Полный текст (573 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
وأجناده طاقة ولا لدفعه عنه قوة فقهروه وغلبوه وحصروه وقيل إن نيسابور وتلك الأعمال حدث فيها من الفساد والخلف والقتل والنهب والسلب ما ترتاع النفوس باستماع مثله وتفرق من قبح فعله ونهبت بلخ بالمذكورين المقدم ذكرهم أشنع نهب وأبشع سلب فسبحان مدبر بلاده وعباده كما يشاء إنه على كل شيء قدير وفي الشهر المذكور حدث بمدينة دمشق ارتفاع السعر لعدم الواصلين إليها بالغلات من بلاد الشمال على جاري العادة بتقدم نور الدين صاحب حلب بالمنع من ذلك وحظره فأضر ذلك بأهلها من المسترين والضعفاء والمساكين وبلغ سعر الغرارة الحنطة خمسة وعشرين ديناراً وزاد على ذلك وخلا من البلد الخلق الكثير ولقوا من البؤس والشدة والضعف ما أوجب موت جماعة وافرة في الطرقات وانقطعت الميرة من كل الجهات وذكر إن نور الدين عازم على قصد دمشق بمنازلتها والطمع لهذه الحال في مملكتها وذلك مستصعب عليه لقوة سلطانها وكثرة أجنادها وأعوانها والله تعالى المرجو لقرب الفرج وحسن النظر بخلقه بالرأفة والرحمة كما جرت عوائد احسانه وفضله فيما تقدم
وفي أواخر ذي القعدة استدعي الرئيس رضي الدين إلى القلعة المحروسة وشرف بالخلع المكملة والمركوب بالسخت والسيف المحلى والترس وركب معه الخواص وأصحاب الركاب إلى داره وكتب له المنشور بالتقليد والاقطاع ولقب بالرئيس الأجل رضي الدين وجيه الدولة سديد الملك فخر الكفاة عز المعالي شرف الرؤساء وكان عطاء الخادم المقدم ذكره
стр. 527
قد استبد بتدبير الأمور ومد يده في الظلم وأطلق لسانه بالهجر وأفرط في الاحتجاب عن الشاكي والمشتكي بالغلمان والحجاب وقصر في قضاء الحوائج تقصيراً منكراً واتفق للأقضية المقدرة والمكافأة المقررة إن تقدم مجير الدين باعتقاله وتقييده والاستيلاء على ما في داره ومطالبته بتسليم بعلبك وما فيها من مال وغلال وسرت بمصرعه النفوس ونهب العوام والغوغاء بيوت أصحابه وأسبابه. وأرسل الله تعالى الغيث المتدارك بحيث افترت الأرض عن نضارتها وأبانت عن اخضرارها وغضارتها ولما كان في يوم الاثنين الخامس والعشرين من ذي الحجة من السنة أمر مجير الدين بضرب عنق عطاء الخادم المذكور لأسباب أوجبت ذاك ودعت إليه. وفي يوم الأربعاء السابع وعشرين من ذي الحجة استدعى مجير الدين بالفضل ولد نفيس الملك المستوفي لجده تاج الملوك ﵀ ورد إليه استيفاء ديونه على عادة أبيه ولقبه لقب أبيه وجيه الدين نفيس الملك وتقرر أشراف الديوان سعد الدولة أبي الحسن علي بن طاهر الوزير المزدقاني
ودخلت سنة تسع وأربعين وخمسمائة
أولها يوم الأربعاء مستهل المحرم والطالع للعالم الجوزاء. وفي العشر الثاني من المحرم منها وصل الأمير الاسفهسلار أسد الدين شيركوه رسولاً من نور الدين صاحب حلب إلى ظاهر دمشق وخيم بناحية القصب من المرج في عسكر يناهز الألف فأنكر ذاك ووقع الاستيحاش منه وإهمال الخروج إليه لتلقيه والاختلاط به وتكررت المراسلات فيما اقتضته الحال ولم يسفر عن سداد ولا نيل مراد
стр. 528
وغلا سعر الأقوات لانقطاع الواصلين بالغلات ووصل نور الدين في عسكره إلى شيركوه في يوم الأحد الثالث من صفر وخيم بعيون الفاسريا عند دومة ورحل في الغد ونزل بأرض الضيعة المعروفة ببيت الآبار من الغوطة وزحف إلى البلد من شرقيه وخرج إليهم من عسكريته وأحداثه الخلق الكثير ووقع الطراد بينهم ثم عاد كل من الفريقين إلى مكانه ثم زحف يوماً بعد يوم. فلما كان يوم الأحد العاشر من صفر للأمر المقدر المقضي والأمر الماضي وسعادة نور الدين الملك وأهل دمشق وكافة الناس أجمعين باكر الزحف وقد احتشد وتهيأ لصدق الحرب وظهر إليه العسكر الدمشقي على العادة ووقع الطراد بينهم وحملوا من الجهة الشرقية من عدة أماكن فاندفعوا بين أيديهم حتى قربوا من سور باب كيسان والدباغة من قبلي البلد وليس على السور نافخ ضرمة من العسكرية والبلدية لسوء تدبير صاحب الأمر والأقدار المقدرة غير نفر يسير من الأتراك المستحفظين لا يؤبه لهم ولا يعول عليهم في أحد الأبراج. وتسرع بعد الرجالة إلى السور وعليه امرأة يهودية فأرسلت إليه حبلاً فصعد فيه وحصل على السور ولم يشعر به أحد وتبعه من تبعه واطلعوا علماً نصبوه على السور وصاحوا أصحاب نور الدين يا منصور وامتنع الأجناد والرعية من الممانعة لما هم عليه من المحبة لنور الدين وعدله وحسن ذكره وبادر بعض قطاعي الخشب بفأسه إلى الباب الشرقي فكسر إغلاقه وفتح فدخل منه العسكر على رغب وسعوا في الطرقات ولم يقف أحد بين أيديهم وفتح باب توما أيضاً ودخل الناس منه. ثم دخل الملك نور الدين وخواصه وسر كافة الناس من الأجناد والعسكرية لما هم عليه من الجوع وغلاء الأسعار والخوف من منازلة الافرنج الكفار
стр. 529
وكان مجير الدين لما أحس بالغلبة والقهر قد انهزم في خواصه إلى القلعة وأنفذ إليه وأومن على نفسه وماله وخرج إلى نور الدين فطيب نفسه ووعده الجميل ودخل القلعة في يوم الأحد المقدم ذكره. وقد أمر نور الدين في الحال بالمناداة بالأمان للرعية والمنع من انتهاب شيء من دورهم وتسرع قوم من الرعاع والأوباش إلى سوق علي وغيره فعاثوا ونهبوا وأنفذ المولى الملك نور الدين إلى أهل البلد بما طيب نفوسهم وأزال نفرتهم. وأخرج مجير الدين ما كان له في دوره بالقلعة والخزائن من المال والآلات والأثات على كثرته إلى الدار الأتابكية دار جده وأقام أياماً ثم تقدم إليه بالمسير إلى حمص في خواصه ومن أراد الكون معه من أسبابه وأتباعه بعد أن كتب له المنشور باقطاعه عدة بأعمال حمص برسمه ورسم جنده وتوجه إلى حمص على القضية المقدرة. ثم أحضر بعد غد ذلك اليوم أماثل الرعية من الفقهاء والتجار وخوطبوا بما زاد في إيناسهم وسرور نفوسهم وحسن النظر لهم بما يعود بصلاح أحوالهم وتحقيق آمالهم فأكثر الدعاء له والثناء عليه والشكر لله على ما أصاروه إليه. ثم تلا ذلك إبطال حقوق دار البطيخ وسوق البقل وضمان الأنهار وأنشأ بذلك المنشور وقرئ على المنبر بعد صلاة الجمعة فاستبشر الناس بصلاح الحال وأعلن الناس من التناء والفلاحين والحرم
стр. 530
والمتعيشين برفع الدعاء إلى الله تعالى بدوام أيامه ونصره وأعلامه والله سبحانه ولي الاجابة بمنه وفضله وقد كان مجاهد الدين بزان قد أطلق يوم الفتح من الاعتقال وأعيد إلى داره ووصل الرئيس مؤيد الدين المسيب إلى دمشق مع ولده النائب عنه في صرخد إلى داره معولاً على لزومها وترك التعرض لشيء من التصرفات والأعمال فبدا منه من الأسباب المعربة عن إضمار الفساد والعدول عن مناهج السداد والرشاد ما كان داعياً إلى فساد النية فيه. وكان في إحدى رجليه فنخ قد طال به ونسر ثم لحقه معه مرض وانطلاق متدارك أفرط عليه وأسقط قوته مع فواق متصل وقلاع في فيه زائد فقضى نحبه في الليلة التي صبيحتها يوم الأربعاء الرابع من شهر ربيع الأول سنة ٤٩ ودفن في داره واستبشر الناس بمهلكه والراحة منه ومن سوء أفعاله بحيث لو عدت مخازيه مع جنونه واختلاله لطال بها الشرح وعجز عنها الوصف
وفي أواخر المحرم من السنة ورد الخبر من ناحية ماردين بوفاة صاحبها الأمير حسام الدين بن ايل غازي بن أرتق ﵀ في أول المحرم وكان مع شرف قدره في التركمان ذكياً محباً لأهل العلم والأدب مميزاً عن أمثاله بالفضيلة. وفي شهر ربيع الأول من السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بأن الامام الظافر بالله أمير المؤمنين صاحبها كان ركن إلى أخويه يوسف وجبريل وإلى ابن عمهم صالح بن حسن وانس بهم في أوقات مسراته فعملوا عليه واغتالوه وقتلوه وأخفوا أمره في يوم الخميس انسلاخ صفر سنة ٤٩ وحضر الامام العادل عباس الوزير وولده ناصر الدين وجماعة من الأمراء والمقدمين للسلام على الرسم فقيل لهم: إن أمير المؤمنين ملتاث الجسم. فطلبوا الدخول عليه لعبادته فاحتج عليهم فلم يقبلوا وألحوا في الطلب فظهر الأمر وانكشف واقتضت الحال
стр. 531
المسارعة إلى قتل الجناة في الوقت والساعة وإقامة ولد الظافر عيسى وهو صغير يناهز ثلاث سنين ولقبوه الفائز بنصر الله وأخذ له البيعة على الأجناد والعسكرية وأعيان الرعية على جاري العادة والعادل عباس الوزير وإليه تدبير الأمور واستمرت الأحوال على المنهاج ثم ورد الخبر بعد ذلك بأن الأمير فارس المسلمين طلائع بن رزيك وهو من أكابر الأمراء المقدمين والشجعان المذكورين لما انتهى إليه الخبر وهو غائب عن مصر قلق لذاك وامتعض وجمع واحتشد وقصد العود إلى مصر فلما عرف عباس الوزير بما جمع خالف الغلبة والاقدام على الهلكة إذ لا طاقة له بملاقاته في حشده الكثير ولم يمكنه المقام على الخطار بالنفس فتأهب للهرب في خواصه وأسبابه وحرمه ووجوه أصحابه وما تهيأ من ماله وتجمله وكراعه وسار مغذاً. فلما قرب من أعمال عسقلان وغزة ظهر إليه جماعة من خيالة الافرنج فاغتر بكثرة من معه وقلة من قصده فلما حملوا عليه فشل أصحابه وأعانوا عليه وانهزم أقبح هزيمة هو وولد له صغير وأسر ابنه الكبير الذي قتل ابن السلار مع ولده وحرمه وماله وكراعه وحصلوا في أيدي الافرنج ومن هرب لقي من الجوع والعطش ومات العدد الكثير من الناس والدواب ووصل إلى دمشق منهم من نجاه الهرب على أشنع صفة من العدم والعري والفقر في أواخر شهر ربيع الآخر من السنة وضاقت صدور المسلمين بهذه المصيبة المقضية بيد الافرنج فسبحان من لا يرد له قضاء ولا محتوم أمر
стр. 532
وفي آخر شهر ربيع الأول وصل الأمير الاسفهسلار مجد الدين أبو بكر محمد نائب المولى الملك نور الدين في حلب إلى دمشق عقيب عوده من الحج وأقام أياماً وعاد منكفئاً إلى منصبه في حلب وتدبير أعمالها وتسديد أحوالها وفي شهر ربيع الآخر سنة ٥٤٩ ثار في دمشق مرض مختلف الحميات منه ما يقصر ومنه ما يطول وأعقبه بعد ذلك موت في الشيوخ والشباب والصبيان ثم تقاصر ذلك وفي أيام من جمادى الأولى من السنة ورد الخبر من ناحية مصر بأن عدة وافرةً من مراكب الافرنج من صقلية وصلت إلى مدينة تنيس على حين غفلة من أهلها فهجمت عليها وقتلت وأسرت وسبت وانتهبت وعادت بالغنائم بعد ثلاثة أيام وهي صفر وبعد ذلك عاد من كان هرب منها في البحر بعد الحادثة ومن سلم واختفى وضاقت الصدور عند استماع هذا الخبر المكروه وفي شهر رمضان ورد الخبر من ناحية حلب بفاة القاضي فخر الدين أبي منصور محمد بن عبد الصمد الطرسوسي ﵀ وكان ذا همة ماضية ويقظة مضيئة ومرؤة ظاهرة في داره وولده ومن يلم به من غريب ووافد وقد نفذ أمره وتصرفه في أعمال حلب في أيام الملكية النورية وأثر في الوقوف أثراً حسناً توفر به ارتفاعه. ثم انعزل عن ذلك أجمل اعتزال.
стр. 533
وفي يوم الثلاثاء الثامن من شهر رمضان سنة ٥٤٩ توفي الحكيم أبو محمد بن حسين الطبيب المعري ﵀ وكان حسن الطريقة والصناعة كثير التجربة ثاقب المعرفة فكثر التأسف عليه وعند فقد مثله
ودخلت سنة خمسين وخمسمائة
وأولها يوم الاثنين مستهل المحرم والطالع العقرب عشرون درجة وثلاثون دقيقةً وثمان وأربعون ثانيةً. وفي اليوم الرابع والعشرين من ربيع الأولى من السنة تقررت أسباب الموادعة بين الملك العادل نور الدين صاحب دمشق وبين ملك الافرنج تقدير السنة وتمهدت القاعدة على هذه الحال إلى آخر المدة المستقرة. وبعد أيام قلائل من ذلك خرج الأمر الملكي النوري بالقبض على ضحاك والي بعلبك وطلب منه تسليمها فأجاب إلى ذلك ورحل العسكر المنصور إليها لتسلمها وفي يوم الخميس السابع من شهر ربيع الأول من السنة كان تسلمها ورتب فيها من سلمت إليه واعتمد في حفظها عليه. وفي يوم الاثنين الحادي وعشرين من رجب من السنة توجه الأمير أسد الدين شيركوه إلى حلب عند استدعاء الملك العادل نور الدين له وفي أيام من شعبان من السنة ورد الخبر من ناحية مصر بأن المنتصب في الوزارة فارس الاسلام بن رزيك لما استقام له الأمر عزم على مصالحة الافرنج وموادعتهم واستكفاف شرهم ومصانعتهم بمال يحمل إليهم من
стр. 534
الخزانة وما يفرض على اقطاع المقدمين من الأجناد فحين شاورهم في ذلك أنكروه ونفروا منه وعزموا على عزله والاستبدال به من يرتضون به واختاروا مقدماً يعرف بالأمير..... مشهوراً بالشهامة والبسالة وحسن السياسة. وارتضي لتولية الاسطول المصري مقدماً من البحرية شديد البأس بصيراً بأشغال البحر فاختار جماعةً من رجال البحر يتكلمون بلسان الافرنج وألبسهم لباس الافرنج وأنهضهم في عدة من المراكب الاسطولية وأقلع في البحر لكشف الأماكن والمكامن والمسالك المعروفة بمراكب الروم وتعرف أحوالها ثم قصد مينا صور وقد ذكر له إن فيه شختورة رومية كبيرة فيها رجال كثيرة ومال كثير وافر فهجم عليها وملكها وقتل من فيها واستولى على ما حوته وأقام ثلاثة أيام ثم أحرقها وعاد عنها في البحر فظفر بمراكب حجاج الافرنج فقتل وأسر وانتهب وعاد منكفئاً إلى مصر بالغنائم والأسرى وفي الشهر المذكور ورد الخبر من ناحية حلب بوقوع الخلف بين أولاد الملك مسعود بعد وفاته وبين أولاد قتلمش وبين أولاد قلج أرسلان وإن الملك العادل نور الدين صاحب دمشق وحلب دخل بينهم للصلح والاصلاح والتحذير من الخلف المقوي للأعداء من الروم والافرنج وطمعهم في المعاقل الاسلامية وبالغ في ذلك بأحسن توسط وبذل التحف والملاطفات وصلحت بينهم الأحوال وتناصرت الأخبار في هذا الأوان من ناحية العراق بأن الامام المقتفي لأمر الله أمير المؤمنين قد اشتدت شوكته وظهر واستظهر على كل مخالف له وعادل عن حكمه ولم يبق له مخالف مشتاق ولا عدو منافق وإنه مجمع على قصد الجهات المخالفة لأمره
стр. 535
وفي يوم الجمعة العاشر من ذي الحجة سنة ٥٥٠ عاد الملك العادل نور الدين إلى دمشق من حلب وقد كان ورد الخبر قبل ذلك بأن الأمير قرا أرسلان بن داود بن سكمان ابن ارتق ورد على الملك العادل نور الدين وهو بأعمال حلب فبالغ في الاكرام له والسرور بمقدمه ولاطفه وألطفه بما جل قدره وعظم أمره من التحف والعطاء ثم عاد عنه إلى عمله مسروراً شاكراً وورد الخبر أيضاً في شهر رمضان سنة ٥٠ بأن الملك العادل نور الدين نزل في عسكره بالأعمال المختصة بالملك قلج أرسلان بن الملك مسعود بن سليمان بن قتلمش ملك قونية وما والاها فملك عدة من قلاعها وحصونها بالسيف والأمان وكان الملك قلج أرسلان وأخواه ذو النون ودولاب كذا مشتغلين بمحاربة أولاد الدانشمند واتفق إن أولاد الملك مسعود رزقوا النصر على أولاد الدانشمند والاظهار على عسكره في وقعة كانت على موضع يعرف باقصرا في شعبان سنة ٥٥٠ فلما عرف وعاد ما كان من الملك العادل نور الدين في بلاده عظم عليه هذا الأمر واستبشعه مع ما بينهما من الموادعة والمهادنة والصهر وراسله بالمعاتبة والانكار عليه والوعيد والتهديد وأجابه بحسن الاعتذار وجميل المقال وبقي الأمر بينهما مستمراً على هذه الحال
ودخلت سنة إحدى وخمسين وخمسمائة
وأولها يوم الجمعة مستهل المحرم والطالع الدلو خمس عشرة درجة وست عشرة عاشرة وبعد وصول الحجاج يوم الجمعة السادس من
стр. 536
صفر من السنة توجه الملك العادل نور الدين إلى ناحية حلب في بعض عسكره في يوم الثلاثاء الرابع والعشرين من صفر من السنة عند انتهاء خبر الافرنج إليه بعيثهم في أعمال حلب وافسادهم وصادفه في طريقه المبشر بظفر عسكره في حلب بالافرنج المفسدين على حارم وقتلهم جماعةً منهم وأسرهم ووصل مع المبشر عدة وافرة من رؤوس الافرنج المذكورين وطيف بها في دمشق. وفي يوم الثلاثاء الثالث من شهر ربيع الأول من السنة توفي الشيخ الفقيه الزاهد أبو البيان نبا بن محمد المعروف بأن الحوراني ﵀ وكان حسن الطريقة مذ نشأ صيتاً إلى أن قضى متديناً ثقةً عفيفاً محباً للعلم والأدب والمطالعة للغة العرب وكان له عند خروج سريره لقبره في مقابر الصغيرة المجاورة لقبور الصحابة من الشهداء ﵃ يوم مشهور من كثرة المناسقين والمتأسفين عليه وورد الخبر من ناحية حلب بوفاة الشريف السيد بهاء الدين أبي الحسن الهادي بن المهدي بن محمد الحسيني الموسوي ﵀ في اليوم السابع عشر من رجب سنة ٥٥١ وكان حسن الصورة فصيح اللسان بالعربية والفارسية جميل الأخلاق والخلال مشكور الأفعال كريم النفس مليح الحديث واسع الصدر مكين المحل من الملك العادل نور الدين ركن الاسلام والمسلمين سلطان الشام أدام الله علاه وناله من الحزن لفقده والتأسف عليه ما يقتضيه مكانه المكين عنده ونظم فيه هذه
стр. 537
الأبيات رثاه بها من كان بينه وبينه مودة مستحكمة أوجبت ذاك إن رأيت اثباتها في هذا الموضع مع ذكره وهي:
نعى الناعي جاء الدين لمّا ... أتاه نازل القدر المتاح
فروّع كل ذي علمٍ وفضلٍ ... من الأدباء والعرب الفصاح
بكته غزالة الآفاق حزناً ... واظلم رزؤه ضوء الصباح
وأسبلت العيون دماً عليه ... كذلك عادة المقل الصحاح
فكم متفجّع يبكي عليه ... بحرقة موجعٍ دامي الجراح
وينشر فضله في كل نادٍ ... بألفاظ محبرةٍ فصاح
على حسناته تبكي المعالي ... بدمعة ثاكل خود رداح
فلو رام البليغ لها صفاتٍ ... لقصّر عن مراثٍ وامتداح
له خلقٌ صحيحٌ لا يضاهى ... ووجهٌ مشرق الأرجاء صاح
وكفٌّ جودها كالغيث يهمي ... على العافين كالجود المباح
له شرفان في عرب وفرس ... وقد صالا بمرهفه الصفاح
فأضحى لا مساجل في جلالٍ ... ولا شرفٍ ينير ولا سماح
على أمثاله عند الرزايا ... يعطّ جيوب أرباب البطاح
ومن كان الحسين أباه قدماً ... فقد نال المعلّى في القداح
لئن واراه في حلبٍ ضريح ... بعيدٌ عن مواطنه الفساح
وأصبح فيه منفرداً غريباً ... عن الأهلين في غلسٍ وضاح
فهذا الرسم جارٍ في البرايا ... بلا قصدٍ يكون ولا اقتراح
فلا برحت عمائم كل نود ... تروّضه بأنوار الأقاحي
ورحمة محيي الأموات تسري ... عليه في الغدو وفي الرواح
هدى الأيام ما ناحت هتوفٌ ... ولاح بقفره بيض الأداحي
стр. 538
وفي اليوم الخامس والعشرين توفي الشيخ أبو طالب شيخ الصوفية بدمشق ﵀ وكان خيراً تقياً عفيفاً حسن الطريقة مشكور الخلال
شرح الزلازل الحادثة في هذه السنة المباركة وتواليها
في ليلة الخميس التاسع من شعبان سنة ٥٥١ الموافق لليوم السابع والعشرين من أيلول في الساعة الثانية منها وافت زلزلةٌ عظيمة رجفت بها الأرض ثلاث أو أربع مرات ثم سكنت بقدرة من حركها وسكنها من مليك قادر قاهر ثم وافى بعد ذلك ليلة الأربعاء الثاني وعشرين من شعبان المذكور زلزلة وجاءت قبلها وبعدها مثلها في النهار وفي الليل ثم جاء بعد ذلك ثلاث دونهن بحيث أحصين ست مرات وفي ليلة السبت الخامس وعشرين من الشهر المذكور جاءت زلزلة أرتاع الناس منها في أول النهار وآخره ثم سكنت بقدرة محركها
وتواصلت الأخبار من ناحية حلب وحماة بانهدام مواضع كثيرة وانهدام برج من أبراج أفامية بهذه الزلازل الهائلة وذكر إن الذي أحصى عدده منها تقدير الأربعين على ما حكى والله تعالى أعلم. وما عرف مثل ذلك في السنين الماضية والأعصر الخالية وفي يوم الأربعاء التاسع وعشرين من الشهر بعينه شعبان وافت زلزلة تتلو ما تقدم ذكره آخر النهار وجاءت في الليل ثانيةً في آخره ثم وافى في يوم الاثنين أول شهر رمضان من السنة زلزلة مروعة للقلوب وعاودت ثانيةً وثالثةً ثم وافى بعد ذلك في يوم الثلاثاء ثالثةً ثلاث زلازل إحداهن في أوله هائلة والثانية والثالثة دون الأولى وأخرى في وقت الظهر مشاكلة لهن ووافى بعد ذلك اخرى هائلة أيقظت النيام وروعت القلوب انتصاف الليل فسبحان
стр. 539
القادر على ذلك ثم وافى بعد ذلك في الساعة التاسعة من ليلة الجمعة النصف من شهر رمضان من السنة زلزلة عظيمة هائلة أعظم مما سبق ولما كان عند الصباح من الليلة المذكورة وافت أخرى دونها وتلا ما تقدم في ليلة السبت أولها وجاءت أخرى آخرها ثم تلا ذلك في يوم الاثنين زلزلة هائلة وتلا ذلك في ليلة الجمعة الثالث والعشرين من شهر رمضان في الثلاث الأول منها زلزلة عظيمة مزعجة وفي غداة يوم الأحد ثاني شوال من السنة تالي ما تقدم ذكره وافت زلزلة أعظم مما تقدم روعت الناس وأزعجتهم وفي يوم الخميس سابع شوال المذكور وافت زلزلة هائلة في وقت صلاة الغداة وفي يوم الأحد الثالث عشر منه وافت زلزلة هائلة في وقت صلاة الغداة وفي يوم الاثنين تلوه وافت زلزلة أخرى مثلها ثم أخرى بعدها دونها ثم ثالثة ثم رابعة. وفي ليلة الأحد الثاني والعشرين من شوال وافت زلزلة عظيمة روعت النفوس ثم وافى عقيب ذاك ما أهمل ذكره لكثرته ودفع الله تعالى عن دمشق وضواحيها ما خاف أهلها من توالي ذلك وتتابعه برأفته بهم ورحمته لهم فله الحمد والشكر لكن وردت الأخبار من ناحية حلب بكثرة ذلك فيها وانهدام بعض مساكنها إلا شيزر فإن الكثير من مساكنها انهدم على سكانها بحيث قتل منهم العدد الكثير. وأما كفرطاب فهرب أهلها منها خوفاً على أرواحهم وأما حماة فكانت كذلك وأما باقي الأعمال الشامية فما عرف ما حدث فيها من هذه القدرة الباهرة وفي يوم الأربعاء الحادي والعشرين من شهر رمضان سنة ٥٥١ وصل المولى الملك نور الدين أعز الله نصره إلى بلده دمشق عائداً من ناحية حلب وأعمال الشام بعد تهذيبها وتفقد أحوالها سالماً في النفس والجملة بعد استقرار الموادعة بينه وبين ولد السلطان مسعود وصاحب قونية وزوال ما كان حدث بينهما
стр. 540
وفي شوال تقررت الموادعة والمهادنة بينه وبين ملك الافرنج مدة سنة كاملة أولها شعبان وإن المقاطعة المحمولة إليهم من دمشق ثمانية آلاف دينار صورية وكتبت المواصفة بذلك بعد تأكيدها بالأمان بالمواثيق المشددة. وكان المعروف بأبي سالم بن همام الحلبي قد ولي مشارفة الديوان بدمشق بعناية الأمير أسد الدين النائب عن الملك العادل نور الدين فظهر منه خيانات اعتمدها وتفريطات قصدها بجهله وسخافة عقله وتقصيره فأظهرها قوم من المتصرفين عند الكشف عنها والتحقيق لها فاقتضت الحال القبض عليه والاعتقال له إلى أن يقوم بما وجب عليه فلما كان في يوم الأحد السادس عشر من شوال سنة ٥٥١ خرج الأمر السامي النوري بالكشف عن سعاياته في فضول كان غنياً عنها فاقتضت الحال بأن يحلق لحيته ويركب حماراً مقلوباً وخلفه من يعلوه بالدرة وأن يطاف به في أسواق دمشق بعد سخام وجهه وينادى عليه هذا أجزاء كل خائن ونمام ثم أقام بعد ذلك في الاعتقال أياماً ثم أمر بنفيه إلى حلب بشفاعة من شفع فيه من مقدمي الدولة السعيدة فمضى على أقبح صفة من لعن الناس ونشر مخازيه وتعديد مساويه وفي شعبان من السنة وردت الأخبار من ناحية مصر بارتفاع أسعار الغلة بها وقلة وجودها وشدة أضرارها بالضعفاء والمساكين وغيرهم وأمر المتولي لأمرها التناء والمحتكرين لها ببيع الزائد على أقواتهم على المقلين والمحتاجين ووكد الخطاب في ذلك وما زادت الحال إلا شدةً مع ما ذكر من توفية النيل في السنة
وفي شعبان وردت الأخبار من ناحية العراق بخلاص السلطان سنجر ابن السلطان العادل من ضيق الاعتقال المتطاول به بتدبير أعمل على الموكلين به ووعود وافية بحيث أجابوا إلى ذلك وعاد إلى مكانه من السلطنة
стр. 541
ووفى بما وعد المساعدين له على الخلاص وقويت شوكته واستقامت مملكته وفي شهر رمضان وردت الأخبار من ناحية الموصل بأن السلطان سليمان شاه بن السلطان محمد عزم على العبور في عسكره إلى أعمال الموصل فأنفذ إليه واليها ومدبرها الأمير زين الدين علي كوجك يقول له: إنك فعلت وأضررت بالأعمال وأذيت أهلها. وسأله فلم يقبل ونهض إليه في عسكره من الموصل ومن انضاف إليه وصافه فرزق النصر عليه وهزم عسكره أقبح هزيمة واستولى على سواده وعاد به إلى الموصل ظافراً منصوراً وفي العشر الأخير من ذي الحجة من السنة غدر الكفرة الافرنج ونقضوا ما كان استقر من الموادعة والمهادنة بحكم وصول عدة وافرة من الافرنج في البحر وقوة شوكتهم بهم ونهضوا إلى ناحية الشعراء المجاورة لبانياس وقد اجتمع فيها من جشارات خيول العسكرية والرعية وعوامل الفلاحين فلاحي الضياع ومواشي الجلابين والعرب الفلاحين الشيء الكثير الذي لا يحصى فيذكر للحاجة إلى الرعي بها والسكون إلى الهدنة المستقرة ووقع من المندوبين لحفظهم من الأتراك تقصير فانتهزوا الفرصة واستاقوا جميع ما وجدوه وأفقروا أهله منه مع ما أسروه من تركمان وغيرهم وعادوا ظافرين غانمين آثمين والله تعالى في حكمه يتولى المكافأة لهم والادالة منهم وما ذلك عليه بعزيز
стр. 542
ودخلت سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة
أولها يوم الأربعاء مستهل المحرم والطالع برج الدلو اثنتين وعشرين درجةً وثماني عشرة دقيقة. قد تقدم شرح ما حدث من الزلازل إلى أواخر سنة ٥١ ما يغنى عن ذكره ولما كانت ليلة الأربعاء التاسع عشر من صفر سنة ٥٥٢ وافت زلزلة عظيمة عند انبلاج الصباح فروعت وأزعجت ثم سكنها محركها بلطفه ورأفته بعباده ثم تلا ذلك اخرى دونها إلى ليلة الخميس تاليه بعد مضي ساعات منها ووافت بعدهما اخرى بعد صلاة الجمعة تاليه وتواصلت الأخبار من ناحية الشمال بعظم تأثير هذه الزلازل الأول منها والآخر في مدينة شيزر وحماة وكفرطاب وأفامية وما والاها إلى مواضع من حلب والله تعالى ذكره وعز اسمه أعلم وأرحم لخلقه وفي العشر الأخير من صفر ورد كتاب السلطان غياث الدنيا والدين أبي الحرث سنجر ابن السلطان العادل أبي الفتح بن السلطان ألب ارسلان أعز الله نصره إلى الملك العادل نور الدين أدام الله أيامه بالتشوق إليه والاحماد بجلاله وما ينتهى إليه من جميع أفعاله وأعلامه وما من الله عليه به من خلاصه من الشدة التي وقع فيها والأسر الذي بلي به في أيدي الأعداء الكفرة من ملوك التركمان بحيلة دبرها وسياسة أحكمها وقررها بحيث عاد إلى منصبه من السلطنة المشهورة واجتماع العساكر المتفرقة عنه إليه واذعانها بطاعته وامتثالهم لأوامره وأمثلته واحسان وعده لكافة المسلمين بنصره على أحزاب الضلال من الافرنج الملاعين.
وتواصلت مع ذلك إلى نور الدين رسل أرباب الأعمال والمعاقل والولايات بالاستعداد للخفوف إلى أعداء الله الملاعين وغزو من بإزائه من
стр. 543
المشركين الأضداد المفسدين في البلاد والناكثين أيمانهم الموكدة في الموادعة والمهادنة. فعند ذلك أمر المولى نور الدين بزينة البلد المحروس سروراً بهذه الأحوال وفعل في ذلك ما لم تجر عادة فيما تقدم في أيام الولاة الخالية وأمر مع ذلك بزينة قلعته ودار مملكته بحيث حلى أسوارها بالآلات الحربية من الجواشن والدروع والتراس والسيوف والرماح والطوارق الافرنجية والقنطاريات والأعلام والمنجوقات والطبول والبوقات وأنواع الملاهي المختلفات وهرعت الأجناد والرعايا وغرباء البلاد من المسافرين لمشاهدة الحال فشاهدوا ما استحسن منه مدة سبعة أيام فالله تعالى يقرن ذلك بالتوفيق والاقبال وتحقيق الآمال في اهمال الكفرة أولي الأفك والضلال بمنه وفضله
وفي يوم الثلاثاء الثالث عشر من ربيع الأول توجه المولى نور الدين أدام الله أيامه إلى ناحية بعلبك لتفقد أحوالها وتقرير أمر المستحفظين لها وتواصلت الأخبار إليه من ناحية حمص وحماة باغارة الافرنج الملاعين على تلك الأعمال واطلاقهم فيها أيدي العيث والفساد والله تعالى يحسن الادالة منهم وتعجل البوار عليهم والاهلاك لهم وفي يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول توجه زين الحجاج كثر الله سلامته إلى ناحية مصر رسولاً من المولى نور الدين لايصال ما صحبه من المطالعات إلى صاحب الأمر فيها وصحبته أيضاً الرسول الواصل منها وفي يوم الأحد الخامس عشر من شهر ربيع الأول ورد المبشر من المعسكر المنصور برأس المال بأن نصرة الدين أمير ميران لما انتهى إليه خبر الافرنج الملاعين بأنهم قد أنهضوا سريةً وافرة من العدد من أبطالهم الموفورة العدد إلى ناحية بانياس لتوليها وتقويتها بالسلاح والمال
стр. 544
فأسرع النهضة إليهم في العسكر المنصور وقد ذكر إن عدتهم سبعمائة فارس من أبطال الاسبتارية والسرجندية والداوية سوى الرجالة فأدركهم قبل الوصول إلى بانياس وقد خرج إليهم من كان فيها من حماتها فأوقع بهم وقد كان كمن لهم في مواضع كمناء من شجعان الأتراك وجالت الحرب بينهم واتفق اندفاع المسلمين بين أيديهم في أول المجال وظهر عليهم الكمناء فأنزل الله نصره على المسلمين وخذلانه على المشركين فتحكمت من رؤوسهم ورقابهم مرهفات السيوف بقوارع الحمام والحتوف وتمكنت من أجسادهم مشرعات الرماح وصوارم السهام بحيث لم ينج منهم إلا القليل ممن ثبطه الأجل وأطار قلبه الوجل وصاروا بأجمعهم بين قتيل وجريح ومسلوب وأسير وطريح وحصل في أيدي المسلمين من خيولهم وعدد سلاحهم وكراعهم وأموالهم وقراطيسهم وأسراءهم ورؤوس قتلاهم ما لا يحد كثرةً ومحقت السيوف عامة رجالتهم من الافرنج ومسلمي جبل عاملة المضافين إليهم وكان ذلك في يوم الجمعة الثالث عشر من شهر ربيع الأول ووصلت الأسرى والرؤوس من القتلى والعدد إلى البلد المحروس في يوم الاثنين تاليه وأطيف بهم البلد وقد اجتمع لمشاهدتهم الخلق الكثير والجم الغفير وكان يوماً مشهوداً مستحسناً سرت به قلوب المؤمنين وأحزاب المسلمين وكان ذلك من الله تعالى ذكره وجل اسمه مكافأةً على ما كان من بغي المشركين واقدامهم على نكث أيمان المهادنة مع المولى نور الدين أعز الله نصره ونقض عهود الموادعة وأغارتهم على الجشارات ومواشي الجلابين والفلاحين المضطرين إلى المرعى في الشعراء لسكونهم إلى الأمن بالمهادنة والاغترار بتأكيد الموادعة. وكان قد أنفذ إلى المولى نور الدين إلى بعلبك جماعة من أسرى المشركين فأمر بضرب أعناقهم صبراً ذلك لهم خزي في الحيوة الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم " وَسَيعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ "
стр. 545
وتبع هذا الفتح المبين ورود البشرى الثانية من أسد الدين باجتماع العدد الكثير إليه من شجعان التركمان وإنه قد ظفر من المشركين بسرية وافرة ظهرت من معاقلهم من ناحية الشمال فانهزمت وتخطف التركمان منهم من ظفروا به ووصل أسد الدين إلى بعلبك في العسكر من مقدمي التركمان وأبطالهم للجهاد في أعداء الله المشركين وهم في العدد الكثير والجم الغفير واجتمع بالملك العادل نور الدين في يوم الاثنين الخامس والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة وتقررت الحال على قصد بلاد المشركين لتدويخها وإقامة فرض الغزو والجهاد لمن بها والابتداء بالنزول على بانياس والمضايقة لها والجهاد في افتتاحها والله يسهل ذلك بلطفه ويعجله بمعونته
ووصل نور الدين إلى البلد المحروس في يوم الخميس السابع والعشرين من شهر ربيع الأول لتقرير الأمر في إخراج آلات الحرب وتجهيزها إلى العسكر بحيث يقيم أياماً يسيرةً ويتوجه في الحال إلى ناحية العساكر المجتمعة من التركمان والعرب للجهاد في الكفرة الأضداد والله يسهل أسباب الادالة منهم ويعجل البوار والهلاك لهم إن شاء الله تعالى. وفي وقت وصوله شرع في انجاز ما وصل لأجله وأمر بتجهيز ما يحتاج إليه من المناجيق والسلاح إلى العسكر المنصور بالنداء في البلد المحروس في الغزاة والمجاهدين والأحداث المتطوعة من فتيان البلد والغرباء بالتأهب والاستعداد لمجاهدة الافرنج أولي الشرك والالحاد وبادر بالمسير في الحال إلى عسكره المنصور مغذاً غير متلوم ولا متربث في يوم السبت انسلاخ شهر ربيع الأول وتبعه بين الأحداث والمتطوعة والفقهاء والصوفية والمتدينين العدد الكثير الدثر المباهي في الوفور والكثرة فالله تعالى يقرن آراءه وعزماته بالنصر المشرق المنار والظفر باخراب المردة الكفار ويعجل لهم أسباب الهلاك والبوار بحيث لا تبقى لهم باقية ولا يرى لهم رائحة ولا غادية وما ذلك على الله تعالى القادر القاهر بعزيز
стр. 546
ولما كان يوم السبت السابع من شهر ربيع الآخر تالي اليوم المقدم ذكره عقيب نزول الملك العادل نور الدين على بانياس في عسكره المنصور ومضايقته لها بالمنجنيقات والحرب سقط الطائر من العسكر المنصور بظاهر بانياس يتضمن كتابه الاعلان بورود المبشر من معسكر أسد الدين بناحية هونين في التركمان والعرب بأن الافرنج خذلهم الله أنهضوا سريةً من أعيان مقدميهم وأبطالهم تزيد على مائة فارس سوى أتباعهم لكبس المذكورين ظناً منهم إنهم في قل ولم يعلموا إنهم في ألوف فلما دنوا منهم وثبوا إليهم كالليوث إلى فرائسها فأطبقوا عليهم بالقتل والأسر والسلب ولم يفلت منهم إلا اليسير ووصلت الأسرى ورؤوس القتلى وعددهم من الخيول المنتخبة والطوارق والقناريات إلى البلد في اليوم الاثنين تالي اليوم المذكور وطيف بهم فيه فسرت القلوب بمشاهدتهم وأكثروا الشكر لله على هذه النعمة المسهلة بعد الأولى المتكملة والله المأمول لتعجيل هلاكهم وبوارهم وما ذلك على الله بعزيز. وتتلو هذه الموهبة المجددة سقوط الطائر من المعسكر المحروس ببانياس في يوم الثلاثاء يتلو المذكور بذكر افتتاح مدينة بانياس السيف قهراً على مضي أربع ساعات من يوم الثلاثاء المذكور عند تناهي النقب واطلاق النار فيه وسقوط البرج المنقوب وهجوم الرجال فيه وبذل السيف في قتل من فيه ونهب ما حواه وانهزام من سلم إلى القلعة وانحصارهم بها وإن أخذهم بمنية الله تعالى لا يبطئ والله يسهله ويعجله واتفق بعد ذلك للأقضية المقدرة إن الافرنج تجمعوا من معاقلهم عازمين على استنقاذ الهنفري صاحب بانياس ومن معه من أصحابه الافرنج المحصورين بقلعة بانياس وقد أشرفوا على الهلاك وبالغوا في السؤال للأمان للمولى نور الدين ويسلمون ما في أيديهم من القلعة وما حوته لينجوا سالمين فلم يجبهم إلى ما سألوه ورغبوا فيه. فلما وصل ملك الافرنج في جمعه من الفارس والراجل من ناحية الجبل على حين غفلة من العسكرين
стр. 547
النازلين على بانياس لحصارها والنازل على الطريق لمنع الواصل إليها واقتضت السياسة الاندفاع عنها بحيث وصلوا إليها واستحصلوا من كان فيها فحين شاهدوا ما عم بانياس من خراب سورها ومنازل سكانها يئسوا من عمارتها بعد خرابها وذلك في أيام من العشر الأخير من شهر ربيع الآخر
وفي يوم الأربعاء التاسع من جمادى الأولى سقطت الأطيار بالكتب من المعسكر المحروس النوري تتضمن الأعلام بأن الملك العادل نور الدين أعز الله نصره لما عرف إن معسكر الكفرة الافرنج على الملاحة بين طبرية وبانياس نهض في عسكره المنصور من الأتراك والعرب وجد في السير. فلما شارفهم وهم غازون وشاهدوا راياته قد أظلتهم بادروا بلبس السلاح والركوب وافترقوا أربع فرق وحملوا على المسلمين فعند ذلك ترجل الملك نور الدين وترجلت معه الأبطال وأرهقوهم بالسهام وخرصان الرماح فما كان إلا كلا ولا حتى تزلزلت بهم الأقدام ودهمهم البوار والحمام وأنزل الله العزيز القهار نصره على الأولياء الأبرار وخذلانه على المردة الكفار وتمكنا من فرسانهم قتلاً وأسراً واستأصلت السيوف الرجالة وهم العدد الكثير والجم الغفير ولم يفلت منهم على ما حكاه الخبير الصادق غير عشرة نفر ممن ثبطه الأجل وأطار قلبه الوجل، وقيل إن ملكهم لعنهم الله فيهم وقيل إنه في جملة القتلى ولم يعرف له خبر والطلب مجد له والله المعين على الأظفار به ولم يفقد من عسكر الاسلام سوى رجلين أحدهما من الأبطال المذكورين قتل أربعة من شجعان الكفرة وقتل عند حضور أجله وانتهاء مهله والآخر غريب لا يعرف فكل منهما مضى شهيداً مثاباً مأجوراً رحمهما الله. وامتلأت أيدي العسكرية من خيولهم وعددهم وكراعهم وأثاث سوادهم الشيء الذي لا يحصى كثرةً وحصلت كنيستهم في يد الملك نور الدين بآلاتها المشهورة وكان فتحاً من الله القادر
стр. 548
الناصر عزيزاً ونصراً مبيناً أعز الله بهما الاسلام وأهله وأذل الشرك وحزبه ووصلت الأسرى ورؤوس القتلى إلى دمشق في يوم الأحد تالي يوم الفتح وقد رتبوا على كل جمل فارسين من أبطالهم ومعهما راية من راياتهم منشورة وفيها من جلود رؤوسهم بشعرها عدة والمقدمون منهم وولاة المعاقل والأعمال كل واحد منهم على فرس وعليه الزردية والخوذة وفي يده راية والرجالة من السرجندية والدركيولية كل ثلاثة وأربعة وأقل وأكثر في حبل وخرج من أهل البلد الخلق الذي لا يحصى لهم عدد من الشيوخ والشبان والنسوان والصبيان لمشاهدة ما منح الله تعالى ذكره كافة المسلمين من هذا النصر المشرق الأعلام وأكثروا من التسبيح ومواصلة التقديس لله تعالى مولى النصر لأوليائه ومديلهم من أعدائه وواصلوا الدعاء الخالص للملك العادل نور الدين المحامي عنهم والمرامي دونهم والثناء على مكارمه والوصف لمحاسنه ونظم في ذلك أبيات في هذا المعنى وهي:
مثل يوم الفرنج حين عليتهم ... ذلّة الأسر والبلا والشقاء
وبراياتهم على العيس زفوا ... بين ذلٍّ وحسرةٍ وعناء
بعد عزٍّ لهم وهيبة ذكرٍ ... في مصافّ الحروب والهيجاء
هكذا هكذا هلاك الأعادي ... عند شن الاغارة الشعواء
شؤم أخذ الجشار وكان وبالاً ... عمّهم في صباحهم والمساء
نقضوا هدنة الصلاح بجهلٍ ... بعد تأكيدها بحسن الوفاء
فلقوا بغيهم بما كان فيه ... من فساد يجلّهم واعتداء
لا حمى الله شملهم من شتاتٍ ... بمواضٍ تفوق حدّ المضاء
فجزاء الكفور قتلٌ وأسر ... وجزاء الشكور خير الجزاء
فلربّ العباد حمدٌ وشكرٌ ... دائمٌ مع تواصل النعماء
стр. 549
وشرع في قصد أعمالهم لتملكها وتدويخها والله المعين والموفق لذلك بمنه ولطفه ومشيئته. وفي يوم الخميس الخامس والعشرين من جمادى الأولى وافت زلزلة عظيمة بعد مضي ثلاث ساعات منه اهتزت لها الأرض هزات ثم وافت بعدها ثانية قرنت بعد مضي ست ساعات من اليوم ثم بعد مضي ثماني ساعات من هذا اليوم المذكور وافت ثالثة أشد من الأوليين وأزعج فسبحان محركهن بقدرته ومسكنهن بحكمته تعالى علواً كبيراً
وفي آخر هذا اليوم وافت زلزلة رابعة لما تقدم بين العشائين من ليلته مروعة هائلة أزعجت وأقلقت وضج الناس بالتهليل والتسبيح والتقديس. وفي ليلة الأحد الرابع من جمادى الآخرة من السنة آخرها عند صلاة الغداة وافت زلزلة هائلة وجاء بعدها اخرى دونها وتواصلت الأخبار من ناحية الشمال بأن هذه الزلازل أثرت في حلب تأثيراً أزعج أهلها وأقلقهم وكذلك في حمص وهدمت مواضع فيها وفي حماة وكفرطاب وأفامية وهدمت فيها ما كان من هدم ما بني من المهدوم بالزلازل الأول وحكي عن تيماء إن هذه الزلازل أثرت في مساكنها تأثيراً مهولاً وفي العشر الثاني من جمادى الآخرة تواصلت الأخبار بوصول ولد السلطان مسعود في خلق كثير للنزول على انطاكية وأوجبت الصورة تقرير المهادنة بين الملك العادل نور الدين وملك الافرنج وتكررت المراسلات بينهما والاقتراحات والمشاجرات بحيث فسد الأمر ولم يسفر على ما يؤثر من الصلاح ومرضي الاقتراح المقرون بالنجاح ووصل الملك العادل نور الدين أعز الله نصره إلى مقر عزه في بعض عسكره في يوم السبت الخامس والعشرين من جمادى الآخرة من السنة وأقر بقية عسكره ومقدميه مع العرب بإزاء أعمال المشركين خذلهم الله وكانت الأخبار تناصرت من بغداد بإظهار أمير المؤمنين المقتفى لأمر
стр. 550
الله أعز الله نصره على عسكر السلطان محمد شاه المخالف لأمره ومن انضم إليه من عسكر الموصل وغره بحيث قتل منهم العدد الكثير والجم الغفير ورحلوا عن بغداد مفرقين مفلولين خاسرين بعد المضايقة والتناهي في المحاصرة والمصابرة وفي يوم الأحد الثالث من رجب توجه الملك العادل نور الدين إلى ناحية حلب وأعمالها لتجريد مشاهدتها والنظر في حمايتها بحيث عبث المشركون فيها وقرب عساكر الملك ابن مسعود منها والله الموفق له فيما يراه ويقصده ويتوخاه وفي الساعة التاسعة من يوم الاثنين الرابع من رجب سنة ٥٢ وافت زلزلة عظيمة في دمشق لم ير مثلها فيما تقدم ودامت وجفاتها حتى خاف الناس على أنفسهم ومنازلهم وهربوا من الدور والحوانيت والسقايف وانزعجوا وأثرت في مواضع كثيرة ورمت من فص الجامع الشيء الكثير الذي يعجز عن إعادة مثله ثم وافت عقيبها زلزلة في الحال ثم سكنتا بقدرة من حركها وسكنت نفوس الناس من الروعة والخوف برحمة خالقهم ورازقهم لا الله إلا هو الرؤوف الرحيم. ثم تبع ذلك في أول ليلة اليوم المذكور زلزلة وفي وسطه زلزلة وفي آخره زلزلة أخف من الأولى والله ﵎ لطيف بعباده وبلاده وله الحمد والشكر رب العالمين. وتلا ذلك في يوم الجمعة الثامن من رجب زلزلة مهولة أزعجت الناس وتلاها في النصف منها ثانية وعند انبلاج الصبح ثالثة وكذلك في ليلة السبت وليلة الأحد وليلة الاثنين وتتابعت بعد ذلك بما يطول به الشرح ووردت الأخبار من ناحية الشمال بما يسوء سماعه ويرعب النفوس
стр. 551
ذكره بحيث انهدمت حماة وقلعتها وسائر دورها ومنازلها على أهلها من الشيوخ والشبان والأطفال والنسوان وهم العدد الكثير والجم الغفير بحيث لم يسلم منهم إلا القليل اليسير. وأما شيزر فإن ربضها سلم إلا ما كان خرب أولاً وأما حصنها المشهور فإنه انهدم على واليها تاج الدولة بن أبي العساكر بن منقذ ﵀ ومن تبعه إلا اليسير ممن كان خارجاً وأما حمص فإن أهلها كانوا قد أجفلوا منها إلى ظاهرها وسلموا وتلفت مساكنهم وتلفت قلعتها وأما حلب فهدمت بعض دورها وخرج أهلها وأما ما بعد عنها من الحصون والمعاقل إلى جبلة وجبيل فأثرت فيها الآثار المستبشعة وأتلفت سلمية وما اتصلت بها إلى ناحية الرحبة وما جاورها ولو لم تدرك العباد والبلاد رحمة الله تعالى ولطفه ورحمته ورأفته لكان الخطب الخطير والأمر الفطيع المزعج بحيث نظم في ذلك من قال:
روّعتنا زلازل حادثاتٌ ... بقضاء قضاه ربّ السماء
هدمت حصن شيزر وحماةً ... أهلكت أهلها بسوء القضاء
وبلاداً كثيرةً وحصوناً ... وثغوراً موثّقات البناء
وإذا ما رنت عيونٌ إليها ... أجرت الدمع عندها بالدماء
وإذا ما قضى من الله أمرٌ ... سابق في عباده بالمضاء
حار قلب اللبيب فيه ومن كا ... ن له فطنة وحسن ذكاء
وتراه مسبّحاً باكي العين م ... مروعا من سخطة وبلاء
جلّ ربي في ملكه وتعالى ... عن مقال الجهال والسفهاء
وأما هل دمشق فلما وافتهم الزلزلة من هولها وأجفلوا من منازلهم والمسقف إلى الجامع والأماكن الخالية من البنيان خوفاً على نفوسهم ووافت بعد ذلك اخرى وفتح باب البلد وخرج الناس إلى ظاهره والبساتين
стр. 552
والصحراء وأقاموا عدة ليال وأيام على الخوف والجزع يسبحون ويهللون ويرغبون إلى خالقهم ورازقهم في العفو عنهم واللطف بهم والله تعالى والي الاجابة وقبول الرغبة والانابة ووردت الأخبار مع ذلك من ناحية العراق في أوائل رجب سنة ٥٥٢ بوفاة سلطان غياث الدنيا والدين أبي الحرث سنجر ابن السلطان العادل أبي الفتح ابن السلطان البارسلان وهو سلطان خراسان عقيب خلاصه من الشدة التي وقع فيها والأسر الذي حصل فيه وكان يحب العدل والانصاف للرعايا حسن الفعل جميل السيرة وقد علت سنه وطال عمره وتولاه الله برحمته وسابغ مغفرته بفضله ورأفته وفي شهر رمضان من السنة ورد الخبر من ناحية حلب بوفاة الشيخ الأمير مخلص الدين أبي البركات عبد القاهر بن علي بن أبي جرادة الحلبي ﵀ في العشر الثاني منه بعرض عرض له وهو الأمين على خزائن مال الملك العادل نور الدين سلطان الشام فراعني فقده والمصاب بمثله لأنه كان خيراً كاتباً بليغاً حسن البلاغة نظماً ونثراً مستحسن الفنون من التذهيب البديع وحسن الخط المحرر على الأصول القديمة المستطرفة مع صفاء الذهن وتوقد الفطنة والذكاء وكان بيني وبينه مودة محصدة الأسباب في أيام الصباء وبعدها بحكم تردده من حلب إلى دمشق وأوجبت هذه الحال تفجعي به وتأسفي على مثله نظم هذه الأبيات أرثيه بها وأصف محاسنه فيها وهي:
فجعت بخلٍّ كان يونس وحشتي ... تذكره في غيبةٍ وحضور
فتى كان ذا فضلٍ يصول بفضله ... وليس له من مشبهٍ ونظير
وقد كان ذا فضلٍ وحسن بلاغةٍ ... ونظم كدرٍّ في قلائد حور
стр. 553
يفوق بحسن اللفظ كل فصاحةٍ ... وخطٍّ بديع في الطروس منير
وقد كنت ذا شوق إليه إذا نأى ... فقد صرت ذا حزن بغير سرور
سأشكوا زماناً روّعتني صروفه ... بفقدي من أهوى بغير مجير
وما نافعي شكوى الزمان وقد غدا ... على كل ملكٍ في الزمان خطير
وأجناده بالمرهفات تحوطه ... وكل شجاع فاتكٍ ونصير
سقى الله قبراً ضمّه بمجلجل ... بكل أصيل حادث وبكور
ليصبح كالروض الأنيق إذا بدا ... بزهر يروق الناظرين نضير
برحمة من يرجى لرحمة مثله ... وغفران ربٍّ للعباد غفور
وفي يوم الأربعاء الرابع والعشرين من شهر رمضان من السنة وافت في دمشق زلزلة روعت الناس وأزعجتهم لما قد وقع في نفوسهم مما قد جرى على بلاد الشام من تتابع الزلازل فيها وهدم ما هدمت منها. ووافت الأخبار من ناحية حلب بأن هذه الزلزلة المذكورة جاءت في حلب هائلة قلقلت من دورها وجدرانها العدد الكثير وأجفل منها أهلها إلى ظاهرها خوفاً على نفوسهم. وإنها كانت بحماة أعظم ما كانت في غيرها وإنها هدمت ما كان عمر فيها من بيوت يلتجأ إليها وإنها دامت فيها أياماً كثيرةً في كل يوم عدة وافرة من الرجفات الهائلة وتتبعها صيحات مختلفات توفي على أصوات الرعود القاصفة المزعجة فسبحان من له الحكم والأمر ومنه تؤمل الرحمة واللطف وهو على كل شيء قدير. وتلا بعد ذلك رجفات متوالية أخف من غيرهن فلما كان في ليلة السبت العاشر من شوال وافت زلزلة هائلة بعد صلاة العشاء الآخرة أزعجت وأقلقت وتلاها في أثرها هزة خفية ثم سكنهما محركهما بقدرته ورأفته بأهل دمشق ورحمته فله الحمد والشكر رب العالمين
وفي يوم الثلاثاء الرابع عشر من شوال من السنة ورد الخبر من ناحية بصرى باستشهاد واليها فخر الدين سرخاك غيلةً في مقره من حصنها بتدبير
стр. 554
تقرر بين الأمير علي بن جولة زوج ابنته ومن وافقه من أعيان خاصته وأماثل بطانته وكان فيه افراط من التحرز واستعمال التيقظ ولكن القضاء لا يغالب ولا يدافع والمحتوم النافذ لا يمانع وفي أول ليلة الأحد العشرين من شوال من السنة توفي الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن سلامة بمرض عرض له وقد علت سنه وبلغ سبعاً وتسعين سنة المعروف بابن الحراسى وكان شيخاً ظريفاً حسن الهيئة نظيف اللبسة أديباً فاضلاً حسن المحاضرة عند المثابتة والمذاكرة وكان أكثر زمانه مقيماً بشيزر بين آل منقذ مكرماً محترماً ﵀ وفي ليلة السبت العاشر من ذي القعدة من السنة وافت أولها زلزلة رجفت لها الأرض ووجلت لها القلوب وتبعها عدة أخف من الأولى. وفي غد هذا اليوم بعد مضي تقدير ساعتين منه وافت زلزلة وأخرى في أثرها وسكنهن المحرم لهن بقدرته وحكمته وسلم منهن برحمته ورأفته الرؤوف الرحيم وكان الغيث قد احتبس وسميه عن العادة المعروفة واحتاج ما بذر من الغلال إلى سقيه وضاقت الصدور لذلك وقنطت النفوس ثم بعث الله برحمته لخلقه في أول ذي القعدة منه ما روى الوهاد والآكام وعم حوران وسائر البقاع وسرت بذلك النفوس وانحط سعر الغلة بعد ارتفاعه فلله الحمد على انعامه على عبيده وله الشكر وفي ليلة الجمعة الثالث والعشرين من ذي القعدة التالي لما تقدم بعد مضي ساعة منها وافت زلزلة روعت القلوب وهزت المنازل والمساكن ثم سكنها محركها بقدرته القاهرة ورحمته الواسعة فله الحمد والشكر رب العالمين
стр. 555
وفي ليلة الأحد الخامس والعشرين من الشهر المذكور التالي يوم الجمعة المقدم ذكره وافت في أوائلها زلزلة أزعجت وأقلقت ثم تلاها ثانية عند انتصافها أعظم منها نفر الناس من هولها إلى الجامع والأماكن المكتشفة وضجوا بالتكبير والتهليل والتسبيح والدعاء إلى الله تعالى والتضرع إليه ثم وافى بعد تلك الثانية ثالثة دونها عند تصرم الليل ثم وافى بعد الثالثة رابعة دونها ثم خامسة وسادسة ثم سكنت بقدرة محركها ولم تؤثر أثراً منكراً في البلد فلله الحمد تعالى أمره وعظم شأنه وفي أوائل ذي القعدة من هذه السنة ورد الخبر من حمص بوفاة واليها الأمير الملقب بصلاح الدين وكان في أيام شبوبيته قد حظي في خدمة عماد الدين أتابك زنكي صاحب حلب والشام ﵀ وتقدم عنده بالمناصحة وسداد التدبير وحسن السفارة وصواب الرأي ولما علت سنه ضعفت قوته وآلته عن السعي إلا في ركوب الخيل والجأته الضرورة إلى الحمل في المحفة لتقرير الأحوال والنظر في الأعمال ولم ينقص من حسه وفهمه ما ينكر عليه إلى حين وفاته وخلفه من بعده أولاده في منصبه وولايته وفي يوم الجمعة انسلاخ ذي القعدة من السنة بعد مضي تقدير ساعتين منه وافت زلزلة رجفت بها الأرض وانزعج الناس لها ثم سكنت بقدرة المحرك لها وحكمته البالغة فله الحمد على لطفه بعباده تبارك الله رب العالمين
وفي أيام من شوال سنة ٥٥٢ ورد إلى دمشق أمير من أئمة فقهاء بلخ في عنفوان شبابه وغضارة عوده ما رأيت أفصح من لسانه ببلاغته العربية والفارسية ولا أسرع من جوابه ببراعته ولا أطيش من قلمه في كتابته فقلت ما ينبغي أن يهمل إثبات اسم هذا الأمير الامام في هذا التاريخ المصنف لأنني ما رأيت مثله ولا شاهدت شبيهاً له فالتمست
стр. 556
نعوته التي بها يعرف واليه تنسب فأنفذ إلي كتاباً قد كتب عن السلطان غياث الدنيا والدين أبي شجاع محمود بن محمد بن ممدود قسيم أمير المؤمنين في الطغراء وكتاب وزيره محمود بن سعد بن عبد الواحد مخلص أمير المؤمنين إلى الملك العادل نور الدين ملك الشام وكلاهما ينطق بحسن صفاته واحترامه والوصية المؤكدة باكرامه ووصفه بنعوته المكملة وهي: الأمير الامام الأجل العالم المحترم الأخص الحميد الأعز نظام الدين عماد الاسلام تاج الملوك والسلاطين ملك الكلام بستان العالم أفصح العرب والعجم أعجوبة الدهر كريم الأطراف فخر الأسلاف افتخار ما وراء النهر تاج العراق سراج الحرمين مقتدى الأئمة مرتضي الخلافة رئيس الأصحاب شرقاً وغرباً مهذب الأئمة والأفاضل ذو المناقب والفضائل نادر الزمان نسيب خراسان أبو الحياة محمد بن أبي القسم بن عمر البلخي ووعظ في جامع دمشق عدة أيام والناس يستحسنون وعظه ويستطرفون فنه وسلاطة لسانه وسرعة جوابه وحدة خاطره وصفاء حسه ونظمت في صفاته هذه الأبيات:
نظام الدين أفضل من رأينا ... من العلماء في عربٍ وعجم
وأنهى منهم لفظاً وخطّاً ... بحسن بلاغةٍ وصفاء فهم
يفوق فصاحةً قسّاً ويوفي ... عليه عند منثورٍ ونظمٍ
إذا رام البديع من المعاني ... أتاه مسرعاً كالغيث يحمي
فليس له مجارٍ في فنون ... حوى احساناً من كل علم
إذا وعظ الامام سمعت وعظاً ... يحط العصم من قال الأشم
ويحرق حسن منطقه إذا ما ... تكرّر حسنه سمع الأصم
له الشرف الرفيع إذا تناهت ... مفاخرة الشراف بكل قرم
وما ألفيت من يحظى بمدحٍ ... سواه إذ مضى في المدح عزمي
стр. 557
وما سمحت لغير علاه نفسي ... على ضني به عن كل فدم
فلا زالت مطايا المدح تسري ... إليه وقد خلا من كل ذمّ
مدى الأيام ما هتفت هتوفٌ ... على غصنٍ بغضّ النور ينمي
قد تقدم من ذكر الملك العادل نور الدين في نهوضه من دمشق في عساكره إلى بلاد الشام عند انتهاء الخبر إليه بتجمع أحزاب الافرنج خذلهم الله وقصدهم لها وطمعهم فيها بحكم ما حدث من الزلازل والرجفات المتتابعة بها وما هدمت من الحصون والقلاع والمنازل في أعمالها وثغورها لحمايتها والذب عنها وإيناس من سلم من أهل حمص وشيزر وكفرطاب وحماة وغيرها بحيث اجتمع إليه الخلق الكثير والجم الغفير من رجال المعاقل والأعمال والتركمان وخيم بهم بإزاء جمع الافرنج في الأعداد الدثرة والتناهي في الكثرة بالقرب من انطاكية وحصرهم بحيث لم يقدر فارس منهم على الاقدام على الافساد فلما مضت أيام من شهر رمضان سنة ٥٥٢ عرض للملك العادل نور الدين ابتداء مرض حاد فلما اشتد به وخاف منه على نفسه استدعى أخاه نصرة الدين أمير ميران وأسد الدين شيركوه وأعيان الأمراء والمقدمين وأوصى إليهم ما اقتضاه رأيه واستصوبه وقرر معهم كون أخيه نصرة الدين القائم في منصبه من بعده والساد لثلمة فقده واشتهاره بالشهامة وشدة البأس ويكون مقيماً بحلب ويكون أسد الدين في دمشق في نيابة نصرة الدين واستحلف الجماعة على هذه القاعدة. فلما تقررت هذه القاعدة اشتد به المرض فتوجه في المحفة إلى حلب وحصل في قلعتها وتوجه أسد الدين إلى دمشق لحفظ أعمالها من
стр. 558
فساد الافرنج وقصد أعمال الملاعين في أواخر شوال من السنة وتواصلت عقيب هذه الحال الأراجيف بالملك نور الدين فقلقت النفوس وانزعجت القلوب فتفرقت جموع المسلمين واضطربت الأعمال وطمع الافرنج فقصدوا مدينة شيزر وهجموها وحصلوا فيها فقتلوا وأسروا وانتهبوا وتجمع من عدة جهات خلق كثير من رجال الإسماعيلية وغيرهم فاستظهروا عليهم وقتلوا منهم وأخرجوهم من شيزر
واتفق وصول نصرة الدين إلى حلب فأغلق والي القلعة مجد الدين في وجهه الأبواب وعصى عليه فثارت أحداث حلب وقالوا: هذا صاحبنا وملكنا بعد أخيه. وزحفوا في السلاح إلى باب البلد فكسروا إغلاقه ودخل نصرة الدين في أصحابه وحصل في البلد وقامت الأحداث على والي القلعة باللوم والانكار والوعيد واقترحوا على نصرة الدين اقتراحات من جملتها إعادة رسومهم في التأذن بحي على خير العمل محمد وعلي خير البشر فأجابهم إلى ما رغبوا فيه وأحسن القول لهم والوعد ونزل في داره. وأنفذ والي القلعة إلى نصرة الدين والحلبيين يقول: مولانا الملك العادل نور الدين حي في نفسه مقيم في مرضه. وما كان إلى ما فعل حاجة تدعو إلى ما كان فقيل الذنب في ذاك إلى الوالي وكتم الحال وصعد إلى القلعة من شاهد نور الدين حياً يفهم ما يقول وما يقال له فأنكر ما جرى وقال: الآن أنا أصفح للأحداث عن هذا الخطل ولا أواخذهم بالزلل وما طلبوا إلا صلاح حال أخي وولي عهدي من بعدي وشاعت الأخبار وانتشرت البشارات في الأقطار بعافية الملك نور الدين فأنست القلوب بعد الاستيحاش وابتهجت النفوس بعد القلق والانزعاج وتزايدت العافية وصرفت الهمم إلى مكاتبات المقدمين بالعود إلى جهاد الملاعين وكان نصرة الدين قد ولي مدينة حران وأضيف إليها وتوجه نحوها. وكان الغيث قد أمسك عن أعمال حوران وعزم أهلها على
стр. 559
النزوح من ضياعها لعدم ماء شربهم وبعده عنهم وكذلك سائر الأعمال فلطف الله تعالى بعباده وبلاده فأرسل عليهم في العشاء الآخر من كانون الثاني من السنة الشمسية الموافق للعشر الآخر من ذي الحجة من السنة القمرية سنة ٥٥٢ من الغيث الهطال المتدارك والثلج المتتابع ما روى الوهاد والآكام وجرت به أودية حوران ودارت أرحيتها وانتعشت زروعها وأنبتت بالغيث سباخها فلله تعالى الحمد على هذه النعمة التي لا يحصى لها عدد ولا يحصر لها أمد ولما تناصرت الأخبار بالبشائر إلى أسد الدين بدمشق بعافية الملك العادل نور الدين واعتزامه على استدعاء عساكر الاسلام لجهاد أعداء الله والمقيمين بالشام سارع بالنهوض من دمشق إلى ناحية حلب ووصل إليها في خيله واجتمع مع الملك العادل نور الدين فأكرم لقياه وشكر مسعاه وشرعوا في حماية الأعمال من شر عصب الكفر والضلال بما يعود بصلاح الأحوال والله المسهل لنيل المباغي والآمال بمنه وفضله. ونظمت هذه الأبيات في هذا المعنى:
لقد حسنت صفاتك يا زماني ... وفزت بما رجوت من الأماني
فكم أصبحت مرعوباً مخوفاً ... فبدّلت المخافة بالأمان
فكم من وحشةٍ وافت وزالت ... وهدّمت الرفيع من المباني
وجاءتنا أراجيفٌ بملكٍ ... عظيم الشأن مسعود الزمان
فروّعت القلوب من البرايا ... وصار شجاعها مثل الجبان
وثارت فتنةً تخشى أذاها ... على الاسلام في قاصٍ ودان
ووافى بعد ذاك بشير صدقٍ ... بعافية المليك مع التهاني
فوّلى الخوف مهدوم المباني ... وعاد الأمن معمور المغاني
стр. 560
ودخلت سنة ثلاث وخمسين وخمسمائة
وأولها يوم الاثنين أول المحرم والطالع الجدى. وفي أوائله تناصرت الأخبار من ناحية الافرنج خذلهم الله المقيمين في الشام في مضايقتهم لحصن حارم ومواظبتهم على رميه بحجارة المناجيق إلى أن أضعف وملك بالسيف وتزايد طمعهم في شن الغارات في الأعمال الشامية وإطلاق الأيدي في العيث والفساد في معاقلها وضياعها بحكم تفرق العساكر الاسلامية والخلف الواقع بينهم باشتغال الملك العادل بعقابيل المرض العارض له ولله المشيئة التي لا تدافع والأقضية التي لا تمانع
وفي صفر منها ورد الخبر والمبشر بروز الملك العادل نور الدين من حلب المتوجه إلى دمشق واتفق للكفرة الملاعين متواتر الطمع في شن الغارات على أعمال حوران والاقليم واطلاق أيدي الفساد والعيث والاحراق والاخراب في الضياع والنهب والأسر والسبي وقصد داريا والنزول عليها في يوم الثلاثاء انسلاخ صفر من السنة واحراق منازلها وجامعها والتناهي في إخرابها وظهر إليهم من العسكرية والأحداث والعدد الكثير وهموا بقصدهم والاسراع إلى لقائهم وكفهم فمنعوا من ذلك بعد أن قربوا منهم وحين شاهد الكفار خذلهم الله كثرة العدد الظاهرة إليهم رحلوا في آخر النهار المذكور إلى ناحية الاقليم ووصل الملك نور الدين إلى دمشق وحصل في قلعتها غرة يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الأول سالماً في نفسه وجملته ولقي بأحسن زي وترتيب وتجمل واستبشر العالم بمقدمه المسعود وابتهجوا وبالغوا في شكر الله تعالى على سلامته وعافيته والدعاء له بدوام أيامه ونصر أعلامه وشرع في تدبير أمر الأجناد والتأهب للجهاد والله تعالى يمده بالنصر وإدراك كل بغية ومراد
стр. 561
وفي أوائل شهر ربيع الأول من سنة ٥٣ ورد الخبر من ناحية مصر بخروج فريق وافر من عسكرها إلى غزة وعسقلان وأغاروا على أعمالها وخرج إليها من كان بها من الفرنج الملاعين فأظهر الله المسلمين عليهم قتلاً وأسراً بحيث لم يفلت منهم إلا اليسير وغنموا ما ظفروا وعادوا سالمين ظافرين وقيل أن مقدم الغزاة في البحر ظفر بعد من مراكب المشركين وهي مشحنة بالافرنج فقتل وأسر منهم العدد الكثير والجم الغفير وحاز من أموالهم وعددهم وأثاثهم ما لا يكاد يحصى وعاد ظافراً غانماً وورد الخبر في الخامس عشر من شهر ربيع الأول من السنة من ناحية حلب بحدوث زلزلة هائلة روعت أهلها وأزعجتهم وزعزعت مواضع من مساكنها ثم سكنت بقدرة محركها ذكره. وفي ليلة السبت الخامس والعشرين من ربيع الأول من السنة وافت زلزلة بدمشق روعت وأقلقت ثم سكنت بقدرة محركها تعالى ذكره وفي يوم الأحد التاسع من شهر ربيع الآخر من السنة برز الملك العادل نور الدين من دمشق إلى جسر الخشب في العسكر المنصور بآلات الحرب مجداً في جهاد الكفرة المشركين وقد كان أسد الدين قبل ذلك عند وصوله في من معه من فرسان التركمان غار بهم على أعمال صيدا وما قرب منها فغنموا أحسن غنيمة وأوفرها وخرج إليهم ما كان بها من خيالة الافرنج ورجالتها وقد كمنوا لهم فغنموهم وقتل أكثرهم وأسر الباقون وفيهم ولد المقدم المولى حصن حارم وعادوا سالمين بالأسرى ورؤوس القتلى والغنيمة لم يصب منهم غير فارس واحد فقد ولله الحمد على ذلك والشكر وفي يوم الثلاثاء أول شهر تموز الموافق لأول جمادى الآخرة من السنة وافى في البقاع مطر هطال بحيث حدث منه سيل أحمر كما جرت به العادة في تنبول كذا الشتاء ووصل إلى بردى ووصل إلى دمشق فكثر التعجب من قدرة الله حدوث مثل ذلك في مثل هذا الوقت
стр. 562
وفي آخر ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من رجب من السنة وافت زلزلة عند تأذين الغداة روعت القلوب وأزعجت النفوس ثم سكنت بقدرة الله الرؤوف الرحيم ثم وافت أخرى عقيب الماضية في ليلة الخميس وقت صلاة الغداة ثم سكنت بقدرة الله تعالى وورد الخبر من العسكر المحروس بأن الافرنج خذلهم الله تجمعوا وزحفوا إلى العسكر المنصور وأن المولى نور الدين نهض في الحال في العسكر والتقى الجمعان واتفق أن في عسكر الاسلام حدث لبعض المقدمين فشل فاندفعوا وتفرقوا بعد الاجتماع وبقي نور الدين ثابتاً بمكانه في عدة يسيرة من شجعان غلمانه وأبطال خواصه في وجوه الافرنج وأطلقوا فيهم السهام فقتلوا منهم ومن خيولهم العدد الكثير ثم ولوى منهزمين خوفاً من كمين يظهر عليهم من عسكر الاسلام ونجى الله وله الحمد نور الدين من بأسهم بمعونة الله تعالى له وشدة بأسه وثبات جأشه ومشهور شجاعته وعاد إلى مخيمه سالماً في جماعته ولام من كان السبب في اندفاعه بين يدي الافرنج وتفرق جمع الافرنج إلى أعمالهم وراسل ملك الافرنج في طلب الصلح والمهادنة وحرض على ذلك وترددت المراسلات بين الفريقين ولم يستقر حال بينهما وأقام العسكر المنصور بعد ذلك مدة ثم اقتضى الرأي السعيد الملكي النور الانكفاء إلى البلد المحروس فوصل إليه في يوم ... من شعبان من السنة
ولما كان في أواخر أيام من رجب سنة ٥٥٣ تجمع قوم من سفهاء العوام وعزموا على التحريض للملك العادل نور الدين على
стр. 563
إعادة ما كان أبطاله وسامح به أهل دمشق من رسوم دار البطيخ وعرضة البقل والأنهار وصانهم من أعنات شر الضمان وحوالة الأجناد وكرروا بسخف عقولهم الخطاب وضمنوا القيام بعشرة آلاف دينار بيضاء وكتبوا بذلك حتى أجيبوا إلى ما راموه فشرعوا في فرضها على أرباب الأملاك من المقدمين والأعيان والرعايا فما اهتدوا إلى صواب ولا نجح لهم رأي في خطاب ولا جواب وعسفوا الناس بجهلهم بحيث تألموا وأكثروا الضجيج والاستغاثة إلى الملك العادل نور الدين فصرف همه إلى النظر في هذا الأمر فنتجت له السعادة وإيثار العدل في الرعية في إعادة ما أشكل إلى ما كان عليه فلما كان يوم الاثنين العاشر من شهر رمضان أمر بإعادة الرسوم المعتادة إلى ما كانت من أمانها وتعفية أثرها وأضاف إلى ذلك تبرعاً من نفسه ابطال ضمان الهريسة والجبن واللبن ورسم بكتب منشور يقرأ على كافة الناس بإبطال هذه الرسوم جميعها وتعفية ذكرها فبالغ العالم في ذلك من مواصلة الأدعية للملك العادل والثناء عليه والنشر لمحاسنه فالله تعالى يستجيب منهم ويديم أيامه ويقرن أيامه بالسعادة والنصر لأوليائه وأعلامه وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رمضان من السنة وصل الحاجب محمود المولد من ناحية مصر بجواب ما تحملنا من المراسلات من الملك الصالح متولي أمرها ومعه رسول من مقدمي أمرائها ومعه المال المنفذ برسم الخزانة الملكية النورية وأنواع الأثواب المصرية والجياد العربية. وكانت فرقة من الافرنج خذهم الله قد ضربوا المهم
стр. 564
في المعابر فأظفر الله بهم بحيث لم يفلت منهم إلا القليل النزر ثم تلا ذلك وورد الخبر من العسكر المصري بظفره بجملة وافرة من الافرنج والعرب تناهز أربعمائة فارس وتزيد على ذلك في ناحية العريش من الجفار بحيث استولى عليهم القتل والأسر والسلب وكان فتحاً حسناً وظفراً مستحسناً والله المحمود على ذلك المشكور وفي يوم الثلاثاء ثالث شوال من السنة توفي المنتجب أبو سالم بن عبد الرحمن الحلبي متولي كتابة الجيش وعرض الأجناد في ديوان الملك العادل نور الدين ﵀ وكان خيراً حسن الطريقة مجموعاً على شكره والتأسف على فقد مثله وتلا مصابه وفاة المهذب أبي عبد الله بن نوفل الحلبي في دمشق أيضاً ﵀ في يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي القعدة من السنة وكان كاتباً للأمير الاسفهسلار أسد الدين ووزيره وهو موصوف بالخيرية محمود الأفعال مشكور المقاصد في جميع الأحوال والخلال واستخدم ولده في منصبه وتلا ذلك ورود الخبر من ناحية حماة في العشر الأخير من ذي الحجة من السنة بوفاة رضي الدين أبي المجد مرشد بن علي بن عبد اللطيف المعري بحماة ﵀ وكان من الرجال الأسداء الكفاة فيما كان يستنهض فيه في أيام الأتابكية وكذلك في الأيام النورية وكان مع ذلك موصوفاً بالخيرية وسلامة الطبع مستمراً في ذلك على منهاج أسوته وكانت الأخبار قد تناصرت من ناحية القسطنطينية في ذي الحجة من السنة ببروز ملك الروم منها في العدد الكثير والجم الغفير لقصد الأعمال والمعاقل الاسلامية ووصوله إلى مروج الديباج وتخييمه فيها
стр. 565
وبث سراياه للاغارة على الأعمال الأنطاكية وما والاها وأن قوماً من التركمان ظفروا بجماعة منهم هذا بعد أن افتتح من الأعمال لاوين ملك الأرمن عدة من حصونه ومعاقله. ولما عرف الملك العادل نور الدين هذا شرع في مكاتبة ولاة الأعمال والمعاقل بإعلامهم ما حدث من الروم ويبعثهم على استعمال التيقظ والتأهب للجهاد فيهم والاستعداد للنكاية بمن يظفر منهم والله تعالى ولي النصر عليهم والاظفار بهم كما جرت عوائده الجميلة في خذلانهم والاظهار عليهم ورد بأسهم في نحورهم وهو تعالى على كل شيء قدير.
وقد اتفق في هذه السنة السعيدة التي هي سنة ٥٥٣ منذ ابتداء تشرين الثاني الكائن فيها إلى أوائل شباط أن السماء بأمر خالقها أرسلت عزاليها بتدارك الثلوج والأمطار مع توالي الليل والنهار بحيث عمت الأقطار وروت الوهاد والأغوار والبراري والقفار وجرت الأودية وتتابعت السيول بمائها المصندل واللبني والبنكي واكتست الأراضي المنخفضة والبقاع بخضرة الزرع وعشب النبات وأشبعت السائمة بعد الضعف والسغب وإراحتها من كلفة العناء والتعب وكذلك سائر المواشي الراعي والوحوش القاصية والدانية وتناصرت الأخبار من سائر الجهات بعموم هذه النعمة وذكر الشيوخ أنهم لم يشاهدوا مثل ذلك في السنين الخالية فلله على نعمته خالص الحمد ودائم الشكر
ودخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة
أولها يوم الجمعة مستهل المحرم منها. وفي هذا اليوم وافت زلزلة عظيمة ضحى نهاره وسكنها محركها بقدرته ورحمته وتلاها في يومها ثنتان دونها
следующие страницы →