← История

История · id 22799

تاريخ دمشق لابن القلانسي

ابن القلانسي

Полный текст (573 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فأقبلوا يريدون بيته وانتشرت خيلهم ورجالتهم في أرض قينية إلى لؤلؤة والقنوات إلى باب الجابية وباب الحديد فظفروا بالقصارين عند باب الحديد فأخذوا ما كان معهم من الثياب فصاح الناس النفير ولبسوا السلاح وخرج أصحاب ظالم مع الرعية وزحفت المغاربة حتى بلغوا قريباً من سور البلد وليس في مقابلتهم من يذودهم ويدافعهم فنفر إليهم أهل البلد من كل ناحية ونشب القتال ونكا النشاب في المغاربة أعظم نكاية وقصدوا الباب الصغير وامتد الناس خلف المغاربة وصعدوا على طاحون الأشعريين يرمونهم بالحجارة وطرحوا النار فيها فاحترقت وهي أول نار طرحت في البلد وزحفت الرعية وأصحاب ظالم إلى المغاربة وضايقوهم مضايقةً ألجؤهم إلى الصعود فوق مسجد إبراهيم وكان ذلك منهم جهلاً واغتراراً وكان في الطريق الأعلى نحو البيمارستان العتيق شرذمة قليلة فحملوا على الأحداث وأصحاب ظالم فانهزموا من المرج إلى خلف المرمى وتبعتهم المغاربة فلما علم ظالم هزيمتهم خرج من دار الامارة حتى وقف عند الجسر المعقود على بردا وأمر بغلق باب الحديد ورتب قوماً من أصحابه على جسر باناس ليلاً ينهزم الناس فلما شاهد انهزام الناس والمغاربة في أثرهم ضرب بيده على فخذه ثم استدعى رمحه وعبر الجسر ومعه فرقة من أصحابه وحمل على أوائل المغاربة فردهم عن أحداث البلد وصاح الناس في الميدان النفير فانهزم ظالم وأصحابه وجأت المغاربة نحو الفراديس ودخلوا الدروب وملكوا السطوح وطرحوا النار في الفراديس وكان هناك من البنيان

стр. 37

الرفيع الغاية في الحسن والبهاء ما لم ير مثله وهو أحسن مكان كان بظاهر دمشق وامتدت النار مشرقةً حتى بلغت مسجد القاضي فأتت على دور لبني حذيفة وأخذت النار كله فاتلفت ما كان بين الفاخورة وحمام قاسم وكنيسة مريوحنا وحين انهزم الناس وتكامل العسكر في المرج والميدان وارتفع صياح المغاربة وانهزم من على السطح من الرماة والنظارة وامتدوا إلى القنوات ودخلوا باب الحديد وانتشروا فلما عرفوا انهزام ظالم قصدت خيلهم ناحية الشماسية في طلبه فلما حصلوا بها أقبلت الأحداث تجول فيها مع المغاربة فطرحوا النار في لؤلؤة الكبرى والصغرى والقنوات وقينية وأقبل الليل وبات الناس على أسوء حال وأشد خوف عظيم وأعظم وجل. وتمكنت النار في تلك الليلة فاحرقت درب الفحامين ودرب القصارين ثم أخذت مغربةً إلى مسجد معوية واحرقت درب الستاقي وما حوله إلى حمام العصمي ثم أخذت في زقاق المشاطين والقنوات وقويت النار في اللؤلؤة الكبرى والصغرى وبلغت إلى ناحية المشرق وأتت على الرصيف جميعه وكانوا في وقت يمكنهم من باب الحديد قد طرحوا النار في دار عمرو بن مالك ودار ابن طغج ابن جف فقويت

стр. 38

النار في أخشاب وبطاين سقوف منقوشة وظهر لها في الليل ألسنة عالية وشرر عظيم وكذلك النار التي ألقيت في الفراديس كان لها شرر مرتفع والقوا النار أيضاً في باب الحديد والمظلمة بازاء دار الحمامي إلى الطريق الآخذ إلى حجر الذهب ووصلوا إلى رحبة السماكين مقابل دار ابن مقاتل ووجدوا بين أيديهم من الرعية من منعهم من دخول الزقاق ودخل قوم من الرعية المظلمة وأدركوا واطفؤها وقويت النار في دار ابن مالك فاحترقت وما يليها من الطاحون إلى حد حمام ضحاك ثم أخذت النار نحو القبلة فأتت على ما كان من الدور حول دار ابن طغج وما يليها إلى قصر عاتكة وسوق الجعفري والحوانيت والتقت على قصر حجاج وأشرق الصبح وقد خلا المكان واجتمع قوم في تلك الليلة من حجر الذهب والفسقار والنواحي المعروفة بباب الحديد وعملوا على المحاربة عن الدروب والأزقة وأبواب الدور فما لاح الصباح بضيائه إلا وقد بنوا حائط باب الحديد وسدوا الباب وأتى الله بالفرج. وقد كانت المغاربة في تلك الليلة في لهو ولعب وزفن وفرح وسرور بأخ البلد من عدوهم ينظرون إلى النار تعمل في جنباته وقد أتت عليه فلما أصبحوا انحدر العسكر من الدكة يريد البلد وكان الناس قد غدوا إلى الميدان وصعدوا السطح ينظرون نزول العسكر وقد حارت عقول كثير

стр. 39

من الناس من الخوف فلما نظرت الدبادبة ممن كان على السطح انحدر العسكر وقد علت الأصوات بالنفير فلما سمع الناس النفير بادروا الخروج بالسلاح التام وعدد الحرب وآلاتها وخرج قوم بمثل حربة وعصاً وفاس وكساء ومقلاع وحمر عليها حجارة واشتد الناس في القتال ونزل القائد أبو محمود في عسكره فضرب في الميدان خيمةً وأصبح الناس في شدة عظيمة وبلية هائلة وظهروا من البلد وقد تبعهم الخلق الكثير من الأخيار والمستورين يطلبون من الله تعالى الفرج فلما قربوا من عسكر المغاربة صاح نفر منهم فنفرت من الصياح خيل هناك فقيل لهم: أشراف البلد يريدون الوصول إلى القائد. فأذن لهم فلما حضروا لديه وسلموا عليه أحسن الرد عليهم وبش بهم وقال: ما حالكم وما الذي جاء بكم. فشكوا إليه أحوالهم والاضرار بهم والمضايقة لهم وخضعوا وذلوا له ولطفوا به فقال. ما نزلت في هذا المكان لقتالكم وانما نزلت لأرد هؤلاء الكلاب المفسدين عنكم يعني أصحابه وما أوثر قتال رعية. فشكروه ودعوا له وأثنوا عليه وانصرفوا عنه مستبشرين بما سمعوه منه وجاءوا إلى خيمته واختلطوا بأصحابه وقد خف الخوف والوجل عنهم. ودخلت المغاربة البلد لقضاء حوايجهم وعاد القائد أبو محمود في عسكره إلى الدكة منزله. وولي الشرطة لرجلين يقال لأحدهما حمزة المغربي والآخر يقال له ابن كشمرد من الأخشيدية فدخل في جمع كثير من الخيل والرجالة فطافا في البلد بالملاهي والزفن وجلسا في مجلس الشرطة وطاف في الليل جماعة من الرجال بالعدد والسلاح ممن يريد الفساد وإثارة الفتن ووجد الطائف الدروب قد ضيقت

стр. 40

فشكا ذلك إلى القائد أبي محمود فشق هذا الأمر عليه وضاق له صدره. فلما كان في بعض الليالي اجتاز الطائف في ناحية المحاملين على جسر المصلى يريد باب الصغير في جمع وافر ووصل إلى سوق الغنم فوجد درب سوق الغنم مسدوداً فعظم ذلك عليه وغضب لأجله وعاد إلى ورائه منكفئاً حتى دخل من ناحية البطاطين فشكا إلى أبي محمود فقال: إن القوم على ما هم عليه من العصيان والخلاف. وكثرت الأقوال في مجلسه ولم يكن صاحب رأي سديد ولا تدبير حميد ولا حسن سياسة واستدعى مشايخ البلد إليه فدخلوا عليه فتواعدهم وأغلظ القول لهم وقال: إن لم يفتح هذا الباب والا وأنتم مقيمون على الخلاف والعصيان. فقالوا: أيها القائد لم يسد هذا الباب لعصيان ولا خلاف وانما كان سده بحيث لا يدخل منه من لا يعلمه القائد ولا يوثره من أهل الفساد ومن يوثره إثارة الفتنة والعناد. فقال: قد أمهلتكم ثلاثة أيام وإن لم يفتح هذا الباب لأركبن إليه ولأحرقنه ولأقتلن كل من أصادفه فيه. فقالوا: نحن نطيع أمرك ولا نخالفه إذا استصوبت ذلك. وخرجوا من عنده متحيرين في أمرهم ولا يعلمون كيف يسوسون جهلة الناس وأمور السلطان. فصاروا إلى باب الصغير واجتمع إليهم أهل الشرة وغيرهم وفيهم المعروف بالمارود راس شطار الأحداث وأحاطوا بهم وسألوهم عن حالهم فأعادوا عليهم ما سمعوه من القائد أبي محمود بسبب سد الباب فقال بعضهم: يفتح ولا يجري مثل ما جرى أولاً فنخرب البلد.

