ـ[تاريخ دمشق]ـ
المؤلف: حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى التميمي، المعروف بابن القلانسي (المتوفى: ٥٥٥هـ)
المحقق: د سهيل زكار
الناشر: دار حسان للطباعة والنشر، لصاحبها عبد الهادي حرصوني - دمشق
الطبعة: الأولى ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٣ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
стр. 2
تاريخ دمشق
(٣٦٠- ٥٥٥) هـ
تصنيف
الرئيس الأجل مجد الرؤساء أبو يعلى حمزة بنُ أَسَدِ بن عَليّ بن محمد التميمي المعروف بابن القلانسي ٤٧٠-٥٥٥ هـ /١٠٧٧-١١٦٠ م
تحقيق
الدكتور سهيل زكار
стр. 3
تاريخ دمشق
стр. 4
حقوق الطبع محفوظة
الطبعة الأولى
١٩٨٣ م-١٤٠٣ هـ
دار حسان
للطباعة والنشر
(لصاحبها عبد الهادي حرصوني)
-دمشق- ص. ب ٣٢١٨
стр. 5
الإهداء
إلى ابنتي ربى التي فيها من دمشق العذوبة والصلابة
стр. 6
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[[مقدمة المحقق]]
[[مدخل]]
لقد كان للفتح الإسلامي للشام، أعظم الآثار على هذه البلاد، من ذلك تثبيت طابع العروبة فيها، وتبديل البنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعمرانية، فعلى صعيد السياسة الداخلية والخارجية تحول دور القبائل العربية من الهامش إلى الصميم، وعلى صعيد المدن، نجد قبل الفتح أن مدينة القدس كانت أهم مدن جنوبي بلاد الشام، تتلوها دمشق، وأن أنطاكية كانت أهم مدن الشمال وأبرزها دوراً، تتلوها قنسرين، لكن بعد الفتح، وبسبب انتشار الإسلام، وانسلاخ البلاد عن الإمبراطورية البيزنطية، وقيام الحروب الدائمة معها، ثم قيام السلطان الأموي في الشام، كل هذا أدى إلى تقهقر القدس حيث تقدمتها دمشق، وتخلفت في ذات الوقت مدينة بصرى، واضمحل دورها كثغر تجاري لبلاد الشام على بوابات شبه جزيرة العرب، وتأخرت أنطاكية في الشمال ووصلت قنسرين إلى حالة الاحتضار، وتقدمت حلب وتبعتها معرة النعمان.
ووضح هذا الحال في العصر الأموي، وتوطدت أركانه، وبعد قيام الخلافة العباسية، وانشغالها المطلق بمشاكل خراسان وبلاد ما وراء النهر، وإهمالها للحدود مع بيزنطة، وقيام نظام الثغور والعواصم صارت حلب مركز
стр. 7
شمال الشام سياسياً واقتصادياً وعقائدياً وثقافياً، وغدت دمشق هي المسؤولة عن جنوب الشام.
وتنافست كل من حلب ودمشق، ووضح للعيان أن أحداث الشام باتت تدور على محورين أساسيين واحد في الشمال [حلب] وآخر في الجنوب، [دمشق] ، ويمكن تعقب جذور هذه القضية إلى العصر الأموي، فبعد وفاة يزيد بن معاوية حدث صراع شديد على الخلافة والسلطة وانقسم الشام إلى معسكرين: واحد تزعمته قبائل كلب في الجنوب، وآخر تزعمته قبائل كلاب في الشمال، وكانت كلب قبائل يمانية الأصل، وكلاب عدنانية، وفي معركة مرج راهط انتصرت كلب على كلاب، وأعيد تأسيس الحكم الأموي، بزعامة الفرع المرواني، لكن الشام انقسمت بشكل فعلي إلى دارين: دار في الجنوب لكلب ومن لف لفها ودار في الشمال لكلاب ومن قاربها بالنسب، وفصل بين هاتين الدارين خط عرضاني انطلق شرقا وغربا من بلدة الرستن على العاصي.
وعندما دب الضعف في قلب الخلافة العباسية كانت الأجزاء الشمالية من بلاد الشام بزعامة حلب، من أقدم البلدان التي أعلنت انفصالها، وقامت فيها دولة مستقلة هي الدولة الحمدانية بزعامة سيف الدولة الحمداني.
ومن حلب حاول سيف الدولة مدّ سلطانه إلى الأجزاء الجنوبية من الشام، فدخل دمشق، لكنه لم يتمكن من الاحتفاظ بها، فقبل استقلال حلب، كانت مصر الإسلامية قد استقلت عن جسم الدولة العباسية، وقامت فيها الدولة الطولونية، ومارست الدولة الطولونية السياسة الخارجية التقليدية لمصر المستقلة بالحاق الشام، وقد نجحت -مع الدول التي تلتها في حكم مصر- في الاحتفاظ بالجزء الجنوبي من الشام، وأخفقت في البقاء في الشمال.
وفي حلب أقام سيف الدولة بلاطا حاكى فيه بلاط بغداد، وحوى هذا البلاط عدداً كبيراً من العلماء في كل فن مع الشعراء والأدباء، وشهدت بلاد
стр. 8
الشام بشكل عام نشاطا ثقافيا كبيراً ومتميزاً، حيث عبر عن دور الشخصية الشامية العربي، وعبرت كل من حلب ودمشق عن شخصيتها بالاتجاه نحو إنتاج تواريخ محلية، وبالفعل جاء إلى الوجود عدد من المؤرخين منهم من عاش في المعرة أو مدينة حلب فأرخ لمدينة حلب والجزء الشمالي من البلاد مع مناطق الجزيرة، ومنهم من عاش في دمشق أو اهتم بها، فكتب في تاريخها إنما مع التعلق بالديار المصرية والاهتمام بها
[[ابن عساكر، وابن العديم]]
وإذا كنا لسنا في موضع عرض لمراحل حركة التدوين التاريخي في الشام يكفي أن نذكر أن هذه الحركة وصلت الذروة على يدي ابن عساكر حين كتب تاريخ دمشق ثم ابن العديم حين كتب "بغية الطلب في تاريخ حلب" إنما يلاحظ هنا بأن هذين الكتابين العملاقين قد صنفا حسب نمط كتب التراجم، ومما جاء في بدايتي كل منها من عرض تاريخي حسب الوقائع والحوليات، شمل أخبار فتوح الشام ليس إلاّ، وتميز ابن العديم عن ابن عساكر بأنه صنف كتابا مفرداً أوقفه على العرض التاريخي الإِخباري لمدينة حلب، وهو كتابه "زبدة الحلب من تاريخ حلب" ولم يفعل ابن عساكر هذا، لطبيعة منهجه وثقافته، فهو إمام بالحديث في الدرجة الأولى، ولذلك جاء كتابه الذي صنفه بدمشق مهتماً بطبقات الحدثين والعلماء، وموليا قليل الاهتمام لمن سواهم، وخاصة رجال السلطة.
[[ثابت بن سنان]]
إن هذه الثغرة بالنسبة لدمشق قد جرى تداركها من قبل ثلاثة أجيال من المؤرخين: اثنان من العراق، وثالثهما وهو المهم من دمشق الشام، وأول هؤلاء المؤرخين هو ثابت بن سنان، الذي كان واحداً من أفراد آل الصابئ، الأسرة التي اشتهرت بالطب فنبغ منها عدد من الأطباء خدموا الخلفاء العباسيين ورجال دولتهم، ويذكر بعض من ترجم لثابت بأنه كان مختصاً بخدمة الخليفة الراضي [٣٢٢-٣٢٩ هـ /٩٣٤-٩٤٠ م] ، وأنه كان بارعا بالطب، تولى تدبير المارستان في بغداد، وخدم عدداً من الخلفاء بعد الراضي، ومن المرجح
стр. 9
أن ثابتا قد توفي سنة ٣٦٥ هـ /٩٧٥ م، وكان ثابت بن سنان كمعظم بقية آله متميزاً إلى جانب كونه طبيبا باهتمامه بالتاريخ وتدوينه، وقد كتب عدداً من التواريخ أشهرها واحد ذيل به -مع شيء من التداخل- على تاريخ الطبري، وله أيضا كتاب "مفرد في أخبار الشام ومصر في مجلد واحد".
[[هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ]]
وبعد وفاة ثابت جاء هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابئ، وهو قريبه حيث أن جده إبراهيم هو ابن أخت ثابت، لذلك ذكرت بعض المصادر تجاوزاً بأن ثابت هو خال هلال بن المحسن، وكان هلال في بداية حياته على عقيدة أهل الصابئة ثم دخل الإسلام، وقد ولي ديوان الإنشاء في بغداد، وعاش فترة تاريخية هامة جداً، عاصر أحداثها وعرف أخبارها عن كثب وبشكل وثائقي، فقام بتدوينها في عدد من الكتب مفردة مثل كتابه في تاريخ الوزراء، أو جاءت كذيل لكتب ثابت بن سنان، ففي مرآة الزمان لسبط ابن الجوزي نقرأ: "وكان هلال من كبار العلماء الأدباء، وله التاريخ الذي ذيله على تاريخ ثابت بن سنان، وبدأ به من سنة إحدى وستين وثلاثمائة إلى سنة سبع وأربعين وأربعمائة"، وأكد هذا القفطي في تاريخ الحكماء حيث قال: "ثم كتاب هلال ابن المُحَسِّن بن إبراهيم الصابئ، فإنه داخل كتاب خاله ثابت وتمم عليه إلى سنة سبع وأربعين وأربعمائة، ولم يتعرض أحد في مدته إلى ما تعرض له من أحكام الأمور، والاطلاع على أسرار الدول، وذلك أنه أخذ ذلك عن جده لأنه كان كاتب الإنشاء ويعلم الوقائع، وتولى هو الإنشاء أيضاً، فاستعان بعلم الأخبار الواردة على ما جمعه، ثم يتلوه كتاب ولده غرس النعمة محمد ابن هلال، وهو كتاب حسن إلى بعد سنة سبعين وأربعمائة".
في الحقيقة إن ثابت بن سنان أنهى كتابه بحوادث سنة ٣٦٥ هـ، وأن هلال ابن المحَسِّن ابتدأ كتابه الذي ذيل به على تاريخ ثابت بحوادث سنة ٣٦٠ وأنهاه بأخبار سنة ٤٤٧ هـ، فقد كتب ابنه غرس النعمة محمد بن هلال في مقدمة
стр. 10
كتابه في التاريخ الذي دعاه باسم "عيون التواريخ" والذي أرخ به للفترة الممتدة ما بين ٤٤٨ إلى ٤٧٩ هـ، وجعله بمثابة ذيل لتاريخ أبيه، ذكر الأسباب التي حدت به إلى تأليفه بقوله: "وبعد، فكان أبي وصىّ إليّ لما أحس بقدوم الوفاة، ويئس من أيام الحياة، ولمعت له لوامع المنية، وقرعت سمعه قوارع البلية، رغبة في زيادة الذكر ونمائه وانتشاره وبقائه، بصلة كتاب التاريخ الذي ألفه إلى آخر سنة سبع وأربعين وأربعمائة تأليفاً يعجز عنه من يروم مثله، ويفتضح فيه من يتعاطى فضله، إذ هو السحر الحلال، والعذب الزلال، والصادر عن أوحد دهره، وفريد عصره، وشرع فيه وقد أتت عليه سنة [ولد هلال سنة ٣٥٩ هـ] ، جرب فيها الأمور ومارسها، وخبرها ولابسها، وأنا عار من جميع صفاته، وخال من سائر سماته.
وابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس
لكن قوله مستمع، ومرسومه متبع، وأمره مطاع، ورأيه غير مضاع
وفي سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، وفي يوم الأربعاء سادس عشر رمضان توفي والدي، الرئيس أبو الحسن، هلال بن الحسن بن إبراهيم بن هلال، ومولده الأحد، النصف من شوال سنة تسع وخمسين وثلاثمائة، فانتقض السؤدد بمصابه، وانثلم الفضل بذهابه".
لسوء الحظ أن معظم مواد التراث التاريخي لأسرة آل الصابئ هي بحكم المفقود، ولقد أكثر سبط ابن الجوزي النقل من تواريخ كل من ثابت وهلال، وقام بإحدى نسخ كتابه مرآة الزمان بنقل جميع محتوياته كتاب غرس النعمة، وقد استخرجت هذا الكتاب من مخطوطتين في باريس واستانبول وحققته وسأدفعه للنشر قريباً إن شاء الله تعالى ويسر.
هذا ووصلنا كتاب مخطوط صغير جاء بمثابة مختصر لتاريخ ثابت بن سنان، ضمنه مخْتَصِرُه أخبار القرامطة، ويتألف هذا الخطوط من إحدى
стр. 11
وثلاثين ورقة من قطع ١٩×١٣.٥ سم في كل صفحة (وجه) ما بين ٢٠-٢٣ سطراً، في كل سطر ما بين ٧-٨ كلمات، وهذه النسخة هي بحوزة المستشرق البريطاني برنارد لويس، وكان قد حصل عليها من القاهرة أثناء إعداده لأطروحة الدكتوراه، وقد تفضل فأعارني نسخة عنها، قمت -بعد استئذانه- بنشرها ضمن محتويات كتابي أخبار القرامطة.
ونسخة الأستاذ لويس هذه قد كتبت من قبل ثلاثة نساخ على الأقل، وقد تم الفراغ من كتابتها "في سلخ شوال سنة ألف وسبع وخمسين" [٢٧ تشرين الثاني سنة ١٦٤٧ م] وقد نسخت كما يبدو عن نسخة من تاريخ ثابت تم نسخها في "سلخ جمادي الأولى سنة سبع وسبعين وخمسمائة" [١١- تشرين الأول سنة ١١٨١] ونسخت هذه النسخة -كما صرح- عن مسودة المؤلف.
إن خط هذه المخطوطة هو نسخي مقروء، وحالة المخطوطة حسنة، إنما يبدو أن المستوى الثقافي لنساخها ومعرفتهم بقواعد اللغة العربية كان ضعيفاً، لهذا تبعثرت الأخطاء النحوية والإملائية في كل مكان.
ويمكن تقسيم المعلومات التي تتضمنها إلى قسمين: قسم وردت معظم رواياته في تاريخ الطبري، وقسم وقعت أحداث رواياته بعد وفاة الطبري، فقام ثابت بتدوين أخبار هذه الأحداث، وجل الأخبار في هذا القسم من عصر ثابت، وعندما نقرأ هذا القسم نلاحظ أمراً مدهشاً، حيث أن الكتاب يروي أخبار القرامطة إبتداء من "سنة مائتين وثمان وسبعين من الهجرة" حتى "سنة تسع وثلاثين وثلاثمائة" بشكل كامل التسلسل سنة تلو أخرى، ثم يقفز فيبدأ بأخبار "سنة ستين وثلاثمائة".
ولا ندري بشكل مؤكد سبب هذا، لكن لدى قراءة المواد الأخيرة ومقارنتها بالمواد الأولى، نجد أن المواد الأولى تولي قرامطة البحرين والعراق
стр. 12
الاهتمام الأكبر، في حين أن المواد الأخيرة موقوفة على نشاط القرامطة في الشام وصراعاتهم مع الخلافة الفاطمية في الشام ومصر.
إن هذا يدفعنا إلى الافتراض بأن الذي جمع مواد مخطوطة الأستاذ لويس، جمعها من كتابين لعلهما: تاريخ ثابت بن سنان الذي ذيل به على تاريخ الطبري، وكتابه الآخر الذي أوقفه على تاريخ الشام ومصر، ويبدو أن الكتاب الأول كان مبتوراً، فهو بالأصل "مسودة المؤلف" وأن الذي تولى عملية الاختصار لم يتنبه إلى الخرم الكبير، ولا إلى طبيعة المواد المروية والاختلاف الذي لحقها، أو أنه تنبه لكنه لم يخبرنا.
ومهما يكن الحال فإن المواد المتأخرة من مخطوطة الأستاذ لويس تتوافق، لا بل تتطابق تماماً مع محتويات تاريخ ابن القلانسي عن دمشق، وهو بيت القصيد في مقدمتنا هذه.
[[ابن القلانسي]]
لنحاول أولا التعرف إلى شخصية ابن القلانسي ومن ثم نعود للربط بينه وبين تواريخ آل الصابئ.
ترجم لابن القلانسي عدد من المؤرخين يتصدرهم ابن عساكر ثم ياقوت وبعده الذهبي، ولما ذكره ابن عساكر مكانة خاصة للزمان والمكان، ومما قاله عنه ابن عساكر: "حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى التميمي، المعروف بابن القلانسي، العميد كانت له عناية بالحديث، وكان أديباً له خط حسن ونثر ونظم ... وصنف تاريخاً للحوادث بعد سنة أربعين وأربعمائة إلى حين وفاته، وتولى رئاسة ديوان دمشق مرتين".
وقال عنه ياقوت: "حمزة بن أسد بن علي بن محمد، أبو يعلى، المعروف بابن القلانسي التميمي الأديب الشاعر، المؤرخ، كان من أعيان دمشق ومن أفاضلها المبرزين، ولي رئاسة ديوانها مرتين، وبها توفي سنة خمس وخمسين، وله تاريخ للحوادث، ابتدأ به من سنة إحدى وأربعين وأربعمائة إلى حين وفاته، وكانت له عناية بالحديث، وله كتب عليها سماعه".
стр. 13
وقد أورد كل من ابن عساكر وياقوت نماذج من شعر من ابن القلانسي، لكنهما وإن ذكرا تاريخ وفاته لم يحددا تاريخ مولده أو سنّه حين الوفاة، وقد تولى الذهبي ذلك فبين أنه جاوز الثمانين أثناء وفاته وكان دون التسعين، وعن الذهبي نقل كل من أبي المحاسن في النجوم الزاهرة واليافعي في مرآة الجنان.
وجرت العادة لدى كثير من الأوائل الإشارة إلى أنفسهم في مصنفاتهم، حيث يمكن في أيامنا استخراج المعلومات من هذه الإشارات، وفيما يختص بابن القلانسي لم يشر إلى نفسه قط في مصنفه أو تحدث عن دور من أدواره سيما وأنه كان من كبار رجالات الدولة في دمشق، نعم هناك إشارات غير مباشرة إلى بعض مواقفه السياسية وتذوقه للأدب، فهو قد ضمن كتابه عدة قصائد من نظمه، كما أثبت بعض نصوص الوثائق الديوانية الواردة إلى دمشق لإعجابه بصياغتها.
ولئن انعدمت إشاراته لنفسه فهناك بعض الإشارات لأفراد من أسرته، من ذلك أنه ذكر في حوادث سنة ٥٣٩: "وفي يوم السبت الثالث عشر من رجب من السنة، توفي الأخ الأمين أبو عبد الله محمد بن أسد بن علي بن محمد التميمي عن أربع وثمانين سنة، بعلة الذرب، ودفن بتربة اقترحها خارج باب الصغير من دمشق، وكان على الطريقة المرضية من حسن الأمانة والتصون والديانة، ولزوم داره، والتنزه عن كل ما يوتغ الدين، ويكره بين خيار المسلمين، غير مكاثر للناس، ولا معاشر لهم، ولا متخلط بهم".
وعلى أهمية هذه الإشارة كم كنا نتمنى لو أنه ذكر الفارق بالسن بينه وبين أخيه.
ومن ثنايا مواد ابن القلانسي نرى بأن أسرته كانت من كبار أسر دمشق، وأعظمها مكانة، فهو قد تحدث في وقائع سنة ٥٤٨ هـ عن الاضطرابات في دمشق، وبين أن هذه الاضطرابات انتهت حينما "ردّ -سلطان دمشق- أمر الرئاسة [رئاسة دمشق] والنظر في البلد ... إلى الرئيس رضي الدين
стр. 14
أبي غالب عبد المنعم بن محمد بن أسد بن علي التميمي، وطاف في البلد مع أقاربه، وسكن أهله، وسكنت الدهماء، ولم يغلق في البلد حانوت ولا اضطرب أحد، واستبشر الناس قاطبة من الخاص والعام والعسكرية وعامة الرعية".
واحتفظت أسرة آل القلانسي بمكانتها العالية في دمشق لعدة قرون فقد تحدث كل من ابن كثير، وابن طولون وبدران عن "الصاحب عز الدين أبو يعلى حمزة بن مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن عز الدين بن غالب بن المظفر ابن الوزير مؤيد الدين أبي المعالي أسعد بن أبي يعلى حمزة بن أسد بن علي ابن حمزة التميمي الدمشقي، ابن القلانسي، أحد رؤساء دمشق الكبار، ولد سنة تسع وأربعين وستمائة، وسمع الحديث من جماعة ورواه ... وله رئاسة باذخة، وأصالة كثيرة، وأملاك هائلة كافية لما يحتاج إليه من أمور الدنيا، ولم يزل مع صناعة الوظائف إلى أن ألزم بوكالة بيت السلطان، ثم بالوزارة".
وابن القلانسي هذا هو حفيد لمؤرخنا، وهو الذي بنى دار الحديث القلانسية في صالحية دمشق، ولعله بناها على تربة جده المؤرخ، ذلك أنه دفن في سفح جبل قاسيون.
وعلى العموم نجد أن ما جاء في كتب التراجم وفي ثنايا تاريخ ابن القلانسي عبارة عن مواد مقتضبة، فهي وأن تحدثت عن ثقافته العالية واهتمامه بالحديث فإنها لم تذكر اسم واحد من أساتذته ولا من تأثر بهم ثقافياً، ولا عن سلوكه ونشاطاته وصفاته الخلقية والخُلقية، وغير ذلك من الأمور التي بودنا لو عرفناها.
ومهما يكن الحال فإن كتابه في التاريخ وعمله في ديوان "الإنشاء" بمثابة رئيس له تدل على علو ثقافته وتمكنه من ناصية اللغة، ومن المفيد هنا أن نشير إلى أنه وإن شابه أهل عصر في اهتمامه بالصنعة والمترادفات، إلا أنه لم يسرف في ذلك كما أسرف العماد الأصفهاني وسواه ولا شك أن رئاسته للديوان جعلته وسط أخبار الوقائع والأحداث مع شيء من المشاركة، ومكنته من الاطلاع
стр. 15
على الوثائق الرسمية على مختلف أنواعها سيما وأنه تسلم ديوان الحساب [الخراج] لفترة من الزمن، جامعا بينه وبين ديوان الإنشاء [الرسائل] .
ومرّ بنا قول ابن عساكر ثم ياقوت أنه بدأ مصنفه في التاريخ بحوادث ما بعد سنة أربعين أو إحدى وأربعين حسب تحديد ياقوت، وهذا التحديد فيه شيء من الوهم، لعل مرده إلى النساخ، فابن القلانسي بدأ كتابه بحوادث سنة /٤٤٨ هـ/ وصرح بأنه صنع "مذيلاً"، وفي العادة قد "يبنى المذيل" على ذيل، والذيل يأتي بمثابة ملحق بكتاب أساسي.
ونعود الآن إلى ما سلف ذكره عن ثابت بن سنان وهلال بن المحسن، فثابت كتب كتاباً بالتاريخ أوقفه على مصر والشام ووقف به مع أحداث سنة /٣٦٥ هـ/ وهي سنة وفاته، وجاء من بعده هلال بن المحَسِّن فكتب ذيلاً
على تاريخ ثابت تداخلت بعض سنيه، حيث بدأه بحوادث سنة /٣٦٠/ ووقف به حتى نهاية سنة /٤٤٧/.
ولا يصرح ابن القلانسي باعتماده على كتابي ثابت بن سنان وهلال بن المُحَسِّن أو على واحد منهما على الأقل، كل ما هنالك أنه في سياق حديثه عن ولاية "حيدرة بن مفلح" لدمشق، وهو أحد الولاة الفاطميين قال: "واستمرت عليه الأيام في الولاية إلى سنة ثمان وأربعين وأربعمائة، التي بني هذا المذيل عليها، وعادت سياقة الحوادث منها، وإيراد ما فيها، وتجدد بعدها".
والبحث التاريخي هو الذي قاد إلى الافتراض بان ابن القلانسي بنى "مذيله" على كتابي ثابت بن سنان وهلال بن المحسن، أو على واحد منهما فمن شبه المؤكد أن مصنف ابن القلانسي بشطريه "الأساس" و"المذيل" يبدأ بحوادث سنة /٣٦٠/ وبهذه السنة بدأ هلال كتابه، ومن المسلم به أن ما كتبه هلال عن أخبار السنوات /٣٦٠-٣٦٥ هـ/ وهي السنوات التي
стр. 16
تداخل بها كتابه مع كتاب ثابت هناك تطابق بالمواد، مع اختلاف بالتفاصيل، وهذا ما نلاحظه حينما نقارن مواد السنوات المتداخلة بين تاريخ ثابت بن سنان وتاريخ الطبري، لهذا ليس من المستبعد أبداً أن يكون ابن القلانسي اعتمد على تاريخ هلال بن المحسن دون سواه.
وتبقى الأمور في حدود الفرضية، فتاريخ هلال بن المحسن هو بحكم المفقود، ومصنف ابن القلانسي وصلتنا منه نسخة خطية واحدة محفوظة في مكتبة البودليان في أكسفورد برقم [١٢٥ Hunt] وهذه النسخة قد بتر من أولها مقدار أربع عشرة ورقة، ولا شك أن هذه الأوراق قد حوت خطبة الكتاب مع بعض المواد الإخبارية، ولئن تمكنت من تدارك المواد الإخبارية المفقودة من مختصر كتاب ثابت بن سنان، تبقى المسألة الأساسية معلقة.
من هذا نخلص إلى القول أن مخطوطة البودليان تحوي قسمين من المعلومات الإخبارية، القسم الأول منها حتى سنة ٤٤٨ من تصنيف هلال بن الحسن لوحده أو مع ثابت بن سنان، والقسم الثاني حتى نهاية الكتاب من تصنيف ابن القلانسي، والقضية التي تواجهنا الآن هي: هل نقل ابن القلانسي مواد آل الصابئ نقلاً حرفياً، أم عدل فيها اختصاراً وزيادة ونقصاناً؟.
إن من يقرأ مخطوطة البودليان يلحظ بعض الفوارق باللغة والعرض بين شطري الكتاب، إنما رغم ذلك يخيل أن ابن القلانسي تدخل بمواد الشطر الأول وأعاد صياغتها، وهنا لربما حذف بعض المواد. وأضاف مواداً من عنده، مما تجمع لديه من مصادر ووثائق محلية.
لقد دعا ابن القلانسي ما صنفه باسم "المذيل" ولما كانت محتويات مخطوطة البودليان تحوي الأصل والمذيل، فقد بات من المفترض أن نطلق على الكتاب اسم "تاريخ دمشق" ثم لذهابنا إلى الافتراض بأن جميع محتويات الكتاب من صياغة ابن القلانسي وروايته [بالوجادة أو غير ذلك من الطرق] فقد بات من المسوغ نسبة الكتاب بأجمعه إلى ابن القلانسي.
стр. 17
يؤرخ مصنف ابن القلانسي لقرنين من الزمن هما من أهم القرون، وبالنسبة لكثير من الأحداث هو المصدر المتفرد، في هذين القرنين جرت أحداث الصراع القرمطي الفاطمي على الشام، وأعقب ذلك الحكم الفاطمي للشام، وكان حكما لم يعرف الاستقرار لأسباب داخلية فاطمية، ولمقاومة أهل الشام لهذا الحكم، وابن القلانسي يروي لنا سيرة المقاومة الشامية، وهي سيرة لشعب دمشق وشعب الشام أجمع، سيرة لمنظمات هذا الشعب وفئاته الاجتماعية وقبائله، سيرة لعمران دمشق وخططها، وهنا يقتضي أن ننوه أن هذه مزية تفرد بها ابن القلانسي إلى أبعد الحدود.
صحيح أن الكتاب أوقفه صاحبه بالأصل على دمشق لكنه يولي مع دمشق اهتماماته بقية أجزاء الشام، ثم بقية أجزاء الوطن العربي والعالم الإسلامي، فمواده عن كل من الخلافتين الفاطمية والعباسية لها مكانة خاصة، بل أكثر من هذا نجده يتقصى أخبار المغرب الأقصى ويقدم لنا رواية ذات مكانة خاصة حول المهدي بن تومرت وتأسيس دولة الموحدين.
وعلى مكانة مواد ابن القلانسي حول العصر الفاطمي، فإن الذي يفوقها أهمية هو ما رواه حول دخول الشام تحت السلطان السلجوقي، ثم أحداث الحروب الصليبية زمن الحملتين الأولى والثانية، وهي أحداث عاصرها وكان شاهد عيان لها، ولأهمية هذه الروايات تمت ترجمتها إلى كل من الإنكليزية والفرنسية.
وابن القلانسي مؤرخ ثقة يمكن الاعتماد على رواياته، وقد أوضح منهجه في كتابه بقوله: "قد انتهيت في شرح ما شرحته من هذا التاريخ، ورتبته وتحفظت من الخطأ والخطل والزلل فيما علقته من أفواه الثقات، ونقلته وأكدت الحال فيه بالاستقصاء والبحث، إلى أن صححته إلى هذه السنة المباركة، وهي سنة أربعين وخمسمائة، وكنت قد منيت منذ سنة خمس وثلاثين وخمسمائة وإلى هذه الغاية بما شغل الخاطر عن الاستقصاء عما يجب إثباته في هذا
стр. 18
الكتاب، من الحوادث المتجددة في الأعمال، والبحث عن الصحيح منها في جميع الأحوال، فتركت بين كل سنتين من السنين بياضاً في الأوراق، ليثبت فيه ما يعرف صحته من الأخبار، وتعلم حقيقته من الحوادث والآثار، وأهملت فيما ذكرتها من أحوال سلاطين الزمان فيما تقدم، وفي هذا الأوان، باستيفاء ذكر نعوتهم المقررة، وألقابهم المحررة، تجنباً لتكريرها بأسرها، والإطالة بذكرها، ولم تجر بذلك عادة قديمة، ولا سنة سالفة في تاريخ يصنف، ولا كتاب يؤلف، وإنما كان الرسم جارياً في القديم باطراح الألقاب والإِنكار لها، بين يدي ذوي العلوم والآداب، فلما ظهرت الدولة البويهية الديملية، ولقب أول مسعود نبغ فيها بعماد الدولة بن بويه، ثم أخوه وتاليه في الولادة والسعادة بركن الدولة أبي علي، ثم أخوهما بمعز الدولة أبي الحسين، وكل منهم قد بلغ من علو المرتبة والمملكة، ونفاذ الأمر في العراق وخراسان والشام إلى أوائل المغرب ما هو مشهور، وذكره في الآفاق منشور، ولما علا قدر الملك عضد الدولة فناخسره بن ركن الدولة أبي علي بن بويه بعدهم، وظهر سلطانه، وعلا شانه وملك العراق بأسره وما ولاه من البلاد والمعاقل، وخطب له على المنابر، زيد في نعوته في أيام المطيع لله أمير المؤمنين ﵀: تاج الملة، ولم يزد أحد من أخوته: مؤيد الدولة صاحب أصفهان، وفخر الدولة صاحب الري وما ولاهما، وانضاف إليهما على اللقب.
ولم يزل الأمر على ذلك مستمراً إلى أن ظهر أمر السلطان ركن الدنيا والدين طغرلبك محمد بن ميكال بن سلجق، وقويت شوكة الترك، وانخفضت الدولة البويهية واضمحلت وانقرضت، ولقب السلطان طغرلبك لما ظهر أمره في العراق، واجتاح شأفة أبي الحارث أرسلان الفساسيري في أيام الإمام الخليفة القائم بأمر الله أمير المؤمنين ﵀ بـ: السلطان المعظم شاهنشاه الأعظم، ركن الدنيا والدين، غياث المسلمين، بهاء دين الله، وسلطان بلاد الله، ومغيث عباد الله، يمين خليفة الله، طغرلبك.
стр. 19
ثم زاد الأمر في ذلك، إلى أن أضيف إلى ألقاب ولاة الأطراف: الدين والإسلام، والأنام والملة، وغير ذلك، بحيث اشترك في هذا الفن الخاص والعام، لا سيما في هذا الأوان".
إن هذا النص الفريد في كتاب ابن القلانسي فيه أكثر من دليل، ليس على منهج المؤلف ودقته وتحريه ونوعية مصادره فحسب، بل على عمق في فهم التاريخ الإسلامي ومشاكله، ونظرة ثاقبة واعية لأحداثه، وقد تأثر بهذه النظرة عدد من المؤرخين والسياسيين المسلمين، فهذا ما نشهد صداه في كتاب الكامل لابن الأثير، وعدد آخر من المصنفات الإسلامية العربية والفارسية سواء.
ومع أن ابن القلانسي يشير بأنه كان يجمع مواد كتابه على شكل مذكرات يومية، فإن ما يؤسف له هو طابع الاختصار لديه، فقد عقدت مقارنة بينه وبين وليم الصوري وهو من معاصريه، وكلاهما كتب عن حوادث الحروب الصليبية، واحد في القدس باللاتينية وآخر في دمشق بالعربية، ومع أن ابن القلانسي انفرد بذكر أخبار بعض الحوادث إلا أنه إذا اجتمع مع وليم على قص خبر حادثة، فالتفاصيل لدى وليم أكبر منها عند ابن القلانسي.
وهذا لا يقلل من قيمة ابن القلانسي، خاصة إذا تذكرنا أنه المصدر العربي الوحيد الذي وصلنا، وقام برواية الأخبار من وجهة نظر عربية صريحة ومنصفة، وفيها اعتدال كبير، وهذه صفات افتقر إليها وليم الصوري وغيره من المؤرخين غير العرب مثل آنا كومينا، مؤرخة الحملة الصليبية الأولى بالإغريقية، والمؤرخ السرياني المجهول الذي أرخ للحملتين الأولى والثانية وميخائيل السرياني.
ولهذا لاقى كتاب ابن القلانسي عناية خاصة، وكان أن أقدم المستشرق هـ. أمدروز على تحقيقه ونشره سنة ١٩٠٨ لحساب مؤسسة برل في ليدن هولنده، وقد طبع نصه في بيروت في مطبعة الآباء اليسوعيين، وقامت منذ
стр. 20
قرابة العقدين من السنين مكتبة المثنى في بغداد بإعادة طبعه بطريقة تصوير الأوفست، ونفذت نسخ الكتاب من الأسواق منذ سنين عديدة.
لقد بذل المستشرق أمدروز جهده في تحقيق نص الكتاب فنال بعض التوفيق، وكان حظه من الاخفاق أكبر، علما بأنه ألحق بالمتن عدداً من الحواشي المهمة استقى غالبيتها من تاريخ ميا فارقين للفارقي ومرآة الزمان لسبط ابن الجوزي.
ومرد الإخفاق إلى أنه لا يوجد في العالم إلا نسخة خطية واحدة من الكتاب، وهذه النسخة على وضوح خطها النسخي، ورغم نظافتها وخلوها من التطبيع وخروم الأوراق والأسطر، والاضطراب، فإن متنها قد انتشرت فيه التصحيفات بشكل رهيب، لا يستطيع المرء التنبه إليها إلا بكل صعوبة يضاف إلى هذا أن الناسخ -الذي لا نملك ترجمة لحياته- كان عاجزاً عن قراءة الأصل الذي اعتمده، لذلك لم يكتف بأعمال التصحيف بل تجاوز جملاً برمتها، ولهذا فمتن الكتاب فيه من الثغرات ما لا يمكن احصاؤه، وعندما أقدم أمدروز على نشر الكتاب أخفق في التنبه إلى تصحيفات النص وثغراته كما أخفق في قراءة الكثير من الكلمات بشكل صحيح، ولهذا جاءت طبعته مشوشة النص، وقامت الحاجة إلى إعادة تحقيق الكتاب ونشره.
ومنذ أكثر من عشرين عاما كنا نتحدث عن وجود حاجة ماسة إلى إعادة تحقيق جميع الكتب التي سبق نشرها في أوروبا، وأن هناك حاجات مسيسة للاهتمام بتاريخ بلاد الشام في العصور الإسلامية، فالطالب عندما يدرس العصر الأموي يعرف ما كان جري بالكوفة ولا يدري ما كان يجري في دمشق دار الخلافة، ومقر نشاطاتها، ولكم يتمنى المرء لو تم إنشاء مركز للدراسات الشامية يلحق بجامعة دمشق أو بغيرها من المؤسسات الثقافية، ويعمل على جمع مصادر تاريخ بلاد الشام، وإحياء نصوص هذه المصادر أو التعريف بها، وحبذا لو
стр. 21
أقدمت مجلة الدراسات التاريخية التي تصدر في دمشق عن لجنة "كتابة التاريخ العربي" على فتح ملف دائم للحديث عن تاريخ الشام مع المصادر.
وكنت قد عرفت تاريخ ابن القلانسي منذ زمن بعيد، وتوثقت صلاتي به في العشرين سنة الماضية منذ عملي في إعداد أطروحة الدكتوراه وأثناء بحثي في التاريخ الفاطمي وأخبار القرامطة والعصر السلجوقي والحروب الصليبية، وأخيراً اتخذت قراراً بان أعمل في أسرع وقت على إعادة تحقيق الكتاب ونشره، وفي إحدى الأمسيات كنت أحدث بعض الأصدقاء عن هذه النية، وأنني سأراسل مكتبة البودليان للحصول على شريط مصور للمخطوط، وهنا أخبرني الصديق أحمد ابش، أن لديه نسخة من هذا الشريط، وتفضل مشكوراً بإعارتي إياها، حيث أخرجت عنها صورة مطبوعة، ولا بد من الإشارة هنا إلى السيد ابش هو شاب دمشقي يعمل جاهداً في سبيل جمع مصادر تاريخ دمشق، وإني أنتظر له مستقبلاً جيداً في خدمة تاريخ هذه المدينة الخالدة.
وأثناء عملي في تحقيق الكتاب والإشراف على طباعته لاقيت التشجيع والعون من عدد من الأصدقاء أخص منهم الأخ عبد الهادي حرصوني، كما أن بعض طلابي قدموا لي مشكورين بعض المساعدات في إعداد فهارس الكتاب، ذلك أنني ألحقت الكتاب بفهارس فنية للأعلام مع فهارس للمحتويات وثلاث خرائط اثنتان لدمشق المدينة ودمشق والمناطق القريبة منها، وثالثة لمسرح عمليات الحروب الصليبية، وهنا أعود لأتوجه بالشكر إلى أصحاب مطابع دار الملاح والعاملين فيها لما بذلوه من جهود في سبيل إخراج الكتاب بشكل صحيح لائق، وللصديق الزميل الأستاذ فواز بكدش لتفضله بتصميم غلاف الكتاب.
ولا بد لي أن أشير في نهاية هذه المقدمة بأنه على الرغم من اعترافي بجميع المساعدات التي قدمت لي، فإن مسؤولية الكتاب أتحملها لوحدي وأنني بذلت
стр. 22
أثناء التحقيق كل طاقاتي، وعدت إلى سلسلة عريضة من المصادر التاريخية والجغرافية وسواها مع عمليات السبر والبحث عن بعض المواقع على الطبيعة، وتابعت ذلك والكتاب قيد الطباعة، وأسوق هنا المثل التالي، فلقد مر بي في [ص ٣٩] ذكر نبع اسمه الفوار، وبحثت عن مواقع هذا النبع في المصادر فلم أهتد إلى ذكر له، وسألت فأخبرت أنه اسم لواحد من ينابيع بلدة الحمة المحتلة، وهذا ما أثبته في الحاشية، وبعد هذا تبين لي أن هذا وهم، والصحيح أنه نبع قائم على طريق دمشق خان أرنبه، وأنه يبعد عن خان أرنبه مسافه /١٥/ كم وعلى مسافة /٤/ كم من، معسكر للطلائع.
وهذا المثل فيه عبرة كبيرة، إن الباحث ينشد الكمال، لكن من المحال الوصول إلى هذا الهدف، وإن للبحث العلمي بداية من ليس له نهاية، لهذا أتوجه إلى جميع القراء بالدعوة إلى إرشادي إلى ما أخفقت في قراءته أو تحديده أو شرحه، فالكتاب الآن هو ملكهم ومحتوياته فيها تاريخهم ممثلاً بأعظم مدن التاريخ وأروعها دوراً، دمشق دار العروبة والإسلام.
والحمد لله والصلاة والسلام على الإنسان الكامل سيدنا ونبينا وهادينا محمد رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
دمشق ٢٠ شوال ١٤٠٣ هـ
٣٠ تموز ١٩٨٣ م
سهيل زكار
стр. 23
سنة ستين وثلاثمائة
ذكر أخذ القرامطة دمشق من المعز لدين الله صاحب مصر وهذا في سنة ستين وثلاثمائة
وفي سنة ستين وثلاثمائة
في ذي القعدة وصل القرامطة إلى دمشق، ونصبوا على أسوارها السلالم، وتعلقوا بها وفتحوها قصداً، وأوقعوا بأهلها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، وشنعوا بأهلها وقتلوا واليها جعفر بن فلاح، وسبب ذلك أنهم لما رأوا أن
جعفراً استولى على الشام أهمهم أمره وأزعجهم وقلقوا، لأنهم كانوا قرروا مع ابن طغج أن يحمل إليهم في كل عام ثلاثمائة ألف دينار، فلما ملكها جعفر علموا أن المال يفوتهم، فعزموا على المسير إلى الشام، وصاحبهم وقتئذ الحسن بن أحمد بن بهرام القرمطي فأرسل إلى عز الدولة بختيار يستمد منه المعونة بالسلاح والمال، فأجابه الى ذلك واستقر الحال أنهم إذا ساروا الى الكوفة سائرين الى الشام حملوا الذي استقر، فلما وصلوا الكوفة أوصل اليهم ذلك وساروا الى دمشق، وبلغ خبر وصولهم الى جعفر، فاحتقرهم واستهان بهم "ولم يدر المخبأ له ولم يصل اليه قول القائل: "إذا كان عدوك نملة فلا تنام له"، وقد تقتل النملة الثعبان والأسد" (١) ولم يحتط (٢) ويحترز منهم ولم يعمل لهم حساباً، فكبسوه بظاهر دمشق (٣) وقتلوه من حيث لا يشعر بهم وغنموا ماله
وبعد ملكهم لدمشق أمنوا من بقي من أهلها، وعزموا السير الى الرملة واستولوا على جميع ما بينهما، فلما سمع من بها من الغاربة خبرهم ساروا منها الى يافا، فتحصنوا بها، وملك القرامطة الرملة بعد قتال شديد وخسائر
جمة، وبعد استتباب الأمر لهم قصدوا المسير الى مصر وتركوا على يافا من يحصرها.
وعند دخولهم مصر اجتمع عليهم خلق كثير من العرب وغيرهم من الجند والإِخشيدية، والكافورية، فنزلوا بفناء مدينة الشمس على مقربة من مصر قريباً من قرية البلسم أو البيلسان وتعرف "بعين" شمس، واجتمع جند جوهر
стр. 26
الصقلبي قائد العز لدين الله، وخرجوا اليهم، فاقتتلوا غير مرة فلم يظفروا بهم في جميع تلك الأيام، وما حصل منهم من الفظائع من قطع الطريق والنهب والسلب وسطوهم على القرى وهتكهم الأعراض يعجز القلم عن وصفه لعنهم الله.
ثم انهم تقدموا وزحفوا وحصروا عسكر جوهر وضايقوهم وحصروهم حصاراً شديداً، ثم ان جند جوهر خرجوا يوماً من مصر وحملوا على القرامطة من الميمنة فانهزم من بها من العرب وغيرهم، واقصدوا خيام القرامطة فنهبوها
وكبسوهم فيها فاضطروا الى الهزيمة، وولوا الأدبار راحلين إلى الشام، فنزلوا الرملة ثم حصروا يافا حصاراً شديداً وضيقوا على من بها، فسير القاهد جوهر نجدة من عسكره لأصحابه المحصورين بها، ومعهم ميرة في خمسة عشر مركبا، فأرسل القرامطة مراكبهم اليها فأخذوا مراكب جوهر ولم ينج منها غير مركبين، فغنمهما مراكب الروم.
وللحسن بن بهرام زعيم القرامطة شعر فمنه في المغاربة أصحاب المعز لدين الله العلوي الفاطمي الافريقي يقول:
زعمت رجال الغرب أني هبتها ... فدمي إذاً ما بينهم مطلول
يا مصر إن لم أسق أرضك من دمي ... يروي ثراك فلا سقاني النيل
وفي صباح الغد أخذ جند جوهر يرمون القرامطة بقوارير النفط، وأعملوا فيهم السلاح حتى اضطروهم الى الجلاء عن الحصار، ورحلوا الى الشام فتبعوهم، وواصلهم المعز وجوهر بالنجدات حتى أجلوهم عن بعض القرى والمدن (١) .
стр. 27
وفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة تقوى القرامطة، وعزموا أن يعودوا لمحاربة المعز الفاطمي العلوي صاحب مصر وافريقية، فتجمعت جموعهم وساروا من الإحساء، وفي مقدمتهم زعيمهم الحسن بن أحمد قاصدين ديار مصر فنزلوا
بها وحصروها، فلما سمع المعز لدين الله قصد القرامطة قبل وصولهم الى مصر، كتب اليهم كتابا (١) ، يذكر فيه فضل نفسه وأهل بيته، وأن دعوة القرامطة كانت له وآبائه من قبله، وتوعدهم وهددهم وسير الكتاب اليهم، فكتبوا اليه "جوابك: وصل الذي قل تحصيله، وكثر تفصيله، ونحن حاضرون اليك على إثره والسلام". وساروا حتى وصلوا عين شمس فخيموا بها، وأنشب القتال، وحصروا مصر حصراً شديداً، وأفسدوا ونهبوا القرى وقطعوا السبيل، وكثرت جموعهم، والتف حولهم من العرب وقطاع الطريق جمع كبير، وكان ممن حضر معهم وانضم اليهم الأمير حسان بن الجراح الطائي أمير العرب ببادية
стр. 28
الشام، ومعه جمع عظيم، فلما رأى ذلك المعز استعظم الأمر، وتحير وارتبك في أمره، فجمع حاشيته ووزراءه (*) ] . (١)
стр. 29
وتحصنوا بالسور وعظم الأمر على المعز وتحيرّ في أمره ولم ينفعه كتابه إليه ولا ترهيبه عليه ولم تقدم على الظهور بعسكره اليه (١) ، وكان حسان بن جراح الطائي (٢) بعسكره مع القرمطي، وكان قوته وشدته به،
стр. 30
وقال الشيخ أبو المظفر يوسف سبط ابن الجوزي في تاريخه مرآة الزمان في ترجمة السنة الحادية والستين بعد الثلاثمائة أن من ها هنا نبتدي بشي مما ذكره أبو الحسين هلال بن المحسن بن إبراهيم الصابي وأنه قال: إن في جمادى الآخرة ورد الخبر بأن أبا علي الحسن بن أبي منصور أحمد القرمطي سار إلى مصر ونزل بعين شمس وجرت بينه وبين جوهر القائد وقعة وكان الاستظهار فيها لجوهر وانهزم القرمطي. قال ابن الصابي: لما دخل جوهر مصر سنة ٣٥٨ ووطأ الأمور للمعز وأقام له الخطبة سير القائد جعفر بن فلاح إلى الشام فاسر الحسن بن عبيد الله بن طغج وبعث به إلى مصر ولما نهب الرملة قصده النابلسي الزاهد واستكف جعفر عن النهب فكف. ثم استخلف ابنه على الرملة وسار إلى طبرية وبلغه أن ابن أبي يعلي الشريف وهو أبو القاسم إسماعيل قد أقام الدعوة بدمشق للمطيع فسار إلى دمشق فعصوا عليه وقاتلوه فظهر عليهم وهرب ابن أبي يعلي إلى البربر وجئ به إليه فأحسن إليه وبعث به إلى مصر مع جماعة من الأحداث الذين قاموا معه. وعرف القرامطة استيلاء المغاربة على الشام وأخذهم ابن طغج فانزعجوا من ذلك لما يفوتهم من المال الذي كان قرره ابن طغج لهم وهو في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار فبعثوا أبا طريف عدي بن محمد بن المعمر صاحبهم إلى عز الدولة بختيار والوزير يومئذ أبو الفرج محمد بن العباس ابن فسانجس يطلبون المساعدة على المغاربة بالمال والرجال فاستقر أن عز الدولة يعطيهم ألف ألف درهم وألف جوشن وألف سيف وألف رمح وألف قوس وألف جعبة وقال: إذا وصل أبو علي لجنابي إلى الكوفة حمل إليه جميع ذلك. ولما وصل الجنابي إلى الكوفة وكان في عدد كثير من أصحابه ومن الأعراب فبعثوا إليه بالمال والسلاح وسار يريد الشام. وبلغ جعفر بن فلاح خبرهم فاستهان بأمرهم ثم لم يشعر بهم حتى كبسوه بدمشق بمكان يقال له الدكة فقتلوه واحتووا على سواده وأمواله وكراعه وملك أبو علي دمشق وأمن أهلها وأحسن السيرة فيها وغلب على الشام واجتمعت إليه العرب وسار إلى الرملة وبها سعاد بن حبان فخرج إلى يافا وتحصن بحصنها. ودخل أبو علي الرملة وقتل من وجد من المغاربة ثم رحل طالباً مصر وخلف بالرملة أبا محمد عبد الله بن عبيد الله الحسني ومعه دغفل بن الجراح الطائي وجماعة من الاخشيدية والكافورية وجاء فنزل عين شمس على باب مصر واقتتلوا أياماً وظهر القرمطي على المغاربة وقتل منهم زها خمسمائة رجل وغنم أموالهم وأسلحتهم ودوابهم. فلما كان يوم الأحد لثلاث خلون من ربيع الأول وقف الهجري على الخندق والمغاربة من ورائه ونشبت الحرب واقتتلوا إلى العصر فخرجت المغاربة من الخنادق وحملوا على الهجري فاندق عسكره لا يلوى على أحد وجعل يردهم وهم منهزمون فما وقفوا إلى الرملة وظن جوهر أن هزيمة القرمطي مكيدة فلم يتعرض لما كان في عسكره إلى ثلاثة أيام حتى تحقق الخبر فاستولى على الجميع. ونادى جوهر في الاخشيدية فاجتمعوا فعمل لهم طعاماً وحلف لهم على المصافاة ثم قبضهم وقيدهم وحبسهم وكانوا ألفاً وثلاثمائة مقاتل. وقال القرمطي في هذه الوقعة:
زعمت رجال العرب إني هبتها ... فدمي إذاً ما بينهم مطلول
يا مصر إن لم أسق أرضك من دمٍ ... يروي ثراك فلا سقاني النيل
وقال:
زعموا أنني قصير لعمري ... ما تكال الرجال بالقفزان
إنما المرء باللسان وبالقل ... ب وهذا قلبي وهذا لساني
ثم عاد الهجري إلى بلده وتفرقت الأعراب في البرية
ذكر الحرب بين المعز لدين الله صاحب مصر والقرامطة
في سنة ثلاث وستين وثلاثمائة وهذا أول ما وجد من تاريخ ابن القلانسي
وتحصنوا بالسور وعظم الأمر على المعز وتحير في أمره ولم ينفعه كتابه إليه ولا ترهيبه عليه ولم يقدم على الظهور بعسكره إليه. وكان حسان بن جراح الطائي بعسكره مع القرمطي وكان قوته وشدته به
стр. 31
ونظر المعز في أمره فإذا ليس له به طاقة فأعمل فكرته ورويته في أمره وشاور أهل الراي من خاصته وجنده في أمره فقالوا. ليس فيه حيلة غير فل عسكره وليس يقدر على فله إلا بابن جراح. فبذلوا له مائة ألف دينار على أن يفل لهم عسكره فأجابهم إلى ذلك. ثم نظروا في كثرة المال فاستعظموه فضربوا دنانير من صفر وطلوها بالذهب وجعلوها في أكياس وجعلوا في راس كل كيس منها يسيراً من دنانير الذهب الخلاص وحملوها إلى ثقة ابن جراح وقد كانوا توثقوا منه وعاهدوه على الوفاء وترك الغدر إذا وصل المال إليه. فلما عرف وصول المال إليه عمل في فل عسكر القرمطي وتقدم إلى أكثر أصحابه أن يتبعوه إذا تواقف العسكران ونشبت الحرب. فلما اشتد القتال ولي ابن جراح منهزماً وتبعه أصحابه فكان في جمع كثيف فلما نظر إليه القرمطي قد انهزم في عسكره بعد الاستظهار والقوة تحير في أمره ولزمه الثبات والمحاربة بعسكره وأجهد نفسه في القتال حتى يتخلص ولم يكن له بهم طاقة وكانوا قد أرهقوه بالحملات من كل جانب وقد قويت نفوس المغاربة بانفلال ابن جراح فخاف القرمطي على نفسه فانهزم فاتبعوا أثره وطلبوا معسكره فظفروا بمن فيه وأسروا منه تقدير ألف وخمسماية رجل وانتهبوا سواده وما فيه وضربوا أعناق من أسروه وذلك في شهر رمضان سنة ٣٦٣ ثم جردوا في طلب القرمطي القائد أبا محمود بن إبراهيم بن جعفر في عشرة ألف رجل فاتبعه وتثاقل في سيره خوفاً من رجوعه عليه وتم القرمطي على حاله في انهزامه حتى نزل على اذرعات وأنفذ أبا المنجا في طائفة من
стр. 32
الجند إلى دمشق وكان ابنه قبل ذلك والياً عليها ورحل القرمطي في البرية طالباً بلده الاحساء ونيته العود ورحل أبو محمود مقدم عسكر المغاربة عند معرفته ذاك ونزل بأذرعات في منزلة القرمطي
стр. 33
ذكر ولاية ظالم بن موهوب العقيلي لدمشق في سنة ٣٦٣ من قبل المعز لدين الله
وصل القائد ظالم بن موهوب العقيلي إلى دمشق والياً عليها في يوم السبت لعشر خلون من شهر رمضان سنة ٣٦٣ عقيب نوبة القرمطي فدخلها وتمكن أمره في ولايتها وتأثلت حاله في إيالتها وتوفرت عدته وعدته واشتدت شوكته لا سيما عند قبضه على أبي المنجا وولده صاحبي القرمطي مع جماعة وافرة من أصحابهما وحبسهم وأخذ أموالهم واستغراق أحوالهم. واتفق أن أبا محمود مقدم العسكر المصري المقدم ذكره وصل إلى دمشق في يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة ونزل بالشماسية فخرج ظالم متلقياً له ومستبشراً به ومبتهجاً بنزوله ومستأنساً بحلوله لما كان مستشعره من الخوف من عود القرمطي إلى دمشق ونزوله عليها ثم أن ظالماً أنزل أبا محمود المقدم الدكة المعروفة وحمل إليه أبا المنجا صاحب القرمطي المعتقل والمعروف بالنابلسي الذي كان هرب من الرملة متقرباً إليه وإلى المغاربة
стр. 34
بذلك فجعل كل واحد منهما في قفص من خشب وحملهما إلى مصر فلما وصلا إلى المعز لدين الله أمر بحبس أبي المنجا وولده وقال للنابلسي: أنت الذي قلت لو أن معي عشرة أسهم لرميت تسعةً في المغاربة وواحداً في الروم. فاعترف بذلك فأمر بسلخه فسلخ وحشي جلده تبناً وصلب ولما نزل القائد أبو محمود المقدم على دمشق في عسكره اضطرب الناس وقلقوا وامتدت أيدي المغاربة في العيث والفساد في نواحي البلد وأخذ من يصادف في الطرقات والمسالك وكان صاحب الشرطة بعد القبض على أبي المنجا قد أخذ إنساناً وقتله فظهر الغوغاء وحملة السلاح وقتلوا أصحاب المسالح وكثر من يطلب الفتن من العوام وطمعت المغاربة في نهب القرى وأخذ القوافل ظاهر البلد ولم يتمكن القائد أبو محمود المقدم من ضبط أصحابه لأنه لم يكن معه مال ينفقه فيهم ولم يقبلوا أمره ولا امتثلوا زجره. وكان ظالم يأخذ مال السلطان الذي يستخرج من البلد وقد عرف ظالم أن الرعية تكره المغاربة في الفساد وقطع الطريق على الصدار والوراد وامتنع السفار من المجي والذهاب وعدلوا في ذلك عن نهج الصواب ونزح أهل القرى منها إلى البلد وخلت من أهلها واستوحش ظاهر البلد وباطنه. فلما كان يوم الخميس النصف من شوال من السنة جاء قوم من العسكرية ينهب القصارين من ناحية الميدان فكثر الصائح في البلد وخرج الناس بالسلاح وثارت الأحداث وخرج أصحاب ظالم ووقع القتال وظالم يظهر
стр. 35
أنه يريد الصلاح والدفع عن البلد ولم يكاشف في الأمر ووجد الناس حجةً للمقال والشكوى لما يجري عليهم فلما كان في بعض الأيام خرج قوم من المغاربة يطلبون الطرق فظفروا برفقة قافلة في طريق الحرجلة قد أقبلت من حوران فأخذوها وقتلوا منها ثلاثة نفر فجاء أهل القتلى وحملوهم وطرحوهم في الجامع فكثر الناس عليهم وبالغوا في المقال والانكار لأجلهم وغلقت الأسواق ومشى الناس بعضهم إلى بعض ونفرت قلوبهم واستوحشوا وخافوا. فلما كان يوم الاثنين السابع عشر من ذي القعدة من السنة سمع صبي يصيح على بعد: النفير النفير إلى قينية إلى اللؤلؤة. فقال قائل: كان بالامس آخر النهار قوم من المغاربة ومن البادية في جنينة في القنوات فقتلت المغاربة من البادية ابن عم لورد بن زياد وقد وقع بينهم حرب وقد ثارت الفتنة بباب الجابية فخرج رجل من العسكرية يقال له نفاق ابن عم لأبي محمود فظهر القوم من غد في طلب الرجل وكان مسكنه في ناحية قينية
стр. 36
فأقبلوا يريدون بيته وانتشرت خيلهم ورجالتهم في أرض قينية إلى لؤلؤة والقنوات إلى باب الجابية وباب الحديد فظفروا بالقصارين عند باب الحديد فأخذوا ما كان معهم من الثياب فصاح الناس النفير ولبسوا السلاح وخرج أصحاب ظالم مع الرعية وزحفت المغاربة حتى بلغوا قريباً من سور البلد وليس في مقابلتهم من يذودهم ويدافعهم فنفر إليهم أهل البلد من كل ناحية ونشب القتال ونكا النشاب في المغاربة أعظم نكاية وقصدوا الباب الصغير وامتد الناس خلف المغاربة وصعدوا على طاحون الأشعريين يرمونهم بالحجارة وطرحوا النار فيها فاحترقت وهي أول نار طرحت في البلد وزحفت الرعية وأصحاب ظالم إلى المغاربة وضايقوهم مضايقةً ألجؤهم إلى الصعود فوق مسجد إبراهيم وكان ذلك منهم جهلاً واغتراراً وكان في الطريق الأعلى نحو البيمارستان العتيق شرذمة قليلة فحملوا على الأحداث وأصحاب ظالم فانهزموا من المرج إلى خلف المرمى وتبعتهم المغاربة فلما علم ظالم هزيمتهم خرج من دار
الامارة حتى وقف عند الجسر المعقود على بردا وأمر بغلق باب الحديد ورتب قوماً من أصحابه على جسر باناس ليلاً ينهزم الناس فلما شاهد انهزام الناس والمغاربة في أثرهم ضرب بيده على فخذه ثم استدعى رمحه وعبر الجسر ومعه فرقة من أصحابه وحمل على أوائل المغاربة فردهم عن أحداث البلد وصاح الناس في الميدان النفير فانهزم ظالم وأصحابه وجأت المغاربة نحو الفراديس ودخلوا الدروب وملكوا السطوح وطرحوا النار في الفراديس وكان هناك من البنيان
стр. 37
الرفيع الغاية في الحسن والبهاء ما لم ير مثله وهو أحسن مكان كان بظاهر دمشق وامتدت النار مشرقةً حتى بلغت مسجد القاضي فأتت على دور لبني حذيفة وأخذت النار كله فاتلفت ما كان بين الفاخورة وحمام قاسم وكنيسة مريوحنا وحين انهزم الناس وتكامل العسكر في المرج والميدان وارتفع صياح المغاربة وانهزم من على السطح من الرماة والنظارة وامتدوا إلى القنوات ودخلوا باب الحديد وانتشروا فلما عرفوا انهزام ظالم قصدت خيلهم ناحية الشماسية في طلبه فلما حصلوا بها أقبلت الأحداث تجول فيها مع المغاربة فطرحوا النار في لؤلؤة الكبرى والصغرى والقنوات وقينية وأقبل الليل وبات الناس على أسوء حال وأشد خوف عظيم وأعظم وجل. وتمكنت النار في تلك الليلة فاحرقت درب الفحامين ودرب القصارين ثم أخذت مغربةً إلى مسجد معوية واحرقت درب الستاقي وما حوله إلى حمام العصمي ثم أخذت في زقاق المشاطين والقنوات وقويت النار في اللؤلؤة الكبرى والصغرى وبلغت إلى ناحية المشرق وأتت على الرصيف جميعه وكانوا في وقت يمكنهم من باب الحديد قد طرحوا النار في دار عمرو بن مالك ودار ابن طغج ابن جف فقويت
стр. 38
النار في أخشاب وبطاين سقوف منقوشة وظهر لها في الليل ألسنة عالية وشرر عظيم وكذلك النار التي ألقيت في الفراديس كان لها شرر مرتفع والقوا النار أيضاً في باب الحديد والمظلمة بازاء دار الحمامي إلى الطريق الآخذ إلى حجر الذهب ووصلوا إلى رحبة السماكين مقابل دار ابن مقاتل ووجدوا بين أيديهم من الرعية من منعهم من دخول الزقاق ودخل قوم من الرعية المظلمة وأدركوا واطفؤها وقويت النار في دار ابن مالك فاحترقت وما يليها من الطاحون إلى حد حمام ضحاك ثم أخذت النار نحو القبلة فأتت على ما كان من الدور حول دار ابن طغج وما يليها إلى قصر عاتكة وسوق الجعفري والحوانيت والتقت على قصر حجاج وأشرق الصبح وقد خلا المكان واجتمع قوم في تلك الليلة من حجر الذهب والفسقار والنواحي المعروفة بباب الحديد وعملوا على المحاربة عن الدروب والأزقة وأبواب الدور فما لاح الصباح بضيائه إلا وقد بنوا حائط باب الحديد وسدوا الباب وأتى الله بالفرج. وقد كانت المغاربة في تلك الليلة في لهو ولعب وزفن وفرح وسرور بأخ البلد من عدوهم ينظرون إلى النار تعمل في جنباته وقد أتت عليه فلما أصبحوا انحدر العسكر من الدكة يريد البلد وكان الناس قد غدوا إلى الميدان وصعدوا السطح ينظرون نزول العسكر وقد حارت عقول كثير
стр. 39
من الناس من الخوف فلما نظرت الدبادبة ممن كان على السطح انحدر العسكر وقد علت الأصوات بالنفير فلما سمع الناس النفير بادروا الخروج بالسلاح التام وعدد الحرب وآلاتها وخرج قوم بمثل حربة وعصاً وفاس وكساء ومقلاع وحمر عليها حجارة واشتد الناس في القتال ونزل القائد أبو محمود في عسكره فضرب في الميدان خيمةً وأصبح الناس في شدة عظيمة وبلية هائلة وظهروا من البلد وقد تبعهم الخلق الكثير من الأخيار والمستورين يطلبون من الله تعالى الفرج فلما قربوا من عسكر المغاربة صاح نفر منهم فنفرت من الصياح خيل هناك فقيل لهم: أشراف البلد يريدون الوصول إلى القائد. فأذن لهم فلما حضروا لديه وسلموا عليه أحسن الرد عليهم وبش بهم وقال: ما حالكم وما الذي جاء بكم. فشكوا إليه أحوالهم والاضرار بهم والمضايقة لهم وخضعوا وذلوا له ولطفوا به فقال. ما نزلت في هذا المكان لقتالكم وانما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب المفسدين عنكم يعني أصحابه وما أوثر قتال رعية. فشكروه ودعوا له وأثنوا عليه وانصرفوا عنه مستبشرين بما سمعوه منه وجاءوا إلى خيمته واختلطوا بأصحابه وقد خف الخوف والوجل عنهم. ودخلت المغاربة البلد لقضاء حوايجهم وعاد القائد أبو محمود في عسكره إلى الدكة منزله. وولي الشرطة لرجلين يقال لأحدهما حمزة المغربي والآخر يقال له ابن كشمرد من
الأخشيدية فدخل في جمع كثير من الخيل والرجالة فطافا في البلد بالملاهي والزفن وجلسا في مجلس الشرطة وطاف في الليل جماعة من الرجال بالعدد والسلاح ممن يريد الفساد وإثارة الفتن ووجد الطائف الدروب قد ضيقت
стр. 40
فشكا ذلك إلى القائد أبي محمود فشق هذا الأمر عليه وضاق له صدره. فلما كان في بعض الليالي اجتاز الطائف في ناحية المحاملين على جسر المصلى يريد باب الصغير في جمع وافر ووصل إلى سوق الغنم فوجد درب سوق الغنم مسدوداً فعظم ذلك عليه وغضب لأجله وعاد إلى ورائه منكفئاً حتى دخل من ناحية البطاطين فشكا إلى أبي محمود فقال: إن القوم على ما هم عليه من العصيان والخلاف. وكثرت الأقوال في مجلسه ولم يكن صاحب رأي سديد ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة واستدعى مشايخ البلد إليه فدخلوا عليه فتواعدهم وأغلظ القول لهم وقال: إن لم يفتح هذا الباب والا وأنتم مقيمون على الخلاف والعصيان. فقالوا: أيها القائد لم يسد هذا الباب لعصيان ولا خلاف وانما كان سده بحيث لا يدخل منه من لا يعلمه القائد ولا يوثره من أهل الفساد ومن يوثره إثارة الفتنة والعناد. فقال: قد أمهلتكم ثلاثة أيام وإن لم يفتح هذا الباب لأركبن إليه ولأحرقنه ولأقتلن كل من أصادفه فيه. فقالوا: نحن نطيع أمرك ولا نخالفه إذا استصوبت ذلك. وخرجوا من عنده متحيرين في أمرهم ولا يعلمون كيف يسوسون جهلة الناس وأمور السلطان. فصاروا إلى باب الصغير واجتمع إليهم أهل الشرة وغيرهم وفيهم المعروف بالمارود راس شطار الأحداث وأحاطوا بهم وسألوهم عن حالهم فأعادوا عليهم ما سمعوه من القائد أبي محمود بسبب سد الباب فقال بعضهم: يفتح ولا يجري مثل ما جرى أولاً فنخرب البلد.