Полный текст (573 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وتوجهوا جميعاً إلى مخيم عماد الدين أتابك فأحسن لقاءهم وبالغ في الاكرام لهم وأغفلهم أياماً وعمل عليهم وغدر بهم وقبض على سونج ولد تاج الملوك وعلى جماعة المقدمين ونهب خيامهم وأثقالهم وكراعهم فهرب منهم من هرب واعتقل الباقين وحملهم إلى حلب وأمر بحفظهم فيها وزحف من يومه إلى حماة وهي خالية من الرجال الحماة فملكها واستولى على ما فهيا ورحل عنها إلى حمص وكان صاحبها خيرخان بن قراجه معه بعسكره ومناصح في خدمته وعامل بطاعته وكان المعين له والمحرض على الغدر بسونج وقبضه حين نزل عليها غدراً بخيرخان صاحبها واعتقله ونهب خيامه وأثقاله وتوثق منه وطلب بتسليم حمص إليه فراسل نوابه فيها وولده بذاك فلم يلتفتوا إلى مقاله ولا وقعت منهم إجابة إلى سؤاله فأقام عليها مدةً طويلةً يبالغ في المحاربة لأهلها والمضايقة لها فلم يتهيأ له فيها مطلب ولا تيسر مأرب فرحل عنها إلى الموصل واستصحب معه سونج بن تاج الملوك والمقدمين من عسكر دمشق وأقر الباقين في حلب وترددت المراسلات في إطلاق المعتقلين فلم يفعل والتمس عنهم خمسين ألف دينار أجاب تاج الملوك إلى تحصيلها والقيام بها
في هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بقتل الآمر بأحكام الله صاحبها في آخرها تدبيراً دبر له وعمل فيه عليه لأمور منكرة ارتكبها وأحوال قبيحة اعتمدها ادعت إلى قتله وأوجبت الفتك به لأنه بالغ في ظلم الرعية وأخذ أموالهم واغتصاب ملاكهم وسفك الدماء وأساء السيرة وارتكب المحذورات واستحسن القبائح من المحظورات فابتهج الخاص والعام بالحادث فيه والراحة منه في يوم الثلاثاء الثاني من ذي القعدة سنة ٥٢٤ وعمره ٣٤ سنة ومولده بالقاهرة سنة ٤٩٠ وأيام دولته ٢٤ سنة ونقش خاتمه الامام
стр. 387
الآمر بأحكام الله أمير المؤمنين وقام بعده ابن عمه أبو الميمون عبد المجيد بن الأمير أبي القاسم ابن الامام المستنصر بالله أمير المؤمنين وأخذت له البيعة على الرسم فيها ونعت بالحافظ لدين الله أمير المؤمنين فاستقام له الأمر واستتب برأيه التدبير وقلد الأمر أبا علي أحمد بن الأفضل أمير الجيوش وزارة الدولة وتدبير المملكة فساس الكافة أعدل سياسة ودبر الأعمال أجمل تدبير وجرى على منهاج أبيه الأفضل ﵀ في حب العدل وايثاره واحتواء الجور واخماد ناره وأعاد على التناء والتجار ما اغتصب من أموالهم وقبض من أملاكهم وأمن البر التقي وأخاف المفسد ولم يزل على هذا المذهب الحميد مواظباً ولهذا المنهاج السديد مداوماً إلى أن نجم له من مقدمي الدولة حسدة حسدوه على ما الهمة الله من أفعال الخيرات واقتناء الصالحات تجمعوا على افساد أحواله ولفقوا المحال في الطعن في أعماله وسعوا في العمل بأنواع من الكذب جمعوها وألفاظ من الباطل نمقوها وقرر ذلك مع العسكرية دون الأعيان والأماثل
стр. 388
من الرعية وأغفل إلى أن وجدت الفرصة فيه متسهلة والغرة منه باديةً وحصل في جانب من الميدان خالياً من العدة والعدة والأعوان والنجدة لا يشعر بما قد رتب له ودبر عليه فوثبوا عليه وقتلوه ﵀ وانفردوا به وأدركه أصحابه وقد قضى فقتلوا الجناة وحملوه إلى تربته فدفنوه بها
سنة خمس وعشرين وخمسمائة
في هذه السنة انتهى إلى تاج الملوك عن الرئيس المقلد أمر الوزارة محال غير قلبه عليه وقدح في منزلته وأفسد ما كان جميلاً فيه من رأيه وأمر باعتقاله مع بعض أقاربه اعتقالاً جميلاً وعزله عن الوزارة والرئاسة
стр. 389
في شهر ربيع الأول منها وعول في تقليد مكان الوزارة على كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني ابن عم الوزير أبي علي المزدقاني المقدم ذكره فرد الأمر في ذلك إليه وعول في الوزارة والسفارة عليه واستقام له الأمر ومشت الأحوال به. واستبشر أكثر المتصرفين والعمال لأنه كان حسن الطريقة قد تهذب في النيابة عن الوزارة في الديوان وعرف سياسة الأعمال في كل عصر وأوان فصيح اللسان بالفارسية والعربية ولم يزل مستمر الأمر إلى أن حدث ما تغيرت به حاله لأن الباطنية لما جرى عليهم قضاه الله من البوار وأحله بهم من الهلاك والدمار انتهى خبر ذاك إلى رفقائهم بألموت فأسفوا عليهم وقلقوا لما نزل بهم وشرعوا في بث حبائل شرهم ونصب اشراك خترهم ومكرهم وندبوا لتاج الملوك من يغتاله ويوقع به من جهال إخوانهم وفتاك أقرانهم. ووقع اختيارهم على جاهلين من الخراسانية قرروا معهما التحيل في أمر تاج الملوك والطلب له والفتك به في داره عند إمكان الفرصة فيه ووصل هذان الرجلان إلى دمشق في زي الأتراك بالقباء والشربوش وحضرا إلى معارف لهما من الأتراك وسألوهما الوساطة في استخدامهما وتقرير الواجب لهما وخدعاهم ولم يرتابوا بهما وتدرجا بالحيلة والمكر إلى أن صارا في الجملة من الخراسانية المرتبين لحفظ ركاب تاج الملوك وتمكنا وسكنت القلوب إليهما لأنها ضمنا. ورقبا الفرصة في تاج الملوك إلى أن دخل الحمام وعاد منه ووصل إلى باب داره من القلعة بدمشق وتفرق عنه من كان في ركابه من الخراسانية والديلم والأحداث الحفظة له فوثبا عليه في يوم الخميس لخمس خلون من جمادى الآخرة سنة ٥٢٥ وضربه أحدهما بالسيف طالباً لرأسه فجرحه في رقبته جرحاً لم يتمكن منه وضربه بسكين عند خاصرته نفذت بين اللحم والجلد ورمى بنفسه في الحال عن فرسه سليماً
стр. 390
وتكاثرت الرجال عليهما فقطعوهما بالسيوف وأحضر أهل الخبرة بمداواة الجراح من الأطباء والجرائحيين وعولجا فبرأ أحدهما الذي عند الرأس وتنسر الذي في الخاصرة وصلحت الحال في ذلك وركب وأقام مدة يحضر مجلسه الخواص والعسكرية والأجناد للسلام والشراب على الرسم المعتاد وفيها ورد الخبر من بغداد بوفاة السلطان مغيث الدنيا والدين محمود ابن السلطان غياث الدنيا والدين محمد بن الملك شاه بن البارسلان ﵀ في شوال سنة ٥٢٥ بمرض حدث به كان معه نفاد أجله وفراغ مهله وتقررت السلطنة بعده لأخيه السلطان أبي الفتح مسعود بن محمد بن ملك شاه بن البارسلان وتكون ولاية العهد من بعده لابنه داود بن محمود ثم لأخيه السلطان طغرل بن محمد وسيأتي ذكر كل واحد منهم في موضعه وفيها ورد الخبر من حلة مكتوم بن حسان بن مسمار بأن الأمير دبيس بن صدقة ابن مزيد اجتاز بالحلة وكان قد انهزم من العراق في خواص أصحابه وغلمانه خوفاً من الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين وضل في الطريق لم يكن معه دليل عارف بالمسالك والمناهل وكان قصده حلة مرى بن ربيعة فهلك أكثر من كان معه وتفرق أصحابه بعد موت من مات بالعطش وقد حصل في الحلة كالمنقطع الوحيد في نفر يسير من أصحابه فانهض تاج الملوك فرقة من الخيل نحوه لاحضاره فأحضرته إلى القلعة بدمشق في ليلة يوم الاثنين لست خلون من شعبان سنة ٥٢٥ فتقدم تاج الملوك بإنزاله في دار القلعة وإكرامه واحترامه والتنوق في شرابه وطعامه وحمل إليه من الملبوس والمفروض ما يقتضه محله الرفيع ومكانه المكين الوجيه واعتقله اعتقال كرامة لا اعتقال إهانة وأنهى
стр. 391
الحال في ذلك إلى الدار العزيزة الأمامية المسترشدية فورد الجواب إليه بالتوثق منه والاحتياط عليه إلى حين يصل إليه من يتسلمه ويحمله إلى بغداد