стр. 41

وقال قوم من أصحاب السلاح بالضد فقالت المشايخ: نحن نفتح هذا الباب وإن جرى أمر مكروه عند دخول المغاربة وغيرهم أو ثارت منه فتنة كنتم أنتم أصل ذلك وسببه. ثم انهم فتحوه من وقتهم فلما شاهد المشايخ ذاك حاروا بين الفريقين وقال بعضهم لبعض: ما قال أبو محمود وما قال أهل الشرة وقد فتح الباب بأمركم ولسنا نأمن أمراً يكون من المغاربة فتكونوا أنتم السبب فيه. ففكروا في الخلاص من لائمة الفريقين واعملوا الراي فيما بينهم وقالوا: الصواب أن نأمرهم بسده. وكان ذلك منهم رأياً سديداً وتدبيراً. وجرى بين رجل من أكابر المغاربة ورجل من أهل الشرة منازعة بسبب صبي أراد المغربي أن يغلب عليه فرفع البلدي سيفه وضرب به المغربي فقتله في سوق البقل فغلظ الأمر واضطرب البلد وغلقت حوانيت الأسواق وثار العسكر بسبب المقتول فعند ذلك وجدت المشايخ الحجة في سد الباب لهذا الحادث وانتهى الخبر إلى القائد أبي محمود ففرق السلاح في أصحابه وثار أهل البلد وتأهبوا للمحاربة وأصبح العسكر منحدراً يريد باب الصغير وكان عندهم العلم بتفريق السلاح والاستعداد للحرب فتيقظ الناس فاحترزوا إلى حين ارتفع النهار وفتح الناس حوانيتهم وكان المعروف بابن المارود راس الأحداث قد عرف هو وأصحابه ان قصد العسكر باب الصغير لأجلهم وصاح الناس النفير وارتفعت الأصوات وتقدمت الرجالة وانتشروا في سوق الدواب وعبروا الجسر وطرحوا النار في الطاحون قبلي الجسر وانتشروا في الطريق والمقابر يشاهدون

стр. 42

النار في دور عند مسجد الخضر وامتدت الأحداث والرعية في المقابر ووقع النفير في الأسواق وكانوا في غفلة فصاح فيهم صايح: أما يستيقظ من هو غافل أما ينتبه من هو راقد. فغلقت حوانيت الأسواق وأضحى الناس من استشعار البلاء على ساق ونزل القايد أبو محمود في محراب المصلى كانت رجالته منتشرةً في المقابر فاجتمعت مشايخ البلد إلى القائد أبي محمود من باب الجابية والمحاربة على باب الصغير وكان فيهم الشريف أبو القاسم أحمد بن أبي هشام العقيقي العلوي فقال له: الله الله أيها القائد في الحرم والأطفال وأتقياء الرجال. ولم يزل يخضع له ويلطف به إلى أن أمسك بعد سؤال متردد وعاد منكفئاً بعسكره إلى مخيمه بالدكة في يوم الأربعاء لست مضين من ذي الحجة سنة ٣٦٣ وكف عن القتال. ودخل صاحب النظر إلى البلد وانتشر الفساد في سائر الضياع والجهات وطرحت النار في الأماكن والحارات وثارت الفتنة واشتدت النار وعظم الخوف وفني العدد الكثير من الفريقين ولم تزل الحرب متصلةً مدة صفر وربيع الأول وبعض ربيع الآخر وتقررت المصالحة والموادعة إلى أن ولي جيش بن الصمصامة البلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ذكره في سنة ٣٦٣. وصرف القائد ظالم بن موهوب العقيلي عن ولايتهبلد من قبل خاله القائد أبي محمود المقدم ذكره في سنة ٣٦٣. وصرف القائد ظالم بن موهوب العقيلي عن ولايته

стр. 43

شرح الأمر في ذلك لما استقر الصلح والموادعة بين أهل دمشق والقائد أبي محمود مقدم العسكر المصري المعزي على ما تقدم شرحه وخمدت نار الفتنة بعض الخمود وركدت ريحها بعض الركود وسكنت نفوس أهل البلد واطمأنت القلوب بين الفريقين اعتمد القائد أبو محمود على ابن أخته جيش بن الصمصامة في ولاية دمشق وحمايتها ولم ما تشعث منها بالفتنة المتصلة لما رجاه عنده من الكفاية والصرامة وقدره فيه من النهضة والشهامة فدخلها والياً ونزل بقصر الثقفيين في الدار المعروفة بالروذباري وأقام بها أياماً. فلما كان يوم من الأيام عبرت طائفة من عسكر المغاربة بالفراديس فعاثت فيه فثار الناس عليها وقتلوا من لحقوه منهم وصاروا إلى قصر الثقفيين فهرب منهم جيش بن الصمصامة الوالي في أصحابه فانتهبوا ما كان لهم فيه وأصبح القائد جيش منحدراً من العسكر في جمع كثير وقصد جهة من البلد وكبس موضعاً كان قد سلم ووجد فيه أربعةً من أهله فأخذ رؤوسهم وطرح النار فيه فاحترق وقال القائد أبو محمود: إن أهل الشرة في موضع يقال له سقيفة جناح قريب من باب كيسان قبلي البلد. فقصدهم من ناحية الخامس الصغير والمقابر فوقع النفير فقاتلتهم الأحداث والرعية أشد قتال وقد غلظ الأمر عليهم في أخذ رؤوس من يظفرون به ونشبت الفتنة والشر بينهم منذ أول جمادى الأولى ونشبت الحرب بينهم بياض ذلك اليوم إلى أن أقبل الليل

стр. 44

فاضطرب البلد واشتد خوف أهله ووجلهم وخربت المنازل وضعفت النفوس وانقطعت المواد واستدت بالخوف المسالك والطرقات وبطل البيع والشراء وقطع الماء عن البلد وعدم الناس القني والحمامات ومات ضعفاء الناس على الطرقات وهلك الخلق الكثير من الجوع والبرد في أكثر الجهات وانتهت الحال في ذلك إلى أن تجددت ولاية القائد ريان الخادم عقيب هذه الفتنة في بقية سنة ٣٦٣ شرح الحال في ذلك قد كانت الأخبار تنتهي إلى المعز لدين الله بما يجري على أهل دمشق من الحروب واحراق المنازل والنهب والقتل والسلب واخافة المسالك وقطع الطرقات وان القائد أبا محمود المقدم على الجيش المصري لا يتمكن من كف أهل الفساد والمنع لمن يقصد الشر من أهل العيث والعناد ولذلك فقد خربت الأعمال واختلت الجهات وترادفت الأنباء بذلك إليه وتواترت الأخبار بجلية الحال عليه فأنكر استمرار مثل ذلك وأكبره واستبشعه وكتب إلى القائد ريان الخادم والي طرابلس يأمره بالمسير إلى دمشق لمشاهدة حالها وكشف أمور أهلها والمطالعة بحقيقة الأمر فيها وأن يصرف القائد أبا محمود عنها فامتثل القائد ريان الأمر في ذلك وسار من طرابلس ووصل إلى دمشق فشاهدها وكشف أحوال أهلها وأمور الرعية بها وتقدم إلى القائد أبي محمود بالانكفاء عنها فرحل عن دمشق إلى الرملة في عدة خفيفة من عسكره وبقي الأكثر مع القائد ريان وكان ذلك بقضاء الله وتقديره ونفاذ حكمه. وتمادت الأيام في ذلك إلى أن تجددت ولاية أبي منصور الفتكين التركي المعزي البويهي الواصل

стр. 45

ولاية الفتكين المعزي لدمشق في بقية سنة ٣٦٣ وما بعدها وشرح السبب في ذلك قد مضى ذكر ما جرى عليها أمر القائد ريان المعزي الخادم في تولية أمر دمشق وما شاهده من أمر الفتن الحادثة فيها واتصال الحروب بها وما اعتمده من النظر في تسديد أحوالها وتدارك اصلاح اختلالها بعد ذلك وتسكين نفوس من بها. ووافق هذه الحال ما تناصرت به الأخبار من بغداد من اشتداد الفتن والوقائع بين الديلم والأتراك وما كان من عصيان الحاجب سبكتكين المعزي مقدم الأتراك على عز الدولة بختيار بن مولاه معز الدولة أبي الحسين بن بويه الديلمي وما حدث من موت الحاجب سبكتكين المذكور ورد الأمر في التقدم على الأتراك إلى الحاجب أبي منصور الفتكين المعزي والرئاسة عليهم لسكونهم إلى سداده وجميل فعله في الأعمال واقتصادهم واعتمادهم عليه في اخماد ثائرة الفتنة وسكنت نفوس الأجناد ببغداد وفي ذي القعدة من سنة ٣٦٣ وردت الأخبار بخلع المطيع لله واستخلاف ولده الطائع لله عند اشتداد الفتنة بين الديلم والأتراك وأقام على هذه الحال برهةً خفيفةً ثم ثارت الفتنة واتصلت الحوادث

стр. 46

وزاد الأمر في ذلك إلى حد أوجب للحاجب الفتكين الانفصال عن بغداد في فرقة وافرة من الأتراك تناهز ثلاثمائة فارس من طراخين الغلمان ووصل أولاً إلى ناحية حمص للأسباب التي أوجبت ذلك ودعت فأقام بها أياماً قلائل وسار منها إلى دمشق والأحداث بها على الحال المقدم شرحهما في تملكها والغلبة عليها والتحكم فيها فنزل بظاهرها وخرج إليه شيوخها وأشرافها وخدموه وأظهروا السرور به وسألوه الاقامة عندهم والنظر في أحوالهم وكف الأحداث الذين بينهم ودفع الأذية المتوجهة عليهم منهم فأجابهم إلى ذلك بعد أن توثق منهم وتوثقوا منه بالأيمان الموكدة والمواثيق المشددة على الطاعة والمساعدة ودخل البلد وأحسن السيرة وقمع أهل الفساد وأذل عصب ذوي العيث والعناد وقامت له هيبة في الصدور وصلح به ما كان فاسداً من الأمور. وكانت العرب قد استولت على سواد البلد وما يتصل به فقصدهم وأوقع بهم وقتل كثيراً منهم وظهر لهم من شجاعته وشهامته وقوة نفس من في جهته وجملته ما دعاهم إلى الاذعان بطاعته والنزول على حكمه والعمل باشارته وأمر بتقرير امضاء الاقطاعات القديمة وارتجاع ما سوى ذلك وأحسن التدبير والسياسة في ترتيب العمال في الأعمال وأنعم النظر في أبواب المال ووجوه الاستغلال فاستقام له الأمر وثبتت قدمه في الولاية وسكن أهل دمشق إلى نظره. وكاتب المعز مكاتبةً على سبيل المداجاة والمغالطة والمدامجة والتمويه والانقياد له والطاعة لأوامره فأجابه بالاحماد له والارتضاء بمذهبه والاستدعاء له إلى حضرته ليشاهده ويصطفيه لنفسه ويعيد إلى ولايته بعد ذلك مكرماً مولىً مشرفاً فلم يثق إلى ذلك ولا سكنت نفسه إليه وامتنع من الاجابة إلى ما بعثه عليه

