← История

История · id 22799

تاريخ دمشق لابن القلانسي

ابن القلانسي

Полный текст (573 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

في الأتراك وفتكه بمن يظفر به من أبطالهم الفتاك. فأقام أبو العز الوزير بحمص إلى حين عوده فخلع عليه شرف الدولة وأكرمه وقرر معه حفظ الشام وطيب بنفسه. وسار بعد ذلك السلطان تاج الدولة إلى ناحية طرابلس وافتتح انطرطوس وبعض الحصون وعاد إلى دمشق. وورد الخبر بنزول السلطان العادل ملك شاه أبي الفتح بن البارسلان على حلب في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان من السنة وضايقها إلى أن ملكها مع القلعة. وفي يوم الخميس الثاني من المحرم توجه شرف الدولة إلى بلد انطاكية للقاء الفردوس ملك الروم.

стр. 212

وفيها وصل الأمير شمس الدولة سالم بن مالك بالخلع السلطانية إلى شرف الدولة إلى حلب وقرر الصلح بين شرف الدولة وابن ملاعب بحمص. وفيها وصل أبو العز بن صدقة وزير شرف الدولة في عسكر كثيف لإنجاد حلب على تاج الدولة فلما وصل إليها رحل تاج الدولة في الحال عنها سنة ست وسبعين وأربعمائة فيها عمل على مدينة حران وأخذت من ملكة شرف الدولة مسلم بن قريش في سابع صفر وعاد إليها حين عرف خبرها فنزل عليها في عسكره

стр. 213

وضايقها وواظبها إلى أن افتتحها وملكها ورتب أمرها واحتط عليها واعتمد على الثقات في حفظها.

стр. 214

وفي هذه السنة تنكر شرف الدولة على وزيره أبي العز بن صدقة لأسباب أنكرها منه وأحوال بلغته عنه فقبض عليه واعتقله وأقام أياماً وقرر أمره وأطلقه وطيب نفسه سنة سبع وسبعين وأربعمائة في هذه السنة شرع سليمان بن قتلمش في العمل على مدينة انطاكية والتدبير لأمرها والاجتهاد في أخذها والتملك لها ولم يزل على هذه القضية إلى أن تم له ما أراده فيها وملكها سرقةً في يوم الأحد العاشر من شعبان ورتب أمرها بمن اعتمد عليه في حفظها من ثقات ولاته.

стр. 215

وفي شهر ربيع الأول من السنة كانت وقعة بين عسكر شرف الدولة وعسكر الأتراك بأرض آمد من ديار بكر واستظهر الأتراك على عسكر شرف الدولة فهزموه. وفي رجب منها توجه شرف الدولة مسلم بن قريش إلى دركاه السلطان العادل ملك شاه بن البارسلان ودخل عليه ووطئ بساطه فأكرمه واحترمه وخلع عليه وقرر أمره على ما يهوى من اصلاح أحواله والاقرار على أعماله وإزالة ما كان يخشاه وعاد مسروراً بما لقي ومحبوراً بنيل مبتغاه

стр. 216

سنة ثمان وسبعين وأربعمائة في هذه السنة كان مصاف الحرب بين الملك سليمان بن قتلمش وبين الأمير شرف الدولة مسلم بن قريش في اليوم الرابع والعشرين من صفر على نهر سفين في موقع يقال له قرزاحل فكسر عسكر شرف الدولة وقتل ورحل سليمان بعد ذلك في جمعه ونزل على حلب محاصراً لها ومضايقاً عليها في مستهل شهر ربيع الأول وأقام منازلاً لها مدة ولم يتهيأ له ما أراده فيها فرحل عنها في الخامس من شهر ربيع الآخر منكفئاً إلى بلاده.

стр. 217

وفيها شرع في عمارة قلعة الشريف بحلب وترميم ما كان هدم منها واعادتها إلى ما كانت عليه في حال عمارتها. وفيها وردت الأخبار من ناحية المغرب بأن الافرنج استولوا على بلاد الأندلس وتملكوها وفتكوا بأهلها وإن صاحب طليطلة استصرخ بالملثمين واستنجد بهم على الافرنج فأجابوه إلى الإنجاد ونهضوا للإغاثة والاسعاد وطلب الجهاد ووصلوا إليه في خلق عظيم وجيش كثيف وصافوا الافرنج وهم في الاعداد الدثرة والعدد الغاية في الكثرة فكسروا عسكر الافرنج كسرةً عظيمةً أجلت عن قتل الأكثر منهم ولم يفلت إلا من سبق جواده وأخر في أجله بحيث أحصي القتلى فكانوا عشرين الفاً فجمعت رؤوسهم وبني بها أربع منابر للتأذين في غاية الارتفاع وأذن المسلمون فيها وعاد عسكر الملثمين إلى بلادهم سالمين ظافرين مسرورين مأجورين وامتنعوا من استخلاص ما كان ملكه الافرنج من بلاد الأندلس وبقي في أيديهم على حاله

стр. 218

سنة تسع وسبعين وأربعمائة فيها تقدم السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح بن السلطان البارسلان ﵀ بابطال أخذ المكوس من سائر التجار عن جميع البضائع في العراق وخراسان وحظر تناول شيء منها في بلد من البلاد الجارية في مملكته فكثر الدعاء له من كافة الناس في سائر الأعمال وتضاعف الثناء عليه من الخاص والعام. وفيها وردت الأخبار من ناحية المغرب بوصول الانبرت ابن ملك الافرنج في عسكره إلى مدينة المهدية ونزوله عليها ومضايقته لها إلى أن ملكها بالسيف قهراً وقتل رجالها وسبى كافة من كان بها من أهلها. وفيها جمع الملك سليمان بن قتلمش وحشد وقصد بلد حلب ونزل عليها محاصراً لها ومضايقاً عليها وطامعاً في تملكها فوردت عليه أخبار السلطان تاج الدولة تتش بن البارسلان باحتشاده وتأهبه لقصدها واستعداده فرحل عنها والتقى عسكره وعسكر تاج الدولة في موضع يعرف بعين سلم في يوم الأربعاء الثامن عشر من صفر فكسر عسكر تاج الدولة عسكر سليمان فقتل في الهزيمة وملك تاج الدولة عسكره وسواده ونزل

стр. 219

على حلب وضيق عليها إلى أن تسلمها في شهر ربيع الأول سلمها إليه المعروف بابن اليرعوني الحلبي. وفيها وصل السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى الشام وانهزم تاج الدولة من حلب وملكها السلطان العادل ودخلها في شهر رمضان وخرج منها وقصد انطاكية وملكها وخيم على ساحل البحر أياماً وعاد إلى حلب وعيد بها عيد الفطر ورحل عنها وقصد الرها ونزل عليها وضايقها وملكها

стр. 220

سنة ثمانين وأربعمائة في هذه السنة تقررت ولاية حلب للأمير قسيم الدولة اق سنقر من قبل السلطان ملك شاه أبي الفتح ووصل إليها وأحسن السيرة فيها وبسط العدل في أهليها وحمى السابلة للمترددين فيها وأقام الهيبة وانصف الرعية وتتبع المفسدين فأبادهم وقصد أهل الشر فأبعدهم وحصل له بذلك من الصيت وحسن الذكر وتضاعف الثناء والشكر ما إخباره مذكور واجاره فيه منشور فعمرت السابلة للمترددين من السفار وزاد ارتفاع بالبلد بالواردين بالبضائع من جميع الجهات والأقطار سنة إحدى وثمانين وأربعمائة في هذه السنة توجه السلطان العادل ملك شاه أبو الفتح إلى سمرقند طمعاً في ملكتها بعد فراغ قلبه من الشام وبلاد الروم والجزيرة والرها وديار بكر وديار بني عقيل. وفيها خرج الأمير قسيم الدولة اق سنقر من حلب لتوديع تابوت زوجته خاتون داية السلطان ملك شاه وقيل انها كانت جالسةً معه في داره بحلب وفي يده سكين فأومى بها إليها على سبيل المداعبة والمزاح فوقعت في مقتلها للقضاء المكتوب عليها غير متعمد فماتت وحزن عليها حزناً شديداً وتأسف لفقدها على هذه الحال وحملها إلى الشرق لتدفن في مقابر لها هناك في مستهل جمادى الآخرة.

