← История

История · id 22799

تاريخ دمشق لابن القلانسي

ابن القلانسي

Полный текст (573 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

امتعض منها نسبت إليه وقيل إن هذا مكافأة من الله تعالى له عما كان منه في عصيان الخليفة الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين والسعاية في دمه. وكان هذا الخليفة المسترشد بالله أمير المؤمنين ﵀ عالماً تقياً فاضلاً حسن الخط بليغاً نافذاً في أكثر العلوم عارفاً بالفتوى واختلاف الفقهاء فيها أشقر الشعر أشهل العينين بوجهه نمش وكانت مدة خلافته سبع عشرة سنة وما الله بغافل عما يعمل الظالمون. وفي شهر ربيع الأول منها تسلم الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك مدينة حمص وقلعتها شرح الحال في ذلك لما عرف من كان بحمص وقلعتها من أولاد خيرخان بن قراجه وخمارتاش الوالي من قبلهم فيها ما استمر عليها من مضايقة الأمير عماد الدين أتابك لها وبذل جهده وحرصه في تملكها وأخذها وأخذه حماة المجاور لها وجده في طلبها وإضعاف أهلها ومواصلة الغارات عليها وإنهم لا طاقة لهم بضبطها لقلة القوت بها وعدم الميرة فيها أنفذوا رسلهم إلى شهاب الدين يلتمسون منه إنفاذ من يراه لتسلم حمص وقلعتها ويعوضهم عنها بما يتفق عليه الرأي. وتوسط الحاجب سيف الدولة يوسف بن فيروز المقيم بتدبير الأمر في ذلك طمعاً في الكون بها والانتقال من تدمر إليها لكونها من الأماكن الحصينة والقلاع المنيعة واستأذن في الوصول إلى دمشق للحديث وتقرير الحال في ذلك فأذن له ووصل إلى دمشق وجرى في ذلك خطاب طويل أفضى آخره إلى أن تسلم حمص وقلعتها إلى شهاب الدين

стр. 422

وتسلم إلى خمارتاش تدمر عوضاً عنها ووقع الشرط واليمين على هذه الصفة. وبرز شهاب الدين من دمشق في العسكر وتوجه إليها فحين حصل بها نزل خمارتاش من القلعة وأولاد خيرخان وأهله بما يخصهم وسلموها إليه فتسلمها يوم الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ٥٣٠ وحصل بها ورتب أمرها وقرر ولايتها للحاجب يوسف بن فيروز وأن يكون فيها نائباً عن الأمير معين الدين أنر الأتابكي حسب ما استقر وكتب إلى الجهات والأطراف بحمل الأقوات إليها والتقوية لها بالميرة وعاد شهاب الدين عنها بعد تقرير أمرها منكفئاً إلى دمشق. وشرع الأمير سوار النائب عن عماد الدين في حلب ومن بحماة من قبله في الغارات على أعمال حمص ورعي زرعها وجرى في ذلك مراسلات ومخاطبات أسفرت عن المهادنة والموادعة والمسالمة إلى أمد معلوم وأجل مفهوم بحيث انحسمت أسباب الفساد عن الجهتين واستقامت أحوال الجانبين وفي يوم الأحد الرابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة خلع شهاب الدين على أمين الدولة كمشتكين الأتابكي والي صرخد وبصرى الخلع التامة ورد إليه اسفهسلارية العسكرية وخوطب بالأتابكية وأنزل في دار الكبيرة الأتابكية بدمشق وحضر الناس لهنائه فيها وأوعز إلى الكافة باتباع رأيه والامتثال لأمره. وفي يوم الأربعاء السابع والعشرين من جمادى الآخرة من هذه السنة قتل الحاجب يوسف بن فيروز في ميدان المصلى بدمشق

стр. 423

شرح السبب في ذلك كان الحاجب يوسف بن فيروز المقدم ذكره عند كونه في خدمة شمس الملوك إسمعيل بن تاج الملوك وتمكنه عنده وارتفاع طبقته لديه قد اعتمد في حق مقدمي الغلمان الأتابكية ما أوحشهم منه وبلغهم ما ضيق صدورهم عنه وأسروا ذلك في نفوسهم وأخفوه في قلوبهم لا سيما ما قصده في نوبة الغلمان الذين قتلهم شمس الملوك مع أخيه سونج بن تاج الملوك بسبب اتهمهم بكونهم مع ايلبا الغلام التركي الذي كان وثب على شمس الملوك وضربه بالسيف طالباً قتله فسلمه الله منهم ونجاه حسب ما تقدم به الشرح وكونه أكبر السعاة عليهم والسبب في قتلهم على عادة قد ألفيت من فعله وطريقة قد عرفت من طبعه وقد كان حصل بتدمر وأهمل أمره ونسي ما سبق به شره. فلما راسل من تدمر من يطلب الأذن في الوصول إلى دمشق لتقرير أمر حمص وأوجب إلى الأذن في ذلك أنكر الأمير شجاع الدولة بزواج والحاجب سنقر وأكابر الغلمان الأتابكية الأذن له في ذلك وامتعضوا من وصوله كل الامتعاض لما عرفوا من سوء فعله ومشهور سعيه وختله وأشاعوا بينهم ما هم عازمون عليه من العمل على قتله. ونصحه أهل وده والاشفاق عليه والمتقربين إليه بذاك فأبى القبول منهم وأخذ النصح منهم وقويت نفسه على التغرير بها والمخاطرة باتباع هوائها. وتمسك بمدافعة الأمير معين الدين عنه والمنع منه لصداقة كانت بينهما قد استحكمت قواها ووصلة انعقدت وأحكمت عراها ولما وصل إلى دمشق توثق لنفسه من الجماعة بأيمان سكنت إليها نفسه وتوكد معها أنسه وقرر معه إنه يكون يحضر للسلام في كل يوم ويعود إلى داره ويقنع بالكون في ملكة دمشق والتنقل منها إلى حمص ولا يداخل نفسه في أمر غير ذلك

стр. 424

فما هو إلا إن حصل بها وجعل يدبر أمراً غير خاف ويقرر تقريراً غير مكتوم ولا مستتر فأثار بذلك ما كان في نفوس الغلمان كامناً وحرك ما كان في القلوب ساكناً. ووجد الأمير بزواج والغلمان السبيل إلى نقض ما عوهدوا عليه باعتماده المخالفة لما قرروه معه وسكنوا إليه ولاحت الفرصة لهم فيه ولما كان في يوم المقدم ذكره وقد تقرر الأمر بينهم على الفتك به صادفه شجاع الدولة بزواج المقدم ذكره في الميدان المجاور للمصلى بظاهر دمشق فماشاه ساعةً بالحديث وقد خلا من أصحابه وأغفله وجرد سيفه وضربه به ضربةً عظيمةً في وجهه إلى رأسه وثنى بأخرى فسقط إلى الأرض وأجهز عليه آخر من الغلمان ولم يتجاسر أحد من أصحابه من الدنو منه ولا الدفع عنه لقوة شوكة الغلمان واتفاق كلمتهم على قتله وانهزم شهاب الدين وأصحابه من الميدان إلى داره وبقي ساعةً مطروحاً على الأرض في الميدان يشاهد مصرعه ويعتبر اللبيب بمنظره ثم حمل إلى المسجد الذي بناه فيروز أبوه بالعقيبية فدفن عند قبره في يومه في تربته. وأنفذ بزواج وسنقر وجماعة الغلمان إلى شهاب الدين ووالدته الخاتون مراسلات ومعاتبات على ما اعتمداه من الأذن له في العود إلى دمشق بعد ما كان من فعله في حق من قتل بسعيه من الغلمان واشترطوا أموراً وقع الآباء لها والاستيحاش منها ومن طلب مثلها وامتنع الغلمان وأكثر الأتراك من الدخول إلى البلد والعود إلى دورهم إلا بعد تقرير أمر بزواج وجماعة الغلمان والدخول فيما راموه وتطييب نفوسهم بالاجابة إلى ما حاولوه واندفعوا إلى ناحية المرج فنزلوا فيه وخيموا في ناحية من نواحيه وترددت بينهما مراسلات لم تسفر عن سداد ولا نيل مراد فأظهروا الخلاف

