← История

История · id 22799

تاريخ دمشق لابن القلانسي

ابن القلانسي

Полный текст (573 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وفي هذه السنة هبت بمصر ربيح سوداء ثلاثة أيام فأهلكت شيئاً كثيراً من الناس والحيوان

стр. 352

سنة ست عشرة وخمسمائة في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية بغداد بأن الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد جمع واحتشد وقصد بغداد في حشده وعاث في أطرافها وأفسد في أكنافها فخرج الامام الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين من دار الخلافة واجتمعت إليه الأجناد وظهر إليه وحمل عليه فهزمه وتم إلى الحلة فنهبها ونهبت مقابر قريش ببغداد وما بها من القناديل الفضة والستور والديباج وعاد إلى بغداد ودخلها في المحرم سنة ٥١٧ وورد الخبر فيها بأن السلطان محمود سخط على وزيره لأشياء نقمها عليه وأنكرها منه وأمر بالقبض عليه ثم تقدم بقتله فقتل

стр. 353

وفي صفر منها توجه عائداً إلى مدينة أصفهان. وفي صفر ورد الخبر من ناحية حلب إن أبا الفضل بن الموصول وزير الملك رضوان توفي بحلب في الشهر وكان حسن الطريقة يميل إلى فعل الخير وعن قصد الشر. وفيها جاء سيل عظيم حتى دخل إلى ربض قلعة جعبر فغرق أكثر دورها ومساكنها وهدمها وأخرج منها فرساً حمله من الربض حتى رمى به من أعلى السور في الفرات وقيل إن عدة الدور الهالكة بهذا السيل الجارف ثمانمائة مكان، وقيل إن الأمير نجم الدين بن ارتق خرج من حلب في عسكره وقطع الفرات وصادف الافرنج فلم يلقوه فأتلف ما ظفر به في أعمالهم وعاد منكفئاً إلى الفنيدق بظاهر حلب وفي هذه السنة وصل الأسطول المصري إلى صور وهو مشحن بالرجالة البحرية وطائفة من العساكر. وفي نفس الوالي العمل على الأمير سيف الدولة مسعود الوالي بصور من قبل الأمير ظهير الدين أتابك. فلما خرج للسلام على والي الأسطول سألوه النزول فلما حصل في مركب المقدم اعتقله وتمت عليه المكيدة وحصل البلد في أيديهم ولما اقلع الأسطول ووصل إلى مصر وفيه الأمير مسعود أكرم وأنزل في دار وأطلع له ما يحتاج إليه. والسبب كان في هذا التدبير إن شكاوي أهل صور تتابعت إلى الآمر بأحكام الله والأفضل بما يعتمده مسعود مع الرعية من الأضرار لهم والمخالفة للعادة والموافقة لهم فاقتضت الآراء التدبير عليه وإزالة ما كان من الولاية إليه وكانت عاقبة خروجه منها وسوء التدبير فيها خروجها إلى الافرنج وحصولها في ملكتهم

стр. 354

وفي هذه السنة ورد الخبر بأن الأمير نور الدولة يلك بن ارتق نهض في عسكره في أيام من رجب وقصد الافرنج بالرها وأوقع بهم وكسرهم وأسر مقدمهم جوسلين وابن خالته كليان وجماعة من مقدميهم عند سروج. وورد الخبر بوفاة الأمير نجم الدين ايل غازي بن ارتق بعلة عرضت له وهو نازل في قرية تعرف بالفحول من عمل ميافارقين من ديار بكر في السادس من شهر رمضان من السنة وقام في منصبه بعد، ولده شمس الدولة سليمان وأخوه تمرتاش أبناء نجم الدين وملكا ماردين وأقاما مدة متفقين وجرى بينهما خلف استمر من كل منهما. وفيها توفي الحاجب فيروز شحنة دمشق في آخر ربيع الآخر منها سنة سبع عشرة وخمسمائة فيها وردت الأخبار من ناحية بغداد ببروز الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين وفي جملته الأمير اق سنقر البرسقي عازماً على قصد الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد لما هو عليه من الخلاف والمجاهرة بالعصيان

стр. 355

والفساد في الأعمال وقصدوا الحلة وانتهبوها وارتفع السعر ببغداد حتى بلغ الخبز ستة أرطال بدينار. وورد الخبر من ناحية حلب باستقرار المهادنة بين الأمير بدر الدولة بن عبد الجبار بن أرتق صاحب حلب وبين الافرنج على تسليم قلعة الأثارب إلى الافرنج فتسلموها وحصلت في أيديهم واستمرت الموادعة على هذا واستقامت أحوال الأعمال من الجانبين وأمنت السابلة للمترددين فيها بين العملين في صفر من السنة

стр. 356

وفيها ورد الخبر بنهيض بغدوين ملك الافرنج في عسكره إلى ناحية حلب إلى الأمير بلك بن أرتق في تاسع صفر منها وهو منازل الحصن كركر فنهض إليه والتقيا بالقرب من منظرة فكسره وأسره وحصل في يده أسيراً مع جماعة من وجوه عسكره فاعتقله في جب في قلعة خرتبرت مع جوسلين ومقدمي الافرنج. وفي آخر صفر نهض ظهير الدين أتابك في العسكر فهجم ربض حمص ونهبه وأحرقه وبعض دوره وكان طغان أرسلان بن حسام الدولة قد وصل إلى حمص لمعونة خيرخان صاحبها فعاد ظهير الدين عنها إلى دمشق وورد الخبر من ناحية حلب بنزول الأمير بلك بن أرتق عليها في ربيع الأول منها وأحرق زرعها وضايقها إلى أن تسلمها بالأمان في يوم الثلاثاء غرة جمادى الأولى من بدر الدولة ابن عمه عبد الجبار بن أرتق وقد كان ذلك تسلم مدينة حران في شهر ربيع الأول. وفيها وردت الأخبار بوصول فريق كثير من عسكر لواتة من ناحية الغرب إلى مصر وأفسدوا في أعمالها وظهر إليهم المأمون أبو عبد الله بن

стр. 357

البطائحي المقام في مقام الأفضل الشهيد بن أمير الجيوش في عسكر مصر بأمر صاحبه الامام الآمر بأحكام الله بن المستعلي بالله ولقيهم فكسرهم وقتل وأسر منهم خلقاً كثيراً وقرر عليهم خرجاً معلوماً يقومون به في كل سنة وعادوا إلى أماكنهم وعاد المأمون إلى مصر غانماً منصوراً وبحسن الظفر مسروراً. وفيها ورد الخبر بأن أصطول مصر لقي أصطول البنادقة في البحر فتحاربا فظفر به اصطول البنادقة وأخذ منه عدة قطع. وفي العشر الأول من شهر ربيع الأول منها ملك الأمير بلك بن أرتق حصن البارة وأسر اسقفها وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية خرتبرت بأن الملك بغدوين الرويس وجوسلين مقدمي الافرنج وغيرهم من الأسرى الذين كانوا في أسر الأمير بلك المعتقلين في قلعة خرتبرت عملوا الحيلة فيما بينهم وملكوا القلعة وهربوا...... الملك بغدوين ونجا ولم يظفروا به وهرب في ذلك اليوم أيضاً اسقف البارة من اعتقاله.

стр. 358

وفي الشهر المذكور توجه الأمير نور الدولة بلك في عسكره إلى خرتبرت

стр. 359

وضايق قلعتها إلى أن استعادها من الافرنج الواثبين عليها ورتب فيها من يحفظها ويتيقظ فيها. وفي هذه السنة ورد الخبر بأن محمود بن قراجة والي حماة خرج في رجاله وقصد ناحية أفامية وهجم ربضها فأصابه سهم من الحصن في يده ولما قلع منه عملت عليه وتزايد أمرها فمات منه وكان عاهراً ظالماً متمرداً وقتل جماعة من أعيان حماة ظلماً وتعدياً بسعاية بعضهم على بعض ولما عرف ظهير الدين ذلك انهض إلى حماة من تسلمها وتولى أمرها من ثقاته وفيها ورد الخبر بالنوبة الكائنة بين السلطان مغيث الدنيا والدين محمود وبين أخيه طغرل ابني السلطان محمد وأن السلطان محمود صافه وكسره وخزمه وملك عسكره وأن طغرل استعان بالأمير دبيس بن صدقة بن مزيد واستنجد به عليه وأجيب إلى ذلك. وفي هذه السنة كانت النوبة الكائنة بين عسكري ظهير الدين أتابك الدمشقي وسيف الدين اق سنقر البرسقي حين تجمعوا ونزلوا على عزاز من عمل حلب ومضايقتها بالنقوب والحروب إلى أن سهل أمرها فتجمع الافرنج من كل صوب وقصدوا ترحيل العسكر عنها والتقى الجيشان وانفل جيش المسلمين وتفرقوا بعد قتل من قتل وأسر من أسر وعاد ظهير الدين أتابك إلى دمشق في جمادى الأولى من السنة. وفي شهر رمضان من السنة توجه الحاجب علي بن حامد إلى مصر رسولاً عن ظهير الدين أتابك

