← История

История · id 22799

تاريخ دمشق لابن القلانسي

ابن القلانسي

Полный текст (573 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

في يوم الاثنين من جمادى الآخرة وضايق القلعة إلى أن عرف وصول الأمير ناصر الدولة بن حمدان في العساكر المصرية لانجادها فخرج منها في رجب سنة ٢ ونهب حلب بعسكر ناصر الدولة واتفقت وقعة الفنيدق المشهورة وانفلال ناصر الدولة وعوده إلى مصر منهزماً مخذولاً فعاد محمود بجمعه إلى حلب وحصل بها وقتل عمه معز الدولة واستقام أمره فيها. وفي هذه السنة قصد الأمير عطية فيمن جمعه وحشده مدينة الرحبة ولم يزل نازلاً عليها ومضايقاً لأهلها ومراسلاً لهم إلى أن تسهل الأمر فيها وسلمت إليه وحصل بها في صفر من السنة

стр. 177

سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة في هذه السنة وصل الأمير حسام الدولة ابن البجناكي إلى دمشق والياً عليها في يوم الجمعة الثاني والعشرين من جمادى الأولى منها ونزل في المزة وأقام مدة وورد الكتاب بعزله فانصرف عن الولاية وتوجه نحو حلب في شهر رمضان من السنة ثم وصل بعد ذلك عدة الدين والدولة ابن ناصر الدولة بن حمدان إلى دمشق والياً عليها في يوم الجمعة الثامن عشر من رمضان من السنة وحصل بها وقرئ سجل ولايته وأمر فيها ونهى. وفي هذه السنة استقر الصلح والموادعة بين معز الدولة صاحب حلب وابن أخيه محمود بن شبل الدولة. وفيها ندب أبو محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي الشاعر للمسير من حلب إلى القسطنطينية رسولاً في المحرم منها. وفيها توفى الأمير معز الدولة بحلب في يوم الجمعة لسبع بقين من ذي القعدة ودفن في المسجد بالقلعة وملكها أخوه عطية. وفي هذه السنة وصل الأمير المؤيد معتز الدولة حيدرة بن عضب الدولة إلى دمشق والياً عليها دفعةً ثانيةً بعد أولى في يوم الاثنين الثامن عشر من ذي القعدة منها ونزل في أرض المزة وفي هذا اليوم سار عدة الدولة بن حمدان عن الولاية منصرفاً إلى مصر وأقام المؤيد بها في الولاية ما أقام وانصرف عنها معزولاً في شهر ربيع الآخر سنة ٤٥٥

стр. 178

سنة أربع وخمسين وأربعمائة في المحرم منها قلد الأمير مكين الدولة طبرية وثغر عكاء من قبل امام المستنصر بالله وأمر على جماعة بني سليم وبني فزارة. وفيها توفي القاضي الشريف مستخص الدولة أبو الحسين ابرهيم بن العباس بن الحسن الحسيني بدمشق يوم السبت التاسع والعشرين من شعبان ﵀. وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرلبك وقيام ولده كذا البارسلان في المملكة بعده في مدينة الري

стр. 179

سنة خمس وخمسين وأربعمائة وفيها ولاية أمير الجيوش بدر لدمشق وصل الأمير تاج الأمراء المظفر مقدم الجيوش شرف الملك عدة الامام ثقة الدولة بدر إلى دمشق والياً عليها في يوم الأربعاء الثالث والعشرين من شهر ربيع الآخر من السنة ونزل بأرض المزة ومعه الشريف القاضي ثقة الدولة ذو الجلالين أبو الحسن يحيى بن زيد الحسيني الزيدي ناظراً في الأعمال ونفقات الأموال وأقام بها مدة مدبراً لها وآمراً وناهياً فيها ثم حدث من أمره بها والخلف الجاري بينه وبين عسكريتها ورعيتها ووقعت بينهما محاربات عرف معها عجزه عن المقام بينهم والثبات معهم وخاف على نفسه منهم فسار عنها كالهارب منها في ليلة الثلاثاء لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة ٥٦. وفي هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب وحصر عمه عطية فيها في النصف من شعبان وقتل منيع بن كامل بحجر المنجنيق ولم يتمكن من عرضه فيها ولا تسهل له أرب منها فرحل عنها

стр. 180

سنة ست وخمسين وأربعمائة وفيها ولاية الأمير حيدرة بن منزو لما انصرف أمير الجيوش بدر عن ولاية دمشق هارباً ندب لولايتها الأمير حصن الدولة حيدرة بن منزو بن النعمان والياً عليها ووصل إليها في شهر رمضان من السنة وأقام بها وأمر ونهى على عادة أمثاله من الولاة لها. ثم اقتضى الرأي المستنصري صرفه عنها لشهاب الدولة دري المستنصري ووصل إليها وتولى الولاية فيها. وفي هذه السنة عاد محمود بن شبل الدولة بن صالح إلى حلب مضايقاً لها ولعطية عمه فاستصرخ بالأمير ابن خان التركي فأنجده عليه فلما أحس بوصوله رحل عنها منهزماً ثم خاف عطية من الأمير ابن خان فأمر أحداث حلب بنهب عسكره فنهبوه. ورحل ابن خان منهزماً وأنفذ إلى الأمير محمود يعتذر إليه من المساعدة عليه وتوجه معه إلى طرابلس وعاد معه إلى حلب لحصرها في هذه السنة. وفيها وصل الأمير شهاب الدولة دري المستنصري إلى دمشق والياً في العشر الأخير من ذي القعدة من السنة ثم تجدد الرأي في صرفه فانصرف وتوجه إلى الرملة لأن سجل ولايته لها ورد عليه وأقام بها آمراً وناهياً إلى أن قتل بها في شهر ربيع الآخر سنة ٤٦٠ وأقامت دمشق خالية من الولاة إلى أن وصل إليها أمير الجيوش بدر والياً عليها دفعةً ثانيةً في سنة ٤٥٨