стр. 47

ووافق إن المعز لدين الله اعتل العلة التي قضى فيها محتوم نحبه وصار إلى رحمة ربه في سنة ٣٦٥ وكان مولده بالمهدية وعمره خمس وأربعون سنة ومولده سنة ٣١٩ ومدة أيامه في الخلافة ثلاث وعشرون سنة وستة أشهر وأمه أم ولد ونقش خاتمه بنصر العزيز العليم ينتصر الامام أبو تميم وكان عالماً فاضلاً شجاعاً جارياً على منهاج أبيه في حسن السيرة وانصاف الرعية ثم عدل عن ذلك وتظاهر بعلم الباطن ورد من كان باقياً من الدعاة في أيام أبيه وأذن لهم في الاعلان مذهبهم ولم يزل عن ذلك غير مفرط فيه إلى أن خرج من الغرب. وقام في منصبه من بعده ولده نزار أبو منصور العزيز بالله مولوده بالمهدية يوم الخميس الرابع عشر من المحرم سنة ٣٤٤ ولما عرف حال الحاجب الفتكين جهز إليه عسكراً كثيراً مع القائد جوهر المعري ويجري الأمر بينهم على ما هو مشروح في موضعه. واتفق خروج ابن الشمشقيق متملك الروم في هذه السنة إلى الثغور فاستولى على

стр. 48

أكثرها ودعت أبا بكر ابن الزيات الضرورة إلى مصالحته والدخول في طاعته والمسير في عدة وافرة من أهل طرصوس والثغور في خدمته وفعلت عدة من بطون العرب مثل ذلك فلما نزل ابن الشمشقيق على حمص وافتتحها وانتقل عنها إلى بعلبك وملكها وأراد قصد دمشق وكتب ابن الزيات إلى الفتكين وأهل دمشق يعرفهم قوة متملك الروم وانهم لا يقدرون على مقاومته ولا يتمكنون من محاربته ويشير عليهم بالدخول في طاعته والنزول على حكم اشارته وأصغى الفتكين وأهل البلد إلى ذلك وعلموا ان فيه المصلحة وقرروا ما يستكفونه به ليصبحوا في كنف السلامة ويأمنوا شر العساكر الواصلة إليهم. وكتب إليه بقبول الاشارة ورد الأمر إليه فيما يدبره والعمل فيه بما يراه ويستصوبه. فدخل ابن الزيات إلى متملك الروم وقال له: قد وردت كتب الفتكين وأهل دمشق بالانقياد المملك إلى ما يرومه منهم ويرسم حمله إليه من الخراج عن بلدهم وسألوا أمانه وحسن الرأفة بهم والمحاماة عنهم. فقال له: قد قبلت طاعتهم وأمرت بايمانهم على نفوسهم وأموالهم ورضيت منهم بالخراج. وأنفذ إليهم صليباً بالأمان فأنفذه ابن الزيات إليهم مع المعروف بالدمشقي صاحبه وكان من وجوه الطرسوسين فتلقوه بالمسرة والاكرام والشكر الزائد عن حسن السفارة وجميل الوساطة. وأشار ابن الزيات على الفتكين بالخروج لتلقي الملك فخرج في ثلاثمائة غلام في أحسن زي وعدة وأفضل ترتيب وهيئة واستصحب أشراف البلد وشيوخه ولقيه فأقبل عليه وأكرمه والدمستقيين فيما خاطبهم به من الجميل وعاملهم به من وكيد العناية ومرضي الرعاية وتوسط ابن الزيات ما بينه وبينهم على تقرير مائة ألف درهم.

стр. 49

وسار ابن الشمشقيق إلى دمشق لمشاهدتها فلما وصل إليها ونزل بظاهرها استحسن ما رآه من سوادها وتقدم إلى أصحابه بكف الأذية عن أهلها وترك الاعتراض لشيء من عملها ودخل الفتكين والشيوخ إلى البلد لتقسيط القطيعة وجمعها وتحصيل الملاطفات التي يخدم مثله بمثلها وحملوا إليه ما جاز حمله وحصل المال المقرر له في بدرة. وخرج الفتكين إليه لمعاودة خدمته فوجده راكباً والطرسوسيون يتطاردون بالرماح بين يديه فلما شاهد ابن الشمشقيق موكبه تقدم إلى ابن الزيات بتلقيه وقد كانت الحال تأكدت بين الفتكين وابن الزياد فتلقاه ووصاه بالتذلل له والزيات في التعظم له والتقرب إليه وأعلمه ان ذلك ينفق عليه ففعل الفتكين ما أشار به وترجل له هو وأصحابه وابن الزيات عند قربهم منه وقبلوا الأرض مراراً فسر الملك بذلك وأمرهم بالركوب فركبوا وأسند إلى الفتكين وسأله عن حاله فأجابه جواباً استرجعه حجةً فيه. وكان الملك فارساً يحب الفرسان فلعب الفتكين وابن الزيات بين يديه لعباً استحسنه منه وشاهد من فروسية الفتكين

стр. 50

ما أعجبه فتقدم إليه بالزيادة في اللعب والتفرد به ففعل والتفت الملك إلى ابن الزيات فأثنى على الفتكين وقال: هذا غلام نجيب وقد أعجبني ما شاهدته منه في حسن أفعاله وجميع أحواله. فأعلم ابن الزيات الفتكين فترجل وقبل الأرض وشكره ودعا له فأمره بالركوب فركب وقال لابن الزيات: عرفه إن ملكي قد وهب له الخراج وترك طلبه منه. فأعاد الفتكين الترجل والشكر والدعاء وعاد الملك إلى بلاطه والفتكين معه في أثناء مسيره يلعب ويرى بالزوبين والملك شديد التوفر عليه حتى إذا نزل أحضره وخلع عليه وحمله على شهري واستهداه الملك الفرس الذي كان تحته والسلاح الذي عليه الرمح فعاد وأضاف إليه عشرين فرساً بتجافيفها وعدة رماح وشيئاً كثيراً من أصناف الثياب والطيب والتحف التي يتحف بها مثله فشكره الملك على هذا الفعل وقبل الفرس والته ورد ما سوى ذلك وكافاه على الهدية بأثواب ديباج كثيرة وصياغات وشهاري وبغلات وسار على طريق الساحل فنزل على صيدا. وخرج إليه أبو الفتح بن الشيخ وكان رجلاً جليل القدر ومعه شيوخ البلد ولقوه وقرروا معه أمرهم على مال أعطوه اياه وهدية حملوها إليه وانصرف عنهم على سلم وموادعة وانتقل إلى ثغر بيروت فامتنع أهله عليه فقاتلهم وافتتح الثغر عنوةً ونهبه وسبى السبي الكثير منه وتوجه إلى جبيل فاعتصم أهلها عليه وجرى أمرها مجرى بيروت ونزل على طرابلس فأقام عليها تقدير أربعين يوماً يقاتل أهلها

стр. 51

ويقاتلونه فبينما هو على ذلك إذ دس إليه خال بسيل وقسطنطين سماً فاعتل منه ورحل إلى أنطاكية فطالب أهلها بتسليمهما فلم يجيبوا إلى ذلك وقطع ما كان في بساتينها من شجر التين وهو يجري هناك مجرى النخل في البصرة وحفزه المرض الذي لحقه واستخلف البرجي البطريق على منازلتها وتوجه إلى القسطنطينية وتوفي بعد أن افتتح البرجى أنطاكية في سنة ٣٦٥ وورد الخبر بوفاة أبي تميم معد المعز لدين الله صاحب مصر في يوم الجمعة السابع عشر من شهر ربيع الآخر سنة ٣٦٥ وكان مولده بالممهدية على أربع ساعات وأربعة أخماس ساعة من يوم الاثنين الحادي عشر من شهر رمضان سنة ٣١٩ وعمره خمس وأربعون سنة وتقلد الأمر بعد أبيه في يوم الجمعة التاسع عشر من شوال سنة ٣٤١ ومدة أيامه بمصر ثلاث سنين وانتصب مكانه ولده نزار أبو المنصور العزيز بالله وقد تقدم ذكر ذاك الا ان هذه الرواية أجلى من تلك الحكاية. وقيل إن المعز كان مغرىً بعلم النجوم والنظر فيما يقتضيه أحوال مولده وأحكام طالعه فحكم له بقطع فيه واستشار منجمه فيما يزيله عنه فأشار عليه أن يعمل له سرداباً تحت الأرض ويتوارى فيه إلى حين زوال الوقت وتقضيه فعمل على ذلك وأحضر قواده وكتابه وقال لهم: إن بيني وبين الله تعالى عهداً في وعد وعدنيه وقد قرب أوانه وجعلت ولدي نزاراً ولي العهد بعدي ولقبته العزيز بالله واستخلفته عليكم وعلى تدبير أموركم مدة غيبتي فالزموا الطاعة له والمناصحة واسلكوا الطريق الواضحة. فقالوا له: الأمر أمرك ونحن عبيدك وخدمك. ووصى إلى العزيز بما أراد وجعل

стр. 52

جوهراً مدبره والمشار إليه في الأمور وتنفيذها بين يديه ونزل إلى السرداب الذي اتخذه وأقام فيه سنة فكانت المغاربة إذا رأوا غماماً سايراً ترجلوا إلى الأرض وأومؤا إليه بالسلام بقدر ذاك. ثم خرج بعد ذلك وجلس للناس فدخلوا إليه على طبقاتهم وخدموه بأدعيتهم وما أقام على هذه الحال إلا مديدةً واعتل علته التي قضى فيها نحبه. وقام العزيز بالله في منصبه وقد كان الفتكين والقرامطة يكاتبونه بأنهم قاصدون الشام إلى أن وافوا إلى دمشق في سنة ٣٦٥ وكان الذي وافى منهم اسحق وكسرى وجعفر فنزلوا على ظاهر دمشق نحو الشماسية ووافى معهم كثير من العجم وأكرمهم الفتكين وحمل إليهم الميرة وخرج نحوهم وأقاموا على دمشق أياماً ورحلوا متوجهين إلى الرملة. وكان أبو محمود إبراهيم بن جعفر لما عرف خبرهم تحصن بيافا فلما نزلوا الرملة شرعوا في القتال ولما أمن الفتكين من ناحية مصر والرملة عمل على أخذ ثغور الساحل وسار فيمن اجتمع إليه ونزل صيدا فكان بها ابن الشيخ والياً ومع رؤوس من المغاربة ومعهم ظالم بن موهوب العقيلي الذي تقدم