стр. 360

سنة ثماني عشرة وخمسمائة في هذه السنة ورد الخبر من ناحية العراق بأن القاضي قاضي القضاة زين الاسلام أبا سعد محمد بن نصر بن منصور الهروي كان قافلاً من ناحية خراسان بجواب السلطان سنجر عما صدر على يده إليه وأنه لما نزل بهمذان في جامعها وثب عليه على حين غفلة منه قوم رتبوا له من الباطنية فضربوه بسكاكينهم فقتلوه وهربوا في الحال ولم يظهر لهم خبر ولا بان منهم أثر ولاتبعهم شخص للخوف منهم فمضى لسبيله شهيداً إلى رحمة الله وذلك للقضاء النازل الذي لا يدافع والقدر الحال الذي لا يمانع وذلك في رجب منها وفيها ملك الافرنج ثغر صور بالأمان وشرح الحال في ذلك كان قد مضى من ذكر الذي أوجب إخراج الأمير سيف الدولة مسعود واليها منها وحمله في الاسطول إلى مصر ما لا يحتاج إلى الاعادة له والاطالة بذكره. ولما حصل بها الوالي المندوب من مصر بعد مسعود طيب نفوس أهله وكاتب ظهير الدين بصورة الحال فأعاد الجواب بأن الأمر في ذلك لمن دبره والمرجوع إلى ما رتبه وقرره. واتفق أن الافرنج لما عرفوا هذا الأمر وانصراف مسعود عن ولاية صور تحرك طمعهم فيها وحدثوا نفوسهم بتملكها وشرعوا في الجمع والتأهب للنزول عليها والمضايقة لها. واتصل بالوالي صورة الأمر وأنه لا طاقة له بالافرنج ولا ثبات على محاصرتهم لقلة من بها من الجند والميرة فطالع الآمر بأحكام الله صاحب مصر بذلك فاقتضى الرأي أن ترد ولاية صور إلى ظهير الدين أتابك ليتولى حمايتها والذب عنها والمراماة دونها على ما جرى رسمه فيها وكتب منشور الولاية باسمه فندب لولايتها جماعةً لا غناء لهم ولا كفاية فيهم ولا شهامة ففسد أمرها بذاك وتوجه طمع الافرنج حوله لأجله وشرعوا في النزول والتأهب

стр. 361

للمضايقة لها ونزلوا بظاهرها في شهر ربيع الأول من السنة وضايقوها بالقتال والحصار إلى أن خفت الأقوات فيها وعدمت الميرة. وتوجه ظهير الدين في العسكر إلى بانياس للذب عن صور ونفذت المكاتبات إلى مصر باستدعاء المعونة لها وتمادت الأيام بذلك إلى أن ضعفت النفوس وأشرف أهلها على الهلاك وعرف أتابك جلية الأمر وتعذر تلافيها ووقع اليأس من المعونة لها فراسل الافرنج بالملاطفة والمداهنة والارهاب والارغاب إلى أن تقررت الحال على تسليمها إليهم بحيث يؤمن كل من بها ويخرج من أراد الخروج من العسكرية والرعية بما يقدرون عليه من أحوالهم ويقيم من أراد الاقامة ووقف أتابك في عسكره بازاء الافرنج وفتح باب البلد وأذن للناس في الخروج فحمل كل منهم ما خف عليه وأطاق حمله وترك ما ثقل عليه وهم يخرجون بين الصفين وليس أحد من الافرنج يعرف لأحد منهم بحيث خرج كافة العسكرية والرعية ولم يبق منهم إلا ضعيف لا يطيق الخروج فوصل بعضهم إلى دمشق وتفرقوا في البلاد وذلك في اليوم الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ٥١٨ وفيها ورد الخبر باجتماع الافرنج من أعمالهم ونزولهم على حلب وشروعهم في قتال من بها والمضايقة وتمادى الأمر في ذلك إلى أن قلت الأقوات فيها وأشرف على الهلاك أهلها فلما ضاق بهم المر وعدم الصبر وراسلوا الأمير سيف الدين اق سنقر البرسقي صاحب الموصل بشكوى أحوالهم وشرح ما نزل بهم والسؤال له في أنجادهم على الافرنج وانقاذهم من أيدي الكافرين فضاق لذلك صدره وتوزع سره وتأهب في الحال للمصير إليهم وصرف الاهتمام إلى الذب عنهم.

стр. 362

فلما وصل إليهم في ذي الحجة من السنة وعرف الافرنج خبره وحصوله قريباً منهم وما هو عليه من القوة وشدة الشوكة أجفلوا مولين ورحلوا منهزمين وتبعهم سرعان الخيول يتلقطون من يظفرون به في أعناقهم ولم يلو منهم منهزم على متلوم إلى أن حصلوا بأنطاكية. وكانوا قد ابتنوا في منزلهم مساكن وبيوتاً تقيهم الحر والبرد وأصروا على المقام ولطف الله تعالى وله الحمد بأهل حلب وخلصهم من البلاء وانتاشهم من اللأواء. وكسب اق سنقر البرسقي بهذا الفعل الجميل جزيل الأجر والثناء ودخل حلب وأحسن السيرة فيها وأجمل المعاملة لأهليها واجتهد في الحماية لها والمراماة دونها بحيث صلحت أحوالها وعمرت أعمالها وأمنت سابلتها وتواصلت الرفق إليها ببضائعها وتجارتها وفي شتوة هذه السن احتبس الغيث بأرض الشام في كانون وكانون وأكثر شباط وتلف الزرع وغلا السعر وعم القحط أكثر البلاد الشامية ثم تدارك الله عبيده بالرحمة وانزال الغيث بعد القنوط فأحيا به الأرض بعد موتها وانتاش الزراعات بعد فوتها وطابت النفوس وزال عنها الهم والبؤس. وارتفعت الأسعار في هذه السنة في حلب ودمشق وأعمالها إلى الرحبة والقلعة والموصل وبقي إلى سنة ١٩ وهلك كثير من ضعفاء الناس بالجوع سنة تسع عشرة وخمسمائة في هذه السنة وردت الأخبار من مصر بتقدم الآمر بأحكام الله بالقبض على المأمون أبي عبد الله وأخيه المؤتمن ابني البطائحي غلامي الأفضل اللذين كانا عاملا على قتله وأعانا على إتلافه واعتقالهما في شعبان

стр. 363

والاستيلاء على أموالهما وذخائرهما للأسباب التي نقم بها عليهما والمنكرات التي اتصلت به عنهما وفيا اتصلت الأخبار من ناحية بغدوين ملك الافرنج صاحب بيت المقدس بالاحتشاد والتأهب والاستعداد لقصد ناحية حوران من عمل دمشق للعيث فيها والافساد وشرع في شن الغارات على الجهات القريبة من دمشق والمضايقة لها وقطع الطرقات على الواردين إليها. فعند المعرفة بذاك والتحقق له شرع ظهير الدين أتابك في الاستعداد للقائه والاجتماع على جهاده وكاتب أمراء التركمان ومقدميهم وأعيانهم باعلامهم صورة الحال ويستنجد بهم عليهم ويبذل لهم الاحسان والانعام وبرز في عسكره وقد ورد عليه خبر قربهم من طبرية قاصدين أعمال البلد من مرج الصفر وشرخوب وخيم به وكاتب ولاة الأطراف بامداده بالرجالة واتفق وصول التركمان في ألفي فارس أولى بأس شديد ورغبة في الجهاد ومسابقة إلى الكفاح والجلاد فاجتمع إليه خلق كثير. وكان الافرنج حين عرفوا نزول أتابك والعسكر بمرج الصفر رحلوا إليه وخيموا بازائه ووقعت العين على العين وتطاردت طلائع الفريقين. فلما كان يوم الاثنين السابع والعشرين من ذي الحجة من السنة اجتمع للقضاء المقضي والحكم النافذ من أحداث دمشق والشباب الأغرار ورجال الغوطة والمرج والأطراف وأحداث الباطنية المعروفين بالشهامة والبسالة من حمص وغيرها والعقبة وقصر حجاج والشاغور خلق كثير رجالة وخيالة بالسلاح التام والناهض مع المتطوعة المتدينين وشرعوا بالمصير للحاق المصاف قبل اللقاء وقد شاع الخبر بقوة عسكر

стр. 364

الاسلام وكثرته واستظهاره على حزب الافرنج وشدة شوكته ولم يشك أحد في هلاك الافرنج في هذا اليوم وبوارهم وكونهم طعمةً للمسلمين متسهلة واتفق أن فرقةً وافرةً من عسكر التركمان غارت على أطراف الافرنج ونالت منهم واستظهرت عليهم وخاف الافرنج وعلموا أنه لا طاقة لهم بهذا الجمع وأيقنوا بالهلكة ورحلوا بأسرهم من منزلهم الذي كانوا فيه عائدين إلى أعمالهم على غاية من الخوف والوجل ونهاية من الذل والوهل. ونشب فرقة من التركمان في فريق منهم وهم راحلون فغنمت من أثقالهم ودوابهم غنيمةً وافرةً وظفرت بالكنيسة المشهورة التي لهم في مخيمهم. وطمع العسكر عند ذاك فيهم وحملوا عليهم وهم مولون لا يلوون على تابع ولا يقفون على مقصر لاحق وقد شملهم الرعب وضايقوهم مضايقةً ألجأتهم إلى رمي نفوسهم عليهم أما لهم وأما عليهم فتجمعوا وعادوا على العسكر الاسلامي وحملوا عليه حملتهم المعروفة فكسروهم وهزموهم وقتلوا من أعقابهم من شطبه الوجل وخانه الأجل. وتم العسكر في الهزيمة على حاله وعادوا على جميع الرجالة وهم العدد الكثير والجم الغفير وأطلقوا السيف فيهم حتى أتوا عليهم وتتبعوا المنهزمين بالقتل حتى وصلوا إلى عقبة سحوراً وقربوا من البلد من شرخوب مع بعد المدى والمسافة وصبر خيولهم ووصل ظهير الدين أتابك والعسكر إلى دمشق آخر نهار هذا اليوم وبنوا الأمر بينهم على مباكرتهم في غد للإيقاع بهم فصادفوهم قد رحلوا عائدين إلى عملهم خوفاً مما عز عليه من قصدهم وتتبعهم والله يحكم ما يشاء

стр. 365

سنة عشرين وخمسمائة في هذه السنة ورد الخبر من ناحية الموصل باستشهاد الأمير الاصفهسلار سيف الدين اق سنقر البرسقي صاحبها بيد الباطنية ﵀ في مسجد الجامع بها في ذي القعدة منها وكان الذي وثب عليه جماعة قد رتبت لمراصدته وطلب غرته حتى حان الحين ونفذ الأجل وقد كان على غاية من التيقظ لهم والتحفظ منهم بالاستكثار من السلاحية والحاقدارية والسلاح الشاك لكن القضاء النازل لا يدافع والقدر النافذ لا يمانع وعليه مع هذا من لباس الحديد ما لا تعمل فيه مواضي السيوف ومرهفات الخناجر وحوله من الغلمان الأتراك والديلم والخراسانية بأنواع السلاح عدد. فلما حصل بالجامع على عادته لقضاء فريضة الجمعة والنفل على رسمه وصادف هذه الجماعة الخبيثة في زي الصوفية يصلون في جنب المشهد لم يؤبه لهم ولا ارتيب بهم. فلما بدأ بالصلاة وثبوا عليه بسكاكينهم فضربوه عدة ضربات لم تؤثر في لبس الحديد الذي عليه وقد غفل أصحابه عنه وانتضى سيفاً كان معه وضرب أحدهم فقتله وصاح واحد منهم حين رأوا السكاكين لا تعمل فيه شيئاً: ويلكم اطلبوا رأسه وأعلاه. وقصدوا حلقه بضرباتهم فأثخنوه إلى حين أدركه أصحابه وحماته فقضي عليه وقتل شهيداً وقتلوا جميع من كان وثب عليه. وقد كان هذا الأمير ﵀ سديد الطريقة جميل الأفعال حميد الأخلاق مؤثر العدل والانصاف كثير التدين محمود المقاصد محباً للخير وأهله مكرماً للفقهاء والصالحين فحزن الناس عليه وأسفوا لفقده على هذه الحال ولما عرف ظهير الدين أتابك هذا قلق له وضاق صدره لسماعه. وقام في الأمر بعده ولده الأمير مسعود وهو مشهور بالنجابة والزكاء معروف بالشهامة والعناء فاجتمع إليه خواص أبيه ووزيره وكتابه وسلك

стр. 366

منهاجه المحمود وقصد قصده المشكور فاستقام له الأمر وانتظمت على السداد والمراد أحواله وفي هذه السنة نهض ظهير الدين نحو تدمر ولم يزل حتى استعادها من أيدي العاملين عليها المواثبين على ابن أخيه الوالي كان بها في يوم الخميس لإثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر منها واستقر الأمر على أن يجعل برسم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك وسلمت إليه وخرج إليها ومعه من رتب لحفظه وحفظها من الثقات وفي هذه السنة عاد ظهير الدين من حلب وقد بدا له من المرض ودخل دمشق في شعبان منها ووصل إليه أمين الدولة كمشتكين والي بصرى من مصر بجواب الرسالة التي كان نفذ لأجلها ومعه الأمير المنتضى ابن مسافر الغنوي رسول الآمر بأحكام الله صاحب مصر وعلى يده خلع سنية وتحف مصرية في الشهر المذكور وفي هذه السنة استفحل أمر بهرام داعي الباطنية وعظم خطبه في حلب والشام وهو على غاية من الاستتار والاختفاء وتغيير الزي واللباس بحيث يطوف البلاد والمعاقل ولا يعرف أحد شخصه إلى أن حصل في دمشق بتقرير قرره نجم الدين ايل غازي بن ارتق مع الأمير ظهير الدين أتابك وخطاب وكده بسببه فأكرم لاتقاء شره وشر جماعته وحملت له الرعاية وتأكدت به العناية بعد أن تقلبت به الأحوال وتنقل من مكان إلى مكان وتبعه من جهلة الناس وسفهاء العوام وسفساف الفلاحين الطغام من لا عقل له ولا ديانة فيه احتماءً به وطلباً للشر بحزبه. ووافقه الوزير أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني وإن لم يكن على مذهبه على أمره وساعده على بث حبال شره وإظهار خافي سره. فلما ظهر أمره وشاع وطاوعه وزير ظهير

стр. 367

الدين المذكور ليكون عوناً له على فعله وتقوية يده في شغله التمس من ظهير الدين أتابك حصناً يأوي إليه ومعقلاً يحتمي به ويعتمد عليه فسلم له ثغر بانياس في ذي القعدة سنة ٥٢٠ فلما حصل فيه اجتمع إليه أوباشه من الرعاع والسفهاء والفلاحين والعوام وغوغاء الطغام الذين استغواهم بمحاله وأباطيله واستمالهم بخدعه وأضاليله فعظمت المصيبة بهم وجلت المحنة بظهور أمرهم وسبيهم كذا وضاقت صدور الفقهاء والمتدينين والعلماء وأهل السنة والمقدمين والستر والسلامة من الأخيار المؤمنين وأحجم كل منهم من الكلام فيهم والشكوى لواحد منهم دفعاً لشرهم وارتقاباً لدائرة السوء عليهم لأنهم شرعوا في قتل من يعاندهم ومعاضدة من يوازرهم على الضلال ويرافدهم بحيث لا ينكر عليهم سلطان ولا وزير ولا يفل حد شرهم متقدم ولا أمير وفي هذه السنة ورد الخبر بوصول السلطان مغيث الدنيا والدين محمود ابن السلطان محمد بن ملك شاه إلى بغداد وجرى بينه وبين الخليفة الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين مراسلات ومخاطبات أوجبت تشعيث الحال بينهما والمنافرة من كل منهما وتفاقم الأمر إلى أن أوجب زحف السلطان في عسكره إلى دار الخلافة ومحل الامامة ومحاربته في قصره والطلبة لغلبته وقهره ولم يزل الشحناء مستمرة والفتنة على غير الايثار مستقرة إلى أن زالت أسباب الخلف والنفار وعادت الحال إلى ما ألفيت من شوائب الأكدار بحسن سفارة الوزير جلال الدين بن صدقة وزير الخلافة وجميل وساطته وسديد نيابته وعاد السلطان مع ذلك إلى المألوف من طاعته والمعروف من مناصحته والتصرف على أوامر أمير المؤمنين وأمثلته وذلك في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ٥٢٠ وقيل في أول المحرم سنة ٥٢١

стр. 368

وفي رجب من هذه السنة توفي الأمير طرخان بن محمود الشيباني أحد أمراء دمشق بعلة حادة هجمت عليه فاردته. وفيها قصدت الافرنج رفنية وضايقوها واستعادوها من ملكة المسلمين سنة إحدى وعشرين وخمسمائة فيها ورد الخبر من ناحية العراق بقتل المعين وزير السلطان سنجر ابن السلطان ملك شاه صاحب خراسان بتدبير الباطنية في شهر ربيع الآخر منها. ذكر إنه كان فتك بجماعة منهم ومحرضاً للسلطان على النكاية فيهم وتطهير الأرض منهم فرتبوا له قوماً من سفهائهم للأرصاد لفرصة تلوح فيه وغرة تظهر منهم فلم يتم لهم في ذلك نيل طلب ولا تسهل لهم إدراك أرب فافردوا منهم سفيهاً ولم يزل يتحيل إلى أن خدم في اسطبل دوابه سائساً لبغاله وأقام في خدمته إلى أن وجد الفرصة متسهلة عند حضوره لمشاهدة كراعه فوثب عليه وهو غافل مطمئن فقتله ومسك فقتل من بعده. وكان هذا الوزير موصوفاً بجميل الأفعال وحميد الفعال ومتانة الدين وحسن اليقين والانصاف في أعماله والتسدد في أقواله ومضى لحال سبيله شهيداً وانتقل إلى ربه مرضياً حميداً عند نفاد المدة وانقضاء العدة ولله عاقبة الأمر وبيده محتوم النفع والضر وقد تقدم من شرح حال الأمير سيف الدين اق سنقر البرسقي صاحب الموصل في استشهاده بيد الباطنية في جامعها ﵀ وقيام ولده الأمير مسعود في الأمر من بعده ما فيه الكفاية. فلما استتب أمره وقويت شوكته واستقامت ولايته شمخ بأنفه ونفخت حداثة السن في سحره وحدثته

стр. 369

نفسه بمنازلة البلاد الشامية والطمع في تملك المعاقل الاسلامية والاطراح لمجاهدة العصب الافرنجية بالضد من أولي الحزامة والسداد وذوي البأس والبسالة في احراز فضيلة الغزو والجهاد. ونمى الخبر عنه إلى ظهير الدين أتابك بحكايات تدل على حسده له بما أوتي من الهيبة وحسن الصيت وجميل الذكر وكبر الشأن والأمر وأنه عازم على التأهب والاحتشاد لقصد أعمال الشام والعيث فيها والافساد. فعزم ظهير الدين أتابك عند معرفته هذه الأحوال التي لا يصدر مثلها عن أريب ولا يبدو شبهها عن حازم في رأيه لبيب على الاستعداد لقصده في عسكره حين يدنو من الأعمال الشامية فيوقع بعسكره ويشفي غليله بالفتك بحزبه. فما كان بعد ذلك إلا الأيام القلائل حتى انفصمت عرى شبابه ونزل محتوم القضاء به بهجوم مرض حاد عليه بظاهر الرحبة أتى عليه واصاره إلى المحتوم الذي لا بد له عنه ولا مجير له منه فانفل حده وخذله أنصاره وجنده وأسلمته للقضاء حماته وتفرقت عنه خواصه وثقاته وهلك في الحال وزيره وشريكه في الوزر ومشيره بعلة شديدة أعجلته وفي إشراك المنية أوبقته وهرب جماعة من خواص غلمان أبيه الأتراك باعلامه التي كانت قد استعملها على مراده وإيثاره وتناهى في أحكامها على قضية اقتراحه واختياره ووصلوا بها إلى ظهير الدين أتابك متحفين له بها ومتقربين إليه باهدائها فأحسن إليهم وبالغ في الاكرام لهم والانعام عليهم واصطفاهم لنفسه وضمهم إلى ثقاته واهل أنسه وقابلهم على وفودهم عليه بالفعل الجميل والعطاء الجزيل

стр. 370

وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بمسير السلطان مغيث الدنيا والدين محمود وقد عبث به مرض خاف منه على نفسه محمولاً في محفة نحو همذان واجتاز عند ذلك بدار الخلافة وراسل الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين يسأله المسامحة بما سبق منه في تلك النوبة الحادثة بينهما وأن يحلله ويدعو له ولا يدعو عليه فخرج إليه جواب الرسالة بأجمل جواب وألطف خطاب طابت بهما نفسه وزاد في استماعهما أمله في البر

стр. 371

وأنسه ثم إنه أفاق من مرضه هذا وعاوده نشاطه بعد الكسل والفتور وعاد إلى الغرض المأثور. وكان قد أنكر على وزيره شمس الملوك خواجه بزرك أموراً دعته إلى الأمر بالقبض عليه وتسليمه إلى حاجبه فقتله وقيل إنه شرب الخمر في قحف رأسه وفي شعبان من هذه السنة قصد بغدوين ملك الافرنج صاحب بيت المقدس في عسكره وادي موسى فنهب أهله وسباهم وشرد بهم وعاد عنهم. وفي جمادى الآخرة منها ورد الخبر بأن الأمير ختلع ابه السلطاني ولي مدينة حلب وحصل في قلعتها بطلائع اختير له ولم يقم إلا القليل حتى فسد أمره واضطرب حاله ووقع بينه وبين أحداث الحلبيين فحصروه في القلعة إلى أن وصل إلى حلب عسكر الأمير عماد الدين أتابك فتسلمه من القلعة واعتقل واستؤذن في أمره فأذن في سمل عينيه فسملتا سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة في هذه السنة اشتد المرض بظهير الدين أتابك وطال به طولاً أنهك قوته وأنحل جسمه وأضعف منته وأشفى منه على نزول ما لا يدفع بحيلة ولا يمنع بقوة فأحضر ولده الأمير تاج الملوك وأمراء دولته وخواصه وأهل ثقته وأعيان عسكريته وأعلمهم بأنه قد أحس من نفسه بانقطاع الأجل وفراغ المهل وخيبة الرجاء من البقاء والأمل ولم يبق غير الوصية بما يعمل عليه ويدبر به الأمر بعدي وينتهي إليه وهذا ولدي تاج الملوك بوري هو أكبر ولدي والمترشح للانتصاب مكاني من بعدي والمأمول لسد ثلمة فقدي ولا أشك في سداد طريقته وإيثاره لفعل الخير ومحبته وأن يكون مقتفياً لآثاري في حفظ قلوب الأمراء والعسكرية وعاملاً على مثالي في أنصاف الأعيان والرعية فإن قبل وصيتي

стр. 372

هذه ونهج السبيل المرضية في بسط المعدلة والنصفة في الكافة وأزال بحسن سياسته عنهم أسباب الوجل والمخافة فذاك الظن في مثله والمرجو من سداده وجميل فعله وإن عدل عن ذاك إلى غيره وحاد عن ما يؤثر من السداد في سره وجهره فها هو متشاهد لهذه الحال ومتوقع لمثل هذا المآل فقال: بل أوفى على المراد ولا أتعدى سبيل السداد والرشاد فوكد الأمر عليه في ذلك تأكيداً فهمه منه وقبله عنه ثم توفي إلى رحمة الله ضحى نهار يوم السبت لثمان خلون من صفر من السنة فأبكى العيون ونكأ القلوب وفت في الأعضاد وفتت الأكباد واشتد الأسف لفقده والجزع عليه ولم يسمع إلا متفجع له وذاكر لجميل أفعاله وشاكر لأيامه. وقام ولده تاج الملوك بوري بالأمر من بعده وأحسن السيرة في خاصه ورعيته وجنده فلو كانت مجاري الأقدار تدفع إليه عن ذوي المناصب والأخطار لكان هذا الأمير السعيد الفقيد أحق من تخطأ به المنايا ولم تلم بساحته الرزايا وأبقته الأيام لها رتبةً تتباهى بها وحليةً تتنافس بها إلا أن الله تعالى لا يغالب أمره ولا يدافع حكمه ولا بد من تمام ما سبق به علمه وحدوث ما تقرر نفاذه في خلقه لأن الموت غاية الحيوان ونهاية ما يكون من مصير الانسان. وقد كان هذا الأمير السعيد قد بالغ في استعمال العدل والكف عن الظلم وأعاد على جماعة من الرعية أملاكاً في ظاهر البلد جمةً دائرةً أغتصبت منهم في زمن الولاة الظالمة وقبضت عنهم في زمن العتاة الجبابرة وجرت عليهما أحكام المقاسمة وعتت الأيدي العادية الغاشمة فأعادها إلى خراجها القديم المستقر ورسمها السالف المستمر ورفع عنها مواد الجور والعدوان وحسم عن مالكيها أسباب التأول في كل مكان وأوان فأحرز بذاك صالح الدعاء وجميل الشكر والثناء