стр. 181

سنة سبع وخمسين وأربع مائة في هذه السنة نزل الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح على حلب ثالث دفعة ومعه الأمير ابن خان التركي وأقام عليها إلى انتصاف شهر رمضان ولم يزل مضايقاً لها إلى أن تسهل أمرها وملكها فلما حصل بها فارقه ابن خان بعسكره نحو العراق ولم يدخلها اشفاقاً من أحداث حلب لما فعلوه في تلك النوبة من القيام عليه والنهب لأصحابه

стр. 182

سنة ثمان وخمسين وأربعمائة وفيها ولاية أمير الجيوش بدر الثانية وصل أمير الجيوش سيف الاسلام بدر إلى دمشق والياً عليها ثانيةً وعلى الشام بأسره في يوم الأحد السادس من شعبان منها ونزل في مرج باب الحديد أياماً وبلغه قتل ولده بعسقلان فدخل القصر وأقام فيه إلى أن تحرك الفتنة الثائرة بينه وبين عسكرية دمشق وأهلها واستيحاش كل منهم من صاحبه فخرج من القصر ونشبت الحرب بينهم في يوم الجمعة التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة ٤٦٠ وقد كان القصر أخرب بعضه في تلك النوبة الحادثة الأولى ونهب ما كان فيه فلما عاد بعد ذلك في هذه النوبة ومعه العساكر الجمة من العرب وسائر الطوائف ونزل على مسجد القدم في رمضان سنة ٦٠ واتفق رحيله عنها فخرج من في البلد من العسكرية والأحداث إلى القصر فأحرقوا ما كان سالماً منه ونقضوا أخشابه بحيث شمله الخراب من كل جهاته. وفي هذه السنة فادى الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح نساء بني حماد والنمريين من أسر الروم ولم يزل مبالغاً في ذلك ومجتهداً فيه إلى أن حصلوا في حلب سنة تسع وخمسين وأربعمائة فيها وردت الأخبار من ناحية مصر باجتماع العبيد في الصعيد وكبسهم عسكر الأمير ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان وانفلال العرب المجتمعة معه واستظهار العبيد على جانب من عسكره نهبوه واستولوا عليه ثم عادوا عليهم واستعادوا ما أخذ لهم وزيادة عليه وقتل جماعةً منهم. وفيها سأل الأمير ناصر الدولة المستنصر بالله في حميد ابن محمود بن جراح وحازم بن علي بن جراح فأطلقهما من خزانة البنود وخلى سبيلهما

стр. 183

سنة ستين وأربعمائة وفيها ولاية الأمير بارزطغان لدمشق وصل الأمير قطب الدولة بارزطغان إلى دمشق والياً عليها في شعبان منها ووصل معه الشريف السيد أبو طاهر حيدرة بن مستخص الدولة أبي الحسين ونزل قطب الدولة في دار العقيقي وأقام مدة ثم خرج منها ومعه الشريف المذكور في شهر ربيع الأول سنة ٤٦١. وورد الخبر بأن أمير الجيوش بدر ظفر بالشريف السيد المذكور وكان بينهما إحن بعثته على الاجتهاد في طلبه والارصاد له إلى أن اقتنصه فلما حصل في يده قتله سلخاً فعظم ذلك على كافة الناس وأكثروا هذا الفعل واستبشعوه في حق مثله.

стр. 184

وفي يوم الثلاثاء العاشر من جمادى الأولى من السنة جاءت زلزلة عظيمة بفلسطين هدمت أكثر دور الرملة وسورها وتضعضع جامعها ومات أكثر أهلها تحت الردم. وحكي أن معلماً كان في مكتبه به تقدير مائتي صبي وقع المكتب عليهم فما سأل أحد عنهم لهلاك أهليهم وأن الماء طلع من أفواه الآبار لعظم الزلزلة وهلك في بانياس تحت الردم نحو من مائة نفس وكذلك في بيت المقدس. وسمع في أيار من هذه السنة رعدة هائلة ما سمع بأعظم منها ولا بأهول من صوتها فغشي على جماعة من الرجال والنسوان والصبيان وطلع في أثرها سحاب هائل ووقع منه برد شديد الوقع أهلك كثيراً من الشجر وجاء معه سيل عظيم في بلد الشام قلع ما مر به من الشجر والصخر. حكي أن ارتفاعه بوادي بني عليم نحو من ثلاثين ذراعاً وأنه سحب صخرةً عظيمة لا يقلها خمسون رجلاً ذهب بها فلم يعرف مستقرها. وفيها ورد الخبر بقيام ناصر الدولة أبي علي الحسن بن حمدان في جماعة من قواد الأتراك وأمراء مصر على المستنصر بالله بمصر وأخذهم شيئاً كثيراً من المال اقتسموه وكان أمير الجيوش بدر في مبدأ أمره مقيماً بالشام مظهراً الطاعة المستنصر بالله والموالاة له والميل إليه إلا أنه لا يتمكن من نصرته ولا يجد سبيلاً إلى موازرته ومعاضدته وزحف المذكورون إلى دار وزيره