стр. 53

ذكره في دمشق فقاتلوه وكانوا في كثرة وطمعوا في الفتكين وامتدوا خلفه ونزل على نهر وطفت الرعية من صيدا وخرج منهم خلق كثير وقال الفتكين لساقة العسكر: اطلبوا طريق بانياس وتبعوهم. فحملت عليهم الأتراك ورمتهم المغاربة بالحرب فلقوهم بالصدور واقلبوا باللتوت عليهم وداسوهم بالخيل عليها التجافيف فانهزموا وأخذهم السيف وكان ظالم بن موهوب معهم فانهزم إلى صور وأحصي القتلى فكانوا أربعة ألف وطمع في أخذ عكا وتوجه نحوها. وقد كان العزيز بالله كاتب الفتكين بمثل ما كاتبه به المعز لدين الله من الاستمالة ووعده بالاصطناع وأخذت عليه البيعة وظهرت منه الطاعة فأجابه فيه جواباً فيه بعض الغلظة وقال: هذا بلد أخذته بالسيف وما أدين فيه لأحد بطاعة ولا أقبل منه أمراً. وغاظ العزيز هذا الجواب منه وأحفظه واستشار أبا الفرج يعقوب بن يوسف بن كلس وزيره فيما يدبر أمر

стр. 54

الفتكين به فأشار باخراج القايد جوهر إليه مع العساكر فأمر بالشروع في ذلك وترتيب الأمر فيه. وعرف الفتكين ذلك وما وقع العزم عليه فجمع وجوه أهل دمشق وأشرافها وشيوخها وقال لهم: قد علمتم انني لم أتوسطكم وأتولى تدبيركم إلا عن رأيكم ومرادكم وقد طلبني من هذا السلطان ما لا طاقة لي به وأنا منصرف عنكم وداخل إلى بلاد الروم وعامل على طلب موضع أكون فيه واستمد ما أحتاج إليه منه لئلا يلحقكم بقصد من يقصدكم ما يثقل به الوطأة عليكم وتصل به المضرة إليكم. وكان أهل دمشق يأبون المغاربة لمخالفتهم لهم في الاعتقاد ولأنهم أمويون ولقبح سيرة الناظرين الذين كانوا عليهم فقالوا: أما أخبرناك لرئاستنا وسياستنا على أن نمكنك من تركنا ومفارقتنا أو نالوك جهداً من نفوسنا ومساعدتنا! ونفوسنا دونك وبين يديك في المدافعة عنك. وجددوا له التوثقة على الطاعة والمناصحة. وفصل جوهر في العسكر الكثيف من مصر بعد أن استصحب أماناً من العزيز بالله لا لفتكين وخاتماً ودستاً من ثيابه وكتاباً إليه بالعفو عنه وعما فرط منه فلما حصل بالرملة كاتب الفتكين بالرفق والملاطفة وأن يبلغ له ما يريده وأعلمه ما قرره له مع العزيز بالله وأخذه أمانه الموكد والتشريف الفاخر وأشار عليه في أثناء ذلك بترك اثارة الفتنة وأن يطلب صلاح الحال من جهته وأقرب طرقه. فلما وصل الكتاب إليه ووقف عليه أجابه عنه بالجميل من الجواب والمرضي من الخطاب والشكر على ما بذله له من نفسه وغالطه في المقال واحتج عليه بأهل دمشق فيما يصرف رأيه

стр. 55

وتدبيره عليه. وكان كاتب الفتكين المعروف بابن الخمار وهو يرى غير رأي المغاربة ويزري عنده على اعتقادهم ويقرر في نفسه وجوب قتالهم ووقف جوهر على كتابه فعلم انه مصر على الحرب فسار إليه حتى إذا قرب منه ووصل إلى دمشق نزل في العسكر بالشماسية وبرز إليه الفتكين في أصحابه ومن حشده من العرب وغيرهم ونشبت الحرب بين الفريقين واتصلت مدة شهرين وقتل فيها عدد كثير من الطائفتين وظهر من شجاعة الفتكين والغلمان الذين معه ما عظموا به في النفوس وتحصلت لهم الهيبة القوية في القلوب. وأشار عليه أهل دمشق بمكاتبة أبي محمد الحسن بن أحمد القرمطي واستدعائه للاجتماع معه على دفع المغاربة ففعل وسار الحسن متوجهاً إليه في عسكره وعرف جوهر خبره فعلم انه متى حصل بين عدوين ربما تم عليه مكروه منهما فرجع إلى طبرية. ووصل الحسن بن أحمد إلى الفتكين واجتمعا وتحالفا وتعاقدا وسارا في أثر جوهر فاندفع منهما إلى الرملة وأقام بها وأنفذ رحله وأثقاله إلى عسقلان وكتب إلى العزيز يعرفه بصورة الحال ويستأذنه في قصد عسقلان ان دعته إلى ذلك ضرورة ووافى الفتكين والحسن بن أحمد القرمطي ونزلا على الرملة ونازلا جوهراً وقاتلاه واجتمع إليهما من رجال الشام وعربها تقدير خمسين ألف فارس وراجل ونزلوا بنهر الطواحين على ثلاثة فراسخ من البلد ولا ماء لأهله إلا منه فقطعاه عنهم واحتاج جوهر وعسكره والرعية إلى الماء المجتمع من المطر في الصهاريج وغناء ... قليل ومادته إلى نفاد ورأى جوهر أنه لا قدرة له على المقام ومقاومته القوم فرحل إلى عسقلان في أول الليل ووصل إليها في آخره وتبعه الفتكين والقرمطي إليها ونزلا عليها وحاصراه فيها وضاقت الميرة به

стр. 56

وغلت الأسعار عنده وكان الوقت شتاء لم يمكن حمل الأقوات إليه في البحر واشتدت الحال حتى أكلت المغاربة وأهل البلد الدواب الميتة وابتاعوا الخبز إذا وجدوه حساب كل خمسة أرطال بالشامي بدينار معزي. وكان جوهر شجاعاً مبارزاً وربما خرج وتقدم وإذا وجد فرصةً من الفتكين دعاه إلى الطاعة وبذل له البذول المرغبة فيسترجعه الفتكين ويسترجله ويهم أن يقيل منه ويجيبه ثم يثنيه عنه الحسن بن أحمد وابن الخمار الكاتب ويمنعانه ويخوفانه ويحذرانه وزاد الضيق والشدة على المغاربة وتصور جوهر العطب إن لم يعمل الحيلة في الخلاص فراسل الفتكين سراً وسأله القرب منه والاجتماع معه ففعل ذلك الفتكين ووقفا على فرسيهما فقال له جوهر: قد علمت ما يجمعني وإياك من حرمة الاسلام وحرمة الدين وهذه فتنة قد طالت وأزيقت فيها الدماء ونحن المأخوذون بها عند الله تعالى وقد دعوتك إلى الصلح والموادعة والدخول في السلم والطاعة وبذلت لك كل اقتراح وإرادة وإحسان وولاية فأبيت إلا القبول ممن يشب نار الفتنة ويستر عنك وجه النصيحة فراقب الله تعالى وراجع نفسك وغلب رأيك على هوى غيرك. فقال له الفتكين: أنا والله واثق به وبصحة الرأي والمشورة منك لكنني غير متمكن مما تدعوني إليه ولا يرضى القرمطي بدخوله فيه معي. فقال له: إذا كان الرأي والأمر على ذلك فإني أصدقك على أمري تعويلاً على الأمانة وما أجده من الفتوة عندك فقد ضاق الأمر وامتنع الصبر وأريد أن تمن علي بنفسي وبها ولاء المسلمين الذين معي وعندي وتذم لي لأمضي وأعود إلى صاحبي شاكراً وتكون قد جمعت بين حقن الدماء واصطناع المعروف وعقدت علي وعلى صاحبي منةً تحسن الأحدوثة عنك فيها وربما أملت المقابلة لك عنها. فقال له الفتكين: افعل وأمن على أن أعلق سيفي ورمح الحسن بن أحمد على باب عسقلان وتخرج أنت وأصحابك من

стр. 57

تحتها. فرضي جوهر بذلك وتعاهدا وتصافحا عليه وأخذ ختم الفتكين رهناً على الوفاء به وافترقا وعاد الفتكين إلى عسكره وجوهر إلى البلد وأنفذ جوهر إلى الفتكين ألطافاً كثيرة ومالاً فقبل ذلك منه وكافاه عليه. وأنفذ الفتكين إلى القرمطي يعرفه ما جرى بينه وبين جوهر فركب الحسن إليه وقال له: لقد أخطأت فيما فعلته وبذلته وجوهر هذا ذو رأي وحزم ودهاء ومكر وقد استقلك بما عقده معك وسيرجع إلى صاحبه ويحمله على قصدنا ثم لا يكون لنا به طاقة فيأخذنا ومن الصواب أن ترجع عن ذلك حتى يهلك هو وأصحابه جوعاً وتأخذهم بالسيف. فقال له الفتكين: قد عاهدته وحلفت له وما استجيز الغدر به. وعلقا السيف والرمح وخرج جوهر وأصحابه تحتهما ووصل إلى مصر ودخل على العزيز بالله وشرح له الحال واستفحال أمره ومن معه فقال له: ما الرأي. قال: إن كنت تريدهم فأخرج بنفسك إليهم وإلا فإنهم واردون على أثري. فأمر العزيز باخراج الأموال ووضع العطاء في الرجال وبرز بروزاً كلياً واستصحب الخزائن والذخائر وتوابيت آبائه على القوم في ذلك وسار جوهر على مقدمته. ووردت الأخبار على الفتكين والحسن القرمطي بما جرى فعادا إلى الرملة وجمعا العرب واتفقا واحتشدا وتأهبا واستعدا وورد العزيز في العساكر ونزل في الموضع المعروف بقصر ابن السرح بظاهر الرملة والفتكين والقرمطي على قرب منه في الموضع المعروف ببركة الخيزران وبات العسكران على اعداد للحرب وباكراها وقد اصطف كل منهما ميمنةً وقلباً وميسرةً وحال الفتكين بين الصفين يكر ويحمل ويطعن ويضرب فقال العزيز لجوهر: أرني الفتكين. فأشار إليه وقيل إنه كان في ذلك اليوم على فرس أدهم بتجافيف من مرايا وعليه كذا غند أصفر وهو يطعن تارةً بالرمح ويضرب أخرى بالسيف والناس يتحامونه ويتقونه فأعجب العزيز ما رأى منه ومن هيئته وفروسيته وعلى رأسه المظلة ووقف وأنفذ إليه ركابياً

стр. 58

يختص بخدمته يقال له نميرة وقال له: قل: يا الفتكين أنا العزيز وقد أزعجتني عن سرير ملكي وأخرجتني لمباشرة الحرب بنفسي وأنا مسامحك بجميع ذلك وصافح لك عنه فأترك ما أنت عليه ولذ بالعفو مني فلك عهد الله وميثاقه اني أومنك وأصطفيك وأنوه باسمك وأجعلك اسفهسلار عسكري وأهب لك الشام بأسره وأتركه في يدك. فمضي نميرة الركابي إليه وأعاد الرسالة عليه فخرج بحيث يراه الناس وترجل وقبل الأرض مراراً ومرغ خديه عليها معفراً وقال له: قل لأمير المؤمنين لو تقدم هذا القول منك لسارعت إليه وأطعت أمرك فأما الآن فليس إلا ما ترى، وعاد نميرة وقال ذلك للعزيز فقال له: ارجع إليه وقل له يقرب مني ويكون بحيث أراه ويراني فإن استحققت أن يضرب في وجهي بالسيف فليفعل. فمضى نميرة وقال له ذلك فقال: ما كنت الذي أشاهد طلعة أمير المؤمنين وأنابذه بالحرب وقد خرج الأمر عن يدي. ثم حمل على الميسرة فكسرها وهزمها وقتل كثيراً ممن كان فيها وشاهد العزيز ما جرى وكان في القلب فراسل الميمنة بالحملة وحمل هو والمظلة على رأسه فانهزم الفتكين والقرمطي ووضع السيف في عسكريهما فقتل منه نحو عشرين ألف رجل ومضى الحسن القرمطي هارباً على وجهه. وعاد العزيز إلى معسكره ونزل في مضاربه وجلس الأسرى بحضرته والعرب تجيئه بمن يقع في أيديها من أصحاب الفتكين والخلع تخرج إليهم مقابلة عن ذلك وقد بذل لمن يجئه بالفتكين مائة ألف دينار وكان الفتكين يميل إلى المفرج بن دغفل بن الجراح ويتمرده لأنه كان وضئ الوجه صبيحه وشاع ذلك عنه فيه واتفق ان انهزم فطلب ساحل البحر ومعه ثلاثة من غلمانه رفقائه وبه جراح وقد كده العطش فلقيته سرية من الخيل فيها المفرج فلما رآه التمس ماء فأعطاه إياه وقال له: احملني إلى

стр. 59

هناك. ففعل حتى إذا وصل إلى قرية تعرف بلبنا أنزله فيها وأحضره ماء وفاكهةً ووكل به جماعةً من أصحابه وبادر إلى العزيز فتوثق منه في المال الذي بذله في الفتكين ثم عرفه حصوله في يده وأخذ جوهراً ومضى فسلمه إليه وورد المبشرون إلى العزيز بحصوله فتقدم بضرب نوبة من مضاربه وفرشها واعداد ما يحتاج إلى اعداده من الآلات للاستعمال فيها واحضار كل من حصل في الأسر منسوباً إليه فأحضر وأومنوا وكسوا ورتبوا في أشغالهم المنسوبة إليهم في خدمته ووصل الفتكين وقد خرج العسكر لاستقباله وهو غير شاك في انه مقتول فأمر العزيز أن يعدل به إلى النوبة المضروبة وكانت قريباً من مضاربه وبين يديه مختار الصقلبي صاحب القصر في جماعة من الخدم والصقالبة يمنعون الناس منه ويحولون بينه وبينهم فلما رأى القواد والصقالبة والمغاربة باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم وقبلوا الأرض ففعل الفتكين مثل ذلك ودخل المضارب المعدة له فشاهد أصحابه وحاشيته على ما كانوا عليه من الحال والعمل في خدمته وحمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه فرمى نفسه إلى الأرض ورمى ما على رأسه وعفر خديه على التراب وبكى بكاءً شديداً سمع منه نشيجه وقال: ما استحققت الابقاء علي فضلاً عن العفو الكريم والاحسان الجسيم ولكن مولانا أبي إلا ما يقتضيه أعرافه الشريفة وأخلافه المنيفة. وامتنع من الجلوس في الدست وقعد بين يديه وأتاه بعد ساعة أمين الدولة الحسن بن عمار وهو أجل كتابه وجوهر ومعهما عدة من الخدم على أيديهم الثياب فسلما عليه وأعلماه رضي العزيز عنه وتجاوزه عن الهفوة الواقعة منه وألبسه جوهر دستاً من ملابس العزيز كان في جملة الثياب وقال له: أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت سؤ الاستشعار وعدت إلى حال السكون والانبساط. فجدد الدعاء وتقييل الأرض وشكر جوهراً على ما ظهر منه في أمره وعاد الحسن وجوهر إلى العزيز فأخبراه ما كان منه. وواصله العزيز بعد ذلك بالمراعاة والملاطفة في الفواكه والمطاعم وتقدم من غد إلى البازيارية وأصحاب الجوارح بالمصير إلى باب مضربه وراسله بالركوب إلى الصيد تأنيساً له وقاد إليه عدة من دواب بمراكبها فركب وهو يشاهد القتلى من أصحابه وعاد من متصيده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع والنفاطون بالمشاعل ونزل في مضاربه فلما كان في الليل ركب العزيز إليه ودخل عليه فبادر إلى استقباله وتقبيل الأرض وتعفير خديه بالتراب فأخذ العزيز بيده وأمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات ثم جلس فسأله عن خبره وخاطبه بما سكن نفسه وقال له: ما نقمت عليك إلا انني دعوتك إلى مشاهدتي تقديراً أن تستحيي مني فأبيت وقد عفوت الآن عن ذلك وعدت إلى أفضل ما تحب أن تطيب نفسك به وسأصطنع لك اصطناعاً يسير ذكره وافعل معك فعلاً أزيد على أملك وأمنيتك فيه. فبكى الفتكين بين يديه وقال: قد تفضلت يا أمير المؤمنين علي تفضلاً ما استحققته ولا قدرته وأرجو أن يوفقني الله بخدمتك ومقابلة نعمتك. وأنس الفتكين بعد ذلك وخاطب فيمن بقي من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة والتقريرات المتتابعة ونزلوا على مقاديرهم ورتبهم في مواضعه واستحجبه العزيز وجعله من أخص خاصته وأقرب صاحب من خدمة حضرته. وكان العزيز قد أنفذ النجب بالرسل والكتب تابعةً للحسن بن أحمد القرمطي فلحقوه بطبرية وأعادوا عليه الرسائل بالصفح عما جرى منه والدعاء إلى وطء البساط ليصطنعه ويصطفيه والتماس ما يريده ليبلغه له ويرجع إلى بلاده فأقام على أمره وترددت المراسلات إليه ومنه والوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ثلاثين ألف دينار له ولأصحابه تحمل إليه في كل سنة ويكونوا على الطاعة والموادعة وحمل إليه مال سنة وأضيف إليه ثياب كثيرة وخيل بمراكب وتوجه إليه جوهر وقاضي الرملة فاستحلفاه للعزيز على الوفاء والمصلحة وأخذا له المواثيق المسدودة المؤكدة وأعطياه المال والخلع والحملان وانصرف إلى الاحساء وعاد العزيز إلى مصر والفتكين حاجبه ولم يزل المال المقرر للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد أبي المنجا صاحبه إلى أن مات. ووصل العزيز إلى مصر والقاهرة فدخلها ونزل في قصره وأنزل الفتكين في دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير وركب وجوه سائر الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه ووافاه فيمن وافاه أبو الفرج يعقوب بن يوسف ابن كلس الوزير بعد أن لاطفه وهاداه وزاد أمر الفتكين بين يدي العزيز وتكبر على ابن كلس الوزير وامتنع من قصده والركوب إليه وأمره العزيز فلم يفعل وتدرجت الوحشة بينهما حتى قويت واستحكمت وأعمل الحيلة الوزير في الراحة منه ودس إليه سماً فقتله به ولما مضى لسبيله حزن العزيز حزناً شديداً عليه واتهم ابن كلس واعتقله نيفاً وأربعين يوماً صح له منه خمسمائة ألف دينار وواقفت الأمور باعتزاله النظر فيها فأعاده العزيز وجدد اصطناعه واستخدامه انه مقتول فأمر العزيز أن يعدل به إلى النوبة المضروبة وكانت قريباً من مضاربه وبين يديه مختار الصقلبي صاحب القصر في جماعة من الخدم والصقالبة يمنعون الناس منه ويحولون بينه وبينهم فلما رأى القواد والصقالبة والمغاربة باب سرادق العزيز ترجلوا عن دوابهم وقبلوا الأرض ففعل الفتكين مثل ذلك ودخل المضارب المعدة له فشاهد أصحابه وحاشيته على ما كانوا عليه من الحال والعمل في خدمته وحمل إلى دست قد نصب له ليجلس عليه فرمى نفسه إلى الأرض ورمى ما على رأسه وعفر خديه على التراب وبكى بكاءً شديداً سمع منه نشيجه وقال: ما استحققت الابقاء علي فضلاً عن العفو الكريم والاحسان الجسيم ولكن مولانا أبي إلا ما يقتضيه أعرافه الشريفة وأخلافه المنيفة. وامتنع من الجلوس في الدست وقعد بين يديه وأتاه بعد ساعة أمين الدولة

стр. 60

الحسن بن عمار وهو أجل كتابه وجوهر ومعهما عدة من الخدم على أيديهم الثياب فسلما عليه وأعلماه رضي العزيز عنه وتجاوزه عن الهفوة الواقعة منه وألبسه جوهر دستاً من ملابس العزيز كان في جملة الثياب وقال له: أمير المؤمنين يقسم عليك بحقه إلا طرحت سؤ الاستشعار وعدت إلى حال السكون والانبساط. فجدد الدعاء وتقييل الأرض وشكر جوهراً على ما ظهر منه في أمره وعاد الحسن وجوهر إلى العزيز فأخبراه ما كان منه. وواصله العزيز بعد ذلك بالمراعاة والملاطفة في الفواكه والمطاعم وتقدم من غد إلى البازيارية وأصحاب الجوارح بالمصير إلى باب مضربه وراسله بالركوب إلى الصيد تأنيساً له وقاد إليه عدة من دواب بمراكبها فركب وهو يشاهد القتلى من أصحابه وعاد من متصيده عشاء فاستقبله الفراشون بالشمع والنفاطون بالمشاعل ونزل في مضاربه فلما كان في الليل ركب العزيز إليه ودخل عليه فبادر إلى استقباله وتقبيل الأرض وتعفير خديه بالتراب فأخذ العزيز بيده وأمره بالجلوس فامتنع ثلاث مرات ثم جلس فسأله عن خبره وخاطبه بما سكن نفسه وقال له: ما نقمت عليك إلا انني دعوتك إلى مشاهدتي تقديراً أن تستحيي مني فأبيت وقد عفوت الآن عن ذلك وعدت إلى أفضل ما تحب أن تطيب نفسك به وسأصطنع لك اصطناعاً يسير ذكره وافعل معك فعلاً أزيد على أملك وأمنيتك فيه. فبكى الفتكين بين يديه وقال: قد تفضلت يا أمير المؤمنين علي تفضلاً ما استحققته ولا قدرته وأرجو أن يوفقني الله بخدمتك ومقابلة نعمتك. وأنس الفتكين بعد ذلك وخاطب فيمن بقي من أصحابه حتى أوجب لهم الأرزاق الواسعة والتقريرات المتتابعة ونزلوا على مقاديرهم ورتبهم في مواضعه واستحجبه العزيز وجعله من أخص خاصته وأقرب صاحب من خدمة حضرته. وكان العزيز قد أنفذ النجب بالرسل والكتب تابعةً للحسن بن أحمد القرمطي فلحقوه بطبرية وأعادوا عليه الرسائل بالصفح عما جرى منه

стр. 61

والدعاء إلى وطء البساط ليصطنعه ويصطفيه والتماس ما يريده ليبلغه له ويرجع إلى بلاده فأقام على أمره وترددت المراسلات إليه ومنه والوسيط جوهر إلى أن تقرر الأمر على ثلاثين ألف دينار له ولأصحابه تحمل إليه في كل سنة ويكونوا على الطاعة والموادعة وحمل إليه مال سنة وأضيف إليه ثياب كثيرة وخيل بمراكب وتوجه إليه جوهر وقاضي الرملة فاستحلفاه للعزيز على الوفاء والمصلحة وأخذا له المواثيق المسدودة المؤكدة وأعطياه المال والخلع والحملان وانصرف إلى الاحساء وعاد العزيز إلى مصر والفتكين حاجبه ولم يزل المال المقرر للقرمطي يحمل إليه في كل سنة على يد أبي المنجا صاحبه إلى أن مات. ووصل العزيز إلى مصر والقاهرة فدخلها ونزل في قصره وأنزل الفتكين في دار حسنة بعد أن فرشت بالفروش الكثير وركب وجوه سائر الدولة إليه حتى لم يتأخر أحد منهم عنه ووافاه فيمن وافاه أبو الفرج يعقوب بن يوسف ابن كلس الوزير بعد أن لاطفه وهاداه وزاد أمر الفتكين بين يدي العزيز وتكبر على ابن كلس الوزير وامتنع من قصده والركوب إليه وأمره العزيز فلم يفعل وتدرجت الوحشة بينهما حتى قويت واستحكمت وأعمل الحيلة الوزير في الراحة منه ودس إليه سماً فقتله به ولما مضى لسبيله حزن العزيز حزناً شديداً عليه واتهم ابن كلس واعتقله نيفاً وأربعين يوماً صح له منه خمسمائة ألف دينار وواقفت الأمور باعتزاله النظر فيها فأعاده العزيز وجدد اصطناعه واستخدامه

стр. 62

ولاية قسام التراب لدمشق بعد الحاجب الفتكين المقدم ذكره والسبب في غلبته على الأمر في سنة ٣٦٨ وما آل أمره إليه السبب في غلبة قسام على ولاية دمشق إن الفتكين المعزي المذكور كان قد استخدمه وقدمه واعتمد عليه وسكن في كثير من أمره إليه فصار له بذلك صيت يخشى به ويرجا له. واتفق خلو البلد من أكابر الولاة بعد الفتكين وفراغه من شجعان الرجال وكان فيه المعروف بحميدان قد وليه وأمر فيه ونهي وأخذ وأعطى ففسد الأمر بين قسام وبين حميدان فصار حميدان من تحت حكم قسام لقهره له بكثرة من معه من الأحداث واستيلائه على البلد فطرده قسام عن الولاية ونهب أصحابه ما كان في داره وخرج هارباً فتمكن قسام من البلد واستقامت حاله فيه واجتمعت إليه الرجال وكثر ما في يده وقويت شوكته وتضاعفت عدته وعدته وولي القائد أبو محمود البلد بعد حميدان في نفر يسير وهو ضميمة لقسام. واتفقت النوبة الحادثة ببغداد بين الديلم والعرب من بني حمدان وهروب أبي تغلب الغضنفر بن حمدان في البرية والجبال إلى أن خرج إلى حوران فقصد دمشق ونزل عليها فمنع قسام من دخول أحد من رجاله إليها ووصل كتاب العزيز بالمنع له من البلد فسأل أبو تغلب عامل الخراج بدمشق أن يمكن أصحابه من ابتياع ما يحتاجون إليه من الأسواق فكلم العامل قساماً في ذلك فأذن له فيه ودخل أصحابه البلد وقد كان طمع أن يوليه العزيز وكان قسام قد خاف من ذلك وسعى قوم بينهما وكان أبو تغلب نازلاً بالمزة

стр. 63

فأقام بها شهوراً فشق قسام مقامه وظن أنه يلي البلد. فلما كان في بعض الأيام وقف رجل من العجم من أصحاب ابن تغلب في باب الجابية وكان نشواناً فجرد سيفه وقال: إلى كم يكون هذا العيار. فعظم ذلك على قسام وتخوف أن يكون لأبي تغلب سلطنة فيملكه ومن معه ففسد الأمر بينهما بهذا السبب وتقدم قسام إلى أصحابه بأخذ كل من يدخل من أصحاب أبي تغلب فكمنوا في خراب قينية فأخذوا منهم نحو سبعين رجلاً وقتلوا منهم جماعة وعاد من أفلت منهم إلى أبي تغلب عراة قد أخذت ثيابهم ودوابهم فلم يتمكن أبو تغلب من شيء يفعله. وكتب إلى مصر بذلك فلما وقف أبي تغلب واهلاكه ونزل الرملة وأوصل إلى ابن جراح سجلاً بولاية الرملة وقال: إن هذا أبا تغلب يريد أن يسير إليها ليأخذها بسيفه وأنا معين لك عليه وكان أبو تغلب قد رحل عن دمشق نحو الفوار ونزل عليه وسار الفضل ونزل طبرية وراسل أبا تغلب في الاجتماع معه وكان الفضل يهودياً أولاً وكان أبوه طبيباً فكبرت نفس أبي تغلب أن يجلس معه على سرير من جهة اليهودية فأعلم ذلك فقال: كل منا على سرير. فاجتمعا في طبرية وجلس كل منهما على سريره وجرت بينهما محاورات على ان الرملة ولاية لأبي تغلب ويقلع ابن جراح منها وأنا معين لك عليه وقرر ذلك في نفسه وسار الفضل إلى دمشق يجبي الخراج ويفضه في الجند وزاد في العطاء وزاد في جنده وعسكره وسار عن دمشق وأخذ طريق الساحل. وشرع أبو تغلب في أمره وتوجه نحو الرملة وقد اجتمع إليه بنو عقيل مع شبل بن معروف العقيلي فهرب ابن جراح منها وجعل يحشد العرب ويحشد ثقةً بمعونة الفضل له وكذلك

стр. 64

أبو تغلب مثله أيضاً فلما توجه الفضل على الساحل ونزل على عسقلان وقصد ابن جراح أبا تغلب بعسكره وسارت بنو عقيل مع شبل ابن معروف واصطلوا القتال للطاس كذا وأبو تغلب واقف في مصافه وعاد الفضل واجتمع مع ابن الجراح بعسكره وكان معه مغاربة كثيرة فقالوا لأبي تغلب: قد اجتمع عسكر الفضل مع عسكر ابن جراح. فقال: على هذا جرت الموافقة بيني وبينه. فلما نظر المغاربة الذين كانوا مع أبي تغلب إلى مغاربة الفضل قد أقبلوا مع عسكر ابن جراح حملوا يريدون الدخول معهم فقالوا لابن تغلب: احمل في أثر هؤلاء من قبل أن يدهمك الأمر. فبقي متحيراً وعلم إن الحيلة قد تمت عليه فلما حمل المغاربة الذين كانوا معه وساروا مع أصحابهم وأقبل العسكران على عسكر أبي تغلب فانهزم جميع من كان معه ثم انهزم هو فلم يدر في أي طريق يأخذ وكانت عدته في الغابة جميعها وذكر أنه لم يتقدم إليه رجل إلا ضربه. ولم يزل على ذلك حتى تبعه رجل من أصحاب ابن جراح يقال له منيع فصاح إليه: يا إنسان اسمع مني أنا ألحق بك. وظن أن كلامه حق فقال له: هذه الخيل التي أمامك خيلنا فلو وقفت علي لنجوت بك. وكان يتكلم معه وهو يقرب منه وبيده رمح فطول الرمح وهو يكلمه وهو يظن الا يقدر عليه فلم يمكنه في أبي تغلب شيء فطعن عرقوب فرسه فوقف به الفرس فأخذه وسار به إلى ابن جراح فأركب جملاً وأشهر بالرملة وقتله وأحرقه وذلك في صفر سنة ٣٦٩ وخلت الديار لابن جراح وأتت بنو طيء على الناس وشملهم البلاء منهم. وكان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفاً شديداً لأنه كان عازماً على انفاد العساكر إلى مصر فعاقه عن ذلك الخلف الجاري بينه وبين أخيه واشتغاله به في سنة ٣٦٩رملة وقتله وأحرقه وذلك في صفر سنة ٣٦٩ وخلت الديار لابن جراح وأتت بنو طيء على الناس وشملهم البلاء منهم. وكان العزيز قد خاف من الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه خوفاً شديداً لأنه كان عازماً على انفاد العساكر إلى مصر فعاقه عن ذلك الخلف الجاري بينه وبين أخيه واشتغاله به في سنة ٣٦٩

стр. 65

سنة تسع وستين وثلاثمائة فيها خرج العسكر المصري مع القايد سليمان بن جعفر بن فلاح في أربعة ألف من المغاربة ووصل إلى دمشق فصادف قساماً قد غلب عليها فنزل في بستان الوزير بزقاق الرمان وعسكر حوله في دور هناك. فثقل أمره على قسام وطال مقامه في غير شيء وقلت نفقته ورام أن يظهر صرامة فيتمكن من البلد فقال لقسام: لا يحملن أحد سلاحاً. فأبوا ذلك فبعث إلى الغوطة من يتلوها ويمنع من خفارة تؤخذ منها وحمل السلاح فيها فأعلم قسام ذلك فقال: لا يحفل بهذا الأمر بل كونوا على ما كنتم عليه. وثار قسام ومن معه إلى الجامع وصاروا إلى البستان الذي فيه سليمان فأخرجوهم وخرج سليمان وأصحابه إلى الدكة ونزل على نهر يزيد وقسام جالس في الجامع ولم يشهد الحرب مع أصحابه وقد أحضر المشايخ وكتب بما جرى إلى مصر وعمل محضراً على نفسه انه متى جاء للملك عضد الدولة عسكر أغلق الأبواب وقاتله ليكون لك معونةً على ما يريده فلما وقف عليه العزيز وافق غرضه وأنفذ رسله وكتابه إلى سليمان بن فلاح يأمره بالرحيل عن دمشق فرحل عنها وكان مقامه بها شهوراً من سنة ٣٦٩ ورجع القائد أبو محمود إلى دمشق. ولما تم للفضل ما دبره على أبي تغلب ووافق الأغراض عزموا على أعمال الحيلة على ابن جراح لأن أمره كبر وشره ظهر وتوجه إلى قسام ليعمل أيضاً عليه وأظهر انه يريد المسير إلى

стр. 66

حمص وحلب ليأخذهما وجمع بني عقيل ونزل بظاهر دمشق وعلم ابن جراح بمكاتبته لبني عقيل فأخذ حذره وأمر أصحابه بالرحيل وركب أصحاب الفضل وأخذوا من العرب تقدير خمسمائة فارس وسار ابن جراح عن دمشق. وانضمت بنو عقيل إلى الفضل مع شبل وظالم في صفر سنة ٣٧٠ وبطل كل ما أراد الفضل عمله من الحيلة على ابن جراح وقسام ورحل عن دمشق في طلب ابن جراح وجد في طلبه فبعد عنه وكتب ابن جراح إلى مصر يتلطف أمره فورد الأمر على الفضل بالكف عنه وعاد الفضل إلى مصر وعاد ابن جراح إلى فلسطين فأخربها وأهلك من فيها. وكان الرجل يدخل إلى الرملة يطلب فيها شيئاً يأكله فلا يجده ومات الناس بالجوع وخربت الأعمال وأما دمشق فكان قد اشتد بها غلاء السعر. وكان بكجور قد ولي حمص من قبل سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان فواصل إليها الغلة مع العرب بحيث اتصلت مع الأيام وعمرت الطرقات وجعل فيها من يخفر سالكيها. وكانت العرب قد طمعت في عمل دمشق وأفسدت الغوطة وكان بها القائد أبو محمود واليها في ضعف وهو ضميمة لقسام فملك في دمشق في سنة ٣٧٠ وكان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة قارا وبيرود ومعلولا والتينة وصيدنايا والمعرة وتلفيتا وغيرها من ضياع جبل سنير فحماها من العرب والحرامية وحسنت حال دمشق بذلك. وكاتب بكجور العزيز في ترغيبه في الأجناد حملة السلاح فاجتمع إليه حين فعل

стр. 67

ذاك الخلق الكثير من سائر البلاد وكانوا حوله إذا ركب من داره فقهر بهم المغاربة واستظهر عليهم في سنة ٣٧٠ وفيها وردت الأخبار بوفاة الملك عضد الدولة فناخسره بن بويه في يوم الاثنين ثامن شوال منها وكتم أمره وكانت مدته بالعراق خمس سنين ونصفاً وانتهى ذلك إلى الوزير بن كلس فدخل على العزيز فأعلمه فسر بذلك وخلع عليه وأمنوا بعد وفاته وعملوا على الخروج إلى الشام

стр. 68

سنة احدى وسبعين وثلاث مائة فيها وقع الاهتمام بتجهيز العساكر المصرية إلى ابن جراح وقد اشتهر أمره بارتكاب العيث والفساد واخراب البلاد فلما سار العسكر من مصر مع القائد بلتكين التركي وكان فيها اعجام ومغاربة ومن كل الطوايف فنزل الرملة وأجفل ابن جراح وكان قد قوي أمره وصار معه جند يرمون بالنشاب وخلق عظيم وسار معه بشارة والي طبرية واجتمع إليه من العرب من قيس وغيرها جمع كثير ونشبت الحرب بين الفريقين وكان بلتكين المقدم قد خرج على ابن جراح من ورائه بعد اشتداد الحرب فانهزموا وأخذهم بالسيف وأسر ابن جراح وأفلت ونهب عسكره وقصد أرض حمص في البرية وقصد أنطاكية واستجار بصاحبها فأجاره وأمنه. وصادف خروج بارديس من قسطنطينية في عسكر عظيم يريد أرض الاسلام فخاف ابن جراح وكاتب بكجور خوفاً على نفسه. وكان القائد بلتكين المقدم قد نزل على دمشق في ذي الحجة سنة ٣٧٠ وكان على

стр. 69

العسكر منشا بن الفرار اليهودي فتلطف أمر قسام فلم يتمكن من ذلك وكان بدمشق مع قسام القائد جيش بن الصمصامة شبه وال وقد كان ولي البلد بعد مهلك خاله القائد أبي محمود في سنة ٧٠ ولما نزل القائد بلتكين مقدم العسكر المصري على المزة وجده رجلاً أحمق فلم يحفل به ودخل على منشا الكاتب فقال: اني قضيت حق هذا القائد ولم يجئ إلي ولم يقض حقي وأنا الوالي. فهزأ به منشا وقال له: نعم أنت الوالي. وظن انما نزول العسكر على دمشق ليصلح البلد وقالوا: تخرج أنت ومن معك إلى ظاهر البلد. فخرج هو ومن معه فعسكر نحو مسجد إبراهيم ﵇ وكان عسكر بشارة نازلاً في ذلك المكان وكانت المراسلة بينهم وبين قسام أن يسلم البلد ويكون هو آمناً على نفسه ومن معه فعلم قسام انهم إن بقوا في البلد أهلكوه ومن معه فقال: لا أسلم البلد. وضبط أصحابه فلما كان يوم الثلاثا التاسع عشر من المحرم سنة ٣٧٣ وقع بين قوم من أصحاب قسام وقوم من أصحاب القائد بشارة الخادم عند باب الحديد فظهر عليهم أصحاب بشارة وأقبل في غد أصحاب جيش بن الصمصامة فخرج أصحابه إليهم فطردوهم ثم نشبت الحرب وأحرق ربض باب شرقي واطلقت النار في عدة مواضع وملكوا الشاغور ودخلت الأتراك على خيلهم في البطاطين وأحرقوا سقيفة وعدة مواضع ومساجد وعمها الخراب بعد ما كانت عليه من حسن العمارة واشتد بالناس الخوف والمضرة. فاجتمع الناس وكلموا قساماً بأن يخرجوا إلى القائد بلتكين فيصلحوا الأمر معه فلازمهم وذل بعد تحيره وتبلده وقال: افعلوا ما شيئتم. وكان اجتماع الناس لطفاً من الله تعالى فخرجوا إليه وخاطبوه فصرف أصحابه عن القتال وعن الأبواب وانصرف أصحاب قسام إليه فوجدوه خائفاً فأخذ كل لنفسه ورجع المشايخ إلى قسام فقالوا له: قد أجاب القائد إلى ما تحب وأمنك على نفسك وأصحابك.

стр. 70

فخاطبوه بذلك وهو ساكت حائر وقد بان ذلك في وجهه فلما رأوه كذلك خافوا أن يعود عن تسليم البلد على أمان لي ولأصحابي فعاد المشايخ إلى بلتكين القائد وأعلموه الخطاب والجواب فأجابهم إلى ما طلب وقال لهم: نريد أن ننزل على هذا البلد في هذا اليوم. فقالوا: افعل ما تحب وتوثر. فولي البلد حاجباً يقال له خطلخ في خيل ورجل فدخل المدينة من يومه. وكان مبدأ الحرب في هذه النوبة يوم الخميس لعشر بقين من المحرم سنة ٣٧٣ والدخول إلى البلد يوم الخميس لثلاث بقين منه ولم يعرض لقسام ولا لأحد من أصحابه وتفرق أصحابه عنه وأقام يومين واستتر وقيل هرب فصاروا إلى داره وأخذوا ما فيها وحولها من دور أصحابه وطلب فلم يوجد ونودي عليه وبذل لمن يظهره خمسون ألف درهم ولمن يدل على مكانه عشرون ألفاً فقال لهم قائل: هو في كنيسة اليهود بين البطاطين فجاءوا إلى الديان وقالوا: نريد أن نخرب هذه الكنيسة أو نحرقها بالنار فإن قساماً فيها. فاصعدهم ودار بهم فيها فلم يروا أثراً ولا عرفوا له خبراً فلما أخذت امرأته وولده قالت لمن سمع منها: ما تنتظروا يا مشوم. وكان عند رجل في الحائر ولم يفطن به أحد فخرج في الليل إلى العسكر فوقف على خيمة منشا الكاتب وقال: رجل يريد أن يدخل إلى الرئيس. فقالوا: ومن هو. قال: قسام. فدخل عليه على غير أمان فبعث إلى القائد بلتكين فأعلمه

стр. 71

فأخذه إليه وأدخله عليه وحملوه إلى خيمة وقالوا له: مد رجلك. فقال: ما أفعل أنا جئتكم بأمان. فأخرج الحاجب الدبوس فضربه به فمد رجله فقيد وحمل إلى مصر فعفي عنه لما جاءهم في الأمان. وكان قسام هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال لها تلفيتا من قوم يقال لهم الحارثون بطن من العرب نشأ بدمشق وكان يعمل في التراب ثم انه صحب رجلاً يقال له ابن الجسطار من مقدمي الأحداث وحملة السلاح وطالبي الشر فصار من حزبه وتزايد أمره إلى ما انتهى إليهن

стр. 72

قسام هذا أصله من قرية بجبل سنير يقال لها تلفيتا من قوم يقال لهم الحارثون بطن من العرب نشأ بدمشق وكان يعمل في التراب ثم انه صحب رجلاً يقال له ابن الجسطار من مقدمي الأحداث وحملة السلاح وطالبي الشر فصار من حزبه وتزايد أمره إلى ما انتهى إليه ولاية بكجور لدمشق والسبب في ذلك في سنة ٣٧٢ كان من ابتداء أمر بكجور ما ذكر انه كان غلاماً مملوكاً لفرغويه أحد غلمان سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب وكان فرغويه قد غلب على أمر حلب بعد وفاة سيف الدولة ومنع ولده سعد الدولة أبا المعالي منها ودفعه عنها فسار أبو المعالي إلى حماة ورفنية وكان ينزل مهماً في عسكره. وكانت الروم قد خربت حمصاً وأعمالها ونزل رقتاش التركي غلام سيف الدولة من حصن برزويه فلقي مولاه أبا المعالي وسار معه ونزل على حمص وشرع في عمارتها ولم شعثها لأن الروم لما ملكتها أفسدت أعمالها في النوبة الأولى عند خروجهم في سنة ٣٥٨ على غفلة من أهلها وغرة ممن بها واجتهد رقتاش في عمارتها وتحصينها وأبو المعالي يقوي أمره بها ويشد شوكته فيها. وكان فرغويه قد استناب بكجور في حلب فلما قوي أمره قبض على مولاه وحبسه في قلعة حلب وملك البلد وأقام تقدير ست سنين. وكوتب أبو المعالي من حلب وأطمع في

стр. 73

تملك البلد في رجال فرغويه وأن يكونوا عوناً له على أمره فجمع بني كلاب ومن أمكنه ونهض صوب حلب ونزل على معرة النعمان فملكها وأخذ منها غلاماً كان غلب عليها يقال له زهير فقتله وسار عنها فنزل حلب سنة ٣٦٦ فأقام عليها تقدير أربعة أشهر ثم تسهل له فتحها بحيلة عملها وتحصن بكجور في القلعة فراسله أبو المعالي فطلب منه الأمان فأمنه فقال بكجور: أريد يتوسط بيني وبينك وجوه البلد من بني كلاب. فأجابه إلى ذلك فتوسطوا الأمر بينهما وأخذوا له العهد والميثاق والأمان على نفسه وولده وماله وانه لا يغدر به ويوليه حمصاً على انه ينحدر من القلعة ويسلمها ولا يأخذ منها شيئاً إلا ما لا بد منه فأجابه إلى ذلك فولاه حمصاً لما نزل من القلعة وسلمها ووفى له بكل ما عاهده عليه. وسار بكجور إلى حمص في السنة المذكورة وصرف همه إلى عمارتها وكان أمره كل يوم فيها إلى الزيادة بعد الدخول غليها في الضعف. واتفق له إن أعمال دمشق من حوران والبثنية قد اختلت وخربت على ما تقدم ذكره من قلة القوت بها وغلاء السعر فيها وجلا منها خلق كثير إلى حمص فعمر البلد وكثر الناس عنده. وكان في بكجور خور وكان مجتهداً في العمارة وأمن السبل والطرق فلما انقطعت الغلات عن دمشق ومات بها كثير من الناس جوعاً من أهل حوران والبثنية ورغب الناس جالبون منها في حمل الغلة إلى دمشق مكنهم من ذلك وحمى لهم الطرق في ترددهم بادين وعائدين فحسن حال حمص وكثر السفر إليها ومنها. وكانت العرب قد طمعت في أعمال دمشق وكان واليها القائد أبو محمود بن جعفر في ضعف وقسام غالب عليه واتفق وفاة أبي محمود إبراهيم بن جعفر المذكور بدمشق في صفر سنة ٣٧٠ وكان بكجور قد ضمن أعمال المغاربة على ما تقدم ذكره وحماها من العرب

стр. 74

وحسنت حال دمشق بحمل الغلات إليها في تلك الشدة. وكان بكجور يكاتب العزيز بالله بمصر وورد الجواب عليه بأن تصير إلى بابنا لنوليك دمشق وكان العزيز قد رغب في الجند الذين يعملون السلاح مثل الناشب والرامح وجمع الجمع الكثير وأخرجهم إلى حرب الفتكين وجرى من أمره ما ذكر في موضعه. فلما كان في سنة ٣٧٢ وقعت الوحشة بين سعد الدولة أبي المعالي بن سيف الدولة بن حمدان صاحب حلب وبين بكجور وراسله بأن يخرج من بلده فكتب بكجور إلى العزيز يسأله انجاز الوعد بولاية دمشق ودعت الحاجة إلى عود القائد بكجور مقدم العسكر المصري بحكم اعتزام المغاربة على الوثوب بالوزير ابن كلس وقتله وقادت الضرورة العزيز إلى أن ولي بكجور دمشق وكتب إلى بلتكين ومنشا كاتب الجيش بأن يسلم البلد إلى بكجور ويرحل عنه. وقد كان كتب أيضاً كتاباً إلى العزيز إن إن أنفذ إلي عسكراً لآخذ لك حلب وأطمعه في ذلك فأنفذ إليه بعض عسكر دمشق فسار بهم ونزل على حلب وحصرها مدة يسيرة. فظهر دمستق الروم بارديس ونزل على أنطاكية وعزم على كبس بكجور على حلب فكتب إليه ابن جراح يحذره فرحل عن حلب وتبعه عسكر الروم في أثره وتم بكجور ونزل على حمص وحمل ما كان له إلى بعلبك ونزل في جوسية في جمع عظيم ونزل ملك الروم ميماس حمص ولم يعرض للبلد ودخل المدينة وشاهد الكنيسة ورحل عنها متوجهاً إلى البقيعة يريد طرابلس.

стр. 75

وأنفذ إلى أهل حمص رسولاً يقول لهم: نريد مالاً يحمل إلينا. فقالوا: هذا بلد خراب ليس فيه مال. فرجع ونزل عليها وقال لأهلها: من خرج من البلد فهو آمن. فخرج قوم وأقام قوم فدخل عسكره فنهب وسبى وأحرق الجامع ومواضع من البلد وتحصن قوم بالمغاير فأوقد عليهم فأهلكهم الدخان ولم يعرض للعرب ولا لمن هرب إليها وكان دخول الروم إلى حمص يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الأول سنة ٣٧٣ وهي النوبة الثانية للروم وقيل إن أبا المعالي بن سيف الدولة خاف من أخذ بكجور حلب بالمغاربة فأنفذ إلى ملك الروم يسأله اخراب حمص. ورجع أكثر من كان مع بكجور من عسكر دمشق أصحاب القائد بلتكين وبقي بكجور وأصحابه منتظراً أن يرحل بلتكين عن دمشق ويسير إليها. وكان السبب في تأخر ولاية دمشق إن الوزير ابن كلس كتب إلى بلتكين أن لا يسلم دمشق إلى بكجور وعرف العزيز ذاك وكتب يذكر بأمره وانجاز وعده فسأل العزيز عن تأخر الأمر في ذلك فقال له الوزير: الصواب أن لا يلي بكجور دمشق ويعصى فيها. قال: نحن استدعيناه لذلك ووعدناه به. فقال: قد كان ذاك والحزم أن لا يولي. فقال له: لا بد من ذلك. فكتب الوزير إلى منشا بن الفرار كاتب الجيش: واقف بكجور على ما يأخذ من المال له ولرجاله وسلم ولاية دمشق إليه. فسلم بلتكين البلد إليه وعاد متوجهاً إلى مصر في يوم الأحد مستهل رجب سنة ٣٧٢ وكانت ولاية بلتكين دمشق خمسة شهور ودخل بكجور البلد والياً في يوم السبت سابع رجب من السنة وقد عرف إن الذي أخر الولاية الوزير بن كلس فحقد بكجور عليه. وكان لابن كلس نائب في عمله وضياعه يقال له ابن أبي العود يهودي وكان يكتب إليه بأخبار البلد فقال بكجور: هذا عين علي. وتقدم بقتله
следующие страницы →