стр. 373

ثم رفع إلى أمير المؤمنين الخليفة المسترشد بالله رقعةً عند مصيره إلى بغداد ومهاجرته إلى الباب الأماملي المسترشدي والسلطاني الغياثي يذكر فيها حال مواضع دائرة في عمل دمشق وحصص عامرة وأرض معطلة لا مالك لها ولا فائدة في عطلتها ولا انتفاع لخاصي ولا عامي بشيء منها لدثورها ودروس معاملها ورسومها واستأذنه في بيعها ممن رغب فيها ويؤثر عمارتها للانتفاع بريعها وغلتها وصرف ما يحصل من ثمنها في الأجناد المرتبين للجهاد فأذن له في ذلك أذناً تاماً مؤكداً أباحه له وأمضاه لمن يملكه بالابتياع منه وأحله وأطلقه ووقع بذاك على ظهر الرقعة بالأمضاء وإبطال التأول فيه والتحذر من إبطال شيء من حكمه أو التجاوز لرسمه ووكد بالعلامة الشريفة الأمامية المسترشدية التي قبلها منه وتقلدها عنه وأشهد عليه بذلك الشهود المعدلين وأمضى البيع في ذلك لمن رغب فيه فعمرت عدة ضياع يباباً خالية وعلى عروشها خاوية وأرض عافية لا انتفاع بها ولا فائدة لأحد فيها فأجريت عيون مياهها وأعيدت إلى أجمل عاداتها وظهرت منها الخيرات وعمت بذلك الميامن والبركات ودامت له الدولة ولمن بعده ببركات هذه الأفعال الحميدة والنية الجميلة وحسنت لهم العقبى في الولد والأسرة والأهل والجملة وحصل له الذكر الجميل في الآفاق والأقطار والأمصار والثناء الطيب الحسن الآثار ومضى لشأنه سعيداً عزيزاً حميداً على ظهر فراشه لا يرد له أمر ولا يخالف له قول ولا يتجاوز له حكم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم

стр. 374

ذكر تاج الملوك بوري بن أتابك عند توليه الأمر بعد أبيه ظهير الدين أتابك وأخباره وما جرى في أيامه من نوبة الباطنية والأحداث المتجددة وما جرى مع الافرنج إلى أن مضى سبيله شرح ذلك لما نفذ القضاء في ظهير الدين أتابك ﵀ قام ولده الأمير تاج الملوك بالأمر من بعده إذ كان نجله وولي عهده فعمل بما كان ألقاه إليه واعتمد على ما وكده في وصيته عليه من حسن السيرة في جميع من حوته دمشق من الأجناد والعسكرية وكافة الأتباع والرعية وزاد على ذلك وبالغ في الذب عنهم والمراماة دونهم وجرى على منهاج أبيه في بسط المعدلة واعتماد النصفة للأجناد وثقل الوطأة على الأعداء والأضداد وأنصاف المتظلمين وردع الظالمين وحماية السفار والمترددين والتبليغ بالنكاية للمفسدين بحيث اجتمعت القلوب على حب دولته وانطلقت الألسن بالدعاء الصالح بإدامة أيامه وإطالة مدته وأقر وزير أبيه أبا علي طاهر بن سعد المزدقاني على وزارته وأجراه على رسمه في سفارته ولم يصرف أحداً من نوابه المعروفين بخدمته عن رسمه وعادته ولا أزاله عن معيشته بل زاد في أرزاقهم وخلع عليهم وأحسن إليهم وأقر الاقطاعات على أربابها والجامكيات على أصحابها فكثر الدعاء له والثناء عليه وأحسن إلى وزيره المقدم ذكره وأطلق له عشر ارتفاعه مع حقوق العرض عن الاقطاعات والواجبات والنفقات. وقد كان أسر في نفسه من أمر الباطنية ما لم يبده لأحد من خواصه وثقات بطانته عند ما قويت شوكتهم وتضاعفت مضرتهم أتباعاً لما كان عليه أبوه من إظهار الرعاية لهم والمداراة لدفع شرهم فلما مكنه الله منهم وأقدره عليهم افتتح أمره بالتدبير عليهم والايقاع بهم فكان منه في أمره ما سيأتي مشروحاً في مكانه

стр. 375

ذكر ما حدث من الباطنية بدمشق وأعمالها وما آلت إليه أحوالهم من البوار وتعفية الآثار في بقية سنة ٥٢٢ شرح الأمر والسبب في ذلك قد تقدم من ذكر بهرام داعي الباطنية والسبب الذي أوجب تسليم ثغر بانياس إليه ما فيه الكفاية عن تكرير الذكر له ولما حصل في بانياس شرع في تحصينها وترميم ما استرم وتشعث منها وبث دعاته في سائر الجهات فاستغووا خلقاً كثيراً من جهال الأعمال وسفساف الفلاحين من الضياع وغوغاء الرعاع ممن لا لب له يصده عن الفساد ويردعه ولا تقية تصدفه عن المنكر وتمنعه فقوي شرهم وظهر بقبح الاعتقاد سرهم وامتدت أيديهم وألسنتهم إلى الأخيار من الرعية بالثلب والسب وإلى المنفردين في المسالك بالطمع والسلب وأخذهم قسراً وتناولهم بالمكروه قهراً وقتل من يقتل من الناس تعدياً وظلماً. وأعانهم على الإيغال في هذا الضلال أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني الوزير معونةً بالغ فيها وحصل له وخيم عاقبتها وذميم مغبتها لما تقرر بينه وبين بهرام الداعي المقدم من المؤازرة والمعاضدة والمظافرة والمرافدة موافقةً في غير ذات الله ولا طاعته طلباً لأن تكون الأيدي واحدةً على من يقصدهما بمكروه والنيات مترادفة على من ينوي لهم شراً وتاج الملوك غير راض بذاك ولا مؤثر له بل تبعثه السياسة السديدة والحلم الوافر والمعرفة الثاقبة على الأغضاء منهم على القذى والصبر على مؤلم الأذى وهو يسر في نفسه ما لم يظهره ويطوي من أمرهم ما لم ينشره إلى حين يجد الفرصة متسهلة المرام والمكنة من أعداء الله بادية

стр. 376

الأعلام فعند ذاك تنتهز الفرصة وتقتنص الفريسة. واتفق إن بهرام الدعي لما يريد الله تعالى من بواره ويحل به من هلاكه ودماره حدثته نفسه بقتل برق بن جندل أحد مقدمي وادي التيم لغير سبب حمله عليه ولا جناية دعته إليه بل اغترار بعاقبة الظالمين في سفك الدماء المحرمة وافاظة النفوس المحظورة وجهلاً بما حذر الله تعالى من يقصد ذاك ويقدم عليه بقوله : " وَمَنْ يَقتُلْ مُؤمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهنَّمُ خالداً فيها وَغَضِبَ أللهُ عليهِ وَلَعَنَهُ وَأَعدَّ لَهُ عَذَاباً عظيماً " فخدعه إلى أن حصل في يده فاعتقله وقتله صبراً فتألم لقتل مثله على هذه مع حداثة سنه وشهامته وحسن صورته وأعلنوا بلعن قاتله في المحافل والمشاهد وذمه من كل غائب ومشاهد. فحملت أخاه ضحاك بن جندل وجماعته وأسرته الحمية الاسلامية والحرقة الأهلية على الطلب بدمه والأخذ بثاره فتجمعوا وتعاهدوا وتعاقدوا وتحالفوا على المصابرة على لقاء أعدائهم والإيغال في الطلب لدمائهم وبذل المهج والنفوس في إدراك ثأرهم وشرعوا في التأهب لهذه الحال صابرين وللفرصة متوقعين إلى أن ساق بهرام ولفيفه الحين المتاح وقضى الله عليهم بالاصطلام والاجتياح فتجمعوا من كل ناحية وتهافتوا من كل صوب وجهة وظهر بهم من بانياس في سنة ٥٢٢. وقصد ناحية وادي التيم للإيقاع بالمذكورين وكانوا مستعدين للقائه مترقبين لحربه. فلما أحسوا بقربه منهم نهضوا بأجمعهم إليه نهوض الليوث من غلبها للمحاماة على أشبالها وطاروا نحوهم مطار صقور الجبال إلى يعاقيبها وأحجالها فحين دنوا من حزبه المفلول وحشده المخذول هجموا عليهم وهم في مخيمهم غارون وبهم مغترون وصاح صائحهم وهم غافلون وبما نزل بهم من البلاء ذاهلون وإلى أن يتمكن فارسهم من امتطاء جواده وراجلهم من تناول عدته وعتاده

стр. 377

أتى القتل على أكثرهم ضرباً بالسيوف ووجياً بخناجر الحتوف ورشقاً بسهام البلاء ورجماً بأحجار الأقدار والقضاء وكان بهرام في خيمته وحوله جماعة من شركائه في جهله وضلالته غافلاً عما أحاط به وبطائفته وقد وثبوا عند سماع الضوضاء والصياح إلى أخذ آلة السلاح فأرهقوهم بسيوفهم الماضية وخناجرهم المبيرة القاضية حتى أتوا على الجميع وقطع رأس بهرام ويده بعد تقطيعه بالسيوف والسكاكين وأخذهما واحد مع خاتمه من الرجال القاتلين ومضى بهما إلى مصر مبشراً بهلاكه ومهنئاً ببواره فخلع عليه وأحسن إليه وشاعت بذلك الأخبار وعم الكافة الجذل بمهلكهم والاستبشار وأخذ الناس من السرور بهذا الفتح بأوفر السهام وأكمل الأقسام فقلت عدتهم وانقصفت شوكتهم وانفلت شكتهم وقام بعد بهرام صاحبه إسمعيل العجمي رفيقه في الضلال والعدوان وشريكه في المحال والطغيان مقامه وأخذ في الاستغواء للسفساف مثاله وزاد في الجهل زيادةً أظهرت سخف عقله ومحاله وتجمع إليه بقايا الطائفة الخبيثة من النواحي والاصقاع ومن كان منهم متفرقاً في النواحي والبقاع. وجرى أبو علي طاهر بن سعد المزدقاني الوزير على الحال التي سلكها مع بهرام في حق إسمعيل في المساعدة على مراده والمعاضدة على أغراضه لتحرزه من الشر ورغبته في السلامة ولم يعلم أن عقبى هذه الأفعال عين الندامة والبعد عن طريق السلامة فقد قيل رب مستسلم نجت به سلامته ومتحرز من الشر كانت فيه آفته ولم تزل شكوى الناس من الخاصة والعامة تتضاعف والأضرار بهم من المخذولين يتوالى ويترادف إلى أن صرف تاج الملوك بن ظهير الدين أتابك إلى الفتك بهم والاجتياح لهم همته وأرهف لتطهير الأعمال منهم عزيمته ورأى إن صلاح الأمر فيما

стр. 378

يقتضيه التدبير فيما يراد والتقرير الايقاع بأبي علي الوزير أولاً فإنه أصوب ما اعتمد وأولى ما قصد فرتب لقتله من خواصه من اعتمد عليه وسكن في أمره إليه وقرر معه أن يضرب رأسه بالسيف متى أشار إليه. فلما كان يوم الأربعاء السابع عشر من شهر رمضان سنة ٥٢٣ حضر مع جماعة الأمراء والمقدمين على الرسم في قبة الورد من دار القلعة بدمشق وجرى في المجلس أمور ومخاطبات مع تاج الملوك والحضور انتهى الأمر فيها إلى الانصراف إلى منازلهم والعود إلى دورهم ونهض الوزير المذكور منصرفاً بعدهم على رسمه فأشار تاج الملوك إلى خصمه فضرب رأسه بالسيف ضربات أتت عليه وقطع رأسه وحمل مع جثته إلى رمادة باب الحديد فألقيت عليها لينظر الكافة إلى صنع الله تعالى بمن مكر واتخذ معيناً سواه وبغيره انتصر وأحرقت جثته بعد أيام بالنار وصار رماداً تذروه الرياح ذلك بما قدمت يداه وما الله بظلام للعبيد

стр. 379

وشاع الخبر بذاك في الحال فثارت الأحداث بدمشق والغوغاء والأوباش بالسيوف والخناجر المجردة فقتلوا من ظفروا به من الباطنية وأسبابهم وكل متعلق بهم ومنتم إليهم وتتبعوهم في أماكنهم واستخرجوهم من مكانهم وأفنوهم جميعاً تقطيعاً بالسيوف وذبحاً بالخناجر وجعلوا مصرعين على المزابل كالجيف الملقاة والميتة المجتواة وقبض منهم نفر كثير التجأوا إلى جهات يحتمون بها وأملوا السلامة بالشفاعة منها قهراً وأريقت دماؤهم هدراً وأصبحت النواحي والشوارع منهم خالية والكلاب على أشلائهم وجيفهم متهارشة عاوية إن في ذلك لآية لأولي الألباب وكان قد أخذ في الجملة المعروف بشاذي الخادم تربية أبي طاهر الصائغ الباطني الذي كان بحلب وهذا اللعين الخادم كان أصل البلاء والشر فعوقب شر عقوبة شفت قلوب كثير من المؤمنين وصلب ومعه نفر منهم على شرفات سور دمشق ليشاهد فعل الله بالظالمين ونكاله بالكافرين. وكان الحاجب يوسف بن فيروز شحنة البلد ورئيسه الوجيه ثقة الملك أبو الذواد مفرج بن الحسن الصوفي قد بالغا في التحريض على هلاك هذه الطائفة الخبيثة فأخذوا في التحرز والاحتياط من اغتيال من يندب إليهما من باطنية ألموت مقر الباطنية بلبس الحديد والاستكثار من الحفظة حولهما بالسلاح الوافر العتيد فحصل الشقاء لمن أساء وكفر والسعادة لمن أحسن واعتبر وأما إسمعيل الداعي المقيم ببانياس ومن معه فإنهم لما سمعوا ما حدث من هذه الكائنة سقط في أيديهم وانخذلوا وذلوا وأقبل بعضهم على بعض

стр. 380

يتلاومون وتفرق شملهم في البلاد وعلم إسمعيل إن البلاء محيط به إن أقام ببانياس ولم يكن له صبر على الثبات فأنفذ إلى الافرنج يبذل لهم تسليم بانياس إليهم ليأمن بهم فسلمها إليهم وحصل هو وجماعة في أيديهم فتسللوا من بانياس إلى الأعمال الافرنجية على غاية من الذلة ونهاية من القلة وعرض إسمعيل علة الذرب فهلك بها وقبر في بانياس في أوائل سنة ٥٢٤ فخلت منهم تلك الناحية وتطهرت من رجسهم وفي سنة ٥٢٢ ورد الخبر من بغداد بوفاة الوزير جلال الدين أبي علي الحسن بن علي بن صدقة وزير الخليفة ﵀ في جمادى الآخرة منها وكان حسن السيرة محمود الطريقة كاتباً فاضلاً بليغاً محبوباً من الخاصة والعامة سديد الرأي حميد التدبير صادق العزم صافي الحسن كريم النفس. فكثر الأسف عليه والتوجع لفقده واستوزر بعده نقيب النقباء شرف الدين أبو القسم علي بن طراد الزينبي في جمادى الأولى منها وهو من جلالة القدر وشرف الأصل ونباهة الذكر والمنزلة المشهورة والرتبة المعروفة والمكان المشتهر. وفي جمادى الأولى سنة ٥٢٢ توفيت الخاتون شرف النساء والدة تاج الملوك ﵂ وقبرت في قبتها المبنية برسمها خارج باب الفراديس سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة قد مضى ذكر نوبة الباطنية وغيرهم لما اقتضى سوق الكلام فيه في سنة ٢ و٣ لما انتهى إلى الافرنج خبر الكائنة في الباطنية وانتقال بانياس عنهم إليهم أحدث ذلك لهم طمعاً في دمشق وأعمالها وأكثروا الحديث في قصدها وبثوا رسلهم إلى الأعمال في جمع الرجال والاحتشاد

стр. 381

فاجتمع إليهم سائر من حوته بلادهم من الرها وانطاكية وطرابلس والساحل ووصلهم في البحر ملك كند هو الذي قام مقام بندوين الهالك في الافرنج ومعه خلق كثير فاجتمعوا ونزلوا على بانياس وخيموا عليها وشرعوا في تحصيل المير والأزواد للإقامة وتواترت الحكايات عنهم ممن شاهدهم وأحصى عددهم إنهم يزيدون على ستين ألفاً فارساً وراجلاً وأكثرهم الرجالة فلما عرف تاج الملوك ذلك من عزمهم تأهب لهذا الأمر وصرف همه إلى الاستكثار من العدد والسلاح وآلة الحرب وما يحتاج إليه من الآلات التي يحتاج إليها لتذليل كل صعب وكاتب أمراء التركمان على أيدي رسله المندوبين إليهم بالاستنجاد والاستغاثة بهم وبذل من المال والغلال ما بعثهم على المبادرة إلى اجابة ندائه والسرعة إلى دعائه ووصل إليه من طوائفهم المختلفة الأجناس كل ذي بسالة وشدة مراس راغبين في أداء فريضة الجهاد ومسارعين إلى غزو الكفرة والأضداد وأطلق ما يحتاجون إليه لقوتهم وقضيم خيولهم ورحل الملاعين عن بانياس طالبين دمشق على أناة وترتيب ونزلوا على جسر الخشب والميدان المعروف المجاور له في.... من ذي القعدة سنة ٥٢٣ وخيموا هناك وأصبح العسكر خرج من دمشق وانضم إليه التركمان من منازلهم حول البلد والأمير مرة بن ربيعة في العرب

стр. 382

الواصلين معه وتفرقوا كراديس في عدة جهات ووقفوا بإزائهم لتخرج منهم فرقة فيسارعوا إليها ويزحفوا فيبادروا إلى لقائهم فلم يخرج منهم فارس ولا ظهر راجل بل ضموا أطرافهم ولزموا مخيمهم وأقام الناس على هذه الصورة أياماً يتوقعون زحفهم إلى البلد فلا يشاهد منهم إلا تجمعهم وإطافتهم حول مخيمهم وبريق بيضهم وسلاحهم وكشف خبرهم وما الذي أوجب تأخرهم عن الزحف وتلومهم فقيل إنهم قد جردوا أبطال خيلهم وشجعان رجالهم للمصير مع البغال إلى حوران لجمع المير والغلال التي يستعان بمثلها على الاقامة والنزال وإنهم لا حركة لهم ولا قوة بهم إلى عود المذكورين فلما عرف تاج الملوك هذه الحال بادر بتجريد الأبطال من الأتراك الدمشقيين والتركمان الواصلين والعرب القادمين مع الأمير مرة وأضاف إليهم الأمير سيف الدولة سوار في عسكر حماة وقرر معهم نهوضهم آخر يومهم والجد في السير عامة الليل ووصولهم عند الصباح إلى ناحية براق لأن تقدير وصول الملاعين عند عودهم من حوران إلى ذلك المكان. فسارعوا إلى العمل بما مثل لهم وأصبحوا في ذلك المكان وهم على غاية من الكثرة والمنعة ومعهم سواد عسكرهم بأسره في عدد لا يحصى كثرةً فهجموا عليهم فلم يتكامل ركوبهم إلا وقد قتل منهم جماعة بالنشاب وضربوا مصافاً ووقفوا قطعةً واحدةً وحمل عليهم المسلمون فثبتوا

стр. 383

ولم يزل عسكر الاسلام يكر عليهم ويفتك بهم إلى أن فشلوا وانخذلوا وأيقنوا بالبوار وحلول الدمار. وولى كليام دبور مقدمهم وشجاعهم في فريق من الخيالة منهزمين وحمل الأتراك والعرب حملةً هائلةً وأحدقوا بهم ضرباً بالسيوف وطعناً بالرماح ورشقاً بالسهام فما كان إلا بعض النهار حتى صاروا على وجه الأرض مصرعين وبين أرجل الخيل معفرين وغنموا منهم الغنيمة التي امتلأت أيديهم بها من الكراع والسلاح والأسرى والغلمان وأنواع البغال وهو شيء لا يحصر فيذكر ولا يجد فيعد ولم يسلم منهم إلى معسكرهم إلا القليل من الخيالة الذين نجت بهم سوابقهم المضمرة وعاد الأتراك والعرب إلى دمشق ظافرين غانمين منصورين مسرورين آخر نهار ذلك اليوم المذكور. فابتهج الناس بهذا اليوم السعيد والنصر الحميد وقويت به النفوس وانشرحت به الصدور وعزم العسكر على مباكرتهم بالزحف إلى مخيمهم عند تكامل وصوله وتسرع إليهم جماعة من الخيل وافرة وهم ينظرون إلى كثرة النار وارتفاع الدخان وهم يظنون إنهم مقيمون فلما دنوا من المنزل صادفوهم وقد رحلوا آخر تلك الليلة عندما جاءهم الخبر وقد أحرقوا أثقالهم وآلاتهم وعددهم وسلاحهم إذ لم يبق لهم ظهر يحملون عليه عند ما عرفوه من حقيقة الأمر الذي لا يمكن معه المقام مع معرفتهم بكثرة عسكر الأتراك ولا طاقة لهم به ولم يتمالكوا إن رحلوا لا يلوون على منقطع ولا يقفون على مقصر وخرج إلى منزلهم فغنموا منه الشيء الكثير من أثاثهم وزادهم وصادفوا

стр. 384

جماعةً من الجرحى في الوقعة قد هلكوا مع وصولهم ودفنوا في أماكنهم وخيولهم مصرعة من الجراح الكثيرة ولحق أواخرهم العسكر فقتلوا جماعةً من المنقطعين وأغذوا سيرهم في هزيمتهم خوفاً من لحاق المسلمين لهم. وأمن الناس وخرجوا إلى ضياعهم وانتشروا في أماكنهم ومعائشهم وانفرجت عنهم الكربة وانكشفت الغمة وجاءهم من لطف الله تعالى وجميل صنعه ما لم يكن في حساب ولا خطر في بال. فلله الحمد والشكر على هذه النعمة السابغة والموهبة الكاملة حمداً يستديم جزيل نعمه ويستمد المزيد من منائحه وقسمه وعاد التركمان إلى أماكنهم بالغنائم الوافرة والخلع الفاخرة وتفرق جمع الكفرة إلى معاقلهم على أقبح صفة من المذلة وعدم الكراع وذهاب الأثقال وفقد أبطال الرجال وسكنت القلوب بعد الوجل وأمنت بعد الخوف والوهل وأيقنت النفوس بأن الكفرة لا يكاد يجتمع لهم بعد هذه الكائنة شمل بعد فناء إبطالهم واجتياح رجالهم وذهاب أثقالهم سنة أربع وعشرين وخمسمائة في المحرم أول هذه السنة توفي الشيخ الأمين جمال الأمناء أبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني ﵀ وكان موصوفاً بالكفاية والأمانة معروفاً بالصيانة والديانة ولم يقم من الشهود بعده مثله في الذكاء والأمانة والغناء لما خلا ديوان الوزارة بدمشق بعد قتل أبي علي طاهر المزدقاني الوزير من عارف ينظم حسباناته ويسدد أمور معاملاته وارتاد تاج الملوك كافياً يرد الأمر في ذلك إليه ويعتمد فيه عليه ويسكن إلى نهضته في تهذيب أحواله وترتيب أعماله وحفظ أبواب ماله فلم يتسهل له بلوغ المقصود ولا تيسر لارتياده نيل الغرض المنشود فوقع تعويله على الرئيس الوجيه

стр. 385

ثقة الملك أبي الذواد المفرج بن الحسن الصوفي رئيس دمشق فرد الأمر في ذلك إليه وقلده منصب الوزارة واعتمد فيه عليه ووجده أكفى من وقعت إليه الاشارة من كتابه ومتصرفيه وإن كان ضيف الصناعة في الكتابة خفيف البضاعة من البلاغة فإن رأيه سديد ومذهبه في التنزه والأمانة حميد وله معرفة بسياسة المعاملين في المعاملات ويد في الحك والضبط في استدعاء الحسبانات وحفظ الاخراجات ولم يجد له محيداً عنه ولا بدلاً منه فقلده هذا المنصب واثقاً بحسن سفارته ومرضي مؤازرته وخلع عليه وزاد في إحسانه إليه وأجلسه مجلسه من الديوان بمحضر من الأمراء والأماثل والأعيان وأمر بكتب المنشور بأحسن أوصافه والتحذير من تجاوز أمره وخلافه ولقبه محيي الدين تأكيداً لأمره ورفعاً لقدره فأحسن السياسة وسدد أحوال الرئاسة واستعمل العدل في أعماله والانصاف لمعاملته وعماله ونظر في الأعمال واعتمد على الكفاة الثقات من العمال وجرت الأحوال في ذلك على السداد واطردت على الاستقامة أحسن اطراد وفي هذه السنة ورد الخبر بوصول الأمير عماد الدين أتابك زنكي بن اق سنقر صاحب الموصل إلى حلب في عسكره عازماً على الجهاد وأرسل تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك يلتمس منه المعونة والإسعاد على محاربة الافرنج الأضداد وترددت الرسل بينهما في ذلك إلى أن أجاب إلى المراد وأنفذ إليه من استحلفه على المصافاة والوداد وتوثق منه على الوفاء وجميل الاعتقاد وأكد الأمر في هذه الحالة تأكيداً سكن إليه ووثق به واعتمد عليه وبادر بتجريد وجوه عسكره في خمسمائة فارس وكتب إلى ولده بهاء الدين سونج بحماة يأمره بالخروج في عسكره والاختلاط بالعسكر الدمشقي ومقدمه الأمير شمس الأمراء الخواص وعدة من الأمراء والمقدمين فامتثل الأمر وخرج من حماة في رجاله وتجمله