стр. 185

المعروف بابن كدينة فطالبوه بالمال فقال لهم: وأي مال بقي بعد نهبكم الأموال واقتسامكم الأعمال؟ فألحوا عليه وقالوا: لا بد من انفاذك إلى المستنصر بالله وبعثك له على إخراج المال وتعريفه في ذلك صورة الحال. فكتب إليه رقعةً بشرح القصة وخرج الجواب عنها بخطه يقول فيه أصبحت لا أرجو ولا أتّقي ... إلاّ إلهي وله الفضل جدّي نبيّي وإمامي وأبي ... وقولي التوحيد والعدل المال مال الله والعبيد عبيد الله والاعطاء خير من المنع وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. وفي هذه السنة خرج متملك الروم من القسطنطينية إلى الثغور

стр. 186

سنة إحدى وستين وأربعمائة وفيها كانت ولاية معلى بن حيدرة بن منزو لدمشق الأمير حصن الدولة معلى بن حيدرة بن منزو الكتامي ولى دمشق قهراً وغلبةً وقسراً من غير تقليد في يوم الخميس الثامن من شوال سنة ٤٦١ بجيل نمقها ومحالات اختلقها ولفقها وذكر أن التقليد بعد ذلك وافاه فبالغ في المصادرات حينئذ وارتكب من الظلم ومصادرة المستورين الأخيار ما هو مشهور من العيث والجور ما هو شائع بين الأنام مذكور ولم يلق أهل البلد من التعجرف والظلم والعسف بعد جيش بن الصمصامة في ولايته ما لقوه من ظلمه وسوء فعله وقاسوه من اعتدائه ولؤم أصله ولم تزل هذه أفعاله إلى أن خربت أعمالها وخلا عنها أهلها وهان عليهم مفارقة أملاكهم وسأوهم عن أوطانهم بما عانوه من ظلمه ولابسوه من تعديه وعشمه وخلت الأماكن من قاطنيها والغوطة من فلاحيها وما برح لقاء الله على هذه القضية المنكرة والطريقة المكروهة إلى أن أجاب الله وله الحمد والشكر دعاء المظلومين ولقاه عاقبة الظالمين وحقق الأمل فيه بالراحة منه وأوقع بينه وبين العسكرية بدمشق الشحناء والبغضاء فخاف على نفسه الهلاك والبوار فاستشعر الوبال والدمار فلم يكن له إلا الهرب منهم والنجاة من فتكهم لأنهم عزموا على الايقاع به والنكاية فيه وقصد ناحية بانياس فحصل فيها في يوم الجمعة الثاني والعشرين من ذي الحجة سنة ٤٦٧

стр. 187

فأقام بها وعمر ما عمره من الحمام وغيره فيها ثم خرج منها في أوائل سنة ٤٧٢ خوفاً من العسكر المصري أن يدركه فيها فيأخذه منها وحصل بثغر صور عند ابن أبي عقيل القاضي المستولي عليها ثم صار من صور إلى طرابلس وأقام بها عند زوج أخته جلال الملك ابن عمار مدة وأطلع إلى مصر فهلك في الاعتقال قتلاً بالنعال في سنة ٤٨١ وذلك جزاء الظالمين وما الله بغافل عما يعملون وفي هذه السنة وقع الخلف بدمشق بين العسكرية وبين أهلها وطرحت النار في جانب منها فاحترقت واتصلت النار منه بالمسجد الجامع من غربيه فاحترق في ليلة يوم الاثنين انتصاف شعبان من السنة فقلق الناس لهذا الحادث والملم المؤلم الكارث وأسف القاضي والداني لاحتراق مثل هذا الجامع الجامع للمحاسن والغرائب المعدود من إحدى العجائب حسناً وبهاءً ورونقاً وسناءً وكيف أصابت مثل العيون الصوائب وعدت عليه عادية النوائب