стр. 425

وكاشفوا بالعصيان والانحراف وعمدوا إلى خيل الجشار فاستاقوها واشتملوا على جميعها وهي العدد الكثير لسائر الأمراء والعسكرية والرعية من أنواع الدواب ولها قيمة عظيمة وتوجهوا بها في يوم الجمعة السابع والعشرين من جمادى الأولى من السنة من تل راهط إلى ناحية المرج. وخرج إليهم من بقي في البلد من العسكر مع الأمراء والمقدمين وهم منهم أكثر عدداً وأتم عدداً طلباً للإيقاع بهم وتخليص الجشار من أيديهم فما أغنوا فتيلاً ولا أعادوا مما أخذوا كثيراً ولا قليلاً ورحلوا به إلى صوب بعلبك. فخرج إليهم الأمير شمس الدولة محمد ابن تاج الملوك صاحبها ووقعت الموافقة والمعاهدة بينهم على إقامته والدخول في طاعته والمناصحة في خدمته واجتمع إليه خلق كثير من التركمان فأخافوا السبيل وشرعوا في العيث والفساد واقتضت الحال مراسلتهم بالملاطفة ودعاهم إلى الطاعة وترك المخالفة وتطييب نفوسهم وبعثهم على العود إلى ما كانوا عليه والاجابة إلى ما اقترحوا وأشاروا إليه واستقرت الحال على مرادهم وأخذت الأيمان الموكدة عليهم ولهم بالوفاء واستعمال الاخلاص والصفاء وأذن لهم في العود فعادوا إلى البلد وخيم بزواج وجماعته بجسر الخشب وامتنع من الدخول إلى داره لما رأه وجال في نفسه. واتفق الرأي على خروج شهاب الدين في العسكر إلى ناحية حوران على الرسم في ذلك والاجتماع هناك وتقرير ما يجب تقريره من الأحوال والبعث على تحصيل الغلال واتفق الرأي في أوائل شعبان على تقديم بزواج على سائر الأجناد والغلمان ورد إليه الاسفهسلارية وخوطب بالأتابكية وكتب بجمال الدين مضافاً إلى ألقابه فاستقام له الأمر ونفذ في النفع والضر

стр. 426

وفي العشر الأول من رجب من السنة خرج أمين الدولة كمشتكين الأتابكي والي صرخد من دمشق مظهراً قصد الصيد والإشراف على ضياعه لأجل الجراد الظاهر بها في خواصه وثقله وفي النفس ضد ذاك فلما توارى عن البلد أغذ السير قاصداً سمت صرخد ومفارقاً لما كان فيه خوفاً على نفسه من الغلمان بحيث حصل بها وسكنت نفسه من الخوف فيها. ثم روسل بالاستعطاف والتلطف في العود إلى داره ومنزلته والانكفاء إلى رتبته فأبى واحتج بأسباب ذكرها وأحوال شرحها ونشرها فوقع السلو عنه واليأس منه وفي يوم السبت الثالث عشر من شعبان سنة ٥٣٠ وردت الأخبار من ناحية الشمال بنهوض الأمير مسعود سوار من حلب فيمن انضم إليه من التركمان إلى الأعمال الافرنجية فاستولوا على أكثرها وامتلأت أيديهم بما حازوه من غنائمها وتناصرت الأخبار بهذا الظفر من جميع الجهات والاستكثار لذلك والتعظيم له ولقد ورد كتاب من شيزر يتضمن البشرى بهذه النوبة ويشرحها على جليتها فأثبت مضمونه في هذا الموضع تأكيداً للخبر وتصديقاً لما وصف وذكر وهو: إن المتجدد عندنا بهذه الناحية ما يجب علينا من حيث الدين أن نذيعه ونبشر به كافة المسلمين فإن التركمان كثرهم الله ونصرهم اجتمعوا في ثلاثة ألف فارس جريدةً معدةً ونهضوا إلى بلاد اللاذقية وأعمالها بغتةً بعد اليأس منهم وقلة الاحتراز من غارتهم وعادوا من هذه الغزاة إلى شيزر يوم الأربعاء حادي عشر رجب ومعهم زيادة عن سبعة ألف أسير ما بين رجل وامرأة وصبي وصبية ومائة ألف رأس دواب ما بين بقر وغنم وخيل وحمر والذي حازوه واحتاجوه يزيد عن مائة قرية كبار وصغار وهم متواصلون بحيث قد امتلأت الشام من الأسارى والدواب. وهذه نكبة ما مني الافرنج الشماليون بمثلها وبعد هذا لا يبع منهم أسير إلا بثمنه ولا نقص السعر الأول وهم سائرون بهم إلى حلب وديار بكر والجزيرة

стр. 427

وفي آخر نهار يوم الأربعاء الرابع وعشرين من أيار طلع على دمشق سحاب أسود أظلمت الدنيا له وصار الجو كالليل ثم طلع بعد ذلك سحاب أحمر أضاءت الدنيا منه وصار الناظر إليه يظن إنه نار موقدة وكان قد هب قبل ذلك ريح عاصف شديدة أذت كثيراً من الشجر وقيل إنه في هذا الوقت والساعة جاء في حوران برد كبار ومطر شديد بحيث جرت منهما الأودية وجاء في الليلة مطر عظيم زاد منه برداً زيادةً لم ير مثلها عظماً وفي المحرم من هذه السنة في الثالث عشر منه أرسل الله تعالى من الغيث ما طبق الأعمال الدمشقية بحيث سالت به الأودية والشعاب وزاد المد في الأنهار بحيث اختلطت وانكسر نهر يزيد ونهر باناس والقنوات والتقت المياه وبطلت الأرحية ودخل المال إلى بعض بيوت العقيبة وذكر جماعة من الشيوخ المعمرين إنهم لم يشاهدوا في مثل هذا الوقت مثل ذلك وفي شعبان من هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بأن السلطان مسعود ابن محمد بن ملك شاه حضر بغداد وضايق الامام الخليفة الراشد بالله بن الامام المسترشد بالله أمير المؤمنين ومعه السلطان داود ابن أخيه والأمير عماد الدين أتابك زنكي بن اق سنقر واقتضى التدبير حين لم ينل منها غرض ولم يظفر بمراد ولا بد من اللقاء والمحاربة العود عنها فعاد السلطان داود إلى بلاده وعماد الدين أتابك إلى الموصل وأقام السلطان مسعود على رسمه في بغداد وحين رأى الامام الراشد بالله إقامة السلطان على الاستيحاش منه زادت وحشته وعلم إنه لا طاقة له بالمقام معه وخاف على نفسه فتبع عماد الدين إلى الموصل ونزل بظاهرها وخيم به كالمستجير والعائذ به. وحين خلت بغداد من الخليفة وتدبيره تمكن

стр. 428

من كل ما يريد فعله ويروم قصده فأقام في منصب الخلافة أبا عبد الله محمد أخا المسترشد بالله ولقبه المقتفي لأمر الله وعمره أربعون سنةً وأخذ البيعة له على جاري الرسم وخطب له على المنابر في بلاده فقط في ذي القعدة سنة ٥٣٠ وبقي الأمر واقفاً إلى أن تقرر الصلح بين السلطان مسعود وبين عماد الدين أتابك في سنة ٥٣١ فخطب له وللسلطان في الموصل وسائر الأعمال وسيأتي ذكر ذلك مشروحاً في موضعه وفي هذه السنة سنة ٥٣٠ تشتى السلطان مسعود ببغداد وأتابك عماد الدين والامام الراشد بالله ووزيره جلال الدين أبو الرضا بن صدقة بظاهر الموصل وفيها وردت الأخبار في ذي القعدة منها بظهور متملك الروم من القسطنطينية وحكي إن طالع ظهوره كان عشر درج من الميزان وإن الزهرة والمشتري في العاشر والشمس في الأسد والمريخ في السابع والله أعلم بالغيب. وفي يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان من السنة قتل الرئيس محيي الدين أبو الذواد المفرج بن الحسن بن الحسين الصوفي رئيس دمشق بظاهر المسجد الجديد قبلي المصلى في اليوم المذكور والسبب في ذلك إن الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك صاحب دمشق والأمير بزواج والحاجب سنقر كانوا قد أنكروا عليه أموراً بلغتهم عنه وأحوالاً استوحشوا بسببها منها فشرعوا في افساد حاله وتحدثوا في أخذ ماله وتقررت الحال فيما

стр. 429

بينهم على هذه الصورة في المخيم بحوران وكان الرئيس المذكور قد فارقهم من حوران وعاد إلى البلد لمداواة مرض عرض له. فلما استقر الأمر بينهم على هذه القضية وعادوا إلى البلد وخرج الرئيس المذكور في جماعة لتلقيهم فحين سلم عليهم وافق ذاك حديث جرى بينهم في معنى المعاملات أجاب عنه جواباً غلظ عليهم وأنكروه منه فعادوا لذاك عن القبض عليه إلى القتل له. وقد كان بلغه اعتزامهم على إفساد حاله بأخذ ماله وأشير عليه بالاحتياط على نفسه والتحيل في دفع الضرر عنها فلم يقبل للأمر المقضي والقدر النازل فقتل مظلوماً ﵀ بغير استحقاق للقتل ومضى شهيداً واعتقل باقي أقاربه والتمسوا الاذن لهم بعد أيام في التوجه إلى صرخد دفعاً للشر واخماداً لنار الفتنة فأذن لهم في ذلك فتوجه من توجه منهم إليها وفي هذه السنة في أواخرها حضر المعروف بالأصمعي الديوان الشهابي والتمس الاذن له في ضرب الدينار في دمشق على أن يكون عياره نصف وربع وثمن دينار خلاصاً والباقي من الفضة والنحاس وكرر الخطاب إلى أن أجيب إلى ما طلب وتقرر ضربه على هذه السجية وأن ينقش السكة باسم الامام الراشد بالله أمير المؤمنين والسلطان المعظم مسعود وشهاب الدين. ولما وردت الأخبار بأخذ السلطان البيعة للامام المتقي لأمر الله وتوجه الراشد بالله إلى ناحية الموصل وأظهر السلطان رقعةً بخط الراشد بالله تتضمن إنه متى خرج من داره وقصد محاربة السلطان أو أباح دماً محرماً بغير واجب أو مد يداً إلى أخذ مال من غير حله ولا جهته كانت بيعته باطلة وخرج من عهدة الخلافة وكان متعدياً للواجب وبذاك أشهد على نفسه القضاة والفقهاء والأعيان فكان ذلك أوكد الحجة في خلعه ونقض أمره

стр. 430

سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة في هذه السنة وردت الأخبار بظهور متملك الروم كيالياني من القسطنطينية في ذي القعدة سنة ٣٠ وقيل بل أول المحرم سنة ٥٣١ ووصل إلى جزيرة انطاكية وأقام بها إلى أن وصلت مراكبه البحرية بالأثقال والميرة والمال والعدد في عاشر نيسان ونزل على نيقية فملكها وقيل بل هادنه عليها أهلها ووصل إلى الثغور وتسلم اذنة والمصيصة وغيرهما وحاصر عين زربة وملكها عنوةً. وقيل في التاريخ إن أمير المؤمنين المأمون بالله ابن الرشيد بالله كان عمر عين زربة عند الاجتياز بها لما ورد إلى هذه الجهات وأنفق على عمارتها مائة وسبعين ألف دينار مع جاه الخلافة والسلطنة والقدرة وكان يعمل فيها كل يوم أربعون ألف فاعل سوى البنائين والحدادين والنجارين. وملك تل حمدون وحمل أهله إلى جزيرة قبرص وكان صاحبه ابن هيثم الأرمني ثم عمر مينا الاسكندرية ثم خرج إلى انطاكية ونزل عليها وضايق أهلها في سلخ ذي القعدة وجرى بينه وبين صاحبها ريمند ابن مدقين كذا مصالحة ورحل عائداً إلى الدروب فافتتح ما بقي في يد ابن ليون الأرمني من الحصون وشتى بها وفي رجب من السنة نهض الأمير بزواج في فريق وافر من العسكر الدمشقي من التركمان إلى ناحية طرابلس فظهر إليه قومصها في عسكره والتقيا فكسره بزواج وقتل منهم جماعة وافرة وملك حصن وادي ابن الأحمر وغيره.

стр. 431

وفي رجب أيضاً نهض ابن صلاح والي حماة في رجاله إلى حصن الخربة فملكه وفي شعبان منها ورد الخبر بأن عماد الدين أتابك بن اق سنقر توجه في عسكره من ناحية الموصل وقطع الفرات في العشر الأول منه ووصل إلى حمص وكان قد تقدمه إليها صلاح الدين في أوائل العسكر ونزلا عليها وضايقاها وفيها الأمير معين الدين أنر واليها فراسله في تسليمها فاحتج عليه بأنها للأمير شهاب الدين وإنه نائبه فيها فنصب الحرب عليها والمضايقة لها أياماً ولم يحظ منها بطائل فرحل عنها في العشرين من شوال من السنة ونزل على الحصن المعروف ببعرين لينتزعه من أيدي الافرنج. فلما عرفوا ذاك تجمعوا ونزلوا قريباً لحمايته ومعونة من فيه منهم فحين عرف عماد الدين خبرها كمن لهم كميناً والتقى الجمعان فانهزم فريق من الأتراك بين أيدي الافرنج وقتلوا منهم جماعة وافرة عند عودهم إلى منزل مخيمهم وظهر عليهم عماد الدين في من كمن لهم من الكمناء وأوقع الرجالة وملك الأثقال والسواد وحين قربوا من المخيم وشاهدوا ما نزل عليهم وحل بهم انخذلوا وفشلوا وحمل عليهم عسكر عماد الدين فكسرهم ومحقهم قتلاً وأسراً وحصل لهم من الغنائم الشيء الكثير من الكراع والسواد والأثاث وعاد عماد الدين إلى حصن بعرين. وقد انهزم إليه ملكهم كند اياجور ومن يجامعه من مقدمي الافرنج وهم على غاية من الضعف والخوف فنزل عليهم وحصرهم في الحصن المذكور ولم يزالوا على هذه الحال في المضايقة والمحاربة إلى أن نفد ما عندهم من القوت فأكلوا خيلهم وتجمع من بقي من الافرنج في بلادهم ومعاقلهم وانضموا إلى ابن جوسلين وصاحب انطاكية واحتشدوا

стр. 432

وساروا طالبين نصرة المخذولين المحصورين في حصن بعرين وتخلصهم مما هم فيه من الشدة والخوف والهلاك فحين قربوا من عسكر أتابك وصح الخبر عنده بذاك اقتضت الحال إن أمنهم وعاهدهم على ما اقترحه عليهم من طاعته وقرر عليهم خمسين ألف دينار يحملونها إليه وأطلقهم وتسلم الحصن منهم وعاد من كان اجتمع لنصرتهم وفي شهر رمضان منها ورد الخبر بأن الامام الخليفة الراشد بالله أمير المؤمنين ابن المسترشد بالله كان قد فصل عن الموصل قاصداً إلى مراغة وإنه اجتمع بالسلطان داود بن محمود وجرى بينهما أحاديث وتقريرات قررها كل واحد منهما مع الآخر.

стр. 433

ووردت الأخبار من ناحية الشمال بأن الأمير عماد الدين أتابك رحل في عسكره عن حلب في يوم الجمعة السادس عشر من شهر رمضان من السنة ونزل على حمص وخيم بها وقاتلها ووصل إليه رسول متملك الروم

стр. 434

ووردت الأخبار من ناحية العراق بالتقاء عسكري السلطان مسعود وأخيه كذا داود وإن عسكر السلطان مسعود ظهر على عسكر السلطان داود وكسره وقتل من مقدميه وأجناده جماعةً وافرةً من السنة كذا وفي سنة ٥٣١ ترددت المراسلات من الأمير شجاع الدولة أبي الفوارس المسيب ابن علي بن الحسين الصوفي وجماعة المقيمين بصرخد وكتب الأمير أمين الدولة كمشتكين الأتابكي الوالي بصرخد إلى الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك وإلى الأمير شجاع الدولة بزواج والحاجب أسد الدين أكز في التماس الاذن لهم في العود إلى دمشق والسؤال

стр. 435

في إعادة ما قبض من أملاكهم إليهم وإعادة كل مغصوب منها عليهم ولم تزل المراسلات في هذا الباب متناصرة والكتب في طلبه متواترة إلى أن تقررت الحال في ذلك والاجابة إليه على مصالحة معينة مقسطة برسم واجبات الأجناد يقومون بها في أنجمها المعينة وأوقاتها المبينة تصلح الأحوال بتأديها وتتحقق الآمال بتملكها وإن يرد أمر الرئاسة في البلد إلى الأمير المقدم ذكره وكتب له المنشور بالرئاسة ونعت فيه مع أوصافه بالأمير الرئيس الأجل مؤيد الدين ممهد الاسلام مضافاً إلى ألقابه ونعوته المتقدمة وأن يكون الرسم في الرئاسة جارياً على العادة المستمرة والقاعدة المقيمة المستقرة في الحمايات والواجبات والرسوم الجاريات في دار الوكالة وسائر العراض ونفذت الكتب إليهم بالاجابة إلى ما التمسوه والاسعاف بما اقترحوه والاذن لهم في العود إلى البلد واثقين بما يقدمون عليه من حفظ الحرمة وحراسة الحشمة والتطييب بالنفس وتأكيد الأنس. فعند الوقوف على ما صدر إليهم من هذه الحال سرت به نفوسهم وابتهجت بمعرفته قلوبهم وشرعوا في التأهب للعود بصدور منشرحة وآمال منفسحة وعادوا بأسرهم وحين قربوا من البلد خرج كل من فيه من خاص وعام لتلقيهم وإظهار السرور والاستبشار بعودهم والاغتباط والابتهاد بمقدمهم ودخلوا البلد في العشر الأول من رجب من السنة المذكورة فاستقامت أحوالهم على منهج السداد واستمرت على قضية الايثار والمراد وأعيد عليهم جميع ما اعترض لهم من ملك وغيره وأجروا على كل رسم جميل واكرام وتبجيل. فكم من شدة فرجها الله تعالى ذكره بعد اشتدادها وغمة كشفها بلطفه بعد اظلامها ربّما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجةٌ كحلّ العقال وفي هذه السنة ورد الخبر من ناحية مصر بأن مقدم الأرمن بها

стр. 436

قام في حزبه على صاحبها الامام الحافظ لدين الله أبي الميمون عبد المجيد وزحف إليه في قصره وأقام عليه كالمحاصر له فعاد أكثر الجند عنه خوفاً وقتلاً فانخذل وانهزم. وقيل إن السبب في ذلك كون أخ لمقدم الأرمن في الصعيد ورد عليه خبر قتله فغلظ هذا الأمر عليه وحمله على ما كان منه ثم إنه تلطف أمره بحيث عفي عنه ولزم داره خائفاً مروعاً وفي رجب من السنة نهض الأمير بزواج في العسكر ومن حشده وجمعه من التركمان إلى ناحية طرابلس في الرابع منه فظهر إليه صاحبها في خيله من الافرنج فكمن لهم في عدة مواضع فلما حصلوا بالموضع المعروف بالكورة ظهرت عليهم الكمناء فهزموهم ووقع السيف في أكثرهم ولم يفلت منهم إلا اليسير وهجم على الحصن الذي هناك فنهبه وقتل من فيه من المقدمين والأتباع وأسر من بذل في نفسه المال الكثير وحصل له ولعسكره القيمة الكثيرة وفي شوال من السنة تقررت المهادنة والموادعة بين عماد الدين وبين شهاب الدين صاحب دمشق على قاعدة أحكمت. وفي ذي الحجة منها ورد الخبر بعود متملك الروم في عسكره عن انطاكية إلى ناحية بعرين من عملها في الثاني والعشرين منه وأنفذ رسوله إلى عماد الدين أتابك وظفر الأمير سوار النائب عنه في حلب بسرية وافرة العدد من عسكر الروم فقتل بعضاً وأسر بعضاً ودخل بهم إلى حلب

стр. 437

وورد الخبر بأن حسام الدين تمرتاش بن ايل غازي بن ارتق ملك قلعة الهتاخ من بقية آل مروان وما كان بقي في أيديهم غيرها بعد البلاد والمعاقل ملكها بحيلة اعملها عليهم ومكيدة نصبها لهم وهي على غاية من الحصانة والمنعة وفيها شرع أهل حلب في تحصينها وحفر خنادقها والتحصن من الروم بها لقربهم منها. وورد الخبر بأن عماد الدين أتابك عزل وزيره أبا المحاسن علي بن أبي طالب العجمي وقبض عليه واعتقله بسبب مال وافر وانكسر عليه من المعاملات ما عجز عن القيام به والخلاص بتأديته وبقي معتقلاً في القلعة بحلب بسببه سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة أولها يوم الاثنين مستهل المحرم وهو العشرون من أيلول وفيه وصل الحاجب حسن الذي كان أرسل إلى متملك الروم ومعه رسول الملك عماد الدين أتابك. وفي رابع عشر المحرم وصل أتابك في عسكره إلى حماة ورحل عنها متوجهاً إلى ناحية البقاع فملك حسن المجدل من أيدي الدمشقيين ودخل في طاعته ابرهيم بن طرغت والي بانياس من عمل دمشق.

стр. 438

وورد الخبر في صفر بأن زلزلة عظيمة جاءت بالجزيرة وأعمال الموصل وقيل أنها أهلكت عدة مواضع من الأرض وهلك فيها خلق كثير وافر من أهلها. وفي أوائل شهر ربيع الأول من السنة وقيل أن رسول السلطان مسعود بن السلطان محمد ووصل إلى الموصل بالتشريف الكامل لعماد الدين أتابك ووصلت كتب نصير الدين نائبه فيها يشرح حالها وورد الخبر بأن صاحب أنطاكية قبض على بطركها الافرنجي ونهب داره وذكر أن السبب في ذلك أن ملك الروم لما تقرر الصلح بينه وبين ريمند صاحب أنطاكية شرط في جملة الشروط أن ينصب بأنطاكية بتركاً كذا من قبل الروم على ما جرى بمثله الرسم قديماً ثم انتقض هذا الرسم فيما بعد وخرج ريمند صاحب أنطاكية إلى متملك الروم وهو مخيم في عسكره بمرج الديباج وقرر معه الهدنة والموادعة وعاد إلى أنطاكية. وفيها عاد عماد الدين أتابك عن دمشق إلى حماة في شهر ربيع الآخر ونزل عليها ورحل عنها إلى حمص فنزل عليها محاصراً لها وفي هذه السنة نقض الافرنج الهدنة المستقرة بين عماد الدين أتابك وبينهم وأظهروا الشقاق والعناد وشرعوا في العيث والفساد بعد اصطناعه لمقدميهم والكف عنهم حين أظهره الله عليه وقبضوا بأنطاكية وثغور الساحل جماعةً من تجار المسلمين وأهل حلب والسفار تقدير خمسمائة رجل في جمادى الآخرة وفيها شتى السلطان مسعود ببغداد ووصل رسوله إلى أتابك بحمص وشتى ملك الروم بالثغور والدروب وخيم بمرج الديباج. وفي يوم الأحد النصف من جمادى نهض الأمير بزواج من دمشق في عسكره إلى ناحية الافرنج وقد فسد أمره مع شهاب الدين صاحب دمشق

стр. 439

لعجرفية فيه واقدام على استعمال الشر ونودي عليه بفساد أمره وظهور غرده ومكره وكثرة جهله وتناهيه في سوء فعله وأقام بظاهر البلد مدة وعاد أمره انصلح ودخل البلد وأقام فيه مستقيم الحال مبلغاً غاية الآمال فعمل عليه شهاب الدين وقتله بقلعة دمشق بأيدي الشمسية في يوم الاثنين السادس من شعبان من السنة. والسبب في ذلك أن شهاب الدين كان قد نقم عليه أموراً أنكرها واستوحش منه لأجلها وعبث بمال الارتفاع يمزقه في النفقات والاطلاقات فاعمل الحيلة في قتله وآنسه وطمنه إلى حين وجد الفرصة فيه مستهلة وحصل عنده بقبة الورد في داره بالقلعة وقد رتب له جماعةً من الأرمن الشمسية أصحاب ركابه وقرر معهم قتله فحين تمكنوا منه بخلوة من أصحابه قتلوه وأخرجوه ملفوفاً في كساء إلى المقبرة المبنية لزوجته فدفن بها وفي يوم الأحد السابع عشر من شعبان من السنة خلع شهاب الدين على الأمير معين الدين أنر وقرر له أمر الاسفهسلارية وخوطب بالأتابكية ورد أمر الحجبة إلى الأمير الحاجب أسد الدين أكز وطيب بنفسيهما ورد التدبير والتقرير في سائر الأعمال وعامة الأحوال إليهما وفي هذا الشهر وردت الأخبار من ناحية الشمال بنزول ملك الروم في عسكره على شيزر محاصراً لها ومضايقاً عليها ونصب عليها عدة من المناجيق واشتدت الحرب بينه وبين أهلها وقتل فيها جماعة من المسلمين بحيث أشرفت على الهلاك مع مبالغة الأمير عماد الدين أتابك في امدادها بالرجالة والسلاح وآلات الحرب وكونه بازاء الروم يجول بخيله على أطرافهم ويفتك بمن يظفر به منهم ولم يزالوا على هذه القضية إلى أن سئم المقام عليها ويئسوا من بلوغ الغرض فيها ولطف الله تعالى بأهل الشام وتداركهم برحمته وورد خبر رحيلهم عن شيزر إلى أنطاكية واستبشر الناس برحيلهم وعودهم خاسرين غير ظافرين ومفلولين غير فالين فلله تعالى الحمد على هذه النعمة دائماً والشكر متواصلاً متتابعاً

стр. 440

قد مضى من ذكر الروم فيما اعتمدوه في هذه الأيام ما قد عرف ويذكر بعد ذلك مبدأ أحوالهم وخروجهم وأفعالهم وذلك أنهم ظهروا من ناحية مدينة البلاط في يوم الخميس الكبير من صومهم ونزلوا غفلةً على حصن بزاعة بالوادي في يوم الأحد عندهم وغارت خيلهم على أطراف حلب في تاسع عشر رجب من السنة واستأمن منهم إلى حلب جماعة من كافر ترك وأنذروا من بحلب بالروم فحذروا وضموا أطرافهم وتحرزوا وتحفظوا استعدوا وتيقظوا قبل الاغارة بليلة وكان هذا الانذار من المستأمنة لطفاً من الله تعالى ورحمةً. وبعد هذا التحرز والاحتياط اشتمل الروم في عادتهم على جملة وافرة من أهل حلب وضواحيها وأنفذ أهل حلب من أعيانهم من مضى إلى عماد الدين أتابك مستصرخا به وهو مخيم على حمص فانهض إليهم من أمكنه من الخيالة والرجالة والناشبة والنبالة والعدد الوافرة وحصل الجميع في السابع وعشرين من رجب من السنة ووردت الأخبار بتملك الروم المذكورين حصن بزاعة بعد حصره ومضايقته ومحاربته بالمنجنيقات في يوم السبت الخامس والعشرين من رجب بالأمان وغدر بأهله بعد تسلمه وأيمانهم وجمع من غدر بهم وأحصاهم وقيل أنهم كانوا خمسة ألف وثمانمائة نفس وتنصر قاضي بزاعة وجماعة من الشهود وغيرهم تقدير أربعمائة نفس وأقام الملك بعد ذلك بمكانه عشرة أيام يدخن على مغارات اختفى فها جماعة فملكوا بالدخان وفي يوم الأربعاء الخامس من شعبان نزل الروم أرض الناعورة ورحلوا عنها في يوم الخميس ثامنه واجتازوا بحلب ومعهم عسكر أنطاكية ومقدمهم

стр. 441

ريمند صاحبها وابن جوسلين فنزلوا على حلب ونصبوا خيامهم على نهر قويق وأرض السعدي. وزحف الملك من غده في خيله ورجله من قبلي حلب وغربيها من ناحية قرنة برج الغنم وخرج إليها فرقة وافرة من أحداث حلب فقاتلتهم وظفرت عليهم فقتلوا فيهم وجرحوا وأصيب من الروم مقدم مذكور وانكفوا خائبين إلى مخيمهم وأقاموا على حلب أياماً قلائل ورحلوا عنها غداة يوم الأربعاء ثامن شعبان مقتبلين إلى أرض صلدع وخاف من بقلعة الأثارب فهربوا منها في يوم الخميس تاسع شعبان وطرحوا النار في خزائنها وعرف الروم ذلك فنهضت منهم طائفة إلى القلعة ونزلت عليها وملكتها وحازوا ما فيها والجأوا السبايا والأسرى الذين في أيديهم من حصن بزاعة إلى ربض الأثارب وخندقها بحيث عرف الأمير سوار النائب بحلب ذاك وانعزال الروم عنها نهض في عسكر حلب وأدركهم بالأثارب فأوقع بهم وقهرهم واستخلص المأسورين والمسبيين إلا اليسير منهم وذلك في يوم السبت الحادي عشر من شعبان وسر أهل حلب بهذه النوبة سروراً عظيماً وفي يوم الخميس التاسع من الشهر رحل عماد الدين أتابك عن حماة إلى سلمية وسير ثقله إلى الرقة وبقي في خيله جريدة مخففة. وفي يوم الاثنين رحل ملك الروم عن بلد المعرة فهرب من كان مقيماً في كفرطاب من الجند خوفاً على نفوسهم. وتناصرت الأخبار بعبور عسكر التركمان الفرات مع ولد الأمير داود بن أرتق إلى ناحية حلب للغزو في الروم ونزلوا بمجمع المروج ونهض فريق وافر من عسكر دمشق للغزاة أيضاً في خدمة عماد الدين أتابك وكان سبب رحيل الروم عن شيزر ما انتهى إليهم من وصول التركمان وتجمع العساكر خاسرين وكان مدة إقامتهم عليها ثلاثة وعشرين يوماً ووصول ملك الروم إلى أنطاكية في عوده يوم الأحد

стр. 442

الثامن من شهر رمضان من السنة وتواصلت الأخبار باتمام الروم في رحيلهم إلى بلادهم وسكنت القلوب بعد انزعاجها وقلقها منهم ووجلها وورد الخبر من ناحية حلب بوفاة القاضي بهاء الدين ابن الشهرزوري بها في يوم السبت السادس عشر من شهر رمضان من السنة وحمل إلى مشهد صفين ودفن به وكان صاحب عزيمة ماضية وهمة نافذة ويقظة ثاقبة. وفي هذه السنة توفي القاضي الأعز أبو الفتح محمد بن هبة الله بن خلف التميمي ﵀ في ليلة الجمعة النصف من شهر رمضان وكان من المتخصصين ذوي المروة وكرم النفس وفي هذه السنة ترددت المراسلات من الأمير عماد الدين أتابك إلى الأمير شهاب الدين في التماس انعقاد الوصلة بينه وبين والدته الخاتون صفوة الملك زمرد ابنة الأمير جاولى إلى أن أجيب إلى ذلك واستقر الأمر فيه وندب من دمشق من تولى لها العقد في مخيمه بحمص في يوم الاثنين السابع عشر من شهر رمضان من السنة وتقررت الحال على تسليم حمص إليه فتسلمها مع القلعة وعوض عنها لواليها الأمير معين الدين أنر حصن بعرين

стр. 443

وتوجهت الخاتون صفوة الملك والدة شهاب الدين من دارها إلى عسكر عماد الدين أتابك بناحية حمص وحماة مع أصحاب عماد الدين المندوبين لايصالها في أواخر شهر رمضان منها ووردت الأخبار من ناحية العراق بأن الامام الراشد بالله أمير المؤمنين كان قد فصل عن الموصل وتوجه إلى ناحية الجبل فقضى الله تعالى للقدر النازل والحكم النافذ استشهاده على باب أصفهان بأمر قرر له وعمل عمل عليه فصار إلى رحمة ربه سعيداً مأجوراً شهيداً في يوم الثلاثاء السادس والعشرين من شهر رمضان من السنة فكانت خلافته إلى أن استشهد سنتين وعشرة أشهر وفي هذه السنة ورد الخبر بوفاة الأمير طغان أرسلان الأحدب بن حسام الدولة ببدليس وانتصب في مكانه ولده الأمير قرتي بن طغان أرسلان

стр. 444

واستقام له الأمر وحكي عنه حكايات في الظلم والتعجرف والتجبر والجور تنكرها النفوس وتنفر من سماعها القلوب سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة أول هذه السنة يوم الجمعة بالرؤيا مستهل المحرم وفيه اجتمع الأمير عماد الدين أتابك بالخاتون صفوة الملك والدة الأمير شهاب الدين بظاهر حمص وقد اجتمع عنده جماعة وافرة من رسل الخليفة والسلطان ومصر والروم ودمشق وغير ذلك. وفي هذا الشهر غارت الافرنج على ناحية بانياس ونهض شهاب الدين في العسكر في أثرهم فلم يدركهم وعاد إلى البلد وفي يوم الثلاثاء الرابع من صفر جاءت في دمشق زلزلة هائلة بعد الظهر اهتزت بها الأرض ثلاث مرات وتلاها في ليلة الجمعة وقت عشاء الاخرة ثانية اهتزت بها الأرض عدة مرات. وفي ليلة الاثنين التاسع عشر من صفر عادت الزلزلة في الثلاث منها ثلاث مرات فتبارك رب هذه القدرة الباهرة والآية الظاهر وعادت في ليلة الأربعاء يتلوها في الربع الأخير من ليلة الجمعة وتناصرت الأخبار من الثقات السفار والواردين من ناحية الشمال بصفة هذه الرجفات المذكورات وأنها كانت في حلب وما والاها من البلاد والمعاقل والأعمال أشد ما يكون بحيث انهدم في حلب الكثير من الدور وتشعث السور واضطربت جدران القلعة وظهر أهل حلب من دورهم إلى ظاهره من خوفهم على نفوسهم ويقول المكثر من الحاكي أن الزلزلة جاءت تقدير مائة مرة وقوم يحققون أنها ثمانون مرةً والله أعلم بالغيب والصواب تبارك الله رب العالمين القادر على كل شيء

стр. 445

وفي يوم السبت السابع عشر من شعبان الموافق للتاسع من نيسان جاء رعد هائل مختلف من عدة جهات وبرق زائد وجلبات هائلة قبل الظهر ثم جاء مع ذلك مطر شديد الوقع وبرد هائل حكي بعض الثقات أنه وزن واحدةً من كبار البرد فكان وزنها في ناحية الغوطة والمرج ثمانية دراهم وكان آخرون وزنوا واحدةً فكانت سبعة عشر درهماً وقتل كثيراً من الطير وأتلف كثيراً من الطير والزرع والثمار وفي يوم الأربعاء النصف من شوال وردت الأخبار من ناحية مصر بالحادثة الكائنة بمصر بين الأجناد بها بحيث قتل بينهم من الفريقين الخلق الكثير من الخيالة والرجالة على مضي ست ساعات من نهار يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شوال جاءت رجفة هائلة ارتاعت لها القلوب ورجفت به الصدور وفي يوم الجمعة الثالث والعشرين من شوال من السنة في غداته ظهرت الحادثة المدبرة على الأمير شهاب الدين محمود بن تاج الملوك بن ظهير الدين أتابك وقتله في فراشه وهو في نومه في ليلة الجمعة المذكورة بيد غلمانه الملاعين البغش الأرمني الذي اصطنعه وقربه إليه واعتمد في اشغاله عليه ويوسف الخادم الذي وثق به في نومه لديه والخركاوي الفراش الراقد حواليه ووقوع الزحف عند اشتهار هذا الخبر إلى كاتبه النفيس أبي طالب عقيل بن حيدرة مستوفي ديوان المعاملات وقتله في الطريق عند أخذه من الدار التي لجأ إليها واختفى عند هروبه فيها. وكان هؤلاء الثلاثة النفر الجناة الملاعين يبيتون حول سريره فلما قرر معهم هذا الأمر رقدوا في

стр. 446

أماكنهم على جاري عادتهم فلما انتصف الليل وتحققوا نومه وثبوا عليه فقتلوه في فراشه على سريره وصاح فراش آخر كان معهم فقتلوه أيضاً ودبروا أمرهم بينهم وأخفوا سرهم بحيث خرجوا من القلعة وظهر الأمر وطلب البغش لعنه الله فهرب ونهب بيته ومسك الآخران فصلبا على سور باب الجابية. وكتب إلى الأمير جمال الدين محمد بن تاج الملوك أخيه صاحب بعلبك بصورة الحال فبادر بالوصول إلى دمشق في أسرع وقت وأقرب أوان فجلس في منصبه وعقد الأمر له واستحلف الأمراء والمقدمين والأعيان على الطاعة والمناصحة في خدمته فتقررت الحال وسكنت الدهماء وظهرت الكائنة وانكشفت الغماء وحين انتهى الخبر إلى الخاتون صفوة الملك والدة الأمير شهاب الدين ﵀ قلقت وانزعجت وحزنت عليه وأسفت وأكبرت هذا الأمر وحدوث مثله على ولدها وراسلت الأمير عماد الدين أتابك وهو بناحية الموصل معلمةً له بصورة الحال وباعثةً لهمته على النهوض لطلب الثأر من غير تلوم ولا اغفال فحين وقف على الخبر امتعض له أشد الامتعاض ول يكن باستمرار مثله بالراضي وصرف الاهتمام إلى التأهب لما حرصته عليه واشارت إليه والاستعداد له والاحتشاد لقصده وثني أعنة الاعتزام إلى ناحية الشام مجداً في قصد دمشق لبلوغ كل مطلب ينحوه ومرام وتناصرت الأخبار بهذه العزيمة إلى دمشق فوقع الاحتياط والتحرز من جانبه والاستعداد ثم تلى ذلك ورود الخبر بنزوله على بعلبك في يوم الخميس العشرين من ذي الحجة من السنة في عسكر كثيف وجم غفير.

стр. 447

وقد كانت قبل نزوله عليها قد شحنت بالرجال المقاتلة والعدد الكاملة ورد أمر الولاية فيها إلى معين الدين أنر وقد تمكنت حالته وارتفعت رتبته ونفذت أوامره في الدولة وأمثلته فنصب عليها عدة من المناجيق وواصل المحاربة لأهلها وبالغ في المضايقة لها وقيل أن عدة المنجنيقات المنصوبة عليها أربعة عشر منجنيقاً يرمي عليها بالنوبة ليلاً ونهاراً بحيث أشرف من بها على الهلاك. ولم تزل هذه حالها إلى أن ورد الخبر بافتتاحها بالأمان لشدة ما نزل بأهلها من البلاء والمضايقة والنقوب وبقيت القلة وفيها جماعة من شجعان الأتراك المندوبين لحمايتها والذب عنها فلما أيسوا من معين يأتيهم من المعين ووصول من ينقذهم من البلاء المحيط سلموها إلى عماد الدين أتابك بعد أخذ أمانه والتوثق منه. فلما حصلت في ملكته نكث عهده ونقض أمانه لحنق أسره وغيظ على من كان فيها أكنة فأمر بصلبهم ولم يفلت منهم إلا من حماه أجله فاستبشع الناس ذلك من فعله واستبدعوه من نكثه. وقد كان الخبر ورد قبل ذلك بافتتاح عماد الدين أتابك قلعة الأثارب في يوم الجمعة أول صفر من السنة المقدم ذكرها. ووردت الأخبار بأن رجفةً عظيمة حدثت في الشام بعد ما تقدم ذكره في ليلة الجمعة الثامن من صفر منها وفي شهر رمضان منها ورد الخبر بأن الأمير الأفضل رضوان بن ولخشى صاحب الأمر بمصر خرج منها لأمر خاف معه من صاحبه الامام الحافظ لدين الله أمير المؤمنين ووصل إلى صرخد وأن أمين الدولة كمشتكين الأتابكي واليها تلقاه بالاكرام ومزيد الاعظام والاحترام وأقام في ضيافته وكرامته مدة ثم عاد من عنده طالباً لمصر لأمر كان دبره وسبب قرره

стр. 448

فلما وصل إليها فسد ذلك التدبير عليه ولم ينل ما كان صرف همه إليه فاعتقل في القصر مكرماً ومبجلاً محترماً وفيها توفي النقيب الامام جمال الاسلام أبو الحسن علي بن محمد بن الفتح السلمي الشافعي متولي المدرسة الامامية في يوم الأربعاء الثالث عشر من ذي القعدة منها وهو ساجد في صلاة الغداة ﵀ وكان مشهوراً بوفور العلم في التفقه وقوة الفرائض والوعظ والدين والأمانة بحيث وقع التألم لفقده وافتقر إلى مثله من بعده سنة أربع وثلاثين وخمسمائة أول هذه السنة المباركة يوم الثلاثاء بالرؤية مستهل المحرم. وفيه ورد الخبر بفراغ عماد الدين أتابك من ترتيب أمر بعلبك وقلتها وترميم ما تشعث منها وشروعه في التأهب للنزول على مدينة دمشق لمضايقتها وورد عقيب ذلك الخبر برحيله عنها في العسكر ونزوله في البقاع في شهر ربيع الأول منها وأنفذ رسوله إلى الأمير جمال الدين محمد بن تاج الملوك بوري بن أتابك صاحبها في التماس تسليم البلد إليه ويعوض عنه بما يقع الاختيار والاقتراح عليه فلم يجب إلى ما رغب فيه فرحل عن البقاع ونزل على داريا ظاهر دمشق في يوم الأربعاء ثالث عشر ربيع الآخر منها. وكان عند نزوله على داريا قد التفت الطلائع فظفر بجماعة وانهزم الباقون إلى البلد وزحف بعد ذلك إلى البلد في عسكر من ناحية المصلى في يوم الجمعة الثامن وعشرين من شهر

стр. 449

ربيع الآخر من السنة فظفر بجماعة وافرة من أحداث البلد والغوطة وأطلق السيف فيهم فمنهم من مضى قتيلاً وأسيراً ومنهم من عاد إلى البلد سالماً وجريحاً وأشرف البلد في هذا اليوم على الهلاك لولا لطف الله تعالى وعاد إلى مخيمه بمن أسر بعد من قتل وأمسك أياماً عن الحرب. وتابع المراسلة والتلطف في تسليم البلد وأخذ العوض عنه بعلبك وحمص وما يقترح معهما فأثر جمال الدين محمد بن تاج الملوك الدخول في هذا الأمر لما فيه من الصلاح وحقن الدماء وعمارة الأعمال وسكون الدهماء واباءة غيره عند الاستشارة فيه وجعل يزحف بعسكره في أيام متفرقة بحيث لم يصدق في القتال ولا بالغ في التضييق والنزال اشفاقاً من سفك الدماء كالكاف المسالم والمتأني في الوقائع والمغانم. وابتدأ بجمال الدين محمد ابن تاج الملوك مرض اتصل به في جمادى الأولى من السنة فصار يخف تارةً ويثقل ويمضي ويعود ويقل ويزيد إلى أن اشتد به اشتداداً وقع اليأس معه منه ولم يكن له فيه طيب ولا راق ولم يزل على هذه الحال إلى أن قضى محتوم نحبه وصار إلى رحمه ربه في ليلة الجمعة الثامن من شعبان منها في الوقت الذي أصيب فيه أخوه شهاب الدين محمود بن تاج الملوك رحمهما الله فعجب الناس من ذلك واتفاق الوقت والساعة وسبحوا الله وقدسوه وجهز ودفن في تربة جدته بالفراديس. فاجتمع رأي المقدمين وأصحاب الأمر من بعده على سد ثلمة فقده بنصب ولده الأمير عضب الدولة أبي سعيد آبق بن جمال الدين محمد في مكانه وأخذت له بذلك العود المؤكدة بالايمان المشددة على الاخلاص في الطاعة والصدق في الخدمة والمناصحة فاستقام الأمر وصلح التدبير وزال الخلف وسكنت الأمور بعد اضطرابها وقرت النفوس بعد استيحاشها. وحين عرف عماد الدين أتابك هذه القضية زحف في عسكره إلى البلد طامعاً في خلف يجري بين المقدمين بوفاته فينال به بعض طلباته فكان الأمر بالضد

стр. 450

مما أمل والحال بالعكس فيما ظن ولم يصادف من أجناد دمشق وأحداثها إلا الثبات على القراع والصبر على المناوشة والمصاع فعاد منكفئاً إلى عسكره وقد ضعفت نفسه وضاق لهذا الأمر صدره. وقد كان تقرر الأمر مع الافرنج على الاتفاق والاعتضاد والمؤازرة والاسعاد والامتزاج في دفعه والاختلاط في صده عن مراده ومنعه ووقعت المعاهدة على ذلك بالأيمان المؤكدة والضمان للوفاء بما بذلوه والتمسوا على ذلك مالاً معيناً يحمل إليهم ليكون عوناً لهم على ما يحاولونه وقوةً ورهاناً تسكن بها نفوسهم وأجيبوا إلى ذلك وحمل إليهم المال والرهائن من أقارب المقدمين وشرعوا في التأهب للانجاد والاستعداد للمؤازرة والاسعاد وكاتب بعضهم بعضاً بالبعث على الاجتماع من سائر المعاقل والبلاد على ابعاد أتابك وصده عن نيل الأرب من دمشق والمراد قبل استفحال أمره واعضال خطبه وقوة شوكته واستظهاره على عصب الافرنج وقصد بلادهم فحين تيقن صورة الحال في هذا العزم وتجمعهم لقصده مع عسكر دمشق رحل عن منزله بداريا في يوم الأحد الخامس من شهر رمضان طالباً ناحية حوران للقاء الافرنج إن قربوا منه وطلبهم إن بعدوا عنه وأقام على هذا الاعتزام مدةً ثم عاد إلى ناحية غوطة دمشق ونزل بعذراء يوم الأربعاء لست بقين من شوال فأحرق عدة ضياع من المرج والغوطة إلى حرستا التين ورحل يوم السبت تالي متشاملاً حين تحقق نزول الافرنج بالمدان في جموعهم. وكان الشرط مع الافرنج أن يكون في جملة المبذول لهم انتزاع ثغر بانياس من يد ابراهيم من طرغت وتسليمها إليهم فاتفق أن ابرهيم بن طرغت واليه كان قد نهض من أصحابه إلى ناحية صور للاغارة عليها فصادفه ريمند صاحب أنطاكية في قصده واصلاً إلى اسعاد الافرنج على انجاد أهل دمشق فالتقيا فكسره وقتل في الوقعة ومعه نفر يسير من

стр. 451

أصحابه وعاد من بقي منهم إلى بانياس فتحصنوا بها وجمعوا إليها رجال وادي التيم وغيرهم ومن أمكن جمعه من الرجال للذب عنها والمراماة دونها فنهض إليها الأمير معين الدين في عسكر دمشق ونزل عليها ولم يزل محارباً بالمنجنيقات ومضايقاً لها بأنواع المحاربات ومعه فريق وافر من عسكر الافرنج عامة شوال وورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك قد نزل على بعلبك وأنفذ يستدعي التركمان من مطانهم كذا في شوال لقصد بانياس ودفع المنازلين لها عنها ولم تزل الجالية جارية على هذه القضية إلى آخر ذي الحجة من السنة ووردت الأخبار من ناحية مصر بأن الأفضل بن ولخشي لما فصل عن صرخد ووصل إلى ظاهر مصر أن الأتراك الذين انضموا إليه عملوا عليه وغدروا به وانتهبوا ما كان معه من كراع وسواد فحين وجدوا منه الغرة والغفلة لم يبقوا على شيء مما صحبه وتفرقت عنه أصحابه ورجاله وبقي فريداً فحصل في أيدي الحافظية أسيراً ووكل به من يحفظه ويحتاط عليه وهذا الأفضل المقدم موصوف بالشجاعة والفروسية وعلو الهمة ومضاء العزمة والبسالة وحسن السياسة وذكاء الحس ولكن المقادير لا تغالب والأقضية لا تدافع والله يفعل ما يشاء ويختار. ولم تزل بانياس على حالها في المضايقة والمحاصرة إلى أن نفدت منها الميرة وقل قوت المقاتلة فسلمت إلى معين الدين وعوض عنها الوالي الذي كان بها بما أرضاه من الاقطاع والاحسان وسلمها إلى الافرنج ووفى لهم بالشروط ورحل عنها منكفئاً إلى دمشق ظافراً بأمله خامداً لعمله في أواخر شهر شوال وفي صبيحة يوم السبت السابع من ذي القعدة من السنة حصل عماد الدين أتابك بعسكره جريدةً بظاهر دمشق ووصل المصلى وقرب من سور

стр. 452

البلد ولم يشعر به أحمد لكون الناس في أعقاب نومهم فلما تبلج الصباح وعرف خبره علت الجلبة والصياح ونفر الناس واجتمعوا إلى الأسوار وفتح الباب وخرجت الخيل والرجالة وكان قد فرق عسكره إلى حوران والغوطة والمرج وسائر الأطراف للغارة ووقف هو في خواصه بازاء عسكر دمشق بحيث لا يمكن أحداً من أصحابه في اتباع أحد من خيله المغيرة ونشبت الحرب بينه وبين عسكر دمشق وخرج من الفريقين جملة وافرة وأحجم عنهم لاشتغاله بمن بثه من سراياه في الغارات وحصل في أيديهم من خيول الجشار والأغنام والأحمال والأبقار والأثاث ما لا يحصى كثرةً لأنهم جاءوا على غفلة وغرة ونزل من يومه بمرج راهط إلى أن اجتمعت الرجال والغنائم وسار عائداً على الطريق الشمالية بالغنائم الدثرة المتناهية في الكثرة ووردت الأخبار من ناحية بغداد بعزل الوزير شرف الدين علي بن طراد الزينبي عن وزارة الامام المقتفي بأمر الله وتقليدها الوزير نظام الدين ابن جهير سنة خمس وثلاثين وخمسمائة في شهر رمضان منها ورد الخبر بظهور عسكرية عسقلان على خيل الافرنج الغائرين عليها وقتل جماعة منهم وعودهم مفلولين خاسرين. وفيها ورد الخبر من ناحية الشمال بتملك الباطنية حصن مصياث بحيلة دبرت عليه ومكيدة نصبت له.

стр. 453

وفيها توفي البدليسي امام المسجد الجامع بدمشق في ثالث ذي الحجة منها ﵀ وكان حسن الطريقة قليل التبذل جيد الحفظ والقراءة والتصون ووقع الاختيار على الشيخ الامام أبي محمد بن طاووس في إقامته مكانه لما فيه من حسن الطريقة والتصون والتدين والقيام بقراءة السبعة المشهورة سنة ست وثلاثين وخمسمائة فيها ورد الخبر من ناحية الشمال باغارة الأمير لجه التركي النازح عن دمشق إلى خدمة الأمير عماد الدين أتابك على بلد الافرنج وظفره بخيلهم وفتكه بهم بحيث ذكر أن عدة المقتولين منهم تقدير سبعمائة رجل. وفيها ورد الخبر من ناحية العراق بايقاع عسكر السلطان غياث الدنيا والدين ركن الاسلام والمسلمين مسعود بن محمد بحلة بني خفاجة ونهبها وقتل من ظفر به لكثرة فسادهم وتزايد عنادهم واخافتهم السابلة وأخذهم كل رفقة من التجار الصادرة والقافلة وعوده إلى بغداد ظافراً غانماً وفيا توفي النقيب الامام أبو القسم عبد الوهاب بن عبد الواحد الحنبلي ﵀ في.....

стр. 454

بمرض حاد عرض له فأضعفه وقضى فيه نحبه وكان على الطريقة المرضية والخلال الرضية ووفور العلم وحسن الوعظ وقوة الدين والتنزه مما يقدح في أفعال غيره من المتفقهين وكان يوم دفنه يوماً مشهوراً من كثرة المشيعين له والباكين حوله والمؤبنين لأفعاله والمتأسفين عليه وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية العراق بالوقعة الهائلة بين السلطان المعظم ناصر لدين الله كذا سنجر بن ملك شاه سلطان الشرق وبين كافر ترك الواصل من ناحية الصين عندما وراء النهر وكان في عسكر لا يحصى عدداً وقصده السلطان سنجر في عسكر يناهزه والتقى الجمعان فظهر عسكر كافرترك على عسكر السلطان سنجر فكسره وخزمه وقتل أكثره إلا اليسير ممن حماه أجله واشتمل على ما حواه من الأمال والحرم والكراع والسواد وهو شيء لا يحيط به وصف فيوصف ويحصر ولا يدركه نعت فيذكر وعاد السلطان منهزماً إلى بلخ

стр. 455

وفيها ورد الخبر بوفاة ضياء الدين أبي سعيد بن الكفرتوثي وزير الأمير عماد الدين أتابك في خامس شعبان وكان على ما حكي عنه حسن الطريقة جميل الفعل كريم النفس مرضي السياسة مشهور النفاسة والرئاسة. وفيها ورد الخبر بوفاة الأمير سعد الدولة صاحب آمد وجلوس ولده محمود في منصبه من بعده فانتظم له الأمر من بعد فقده. وفيها ورد الخبر بوفاة الأمير ولد الدانشمند ﵀ وانتصاب ولده في منصبه من بعده واستقام له الأمر. وفيها توفي الشيخ أبو محمد بن طاووس امام المسجد الجامع بدمشق في يوم الجمعة سابع عشر من المحرم من السنة سنة سبع وثلاثين وخمسمائة فيما وردت الأخبار من ناحية مصر بعظم الوباء في الاسكندرية والديار المصرية بحيث هلك هناك الخلق العظيم والجم الغفير. وفي يوم الأحد السابع والعشرين من شهر ربيع الأول توفي القاضي

стр. 456

بهجة الملك أبو طالب علي بن عبد الرحمن بن أبي عقيل بمرض صعب كان فيه قضاء نحبه وانتقاله إلى رحمه ربه وهو من جلالة القدر وجميل الذكر على الطريقة المرضية المشهورة والسجية المستحسنة المشكورة وفيها ورد الخبر بظهور صاحب أنطاكية إلى ناحية بزاعة وأن الأمير سوار النائب في حفظ حلب ثناه عنها وحال بينه وبينها. وفيها وردت الأخبار بظهور متملك الروم إلى الثغور دفعةً ثانيةً بعد أوله وبرز إليه صاحب أنطاكية وخدمه وأصلح أمره معه وطيب نفسه وعاد عنه إلى أنطاكية وفيها وردت الأخبار بأن الأمير عماد الدين أتابك استوزر الأجل أبا الرضا ولد أخي جلال الدين بن صدقة وزير الخليفة. وفيها ورد الخبر بأن الأمير عماد الدين أتابك افتح قلعة اشب المشهورة بالمنعة والحصانة. وفي شهر رمضان منها ورد الخبر بموت متملك الروم. وفيها توفي القاضي المنتجب أبو المعالي محمد بن يحيى في يوم الأربعاء النصف من شهر ربيع الأول منها ودفن بمسجد القدم ﵀ وتولى بعده القضاء ولده القاضي أبو الحسن علي بن محمد القرشي وكتب له منشور القضاء من قاضي القضاة ببغداد

стр. 457

سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة فيها وردت الأخبار من ناحية العراق بأن الخبر ورد إليها بهلاك ملك كافرترك من ناحية الصين الذي كان ظفر بعسكر السلطان سنجر في تلك الوقعة المقدم ذكرها. وفيها ورد الخبر بافتتاح الأمير عماد الدين قلعة حيزان. وفي شهر رمضان منها وردت الأخبار من ناحية العراق بقتل السلطان داود ابن السلطان محمود بن محمد بن ملك شاه بيد نفر ندبوا لقتله فاغتالوه وقتلوه ولم يعرف لهم أصل ولا جهة ولا علم مستقرهم. وفي ثالث جمادى الأولى منها قبض على الأمير الحاجب أسد الدين أكثر وأخذ ماله وسملت عيناه واعتقل وتفرق عنه أصحابه. وفيها ورد الخبر من ناحية الافرنج بهلاك ملكهم الكند ايجور ملك بيت

стр. 458

المقدس بعلة عرضت له كان فيها اتلاف نفسه وأقيم ولده الصغير وأمه مقامه في الملك ورضي الافرنج بذلك واستقامت الحال عليه. وفي رمضان منها عزل أبو الكرام عن وزارته ديوان دمشق لأسباب أنكرت عليه وأشياء قبيحة عزيت إليه. وفيها ورد الخبر بعزل عماد الدين أتابك وزيره أبا الرضا بن صدقة لأسباب أوجبت ذاك ودعت إليه وأغراض بعثت عليه واستوزر مكانه سنة تسع وثلاثين وخمسمائة في يوم الخميس الحادي عشر من المحرم منها توجه الأمير الرئيس مؤيد الدين رئيس دمشق إلى ناحية صرخد مستوحشاً من أحوال بلغته عن أبي الكرام المستناب في وزارة ديوان دمشق وعن الأمير مؤيد الدولة أسامة بن مرشد بن علي بن منقذ أنكرها من سعيهما واستبشعهما من قصدهما فسار عن البلد ممتعضاً من اقدامهما على من يخالف أمره ويضيق صدره ووصل إليهما وتلقاه واليها بالاكرام لمثواه واحسان لقياه وترددت المراسلات بينه وبين الأمير معين الدين أتابك صاحب الأمير والتدبير بدمشق في هذا الباب وتكرر المقال بينهما بالاعتذار من كل واحد منهما العتاب ولم تزل هذه الحال مترددة بينهما إلى أن أسفرت عن تقرير عوده إلى داره وإخراج أبي الكرام الوزير وأسامة بن منقذ إلى ناحية مصر بأهليهما ومالهما وأسبابهما فسارا من دمشق إلى ناحية مصر بعد استئذان صاحبها في أمرهما وخروج إذنه بوصلهما في يوم الخميس السابع من جمادى الأولى من السنة على سبيل المداراة والمصانعة وقيل أنهما لقيا من احسان تلك الدولة السعيدة

стр. 459

من الاحسان وجزيل الانعام ما جرت به عادتهما المستحسنة في حق من يلجأ إلى ظلها وسابغ عدلها. وفي يوم الجمعة الثالث عشر من جمادى الأولى عاد الأمير مؤيد الدين إلى دمشق من صرخد وخرج أهل البلد لتلقيه واظهار السرور به والاستبشار بعوده وطابت نفسه ببلوغ أمانيه ومضي أعاديه الساعين فيه وفي شهر ربيع الآخر ورد الخبر بخروج عسكر إلى فرقة وافرة من الافرنج وصلت إلى ناحية بعلبك للعيث فيها وشن الاغارات عليها فالتقيا فأظفر الله المسلمين بهم وأظهرهم عليهم فقتلوا أكثرهم واستولوا على ما كان معهم وامتلأت أيدي المسلمين بغنائمهم وعادوا إلى بعلبك سالمين مسرورين غانمين وعاد الباقون من الافرنج إلى مكانهم مفلولين محزونين خاسرين وفي جمادى الأولى منها ولد الخبر من ناحية الشمال بان عسكر حلب ظفر بفرقة كبيرة من التجار والأجناد وغيرهم خرجت من أنطاكية تريد بلاد الافرنج ومعها مال كثير ودواب ومتاع وأثاث فأوقعوا بها واشتملوا على ما كان فيها وقتلوا من كان معها من خيالة الافرنج لحمايتها والذب عنها وعاد إلى حلب بالمال والسبي والأسرى والدواب وفي يوم السبت الثالث عشر من رجب من السنة توفي الأخ الأمين أبو عبد الله محمد بن أسد بن علي بن محمد التميمي عن ٨٤ سنة بعلة الذرب ودفن بتربة اقترحها خارج باب الصغير من دمشق وكان على الطريقة المرضية من حسن الأمانة والتصون والديانة ولزوم داره والتنزه عن

стр. 460

كل ما يوتغ الدين ويكره بين خيار المسلمين غير مكاثر للناس ولا معاشر لهم ولا مختلط بهم وفي هذه السنة وردت الأخبار من ناحية للشمال بأن الأمير عماد الدين أتابك افتتح مدينة الرها بالسيف مع ما هي عليه من القوة والحصانة والامتناع على قاصديها والحماية على طالبيها من العساكر الجمة ومنازلتها وأن السبب في ذلك أن الأمير عماد الدين أتابك لم يزل لها طالباً وفي تملكها راغباً ولانتهاز الفرصة فيها مترقباً لا يبرح ذكرها جائلاً في خلده وسره وأمرها ماثلاً في خاطره وقلبه إلى أن عرف أن جوسلين صاحبها قد خرج منها في جل رجاله وأعيان حماته وابطاله لأمر اقتضاه وسبب من أسباب إلى البعد عنها دعاه للأمر المقضي والقدر النازل فحين تحقق ذاك بادر بقصدها وسارع إلى النزول في العسكر الدثر عليها لمضايقتها والحصر لمن فيها وكاتب طوائف التركمان بالاستدعاء لهم للمعونة عليها والاسعاد وأداء فريضة الجهاد فوصل إليه منهم الخلق الكثير والجم الغفير بحيث أحاطوا بها من جميع الجهات وحالوا بينها وبين ما يصل إليها من المير والأقوات والطائر لا يكاد يقرب منها خوفاً على نفسه من صوائب سهام منازليها ويقظة المضيقين عليها ونصب على أسوارها المناجيق ترمي عليها دائماً والمحاربة لأهلها مضراً ومواظباً. وشرع الخراسانيون والحلبيون العارفون بمواضع النقوب الماضون فيها فنقبوا في عدة مواضع عرفوا أمرها وتيقنوا نفعها وضرها ولم يزالوا على هذه الحال في الايغال في النقب والتمادي في بطن الأرض إلى أن وصلوا إلى تحت أساس أبراج السور فعلقوه بالأخشاب المحكمة والآلات المنتخبة وفرغوا من ذلك ولم يبق غير اطلاق النار فيها. فاستأذنوا عماد الدين أتابك في ذلك فأذن لهم بعد أن دخل في النقب وشاهد حاله واستعظم كونه وهاله. فلما أطلقت النار في تعليق النقوب
следующие страницы →