٣٦ - قول الحافظ أبي حاتم محمد بن حبان البستي (المتوفى: ٣٥٤):
قال ابن حبان في صحيحه (٣/ ١٩٩): "صفات الله جل وعلا لا تكيف ولا تقاس إلى صفات المخلوقين، ... وكذلك السمع والبصر فكما لم يجز أن يقال: الله يبصر كبصرنا بالأشفار والحدق والبياض، بل يبصر كيف يشاء بلا آلة، ويسمع من غير أذنين وسماخين والتواء وغضاريف فيها، بل يسمع كيف يشاء بلا آلة، وكذلك ينزل كيف يشاء بلا آلة من غير أن يقاس نزوله إلى نزول المخلوقين كما يكيف نزولهم، جل ربنا وتقدس من أن تشبه صفاته بشيء من صفات المخلوقين".
стр. 37
٣٧ - قول الحافظ أبي أحمد القصاب (المتوفى: ٣٦٠):
قال أبو أحمد القصاب كما في تذكرة الحفاظ للذهبي (٣/ ١٠١): "كل صفة وصف الله بها نفسه أو وصف بها نبيه فهي صفة حقيقة لا مجازًا".
قال الحافظ الذهبي: "قلتُ: نعم لو كانت صفاته مجازًا لتحتّم تأويلها، ولقيل: معنى البصر كذا، ومعنى السمع كذا، ومعنى الحياة كذا، ولفُسِّرت بغير السابق إلى الأفهام، فلما كان مذهب السلف إمرارها بلا تأويل, عُلم أنها غير محمولة على المجاز وأنها حقٌ بيّن".
стр. 38
٣٨ - قول الإمام أبي بكر محمد بن الحسين الآجري (المتوفى: ٣٦٠):
قال أبو بكر الآجري في كتاب الشريعة (٣/ ١١٢٦): "باب الإيمان والتصديق بأن الله ينزل إلى سماء الدنيا كل ليلة. قال محمد بن الحسين ﵀: الإيمان بهذا واجب, ولا يسع المسلم العاقل أن يقول: كيف ينزل؟ ".
وقال أيضًا (ص: ٢٤١): "وقال : وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً
واعلم - رحمك الله - أن عند أهل العلم باللغة أن اللقي ههنا لا يكون إلا معاينة، يراهم الله
ويرونه، ويسلم عليهم، ويكلمهم ويكلمونه".
وقال أيضًا (٢/ ١٠٥١): "أهل الحق يصفون الله بما وصف به نفسه ، وبما وصفه به رسوله ﷺ ، وبما وصفه به الصحابة ﵃.
وهذا مذهب العلماء ممن اتبع ولم يبتدع، ولا يقال فيه: كيف؟ بل التسليم له، والإيمان به أن الله يضحك، كذا روي عن النبي ﷺ ، وعن صحابته ﵃، فلا ينكر هذا إلا من لا يحمد حاله عند أهل الحق".
وقال أيضًا (٢/ ١٠٦٨) بعد أن ذكر عدة أحاديث في صفة الضحك: "هذه السنن كلها نؤمن بها, ولا نقول فيها: كيف؟ والذين نقلوا هذه السنن هم الذين نقلوا إلينا السنن في الطهارة, وفي الصلاة, والزكاة, والصيام, الحج، والجهاد, وسائر الأحكام من الحلال والحرام, فقبلها العلماء منهم أحسن قبول, ولا يرد هذه السنن إلا من يذهب مذهب المعتزلة, فمن عارض فيها أو ردها, أو قال: كيف فاتهموه واحذروه".
وقال أيضًا (٣/ ١١٥٣): "هذه من السنن التي يجب على المسلمين الإيمان بها, ولا يقال فيها: كيف؟ ولِمَ؟ بل تستقبل بالتسليم والتصديق، وترك النظر كما قال من تقدم من أئمة المسلمين".