стр. 221

وفي يوم الثلاثاء مستهل رجب نزل قسيم الدولة على شيزر وحصرها ونهب ربضها وضايقها إلى أن تقرر أمرها والموادعة بينه وبين صاحبها ورحل عنها عائداً إلى حلب سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الشرق بافتتاح السلطان ملك شاه مدينة سمرقند وأسر ملكها وكانت أخته مع السلطان ملك شاه وله منها ثلاثة أولاد فجعل الولاية بها لأحدهم وهو الملك أحمد وأمر بالخطبة له على المنابر وذكر إن الملك أحمد المذكور توفي في سنة ٤٨٤ والابنة منهم زوجها للامام الخليفة المقتدي بأمر الله. وفيها خرج عسكر مصر منها مع مقدميه وقصد الساحل وفتح ثغري صور وصيدا وكان في صور أولاد القاضي عين الدولة ابن أبي عقيل بعد موته ولم يكن قوة لهم تدفع ولا هيبة تمنع فسلموها وكذلك صيدا وقرروا أمرهما ثم رحل العسكر عنهما ونزل على ثغري جبيل وعكا فافتتحهما. وفيها عمرت منارة الجامع بحلب. وفيها نهض قسيم الدولة صاحب حلب في أثر الحرامية قطاع الطريق ومخيفي السبيل فأوقع بهم واستأصل شأفتهم قتلاً وأسراً فأمنت السابلة واطمأنت السافرة وكتب إلى سائر الأطراف والأعمال بتتبع المفسدين وحماية المسافرين وبالغ في ذلك مبالغةً حسن ذكره بها وعظمت هيبته بسببها وشاع له الصيت باعتمادها

стр. 222

واحترز كل من كان في ضيعة أو معقل من أن يتم على أحد من المجتازين به أمر يؤخذ به ويهلك بسببه سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة في هذه السنة نزل السلطان تاج الدولة على حمص في عسكره ومعه الأمير قسيم الدولة صاحب حلب في عسكره والأمير بوزان صاحب انطاكية وفيها خلف ابن ملاعب فضايقوها وصابروها إلى أن ملكوها بالأمان وخرج ابن ملاعب منها وسلمها ووفوا له بما قرروه معه واطلقوا سراحه فتوجه إلى مصر فأقام بها مدة وعاد إلى الشام واعمل الحيلة والتدبير على حصن أفامية إلى أن ملكه وحصل بيده

стр. 223

سنة أربع وثمانين وأربعمائة في ليلة الثلاثاء التاسع من شعبان من السنة حدث في الشام زلزلة عظيمة هائلة لم يسمع بمثلها ووافق هذا اليوم كونه من تشرين الأول وخرج الناس من دورهم خوفاً من عودها. وحكي أن دوراً كثيرة خربت بأنطاكية واضطربت كنيسة السيدة فيها وهلك خلق كثير بالردم وانهدم بها تقدير سبعين برجاً من سورها وبقيت على حالها إلى أن أمر السلطان ملك شاه بعمارتها ولم ما تشعث منها. وفيها نزل الأمير قسيم الدولة صاحب حلب على حصن أفامية فملكه وأبعد خلف بن ملاعب عنها ورتب نائبه في حفظها في ثالث رجب وعاد إلى حلب. وفيها وردت الأخبار من المشرق بوفاة الملك أحمد ابن أخت السلطان ملك شاه المرتب في مملكة جده في سمرقند وخطب له على المنابر حسب ما تقدم ذكره فعاجله القضاء الذي لا يدافع والمحتوم الذي لا يمانع سنة خمس وثمانين وأربعمائة في هذه السنة اقترن المريخ وزحل في برج السرطان وقت الظهر من يوم الاثنين النصف من شهر ربيع الأول وهو السادس والعشرون من نيسان وذكر أهل المعرفة من أهل صناعة النجوم أن هذا القران لم يحدث مثله في هذا البرج منذ مبعث النبي ﷺ وإلى هذه الغاية.

стр. 224

وفيها توجه السلطان العادل ملك شاه من أصفهان إلى بغداد معولاً على قصد مصر لتملكها فلما وصل إلى همذان وثب رجل ديلمي من الباطنية على وزيره خواجه بزرك نظام الملك أبي علي الحسن بن إسحق الطوسي فقتله ﵀ وهرب من ساعته فطلب فلم يوجد ولا ظهر له خبر ولا بان له أثر فأسف الناس وتألموا لمصابه وتضاعف حزنهم لفقد مثله لما كان عليه من حسن الطريقة وآثار العدل والنصفة والاحسان إلى أهل الدين والفقه والقرآن والعلم وحب الخير وحميد السياسة وكان قد آثر الاثارات الحسنة في البلاد من المدارس والرباطات بالعراق وبلاد العجم بحيث كان رزقه يجري على اثني عشر ألف إنسان من فقيه إلى غيره. وحزن السلطان ملك شاه عليه وأسف لفقده وأسرع السير إلى أن وصل إلى بغداد في أيام قلائل من شوال من السنة وقام مديدةً وخرج إلى المتصيد وعاد منه وقد وجد فتوراً في جسمه واشتد به المرض الحاد فتوفي ﵀ في ليلة الأربعاء السادس من شوال من السنة وكان بين وفاته ومقتل خواجه بزرك ثلاثة وثلاثون يوماً وأقام مقامه في المملكة ولده السلطان بركيارق وانتصب في منصبه وأخذت له البيعة ودعي على المنابر باسمه واستقام أمره وانتظمت الحال على مراده. وكان السلطان تاج الدولة تتش قد توجه من دمشق إلى بغداد للقاء أخيه السلطان ملك شاه والخدمة له والتقرب إليه وورد الخبر عليه بوفاته فانكفأ راجعاً ونزل على الرحبة وضايقها وأرسل المقيم بها يلتمس تسليمها إليه فلم يتم له فيها أمر ولا مراد فرحل عنها إلى دمشق وجمع وحشد وعاد

стр. 225

في العسكر إلى الرحبة. وقد كان كاتب قسيم الدولة صاحب حلب ومؤيد الدولة ياغي سيان صاحب أنطاكية يستدعي منهما المساعدة ويبعثهما على الموازرة والمرافدة فسارا نحوه واجتمعا معه فقوي أمره بها واستظهر بعسكرهما ونزل على الرحبة وضايقها إلى أن ملكها بالأمان وأحسن إلى أهلها وأجمل السيرة فيها. وكان قد نذر على نفسه أنه متى ملكها بالأمان والقهر شهر فيها السيف فعند ذاك شهر سيفه عند دخوله إليها واغمده عند استقرار أمرها ووفى بنذره ورحل عنها بعد أن قرر أمرها ورتب المستحفظين من قبله فيها قاصداً ناحية نصيبين. وقد كان بعد وفاة السلطان ملك شاه قد رجع ابرهيم بن قريش إلى بلاده وتسلم الموصل وأعمالها وجمع العرب والأكراد ونزل في بلاد بني عقيل الموصل وما والاها وغلب ولد أخيه شرف الدولة محمداً وأبعده عن الولاية. ولما وصل تاج الدولة إلى نصيبين وصل إليه الأمير بوزان صاحب الرها وخرج إليه والي نصيبين يبذل الطاعة له والمناصحة في الخدمة فامتنع أهل البلد من الجند الذين بها من أصحاب ابراهيم بن قريش فقاتلها وهدم بعض سورا وملكها بالسيف وقتل فيها تقدير ألفي رجل وقتل كل من التجأ إلى جامعها ومساجدها وأخذت الحرم وهتكت البنات وعوقبوا بأنواع العقوبات إلى أن أظهرن كل مذخور وأبرزن كل مستور وفعل في أمرهم ما لا يستحله مسلم ولا يستحسنه كافر وأطلق بعد ذلك من كان في الأسر من الرجال والنسوان إلا من بقي في أيدي الأتراك وذلك في صفر سنة ٤٨٦ وحكى بعض من حضر هذه الكائنة القبيحة أنه

стр. 226

شاهد امرأة تحت الأتراك يطلب منها الفاحشة وهي تصيح وتستغيث وتتمنع أشد التمنع فجئته وحاولت تخليصها منه فلم يفعل فجرحته فتخلى عنها وإذا بها امرأة من وجوه الأشراف وأخرجتها إلى المخيم إلى أن سكنت الفتنة وأعدتها سالمةً إلى دارها دون كل بنت هتكت وأحرزت ثوابها وحسن الذكر بين أشراف نصيبين سنة ست وثمانين وأربعمائة في هذه السنة عاد السلطان تاج الدولة عن نصيبين بعد ما جرى فيها طالباً لابرهيم ابن قريش فلما عرف خبره جمع وحشد واستصرخ واستنجد وحصل في خلق عظيم ونزل بهم في المنزل المعروف بشرقي الهرماس ونزل السلطان تاج الدولة على دارا. فلما كان يوم الاثنين الثاني من شهر ربيع الأول من السنة التقى الجيشان على نهر الهرماس واختلط الفريقان واشتد القتال وانكشفت الوقعة عن قتل جماعة من الأتراك والعرب وعاد كل فريق منهما إلى مكانه فلما استقر بالعرب المنزل عاد عسكر تاج الدولة إليهم وهم غارون وحمل عليهم وهم غافلون فانهزمت العرب وأخذهم السيف فقتل منهم العدد الكثير والأكثر من الرجالة المقيمين في المخيم وقتل الأمير ابرهيم بن قريش وجماعة من الأمراء والمقدمين من بني عقيل وغيرهم وقيل أن تقدير القتلى من الفريقين عشرة ألف رجل واستولى النهب والسلب والسبي على من وجد في المخيم وامتلأت الأيدي من الغنائم والسواد والمواشي والكراع بحيث بيع الجمل بدينار واحد والمائة شاة بدينار واحد ولم يشاهد أبشع من هذه الوقعة ولا أشنع

стр. 227

منها في هذا الزمان وقتل بعض نسوان العرب أنفسهن اشفاقاً من الهتيكة والسبي. ولما عادوا بالأسرى والسبي وحصلوا بشاطي الفرات ألقى جماعة من الأسرى أنفسهم في الفرات فهلكوا وقصد السلطان تاج الدولة ديار بكر ونزل على آمد وضايقها وملكها من ملكة ابن جهير المقيم بها مع الجزيرة وولاه نصيبين عوضاً عن الجزيرة وملك آمد من ابن مروان وتسلم ميافارقين وأعمالها وقرر أمرها وأنفذ ولاته إلى الموصل وسنجار وملك الأعمال وانهزم بنو عقيل من منازلهم وبلادهم وتوجهوا نحو السلطان بركيارق بن ملك شاه وكان علي بن شرف الدولة مسلم بن قريش ووالدته خاتون بنت السلطان محمد ابن داود كذا عمة السلطان ملك شاه يشكون ما نزل به من السلطان تاج الدولة ولما تهيأ لتاج الدولة ما تهيأ وما أمله من ملكة البلاد وطاعة العباد قويت شوكته وكثرت عدته وعدته وحدث نفسه بالسلطنة وتوجه إلى ناحية خراسان وليس يمر ببلد ولا معقل من المعاقل غلا خرج إليه أهله وبذلوا له الطاعة والمناصحة في الخدمة وأمره يستفحل وشأنه يعظم. وفصل عنه قسيم الدولة صاحب حلب وعماد الدولة بوزان صاحب الرها مغاضبين وقصدا ناحية السلطان بركيارق بن ملك شاه مخالفين له وعاصيين عليه واقتضت الحال عود تاج الدولة إلى ديار بكر ونزل على مدينة سروج فملكها وولى فيها وفي الجزيرة من ارتضاه من ثقات

стр. 228

خواصه. واتصل به خبر وصول الأمير قسيم الدولة اق سنقر صاحب حلب ومويد الدولة صاحب الرها الذين كانا فارقاه إلى السلطان بركيارق ودخولهما عليه وإكرامه لهما وحسن موقع وصولهما منه وسروره بمقدمهما عليه وأنهما شرعا في وقوع في ناحية تاج الدولة والتحذير من الاهمال لأمره والتحريض على معاجلته قبل اعضال خطبه وتمكنه من الغلبة على السلطنة والاستيلاء على أعمال المملكة وأشارا عليه بالمسير في هذا الوقت وطلبا منه من يسير معهما لايصالهما إلى بلديهما حلب والرها فسار معهما لايصالهما إلى الموصل ورد بني عقيل إليهم وقدم علياً من شرف الدولة مسلم بن قريش عليهم ولقبه سعد الدولة. فوصل قسيم الدولة إلى حلب في شوال سنة ٤٨٦ ومعه جماعة من بني عقيل وبعض عسكر السلطان بركيارق بحيث وصل إلى حلب وانتهى الخبر بذاك إلى تاج الدولة فنهض في العسكر من ناحية الرحبة إلى الفرات وقصد بلد أنطاكية وأقام بها وورد عليه الخبر بانكفاء السلطان من الرحبة إلى بغداد وأن عزمه أن يشتو بها وأقام تاج الدولة بأنطاكية مدة فقلت الأقوات وارتفعت الأسعار وخوطب في العود إلى الشام فلم يفعل وعاد إلى دمشق آخر ذي الحجة من السنة وفي جملته الأمير وثاب بن محمود بن صالح وبنو كامل وجماعة من العرب لم يجسروا على الاقامة بالشام خوفاً من قسيم الدولة صاحب حلب. وفي هذه السنة خرج من مصر عسكر كثير إلى ثغر صور لما عصى واليها الأمير منير الدولة الجيوشي وقد كان أهل صور أنكروا عصيانه وكرهوا خلفه لسلطانه أمير الجيوش بدر وعرف ذلك من نياتهم فحين اشتد القتال عليها نادوا بشعار المستنصر بالله وأمير الجيوش فهجم العسكر المصري على

стр. 229

البلد ولم يدافع عنه مدافع ولا مانع دونه ولا ممانع ونهب وأسر منه الخلق الكثير وأخذ في الجملة منير الدولة الوالي وخواصه وأجناده وحملوا إلى مصر في يوم الرابع عشر من جمادى.... سنة ٤٨٦ وقطع على أهل البلد ستون ألف دينار أجحفت بأحوالهم واستغرقت جل أموالها ولما وصل الوالي منير الدولة ومن معه من أجناده وأصحابه تقدم أمير الجيوش بضرب أعناقهم ففعل ذلك ولم يعف عن واحد منهم وفي هذه السنة وردت الأخبار من العراق بإبطال مسير الحاج لاسباب دعت إلى ذاك والخوف عليهم في مسيرهم وسار الحاج من دمشق والشام في هذه السنة صحبة الأمير الخاني أحد مقدمي أتراك السلطان تاج الدولة بعد العقد له بولايته وتأكيد خطابه بحمايتهم ووصيته. فلما وصلوا وقصدوا مناسكهم وفروض حجهم تلوموا عن الانكفاء أياماً خوفاً من أمير الحرم ابن أبي شيبة إذ لم يصل إليه من جهتهم ما يرضيه فلما رحلوا من مكة تبعهم في رجاله ونهبهم قريباً من مكة فعادوا إلى مكة وشكوا إليه وتضوروا لديه مما نزل بهم مع بعد دارهم فرد عليهم البعض من جمالهم وقتل في الوقعة أخو الأمير الخاني المقدم فلما أيسوا من رد المأخوذ لهم ساروا من مكة عائدين على أقبح صفة فحين بعدوا عنها ظهر عليهم قوم من العرب من عدة جهات فأحاطوا بهم فصانعوهم على ما دفعوه إليهم هذا بعد أن قتل من الحجاج جماعة وافرة وهلك قوم بالضعف والانقطاع وجرى عليهم من العرب المكروه وعاد السالم منهم على أقبح حال وأكسف بال.

стр. 230

وفيها توفي الامام أبو الفرج عبد الواحد بن محمد بن الحنبلي ﵀ في يوم الأحد الثامن والعشرين من ذي الحجة بدمشق وكان وافر العلم متين الدين حسن الوعظ محمود السمت سنة سبع وثمانين وأربعمائة في هذه السنة ورد الخبر من العراق بوفاة الخليفة الامام المقتدي بأمر الله أبي القاسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله أمير المؤمنين فجأةً في ليلة السبت انتصاف المحرم وعمره ثمان وثلاثون سنة وتسعة أشهر وأيام مولده ليلة الأربعاء الثاني ويقال الثامن من جمادى الأولى سنة ٤٤٨ وكانت مدة خلافته تسع عشرة سنة وخمسة أشهر وكان حسن السيرة جميل السريرة وولي الأمر بعده ولي عهده ولده أبو العباس أحمد المستظهر بالله أمير المؤمنين بن المقتدي بالله أمير المؤمنين وبويع له بالخلافة بعد أبيه في يوم الثلاثاء الثامن عشر من المحرم من السنة واستقام له الأمر وانتظمت بتدبيره الأحوال على قضية السداد وكنه المراد وعند ذلك قبض على إخوته واعتقلهم عنده وكان السلطان بركيارق عند وفاة المقتدي بالله ﵀ مقيماً ببغداد وبقي فيها مقيماً إلى آخر السنة. وفي شهر ربيع الآخر منها برز السلطان تاج الدولة من دمشق في العسكر وتوجه إلى الشام وقطع العاصي في شهر ربيع الآخر وتقدم إلى العسكرية برعي الزراعات ونهب المواشي والعوامل ولما اتصل الخبر بذاك

стр. 231

إلى قسيم الدولة صاحب حلب شرع في الجمع والاحتشاد والتأهب لدفعه والاستعداد وأجمع على لقائه وانتهى الخبر إلى تاج الدولة بذاك ووصول بوزان صاحب الرها إليه في عسكره لاسعاده عليه وانجاده ولذلك وصول كربوقا صاحب الموصل ويوسف صاحب الرحبة في ألفين وخمسمائة فارس وحصول الجميع في حلب لمعونته ومؤازرته فرحل من منزله بكفر حمار إلى الحانوتة ثم منها إلى الناعورة وغارت الخيل على المواشي بها وأحرقوا بعض زرعها ورحل منها إلى ناحية الوادي ورحل قسيم الدولة في جمعه من العسكر وتقديره نحو من عشرين ألفاً وزيادة على ذلك لكنهم في أحسن زي وهيئة واتم آلة وعدة وقطع سواقي نهر سفيان قاصداً عسكر تاج الدولة وكان برزوه من حلب في يوم الجمعة الثامن من جمادى

стр. 232

الأول من السنة والتقى الفريقان غداة يوم السبت تاليه عقيب اقتران المريخ وزحل في برج الأسد المقدم ذكره بخمسة أيام وكان عسكراً كربوقا وبوزان لم يتمكنوا من قطع بعض السواقي فأقاموا على حالهم ولم يثق بمن كان معه من العرب فنقلهم في وقت المصاف من الميمنة إلى الميسرة ثم جعلهم في القلب فلم يغنوا شيئاً فنصر الله تعالى تاج الدولة وعسكره عليهم فانهزمت العرب وعسكر كربوقا وبوزان عند الحملة وعسكر يوسف وتحكمت السيوف فيهم وأسر قسيم الدولة اق سنقر صاحب حلب وأكثر أصحابه وحين أحضروا بين يدي السلطان تاج الدولة فأمر بضرب عنق قسيم ومن اتفق من أصحابه فقتلوا وتوجه أكثر الفل إلى حلب واجتمعوا بأهل البلد والأحداث وتقرر بينهم الاعتصام بحلب والاستنجاد بالسلطان بركيارق. فوصل تاج الدولة في الحال إلى حلب وقد اختلفت الآراء فيها بينهم وحاروا فيما يعملون عليه فوثب جماعة منهم لم يوبه لهم وكسروا باب البلد ونادوا بشعار تاج الدولة فدخل الأمير وثاب بن محمود بن صالح البلد في مقدميه وبادر إلى المقيم بقلعة الشريف التي قبلي حلب بالظهور إلى تاج الدولة ومن باب منها دخل تاج الدولة ونزل إليه رسول الأمير نوح صاحب قلعة حلب وزوجته وتوثقا منه وأخذا الأمان له من تاج الدولة وعادا إليه وأعلماه بما كان من تقرير الحال وأخذ الأمان

стр. 233

فسلمها إليه وحصل بها في يوم الاثنين الحادي عشر من جمادى الأولى وسلمت جميع الحصون إليه من الشام. وكان بوزان صاحب الرها في جملة من أسر في الوقعة فتقدم تاج الدولة بقتله فضربت عنقه صبراً وكذلك الأمير كربوقا صاحب الموصل كان قد أسر في الوقعة فاعتقل بحلب إلى أن تقرر أمر حلب ورتبت النواب والمستحفظون فيها وقرر أمره. ورحل السلطان تاج الدولة عن حلب في العسكر إلى ناحية الفرات وقطعه وقصد حران فاستعادها وكذلك سروج والرها وقصد ديار بكر وعدل عن طريق السلطان بركيارق لأنه كان نازلاً بأرض الموصل طالباً لخاتون زوج السلطان ملك شاه والدة أخيه محمود وكانت مستوليةً على أصفهان وجميع الأموال لمكاتبات ومراسلات ترددت بينهما في معنى الوصلة بينها وبينه واستقر الملك له ولها وكانت قد منعت السلطان بركيارق التصرف في تلك الأعمال والتقود فيها. وفي هذا الوقت حدثت زلازل في يوم وليلة دفعات لم يسمع بمثلها في كل زلزلة منها تقيم وتطول بخلاف ما جرت بمثله العادة. ورحل تاج الدولة عقيب ذلك ولم يتمكن من الاتمام على سمته وعرفت خاتون الخبر فخرجت من أصفهان في عسكرها للقاء تاج الدولة فعرض لها في طريقها مرض حاد فتوفيت وتفرق عسكرها إلى جهة السلطان بركيارق وإلى غيره وحين عرف بكريارق ذاك سار في الحال إلى أصفهان فدخلها وملكها وقد كان أهلها أشرفوا على الهلاك لفرط الغلاء بها وعدم الأقوات فيها. ووصل من عسكر خاتون إلى تاج الدولة خلق كثير وكذلك من عسكر بركيارق فتضاعفت عدته وقويت شكوته ودعي له على منابر بغداد ووصل إلى همذان وكاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في الشام فسار إلى حلب ومن حلب إلى العراق ومعه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق والأمير وثاب بن محمود بن صالح وجماعة من أمراء العرب وأتراك حلب القسيمية وتوجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة ٤٨٧ من الاتمام على سمته وعرفت خاتون الخبر فخرجت من أصفهان في عسكرها للقاء تاج الدولة فعرض لها في طريقها مرض حاد فتوفيت وتفرق عسكرها إلى جهة السلطان بركيارق وإلى غيره وحين عرف بكريارق ذاك سار في الحال إلى أصفهان فدخلها وملكها وقد كان أهلها أشرفوا على الهلاك لفرط الغلاء بها وعدم الأقوات فيها. ووصل من عسكر خاتون إلى تاج الدولة خلق كثير وكذلك من عسكر بركيارق فتضاعفت عدته وقويت شكوته ودعي له على منابر بغداد ووصل إلى همذان وكاتب ولده فخر الملوك رضوان بدمشق يأمره

стр. 234

بالمسير إليه في من بقي من الأجناد في الشام فسار إلى حلب ومن حلب إلى العراق ومعه الأمير نجم الدين ايل غازي بن أرتق والأمير وثاب بن محمود بن صالح وجماعة من أمراء العرب وأتراك حلب القسيمية وتوجه صوب بغداد على الرحبة في أول سنة ٤٨٧ وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض أمير الجيوش بدر المستولي على أمرها وأنه أسكت في مرضه هذا ودام به إلى أن اشتد في جمادى الأولى منها وتوفي في العشر الأول منه وقد كان الأمر تمهد لولده الأفضل واستقامت حاله مع المقدمين وسائر الأجناد والعساكرية قبل وفاته وأطاعوا أمره وعملوا برأيه وقيل أن وفاة أمير الجيوش كانت في جمادى الأولى. وفي هذه السنة أيضاً وردت الأخبار من ناحية مصر بمرض الامام المستنصر بالله أمير المؤمنين في العشر الثاني من ذي الحجة وأن المرض اشتد به وتوفي إلى رحمة الله في ليلة عيد الغدير الثامن عشر من ذي الحجة سنة ٤٨٧ وعمره سبع وستون سنة وستة أشهر ومولده سنة

стр. 235

٤٢٠ ونقش خاتمه بنصر السميع العليم ينتصر الامام أبو تميم ومدة أيام دولته ستون سنة وأربعة أشهر وكان حسن السيرة جميل السريرة محباً للعدل والانصاف ومني في أكثر عمره من الأجناد بالعناد والاختلاف وولي الأمر بعده ولده أبو القاسم أحمد بن المستنصر بالله ولقب بالمستعلي بالله أمير المؤمنين وأخذ له البيعة على الأمراء والمقدمين من الأجناد والعسكرية وأعيان الرعية الأفضل أبو القسم شاهنشاه بن أمير الجيوش ونصبه في منصب أبيه المستنصر بالله واستقامت به الأحوال وانتظمت على غاية الايثار والآمال. وخرج أخواه من مصر خفيةً عبد الله ونزار ابنا المستنصر بالله فقصد نزار منهما الاسكندرية وحصل مع نصر الدولة واليها وكان من أكابر الغلمان الجيوشية الذين عول عليهم أمير الجيوش على إقامته في الأمر من بعده دون ولده فاستحكم الخلف بينه وبين الأفضل وجرت بينهما حروب ووقايع أسفرت عن ظفر الأفضل به واستقام له الأمر من بعده وصلحت أحوال مصر وأعمالها واستقامت بعد اضطرابها واختلالها. وأما ما يتعلق بمعرفة أحوال السلطان تاج الدولة فإنه تم في رحيله إلى مدينة الري فنزل عليها وضايقها وملكها واستولى على البلاد والأعمال والمعاقل من الشام وإلى الري وكان قد أنهض عسكراً مع بني عقيل ونمير إلى أعمال بني عقيل فاستولوا عليها ما خلا الموصل وساءت سيرة الأتراك في الأعمال وشملها منهم ما عاد عليها بالفساد وسوء الحال وانفدوا مواشي أهلها وأموالهم واستغرقوا بالنهب وارتكاب الظلم أحوالهم وأجلوهم عن منازلهم في زمن الشتاء وشدة البرد وسقوط الثلج والجليد.

стр. 236

وبرز السلطان بركيارق من أصفهان في العسكر وقصد جهة عمه السلطان تاج الدولة وخاف تاج الدولة من أهل الري أن يخامروا عليه إن أقام فرحل عنها ونزل في منزل على أربعة فراسخ منها ووصل السلطان بركيارق في عساكره وخيم بازائه وحالت بينهما طوالع الفريقين وتأهب كل منهما للقاء صاحبه ورتبت المصافات للحرب والتقى الفريقان في اليوم السابع عشر من صفر سنة ٤٨٨ فانفل عسكر السلطان تاج الدولة وتفرق ونهب سواده وأثقاله وأسر أكثره وقتل منه الخلق الكثير واستشهد تاج الدولة ﵀ في الجملة وقتله بعض أصحاب قسيم الدولة اق سنقر صاحب حلب بعد اصطناعه إياه وتقريبه له وحمل رأسه وطيف به في العسكر ثم حمل إلى بغداد وطيف به فيها سنة ثمان وثمانين وأربعمائة فيها ورد الخبر إلى الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة باستشهاد أبيه تاج الدولة وانفلال عسكره وهو نازل في عانة على الفرات في عسكره يريد الاتمام إلى بغداد ثم المصير إلى أبيه تاج الدولة حين استدعاه إلى الوصول إليه فاضطرب لذاك وقلق وخاف من وصول من يطلبه فحط مضاربه في الحال وقوضت خيام العسكر في الوقت ورحل مجداً في سيره في نفر من سرعان خيله وغلمانه وترك باقي عسكره من ورائه ولم يزل مغذاً في قصده إلى أن دخل حلب وفتح الوزير أبو القاسم النائب في القلعة أبوابها وأصعده إليها وأخذوا الأهبة لمن يقصدها.

стр. 237

ووصل إليه من الفل أخوه شمس الملوك دقاق ابن السلطان تاج الدولة من ناحية دياربكر وجماعة من خواص عسكره المفلول وأقام بحلب مدة يسيرة وراسله الأمير ساوتكين الخادم المستناب في القلعة والبلد وقرر له ملكة دمشق سراً فخرج في الحال من حلب من غير أن يعلم به أحد وجد في سيره ليله ونهاره فلما عرف الملك فخر الملوك خبره أنهض عدة من الخيل في أثره ففاتهم ولم يعرفوا له خبراً ولا وجدوا له أثراً ووصل إلى دمشق وحصل بها وأجلسه ساوتكين في منصب أبيه السلطان تاج الدولة وأخذ له العهد على الأجناد والعسكرية واستقام له الأمر واستمرت على السداد الأحوال. وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية الحجاز بأن الأمير اصفهبذ وصل إلى مكة في أربعمائة فارس من التركمانية فقاتل أهلها فقهرهم وملكها وقتل خلقاً كثيراً من حرابتها من أصحاب ابن أبي شيبة وانهزم ابن أبي شيبة وجمع الأشراف من مكة وحصل بها وأقام بها مديدةً يسيرةً ورحل عنها وفي هذه السنة وردت الأخبار بخلاص الأمير ظهير الدين طغتكين أتابك من اعتقاله عقيب الكسرة التاجية وتوجه عائداً إلى دمشق وخرج صاحبه السلار حصن الدولة بختيار شحنة دمشق نحوه لتلقيه والعود في خدمته. وقد كان هذا الأمير المذكور في حداثة سنه ونضارة غصنه قد حظي عند السلطان الشهيد تاج الدولة ورشحه بحجره وقدمه على أبناء جنسه من خواصه

стр. 238

وبطانته وسكن إلى شهامته وصرامته وسداد طريقته ورد إليه بعد ذلك ما أنس منه الرشد وحسن التدبير في الصدر والورد والاسفهلارية على عسكريته واستنابه في تدبير أمر دمشق وحفظها أيام غيبته فأحسن السيرة فيها وأنصف الرعية من أهلها وبسط المعدلة في كافة من بها فكثر الدعاء له والثناء عليه فعلت منزلته وامتثلت أوامره وأمثلته ولم يلبث أن شاع ذكره بنجابته وأشفقت النفوس من هيبته فولاه ميافارقين من ديار بكر وهي أول ولايته وسلم إليه ولده الملك شمس الملوك دقاق واعتمد عليه في تربيته وكفالته فساس أمرها بالهيبة والتدبير وأصلح فاسدها في أقرب أوان ومدة ونكا في جماعة من مقدميها ووجوه أهلها حين عرف منهم خيانةً ومخامرةً نكايةً قامت بها الهيبة واستقامت معها أمور الرعية. وتنقلت به الأحوال إلى أن توجه مع السلطان تاج الدولة إلى ناحية الري وشهد الوقعة التي استشهد فيها تاج الدولة وحصل في قبضة الاعتقال مع من أسر من المقدمين وأقام مدة إلى أن أذن الله في الخلاص ووصل إلى دمشق في سنة ٤٨٨ فتلقاه الملك شمس الدولة دقاق وعسكره وأرباب دولته وبولغ في اكرامه واحترامه ورد إليه النظر في الاسفهسلارية واعتمد عليه في تدبير المملكة وسياسة البيضة. واقتضت الحال فيها بينه وبين الملك وأمراء الدولة العمل على الأمير ساوتكين والايقاع به وتمم عليه الأمر وقتل وعقدت الوصلة بينه وبين ظهير الدين أتابك وبين الخاتون صفوة الملك والدة الملك شمس الملوك دقاق ودخل بها واستقامت له الحال بدمشق وأحسن السيرة فيها وأجمل في تدبير أهليها وبالغ في الذب عنها والمراماة دونها وسكنت نفس الملك شمس الملوك إليه واعتمد في التدبير عليه.

