Полный текст (573 стр.). Показаны 561–573 · переход к 566.
стр. 561
وفي أوائل شهر ربيع الأول من سنة ٥٣ ورد الخبر من ناحية مصر بخروج فريق وافر من عسكرها إلى غزة وعسقلان وأغاروا على أعمالها وخرج إليها من كان بها من الفرنج الملاعين فأظهر الله المسلمين عليهم قتلاً وأسراً بحيث لم يفلت منهم إلا اليسير وغنموا ما ظفروا وعادوا سالمين ظافرين وقيل أن مقدم الغزاة في البحر ظفر بعد من مراكب المشركين وهي مشحنة بالافرنج فقتل وأسر منهم العدد الكثير والجم الغفير وحاز من أموالهم وعددهم وأثاثهم ما لا يكاد يحصى وعاد ظافراً غانماً وورد الخبر في الخامس عشر من شهر ربيع الأول من السنة من ناحية حلب بحدوث زلزلة هائلة روعت أهلها وأزعجتهم وزعزعت مواضع من مساكنها ثم سكنت بقدرة محركها ذكره. وفي ليلة السبت الخامس والعشرين من ربيع الأول من السنة وافت زلزلة بدمشق روعت وأقلقت ثم سكنت بقدرة محركها تعالى ذكره وفي يوم الأحد التاسع من شهر ربيع الآخر من السنة برز الملك العادل نور الدين من دمشق إلى جسر الخشب في العسكر المنصور بآلات الحرب مجداً في جهاد الكفرة المشركين وقد كان أسد الدين قبل ذلك عند وصوله في من معه من فرسان التركمان غار بهم على أعمال صيدا وما قرب منها فغنموا أحسن غنيمة وأوفرها وخرج إليهم ما كان بها من خيالة الافرنج ورجالتها وقد كمنوا لهم فغنموهم وقتل أكثرهم وأسر الباقون وفيهم ولد المقدم المولى حصن حارم وعادوا سالمين بالأسرى ورؤوس القتلى والغنيمة لم يصب منهم غير فارس واحد فقد ولله الحمد على ذلك والشكر وفي يوم الثلاثاء أول شهر تموز الموافق لأول جمادى الآخرة من السنة وافى في البقاع مطر هطال بحيث حدث منه سيل أحمر كما جرت به العادة في تنبول كذا الشتاء ووصل إلى بردى ووصل إلى دمشق فكثر التعجب من قدرة الله حدوث مثل ذلك في مثل هذا الوقت
стр. 562
وفي آخر ليلة الأربعاء الثالث والعشرين من رجب من السنة وافت زلزلة عند تأذين الغداة روعت القلوب وأزعجت النفوس ثم سكنت بقدرة الله الرؤوف الرحيم ثم وافت أخرى عقيب الماضية في ليلة الخميس وقت صلاة الغداة ثم سكنت بقدرة الله تعالى وورد الخبر من العسكر المحروس بأن الافرنج خذلهم الله تجمعوا وزحفوا إلى العسكر المنصور وأن المولى نور الدين نهض في الحال في العسكر والتقى الجمعان واتفق أن في عسكر الاسلام حدث لبعض المقدمين فشل فاندفعوا وتفرقوا بعد الاجتماع وبقي نور الدين ثابتاً بمكانه في عدة يسيرة من شجعان غلمانه وأبطال خواصه في وجوه الافرنج وأطلقوا فيهم السهام فقتلوا منهم ومن خيولهم العدد الكثير ثم ولوى منهزمين خوفاً من كمين يظهر عليهم من عسكر الاسلام ونجى الله وله الحمد نور الدين من بأسهم بمعونة الله تعالى له وشدة بأسه وثبات جأشه ومشهور شجاعته وعاد إلى مخيمه سالماً في جماعته ولام من كان السبب في اندفاعه بين يدي الافرنج وتفرق جمع الافرنج إلى أعمالهم وراسل ملك الافرنج في طلب الصلح والمهادنة وحرض على ذلك وترددت المراسلات بين الفريقين ولم يستقر حال بينهما وأقام العسكر المنصور بعد ذلك مدة ثم اقتضى الرأي السعيد الملكي النور الانكفاء إلى البلد المحروس فوصل إليه في يوم ... من شعبان من السنة
ولما كان في أواخر أيام من رجب سنة ٥٥٣ تجمع قوم من سفهاء العوام وعزموا على التحريض للملك العادل نور الدين على
стр. 563