стр. 386

وتوجهوا جميعاً إلى مخيم عماد الدين أتابك فأحسن لقاءهم وبالغ في الاكرام لهم وأغفلهم أياماً وعمل عليهم وغدر بهم وقبض على سونج ولد تاج الملوك وعلى جماعة المقدمين ونهب خيامهم وأثقالهم وكراعهم فهرب منهم من هرب واعتقل الباقين وحملهم إلى حلب وأمر بحفظهم فيها وزحف من يومه إلى حماة وهي خالية من الرجال الحماة فملكها واستولى على ما فهيا ورحل عنها إلى حمص وكان صاحبها خيرخان بن قراجه معه بعسكره ومناصح في خدمته وعامل بطاعته وكان المعين له والمحرض على الغدر بسونج وقبضه حين نزل عليها غدراً بخيرخان صاحبها واعتقله ونهب خيامه وأثقاله وتوثق منه وطلب بتسليم حمص إليه فراسل نوابه فيها وولده بذاك فلم يلتفتوا إلى مقاله ولا وقعت منهم إجابة إلى سؤاله فأقام عليها مدةً طويلةً يبالغ في المحاربة لأهلها والمضايقة لها فلم يتهيأ له فيها مطلب ولا تيسر مأرب فرحل عنها إلى الموصل واستصحب معه سونج بن تاج الملوك والمقدمين من عسكر دمشق وأقر الباقين في حلب وترددت المراسلات في إطلاق المعتقلين فلم يفعل والتمس عنهم خمسين ألف دينار أجاب تاج الملوك إلى تحصيلها والقيام بها في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بقتل الآمر بأحكام الله صاحبها في آخرها تدبيراً دبر له وعمل فيه عليه لأمور منكرة ارتكبها وأحوال قبيحة اعتمدها ادعت إلى قتله وأوجبت الفتك به لأنه بالغ في ظلم الرعية وأخذ أموالهم واغتصاب ملاكهم وسفك الدماء وأساء السيرة وارتكب المحذورات واستحسن القبائح من المحظورات فابتهج الخاص والعام بالحادث فيه والراحة منه في يوم الثلاثاء الثاني من ذي القعدة سنة ٥٢٤ وعمره ٣٤ سنة ومولده بالقاهرة سنة ٤٩٠ وأيام دولته ٢٤ سنة ونقش خاتمه الامام

стр. 387

الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين وقام بعده ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم ابن الامام المستنصر بالله أمير المؤمنين وأخذت له البيعة على الرسم فيها ونعت بالحافظ لدين الله أمير المؤمنين فاستقام له الأمر واستتب برأيه التدبير وقلد الأمر أبا علي أحمد بن الأفضل أمير الجيوش وزارة الدولة وتدبير المملكة فساس الكافة أعدل سياسة ودبر الأعمال أجمل تدبير وجرى على منهاج أبيه الأفضل ﵀ في حب العدل وايثاره واحتواء الجور واخماد ناره وأعاد على التناء والتجار ما اغتصب من أموالهم وقبض من أملاكهم وأمن البر التقي وأخاف المفسد ولم يزل على هذا المذهب الحميد مواظباً ولهذا المنهاج السديد مداوماً إلى أن نجم له من مقدمي الدولة حسدة حسدوه على ما الهمة الله من أفعال الخيرات واقتناء الصالحات تجمعوا على افساد أحواله ولفقوا المحال في الطعن في أعماله وسعوا في العمل بأنواع من الكذب جمعوها وألفاظ من الباطل نمقوها وقرر ذلك مع العسكرية دون الأعيان والأماثل

стр. 388

من الرعية وأغفل إلى أن وجدت الفرصة فيه متسهلة والغرة منه باديةً وحصل في جانب من الميدان خالياً من العدة والعدة والأعوان والنجدة لا يشعر بما قد رتب له ودبر عليه فوثبوا عليه وقتلوه ﵀ وانفردوا به وأدركه أصحابه وقد قضى فقتلوا الجناة وحملوه إلى تربته فدفنوه بها سنة خمس وعشرين وخمسمائة في هذه السنة انتهى إلى تاج الملوك عن الرئيس المقلد أمر الوزارة محال غير قلبه عليه وقدح في منزلته وأفسد ما كان جميلاً فيه من رأيه وأمر باعتقاله مع بعض أقاربه اعتقالاً جميلاً وعزله عن الوزارة والرئاسة

стр. 389

في شهر ربيع الأول منها وعول في تقليد مكان الوزارة على كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني ابن عم الوزير أبي علي المزدقاني المقدم ذكره فرد الأمر في ذلك إليه وعول في الوزارة والسفارة عليه واستقام له الأمر ومشت الأحوال به. واستبشر أكثر المتصرفين والعمال لأنه كان حسن الطريقة قد تهذب في النيابة عن الوزارة في الديوان وعرف سياسة الأعمال في كل عصر وأوان فصيح اللسان بالفارسية والعربية ولم يزل مستمر الأمر إلى أن حدث ما تغيرت به حاله لأن الباطنية لما جرى عليهم قضاه الله من البوار وأحله بهم من الهلاك والدمار انتهى خبر ذاك إلى رفقائهم بألموت فأسفوا عليهم وقلقوا لما نزل بهم وشرعوا في بث حبائل شرهم ونصب اشراك خترهم ومكرهم وندبوا لتاج الملوك من يغتاله ويوقع به من جهال إخوانهم وفتاك أقرانهم. ووقع اختيارهم على جاهلين من الخراسانية قرروا معهما التحيل في أمر تاج الملوك والطلب له والفتك به في داره عند إمكان الفرصة فيه ووصل هذان الرجلان إلى دمشق في زي الأتراك بالقباء والشربوش وحضرا إلى معارف لهما من الأتراك وسألوهما الوساطة في استخدامهما وتقرير الواجب لهما وخدعاهم ولم يرتابوا بهما وتدرجا بالحيلة والمكر إلى أن صارا في الجملة من الخراسانية المرتبين لحفظ ركاب تاج الملوك وتمكنا وسكنت القلوب إليهما لأنها ضمنا. ورقبا الفرصة في تاج الملوك إلى أن دخل الحمام وعاد منه ووصل إلى باب داره من القلعة بدمشق وتفرق عنه من كان في ركابه من الخراسانية والديلم والأحداث الحفظة له فوثبا عليه في يوم الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ٥٢٥ وضربه أحدهما بالسيف طالباً لرأسه فجرحه في رقبته جرحاً لم يتمكن منه وضربه بسكين عند خاصرته نفذت بين اللحم والجلد ورمى بنفسه في الحال عن فرسه سليماً

стр. 390

وتكاثرت الرجال عليهما فقطعوهما بالسيوف وأحضر أهل الخبرة بمداواة الجراح من الأطباء والجرائحيين وعولجا فبرأ أحدهما الذي عند الرأس وتنسر الذي في الخاصرة وصلحت الحال في ذلك وركب وأقام مدة يحضر مجلسه الخواص والعسكرية والأجناد للسلام والشراب على الرسم المعتاد وفيها ورد الخبر من بغداد بوفاة السلطان مغيث الدنيا والدين محمود ابن السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن الملك شاه بن البارسلان ﵀ في شوال سنة ٥٢٥ بمرض حدث به كان معه نفاد أجله وفراغ مهله وتقررت السلطنة بعده لأخيه السلطان أبي الفتح مسعود بن محمد بن ملك شاه بن البارسلان وتكون ولاية العهد من بعده لابنه داود بن محمود ثم لأخيه السلطان طغرل بن محمد وسيأتي ذكر كل واحد منهم في موضعه وفيها ورد الخبر من حلة مكتوم بن حسان بن مسمار بأن الأمير دبيس بن صدقة ابن مزيد اجتاز بالحلة وكان قد انهزم من العراق في خواص أصحابه وغلمانه خوفاً من الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين وضل في الطريق لم يكن معه دليل عارف بالمسالك والمناهل وكان قصده حلة مرى بن ربيعة فهلك أكثر من كان معه وتفرق أصحابه بعد موت من مات بالعطش وقد حصل في الحلة كالمنقطع الوحيد في نفر يسير من أصحابه فانهض تاج الملوك فرقة من الخيل نحوه لاحضاره فأحضرته إلى القلعة بدمشق في ليلة يوم الاثنين لست خلون من شعبان سنة ٥٢٥ فتقدم تاج الملوك بإنزاله في دار القلعة وإكرامه واحترامه والتنوق في شرابه وطعامه وحمل إليه من الملبوس والمفروض ما يقتضه محله الرفيع ومكانه المكين الوجيه واعتقله اعتقال كرامة لا اعتقال إهانة وأنهى
следующие страницы →