стр. 239

وقد كان الملك فخر الملوك رضوان بن تاج الدولة صاحب حلب مائلاً إلى دمشق ومحباً لها ومؤثراً للعود إليها ولا يختار عليها سواها لمعرفته بمحاسنها وترعرعه فيها فجمع وحشد واستنجد بالأمير سكمان بن ارتق وبرز طالباً لدمشق والنزول عليها وانتهاز الفرصة فيها. وقد كان الملك شمس الملوك دقاق والعسكر مع الأمير ياغي سيان والأمير نجم الدين ايل غازي قد غابوا عن دمشق في هذا الوقت فوصل الملك فخر الملوك رضوان صاحب حلب في عسكره ونزل بظاهر البلد في سنة ٤٨٩ وزحف في العسكر لقتالها. وكان في البلد وزير الملك شمس الملوك زين الدولة محمد بن الوزير أبي القاسم ونفر قليل من العسكرية وانضاف إليهم جماعة من الأجناد وأهل البلد وأغلقت الأبواب وارتكبت الأسوار وصاحوا ورشقوهم بالسهام وكانوا قد بلغوا في الزحف إلى سوق الغنم وقربوا من السور والباب الصغير وطلب جماعة من العسكرية وأحداث البلد الخروج إليهم والدفع لهم عن البلد فمنعهم السلار بختيار شحنة البلد والرئيس أمين الدولة أبو محمد بن الصوفي رئيس البلد من الخروج وقاتلوهم على الأسوار ومنعوهم من الوصول إليها. واتفق الأمر المقتضى أن حجر المنجنيق وقع في رأس حاجب الملك رضوان وهو قائم يحرض على الحرب فقتله فسكنت الحرب واشتغلوا بأمره وعادوا إلى مخيمهم لأجله ولم يتم لهم أمر ولا تسهل لهم عرض وبلغهم أن الملك شمس الملوك عائد في العسكر إلى دمشق فرحل في العسكر عائداً إلى حلب خائباً في الأمر الذي طلب. وطلب في رحيله ناحية مرج الصفر وطلب حوران فعاث العسكر في أطرافها وطلب التوجه إلى بيت المقدس. وعاد شمس الملوك دقاق لما انتهى إليه الخبر في العسكر ووصل إلى دمشق وتبع عسكر الملك رضوان على أثره فوصل وتقارب المدى بين الفريقين وفصل الملك رضوان منكفئاً إلى حلب فوصل إليها في آخر ذي الحجة من السنة

стр. 240

سنة تسع وثمانين وأربعمائة فيها وصل خلف بن ملاعب الذي كان السلطان ملك شاه أبو الفتح أخذه من حمص عند أخذها منه واعتقله بأصفهان وأطلق عند وفاة السلطان المذكور وتوجه إلى مصر. وفيها ورد الخبر بوفاة أبي مسلم وادع بن سليمان قاضي معرة النعمان والمستولي عليها في آخر صفر منها وكان له همة مشهورة وطريقة في اليقظة مشكورة. وفيها انكفأ الأمير ياغي سيان منفصلاً عن الملك شمس الملوك دقاق إلى بلده انطاكية في المحرم منها سنة تسعين وأربعمائة في مستهل شهر ربيع الأول منها اجتمع ستة كواكب في برج الحوت وهي الشمس والقمر والمشتري والزهرة والمريخ وعطارد وذكر أهل صناعة النجوم إنهم لم يعرفوا اجتماع هذه الكواكب في برج في قديم الزمان وحديثه ولا سمعوا ذاك. وفي شعبان منها ورد الخبر بأن الأمير جناح الدولة حسين أتابك الملك فخر الملوك رضوان بحلب استوحش من الملك استيحاشاً خاف معه على نفسه وكان زوج والدته ففصل عن حلب منكراً لما تم في أمره وكان أمر التدبير إليه والمعتمد في الحل والعقد فيها عليه ووصل إلى حمص في عسكره وخواصه وكان قراجة نائبه فيها فسلمها إليه وحصل بها وشرع في تحصينها والأحكام لجهات قلعتها ونقل أهله إليها وأمن على نفسه

стр. 241

باستقراره بها. ووصل عقيب انفصاله الأمير ياغي سيان من انطاكية إلى حلب وشرع في التدبير والتقرير بها والأمر والنهي في عسكريتها وأهليها وبرز الملك رضوان وياغي سيان من حلب في العسكر إلى ناحية شيزر عازماً على الاحتشاد والتأهب والاستعداد لمعاودة النزول على دمشق فأقاموا على شيزر تقدير شهر ووقع الخلف بين مقدمي العسكر فتفرقوا وعاد كل منهم إلى مكانه وعاد الملك إلى حلب. وفي هذه السنة ورد على فخر الملوك رضوان كتاب المستعلي بالله صاحب مصر مع رسوله يلتمس منه الدخول في طاعته وإقامة الدعوة لدولته وكذلك كتاب الأفضل يتضمن مثل هذه الحال فأجابهما إلى ما التمساه وأمر بأن يدعى للمستعلي على المنبر وللأفضل بعده ولنفسه بعده وأقامت الخطبة على هذه القضية تقدير أربع جمع وكان الملك رضوان قد بنى الأمر في ذلك على الاجتماع مع العسكر المصري والنزول على دمشق لأخذها من أخيه الملك دقاق فوصل الأمير سكمان بن ارتق وياغي سيان صاحب انطاكية إلى حلب وانكرا على الملك الدخول في هذا الأمر واستبدعاه من فعله وأشارا عليه بابطاله واطراح العمل به فقبل ما أشير إليه وأعاد الخطب إلى ما كانت عليه وفي أول شهر ربيع الأول من السنة وردت الأخبار بخروج العسكر المصري من مصر ونزوله على ثغر صور عند ظهور عصيان واليه المعروف بالكتيلة وخروجه عن الطاعة والايثار للخلف والعدول عن المخالصة في الخدمة والعود للمبايعة ولم يزل العسكر منازلها ومضايقاً عليها إلى أن

стр. 242

افتتحها بالسيف قهراً وقتل فيها الخلق الكثير ونهب منها المال الجزيل وأخذ الوالي أسيراً من غير أمان ولا عهد وحمل إلى مصر فقتل بها وفي هذه السنة كان مبدأ تواصل الأخبار بظهور عساكر الافرنج من بحر القسطنطينية في عالم لا يحصى عدده كثرةً وتتابعت الأنباء بذلك فقلق الناس لسماعها وانزعجوا لاشتهارها. وصحت الأخبار بذاك عند الملك داود بن سليمان بن قتلمش وكان أقرب إليهم داراً فشرع في الجمع والاحتشاد وإقامة مفروض الجهاد واستدعى من أمكنه من التركمان للاسعاد عليهم والانجاد فوافاه منهم مع عسكر أخيه العدد الكثير وقويت بذاك نفسه واشتدت شوكته فزحف إلى معابرهم ومسالكهم وسبلهم فأوقع بكل من ظفر به منهم بحيث قتل خلقاً كثيراً وعادوا إليه واستظهروا عليه وكسروا عسكره فقتلوا منهم وأسروا ونهبوا وسبوا وانهزم التركمان بعد أخذ أكثر دوابهم واشترى ملك الروم من السبي خلقاً كثيراً وحملهم إلى القسطنطينية وتواصلت الأخبار بهذه النوبة المستبشعة في حق الاسلام فعظم القلق وزاد الخوف والفرق وكانت هذه الوقعة لعشر بقين من رجب. وفي النصف من شعبان توجه الأمير ياغي سيان صاحب أنطاكية والأمير سكمان بن أرتق والأمير كربوقا في العسكر إلى أنطاكية وقد وردت الأخبار بقرب الافرنج منها ونزولهم البلانة وخف ياغي سيان إلى أنطاكية وسير ولده إلى دمشق إلى الملك دقاق وإلى جناح الدولة بحمص وإلى سائر البلاد والأطراف بالاستصراخ والاستنجاد والبعث على الخفوف إلى الجهاد وقصد تحصين أنطاكية وإخراج النصارى منها. وفي اليوم الثاني من شوال نزلت عساكر الافرنج على بغراس وأعادوا

стр. 243

على أعمال أنطاكية فعند ذلك عصى من كان في الحصون المعاقل المجاروة لأنطاكية وقتلوا من كان فيها وهرب من هرب منها وفعل أهل ارتاح مثل ذلك واستدعوا المدد من الافرنج. وفي شعبان ظهر الكوكب ذو الذؤابة من الغرب وأقام طلوعه تقدير عشرين يوماً ثم غاب فلم يظهر وكان قد نهض من عسكر الافرنج فريق وافر يناهز ثلاثين ألفاً فعاثوا في الأطراف ووصلوا إلى البارة وفتكوا فيها تقدير خمسين رجلاً وكان عسكر دمشق وصل إلى ناحية شيزر لانجاد ياغي سيان فلما نزلت هذه الفرقة المذكورة على البارة ونهضوا نحوهم وتطاردوا وقتل منهم جماعة وعاد الافرنج إلى الروج وتوجهوا إلى أنطاكية. وغلا سعر الزيت والملح وغير ذلك وعدم في أنطاكية وتواصل ذلك إليها سرقةً فرخص فيها وجعل الافرنج بينهم وبين أنطاكية خندقاً لكثرة الغارات عليهم من عسكر أنطاكية وقد كان الافرنج عند ظهورهم عاهدوا ملك الروم ووعدوه بأن يسلموا إليه أول بلد يفتحونه ففتحوا نيقية وهي أول مكان فتحوه فلم يفوا له بذلك ولا سلموها إليه على الشرط وافتتحوا في طريقهم بعد الثغور والدروب. وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية حلب بفساد حال رئيسها المعروف بالمجن لما كان عليه من التمكن والغلبة على الأمر وارتكاب

стр. 244

الظلم بحيث قبض عليه ونهبت داره وقتل مع من قتل من أولاده واستؤصلت شأفته وذلك مجازاة الساعي في قتل النفوس وسفك الدماء وما هي من الظالمين ببعيد وذلك في ذي القعدة. وفي هذه السنة استوزر الملك رضوان أبا الفضل بن الموصول ولقب مشيد الدين بحلب سنة إحدى وتسعين وأربعمائة في آخر جمادى الأولى منها ورد الخبر بأن قوماً من أهل أنطاكية من حملة الأمير ياغي سيان من الزرادين عملوا على أنطاكية وواطوا الافرنج على تسليمها إليهم لاساءة تقدمت منه في حقهم ومصادرتهم ووجدوا الفرصة في برج من أبراج البلد مما يلي الجبل باعوه للافرنج واطلعوهم إلى البلد منه في الليل وصاحوا عند الفجر فانهزم ياغي سيان وخرج في خلق عظيم فلم يسلم منهم شخص ولما حصل بالقرب من ارمناز ضيعة بالقرب من معرة مصرين سقط عن فرسه على الأرض فحمله بعض أصحابه وأركبه فلم يثبت على ظهر الفرس وعاود سقط فمات ﵀. وأما أنطاكية فقتل منها وأسر وسبي من الرجال والنسوان والأطفال ما لا يدركه حصر وهرب إلى القلعة تقدير ثلاثة آلاف تحصنوا بها وسلم من كتب الله سلامته

стр. 245

وفي شعبان منها وردت الأخبار بخروج الأفضل أمير الجيوش من مصر في عسكر كثير إلى ناحية الشام ونزل على بيت المقدس وفيه الأميران سكمان وايل غازي ابنا أرتق وجماعة من أقاربهما ورجالهما وخلق كثير من الأتراك فراسلهما يلتمس منهما تسليم بيت المقدس إليه من غير حرب ولا سفك دم فلم يجيباه إلى ذلك فقاتل البلد ونصب عليه المناجيق فهدمت ثلمة من سوره وملكه وتسلم محراب داود من سكمان ولما حصل فيه أحسن إليهما وأنعم عليهما وأطلقهما ومن معهما ووصلوا إلى دمشق في العشر الأول من شوال وعاد الأفضل في عسكره إلى مصر. وفيها توجه الافرنج إلى معرة النعمان بأسرهم ونزلوا عليها في التاسع والعشرين من ذي الحجة وقاتلوها ونصبوا عليها البرج والسلالم. وبعد افتتاح الافرنج بلد أنطاكية بتدبير الزراد وهو رجل أرمني اسمه نيروز في ليلة الجمعة مستهل رجب وتواصلت الأخبار بصحة ذلك تجمعت عساكر الشام في العدد الذي لا يدركه حصر ولا حزر وقصدوا عمل أنطاكية للايقاع بعساكر الافرنج فحصروهم حتى عدم القوت عندهم حتى أكلوا الميتة ثم زحفوا وهم في غاية من الضعف إلى عساكر الاسلام وهم في الغاية من القوة والكثرة فكسروا المسلمين وفرقوا جموعهم وانهزم أصحاب الجرد السبق ووقع السيف في الرجال المتطوعين والمجاهدين والمغالبين في الرغبة في الجهاد وحماية المسلمين في ذلك يوم الثلاثاء السادس من رجب في السنة

стр. 246

سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة في المحرم منها زحف الافرنج إلى سور معرة النعمان من الناحية الشرقية والشمالية وأسندوا البرج إلى سورها وهو أعلى منه فكشفوا المسلمين عن السور ولم يزل الحرب عليه إلى وقت المغرب من اليوم الرابع عشر من محرم وصعدوا السور وانكشف أهل البلد عنه وانهزموا بعد أن ترددت إليهم رسل الافرنج في التماس التقرير والتسليم واعطاء الأمان على نفوسهم وأموالهم ودخول الشحنة إليهم فمنع من ذلك الخلف بين أهلها وما قضاه الله تعالى وحكم به وملكوا البلد بعد صلاة المغرب وقتل فيه خلق كثير من الفريقين وانهزم الناس إلى دور المعرة للاحتماء بها فأمنهم الافرنج وغدروا بهم ورفعوا الصلبان فوق البلد وقطعوا على أهل البلد القطائع ولم يفوا بشيء مما قرروه ونهبوا ما وجدوه وطالبوا الناس بما لا طاقة لهم به ورحلوا يوم الخميس السابع عشر من صفر إلى كفرطاب. ثم قصدوا بعد ذلك ناحية بيت المقدس آخر رجب من السنة وأجفل الناس منهم من أماكنهم ونزلوا أولاً على الرملة فملكوها عند إدراك الغلة وانتقلوا إلى بيت المقدس فقاتلوا أهله وضيقوا عليهم ونصبوا عليه البرج وأسندوا إلى السور. وانتهى إليهم خروج الأفضل من مصر في العساكر الدثرة لجهادهم والايقاع بهم وانجاد البلد عليهم وحمايته منهم فشدوا في قتاله ولازموا حربه إلى آخر نهار ذلك اليوم وانصرفوا عنه وواعدهم الزحف إليهم من الغد ونزل الناس عن السور وقت المغرب فعاود الافرنج الزحف إليه وطلعوا البرج وركبوا سور البلد فانهزم الناس عنه وهجموا على البلد فملكوه وانهزم بعض أهله إلى المحراب وقتل خلق كثير وجمع اليهود في الكنيسة وأحرقوها عليهم وتسلموا المحراب بالأمان في الثاني والعشرين من شعبان من السنة وهدموا المشاهد وقبر الخليل علية السلام.

стр. 247

ووصل الأفضل في العساكر المصرية وقد فات الأمر فانضاف إليه عساكر الساحل ونزل بظاهر عسقلان في رابع عشر سهر رمضان منتظراً لوصول الاسطول في البحر والعرب فنهض عسكر الافرنج إليه وهجموا عليه في خلق عظيم فانهزم العسكر المصري إلى ناحية عسقلان ودخل الأفضل إليها وتمكنت سيوف الافرنج من المسلمين فأتى القتل على الراجل والمطوعة وأهل البلد وكانوا زهاء عشرة آلاف نفس ونهب العسكر وتوجه الأفضل في خواصه إلى مصر وضايقوا عسقلان إلى أن قرروا عليها بعده الافرنج عشرين ألف دينار تحمل إليهم وشرعوا في جبايتها من أهل البلد فاتفق حدوث الخلف بين المقدمين فرحلوا ولم يقبضوا من المال شيئاً وحكي أن الذين قتلوا في هذه الوقعة من أهل عسقلان من شهودها وتنائها وتجارها وأحداثها سوى أجنادها ألفان وسبعمائة نفس سنة ثلاث وتسعين وأربعمائة في صفر منها ورد الخبر بوصول السلطان بركيارق إلى بغداد بعد أن جرى بينه وبين أخيه السلطان محمد تبر خلف وحرب واستظهر فيها عليه وغلبه على مدينة أصفهان وحصل بها. وتوجه الملك شمس الملوك دقاق بن تاج الدولة من دمشق في عسكره إلى ديار بكر لتسلمها من المستولي عليها ووصل إلى الرحبة في البرية ووصل إلى ديار بكر وتسلم ميافارقين ورتب فيها من يحفظها ويذب عنها. وفي رجب منها خرج بيمند ملك الافرنج صاحب أنطاكية إلى حصن أفامية ونزل عليه وأقام أياماً وأتلف زرعه ووصل الخبر بوصول الدنشمند

стр. 248

إلى ملطية في عسكره من الأتراك في خلق عظيم ومن عسكر قلج أرسلان بن سليمان بن قتلمش فعاد بيمند عند معرفة ذاك إلى أنطاكية وجمع وحشد وقصد عسكر المسلمين فنصر الله تعالى المسلمين عليه وقتلوا من حزبه خلقاً كثيراً وحصل في قبضة الأسر مع نفر من أصحابه ونفذت الرسل إلى نوابه بأنطاكية يلتمسون تسليمها في العشر الثاني من شهر صفر سنة ٤٩٣. وفيها وردت الأخبار بأن الآبار غارت في عدة جهات من أعمال الشمال والمنابع في أكثر المعاقل وقلت وتقلصت الأسعار فيها. سنة أربع وتسعين وأربعمائة فيها جمع الأمير سكمان بن أرتق خلقاً كثيراً من التركمان وزحف بهم إلى افرنج الرها وسروج في شهر ربيع الأول وتسلم سروج واجتمع إليه خلق كثير وحشد الافرنج أيضاً والتقى الفريقان وقد كان المسلمون مشرفين على النصر عليهم والقهر لهم فاتفق هروب جماعة من التركمان فضعفت نفسه وانهزم ووصل الافرنج إلى سروج فتسلموها وقتلوا أهلها وسبوهم إلا من أفلت منهم هزيماً. وفي هذه السنة توفي القاضي الفقيه الامام أبو إسحق ابرهيم بن محمد بن عقيل بن زيد الشهرزوري الواعظ ﵀ يوم الاثنين السابع من المحرم منها. وفي هذه السنة وصل كندفري صاحب بيت المقدس إلى ثغر عكا وأغار عليه فأصابه سهم فقتله وكان قد عمر يافا وسلمها إلى طنكري فلما قتل كندفري سار أخوه بغدوين القمص صاحب الرها إلى بيت المقدس في خمسمائة

стр. 249

فارس وراجل فجمع شمس الملوك دقاق عند معرفة خبر عبوره ونهض إليه معه الأمير جناح الدولة صاحب حمص فلقوه بالقرب من ثغر بيروت فسارع نحوه جناح الدولة في عسكره فظفر به وقتل بعض أصحابه. وفيها افتتح الافرنج حيفا على ساحل البحر بالسيف وارسوف بالأمان وأخرجوا أهلها منها. وفي آخر رجب منها فتحوا قيسارية بالسيف وقتلوا أهلها ونهبوا ما فيها وأعانهم الجنويون عليها وفيها ورد الخبر بقرب السلطان بركيارق من بغداد في عسكره طالباً للقاء أخيه محمد فأسر وقتل وأخذ وزيره وجماعة من مقدميه وأمر بقتلهم وتوجه من وقته إلى ناحية أصفهان فنزل عليها عند وصوله إليها وتقرر أمرها بحيث ملكها وحصل فيها وهي دار السلطنة واستقام له الأمر بها. وفيها تقدم الخليفة المستظهر بالله أمير المؤمنين ببغداد بالقبض على عميد الدولة محمد بن محمد بن جهير وزيره وعلى نوابه وأسبابه ومصادرتهم وقتلهم لأشياء نقمها عليه ومنكرات عزيت إليه.

стр. 250

وفي شعبان منها أرسل القاضي ابن صليحة المتغلب على ثغر جبلة إلى الأمير ظهير الدين أتابك يلتمس منه انفاذ من يراه من ثقاته ليسلم إليه ثغر جبلة ويصل إلى دمشق بماله وحاله ويسيره إلى بغداد تحت الحوطة والأمان والحماية وجميل الرعاية فأجابه إلى ما اقترحه ووعده بتحقيق أمله وندب لولاية الثغر المذكور ولده الأمير تاج الملوك بوري وكان الملك شمس الملوك دقاق غائباً عن دمشق في ديار بكر فعاد منها ودخل إلى دمشق في أول شوال من السنة وتقررت الحال على ما التمس ابن صليحة وتوجه تاج الملوك في أصحابه إلى جبلة فتسلها وانفصل ابن صليحة عنها ووصل إلى دمشق بأصحابه وأسبابه وكراعه ودوابه وكل ما تحويه يده من مال وأثاث وحال فأكرم مثواه وأحسن لقياه وأقام ما أقام بدمشق وسير إلى بغداد مع فرقة وافرة من الأجناد بجميع ما يملكه وحصل بها واتفق له من وشى بماله وعظم سعة حاله إلى السلطان ببغداد فنهب واشتمل على ما كان يملك. وأما تاج الملوك فإنه لما ملك ثغر جبلة وتمكن هو وأصحابه فيها أساءوا إلى أهله وقبحوا السيرة فيهم وجروا على غير العادة المرضية من العدل والانصاف فشكوا حالهم فيما نزل بهم إلى القاضي فخر الملك أبي علي عمار بن محمد بن عمار المتغلب على ثغر طرابلس لقربها منهم فوعدهم المعونة على مرادهم واسعادهم بالانفاذ لهم وانهض إليهم عدةً وافرةً من عسكره فدخلت الثغر واجتمعت مع أهله على الأتراك فقهروهم وأخرجوهم منه وملكوه وقبضوا تاج الملوك وحملوه إلى طرابلس فأكرمه فخر الملك وأحسن إليه وسيره إلى دمشق وكتب إلى والده أتابك يعرفه صورة الحال ويعتذر إليه مما جرى. وفيها قبض الملك شمس الملوك دقاق على أمين الدولة أبي محمد بن الصوفي رئيس دمشق وصالحه على جملة من المال يحملها إلى خزانته وأطلقه من الاعتقال وأقره على رئاسته
следующие страницы →