стр. 39
٣٩ - قول الإمام أبي إسحاق بن شاقلا (المتوفى: ٣٦٩):
قال أبو إسحاق بن شاقلا كما في طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٥): "هَذِهِ الأحاديث تلقاها العلماء بالقبول، فليس لأحد أن يمنعها ولا يتأولها ولا يسقطها؛ لأن الرسول ﷺ لوْ كَانَ لها معنى عنده غير ظاهرها لبيَّنه، ولكان الصحابة حِينَ سمعوا ذَلِكَ من رَسُول اللَّهِ ﷺ سألوه عن معنى غير ظاهرها، فلما سكتوا وجب علينا أن نسكت حيث سكتوا، ونقبل طوعا ما قبلوا".
стр. 40
٤٠ - قول الإمام أبي منصور الأزهري (المتوفى: ٣٧٠):
قال الأزهري في تهذيب اللغة (٣/ ١٥٦ - ١٥٧): "ويُقَوِّي هذا القول قول الله جلّ وعزّ: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ فالغمام معروف في كلام العرب، إلاّ أنا لا ندري كيف الغمام الذي يأتي الله جلّ وعزّ يوم القيامة في ظُلَل منه، فنحن نؤمن به، ولا نكيِّف صفته. وكذلك سائر صفات الله جلّ وعزّ".
وأخرج في تهذيب اللغة (٩/ ٥٦) عن العباس الدوري أنه سأل أبا عبيد عن تفسير حديث القدم وتفسير غيره من حديث النزول والرؤية فقال: هذه أحاديث رواها لنا الثقات عن الثقات حتى رفعوها إلى النبي ﵇؛ وما رأينا أحدا يفسّرها، فنحن نؤمن بها على ما جاءت (١)
ولا نفسّرها. ثم قال: أراد أنها تُترك على ظاهرها كما جاءت".
стр. 41
٤١ - قول الحافظ أبي بكر الإسماعيلي (المتوفى: ٣٧١):
قال أبو بكر الإسماعيلي في اعتقاد أئمة الحديث (ص: ٥١): "وخلق آدم ﵇ بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف شاء، بلا اعتقاد كيف يداه، إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف".
وقال أيضًا (ص: ٥٠): "وأنه استوى على العرش بلا كيف، فإن الله تعالى انتهى من ذلك إلى أنه استوى على العرش، ولم يذكر كيف كان استواؤه".
وقال أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص: ١٩١ - ١٩٢): "وقرأت في رسالة الشيخ أبي بكر الإسماعيلي إلى أهل جيلان أن الله سبحانه ينزل إلى السماء الدنيا على ما صح به الخبر عن الرسول ﷺ وقد قال الله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾، وقال: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾، ونؤمن بذلك كله على ما جاء بلا كيف، فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه، وكففنا عن الذي يتشابه (١) ".
стр. 42
٤٢ - قول الإمام محمد بن خفيف الشيرازي (المتوفى: ٣٧١):
قال محمد بن خفيف الشيرازي في كتابه "اعتقاد التوحيد بإثبات الأسماء والصفات" كما في مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام (٥/ ٧٢ - ٧٥): "فأول ما نبتدئ به ما أوردنا هذه المسألة من أجلها ذكر أسماء الله في كتابه وما بين ﷺ من صفاته في سنته، وما وصف به مما سنذكر قول القائلين بذلك مما لا يجوز لنا في ذلك أن نرده إلى أحكام عقولنا بطلب الكيفية بذلك، ومما قد أمرنا بالاستسلام له ...
فقد صرح بظاهر قوله أنه أثبت لنفسه نفسًا، وأثبت له الرسول ذلك، فعلى من صدق الله ورسوله اعتقاد ما أخبر به عن نفسه، ويكون ذلك مبنيا على ظاهر قوله: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ...
ومما تعرف الله إلى عباده أن وصف نفسه أن له وجها موصوفا بالجلال والإكرام، فأثبت لنفسه وجها ... ثم إن الله تعالى تعرف إلى عباده المؤمنين أن قال له يدان قد بسطهما بالرحمة - وذكر الأحاديث في ذلك، ثم ذكر شعر أمية بن أبي الصلت، ثم ذكر حديث: «يلقى في النار وتقول: هل من مزيد؟ حتى يضع فيها رجله» وهي رواية البخاري، وفي رواية أخرى «يضع عليها قدمه». ثم ما رواه مسلم البطين عن ابن عباس: أن الكرسي موضع القدمين، وأن العرش لا يقدر قدره إلا الله، وذكر قول مسلم البطين نفسه، وقول السدي، وقول وهب بن منبه وأبي مالك، وبعضهم يقول: موضع قدميه، وبعضهم يقول واضع رجليه عليه- ثم قال: "فهذه الروايات قد رويت عن هؤلاء من صدر هذه الأمة موافقة لقول النبي ﷺ متداولة في الأقوال ومحفوظة في الصدر، ولا ينكر خلف عن السلف، ولا ينكر عليهم أحد من نظرائهم، نقلتها الخاصة والعامة مدونة في كتبهم إلى أن حدث في آخر الأمة من قلّل الله عددهم ممن حذرنا رسول الله ﷺ عن مجالستهم ومكالمتهم وأمرنا أن لا نعود مرضاهم ولا نشيع جنائزهم، فقصد هؤلاء إلى هذه الروايات فضربوها بالتشبيه، وعمدوا إلى الأخبار فعملوا في دفعها إلى أحكام المقاييس، وكفروا المتقدمين وأنكروا على الصحابة والتابعين، وردوا على الأئمة الراشدين، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل".
وقال أيضًا كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٨٠): "والخلة والمحبة صفتان لله هو موصوف بهما ولا تدخل أوصافه تحت التكييف والتشبيه، وصفات الخلق من المحبة والخلة جائز عليها الكيف، فأما صفاته تعالى فمعلومة في العلم، وموجودة في التعريف، قد انتفى عنهما التشبيه، فالإيمان به واجب، واسم الكيفية عن ذلك ساقط".
стр. 43
٤٣ - قول الإمام أبي الحسين الملَطي: محمد بن أحمد بن عبد الرحمن (المتوفى: ٣٧٧):
قال أبو الحسين الملطي في كتابه التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع (ص: ١١٣): "ومما يدل على أن الله ﵎ ينزل كيف يشاء إذا شاء صعوده إلى السماء واستواؤه على العرش".
стр. 44
٤٤ - قول الإمام محمد بن إبراهيم الكلاباذي (المتوفى: ٣٨٠):
قال في كتابه التعرف لمذهب أهل التصوف (ص: ٣٥): "وأن له سمعا وبصرا ووجها ويدا على الحقيقة ليس كالأسماع والأبصار والأيدي والوجوه. وأجمعوا أنها صفات لله وليس بجوارح ولا أعضاء ولا أجزاء".
стр. 45
٤٥ - قول الإمام ابن أبي زيد القيرواني (المتوفى: ٣٨٦):
قال ابن أبي زيد القيرواني كما في مقدمه كتابه الجامع في السنن والآداب (ص: ١٠٧) واجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ٨٣): "فمما أجمعت عليه الأمة من أمور الديانة، ومن السنن التي خلافها بدعة وضلالة إن الله اسمه له الأسماء الحسنى والصفات العلى ... وأن الله كلّم موسى ﵊ بذاته وأسمعه كلامه لا كلاما قام في غيره، وأنه يسمع ويرى ويقبض ويبسط، وأن يديه مبسوطتان، والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، وأن يديه غير نعمته في ذلك، وفي قوله سبحانه ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وأنه يجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيا والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء، وأنه يرضى عن الطائعين ويحب التوابين، ويسخط على من كفر به ويغضب فلا يقوم شيء لغضبه، وأنه فوق سمواته على عرشه دون أرضه، وأنه في كل مكان بعلمه".
стр. 46
٤٦ - قول الإمام عبيد الله بن محمد العُكْبَري المعروف بابن بَطَّة (المتوفى: ٣٨٧):
قال ابن بطة في الإبانة الكبرى (٧/ ١٣٧): "وقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، وَقَالَ: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾، وَقَالَ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطِّيبُ﴾، فهل يكون الصعود إلا إلى ما علا".
وقال أيضًا (٧/ ٢٣٩ - ٢٤٠: "فإذا قامت الحجة على الجهمي وعلم صحة هذه الأحاديث ولم يقدر على جحدها، قال: الحديث صحيح، وإنما معنى قول النبي ﷺ : «ينزل ربنا في كل ليلة» ينزل أمره.
قلنا: إنما قال النبي ﷺ : «ينزل الله »، «وينزل ربنا» ولو أراد أمره لقال: ينزل أمر ربنا.
فيقول: إن قلنا: ينزل، فقد قلنا: إنه يزول والله لا يزول ولو كان ينزل لزال؛ لأن كل نازل زائل.
فقلنا: أو لستم تزعمون أنكم تنفون التشبيه عن رب العالمين؟ فقد صرتم بهذه المقالة إلى أقبح التشبيه، وأشد الخلاف؛ لأنكم إن جحدتم الآثار، وكذبتم بالحديث، رددتم على رسول الله ﷺ قوله، وكذبتم خبره، وإن قلتم: لا ينزل إلا بزوال، فقد شبهتموه بخلقه، وزعمتم أنه لا يقدر أن ينزل إلا بزواله على وصف المخلوق الذي إذا كان بمكان خلا منه مكان، لكنا نصدق نبينا ﷺ ونقبل ما جاء به، فإنا بذلك أمرنا وإليه ندبنا، فنقول كما قال: ينزل ربنا ، ولا نقول: إنه يزول، بل ينزل كيف شاء، لا نصف نزوله، ولا نحده ولا نقول: إن نزوله زواله".
وقال أيضًا (٦/ ٣٠٥): "فالذي أنطق كل شيء من غير الحيوان الناطق من غير جوف ولا لسان ولا شفتين قادر أن يتكلم هو بما شاء كيف شاء لمن شاء، ولا نقول بلسان ولا بجوف ولا شفتين".
وقال أيضاً (٧/ ٢٤٤): "وكل ما جاء من هذه الأحاديث، وصحت عن رسول الله ﷺ ففرض على المسلمين قبولها، والتصديق بها، والتسليم لها، وترك الاعتراض عليها، وواجب على من قبلها وصدق بها أن لا يضرب لها المقاييس، ولا يتحمل لها المعاني والتفاسير، لكن تمر على ما جاءت ولا يقال فيها: لم؟ ولا كيف؟ ".
стр. 47
٤٧ - قول الإمام أبي سليمان الخطابي (المتوفى: ٣٨٨):
قال الخطابي في كتابه الغنية عن الكلام وأهله كما في الأربعين في صفات رب العالمين للذهبي (ص: ٩٣): "فأما ما سألت عنه من الصفات وما جاء منها في الكتاب والسنة، فإن مذهب السلف إثباتها، وإجراؤها على ظواهرها (١)،
ونفي الكيفية والتشبيه عنها ...
والأصل في هذا أن الكلام في الصفات فرع على الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوما أن إثبات الباري سبحانه إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: يد وسمع وبصر وما أشبهها، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولسنا نقول: إن معنى اليد القوة أو النعمة، ولا معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح، ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل.
ونقول: إن القول إنما وجب بإثبات الصفات؛ لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وعلى هذا جرى قول السلف في أحاديث الصفات".
стр. 48
٤٨ - قول الإمام أبي عبد الله ابن منده (المتوفى: ٣٩٥):
قال أبو عبد الله ابن منده في الرد على الجهمية (ص: ٣٤ - ٣٥): "باب ذكر قول الله : ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ذكر ما يستدل به من كلام النبي ﷺ على أن الله جل وعز خلق آدم ﵇ بيدين حقيقة".
وقال أيضًا في كتاب التوحيد (٢/ ٨٢): "ومعنى الباطن: المحتجب عن ذوي الألباب كنه ذاته، وكيفية صفاته ".
وقال (ص: ٥٠) باب قول الله جل وعز: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ وقال الله : ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ﴾ وذِكْر ما ثبت عن النبي ﷺ مما يدل على حقيقة ذلك" ثم ساق مجموعة من الأحاديث التي فيها ذكر الوجه".
وقال (ص: ٥٥ - ٥٦): "ومعنى وجه الله ها هنا على وجهين: أحدهما: وجه حقيقة. والآخر بمعنى الثواب.
فأما الذي هو بمعنى الوجه في الحقيقة ما جاء عن النبي ﷺ في حديث أبي موسى وصهيب وغيرهم مما ذكروا فيه الوجه، وسؤال النبي ