، وفي الحديث «من قال يوم الجمعة والإمام يخطب لصاحبه: صه فقد لغا» أي تكلّم، وقيل: فقد خاب، وألغيته أي خيّبته، وفي الحديث: «من مسّ الحصى فقد لغا» أي تكلّم، وقيل: عدل عن الصّواب، وفي التّنزيل العزيز: وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ (الفرقان/ ٧٢) أي مرّوا بالباطل «١» . اللغو اصطلاحا: قال المناويّ: اللّغو: ما تسبق إليه الألسنة من القول على غير عزم قصد إليه «٢» . وقال الجرجانيّ: اللّغو: ضمّ الكلام ما هو ساقط العبرة منه، وهو الّذي لا معنى له في حقّ ثبوت الحكم «٣» . وقال الرّاغب: اللّغو من الكلام: ما لا يعتدّ به، وهو الّذي يورد لا عن رويّة وفكر فيجري مجرى اللّغا «٤» ، وقد يسمّى كلّ كلام قبيح لغوا «٥» . وقال الكفويّ: كلّ مطروح من الكلام لا يعتدّ به فهو لغو «٦» . أمّا لغو اليمين فقد أوردت له كتب المصطلحات التّعريفات الآتية. يقول الجرجانيّ: لغو اليمين: هو أن يحلف على شيء ويرى الحالف أنّه كذلك وليس هذا الشّيء كما يرى في الواقع. هذا قول أبي حنيفة. وقال الشّافعيّ: هو مالا يعقد الرّجل قلبه عليه كقوله لا والله، بلى والله «٧» . وقال المناويّ: اللّغو في الأيمان ما لا يعقد عليه القلب، وذلك ما يجري وصلا للكلام بضرب من العادة كقولهم: كلّا والله «٨» . (وهذا يتّفق مع رأى الشّافعيّ- رضي الله عن الجميع-) . ونخلص ممّا سبق أنّ اللّغو قسمان: الأوّل: لغو الكلام، وهو ما يراد باللّغو عند الإطلاق. الثّاني: لغو اليمين، وهو ما لا يعقد عليه القلب (رأى الشّافعيّ) أو الحلف على شيء مطابق لاعتقاد الحالف، لا للواقع (رأي أبي حنيفة) . الفرق بين اللّغو واللّغط: قال الخليل:﵀ اللّغط: كلام ليس من شأنك (أن تتكلّم فيه) واللّغو: كلام بشيء لم ترده «٩» . [للاستزادة: انظر صفات: اللهو واللعب- الافتراء- البهتان- الغيبة- الفحش- الكذب- النميمة- البذاءة- الكذب- الاستهزاء- السخرية. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الصمت وحفظ اللسان حفظ الأيمان- كتمان السر- الكلم الطيب- تلاوة القرآن- الدعاء- الذكر] .

стр. 6245

الآيات الواردة في «اللغو» ١- لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥) «١» ٢- لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٨٩) «٢» ٣-* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَواتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ شَيْئاً (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ عِبادَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّهُ كانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً إِلَّا سَلاماً وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبادِنا مَنْ كانَ تَقِيًّا (٦٣) «٣» ٤- الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) «٤» ٥- وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) «٥» ٦-* وَلَقَدْ وَصَّلْنا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقالُوا لَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ (٥٥) «٦» ٧- وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذاباً شَدِيداً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) «٧»

стр. 6246

٨- إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فاكِهِينَ بِما آتاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقاهُمْ رَبُّهُمْ عَذابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْناهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ (٢٣) «١» ٩- وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْها مُتَقابِلِينَ (١٦) يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوابٍ وَأَبارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لا يُصَدَّعُونَ عَنْها وَلا يُنْزِفُونَ (١٩) وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١) وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣) جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً (٢٦) «٢» ١٠- إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً (٣١) حَدائِقَ وَأَعْناباً (٣٢) وَكَواعِبَ أَتْراباً (٣٣) وَكَأْساً دِهاقاً (٣٤) لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا كِذَّاباً (٣٥) جَزاءً مِنْ رَبِّكَ عَطاءً حِساباً (٣٦) «٣» ١١- وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩) فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) «٤»

стр. 6247

الأحاديث الواردة في ذمّ (اللغو) ١-* (عن قيس بن أبي غرزة- ﵁ قال: أتانا النّبيّ ﷺ ونحن في السّوق، فقال: «إنّ هذه السّوق يخالطها اللّغو والكذب فشوبوها بالصّدقة» ) * «١» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا قلت لصاحبك: أنصت، يوم الجمعة، والإمام يخطب، فقد لغوت» ) * «٢» . ٣-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر، طهرة للصّائم من اللّغو والرّفث، وطعمة للمساكين. فمن أدّاها قبل الصّلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أدّاها بعد الصّلاة فهي صدقة من الصّدقات» ) * «٣» ٤-* (عن عبد الله بن أبي أوفى- ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يكثر الذّكر، ويقلّ اللّغو، ويطيل الصّلاة، ويقصّر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة» ) * «٤» . ٥-* (عن عبد الله بن عمرو بن العاص- ﵄ عن النّبيّ ﷺ ، أنّه قال: «من اغتسل يوم الجمعة، ومسّ من طيب امرأته- إن كان لها- ولبس من صالح ثيابه، ثمّ لم يتخطّ رقاب النّاس، ولم يلغ عند الموعظة، كانت كفّارة لما بينهما، ومن لغا وتخطّى رقاب النّاس كانت له طهرا» ) * «٥» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من توضّأ فأحسن الوضوء. ثمّ أتى الجمعة فاستمع وأنصت. غفر له ما بينه وبين الجمعة. وزيادة ثلاثة أيّام. ومن مسّ الحصى فقد لغا» ) *» . ٧-* (عن عبد الله بن عمرو- ﵄ عن النّبيّ ﷺ ، قال: «يحضر الجمعة ثلاثة نفر: رجل حضرها يلغو وهو حظّه منها، ورجل حضرها يدعو فهو رجل دعا الله إن شاء أعطاه وإن شاء منعه. ورجل حضرها بإنصات وسكوت، ولم يتخطّ رقبة مسلم ولم يؤذ أحدا، فهي كفّارة إلى الجمعة الّتي تليها وزيادة ثلاثة أيّام، وذلك بأنّ الله يقول: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (الأنعام/ ١٦٠) » ) * «٧» .

стр. 6248

الأحاديث الواردة في ذمّ (اللغو) معنى ٨-* (عن جابر- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «إنّ من أحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجلسا يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا، وإنّ أبغضكم إليّ وأبعدكم منّي مجلسا يوم القيامة، الثّرثارون والمتشدّقون والمتفيهقون «قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثّرثارون والمتشدّقون فما المتفيهقون؟ قال: «المتكبّرون» ) * «١» . من الآثار الواردة في ذمّ (اللغو) ١-* (قال ابن عبّاس- ﵄ في قوله تعالى: وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (الشعرا/ ٢٣٤ قال: في كلّ لغو يخوضون» ) * «٢» . ٢-* (عن ابن عبّاس- ﵄ قال: لمّا حضر النّبيّ ﷺ ، قال- وفي البيت رجال فيهم عمر ابن الخطّاب- ﵁ قال: هلمّ أكتب لكم كتابا لن تضلّوا بعده» ، قال عمر: إنّ النّبيّ ﷺ غلبه الوجع وعندكم القرآن فحسبنا كتاب الله، واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابا لن تضلّوا بعده، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلمّا أكثروا اللّغط والاختلاف عند النّبيّ ﷺ قال: «قوموا عنّي» ، قال عبيد الله: فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرّزيّة كلّ الرّزيّة ما حال بين رسول الله ﷺ وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم» ) * «٣» . من مضار (اللغو) (١) يؤدّي إلى سخط النّاس ومقتهم. (٢) الثّرثارون بعيدون عن الله وعن النّاس. (٣) يورد صاحبه موارد الهلاك والرّدى. (٤) دليل على خفّة العقل وقلّة الفهم. (٥) مظهر من مظاهر سوء الخلق.

стр. 6249

اللهو واللعب اللهو لغة: اللهو مصدر لها يلهو وهو مأخوذ من مادّة (ل هـ و) الّتي تدلّ على شغل عن شيء بشيء، فاللهو كلّ شيء شغلك عن شيء «١» واللهو: ما شغلك من هوى وطرب، يقال: لها يلهو، واللهو: الصّدوف، يقال: لهوت عن الشّيء ألهو لهوا، ولهيت عن الشّيء ألهى لهيّا ولهيانا إذا سلوت عنه، وتركت ذكره وأضربت عنه. وألهاه: أي شغله، يقول ابن عرفة النّحويّ في قول الله جلّ وعزّ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ (الأنبياء/ ٣) : أي متشاغلة عمّا يدعون إليه قال: وهذا من لهي عن الشّيء يلهى إذا تشاغل بغيره، قال: وهذا من قول الله جلّ وعزّ فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (عبس/ ١٠) : أي تتشاغل، والنّبيّ ﷺ لا يلهو لأنّه قال: ما أنا من دد ولا الدّد منّي «٢» . وأصل اللهو التّرويح عن النّفس بما لا تقتضيه الحكمة «٣» . يقول الطّبريّ في قوله تعالى: وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً (الأنعام/ ٧٠) يقول- تعالى ذكره- لنبيّه محمّد ﷺ : ذر هؤلاء الّذين اتّخذوا دين الله وطاعتهم إيّاه لعبا ولهوا فجعلوا حظوظهم من طاعتهم إيّاه اللّعب بآياته واللهو والاستهزاء بها إذا سمعوها وتليت عليهم فأعرض عنهم فإنّي لهم بالمرصاد «٤» . وقال القرطبيّ: «أي لا تعلّق قلبك بهم؛ فإنّهم أهل تعنّت، وإن كنت مأمورا بوعظهم. ومعنى لعبا ولهوا أي استهزاءا بالدّين الّذي دعوتهم إليه، وقيل استهزؤوا بالدّين الّذي هم عليه فلم يعملوا به، والاستهزاء ليس مسوّغا في دين، وقيل: «لعبا ولهوا» باطلا وفرحا «٥» . اللهو: ما لهوت به ولعبت به. واللهو: اللّعب. يقال: لهوت بالشّيء ألهو به لهوا وتلهّيت به إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره. ولهيت عن الشّيء بالكسر، ألهى بالفتح، لهيا ولهيانا إذا سلوت عنه وتركت ذكره وإذا غفلت عنه واشتغلت. وقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً (الجمعة/ ١١) . قيل اللهو: الطّبل. وقيل: اللهو كلّ ما تلهّي به، لها، يلهو، لهوا، والتهى، وألهاه ذلك. ولهت المرأة إلى حديث المرأة تلهو لهوّا ولهوا:

стр. 6250

أنست به وأعجبها. وقوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ (لقمان/ ٦) وجاء في التّفسير: أنّ لهو الحديث هنا الغناء؛ لأنّه يلهى به عن ذكر الله ، وكلّ لعب لهو. وقال قتادة في هذه الآية: أما والله لعلّه أن لا يكون أنفق مالا، وبحسب المرء من الضّلالة أن يختار حديث الباطل على حديث الحقّ، وقد روي عن النّبيّ ﷺ : أنّه حرّم بيع المغنّية وشراءها «١» . اللعب لغة: اللّعب واللّعب ضدّ الجدّ، لعب يلعب لعبا ولعبا، ولعّب وتلاعب وتلعّب مرّة بعد أخرى «٢» . واللّعب كلّ عمل لا يجدي عليه نفعا. والتّلعاب: اللّعب، صيغة تدلّ على تكثير المصدر وهي كثرة المزح والمداعبة ومنه حديث «أنّ عليّا كان تلعابة) والتّلعابة الكثير اللّعب «٣» . اللهو اصطلاحا: قال الجرجانيّ: اللهو الشّيء الّذي يتلذّذ به الإنسان فيلهيه ثمّ ينقضي «٤» . وقال المناويّ: اللهو: ما يشغل الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه، وقال الطّرطوشيّ: أصل اللهو: التّرويح عن النّفس بما لا تقتضيه الحكمة «٥» . وقال الكفويّ: كلّ باطل ألهى عن الخير وعمّا يعني فهو لهو «٦» . اللعب اصطلاحا: قال الجرجانيّ: اللّعب: فعل الصّبيان من غير أن يعقب فائدة «٧» . وقال الرّاغب: يقال: لعب فلان إذا فعله غير قاصد به مقصدا صحيحا «٨» . ومن ثمّ يكون اللّعب: هو أن يفعل الإنسان فعلا لا يقصد به مقصدا صحيحا (من جهة الشّرع) . اللهو واللعب اصطلاحا: أن ينشغل الإنسان عمّا يعنيه ويهمّه ويمارس من الأفعال مالا فائدة فيه ممّا لا يقصد به مقصد صحيح شرعا «٩» ويكون ذلك بالإعراض عن الحقّ والإقبال على الباطل. الفرق بين اللهو واللعب: قال الكفويّ: اللهو فيه صرف للهمّ بما لا يحسن أن يصرف به. واللّعب فيه طلب للفرح (أو اللّذّة) بما لا يحسن أن يطلب به. وقيل اللهو: الاستمتاع بلذّات الدّنيا (من غناء ونحوه) .