стр. 188

وفيها وردت الأخبار من مصر بغلاء الأسعار فيها وقلة الأقوات في

стр. 189

أعمالها واشتداد الحال في ذلك واضطرارهم إلى أكل الميتة وأكل الناس

стр. 190

بعضهم بعضاً من شدة الجوع وقتل من يظفر به وأخذ ماله واستغراق حاله ومن سلم هلك واحتاج الأمير والوزير والكبير إلى المسئلة. وفيها نزل الروم على حصن اسفونا وملكوه سنة اثنتين وستين وأربعمائة فيها نزل أمير الجيوش سيف الاسلام بدر المستنصري في العسكر المصري على ثغر صور محاصراً لعين الدولة بن أبي عقيل القاضي الغالب عليه فلما أقام على المضايقة له والاضرار به كاتب القاضي ابن أبي عقيل الأمير قرلو مقدم الأتراك المقيمين بالشام مستصرخاً له ومستنجداً به فأجابه إلى طلبه وأسعفه بأربه وسار بعسكره منجداً له ومساعداً ووصل إلى ثغر صيدا ونزل عليه في ستة ألف فارس فحصره وضيق عليه وعلى من فيه وكان في جملة ولاية أمير الجيوش المذكور فحين عرف أمير الجيوش صورة الحال ووصول الأتراك لانجاد من بصور واسعاده قادته الضرورة إلى الرحيل عن صور بعد أن استفسد كثيراً من أهلها والعسكرية بها بحيث قويت بهم شوكته وزادت بهم عده وتلوم عنها قليلاً ثم عاود النزول عليها والمضايقة لها وأقام عليها في البر والبحر مدة سنة احتاج أهلها مع ذلك إلى أكل الخبز الرطل بنصف دينار ولم يتم له أمر فيها لاختلاف الأتراك في الشام فرحل عنها. وفي هذه السنة مرض الأمير محمود بن صالح في حلب مرضاً شديداً

стр. 191

وخطب للامام القائم لأمر الله على منبر حلب وقطع الدعوة المستنصرية في تاسع عشر شوال. وفيها فتح ملك الروم ثغر منبج وأحرقه وعاد يقدم بعمارته ورحل عنه إلى ناحية منازجرد فعاث في أطرافها إلى أطراف خراسان وبقيت منبج في ملكة هذا الملك واسمه على ما ذكر اليزدوخانس سبع سنين ودام في الملك على ما حكى ثلاثين سنة ثلاث وستين وأربعمائة فيها جمع اتسز بن أوق مقدم الأتراك الغز بالشام واحتشد وقصد أرض فلسطين فافتتح الرملة وبيت المقدس وضايق دمشق وواصل

стр. 192

الغارات عليها وعلى أعمالها وقطع الميرة عنها ورعى زرعها عدة سنين في كل ربيع لمضايقتها والطمع في ملكتها ولم يزل متردداً إلى أن اضطرب أمرها وخربت المنازل بها وزاد غلاء الأسعار فيها وعدم تواصل الأقوات إليها وجلا أكثر أهلها عنها واستحكم الخلف بين العسكرية والمصامدة والأحداث من أهلها وكون الوالي معلى بن منزو لعنه الله قد هرب عنها ولم يبق فيها من المقدمين على الأجناد غير الأمير زين الدولة زمام المصامدة بها. وفي هذه السنة نزل السلطان العادل البارسلان بن داود أخي السلطان طغرلبك بن سلجوق ﵀ على حلب محاصراً لها وبها محمود بن صالح في يوم الثلاثاء سابع عشر جمادى الآخرة وضايقها إلى أن ملكها بالأمان فخرج محمود إليه فأمنه وأنعم عليه وولاه البلد. ورحل عنه ثالث وعشرين رجب قاصداً إلى بلاد الروم طالباً ملكهم وقد توجه إلى منازجرد فلحقه وأوقع به وهزمه وكان عسكره على ما حكي تقدير ستمائة ألف من الروم وما انضاف إليهم من سائر الطوائف وعسكر الاسلام على ما ذكر تقدير أربع مائة ألف من الأتراك وجميع الطوائف وقتل من عسكر الروم الخلق الكثير بحيث امتلأ واد هناك عند التقاء الصفين وحصل الملك في أيدي المسلمين أسيراً وامتلأت الأيدي من سوادهم وأموالهم وآلاتهم وكراعهم ولم تزل المراسلات مترددةً بين السلطان البارسلان وبين ملك الروم المأسور إلى أن تقرر اطلاقه والمن عليه بعد أخذ العهود عليه والمواثيق بترك التعرض لشيء من أعمال الاسلام واطلاق الأسارى وأطلق وسير إلى بلده وأهل مملكته فيقال أنهم اغتالوه وسلموه وأقاموا غيره في

стр. 193

مكانه لأشياء أنكروها عليه ونسبوها إليه سنة أربع وستين وأربعمائة في المحرم منها قتل الأمير جعبر صاحب قلعة دوسر فيها بمكيدة نصبت له وحيلة تمت عليه وغفلة استمرت به. وفيها ملكت الرقة واستولى عليها. وفيها نهض محمود بن صالح من حلب فيمن حشد من العرب وقصد ناحية عزاز في يوم السبت الثاني والعشرين من رجب للقاء الروم فاندفعت الروم بين أيدي العرب والعرب في عدة قليلة تناهز ألف فارس وقصدوا أنطاكية واجتمعوا بها وعادت العرب إلى حلب. وفيها ورد الخبر من بغداد في شهر ربيع الأول منها بأن الامام الحافظ أبا بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الخطيب ﵀ توفي يوم الاثنين

стр. 194

السابع من ذي الحجة منها وحمل إلى الجانب الغربي من بغداد وصلي عليه ودفن بالقرب من قبة أحمد بن حنبل ﵀ سنة خمس وستين وأربعمائة فيها هرب الأمير أبو الجيوش علي بن المقلد بن منقذ من حلب خوفاً من صاحبها الأمير محمود بن صالح حين عرف عزمه على القبض عليه وقصد المعرة ثم قصد كفرطاب. وفيها ورد نعي الأمير عطية عم الأمير محمود بن صالح من القسطنطينية في ذي الحجة. وفيها ورد سأر الأمير محمود بن صالح من حلب فيمن جمعه وحشده من عسكره إلى الرحبة. وفي هذه السنة ورد الأخبار باستشهاد السلطان العادل البارسلان ابن داود أخي السلطان طغرلبك ملك الترك على نهر جيحون عند

стр. 195

حصن هناك بيد من اغتاله من الباطنية المتزيين بطريقة الزهاد المتصوفة على القضية المشهورة والسجية المذكورة سنة ست وستين وأربعمائة فيها فتح الأمير محمود بن صالح قلعة السن في يوم الخميس تاسع شهر ربيع الآخر. وفيها وردت الأخبار من بغداد بزيادة مد دجلة حتى غرق بها عدة أماكن وهدم عدة مساكن. وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق بانتصاب السلطان العادل ملك شاه أبي الفتح محمد بن السلطان البارسلان في المملكة بعد أبيه وجلوسه على سرير الملك بعد أخذ البيعة له على أمراء الأجناد وكافة ولاة الأعمال والبلاد فاستقامت له الأمور وانتظمت به الأحوال على المراد والمأثور واستمر التدبير على نهج الصلاح وسنن النجاح وسلك في العدل والانصاف مسلك أبيه العادل عن طريقة الجور والاعتساف ورتب النواب في الأعمال والثقات في حفظ الأموال.

стр. 196

وفيها توفي أبو علي الحسين بن سعيد بن محمد بن سعيد العطار بدمشق في يوم الجمعة من صفر وكان من أعيان شهودها وحدث عن جماعة سنة سبع وستين وأربعمائة فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة القائم بأمر الله أبي جعفر عبد الله بن الامام القادر بالله في يوم الخميس الثالث عشر من شعبان وأمه أم ولد تسمى قطر الندى رومية وأدركت خلافته وماتت في رجب سنة ٤٥٢ وكان مولده في الساعة الثالثة من نهار يوم الخميس وقيل الجمعة الثامن عشر من ذي القعدة سنة ٣٩١ وتولى الأمر بعد أبيه وعمره إحدى وثلاثون سنة في يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة ٤٢٢ ومات وعمره ست وسبعون سنة وكانت أيامه أربعاً وأربعين سنة وتسعة أشهر وأياماً وكان جميلاً مليح الوجه أبيض اللون مشرباً خمرة حسن الجسم أبيض الرأس واللحية ورعاً متديناً زاهداً عالماً وكان ﵀ قد يلي من أرسلان الفساسيري بما يلي إلى أن أهلكه الله وأراحه بالعزائم السلطانية حسب ما تقدم به شرح الحال. وروي عنه أنه لما اعتقل في الحديثة كتب رقعةً وأنفذها إلى مكة حرسها الله تعالى مستعدياً إلى الله تعالى على الفساسيري وعلقت على الكعبة ولم تحط عنها إلى أن ورد الخبر بخروجه من الاعتقال من الحديثة وعوده إلى داره وهلاك عدوه الفساسيري وعنونها

стр. 197

إلى الله العظيم من المسكين عبده. ونسخة الاستغاثة: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم إنك العالم بالسرائر والمطلع على مكنون الضمائر اللهم إنك غني بعلمك واطلاعك على خلقك عن اعلامي هذا عبد من عبيدك قد كفر نعمتك وما شكرها وألغى العواقب وما ذكرها اطغاه حكمك وتجبر باناتك حتى تعدى علينا بغياً وأساء إلينا عتواً وعدواً اللهم قل الناصر واعتز الظالم فأنت المطلع العالم والمنصف الحاكم بك نعتز عليه وإليك نهرب من يديه فقد تعزز علينا بالمخلوقين ونحن نعتز بك يا رب العالمين اللهم أنا حاكمناه إليك وتوكلنا في انصافنا منه عليك ورفعنا ظلامتنا هذه إلى حرمك ووثقنا في كشفها بكرمك فاحكم بيننا بالحق وأنت خير الحاكمين وأظهر اللهم قدرتك فيه وأرنا ما نرتجيه فقد أخذته العزة بالاثم اللهم فاسلبه عزه وملكنا بقدرتك ناصيته يا أرحم الراحمين وصل يا رب على محمد وسلم وكرم

стр. 198

وتولى بعده الأمر ولد ولده الامام أبو القاسم عبد الله بن ذخيرة الدين بن القائم بأمر الله أمير المؤمنين وكان ذخيرة الدين ولي العهد فتوفي في حياة أبيه القائم بأمر الله فعتد الأمر لابنه أبي القاسم عبد الله ولقبه المقتدي بالله وأخذت له البيعة في شعبان سنة ٤٧٧ وعمره تسع عشرة سنة وثلاثة أشهر وأيام. وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية حلب بوفاة صاحبها الأمير محمود بن شبل الدولة بن صالح بحلب في جمادى الأولى وقام في منصبه ولده الأمي نصر بن محمود وهنأه بعد التعزية الأمير أبو الفتيان ابن حيوس بالقصيدة الألفية المشهورة التي يقول فيها وقد جاد محمودٌ بألفٍ تصرّمت ... وإني سأرجو أن سيخلفها نصر فأطلق له ألف دينار وقال له: لو كنت قلت سيضعفها نصر لفعلت

стр. 199

سنة ثمان وستين وأربعمائة وفيها ولاية الأمير زين الدولة لدمشق لما هرب معلي بن حيدرة بن منزو لعنه الله من ولاية دمشق على القضية ذكرتها اجتمعت المصامدة إلى الأمير زين الدولة انتصار بن يحيى زمامهم والمقدم واتفق رأيهم على تقديمه في ولاية دمشق وتقوية نفسه على الاستيلاء عليها وفدع من ينازعه فيها ووقع ذلك من أكثر الناس أجمل موقع وأحسن موضع وارتضوا به ومالوا إليه لسداد طريقته وحميد سيرته وكونه أحسن فعلاً ممن تقدمه وأجمل قصداً ممن كان قبله فاستقر الأمر على هذه القضية والسجية المرضية في يوم الأحد مستهل المحرم من السنة. وفي هذه السنة اشتد غلاء الأسعار في دمشق وعدمت الأقوات ونفدت الغلات منها واضطر الناس إلى أكل الميتان وأكل بعضهم بعضاً ووقع الخلف بين المصامدة وأحداث البلد وعرف الملك اتسز بن أوق مقدم الأتراك وما آلت إليه الحال وكان متوقعاً لمثل ذلك فنزل عليها وبالغ في المضايقة لها إلى أن اقتضت الصورة وقادت الضرورة إلى تسليمها إليه بالأمان وتوثق منه بوكيد الايمان. فلما دخلها في ذي القعدة سنة ٤٦٨ وحصل بها نزل بأهلها منه قوارع البلاء بعد ما عانوه من ابن منزو لعنه الله واشتداد البلاء من

стр. 200

انزال دورهم واخراجهم منها واغتصاب أملاكهم والقبض لها واستعمال سوء السيرة وخبث النية والسريرة وتواصلت الدعوات عليه من سائر الناس وعلى أصحابه وأتباعه في جميع الأوقات وأعقاب الصلوات والرغبة إلى الله تعالى ذكره باهلاكه وتعفية أثاره. وفي هذه السنة وردت الأخبار من حلب بأن الأمير نصر بن محمود بن صالح صاحبها قتل بها في يوم الأحد عيد الفطر قتله قوم من أتراك الحاضر وذاك أنه قبض على مقدمهم المعروف بالأمير أحمد شاه وخرج إليهم لينهبهم فرماه أحدهم بسهم فقتله وقام في منصبه من بعده أخوه سابق بن محمود بن صالح. وفي هذه السنة خطب للامام المقتدي بالله أبي القسم عبد الله بن الذخيرة بن القائم بأمر الله على منبر دمشق وقطعت الخطبة المستنصرية ونظر الملك اتسز بن أوق في أمور دمشق وأحوالها بما يعود بصلاح أعمالها ووفور استغلالها وأطلق لفلاحي المرج والغوطة الغلات للزراعات وألزمهم الاشتغال بالعمارات والفلاحات فصلحت الأحوال وتواصلت من سائر الجهات الغلات ورخصت الأسعار وتضاعف

стр. 201

الجذل بذلك والاستيثار وطابت نفوس الرعية وأيقنوا بزوال البؤس والبلية. وبرز اتسز في عسكره إلى نواحي الساحل عازماً على قصد مصر وطامعاً في تملكها سنة تسع وستين وأربعمائة فيها جمع الملك اتسز واحتشد وبرز من دمشق ونهض في جمع عظيم إلى ناحية الساحل ثم منها إلى ناحية مصر طامعاً في ملكتها ومجتهداً في الاستيلاء عليها والدعاء عليه من أهل دمشق متواصل واللعن له متتابع متصل فلما قرب من مصر وأظلت خيله عليها برز إليه أمير الجيوش بدر في من حشده من العساكر ومن انضاف إليها من الطائف والعرب وكان قد وصل إليها واستولى على الوزارة وعرف ما عزم عليه

стр. 202

اتسز فاستعد للقائه وتأهب لدفع قصده واعتدائه وجد في الايقاع به وحصلت العرب وأكثر العساكر من ورائه وصدقوا الحملة عليه

стр. 203

فكسروه وهزموه ووضعوا السيوف في عسكره قتلاً وأسراً ونهباً وأفلت

стр. 204

هزيماً بنفسه في نفر يسير من أصحابه ووصل إلى الرملة وقد قتل أخوه

стр. 205

وقطعت يد أخيه الآخر ووصل بعد الفل إلى دمشق فسرت نفوس الناس بمصابه وتحكم السيوف في أتباعه وأصحابه فأملوا مع هذه الحادثة سرعة هلاكه وذهابه. وفي هذه السنة توفي أبو الحسن أحمد بن عبد الواحد بن محمد بن عثمان بن الوليد بن الحكم بن سليمان بن أبي الحديد السلمي ﵀ سنة سبعين وأربعمائة فيها وردت الأخبار بوصول السلطان تاج الدولة أبي سعيد تتش بن السلطان العادل البارسلان أخي السلطان ملك شاه أبي الفتح إلى الشام واجتماع العرب من بني كلاب إليه ووصول شرف الدولة مسلم بن قريش إليه من عند أخيه السلطان العادل ملك شاه لمعونته على افتتاح الشام بأمره له في ذلك. وفيها توفي أبو نصر الحسين بن محمد بن أحمد بن طلاب الخطيب ﵀.

стр. 206

وفي هذه السنة نزل عسكر مصر على دمشق مع نصر الدولة الجيوشي وأقام عليها مدةً يسيرةً ولم يتم له فيها مراد فرحل عنها عائداً إلى مصر. وفيها نزل تاج الدولة السلطان على حلب ومعه وثاب وشبيب ابنا محمود بن صالح ومبارك بن شبل ورحل عنها في ذي القعدة ثم نزل عليها ثانيةً ولم يتم له فيها مراد فرحل عنها سنة إحدى وسبعين وأربعمائة في هذه السنة خرج من مصر عسكر كبير مع نصر الدولة الجيوشي ونزل على دمشق محاصراً لها ومضايقاً عليها واستولى على أعمالها وأعمال فلسطين وأقام عليها مدة مضايقاً لها وطامعاً في تملكها وأضر على منازلتها إضراراً اضطر اتسز صاحبها إلى مراسلة تاج الدولة يستنجده ويستصرخ به ويعده بتسليم الدمشق إليه ويكون في الخدمة بين يديه فتوجه نحوه في عسكره فلما عرف نصر الدولة الخبر وصح عنده قربه منه رحل عنها مجفلاً وقصد ناحية الساحل وكان ثغراً صور وطرابلس في أيدي قضاتهما قد تغلبا عليهما ولا طاعة عندهما لأمير الجيوش بل يصانعان الأتراك بالهدايا والملاطفات ووصل السلطان تاج الدولة إلى عذراء في عسكره لأنجاد دمشق وخرج اتسز إليه وخدمه وبذل له الطاعة والمناصحة وسلم البلد إليه فدخلها وأقام بها مديدةً ثم حدثته نفسه بالغدر باتسز ولاحت له منه

стр. 207

أمارات استوحش بها منه متسهله كذا فقبض عليه في شهر ربيع الأول منها وقتل أخاه أولاً ثم أمر بخنقه فخنق بوتر في المكان المعتقل فيه وملك تاج الدولة دمشق واستقام له الأمر فيها وأحسن السيرة في أهلها وفعل بالضد من فعل اتسز فيها وملك أعمال فلسطين. وفي هذه السنة قتل أحمد شاه مقدم الأتراك في الشام. وفيها برز تاج الدولة من دمشق وقصد حلب في عسكره ونزل عليها وأقام عليها أياماً ورحل عنها في شهر ربيع الأول وعبر الفرات مشرقاً ثم عاد إلى الشام بعد أن وصل إلى ديار بكر في ذي الحجة وملك حصن بزاعة والبيرة وأحرق ربض عزاز ورحل عنها عائداً إلى دمشق سنة اثنتين وسبعين وأربعمائة فيها تسلم شرف الدولة مسلم بن قريش حلب. وفيها رخصت الأسعار في الشام بأسره. وفيها هلكت فرقة من الأتراك ببلاد الروم كانوا غزاة فلم يفلت منهم أحد

стр. 208

سنة أربع وسبعين وأربعمائة فيها ملك الأمير أبو الحسن علي بن المقلد بن منقذ حصن شيزر في يوم السبت السابع والعشرين من رجب من الأسقف الذي كان فيه بمال بذله له وأرغبه فيه إلى أن حصل في يده وشرع في عمارته وتحصينه والممانعة عنه إلى أن تمكنت حاله فيه وقويت نفسه في حمايته والمراعاة دونه

стр. 209

سنة خمس وسبعين وأربعمائة فيها توجه السلطان تاج الدولة إلى ناحية الشام من دمشق ومعه في خدمته الأمير وثاب بن محمود بن صالح ومنصور بن كامل وقصد ناحية الروم وأقام هناك مدةً واتصل به خبر شرف الدولة مسلم بن قريش وما هو عليه من الجمع والاحتشاد والتأهب والاستعداد واجتماع العرب إليه من بني نمير وعقيل والأكراد والمولدة وبني شيبان للنزول على دمشق والمضايقة لها والطمع في تملكها فعاد تاج الدولة منكفئاً إلى دمشق لما عرف هذا العزم ووصل إليها في أوائل المحرم سنة ٤٧٦. وورد الخبر بوصول