ولما عرف عماد الدين أتابك زنجي صاحب الموصل هذه الحال نفذ رسولاً له إلى تاج الملوك يلتمس منه تسليمه ويكون الجزاء عنه الخمسين الألف الدينار المقررة على ولده سونج وبقية العسكر الدمشقي المتعلقين فأجابه تاج الملوك إلى ذلك وتقرر الشرط عليه وأن يصل عسكره إلى ناحية قارا ومعه المعتقلون ويخرج الأمير دبيس مع عسكر دمشق إلى هناك فإذا تسلم المعتقلين سلموا دبيساً إلى أصحابه فتوجهوا به من دمشق ووصلوا به إلى قارا فتسلموا المعتقلين منهم وسلموا إليهم دبيساً في يوم الخميس الثامن من ذي القعدة من السنة وعاد كل من العسكرين إلى مكانه ووصل سونج إلى دمشق هو والجماعة فسر تاج الملوك بهم وزال شغل قلبه بوصولهم فعند ذلك خوطب تاج الملوك في الرئيس وأهله المعتقلين وسئل في إطلاقهم والمن عليهم بتخلية سبيلهم فأجاب إلى ذلك بعد أن قرر عليه مصالحة يقوم بها وأطلق وأعيد إلى رئاسة دون وزارته وخلع عليه وعلى الوزير كمال الدين كريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق المزدقاني في مستهل رمضان من السنة وفي هذه السنة ورد الخبر من صرخد بوفاة واليها فخر الدولة كمشتكين الخادم التاجي في جمادى الآخرة منها وكان حسن الطريقة جميل الذكر كثر التدين مشكور المقاصد. وفيها وصل سديد الدولة ابن الأنباري كاتب الخليفة الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين رسولاً منه في أمور وأسباب اقتضتها في آخر ذي القعدة منها ويبعث على تسليم الأمير دبيس إلى من يحمله إلى بغداد
стр. 392
وقد فات الأمر فيه فأكرم مثواه وسر بمقدمه وأجيب عن رسائله وتوجه عائداً بعد أن حمل إليه ما يقتضيه محله ويوجبه مكانه وصادفه في طريقه بناحية الرحبة خيل الأمير عماد الدين فقبضت عليه ونهبت ما كان معه وقتلت بعض غلمانه ولقي شدةً عظيمةً من الاعتقال والإعنات إلى أن خلص وأطلق سراحه وعاد إلى بغداد. وفي يوم الخميس لثلاث ليال خلت من جمادى الآخرة منها جمع تاج الملوك جماعة من الأمراء والمقدمين والخواص وأعيان الأجناد والكتاب والفقهاء وأماثل الرعية في مجلسه وقال لهم: إنني قد انتهت بي الحال بسبب هذا الجرح الذي قد طال أله وتعذر اندماله ما قد أيقنت معه الحلول بالأمر المقضي الذي لا بد منه ولا مندوحة للخلق عنه وقد يئست من روح الحيوة واستشعرت قرب الوفاة وهذا ولدي أبو الفتح إسمعيل قد لاحت لي منه إمارة الشهامة والنجابة وبانت لي فيه مخايل الكفاية واللبابة وهو أكبر ولدي والمرجو لسد ثلمة فقدي وقد رأيت أن أجعله ولي عهدي والمرشح لتولي الأمر بعدي ثقةً بسداده وحسن تأتيه مع حداثة سنه وحميد اقتصاده فإن سلك منهاج الخير واقتفاه وقصد سبيل العدل والانصاف وتوخاه فذاك المراد منه والمأمول فيه وإن عدل عن المطلوب المشار إليه وخالف الأمر المنصوص عليه كان المعول عليكم في
стр. 393
تنبهه من نومته وإيقاظه من فتور غفلته فإن الحازم اللبيب والسديد الأريب إذا ذكر ذكر وإذا أنهي عن منكر أعرض عنه واقتصر. فقالوا: الأمر أمرك الذي لا يخالف ولا يعدل عنه والحكم حكمك الذي لا خروج لنا منه وطاعتنا لك في حياتك كطاعتنا لولدك بعد وفاتك والله يمد لك في العمر ويمن عليك بالعافية الشافعية وتعجيل السلامة والبرء. فسر بمقالهم وشكر ما بدأ منهم من الحوادث الدالة على حميد خلالهم ثم نص في الأمر عليه وأشار في ولاية العهد من بعده إليه وقرر معهم العمل بطاعته والانتهاء إلى إشارته وخلع عليه خلعاً سنيةً تليق بمثله وتضاهي شرف مثله وركب فيها إلى داره من القلعة بين الأمراء والمقدمين والأتباع من الخراسانية والغلمان والسلاحية والمقرعدارية كذا والجاووشية في اليوم المذكور والمحفل المحضور وتضاعف بذاك منهم الجذل والسرور ومالت كافة الأصحاب إليه واجتمعوا عليه وواظبوا الخدمة له في كل يوم والتسليم عليه
سنة ست وعشرين وخمسمائة
في هذه السنة ورد الخبر من ناحية الافرنج بهلاك بغدوين الرويس ملك الافرنج صاحب بيت المقدس بعكا في يوم الخميس الخامس والعشرين من شهر رمضان منها وكان شيخاً قد عركه الزمان بحوادثه وعانى الشدائد من نوائبه وكوارثه ووقع في أيدي المسلمين عدة دفعات أسيراً في محارباته
стр. 394
ومصافاته وهو يتخلص منهم بحيله المشهورة وخدعه المخبورة ولم يخلف بعده فيهم صاحب رأي صائب ولا تدبير صالح وقام فيهم بعده الملك القومص الجديد الكند ايجور الواصل إليهم في البحر من بلادهم فلم يتسدد في رأيه ولا أصاب في تدبيره فاضطربوا لفقده واختلفوا من بعده وفيها اشتد مرض الجرح بتاج الملوك ووقع اليأس من برئه وصلاحه فطال الأمر به طولاً سئم معه الحياة وأحب الوفاة وتزايد الضعف به والذبول في جسمه وقوته وقرب أجله وخاب في الصحة أمله وتوفي إلى رحمة الله ومغفرته وتجاوزه على مضي ساعة من نهار يوم الاثنين الحادي والعشرين من رجب منها فتألمت القلوب لمصابه وأفيضت الدموع للنازل به:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ... ألقيت كلّ تميمةٍ لا تنفع
ولكن قضاء الله تعالى لا يغالب وحكمه لا يدافع لأن هذه الدنيا دار سوء لم يدم فرح لامرئ فيها ولا حزن النفاس فيها محصاة معدودة والآجال محصورة محدودة والليل والنهار يقطعان الأعمار ويفنيان المدة وما فهم مواعظ الزمان من سكن إلى خدع الأيام. ولقد أنشد عند فقده الشريف الرضي:
بعداً ليومك في الزمان فإنّه ... أقذى العيون وفتّ في الأعضاد
لولا ما من الله من قيام نجله في الأمر من بعده ونصه عليه في ولاية عهده شمس الملوك فأزال الروعة وخفف اللوعة فاشتغل الناس بالتهنئة بالأمير الموجود عن التعزية بالشهيد المفقود. وقد كان لتاج الملوك رحمه الله
стр. 395
من المحاسن والمآثر والمناقب ما يذكر في المحافل وينشر في الأندية والمحاضر ونظمت مدائحه الشعراء ونشرت فضائله الفصحاء البلغاء وكان الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن الخياط الشاعر الدمشقي ﵀ وهو طرفة شعراء الشام والمشهور بمحاسن الفنون من المديح وغيره بينهم قد نظم في تاج الملوك عدة قصائد بالغ في تهذيبها وتحريرها وتحكيكها فذكرت من جملة أبياتها المعربة عن صفات معاليه ما يستدل به على استحقاقه ما بالغ فيه من مدح مقاصده ومساعيه فمن أبيات قصيدة أولها:
لقد كرّم الله ابن دهرٍ تسوده ... وشرّف يا تاج الملوك بك الدهرا
ومنّ على هذا الزمان وأهله ... بأروع لا يعصي الزمان له أمرا
حسام أمير المؤمنين ومن يكن ... حساماً له فليقتل الخوف والفقرا
إذا قلت في تاج الملوك قصيدةً ... من الشعر قالوا قد مدحت به الشعرا
وقال من أخرى
ألم تك للملوك الغرّ تاجا ... وللدنيا وعالمها سراجا
لقد شرّف الزمان بك افتخاراً ... كما سعد الأنام بك ابتهاجا
مددت إلى اقتناء الحمد كفّاً ... طمى بحر السماح جا وماجا
وغادرت المعالي بالعوالي ... كخيس الليث عزّ به ولاجا
стр. 396
ذكر أيام شمس الملوك أبي الفتح إسمعيل بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك وشرح حاله في ابتداء أمره إلى انقضائه وما كان في خلال ذلك من الحوادث المتجددة ومعرفة تواريخها وأوقاتها وأحوالها
لما مضى الأمير تاج الملوك بوري بن أتابك ﵀ من هذه الدنيا الفانية إلى الدار الباقية سعيداً حميداً شهيداً أقام ولده شمس الملوك أبو الفتح إسمعيل مقامه في المملكة حسب ما كان عهد به إليه في حياته وأوصى بما يعمل به بعد وفاته أحسن السياسة والسيرة وأخلص النية في أعماله والسريرة وبسط العدل في الرعية وأفاض إحسانه على كافة الأجناد والعسكرية وأقر الاقطاعات على أربابها والجامكيات على أصحابها وزاد في الواجبات ولم ينقصها وأقر وزير أبيه على وزارته ورتب العمال والمتصرفين على ما كانوا عليه ورد أمر التقرير والتدبير إلى الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق واعتمد عليه في مهمات أمره وسكن إليه في جهره وسره وافتتح أمر السياسة بالنظر في أمر الرعية والمتعيشين بأن رفع عنهم ما كان يستخرج منهم في كل سنة من أقساط الفيئة وأبطل رسمها وحظر تناولها وأزال حكمها وعوض أرباب الحوالات عليها بجهات غيرها فكثر له الدعاء واتصل عليه الثناء وذلك في رجب سنة ٥٢٦. وظهر من شهامته وشدة بأسه وشجاعته وإقدامه وبسالته ومضاء عزيمته ما لم يقع في وهم ولا خطر في بال وفهم وسنذكر من ذلك في أماكنه ما يقوم مقام العيان دون الحكاية بالمقال فمن ذلك أولاً افتتاحه حصن اللبؤة والرأس وكانا في يدي المندوبين لحفظهما من قبل تاج الملوك أبيه وكانا قد أقرا على رسمهما
стр. 397
فانتهى إلى شمس الملوك إن أخاه شمس الدولة محمد بن تاج الملوك صاحب بعلبك قد عمل عليهما حتى استنزلهما على حكمه من حصنيهما المذكورين وندب لهما من رآه من ثقاته ونوابه لحفظهما فأنكر مثل هذا الفعل عليه وامتعض منه وراسل أخاه المذكور بالمعاتبة على ما قصده ويهجن رأيه فيما اعتمده ويسأله النزول عليهما وإعادتهما إلى ما كانا عليه فامتنع من الاجابة إلى ما طلب والقبول لما التمس فأهمل الأمر فيه وفي الحديث في معناه مدةً يسيرةً ثم استعد وتأهب لقصد الحصنين المذكورين ولم يشعر أحد بما عزم عليه وصرف همه إليه. ثم نهض في العسكر وآلات الحرب من دمشق موهماً إنه يطلب ناحية الشمال في آخر ذي القعدة من السنة ثم عاد في طريق أخرى مغرباً بعد تشريقه فلم يشعر من بحصن اللبؤة إلا وقد نزل عليه وزحف من وقته إليه بعزيمة لا تدافع وشدة لا تمانع. فلما أحس من فيه بالبلاء لما شاهده من شدة القتال ولم يجد له مخلصاً بحال من الأحوال طلب الأمان من يومه فأجيب إلى ما سأل وأسعف بما أمل ونزل من الحصن وسلمه إليه فقرر أمره واستناب في حفظه من اعتمد على كفايته ونهضته. ثم رحل عنها عند الفراغ منه إلى حصن الرأس فجرى أمر من فيه على تلك القضية فتسلمه وولاه لمن يحفظه ثم رحل عنه ونزل على بعلبك وقد استعد أخوه صاحبها واحتشد واجتمع إليه خلق كثير من فلاحي البقاع والجبال وغير ذلك من الحرامية المفسدين فحصرهم فيها وضايقهم وزحف إليهم في الفارس والراجل وخرج من بعلبك من المقاتلة جماعة فقتل منهم وجرح نفر كثير وعلى السور أيضاً ثم زحف بعد أيام إلى البلد البراني وقد حصفوه بالرجال فشد عليهم القتال وفرق العسكر عليه من عدة جهات فملكه وحصل العسكر فيه بعد أن قتل وجرح الخلق الكثير ممن كان فيه ونصب المناجيق على
стр. 398
البلد والحصن وواظب الزحف إليهما والشد عليهما. فلما عاين صاحبها شدة الأمر والاستمرار على الاقامة والمصابرة راسل في بذل الطاعة والمناصحة والسؤال في إقراره على ما كان عليه في أيام أبيه فحملته عاطفة القربى على احتمال ما جرى والاغضاء عما سلف وأجاب إلى ما التمس ونزل على إيثاره ما طلب وتقرر الأمر بينهما على ما اقترح وعاد شمس الملوك في العسكر إلى دمشق ظافراً مسروراً في أوائل المحرم منها
سنة سبع وعشرين وخمسمائة
في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية الافرنج بوقوع الخلف بينهم من غير عادة جارية لهم بذلك ونشبت المحاربة بينهم وقتل منهم جماعة. وفيها صادف جماعة من التركمان صاحب زردنا في خيله فظفروا به وقتلوه ومن معه واشتملوا على خيولهم وكراعهم. وقيل إن ابن الدانشمند ظفر بفريق وافر خرج من القسطنطينية فأوقع به وقتل من كان فيه من الروم وغيرهم
وفي سابع عشر جمادى الآخرة غار الأمير سوار من حلب في خيله على تل باشر فخرج من فيه من أبطال الافرنج إليه فقتل منهم تقدير ألف فارس وراجل وحمل رؤوسهم إلى حلب.
стр. 399
وفي رجب منها قبض شمس الملوك على مري بن ربيعة فاعتقله وعلى أسامة بن المبارك وصانعه على مصالحة قام بها وأطلقه وأقام مري على حاله وتردد فيه خطاب انتهى آخره إلى قتله وهذا مكافأة ما أسلفه من قبيح الأفعال ومذموم الأعمال والظلم الذي ارتكبه في سائر الأحوال ولما عاد شمس الملوك من ناحية بعلبك بعد المقرر بينه وبين أخيه صاحبها مما تقدم ذكره وشرحه انتهى إليه من ناحية الافرنج ما هم عليه من فساد النية والعزم على نقض الموادعة المستقرة. وشكا إليه بعض التجار الدمشقيين إن صاحب بيروت قد أخذ منهم عدة حمال كتان قيمتها جملة وافرة من المال فكتب إلى مقدم الافرنج في رد ذلك على أربابه وإعادته على من هو أولى به وترددت المكاتبات في ذلك فلم تسفر عن نيل مراد ولا نيل طلاب فحمله الغيظ والحنق على مقابلة هذا الفعل بمثله وأسر ذلك في نفسه ولم يبده لأحد من خاصته وثقات بطانته وصرف همه وعزمه إلى التأهب لمنازلة بانياس وانتزاعها من أيدي الملاعين المتغلبين عليها ونهض إليها في أواخر المحرم من السنة ونزل عليها في يوم الأحد غرة صفر منها وزحف في عسكر إليها وفيها جماعة وافرة من الخيالة والرجالة فارتاعوا لما أتاهم فجأةً وذلوا وانخذلوا وقرب من سورهم بالدرق الجفتيات والخراسانيين والنقابين وترجل عن جواده وترجل الأتراك بأسرهم لترجله ورشقوا من على السور بالنشاب فاستتروا ولم يبق أحد يظهر برأسه عليه لكثرة الرماة وألزق الجفتيات إلى مكان من السور استرقه فنقبوه إلى أن تمكنوا منه ثم هجموه وتكاثروا في البلد. والتجأ من كان فيه من الافرنج إلى القلعة والأبراج وتحصنوا بها ومانعوا عن نفوسهم فيها وملك البلد وفتح بابه وقتل كل من صودف فيه من الافرنج وأسر. ولما رأى من بالقلعة والأبراج من المنهزمين ما نزل بهم من تملك البلد والقصد لهم بالقتال ولا ناصر لهم ولا ممانع عنهم التمسوا الأمان فأجيبوا إليه
стр. 400
ونزلوا فاسروا جميعاً ونهب ما كان في البلد وقرر فيه من الرجال الأجلاد من يحفظه ويذب عنه ورحل عنه في العسكر ومعه الأسرى ورؤوس القتلى وحرم الوالي الذي كان به وأولاده والعدد الكثيرة ووصل إلى دمشق في يوم الخميس لست ليال خلت من صفر من السنة. وخرج الناس من البلد للقائه ومشاهدة الأسرى في الحبال والرؤوس في القصب وهم الشيء الكثير والجم الغفير فرأى الناس من ذلك ما أقر عيونهم وسر قلوبهم وشد متنهم وابتهجوا له وأكثروا من شكر الله تعالى على ما سناه من هذا النصر العزيز والفتح المبين وشاعت الأخبار بذلك في الافرنج فهالهم سماعه وارتاعوا لحدوث مثله وامتلأت قلوبهم رعباً ووجلاً وأكثروا التعجب من تسهل الأمر في بانياس مع حصانتها وكثرة الرجال فيها في أقرب مدة وأسهل مرام وأسفوا على من قتل من الخيالة الفرسان والرجالة
وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بوصول السلطان مسعود بن السلطان محمد إلى بغداد ونزوله في الجانب الغربي منها وأقام بها أياماً قلائل لتقرير الحال وكتب تذكرةً بأشياء اقترحها والتمس إضافة الشام إلى العراق ووصل إليه قاضي القضاة والأعيان والأماثل واستحلفوه على ما تضمنه المشروح المقترح في التذكرة وطولع بما جرى فخرج الأمر السامي الأمامي المسترشدي بالاذن له في نزوله في دار السلطنة وكتبت ألقابه وإقامة الدعوة له وحمل إليه ما يحتاج إلى مثله من الفرش وغيره وخطب له آخر جمعة من المحرم وكتب بتقرير أمر السلطنة إلى جميع الأعمال والأمر بالدعاء له على منابرها. واستدعي إلى الدار العزيزة المسترشدية وناب الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد وزير الخليفة عنه في إيصال سلامه ودعائه أحسن مناب وخوطب بأجمل
стр. 401
جواب وأفيضت الخلع عليه في يوم الأحد لخمس خلون من شهر ربيع الأول من السنة وقد جلس الامام الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين فحضر بين يديه وخدم كما جرت العادة لمثله فقال له أمير المؤمنين في مبدإ خطابه: تلق هذه النعمة بشكرك واتق الله تعالى في سرك وجهرك. وكان هذا التشريف سبع دراريع مختلفات الأجناس والسابعة منها سوداء وتاجاً مرصعاً وسوارير وطوق ذهب ولما جلس على الكرسي المعد له وقبل الأرض قال له أمير المؤمنين: من لم يحسن سياسة نفسه لم يصلح لسياسة غيره. قال الله تعالى ذكره: " فَمنْ يَعْمَلْ مِثقالَ ذرَّةٍ خيراً يَرَهُ ومَنْ يَعمَلْ مِثقالَ ذرَّةٍ شرّاً يَرَهُ ". فأعاد الوزير عليه ذلك بالفارسية فأكثر من الدعاء له والثناء عليه واستدعى أمير المؤمنين السيفين المعدين له فقلده بهما واللوائين فعقدهما له بيده وسلم عيه السلطان داود بن محمود أخيه وأتابكه اق سنقر وأكد الوصية عليه في بابهما واجمال الرعاية لهما واستحلفه على الوفاء بما قرره في بابهما وقال له أمير المؤمنين: انهض وخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين. وتوجه السلطان مسعود بعد ذلك إلى ناحية أذربيجان في أول شهر ربيع الآخر من السنة وقد انضم إليه اق سنقر أحمديلي وخلق كثير من الأتراك ووردت الأخبار إلى بغداد بأن عسكر السلطان مسعود كسر عسكر السلطان طغرل بن محمد بناحية همذان في ثامن عشر رجب من السنة
стр. 402
وتفرق عسكره في البلاد وعاد السلطان مسعود إلى منزله وخوطب له في جامع همذان
وفي هذه السنة عزم شمس الملوك إسمعيل بن تاج الملوك على قصد حماة لمنازلتها واستعادتها من أيدي الغالبين عليها وملكتها وقد كان أخفى هذا العزم في نفسه ولم يظهر عليه غيره وشرع في التأهب لذاك والاستعداد للمصير إليها وقد كانت الأخبار انتهت إلى الحافظ لها بهذا الاعتزام فبالغ في التحصين لها والتأهب للذب عنها والمراماة دونها وأعد لذلك كل آلة يحتاج إليها ويعتمد عليها. وانتهى الخبر بهذه الحال إلى شمس الملوك فلم يحفل بهذا الأمر ولا يشطن عنه بل برز في العشر الأخير من شهر رمضان سنة ٢٧ ولم يبق من مقدمي أمرائه وخواصه إلا من أشار عليه بأبطال هذه الحركة واستوقف عزمه عنها وهو لا يحفل بمقال ولم يسمع منه جواب خطاب وقيل له: تهمل هذا إلى فراغ صوم هذه الأيام القلائل من هذا الشهر المبارك وتقضي سنة العيد ويكون التوجه بعده إلى ذلك المكان. فلم يصغ إلى أحد في هذا الرأي ولا عمل بمشورة انسان وبنى أمره على قصدها وأهلها غارون ومن بها من الحماة غافلون لتحققهم إنه لا ينهض أحد في هذه الأيام إلا بعد العيد وترفيه الجند. ثم إنه رحل في الحال إليها وأغذ السير حتى نزل عليها وهجم في يوم العيد على من فيها فراعهم ما أحاط من البلاء بهم وزحف إليهم من وقته في أوفر عدة وأكمل عدة فتحصنوا بالدروب والرحال وصبروا على الرشق بالسهام والنبال وعاد العسكر في ذلك اليوم وقد نكأ فيهم نكايةً ظاهرةً في القتل والجرح والنهب والسلب وباكرهم من غده في الفارس والراجل وفرقهم حول البلد من جميع نواحيه ثم زحف في خواصه من الغلمان الأتراك وجماعة وافرة من الرجالة والخيالة
стр. 403
القتال واسترق موضعاً من حماة قصد إليه وعول في هجم البلد عليه وشد على من به من الحماة والرماة فاندفعوا بين يديه وهجم البلد بنفسه من ذلك المكان. ولاذ من بها بالأمان وترامى إليه جماعة من حماتها مستأمنين فأمنهم وخلع عليهم وأحسن إليهم ونادى بالكف عنهم ورفع الأذية عن كافتهم ورد ما نهب عليهم فخرج إليه أكثر رجال القلعة طالبين الأمان فخلع عليهم وأمنهم. فحين رأى الوالي ذلك وعرف عجزه عن المصابرة طلب أيمانه فأمنه: وسلم القلعة بما فيها إليه وحصلت مع البلد في يديه بأسهل أمر وأسرع وقت فرتب لولايتها من اعتمد عليه وسكن في حفظها إليه ورحل عنها وقصد شيزر ونزل عليها وأمر بالعيث والفساد في نواحيها ولم يزل على هذه الحال إلى أن لوطف واستعطف بما حمل إليه ورحل عائداً إلى دمشق ودخلها مسروراً ظافراً في ذي القعدة من السنة ومن اقتراحات شمس الملوك الدالة على قوة عزيمته ومضاء همته ومستحسن ابتدائه ما أحدثه من البابين المستجدين خارج باب الحديد من القلعة بدمشق الأوسط منها وباب جسر الخندق الشرقي منها وهو الثالث لها أنشأهم في سنة ٥٢٧ مع دار المسرة بالقلعة والحمام المحدثة من شامها على قضية اخترعها وبنية اقترحها وصفة أثرها فجاءت في نهاية الحسن والطيبة والتقويم والاعتدال وفرغ منها في أوائل سنة ٥٢٨ وفيها ورد الأمير المنتضى أبو الفوارس وثاب بن مسافر الغنوي رسولاً من مصر في يوم السبت لأربع بقين من ذي القعدة منها بجواب ما كان صدر من مكاتبة شمس الملوك وواصل ما صحبه من الخلع السنية وأسفاط الثياب المصرية والخيل والمال وقرئ الكتاب الوارد على يده
стр. 404
ولم يزل مقيماً إلى أن تسهل مسيره فعاد منكفئاً سنة ٢٨ في يوم السبت لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول منها
وفي ذي الحجة منها وردت الأخبار بوصول عسكر وافر من التركمان إلى ناحية الشمال وإنهم غاروا على طرابلس وأعمالها من معاقل الافرنج فظفروا بخلق كثير منهم قتلاً وأسراً وحصل لهم من الغنائم والدواب الشيء الكثير وإن صاحب طرابلس قنض طلولاً بن بدران الصنجيلي خرج إليهم فيمن حشده من أعماله ولقي عسكر التركمان فكسروه وأظفرهم الله بحشده المفلول وجمعه المخذول وقتل أكثر رجاله وحل حماته وأبطاله وانهزم في نفر قليل من الحصن المعروف ببعرين فالتجأوا إليه وتحصنوا به ونزل عسكر الأتراك عليه وأقاموا محاصرين له أياماً كثيرة حتى نفد ما فيه من القوت والماء بحيث هلك منهم ومن خيلهم الأكثر فاعملوا الحيلة واستغنموا الغفلة وانتهزوا الفرصة وخرجوا في تقدير عشرين مع المقدم فنجوا ووصلوا إلى طرابلس. وكاتب ملك بنض طلولا صاحبها ملك الافرنج بعكا يستصرخ به وبمن في أعماله ويبعثهم على نصرته فاجتمع إليه من الافرنج خلق كثير ونهضوا إلى التركمان لترحيلهم عن حصن بعرين واستنقاذ من بقي فيه منهم فلما عرفوا عزمهم وقصدهم زحفوا إلى لقائهم فقتلوا منهم جمعاً كثيراً وأشرف التركمان على الظفر بهم والنكاية فيهم لولا إنهم اندفعوا إلى ناحية رفنية فاتصل بهم رحلهم عنها وعودهم على طريق الساحل فشق ذلك عليهم وأسفوا على ما فاتهم من غنائمهم وتفرقوا في أعمالهم
стр. 405
وفي هذه السنة عرض لكريم الملك أبي الفضل أحمد بن عبد الرزاق وزير شمس الملوك مرض حاد لم يزل به إلى أن توفي إلى رحمة الله في يوم الأحد الحادي والعشرين من ذي الحجة منها فحزن له الناس وتفجعوا بوفاته وتأسفوا عليه بحسن طريقته ومشكور أفعاله وحميد خلاله وكان محباً للخير متمسكاً بالدين مواظباً على تلاوة القرآن العظيم وفي صفر من السنة نهض صاحب بيت المقدس ملك الافرنج في خيله إلى أطراف أعمال حلب ووصل إلى موضع يعرف بنوار فنهض إليه الأمير سوار النائب في حلب في عسكر حلب وما انضاف إليه من التركمان فالتقوا وتحاربوا أياماً وتطاردوا إلى أن وصلوا إلى أرض قنسرين فحمل الافرنج عليهم فكسروهم كسرةً عظيمةً قتلوا فيها من المسلمين تقدير مائة فارس فيهم جماعة من المقدمين المشهورين المذكورين وقتل من الافرنج أكثر من ذلك ووصل الفل إلى حلب وتم الافرنج إلى قنسرين ثم إلى المقاومة ثم إلى نقرة الأحرين كذا فعاود الأمير سوار النهوض إليهم من حلب في من بقي من العسكر والأتراك فلقوا فريقاً من الافرنج فأوقعوا به وكسروه وقتلوا منه تقدير مائة فارس فانكفت الافرنج هزيماً نحو بلادهم وعاد المسلمون برؤوس القتلى والقلائع إلى حلب فانجلت تلك الغمة بتسهل هذه النعمة. ووصل الملك إلى انطاكية وانتهى إلى سوار خبر خيل الرها فنهض الأمير
стр. 406
سوار وحسان البعلبكي فأوقعوا بهم وقتلوهم عن آخرهم في بلد الشمال وأسروا من وقع في أيديهم حياً وعادوا إلى حلب ظافرين سالمين ومعهم الأسرى والرؤوس
سنة ثمان وعشرين وخمسمائة
وفي هذه السنة نهض شمس الملوك إسمعيل بن تاج الملوك في عسكره إلى شقيف تيرون. الذي في الجبل المطل على ثغر بيروت وصيدا فملكه وانتزعه من يد ضحاك بن جندل التميمي المتغلب عليه في يوم الجمعة لست بقين من المحرم منها
وفي هذه السنة خرج شمس الملوك إلى التصيد أواخر شهر ربيع الآخر بناحية صيدنايا وعسال فلما كان يوم الثلاثاء التاسع منه وقد انفرد من غلمانه وخواصه وثب عليه أحد مماليك جده ظهير الدين أتابك من الأتراك يعرف بايلبا وقد وجد منه خلوةً وفرصةً بالسيف وضربه ضربةً هائلةً يريد بها قطع رأسه فقضى الله تعالى بالسلامة فانقلب السيف من يده ولم يعمل شيئاً ورمى بنفسه إلى الأرض في الحال وضربه ثانيةً فوقعت في عنق الفرس فأتلفه وحال بينه وبين الفرس إلى أن تكاثر عليه الغلمان وتوافوا إليه فانهزم وأنهض في أثره من الخيل من يتعقبه ويطلبه ويتوثق منه وعاد إلى البلد. وقد اضطرب الأمر فيه عند إشاعة هذه الكائنة فسكنت النفوس بسلامته. وجد المنهضون في طلبه من الخيل والغلمان والبحث عنه في الجبال والطرقات والمسالك إلى أن لحقوه فجرح جماعةً بالنشاب
стр. 407
إلى أن أمسكوه فلما أحضروه إلى شمس الملوك وقرره وسأله: ما الذي حملك على هذا الفعل. فقال: لم أفعله إلا تقرباً إلى الله تعالى بقتلك وراحة الناس منك لأنك قد ظلمت المساكين والضعفاء من الناس والصناع والمتعيشين والفلاحين وامتهنت العسكرية والرعية. وذكر جماعةً من الغلمان أبرياء أوقعهم في التهمة بأنهم وافقوه على هذا فقبض عليهم وأضافهم إليه وقتل الجميع في الحال صبراً. ولامه الناس على ذلك حيث قتل هؤلاء الغلمان بقول هذا الجاني من غير بينة قامت ولا دلالة ظهرت ولم يكفه قتل من قتل ظلماً حتى اتهم أخاه سونج بن تاج الملوك فقتله وهو كبيره أشنع قتلة بالجوع في بيت وبالغ في هذه الأفعال القبيحة والظلم ولم يقف عند حد وفي يوم السبت الرابع من جمادى الأولى من السنة وصل أثير الملك أبو علي الحسن ابن اقش رسولاً من الدار العزيزة النبوية المسترشدية وعلى يده برسم شمس الملوك التشريف الامامي المندوب لإيصاله إليه وإفاضته عليه ووردت المكاتبات على يده عن الوزير شرف الدين أبي القسم علي بن طراد النقيب الزينبي وزير الخليفة وكان معزولاً عن الوزارة فأعيد إليها في شهر ربيع الأول سنة ٥٢٨ وصرف عنها الوزير شرف الدين أنوشروان بن خالد صرفاً جميلاً وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بالخلف الحادث بين ولدي الامام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد أمير المؤمنين أبي علي الحسن ولي عهد المسلمين وأخيه أبي تراب حيدرة ابني الحافظ واقتسام الأجناد فرقتين أحدهما مائلة إلى مذهب السنة وأهله والاخرى إلى مذهب
стр. 408
الاسماعيلية وحزبه واستعار نار الحرب بينهما واستظهار حزب السنة على حزب الاسماعيلية بحيث قتل منهم خلق كثير وكان أكثر القتل في الريحانية والسودان واستقام الأمر بعده لأبي علي الحسن وتتبع من كان ينصر مذهب الاسماعيلية من المقدمين والدعاة ومن يجري مجراهم فأبادهم بالقتل والتشريد وصلحت الأحوال واستقامت أمور الأعمال بعد الاضطراب والاختلال وورد كتاب الحافظ لدين الله إلى شمس الملوك بهذه الحال في أواخر ذي الحجة من السنة بما تجدد عنده من هذه النعمة
وفي ذي القعدة من السنة انتهت الأخبار إلى شمس الملوك من ناحية الافرنج باعتزامهم على نقض المستقر من الهدنة وقبيح الموادعة المستمرة وتأهبهم للجمع والاحتشاد وقصد الأعمال الدمشقية بالعيث والفساد فحين عرف شمس الملوك هذه الحال شرع في جمع الرجال واستدعى التركمان من جميع الأعمال واتصل به نهوض الافرنج إلى ناحية حوران فبرز في العسكر وتوجه إليهم وخيم بإزائهم وشرعوا في اخراب أمهات الضياع الحورانية ووقع التطارد بين الفريقين. وكان الافرنج في جمع كثيف من الخيل والرجل بحيث حصروهم في منزلهم لا يخرج منهم فارس ولا راجل إلا رشقته السهام واختطفه الحمام وأقامت المناوشة بين الفريقين عدة أيام ثم أغفلهم شمس الملوك ونهض في فريق وافر من العسكر وهم لا يشعرون وقصد بلادهم عكا والناصرية وما جاورهما وطبرية وما والاها فظفر بما لا يحصى كثرةً من المواشي والعوامل والنسوان والصبيان والرجال وقتل من صادفه وسبى من ظهر له وأحرق ما وجده وامتلأت أيدي التركمان من غنائمهم. واتصل الخبر بالافرنج فانخذلوا وقلقوا وانزعجوا وأجفلوا في الحال من منزلهم طالبين أعمالهم وعرف شمس الملوك ذاك
стр. 409
فانكفأ إلى مخيمه على طريق الشعراء سالماً في نفسه وجملته ظافراً غانماً. ووصل الافرنج إلى أعمالهم فشاهدوا ما حل بها ونزل بأهلها من البلاء فساءهم ذاك وفت في أعضادهم وانفلت شكتهم وانقصفت شوكتهم وتفرق شملهم وذلوا وطلبوا تقرير الصلح بينهم وعاد شمس الملوك إلى دمشق مسروراً في آخر ذي الحجة من السنة وفيها وردت الأخبار باجتماع الأمير عماد الدين أتابك والأمير حسام الدين تمرتاش ابن ايل غازي بن ارتق على بلاد الأمير داود بن سكمان بن ارتق ونهض إليهما في عسكره والتقى الفريقان على باب آمد فانهزم داود وانفل عسكره وأسر بعض أولاده وقتل جماعة من أصحابه وذلك في يوم الجمعة سلخ جمادى الآخرة ونزل على آمد وحصرها وقطع شجرها ولم يحصل منها على طائل فرحل عنها ووردت الأخبار بأن عماد الدين أتابك نزل على القلعة المعروفة بالصور وضايقها وافتتحها في رجب من السنة. وفيها ورد الخبر من ناحية بغداد بوقوع النار في بعض محالها فاحترق الخان المشهور بمخازن التجار وكثير من الأسواق وتلف للتجار الحاضرين والغائبين من جميع الجهات ما لا يحصى من أموالهم وبضائعهم. وفيها ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك استوزر ضياء الدين أبا سعيد الكفرتوثي وهو مشهور بحسن الطريقة والكفاية وحب الخير والمقاصد السديدة والمذاهب الحميدة. وفيها وردت الأخبار من ناحية العراق بوفاة السلطان طغرل بن السلطان محمد بن ملك شاه ﵀.
стр. 410
وفيها تواصلت الأخبار من ناحية الأمير عماد الدين أتابك باعتزامه على التأهب لقصد مدينة دمشق لمنازلتها ومحاصرتها وإنه منصرف الهمة إلى الاستعداد لذلك.
سنة تسع وعشرين وخمسمائة
في أول المحرم هرب الحاجب يوسف بن فيروز شحنة دمشق إلى تدمر خوفاً من شمس الملوك إسمعيل بن تاج الملوك بوري
شرح السبب في ذلك
كان الحاجب المذكور في جاه تاج الملوك متمكن الرتبة عنده مقبول الرأي فيما يرومه وقد صرف همه ووكده إلى تطلب معقل حصين بعده لنائبة تنوب وخطب من خطوب الزمان تتجدد واتفق إن الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك المقيم بتدمر قد سئم المقام بها وضجر من كونه فيها وارتاحت نفسه إلى دمشق والاقامة فيها وجعل يراسل أباه تاج الملوك ويسأله نقله عنها ولم يزل إلى أن أجيب إلى مقترحه وأسعف بمطلبه. فوجد يوسف بن فيروز الغرض الذي يتطلبه قد تسهلت أسبابه فشرع في الحديث فيه والخطاب بسببه والاستعانة بمن يعينه على ذلك من المقدمين والوجوه إلى أن تسهل الأمر وأجيب إليه وعول في تولي أمر تدمر عليه وتسلمها وحصلت في ولايته ورتب فيها ولده مع من وثق به في حفظها والذب عنها من ثقات أصحابه وأمناء نوابه وشرع في تحصينها ومرمتها ولم شعثها وشحنها بالغلة والعدد وحصل فيها كل ما يحتاج مثلها إلى مثله. فلما عرف
стр. 411
من شمس الملوك التنكر عليه وظهر له فساد نيته فيه وبان ذلك له من ثقات يسكن إليهم ولا يشك فيهم وحمله الخوف من المعاجلة له والايقاع به فهم بالهروب إلى تدمر وترقب الفرصة في ذلك إلى أن اتفق لشمس الملوك في بعض الجهات خروج فخرج من البلد آخر النهار وسره مكتوم عن الخل والجار وقصد ضيعته لمشاهدتها وقد استصحب خواص أصحابه وغلمانه ثم تم على حاله مغذاً في سيره مجداً في قصده إلى أن حصل بتدمر آمناً مما توقاه ظافراً بما رجاه. وظهر خبره في غد ذلك اليوم فحين عرف شمس الملوك جلية حاله ضاق صدره لافلاته من يده وتضاعف ندمه لفوات الأمر فيه وكاتبه بما يطيب نفسه ويؤنسه بعد استيحاشه فلم يصغ إلى ذلك بل أجابه جواب الخاضع والطائع والعبد الناصح والمستخدم المخلص ويقول: إنني في هذا المكان خادم في حفظه والذب عنه فلما وقع اليأس وعلم إن المقال لا ينجع حنق عليه وذكره بكل قبيح وأظهر ما يسره في نفسه ولم يعرض لشيء من ملكه وداره وأقطاعه وأهله وأسبابه. وتجدد بعد ذلك ما يذكر في موضعه وكان هروبه في ليلة الجمعة لليلة خلت من المحرم سنة ٥٢٩ من الضيعة الجارية في أقطاعه المعروفة بالمنيحة من الغوطة
وفي هذه السنة شاعت الأخبار في دمشق بين خاصتها وعامتها عن صاحبها الأمير شمس الملوك أبي الفتح إسمعيل بن تاج الملوك بوري بن ظهير الدين أتابك بتناهيه في ارتكاب القبائح المنكرات وإيغاله في اكتساب المآثر المحظورات الدالة على فساد التصور والعقل وصداء الحسن
стр. 412
وظهور الجهل وتبلد الفهم وحب الظلم وعدوله عما عرف فيه من مضاء العزيمة في مصالح الدين والمسارعة إلى الجهاد في الأعداء الملحدين وشرع في مصادرات المتصرفين والعمال وتأول المحال على المستخدمين في الأعمال واستخدم بين يديه كردياً جاءه من ناحية حمص يعرف ببدران الكافر لا يعرف الاسلام ولا قوانينه ولا الدين وشروطه ولا يرقب في مؤمن ولاء ذمة ونصبه لاستخراج مال المصادرين من المتصرفين والأخيار المستورين بفنون قبيحة اخترعها في العقوبات وأنواع مستبشعة في التهديد لهم والمخاطبات. وظهر من شمس الملوك مع هذه الحال القبيحة والأفعال الشنيعة بخل زائد وإشفاق نفس إلى الدنايا متواصل بحيث لا يأنف من تناول الخسيس الحقير بالعدوان وأخذه من غير وجهه بالعتو والطغيان وأشياء من هذا الباب لا حاجة إلى ذكرها لاشاعتها واشتهار أمرها بحيث أنكرت من أفعاله واستبشعت من أمثاله ولم يكفه ما هو عليه من هذه الأفعال الذميمة والخصال المكروهة حتى أسر في نفسه مصادرة كفاته من الكتاب وخواصه من الأمراء والحجاب وعزم على الابتداء أولاً بالحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز أحظى من كان عند أبيه أولاً وعنده ثانياً واشتهر عنه حتى هرب إلى تدمر منه ورأى الغنيمة الكبرى ببعده من شره وراحته من نظره. وكاتب في أثناء هذا الاختلال والاضطراب الأمير عماد الدين أتابك حين عرف اعتزامه على قصد دمشق لمنازلتها ومضايقتها والطمع في ملكتها يبعثه على سرعة الوصول إليها ليسلمها إليه طائعاً ويمكنه من الانتقام من كل من يكرهه من المقدمين والأمراء والأعيان بإهلاكهم وأخذ أموالهم وإخراجهم من منازلهم لأمر تصوره وهذيان في نفسه قرره وتابع الكتب إليه بالمسئلة في الاسراع والبدار وترك التلوم والانتظار ويقول له في أثناء هذا المقال وإن اتق إهمال لهذا الأمر وإغفال أو إمهال أحوجت إلى
стр. 413
استدعاء الافرنج من بلادهم وسلمت إليهم دمشق بما فيها وكان إثم دم من بها في رقبته وأسر ذلك في نفسه ولم يبده لأحد من وجوه دولته وأهل بطانته وكانت كتبه بذلك بخط يده وشرع في نقل المال والأواني والثياب من خزانته إلى حصن صرخد حتى حصل الجميع به ظناً منه إنه يفوز به ويهلك جميع الناس من بعده. فلما بدأ هذا الأمر يظهر واسر فيه ينتشر شرع في القبض على أصحابه وكتابه وعماله وغيرهم من أهل دمشق ومقدمي الضياع امتعض الأمراء والمقدمون ووجوه الغلمان الأتابكية وكافة العسكرية والرعية من هذا الفعل وأشفقوا من الهلاك والبوار إن تم هذا التدبير المذموم لما يعلمون من أفعال عماد الدين أتابك إذا ملك البلد فأجروا الحديث فيما بينهم سراً. وأنهوا الحال فيه إلى والدته الخاتون صفوة الملك فقلقت لذاك وامتعضت منه واستدعته وأنكرته واشتبشعت وحملها فعلها الجميل ودينها القويم وعقها الرصين على النظر في هذا الأمر بما يحسم داءه ويعود بصلاح دمشق ومن حوته وتأملت الأمر في ذلك تأمل الحازم الأريب والمرتأي المصيب فلم تجد لدائه دواء ولا لفمه شفاء إلا بالراحة منه وحسم أسباب الفساد المتزايد عنه وأشار عليها وجوه الغلمان وأكابرهم بذاك واستصوبوا رأيها فيه وبعثوها على المعاجلة له قبل ظهور الشر وفوات الأمر وإنه لا ينفع فيه أمر ولا ينجع معه وعظ. فصرفت الهمة إلى مناجزته وارتقبت الفرصة في خلوته إلى أن تسهل الأمر المطلوب عند خلوته من غلمانه وسلاحيته فأمرت غلمانها بقتله وترك الامهال له غير راحمة له ولا متألمة لفقده لما عرفت من قبيح فعله وفساد عقله وسوء سيرته ومذموم طريقته وأوعزت بإخراجه حين قتل وإلقائه في موضع من الدار ليشاهده غلمانه. وكل سر بمصرعه وابتهج بالراحة منه وبالغ
стр. 414
في شكر الله تعالى على ما سهله فيه وأكثر الدعاء لها والثناء عليها وذلك ضحى نهار يوم الأربعاء الرابع عشر من ربيع الآخر سنة ٥٢٩. وقد كان مولده ليلة الخميس السابع بالعدد من جمادى الآخرة سنة ٥٠٦ في الساعة الثانية منها والطالع برج السرطان أو المشتري فيه كمح مح والمريخ في السنبلة والزهرة في الخامس والعقرب والشمس في
السادس من القوس والقمر وزحل في التاسع وسهم السعادة في العاشرسادس من القوس والقمر وزحل في التاسع وسهم السعادة في العاشر وقد كان المعروف ببدران الكافر لعنه الله في يوم الثلاثاء المتقدم ليوم الأربعاء الذي قتل فيه وقد راح من بين يديه بعد أن أسر إليه بشر يعمل عليه له. فلما حصل في بيته وقت الظهر من يومه المذكور أرسل الله تعالى ذكره عليه آفةً عظيمة أخذت بأنفاسه وربا لسانه حتى ملأ فاه وهلك من وقته وكانت الكائنة في غده فبالغ الكافة في حمد الله تعالى وشكره على هذه الآية الباهرة والقدرة الظاهرة وواصلوا تسبيحه وتقديسه وتمجيده فسبحان مالك الأمر ومدبر الخلق تعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً وفي الوقت نودي بشعار أخيه الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بن أتابك جلس في منصبه بمحضر من والدته خاتون صفوة الملك وحضر الأمراء وأماثل الأجناد وأعيان الرعية فسلموا عليه بالامرة واستحلفوا على الطاعة له ولوالدته والمناصحة في خدمتهما والنصرة لأوليائهما والمجاهدة في أعدائهما وحلف كل منهم بانشراح من صدره وانفساح من أمله وظهر من سرور الكافة خاصيها وعاميها بهذه النوبة السعيدة والأفعال الحميدة ما يزيد على الوصف وأيقنوا بالخلاص من المكروه الذي أشرفوا عليه واستقامت الأحوال وتحققت الآمال وتتابعت المكاتبات في أثناء ذلك من سائر الجهات بوصول عماد الدين في عسكره وقطعه الفرات مجداً لتسلم دمشق من شمس الملوك
стр. 415
صاحبها ووصلت رسله لتقرير الأمر فصادفوا الحال بالضد والتدبير بالعكس إلا إنهم أكرموا وبجلوا وأحسن إليهم وأعيدوا بأجمل جواب وألطف خطاب وأعلم عماد الدين جلية الحال واتفاق الكلمة في حفظ الدولة والذب عن الحوزة والبعث على اجمال الرعاية والعود على أحسن نية فلما انتهى إليه الجواب ووقف عليه لم يحفل به ولا أصاخ إلى استماعه فأوهمته نفسه بالطمع في ملكة دمشق ظناً منه بأن الخلف يقع بين الأمراء والمقدمين من الغلمان فكان الأمر بخلاف ما ظن وواصل الرحيل وأغذاذ السر إلى أن وصل إلى ظاهر دمشق وخيم بأرض عذراء إلى أرض القصير في عسكر كثيف الجمع عظيم السواد في أوائل جمادى الأولى في سنة ٥١٩. وقد كان التأهب له مستعملاً عند ورود أخبار عزيمته وأجفلت الضياع وحصل أهلها في البلد ووقع الاستعداد لمحاربته واللقاء عند منازلته والاجتماع على صده ودفعه ولم تزل الحال على هذه القضية والانتصاب بإزائه على هذه السجية وقد أشعرت النفوس من شدة البأس والصبر على المراس للقائه والتأهب لزحفه ودنوه من البلد وقربه وقد كان رحل عن عذارء ونزل تحت العقبة القبلية وكان يزحف في عسكره وقد فرقه في عدة مواضع كالمراكب حتى تقرب من البلد فيشاهد كثرة من يخرج من البلد والعسكرية وأحداث الرعية بالسلاح الشاك وامتلأ المصلي وسائر الأماكن والكمناء في جميع المسالك ما يروعه ويصده عن الزحف وفي كل يوم يصل من مستأمني عسكره جملة وافرة مع ما ينهب من خيولهم ويقلع من فوارسهم فلما طالت الأيام عليه ولم يحصل على طائل مما حاول ولا مرام راسل في طلب الصلح والدخول في طاعته والتمس خروج الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك إليه لوطء بساط ولد السلطان الواصل معه ويخلع عليه ويعيده إلى بلده وأجمل الخطاب في ذلك والوعد فلم يجب إلى خروج شهاب الدين وتقررت الحال
стр. 416
على خروج أخيه تاج الملوك بهرام شاه بن تاج الملوك. ووافق ذلك وصول الرئيس بشر بن كريم بن بشر رسولاً من الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين إلى عماد الدين أتابك بخلع أعدت له والأمر بالرحيل عن دمشق وترك التعرض لها والوصول إلى العراق لتولي أمره والتدبير له وأن يخطب للسلطان البارسلان المقيم بالموصل
ودخل الرسول المذكور والقاضي بهاء الدين ابن الشهرزوري إلى دمشق لتقرير الأمر ولإحكام القاعدة في الجمعة في الثامن والعشرين من جمادى الأولى فتقرر الأمر ووكدت الايمان وحضرا الجامع لصلاة الجمعة وخطب للسلطان البارسلان على المنبر بأمر أمير المؤمنين وعاد إلى العسكر الأتابكي وخرج بهرام شاه فأكرمه وأعاده على أجمل قضية ورحل في يوم السبت غد ذلك اليوم منكفئاً والقلوب قد أمنت بعد الوجل والنفوس قد سكنت بعد الاضطراب والوهل والشكر له متواصل والثناء عليه متكامل. فلما حصل بحماة أنكر على شمس أمراء الخواص واليها أمراً أظهر له منه وتزايد شكوى أهلها لأصحابه ونوابه فعزله عنها وقرر من رآه في ولايتها. وقد كان ظهر من الأمير شجاع الدولة بزواج ومعين الدين أنر من حسن السياسة في تدبير العسكرية والأجناد عند الترتيب في الحرب ما وافق الأعراض وطابق الاصابة والسداد بحيث شكرا وحمدت مقاصدهما وفي ذي القعدة منها وردت الأخبار من العراق باستشهاد الامام الخليفة المسترشد بالله أبي منصور الفضل بن المستظهر بالله أمير المؤمنين ﵀ عليه ورضوانه
стр. 417
شرح السبب في ذلك
قد مضى ذكر ما كان من الخليفة المفقود في معنى السلطان مسعود بن السلطان محمد بن ملك شاه من تقرير السلطنة له ورد تدبير الأعمال والأمر بالدعاء له على منابر البلاد وتشريفه بالخلع والحملان الكامل. وعقيب هذا الفعل الجميل ظهر لأمير المؤمنين المسترشد بالله أمور أنكرها وبلغته أسباب امتعض منها وبدت منه أفعال أكبرها فرام استعطافه واستعادته إلى الواجب المألوف في طاعة الخلفاء فامتنع وحاول استمالته إلى الصواب المعروف في المناصحة وحسن الوفاء فلم ينفع وبعثه على الحق الذي هو خير من التمادي في الباطل فلم يقبل. فأفضت الحال صرف الهمة العلية المسترشدية إلى مداواة هذا الداء والاستعداد له إلى أن أعضل بالدواء ولم ير فيه أنجع من التأهب لقصده والاحتشاد للإيقاع به وصمده لأن أخباره كانت متناصرةً بعزمه على قصد بغداد والاخراب لها والاعاثة في نواحيها فرأى الصواب في معاجلته ومقابلة فعله بمثله واتفق وصول جماعة من وجوه عسكره ومقدمي جنده لخدمة الخليفة والمعاضدة له على محاربة عدوه وشرعوا في تحريضه على البروز إليه والمسارعة للإطلال عليه فتوجه نحوه في تجمل يعجز عنه الوصف ويقصر دونه النعت وقد اجتمع إليه من أصحاب الأطراف وأصناف الأجناد الخلق الكثير والجم الغفير الذي بمثله قويت نفسه واشتد بأسه ولم يشك أحد في إنه الظافر به والمستولي على حزبه. فلما قرب من مخيمه بناحية همذان ووقع العيان على العيان زحف إليه في عسكره والتقى الجمعان واتفق للقضاء المكتوب والقدر المحجوب إن أمراء الأتراك الواصلين لخدمة
стр. 418
الخليفة في عسكره خامروا عليه بمواطأة كانت وتقريرات تقررت وبانت فانقلبوا عنه وأسلموه وعملوا عليه وأغنموه بحيث تفرقت عنه جماعة وخذله أبطاله وكماته وثبت هو وخواصه في المصاف يقاتلون ولا يولون إلى أن انفل عنه حزبه وضعف أمره وغلب على نفسه فأخذوه ووزيره النقيب وكاتبه سديد الدولة بن الأنباري وصاحب مخزنه وخدمه وخاصته وحملوه مع أصحابه المذكورين إلى خيمه ووكل بجماعة من يحفظهم ويتوثق منهم ويحتاط عليهم
وكتبت المطالعات إلى السلطان سنجر بن ملك شاه صاحب خراسان بصورة الحال والاستئذان بما يعتمد في بابه ووعد السلطان مسعود الخليفة ومن معه بالاطلاق وإعادتهم إلى بغداد وتقرير أمر الخلافة على ما جرى به الرسم قديماً فلما عاد الجواب من السلطان سنجر في هذا الباب وتقرير ما اقتضاه الرأي في أمر الخلافة بين السلطانين المذكورين ندب عدة من الرجال تقدير أربعة عشر رجلاً نسبوا إلى إنهم من الباطنية فقصدوا الخليفة في خيمته وهو مطمئن لا يشعر بما نزل به من البلاء وأحاط به من محتوم القضاء وهجموا عليه فقتلوه في يوم الخميس الثامن عشر من ذي القعدة سنة ٥٢٩ صبراً وقتلوا معه من أصحابه وفراشيه من دافع عنه ومانع دونه. وشاع الخبر بذاك بناحية مراغا على مرحلتين منها ودفن بها واستبشع الناس هذا الفعل الشنيع والقصد الفظيع في حق خليفة الزمان وابن عم رسول الله عليه أفضل الصلاة والرضوان وأكبروا الجرأة على الله والاقدام على هذا المنكر في الاسلام والدم الحرام وأطلقوا الألسنة بالدعاء والذم على من استحسن هذا الفعل القبيح ودبر هذا الخطب الشنيع وتيقن كل إنسان من الخاص والعام إن الله تعالى لا يمهل المقدم عليه ولا يرضى بفعل المجرم إليه لأنه جلت قدرته لا يصلح عمل المفسدين ولا يهدي كيد الخائنين ولا يمهل عقوبة الظالمين
стр. 419
ولما انتهى هذا الخبر إلى ولده ولي عهده تقدم بتحصين بغداد والتأهب لدفع من يقصدها بسوء من الأعداء والمخالفين وبويع بالخلافة في يوم السبت السابع والعشرين من ذي القعدة سنة ٥٢٩ ولقب بالراشد بالله أبي جعفر المنصور بن المسترشد بالله أمير المؤمنين وجلس في منصب الخلافة في ذي الحجة سنة ٥٢٩ واستقام له الأمر وتوكدت له البيعة على الرسم ووعد كافة الأجناد والعسكرية وأماثل الرعية بما طيب نفوسهم وشرح صدورهم وأطلق مال النفقات والواجبات على جاري العادة فكثر الدعاء له والثناء عليه وسكنت الدهماء
стр. 420
سنة ثلاثين وخمسمائة
في المحرم منها وردت الأخبار من ناحية العراق بقتل الأمير دبيس بن صدقة بن مزيد قتله السلطان مسعود بن محمد لأمور أنكرها وأسباب
стр. 421
امتعض منها نسبت إليه وقيل إن هذا مكافأة من الله تعالى له عما كان منه في عصيان الخليفة الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين والسعاية في دمه. وكان هذا الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين ﵀ عالماً تقياً فاضلاً حسن الخط بليغاً نافذاً في أكثر العلوم عارفاً بالفتوى واختلاف الفقهاء فيها أشقر الشعر أشهل العينين بوجهه نمش وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وما الله بغافل عما يعمل الظالمون. وفي شهر ربيع الأول منها تسلم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك مدينة حمص وقلعتها
شرح الحال في ذلك
لما عرف من كان بحمص وقلعتها من أولاد خيرخان بن قراجه وخمارتاش الوالي من قبلهم فيها ما استمر عليها من مضايقة الأمير عماد الدين أتابك لها وبذل جهده وحرصه في تملكها وأخذها وأخذه حماة المجاور لها وجده في طلبها وإضعاف أهلها ومواصلة الغارات عليها وإنهم لا طاقة لهم بضبطها لقلة القوت بها وعدم الميرة فيها أنفذوا رسلهم إلى شهاب الدين يلتمسون منه إنفاذ من يراه لتسلم حمص وقلعتها ويعوضهم عنها بما يتفق عليه الرأي. وتوسط الحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز المقيم بتدبير الأمر في ذلك طمعاً في الكون بها والانتقال من تدمر إليها لكونها من الأماكن الحصينة والقلاع المنيعة واستأذن في الوصول إلى دمشق للحديث وتقرير الحال في ذلك فأذن له ووصل إلى دمشق وجرى في ذلك خطاب طويل أفضى آخره إلى أن تسلم حمص وقلعتها إلى شهاب الدين
стр. 422
وتسلم إلى خمارتاش تدمر عوضاً عنها ووقع الشرط واليمين على هذه الصفة. وبرز شهاب الدين من دمشق في العسكر وتوجه إليها فحين حصل بها نزل خمارتاش من القلعة وأولاد خيرخان وأهله بما يخصهم وسلموها إليه فتسلمها يوم الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٥٣٠ وحصل بها ورتب أمرها وقرر ولايتها للحاجب يوسف بن فيروز وأن يكون فيها نائباً عن الأمير معين الدين أنر الأتابكي حسب ما استقر وكتب إلى الجهات والأطراف بحمل الأقوات إليها والتقوية لها بالميرة وعاد شهاب الدين عنها بعد تقرير أمرها منكفئاً إلى دمشق. وشرع الأمير سوار النائب عن عماد الدين في حلب ومن بحماة من قبله في الغارات على أعمال حمص ورعي زرعها وجرى في ذلك مراسلات ومخاطبات أسفرت عن المهادنة والموادعة والمسالمة إلى أمد معلوم وأجل مفهوم بحيث انحسمت أسباب الفساد عن الجهتين واستقامت أحوال الجانبين وفي يوم الأحد الرابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة خلع شهاب الدين على أمين الدولة كمشتكين الأتابكي والي صرخد وبصرى الخلع التامة ورد إليه اسفهسلارية العسكرية وخوطب بالأتابكية وأنزل في دار الكبيرة الأتابكية بدمشق وحضر الناس لهنائه فيها وأوعز إلى الكافة باتباع رأيه والامتثال لأمره. وفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة قتل الحاجب يوسف بن فيروز في ميدان المصلى بدمشق
стр. 423
شرح السبب في ذلك
كان الحاجب يوسف بن فيروز المقدم ذكره عند كونه في خدمة شمس الملوك إسمعيل بن تاج الملوك وتمكنه عنده وارتفاع طبقته لديه قد اعتمد في حق مقدمي الغلمان الأتابكية ما أوحشهم منه وبلغهم ما ضيق صدورهم عنه وأسروا ذلك في نفوسهم وأخفوه في قلوبهم لا سيما ما قصده في نوبة الغلمان الذين قتلهم شمس الملوك مع أخيه سونج بن تاج الملوك بسبب اتهمهم بكونهم مع ايلبا الغلام التركي الذي كان وثب على شمس الملوك وضربه بالسيف طالباً قتله فسلمه الله منهم ونجاه حسب ما تقدم به الشرح وكونه أكبر السعاة عليهم والسبب في قتلهم على عادة قد ألفيت من فعله وطريقة قد عرفت من طبعه وقد كان حصل بتدمر وأهمل أمره ونسي ما سبق به شره. فلما راسل من تدمر من يطلب الأذن في الوصول إلى دمشق لتقرير أمر حمص وأوجب إلى الأذن في ذلك أنكر الأمير شجاع الدولة بزواج والحاجب سنقر وأكابر الغلمان الأتابكية الأذن له في ذلك وامتعضوا من وصوله كل الامتعاض لما عرفوا من سوء فعله ومشهور سعيه وختله وأشاعوا بينهم ما هم عازمون عليه من العمل على قتله. ونصحه أهل وده والاشفاق عليه والمتقربين إليه بذاك فأبى القبول منهم وأخذ النصح منهم وقويت نفسه على التغرير بها والمخاطرة باتباع هوائها. وتمسك بمدافعة الأمير معين الدين عنه والمنع منه لصداقة كانت بينهما قد استحكمت قواها ووصلة انعقدت وأحكمت عراها ولما وصل إلى دمشق توثق لنفسه من الجماعة بأيمان سكنت إليها نفسه وتوكد معها أنسه وقرر معه إنه يكون يحضر للسلام في كل يوم ويعود إلى داره ويقنع بالكون في ملكة دمشق والتنقل منها إلى حمص ولا يداخل نفسه في أمر غير ذلك
стр. 424
فما هو إلا إن حصل بها وجعل يدبر أمراً غير خاف ويقرر تقريراً غير مكتوم ولا مستتر فأثار بذلك ما كان في نفوس الغلمان كامناً وحرك ما كان في القلوب ساكناً. ووجد الأمير بزواج والغلمان السبيل إلى نقض ما عوهدوا عليه باعتماده المخالفة لما قرروه معه وسكنوا إليه ولاحت الفرصة لهم فيه ولما كان في يوم المقدم ذكره وقد تقرر الأمر بينهم على الفتك به صادفه شجاع الدولة بزواج المقدم ذكره في الميدان المجاور للمصلى بظاهر دمشق فماشاه ساعةً بالحديث وقد خلا من أصحابه وأغفله وجرد سيفه وضربه به ضربةً عظيمةً في وجهه إلى رأسه وثنى بأخرى فسقط إلى الأرض وأجهز عليه آخر من الغلمان ولم يتجاسر أحد من أصحابه من الدنو منه ولا الدفع عنه لقوة شوكة الغلمان واتفاق كلمتهم على قتله وانهزم شهاب الدين وأصحابه من الميدان إلى داره وبقي ساعةً مطروحاً على الأرض في الميدان يشاهد مصرعه ويعتبر اللبيب بمنظره ثم حمل إلى المسجد الذي بناه فيروز أبوه بالعقيبية فدفن عند قبره في يومه في تربته. وأنفذ بزواج وسنقر وجماعة الغلمان إلى شهاب الدين ووالدته الخاتون مراسلات ومعاتبات على ما اعتمداه من الأذن له في العود إلى دمشق بعد ما كان من فعله في حق من قتل بسعيه من الغلمان واشترطوا أموراً وقع الآباء لها والاستيحاش منها ومن طلب مثلها وامتنع الغلمان وأكثر الأتراك من الدخول إلى البلد والعود إلى دورهم إلا بعد تقرير أمر بزواج وجماعة الغلمان والدخول فيما راموه وتطييب نفوسهم بالاجابة إلى ما حاولوه واندفعوا إلى ناحية المرج فنزلوا فيه وخيموا في ناحية من نواحيه وترددت بينهما مراسلات لم تسفر عن سداد ولا نيل مراد فأظهروا الخلاف
стр. 425
وكاشفوا بالعصيان والانحراف وعمدوا إلى خيل الجشار فاستاقوها واشتملوا على جميعها وهي العدد الكثير لسائر الأمراء والعسكرية والرعية من أنواع الدواب ولها قيمة عظيمة وتوجهوا بها في يوم الجمعة السابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة من تل راهط إلى ناحية المرج. وخرج إليهم من بقي في البلد من العسكر مع الأمراء والمقدمين وهم منهم أكثر عدداً وأتم عدداً طلباً للإيقاع بهم وتخليص الجشار من أيديهم فما أغنوا فتيلاً ولا أعادوا مما أخذوا كثيراً ولا قليلاً ورحلوا به إلى صوب بعلبك. فخرج إليهم الأمير شمس الدولة محمد ابن تاج الملوك صاحبها ووقعت الموافقة والمعاهدة بينهم على إقامته والدخول في طاعته والمناصحة في خدمته واجتمع إليه خلق كثير من التركمان فأخافوا السبيل وشرعوا في العيث والفساد واقتضت الحال مراسلتهم بالملاطفة ودعاهم إلى الطاعة وترك المخالفة وتطييب نفوسهم وبعثهم على العود إلى ما كانوا عليه والاجابة إلى ما اقترحوا وأشاروا إليه واستقرت الحال على مرادهم وأخذت الأيمان الموكدة عليهم ولهم بالوفاء واستعمال الاخلاص والصفاء وأذن لهم في العود فعادوا إلى البلد وخيم بزواج وجماعته بجسر الخشب وامتنع من الدخول إلى داره لما رأه وجال في نفسه. واتفق الرأي على خروج شهاب الدين في العسكر إلى ناحية حوران على الرسم في ذلك والاجتماع هناك وتقرير ما يجب تقريره من الأحوال والبعث على تحصيل الغلال واتفق الرأي في أوائل شعبان على تقديم بزواج على سائر الأجناد والغلمان ورد إليه الاسفهسلارية وخوطب بالأتابكية وكتب بجمال الدين مضافاً إلى ألقابه فاستقام له الأمر ونفذ في النفع والضر
следующие страницы →