стр. 6251

واللّعب، العبث (بما لا طائل من ورائه) . وقيل: اللهو: الميل من الجدّ إلى الهزل، واللّعب: ترك ما ينفع إلى ما لا ينفع. وقيل: اللهو: الإعراض عن الحقّ، واللّعب: الإقبال على الباطل «١» . [للاستزادة: انظر صفات: اللغو- الإعراض انتهاك الحرمات- شرب الخمر- الفجور- الفسوق- التفريط والإفراط- اتباع الهوى. وفي ضد ذلك: انظر صفات: التقوى- الذكر الصلاة- الطاعة- العبادة- العمل- تعظيم الحرمات] .

стр. 6252

الآيات الواردة في «اللهو واللعب» اللهو بسبب حب المال: ١- الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١) رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣) «١» ٢- وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها وَتَرَكُوكَ قائِماً قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (١١) «٢» ٣- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٩) «٣» ٤- أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ (٢) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ (٧) ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) «٤» اللهو في سياق التحذير من الحياة الدنيا: ٥- وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) «٥» ٦- إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) «٦» ٧- اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) «٧»

стр. 6253

اللهو في سياق الاستهزاء بالدين أو الإعراض عنه: ٨- وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِما كَسَبَتْ لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْها أُولئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِما كَسَبُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) «١» ٩- الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْواً وَلَعِباً وَغَرَّتْهُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا وَما كانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ (٥١) «٢» ١٠- اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣) «٣» ١١- وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧) «٤» اللهو في سياق تنزيه الله عنه: ١٢- وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ (١٦) لَوْ أَرَدْنا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْناهُ مِنْ لَدُنَّا إِنْ كُنَّا فاعِلِينَ (١٧) بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨) «٥»

стр. 6254

الأحاديث الواردة في ذمّ (اللهو واللعب) ١-* (عن عقبة بن عامر- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ الله- ليدخل بالسّهم الواحد ثلاثة نفر الجنّة: صانعه يحتسب في عمله الخير، والرّامي به، والممدّ به» » وفي رواية: «ومنبله «٢» فارموا واركبوا، وأحبّ إليّ أن ترموا من أن تركبوا. كلّ لهو باطل، ليس من اللهو محمود إلّا ثلاثة: تأديب الرّجل فرسه، وملاعبته أهله، ورميه بقوسه ونبله، فإنّهنّ من الحقّ، ومن ترك الرّمي بعد ما علمه رغبة عنه فإنّها نعمة تركها- أو قال: كفرها «٣» » ) * «٤» . الأحاديث الواردة في ذمّ (اللهو واللعب) معنى ٢-* (عن عليّ بن أبي طالب- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما هممت بشيء ممّا كان أهل الجاهليّة يعملون به غير مرّتين. كلّ ذلك يحول بيني وبين ما أريد من ذلك. ثمّ ما هممت بعدها بشيء حتّى أكرمني الله برسالته» ) * «٥» . ٣-* (عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى قال: حدّثنا أصحاب محمّد ﷺ : أنّهم كانوا يسيرون مع النّبيّ ﷺ فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه، ففزع. فقال رسول الله ﷺ : «لا يحلّ لمسلم أن يروّع مسلما» ) * «٦» . ٤-* (عن أبي سعيد الخدريّ- ﵁ قال: بينا نحن نسير مع رسول الله ﷺ بالعرج إذ عرض شاعر ينشد. فقال رسول الله ﷺ : «خذوا الشّيطان، أو أمسكوا الشّيطان، لأن يمتلىء جوف

стр. 6255

رجل قيحا، خير له من أن يمتلىء شعرا» ) * «١» . ٥-* (عن هشام بن زيد بن أنس قال: دخلت مع جدّي أنس بن مالك دار الحكم بن أيّوب فإذا قوم قد نصبوا دجاجة يرمونها. قال: فقال أنس «نهى رسول الله ﷺ أن تصبر البهائم» ) * «٢» . ٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ رأى رجلا يتبع حمامة يلعب بها، فقال: «شيطان يتبع شيطانة» ) * «٣» . ٧-* (عن نافع قال: سمع ابن عمر مزمارا، قال: فوضع أصبعيه على أذنيه، ونأى عن الطّريق وقال لي: يا نافع، هل تسمع شيئا؟ قال: فقلت: لا. قال: فرفع أصبعيه من أذنيه، وقال: كنت مع النّبيّ ﷺ فسمع مثل هذا فصنع مثل هذا) * «٤» . ٨-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا تتّخذوا شيئا فيه الرّوح غرضا «٥» » ) * «٦» . ٩-* (عن جابر- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا ترسلوا فواشيكم «٧» وصبيانكم إذا غابت الشّمس حتّى تذهب فحمة العشاء. فإنّ الشّياطين تعبث إذا غابت الشّمس حتّى تذهب فحمة العشاء» «٨» ) * «٩» . ١٠-* (عن عمران بن حصين- ﵄ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «لا جلب «١٠» ولا جنب «١١» زاد يحيى في حديثه «في الرّهان» ) * «١٢» . ١١-* (عن يزيد بن سعيد: أنّه سمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يأخذنّ أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادّا» وقال سليمان: «لعبا ولا جدّا» ومن أخذ عصا أخيه فليردّها) * «١٣» .