стр. 210

شرف الدولة في حشده إلى بالس أيضاً في المحرم ووصله جماعة من بني كلاب ونهض بالعسكر مسرعاً في السير إلى أن نزل على دمشق ووصل إليه جماعة من عرب قيس واليمن وقاتل أهل دمشق في بعض الأيام وخرج إليه عسكر تاج الدولة من دمشق وحمل على عسكره حملةً صادقةً فانكشف وتضعضع عسكره وعاد كل فريق إلى مكانه وعاد عليهم بحملة اخرى وانهزمت العرب وثبت شرف الدولة مكانه وأشرف على الأسر وتراجع أصحابه. وكان شرف الدولة قد اعتمد على معونة عسكر المصريين على دمشق ومعاضدته بالعسكر المصري على أخذها فوقع التقاتل عليه بالانجاد والتقاعد عنه بالاسعاد إشفاقاً من ميل الناس إليه وعظم شأنه بتواصلهم ووفودهم عليه فلما وقع يأسه مما أمله ورجاه وخاف ما تمناه وورد عليه من أعماله ما شغل خاطره في تدبيره وأعماله وتواترت الأخبار بما أزعجه وأقلقه رأى أن رحيله عن دمشق إلى بلاده وعوده إلى ولايته لتسديد أحوالها وإصلاح اختلالها أصوب من مقامه على دمشق وأوفق من شأنه فأوهم إنه سائر مقتبلاً لأمر مهم عليه وارب مطلوب نهد إليه فرحل عن دمشق ونزل مرج الصفر وعرف من بدمشق ذلك فقلقوا لذلك واضطربوا ثم رحل مشرقاً في البرية وجلاً وجد في سيره مجفلاً وأوصل السير ليلاً ونهاراً فهلك من المواشي والدواب للعرب ما لا يحصيه عدد ولا يحصر كثرةً من العطش وتلف وانقطع من الناس خلق كثير وخرجت به الطريق إلى وادي بني حصين قريباً من سلمية فأنفذ وزيره أبا العز بن صدقة إلى خلف ابن ملاعب المقيم بحمص ليجعله بين الشام وبين السلطان تاج الدولة لما يعلمه من نكايته

стр. 211

في الأتراك وفتكه بمن يظفر به من أبطالهم الفتاك. فأقام أبو العز الوزير بحمص إلى حين عوده فخلع عليه شرف الدولة وأكرمه وقرر معه حفظ الشام وطيب بنفسه. وسار بعد ذلك السلطان تاج الدولة إلى ناحية طرابلس وافتتح انطرطوس وبعض الحصون وعاد إلى دمشق. وورد الخبر بنزول السلطان العادل ملك شاه أبي الفتح بن البارسلان على حلب في يوم الأربعاء الثاني والعشرين من شعبان من السنة وضايقها إلى أن ملكها مع القلعة. وفي يوم الخميس الثاني من المحرم توجه شرف الدولة إلى بلد انطاكية للقاء الفردوس ملك الروم.

стр. 212

وفيها وصل الأمير شمس الدولة سالم بن مالك بالخلع السلطانية إلى شرف الدولة إلى حلب وقرر الصلح بين شرف الدولة وابن ملاعب بحمص. وفيها وصل أبو العز بن صدقة وزير شرف الدولة في عسكر كثيف لإنجاد حلب على تاج الدولة فلما وصل إليها رحل تاج الدولة في الحال عنها سنة ست وسبعين وأربعمائة فيها عمل على مدينة حران وأخذت من ملكة شرف الدولة مسلم بن قريش في سابع صفر وعاد إليها حين عرف خبرها فنزل عليها في عسكره

стр. 213

وضايقها وواظبها إلى أن افتتحها وملكها ورتب أمرها واحتط عليها واعتمد على الثقات في حفظها.

стр. 214

وفي هذه السنة تنكر شرف الدولة على وزيره أبي العز بن صدقة لأسباب أنكرها منه وأحوال بلغته عنه فقبض عليه واعتقله وأقام أياماً وقرر أمره وأطلقه وطيب نفسه سنة سبع وسبعين وأربعمائة في هذه السنة شرع سليمان بن قتلمش في العمل على مدينة انطاكية والتدبير لأمرها والاجتهاد في أخذها والتملك لها ولم يزل على هذه القضية إلى أن تم له ما أراده فيها وملكها سرقةً في يوم الأحد العاشر من شعبان ورتب أمرها بمن اعتمد عليه في حفظها من ثقات ولاته.

стр. 215

وفي شهر ربيع الأول من السنة كانت وقعة بين عسكر شرف الدولة وعسكر الأتراك بأرض آمد من ديار بكر واستظهر الأتراك على عسكر شرف الدولة فهزموه. وفي رجب منها توجه شرف الدولة مسلم بن قريش إلى دركاه السلطان العادل ملك شاه بن البارسلان ودخل عليه ووطئ بساطه فأكرمه واحترمه وخلع عليه وقرر أمره على ما يهوى من اصلاح أحواله والاقرار على أعماله وإزالة ما كان يخشاه وعاد مسروراً بما لقي ومحبوراً بنيل مبتغاه
следующие страницы →