إعادة ما كان أبطاله وسامح به أهل دمشق من رسوم دار البطيخ وعرضة البقل والأنهار وصانهم من أعنات شر الضمان وحوالة الأجناد وكرروا بسخف عقولهم الخطاب وضمنوا القيام بعشرة آلاف دينار بيضاء وكتبوا بذلك حتى أجيبوا إلى ما راموه فشرعوا في فرضها على أرباب الأملاك من المقدمين والأعيان والرعايا فما اهتدوا إلى صواب ولا نجح لهم رأي في خطاب ولا جواب وعسفوا الناس بجهلهم بحيث تألموا وأكثروا الضجيج والاستغاثة إلى الملك العادل نور الدين فصرف همه إلى النظر في هذا الأمر فنتجت له السعادة وإيثار العدل في الرعية في إعادة ما أشكل إلى ما كان عليه فلما كان يوم الاثنين العاشر من شهر رمضان أمر بإعادة الرسوم المعتادة إلى ما كانت من أمانها وتعفية أثرها وأضاف إلى ذلك تبرعاً من نفسه ابطال ضمان الهريسة والجبن واللبن ورسم بكتب منشور يقرأ على كافة الناس بإبطال هذه الرسوم جميعها وتعفية ذكرها فبالغ العالم في ذلك من مواصلة الأدعية للملك العادل والثناء عليه والنشر لمحاسنه فالله تعالى يستجيب منهم ويديم أيامه ويقرن أيامه بالسعادة والنصر لأوليائه وأعلامه وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رمضان من السنة وصل الحاجب محمود المولد من ناحية مصر بجواب ما تحملنا من المراسلات من الملك الصالح متولي أمرها ومعه رسول من مقدمي أمرائها ومعه المال المنفذ برسم الخزانة الملكية النورية وأنواع الأثواب المصرية والجياد العربية. وكانت فرقة من الافرنج خذهم الله قد ضربوا المهم
стр. 564
في المعابر فأظفر الله بهم بحيث لم يفلت منهم إلا القليل النزر ثم تلا ذلك وورد الخبر من العسكر المصري بظفره بجملة وافرة من الافرنج والعرب تناهز أربعمائة فارس وتزيد على ذلك في ناحية العريش من الجفار بحيث استولى عليهم القتل والأسر والسلب وكان فتحاً حسناً وظفراً مستحسناً والله المحمود على ذلك المشكور وفي يوم الثلاثاء ثالث شوال من السنة توفي المنتجب أبو سالم بن عبد الرحمن الحلبي متولي كتابة الجيش وعرض الأجناد في ديوان الملك العادل نور الدين ﵀ وكان خيراً حسن الطريقة مجموعاً على شكره والتأسف على فقد مثله وتلا مصابه وفاة المهذب أبي عبد الله بن نوفل الحلبي في دمشق أيضاً ﵀ في يوم الجمعة السادس والعشرين من ذي القعدة من السنة وكان كاتباً للأمير الاسفهسلار أسد الدين ووزيره وهو موصوف بالخيرية محمود الأفعال مشكور المقاصد في جميع الأحوال والخلال واستخدم ولده في منصبه وتلا ذلك ورود الخبر من ناحية حماة في العشر الأخير من ذي الحجة من السنة بوفاة رضي الدين أبي المجد مرشد بن علي بن عبد اللطيف المعري بحماة ﵀ وكان من الرجال الأسداء الكفاة فيما كان يستنهض فيه في أيام الأتابكية وكذلك في الأيام النورية وكان مع ذلك موصوفاً بالخيرية وسلامة الطبع مستمراً في ذلك على منهاج أسوته وكانت الأخبار قد تناصرت من ناحية القسطنطينية في ذي الحجة من السنة ببروز ملك الروم منها في العدد الكثير والجم الغفير لقصد الأعمال والمعاقل الاسلامية ووصوله إلى مروج الديباج وتخييمه فيها
стр. 565
وبث سراياه للاغارة على الأعمال الأنطاكية وما والاها وأن قوماً من التركمان ظفروا بجماعة منهم هذا بعد أن افتتح من الأعمال لاوين ملك الأرمن عدة من حصونه ومعاقله. ولما عرف الملك العادل نور الدين هذا شرع في مكاتبة ولاة الأعمال والمعاقل بإعلامهم ما حدث من الروم ويبعثهم على استعمال التيقظ والتأهب للجهاد فيهم والاستعداد للنكاية بمن يظفر منهم والله تعالى ولي النصر عليهم والاظفار بهم كما جرت عوائده الجميلة في خذلانهم والاظهار عليهم ورد بأسهم في نحورهم وهو تعالى على كل شيء قدير.
وقد اتفق في هذه السنة السعيدة التي هي سنة ٥٥٣ منذ ابتداء تشرين الثاني الكائن فيها إلى أوائل شباط أن السماء بأمر خالقها أرسلت عزاليها بتدارك الثلوج والأمطار مع توالي الليل والنهار بحيث عمت الأقطار وروت الوهاد والأغوار والبراري والقفار وجرت الأودية وتتابعت السيول بمائها المصندل واللبني والبنكي واكتست الأراضي المنخفضة والبقاع بخضرة الزرع وعشب النبات وأشبعت السائمة بعد الضعف والسغب وإراحتها من كلفة العناء والتعب وكذلك سائر المواشي الراعي والوحوش القاصية والدانية وتناصرت الأخبار من سائر الجهات بعموم هذه النعمة وذكر الشيوخ أنهم لم يشاهدوا مثل ذلك في السنين الخالية فلله على نعمته خالص الحمد ودائم الشكر
ودخلت سنة أربع وخمسين وخمسمائة
أولها يوم الجمعة مستهل المحرم منها. وفي هذا اليوم وافت زلزلة عظيمة ضحى نهاره وسكنها محركها بقدرته ورحمته وتلاها في يومها ثنتان دونها
стр. 566
وكان في أوائل أيام من ذي الحجة سنة ٥٥٣ قد عرض للملك العادل نور الدين مرض تزايد به بحيث أضعف قوته ووقع الارجاف به من حساد دولته والمفسدين من عوام رعيته وارتاعت الرعايا وأعوان الأجناد وضاقت صدور قطان الثغور والبلاد خوفاً عليه وإشفاقاً من سوء يصل إليه لا سيما مع أخبار الروم والخبر من الافرنج خذلهم الله. ولما أحس من نفسه بالضعف تقدم إلى خواص أصحابه وقال لهم: إنني قد عزمت على وصية إليكم بما قد وقع في نفسي فكونوا لها سامعين مطيعين وبشروطها عاملين. فقالوا: السمع والطاعة لأمرك وما تقرره من رأيك وحكمك فإنا له قابلون وبه عاملون. فقال: إني مشفق على الرعايا وكافة المسلمين ممن يكون بعدي من الولاة الجاهلين والظلمة الجائرين وإن أخي نصرة الدين أمير ميران أعرف من أخلاقه وسوء أفعاله ما لا أرتضي معه بتوليته أمراً من أمور المسلمين وقد وقع اختياري على أخي الأمير قطب الدين مودود بن عماد الدين متولي الموصل وخواصه لما يرجع إليه من عقل وسداد ودين وصحة اعتقاد بأن يكون في منصبي بعدي والساد لثلمة فقدي فكونوا لأمره بعدي طائعين ولحكمه سامعين فأحلفوا له بصحة من نياتكم وسرائركم واخلاص من عقائدكم وضمائركم. فقالوا: أمرك المطاع وحكمك المتبع. فحلفوا الأيمان الموكدة على العمل بشروطها واتباع رسومها وأنفذ رسله إلى أخيه المذكور لأعلامه صورة الحال ليكون لها مستعداً وإليها مسرعاً. ثم تفضل الله تعالى عليه وعلى كافة المسلمين ببدوء الابلال من المرض وتزايد القوة في النفس والجسم وجلس المدخول إليه والسلام عليه فسرت النفوس بهذه النعمة وقويت بتجديدها وكان الأمير مجد الدين النائب في حلب قد رتب في الطرقات من يحفظ السالكين فيها فظفر المقيم في منبج برجل حمال من أهل دمشق يعرف بابن مغزو معه كتب فأنفذه بها إلى مجاهد الدين متولي حلب فلما وقف عليها أمر بصلب متحملها. وأنفذها في الحال إلى الملك العادل
стр. 567
نور الدين فلما وقف في يوم الخميس من العشر الثاني من المحرم من السنة الجديدة وجدها من أمين الدين زين الحاج أبي القسم متولي ديوانه ومن عز الدين متولي ولاية القلعة مملوكه ومن محمد حفري كذا أحد حجابه إلى أخيه نصرة الدين أمير ميران صاحب حران باعلامه بوقوع اليأس من أخيه الملك العادل ويحضونه على المبادرة والاسراع إلى دمشق لتسلم إليه. فلما عرف ذلك عرض الكتب على أربابها فاعترفوا به فأمر باعتقالهم وكان في جملتهم الرابع لهم سعد الدين عثمان وكان قد خاف فهرب قبل ذلك بيومين. وورد في الحال كتاب صاحب قلعة جعبر يخبر بقطع نصرة الدين مجداً إلى دمشق فأنهض أسد الدين في العسكر المنصور لرده ومنعه من الوصول فاتصل به خبر عوده إلى مقره عند معرفته بعافية الملك العادل أخيه فعاد أسد الدين في العسكر إلى البلد
ووصلت رسل الملك من ناحية الموصل بجواب ما تحملوه إلى أخيه قطب الدين وفارقوه وقد برز في عسكره متوجهاً إلى ناحية دمشق فلما فصل عن الموصل اتصل به خبر عافية الملك نور الدين فأقام بحيث هو ونفذ الوزير جمال الدين أبا جعفر محمد بن علي لكشف الحال فوصل إلى دمشق في يوم السبت الثامن من صفر سنة ٥٥٤ في أحسن زي وأنهى تجمل وخرج إلى لقائه الخلق الكثير. وهذا الوزير قد ألهمه الله تعالى من جميل الأفعال وحميد الأخلاق وكرم النفس وانفاق ماله في أبواب البر والصلات والصدقات ومستحسن الآثار في مدينة الرسول ﷺ ومكة والحرم والبيت ما قد شاع ذكره وتضاعف عليه مدحه وشكره واجتمع مع الملك العادل نور الدين وجرى بينهما من المفاوضات والتقريرات ما انتهى عوده إلى
стр. 568
جهته بعد الاكرام له وتوفيته حقه من الاحترام وأصحبه برسم قطب الدين أخيه وخواصه من الملاطفة ما اقتضته الحال الحاضرة وتوجه معه الأمير الاسفهسلار أسد الدين شيركوه في خواصه يوم السبت النصف من صفر من السنة المذكورة وقد كان وصل من ملك الروم رسول من معسكره ومعه هدية أتحف الملك العادل من أثواب ديباج وغير ذلك وجميل خطاب وبغال وقوبل بمثل ذلك وعاد إليه في أواخر صفر من السنة. وحكي عن ملك الافرنج خذله الله أن المصالحة بينه وبين ملك الروم تقررت والمهادنة انعقدت والله يرد بأس كل واحد منهما إلى نحره ويذيقه عاقبة غدره ومكره وما ذلك على الله بعزيز وفي العشر الثاني من صفر من السنة توجه الحاجب محمود المسترشدي إلى مصر عائداً مع رسلها كتب الله سلامتهم بجرايات ما كان ورد معهم من مكاتبات الملك العادل الصالح متولي أمرها عن الملك العادل نور الدين أعز الله نصره ووردت أخبار من ناحية ملك الروم باعتزامه على أنطاكية وقصد المعاقل الاسلامية فبادر الملك العادل نور الدين بالتوجه إلى البلاد الشامية لايناس أهلها من استيحاشهم من شر الروم والافرنج خذلهم الله فسار في العسكر المنصور صوب حمص وحماة وشيزر والاتمام إلى حلب إلى أن اقتضت الحال ذلك في يوم الخميس الثالث من شهر ربيع الأول من السنة وفي الليلة الأحد الثاني والعشرين من شهر ربيع الأول من السنة وافت في انتصافه زلزلة هائلة ماجت أربع موجات أيقظت النيام وأزعجت اليقظى وخاف كل ذي مسكن مضطرب على نفسه وعلى مسكنه ثم
стр. 569
سكنها محركها بلطفه ورحمته فله الحمد الرؤوف بعباده الرحيم ولم يعلم تأثيرها في الأماكن النائية فسبحان القادر على ما يشاء العليم الحكيم وفي العشر الأول من شهر ربيع الآخر من السنة ورد الخبر من ناحية حلب بوفاة أبي الفضل اسمعيل بن وقار الطبيب في يوم الجمعة آخر شهر ربيع الأول ﵀ وكان في خدمة الملك العادل نور الدين أعز الله أنصاره وكان قد حظي عنده بإصابات في صنائعه وقرب سعادته مع ذكاء فيه ومعرفة بكونه سافر إلى بغداد من دمشق واجتمع بجماعة من فضلائها وقرأ عليهم وأخذ عنهم هذا مع خبرته وحميد طريقته واجتماع الناس على إحماده والتأسف على فقد مثله في حسن فعله لكن القضاء لا يدافع والمقدور لا يمانع وفي يوم الجمعة التاسع من جمادى الأولى من السنة هبت ريح شديدة أقامت يومها وليلتها فأتلفت أكثر الثمار صيفيها وشتويها وأفسدت بعض الأشجار ثم وافت آخر الليل زلزلة هائلة ماجت موجتين أزعجت وأقلقت وكسنها محركها وحرس المساكين مثبتها برحمته وقدرته فله الحمد والشكر رب العالمين
وفي جمادى الأولى من السنة في أوله تناصرت الأخبار المبهجة من ناحية العسكر المنصور الملكي النوري بأعمال حلب بتواصل الأمراء المقدمين ولاة الأعمال المجاهدة أحزاب الكفرة الضلال من الروم والافرنج لقصد الأعمال الاسلامية والطمع في تملكها والافساد فيها والحماية لها من شرهم والذب عنها من مكرهم في التناهي في الكثرة والاعداد الدثرة فقضى الله بحسن لطفه بعباده ورحمته ورأفته ببلاده أن سهل للعزائم المنصور الملكية النورية من صائب الرأي والتدبير وحسن السياسة والتقرير وخلوص النية لله تعالى وحسن السريرة بحيث المهادنة الموكدة والموادعة المستحكمة بين الملك العادل نور الدين وملك الروم ما لم يكن في
стр. 570
الحساب ولا خطر ببال بحيث انتظمت الحال في ذلك في عقد السداد وكنه المراد بحسن رأي ملك الروم ومعرفته بما يؤول إليه عواقب الحروب ويعسر الأمل المطلوب بعد تكرر المراسلات والاقتراحات في التقريرات وأجيب ملك الروم إلى ما التمسه من اطلاق مقدمي الافرنج المقيمين في حبس الملك نور الدين وأنفذهم بأسرهم وما اقترحه إليه وحصولهم لديه وقابل ملك الروم هذا الفضل بما يضاهيه أفعال عظماء الملوك الأسداء من الاتحاف بالأثواب الديباج الفاخرة المختلفة الأجناس الوافرة العدد ومن جوهر نفيس وخيمة من الديباج لها قيمة وافرة وما استحسن من الخيول المحلية ثم رحل عقيب ذلك في عسكره من منزله عائداً إلى بلاده مشكوراً محموداً ولم يؤذ أحداً من المسلمين في العشر الأوسط من جمادى الأولى سنة ٥٥٤ فاطمأنت القلوب بعد انزعاجها وقلقها وأمنت عقيب خوفها وفرقها فلله الحمد على هذه النعمة حمد الشاكرين وورد الخبر بعد ذلك بأن الملك العادل نور الدين صنع لأخيه قطب الدين ولعسكره ولمن ورد معه من المقدمين والولاة وأصحابهم الواردين لجهاد الروم والافرنج في يوم الجمعة السابع عشر من جمادى الأولى من السنة سماطاً عظيماً هائلاً يناهي فيه بالاستكثار من ذبح الخيول والأبقار والأغنام وما يحتاج إليه في ذلك مما لا يشاهد مثله ولا شبه له مما قام بجملة كبيرة من الغرامة وفرق من الحصن العربية والخيول والبغال العدد الكثير من الخلع وأنواع الديباج المختلفة وغيره والصحون الذهب الشيء الكثير الزائد على الكثرة وكان يوماً مشهوداً في الحسن والتجمل. واتفق أن جماعة من غرباء التركمان وجدوا من الناس غفلةً باشتغالهم بالسماط وانتهابه فغاروا على العرب من بني أسامة وغيرهم واستاقوا مواشيهم فلما ورد الخبر بذلك أنهض في أثرهم فريق وافر من العسكر المنصور فأدركوهم
стр. 571
واستخلصوا منهم جميع ما أخذوه وأعيد إلى أربابه وسكنت النفوس بعد انزعاجها والله المحمود المشكور ثم تقرر الرأي الملكي النوري أعلاه الله على التوجه إلى مدينة حران لمنازلتها واستعادتها من أخيه نصرة الدين حسبما رأه في ذلك من الصلاح ورحل في العسكر المنصور في أول جمادى الآخرة فلما نزل عليها وأحاط بها وقعت المراسلات والاقتراحات والممانعات والمحاربات إلى أن تقررت الحال على إيمان من بها وتسلمت في يوم السبت الثالث والعشرين من جمادى الآخرة المذكور وقررت أحوالها وأحسن النظر إليها في أحوال أهليها وسلمت إلى الأمير الجل الاسفهسلار زين الدين على سبيل الاقطاع له وفوض إليه تدبير أمورها
ودخلت سنة خمس وخمسين وخمسمائة
وأولها يوم الثلاثاء مستهل المحرم والشمس في كح درجة وكح دقيقة من الجدى والثاني عشر من كانون الثاني والطالع القوس سبع عشرة درجة وخمس دقائق. وفي ليلة الجمعة من صفر من هذه السنة توفي الأمير مجاهد الدين بزان بن مامين أحد مقدمي أمراء الأكراد والوجاهة في الدولة ﵀ موصوف بالشجاعة والبسالة والسماحة مواظب على بث الصلات والصدقات في المساكين والضعفاء والفقراء مع الزمان وكل عصر ينقضي وأوان جميل المحيا حسن البشر في اللقاء وحمل من داره بباب الفراديس إلى الجامع للصلاة ثم إلى المدرسة المشهورة باسمه
стр. 572
فدفن فيها في اليوم ولم يخل من باك عليه ومؤبن له ومتأسف على فقده بجميل أفعاله وحميد خلاله ورثي بهذه الأبيات المختصرة وهي:
كم غافل وسهام الموت مصمية ... تصميه في غفلة منه ونسيان
بينا تراه سريع الخطو في وطر ... حتى تراه سريعاً بين أكفان
كذاك كان بزانٌ في امارته ... ما بين جندس وأنصار وأعوان
هبّت رياح الرزايا في منازله ... فغادرتها بلا أنسٍ وجيران
أمسى بقبرٍ وحيداً جنب مدرسة ... بلا رفيقٍ ولا خلٍّ واخوان
ما عاينت نعشه عينٌ مؤرقةٌ ... إلاّ بكنه بأنواءٍ وتهتان
فرحمة الله لا ينفكّ زائره ... لحداً حوى جسمه منه بغفران
ولا أغبّت ثراه كل مرعدةٍ ... تهمي عليه بغيثٍ ليس بألواني
حتى تروّضه منها بصيبها ... بكل زهرٍ غضيضٍ ليس بالفاني
ما دامت الشهب في الأفلاك دائرةً ... وناحت الورق ليلاً بين أغصان
من يفعل الخير في الدنيا فقد ظفرت ... يداه بالحمد من قاصٍ ومن دان
وفي يوم الخميس مستهل صفر من السنة رفع القاضي ذكي الدين أبو الحسن علي ابن محمد بن يحيى بن علي قاضي دمشق إلى الملك العادل نور الدين رقعةً يسئله فيها الاعفاء من القضاء والاستبدال به فأجاب سؤاله وولى قضاء دمشق القاضي الأجل الامام كمال الدين بن الشهرزوري وهو المشهور بالتقدم ووفور العلم وصفاء الفهم والمعرفة بقوانين الأحكام وشروط استعمال الانصاف والعدل والنزاهة عن الاشفاف وتجنب الهوى والظلم وحكم بين الرعايا بأحسن افصال في الحكم وكتب له
стр. 573
المنشور بذلك بنعوته المكتملة وصفاته المستحسنة ووصاياه البليغة المتقنة واستقام له الأمر على ما يهواه ويؤثره ويرضاه على أن القضاء من بعض أدواته واستقر أن [يكون] النائب عنه عند اشتغاله ولده
هذا آخر ما وجد من مذيل التاريخ الدمشقي والحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً وكان الفراغ من كتابته سلخ ربيع الآخر سنة ٦٢٩ كتبه أسير ذنبه الراجي عفو ربه محمد بن أبي بكر بن اسمعيل بن الشيرجي الموصلي غفر الله له زلله وخطأه وخطله ولجميع المسلمين