стр. 6256

١٢-* (عن أنس بن مالك- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لست من دد «١» ولا دد منّي» ) * «٢» . ١٣-* (عن أبي عامر- أو أبي مالك- الأشعريّ أنّه سمع النّبيّ ﷺ يقول: «ليكوننّ من أمّتي أقوام، يستحلّون الحر «٣» والحرير والخمر والمعازف «٤» ، ولينزلنّ أقوام إلى جنب علم «٥» يروح عليهم بسارحة «٦» لهم، يأتيهم- يعني الفقير- لحاجة فيقولوا: ارجع إلينا غدا فيبيّتهم الله «٧» ، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة» ) * «٨» . ١٤-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله فيه، إلّا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان لهم حسرة» ) * «٩» . ١٥-* (عن عبد الله بن جعفر- ﵄ قال: مرّ رسول الله ﷺ على أناس، وهم يرمون كبشا بالنّبل، فكره ذلك، وقال: «لا تمثلوا «١٠» بالبهائم» ) * «١١» . ١٦-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من حلف منكم باللّات والعزّى، فليقل لا إله إلّا الله، ومن قال لصاحبه: تعال أقامرك فليتصدّق» ) * «١٢» . ١٧-* (عن الشّريد- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من قتل عصفورا عبثا عجّ إلى الله- يوم القيامة يقول: يا ربّ إنّ فلانا قتلني عبثا، ولم يقتلني لمنفعة» ) * «١٣» . ١٨-* (عن أبي هريرة- ﵁ عن رسول الله ﷺ أنّه قال «من قعد مقعدا لم يذكر الله

стр. 6257

فيه كانت عليه من الله ترة» ، ومن اضطجع مضجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه من الله ترة» ) * «٢» . ١٩-* (عن أبي موسى- ﵁ قال: من لعب بالكعبين «٣» ، فقد عصى رسول الله ﷺ * «٤» . ٢٠-* (عن أبي موسى الأشعريّ- ﵁ أنّ رسول الله ﷺ قال: «من لعب بالنّرد، فقد عصى الله ورسوله» ) * «٥» . ٢١-* (عن بريدة بن الحصيب- ﵁ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من لعب بالنّردشير، فكأنّما صبغ يده في لحم خنزير ودمه» ) * «٦» . ٢٢-* (عن عبد الله بن عبّاس- ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن التّحريش بين البهائم «٧» ) * «٨» . ٢٣-* (عن عبد الله بن مغفّل المزنيّ قال: نهى النّبيّ ﷺ عن الخذف وقال: «إنّه لا يقتل الصّيد، ولا ينكأ العدوّ، وإنّه يفقأ العين، ويكسر السّنّ» ) * «٩» . ٢٤-* (عن معاوية بن بهز قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ويل للّذي يحدّث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له، ويل له» ) * «١٠» . من الآثار الواردة في ذمّ (اللهو واللعب) ١-* (عن معمر بن راشد قال: بلغني أنّ الصّبيان قالوا ليحيى بن زكريّا: اذهب بنا نلعب. قال: ما للّعب خلقت. قال: فهو قوله تعالى وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (مريم/ ١٢)) * «١١» .

стр. 6258

٢-* (عن قثم بن العبّاس عن أمّ قثم قالت: دخل علينا عليّ بن أبي طالب- ﵁ ونحن نلعب بالأربع عشرة. فقال: ما هذا؟ قلنا: كنّا صياما فأحببنا أن نتلهّى بهذه. فقال- ﵁: ألا أشتري لكم جوزا بدرهم تلعبون به وتتركون هذا؟ قلنا: نعم. فاشترى لنا جوزا وتركناها) * «١» . ٣-* (عن عائشة زوج النّبيّ ﷺ أنّه بلغها أنّ أهل بيت في دارها كانوا سكّانا فيها. عندهم نرد. فأرسلت إليهم لئن لم تخرجوها لأخرجنّكم من داري. وأنكرت ذلك عليهم) * «٢» . ٤-* (عن الزّهريّ يقول: دخلت على أنس ابن مالك بدمشق وهو يبكي. فقلت: ما يبكيك؟ فقال: لا أعرف شيئا ممّا أدركت إلّا هذه الصّلاة، وهذه الصّلاة قد ضيّعت «٣» ) * «٤» وفي رواية: (أليس صنعتم ما صنعتم فيها) «٥» . ٥-* (قال ابن مسعود- ﵁: إيّاكم وهذه الكعبات الموسومة الّتي تزجر زجرا فإنّها من ميسر العجم) * «٦» . ٦-* (عن عبد الله بن مسعود- ﵁ وهو يسأل عن قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ ... (لقمان/ ٦) قال: الغناء، والله الّذي لا إله إلّا هو. ويردّدها ثلاث مرّات) * «٧» . ٧-* (قال ابن عبّاس في قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ.. (لقمان/ ٦) قال: الغناء والاستماع إليه وفي رواية (ونحوه)) * «٨» . ٨-* (عن مالك بن أنس- ﵀ بلغه أنّ رجلا قال لعبد الله بن عبّاس: إنّي طلّقت امرأتي مائة تطليقة فماذا ترى عليّ؟ فقال ابن عبّاس: طلّقت منك بثلاث، وسبع وتسعون اتّخذت بها آيات الله هزوا) * «٩» . ٩-* (عن سعيد بن جبير قال: مرّ ابن عمر ﵄ بفتيان من قريش قد نصبوا طيرا وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطّير كلّ خاطئة «١٠» من نبلهم، فلمّا رأوا ابن عمر تفرّقوا، فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إنّ رسول الله ﷺ لعن من اتّخذ الرّوح غرضا) * «١١» . ١٠-* (وفي رواية للبخاريّ قال: دخل ابن عمر على يحيى بن سعيد- وغلام من بني يحيى رابط دجاجة يرميها- فمشى إليها ابن عمر حتّى حلّها، ثمّ أقبل بها وبالغلام معه، فقال: ازجروا غلامكم عن أن

стр. 6259

يصبر «١» هذا الطّير للقتل؛ فإنّي سمعت النّبيّ ﷺ نهى أن تصبر بهيمة أو غيرها للقتل) * «٢» . ١١-* (عن ابن عمر- ﵄ أنّه رأى رجلا يعبث في صلاته، فقال: لا تعبث في صلاتك، واصنع كما كان رسول الله ﷺ يصنع، قال محمّد: فوضع ابن عمر فخذه اليمنى على اليسرى، ويده اليسرى على ركبته اليسرى، ووضع يده اليمنى على اليمنى، وقال بإصبعه) * «٣» . ١٢-* (عن نافع مولى ابن عمر- ﵄ أنّ ابن عمر كان إذا وجد أحدا من أهله يلعب بالنّرد ضربه وكسرها) * «٤» . ١٣-* (قال ابن عمر- ﵄ لأن أضع يدي في دم خنزير أحبّ إليّ من أن ألعب بالنردشير) * «٥» . ١٤-* (قال مجاهد- ﵀ في قوله تعالى: وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ قال: الغناء والمزامير) * «٦» . ١٥-* (قال البخاريّ- رحمه الله تعالى-: كلّ لهو باطل إذا شغله عن طاعة الله تعالى) * «٧» . ١٦-* (قال ابن سيرين- رحمه الله تعالى-: «الشّرب من الميسر والصّياح من الميسر، والرّيش من الميسر، والقيام من الميسر» . قال أبو سعيد المؤدّب: هو أن يلاعب على شرب الماء، وغرز الرّيش في الرّأس واللّحية، والقيام حتّى يلعب، ويصيح صياح الحمار وصياح الدّيك وغير ذلك) * «٨» . ١٧-* (قال يحيى: وسمعت مالكا يقول: لا خير في الشّطرنج وكرهها. وسمعته يكره اللّعب بها وبغيرها من الباطل. ويتلو هذه الآية فَماذا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلالُ (يونس/ ٣٢)) * «٩» . ١٨-* (قال ابن كثير في قوله تعالى أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً (الشعراء/ ١٢٨) : أي معلما بناء مشهورا تَعْبَثُونَ أي وإنّما تفعلون ذلك عبثا لا للاحتياج إليه بل لمجرّد اللّعب واللهو، وإظهار القوّة ولهذا أنكر عليهم نبيّهم ﵇ ذلك. لأنّه تضييع للزّمان، وإتعاب للأبدان في غير فائدة، واشتغال بما لا يجدي في الدّنيا ولا في الآخرة) * «١٠» . ١٩-* (قال الحسن البصريّ: ألهاكم التّكاثر

стр. 6260

في الأموال والأولاد) *» . ٢٠-* (قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً أي أفظننتم أنّكم مخلوقون عبثا بلا قصد ولا إرادة منكم ولا حكمة لنا وقيل: للعبث، أي لتلعبوا وتعبثوا كما خلقت البهائم لا ثواب لها ولا عقاب، وإنّما خلقناكم للعبادة وإقامة أوامر الله- وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ أي لا تعودون في الدّار الآخرة كما قال تعالى أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً يعني هملا) * «٢» . ٢١-* (قال الحسن البصريّ: نزلت هذه الآية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ (لقمان/ ٦) في الغناء والمزامير) * «٣» . ٢٢-* (قال ابن كثير- ﵀: وصف الله تعالى الكافرين بما كانوا يعتمدونه في الدّنيا باتّخاذهم الدّين لهوا ولعبا واغترارهم بالدّنيا وزينتها وزخرفها عمّا أمروا به من العمل للآخرة) * «٤» . ٢٣-* (قال ابن كثير في قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ ... (المنافقون/ ٩) يقول تعالى آمرا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك، ومخبرا لهم بأنّه من التّلهّى بمتاع الحياة الدّنيا وزينتها عمّا خلق له من طاعة ربّه وذكره فإنّه من الخاسرين الّذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة) * «٥» . ٢٤-* (قال ابن كثير- ﵀: يقول تعالى تحقيرا لأمر الدّنيا وتهوينا لشأنها إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ (محمد/ ٣٦) : أي حاصلها ذلك إلّا ما كان منها لله * «٦» . ٢٥-* (قال ابن حجر في قوله ﷺ : كلّ لهو باطل إذا شغله. أي شغل اللّاهي به (عن طاعة الله) أي كمن التهى بشيء من الأشياء مطلقا سواء كان مأذونا في فعله أو منهيّا عنه كمن اشتغل بصلاة نافلة أو بتلاوة أو ذكر أو تفكّر في معاني القرآن مثلا حتّى خرج وقت الصّلاة المفروضة عمدا فإنّه يدخل تحت هذا الضّابط، وإذا كان هذا في الأشياء المرغوب فيها المطلوب فعلها فكيف حال ما دونها) * «٧» . ٢٦-* (قال ابن القيّم- ﵀: فدع صاحب المزمار والدّفّ والغنا ... وما اختاره عن طاعة الله مذهبا ودعه يعش في غيّه وضلاله ... على تنتنا «٨» يحيا ويبعث أشيبا

стр. 6261

وفي تنتنا يوم المعاد نجاته ... إلى الجنّة الحمراء يدعى مقرّبا سيعلم يوم العرض أيّ بضاعة ... أضاع وعند الوزن ما خفّ أو ربا ويعلم ما قد كان فيه حياته ... إذا حصلت أعماله كلّها هبا دعاه الهدى والغيّ من ذا يجبيبه ... فقال لداعي الغيّ أهلا ومرحبا وأعرض عن داعي الهدى قائلا له ... هواي إلى صوت المعازف قد صبا يراع ودفّ بالصّنوج وشادن ... وصوت مغنّ صوته يقنص الظّبا فما شئت من صيد بغير تطارد ... ووصل حبيب كان بالهجر عذّبا) * «١» . ٢٧-* (قال الشّاعر محمّد إقبال- ﵀ هي المدنيّة الحمقاء ألقت ... بهم حول المفاسد حائرينا لقد صنعت لهم صنم الملاهي ... ليحجب عنهم الحرم الأمينا) * «٢» . من مضار (اللهو واللعب) (١) يقطع الصّلة بين العبد وبين ربّه شيئا فشيئا من حيث لا يشعر. (٢) يقع صاحبه في حبائل الشّيطان ويبتعد عن ذكر الرّحمن. (٣) اللهو بأصنافه وأنواعه يجرّ المسلم إلى الباطل. (٤) سبب لهدر الأموال وإنفاقها بغير حقّها. (٥) يضيّع وقت المسلم بلا فائدة. ويصرفه عن الطّاعات وفعل الخيرات. (٦) يزرع النّفاق في القلب. وينمّيه الشّيطان ويحسّنه ويزيّنه له حتّى يصير منافقا خالصا. (٧) تتضاءل شخصيّة صاحبه بين مجتمعه حتّى يحتقر وينبذ.

стр. 6262

اللؤم اللؤم لغة: اللّؤم: شحّ النّفس ودناءة الأصل، وهو مأخوذ من مادّة (ل أم) الّتي تدلّ على ذلك، يقول ابن فارس: «اللّام والألف والميم أصلان: أحدهما: الاتّفاق والاجتماع والآخر: خلق رديء، فمن الثّاني: اللّؤم: يقولون: إنّ اللّئيم الشّحيح المهين النّفس الدّنيّ الأصل «١» . اللّؤم ضدّ الكرم. واللّئيم: الدّنأ الأصل الشّحيح النّفس والمهين ونحوهم. وقد لؤم الرّجل بالضّمّ، يلؤم لؤما على فعل، وملأمة على مفعلة، ولامة على فعالة، فهو لئيم من قوم لئام ولؤماء، وملأمان؛ وقد جاء في الشّعر ألائم على غير قياس؛ قال: إذا زال عنكم أسود العين كنتم ... كراما، وأنتم ما أقام ألائم وأسود العين: جبل معروف، والأنثى ملأمانة، وقالوا في النّداء: يا ملأمان خلاف قولك يا مكرمان. ويقال للرّجل إذا سبّ: يا لؤمان، ويا ملأمان ويا ملأم. وألأم: أظهر خصال اللّؤم. ويقال: قد ألأم الرّجل إلآ ما إذا صنع ما يدعوه النّاس عليه لئيما فهو ملئم. وألا أم: ولد اللّئام؛ هذه عن ابن الأعرابيّ، واستلأم أصهارا «٢» لئاما، واستلأم أبا إذا كان له أب سوء لئيم. ولأّمه: نسبه إلى اللّؤم. وأنشد ابن الأعرابيّ: يروم أذى الأحرار كلّ ملأّم ... وينطق بالعوراء من كان معورا والملأم والملآم: الّذي يعذر اللّئام. والملئم: الّذي يأتي اللّئام. والملئم: الرّجل اللّئيم «٣» . اللؤم اصطلاحا: لم تزد كتب المصطلحات في تعريفها للّؤم على ما ذكره الكفويّ من أنّ اللّؤم ضدّ الكرم «٤» وهو عين ما ذكره اللّغويّون، ويمكننا في ضوء ذلك أن نعرّف اللّؤم بأنّه: شحّة النّفس ومهانتها ودنوّ طبعها يقول ابن فارس: اللّئيم: هو الشّحيح المهين النّفس، الدّنيء «٥» . ويقول الجوهريّ: اللّئيم: الدّنأ الأصل الشّحيح النّفس «٦» . قلت: إنّه إذا كان اللّؤم ضدّ الكرم فإنّه يمكن تعريفه بضدّ ما يعرّف به الكرم، فإذا

стр. 6263

كان الكرم كما يقول الرّاغب: اسم للأخلاق والأفعال المحمودة الّتي تظهر منه «١» (أي الكريم) فإنّ اللّؤم يمكن أن يعرّف بأنّه: اسم للأخلاق والأفعال المذمومة الّتي تظهر من اللّئيم، وكلّ خبث في بابه فهو لؤم كما أنّ كلّ شيء شرف في بابه فهو كرم. وإذا كان الكرم إفادة ما ينبغي لا لغرض كما يقول الجرجانيّ المناويّ «٢» ، فإنّ اللّؤم: عدم إفادة ما ينبغي، أو إفادته لغرض كالرّياء وجلب المنفعة والخلاص من الذّمّ ونحو ذلك. [للاستزادة: انظر صفات: الخبث- الخداع- سوء المعاملة- الغش- المكر- نقض العهد. وفي ضد ذلك: انظر صفات: الشهامة- المروءة- النبل- النزاهة- الأمانة] .

стр. 6264

الأحاديث الواردة في ذمّ (اللؤم) ١-* (عن أبيّ بن كعب- ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّه بينما موسى ﵇ في قومه يذكّرهم بأيّام الله. وأيّام الله نعماؤه وبلاؤه. إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلا خيرا أو أعلم منّي. قال فأوحى الله إليه. إنّي أعلم بالخير منه. أو عند من هو؟ إنّ في الأرض رجلا هو أعلم منك. قال: يا ربّ! فدلّني عليه. قال: فقيل له: تزوّد حوتا مالحا. فإنّه حيث تفقد الحوت. قال فانطلق هو وفتاه حتّى انتهيا إلى الصّخرة. فعمّي عليه. فانطلق وترك فتاه. فاضطرب الحوت في الماء. فجعل لا يلتئم عليه. صار مثل الكوّة «١» . قال: فقال فتاه: ألا ألحق نبيّ الله فأخبره؟ قال فنسّي. فلمّا تجاوزا قال لفتاه: آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا. قال: ولم يصبهم نصب حتّى تجاوزا. قال: فتذكّر قال: أرأيت إذ أوينا إلى الصّخرة فإنّي نسيت الحوت وما أنسانيه إلّا الشّيطان أن أذكره واتّخذ سبيله في البحر عجبا. قال: ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا على آثارهما قصصا. فأراه مكان الحوت. قال: هاهنا وصف لي. قال: فذهب يلتمس فإذا هو بالخضر مسجّى ثوبا، مستلقيا على القفا. أو قال: على حلاوة القفا «٢» . قال: السّلام عليكم. فكشف الثّوب عن وجهه قال: وعليكم السّلام. من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: ومن موسى؟ قال: موسى بني إسرائيل. قال: مجيء ما جاء بك؟ «٣» قال: جئت لتعلّمني ممّا علّمت رشدا. قال: إنّك لن تستطيع معي صبرا. وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا. شيء أمرت به أن أفعله إذا رأيته لم تصبر. قال: ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا. قال: فإن اتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتّى أحدث لك منه ذكرا. فانطلقا، حتّى إذا ركبا في السّفينة خرقها. قال: انتحى عليها «٤» . قال له موسى- ﵇: أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا. قال: ألم أقل إنّك لن تستطيع معي صبرا؟ قال: لا تؤاخذني بما نسيت، ولا ترهقني من أمري عسرا. فانطلقا حتّى إذا لقيا غلمانا يلعبون. قال: فانطلق إلى أحدهم بادي الرّأي «٥» فقتله. فذعر عندها موسى- ﵇ ذعرة منكرة. قال: أقتلت نفسا زاكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا» . فقال رسول الله ﷺ ، عند هذا المكان: «رحمة الله علينا وعلى موسى، لولا أنّه عجّل

стр. 6265

لرأى العجب. ولكنّه أخذته من صاحبه ذمامة «١» . قال: إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبني. قد بلغت من لدنّي عذرا. ولو صبر لرأى العجب- قال: وكان إذا ذكر أحدا من الأنبياء بدأ بنفسه: «رحمة الله علينا وعلى أخي كذا. رحمة الله علينا- فانطلقا حتّى إذا أتيا أهل قرية لئاما فطافا في المجالس فاستطعما أهلها. فأبوا أن يضيّفوهما. فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه. قال: لو شئت لاتّخذت عليه أجرا. قال: هذا فراق بيني وبينك وأخذ بثوبه. قال: سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً* أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ (الكهف/ ٦٨- ٧٩) . إلى آخر الآية. فإذا جاء الّذي يسخّرها وجدها منخرقة فتجاوزها فأصلحوها بخشبة. وأمّا الغلام فطبع يوم طبع كافرا. وكان أبواه قد عطفا عليه. فلو أنّه أدرك، أرهقهما طغيانا وكفرا «٢» . فأردنا أن يبدلهما ربّهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما «٣» . وأمّا الجدار، فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته» إلى آخر الآية) * «٤» . ٢-* (عن أبي هريرة- ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «المؤمن غرّ كريم، والفاجر خبّ لئيم) * «٥» . ٣-* (عن عبد الله بن عمر- ﵄ قال: نهى رسول الله ﷺ عن النّذر. وقال «إنّما يستخرج به من اللّئيم» ) * «٦» . من الآثار الواردة في ذمّ (اللؤم) ١-* (كتب أحمد بن يوسف: أمّا بعد، فإنّي لا أعرف للمعروف طريقا أوعر من طريقه إليك؛ فالمعروف لديك ضائع، والشّكر عندك مهجور. وإنّما غايتك في المعروف أن تحقره، وفي وليّه أن تكفره) * «٧» . ٢-* (للعتّابي: تأتّينا إفاقتك من سكرتك، وترقّبنا انتباهك من رقدتك، وصبرنا على تجرّع الغيظ فيك، حتّى بان لنا اليأس من خيرك، وكشف لنا الصّبر

стр. 6266

عن وجه الغلط فيك. فها أنا قد عرفتك حقّ معرفتك في تعدّيك لطورك، واطّراحك حقّ من غلط في اختيارك) * «١» . ٣-* (لإبراهيم بن المهديّ: أمّا بعد، فإنّك لو عرفت فضل الحسن لتجنّبت شين القبيح، ورأيتك آثر القول عندك ما يضرّك، فكنت فيما كان منك ومنّا، كما قال زهير بن أبي سلمى: وذي خطل في القول يحسب أنّه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله «٢» . ٤-* (إنّ مودّة الأشرار متّصلة بالذّلّة والصّغار، تميل معهما، وتتصرّف في آثارهما. وقد كنت أحلّ مودّتك بالمحلّ النّفيس، وأنزلها بالمنزل الرّفيع، حتّى رأيت ذلّتك عند القلّة، وضرعك عند الحاجة، وتغيّرك عند الاستغناء، واطّراحك لإخوان الصّفاء، فكان ذلك أقوى أسباب عذري في قطيعتك عند من يتصفّح أمري وأمرك بعين عدل، لا يميل إلى هوى ولا يرى القبيح حسنا) *» . ٥-* (كتب أبو العتاهية إلى الفضل بن معن ابن زائدة: أمّا بعد، فإنّي توسّلت في طلب نائلك بأسباب الأمل، وذرائع الحمد، فرارا من الفقر، ورجاء للغنى، فازددت بهما بعدا ممّا فيه تقرّبت، وقربا ممّا فيه تبعّدت. وقد قسّمت اللّائمة بيني وبينك؛ لأنّي أخطأت في سؤالك وأخطأت في منعي، وأمرت باليأس من أهل البخل فسألتهم، ونهيت عن منع أهل الرّغبة فمنعتهم. وفي ذلك أقول: فررت من الفقر الّذي هو مدركي ... إلى بخل محظور النّوال منوع فأعطبني الحرمان غبّ مطامعي ... كذلك من تلقاه غير قنوع وغير بديع منع ذي البخل ماله ... كما بذل أهل الفضل غير بديع إذا أنت كشّفت الرّجال وجدتهم ... لأعراضهم من حافظ ومضيع) * «٤» . ٦-* (وقف رجل خراسانيّ بباب أبي دلف العجليّ حينا فلم يؤذن له، فكتب رقعة وتلطّف في وصولها إليه وفيها: إذا كان الكريم له حجاب ... فما فضل الكريم على اللّئيم) * «٥» . ٧-* (ومن أطرف ما يروى في اللّؤم: قيل: كان عمرو الأعجميّ يلي حكم السّند فكتب إلى موسى الهادي أنّ رجلا من أشراف أهل الهند من آل المهلّب ابن أبي صفرة اشترى غلاما أسود فربّاه وتبنّاه فلمّا كبر وشبّ اشتدّ به هوى مولاته فراودها عن نفسها فأجابته، فدخل مولاه يوما على غفلة منه من حيث لا

стр. 6267

يعلم، فإذا هو على صدر مولاته فعمد إليه فجبّ ذكره، وتركه يتشحّط في دمه، ثمّ أدركته عليه رقّة وندم على ذلك، فعالجه إلى أن برأ من علّته، فأقام الغلام بعدها مدّة يطلب أن يأخذ بثأره من مولاه، ويدبّر عليه أمرا يكون فيه شفاء غليله، وكان لمولاه ابنان أحدهما طفل، والآخر يافع كأنّهما الشّمس والقمر، فغاب الرّجل يوما عن منزله لبعض الأمور، فأخذ الغلام الصّبيّين فصعد بهما على ذروة سطح عال فنصبهما هناك، وجعل يعلّلهما بالمطعم مرّة، وباللّعب أخرى إلى أن دخل مولاه فرفع رأسه فرأى ابنيه في شاهق مع الغلام فقال: ويلك عرّضت ابنيّ للموت. قال: أجل، والله الّذي لا يحلف العبد بأعظم منه ولئن لم تجبّ ذكرك مثلما جببتني لأرمينّ بهما فقال: الله الله يا ولدي في تربيتي لك، قال: دع هذا عنك، فو الله ما هي إلّا نفسي وإنّي لا أسمح بها في شربة ماء، فجعل يكرّر عليه، ويتضرّع له، وهو لا يقبل ذلك ويذهب الوالد يريد الصّعود إليه فيدلّيهما من ذلك الشّاهق. فقال أبوهما: ويلك، فاصبر حتّى أخرج مدية وأفعل ما أردت، ثمّ أسرع وأخذ مدية فجبّ نفسه وهو يراه، فلمّا رأى الغلام ذلك رمى الصّبيّين من الشّاهق فتقطّعا. وقال: إنّ جبّك لنفسك ثأري، وقتل أولادك زيادة فيه. فأخذ الغلام وكتب بخبره لموسى الهادي، فكتب موسى لصاحب السّند عمرو الأعجميّ بقتل الغلام. وقال: ما سمعت بمثل هذا قطّ) * «١» . ٨-* (قيل لبعض الحكماء: ما الجرح الّذي لا يندمل. قال: حاجة الكريم إلى اللّئيم، ثمّ يردّه بغير قضائها. قيل: فما الّذي هو أشدّ منه، قال: وقوف الشّريف بباب الدّنيء ثمّ لا يؤذن له) * «٢» . ٩-* (قال الشّاعر: إذا أنت أكرمت الكريم ملكته ... وإن أنت أكرمت اللّئيم تمرّدا ووضع النّدا في موضع السّيف بالعلا ... مضرّ كوضع السّيف في موضع النّدا) * «٣» . ١٠-* (وقال آخر: أحبّ بنيّتي ووددت أنّي ... دفنت بنيّتي في جوف لحد ومالي بغضها غرضا ولكن ... مخافة ميتتي فتضيع بعدي مخافة أن تصير إلى لئيم ... فيفضح والدي ويشين جدّي) * «٤» .

стр. 6268

من مضار (اللؤم) (١) يسخط الجبّار ويؤدّي إلى النّار. (٢) اللّئيم مبغوض من الله والملائكة والنّاس أجمعين. (٣) يشعر بالحقد والكراهية للمجتمع. (٤) لا يهنأ له عيش، ولا يقرّ له قرار. (٥) يشوب قلبه الحسد والبغض لمن حوله. (٦) تستحكم فيه أنانية النّفس ودناءتها.

стр. 6269

[حرف الميم] المجاهرة بالمعصية المجاهرة لغة: مصدر قولهم: جاهر يجاهر مجاهرة، وهو مأخوذ من مادّة (ج هـ ر) الّتي تدلّ على إعلان الشّيء وكشفه وعلوّه، يقال: جهرت بالكلام، أعلنت به، ورجل جهير الصّوت، أي عاليه، قال الشّاعر: أخاطب جهرا إذ لهنّ تخافت ... وشتّان بين الجهر والمنطق الخفت «١» وقولهم: جهرت البئر واجتهرتها معناه نقّيتها وأخرجت ما فيها من الحمأة، وهي بئر مجهورة (أي منقّاة صافية) ، وقول الله تعالى: حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً ... (البقرة/ ٥٥) أي عيانا يكشف ما بيننا وبينه «٢» ، وأصل الجهر الظّهور، ومن ذلك: الجهر بالقراءة إنّما هو إظهارها والمجاهرة بالمعاصي، المظاهرة بها، ورأيت الأمير جهارا وجهرة أي غير مستتر بشيء «٣» ، وقد لخّص الفيروز اباديّ معاني هذه المادّة فقال: المادّة موضوعة لإظهار الشّيء بإفراط لحاسّة البصر أو لحاسّة السّمع، أمّا البصر فنحو قولك: رأيته جهارا (بفتح الجيم وكسرها) وأمّا للسّمع فنحو قولهم: جهر بالكلام «٤» ، ومن الأخير ما جاء في حديث عمر- ﵁ أنّه كان مجهرا، أي صاحب جهر ورفع لصوته «٥» ، أمّا المجاهرون في قوله ﷺ «كلّ أمّتي معافى إلّا المجاهرين» «٦» فهم الّذين جاهروا بمعاصيهم، وأظهروها وكشفوا ما ستر الله عليهم منها فيتحدّثون به «٧» . وقال ابن منظور: يقال: جهر بالقول، إذا رفع به صوته فهو جهير، وأجهر فهو مجهر إذا عرف بشدّة الصّوت، وجهر الشّيء علن وبدا، وجهر بكلامه ودعائه وصوته وصلاته وقراءته يجهر جهرا وجهارا، وأجهر بذلك أعلنه وأظهره، وفرّق بعضهم بين جهر وأجهر فقال: جهر: أعلى الصّوت، وأجهر: أعلن، وكلّ إعلان جهر وجاهرهم بالأمر مجاهرة وجهارا: عالنهم، وأمر مجهر أي واضح بيّن، وقد أجهرته أنا إجهارا أي شهّرته، فهو مجهور به مشهور، والمجهورة

стр. 6270

من الآبار: المعمورة عذبة كانت أو ملحة، والجهر أيضا: الاستخراج «١» ومن ذلك ما جاء في حديث خيبر: «وجد النّاس بها بصلا وثوما فجهروه» أي استخرجوه وأكلوه (من قولهم: جهرت البئر إذا كانت مندفنة فأخرجت ما فيها) «٢» ، والأجهر من الرّجال الّذي لا يبصر في الشّمس، والمجاهرة بالعداوة: المبادأة بها «٣» والمجاهرة بالسّوء من القول في قوله : لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ.. (النساء/ ١٤٨) فقد جاء في تفسيرها: لا يحبّ الله أن يجهر أحد بالسّوء من القول إلّا من ظلم فلا يكره له الجهر به» «٤» ، وقال ابن كثير: فيما يرويه عن ابن عبّاس في هذه الآية: المعنى، لا يحبّ الله أن يدعو أحد على أحد إلّا أن يكون مظلوما فقد رخّص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله: «إلّا من ظلم» وإن صبر فهو خير له» «٥» . المعصية لغة: انظر صفة العصيان المجاهرة بالمعصية اصطلاحا: أن يرتكب الشّخص الإثم علانية، أو يرتكبه سرّا فيستره الله ، ولكنّه يخبر به بعد ذلك مستهينا بستر الله له. قال ابن حجر: والمجاهر الّذي أظهر معصيته، وكشف ما ستر الله عليه فيحدّث بها «٦» ، أمّا المجاهرون في الحديث الشّريف «كلّ أمّتي معافى إلّا المجاهرين «٧» فيحتمل أن يكون بمعنى: من جهر بالمعصية وأظهرها، ويحتمل أن يكون المراد: الّذين يجاهر بعضهم بعضا بالتّحدّث بالمعاصي، قال ابن حجر: وبقيّة الحديث تؤكّد المعنى الأوّل. «٨» أنواع المجاهرة: ممّا سبق يتّضح أنّ المجاهرة تكون على أنواع ثلاثة: ١- المجاهرة بمعنى إظهار المعصية وذلك كما يفعل المجّان والمستهترون بحدود الله، والّذي يفعل المعصية جهارا يرتكب محذورين: الأوّل: إظهار المعصية والآخر: تلبّسه بفعل المجّان، والمجانة (أي المجون) ، مذمومة شرعا وعرفا» «٩» . ٢- المجاهرة بمعنى إظهار ما ستر الله على العبد من فعله المعصية، كأن يحدّث بها تفاخرا أو استهتارا بستر الله تعالى وهؤلاء هم الّذين لا يتمتّعون بمعافاة الله . ٣- المجاهرة بمعنى أن يجاهر بعض الفسّاق بعضا بالتّحدّث بالمعاصي.
следующие страницы →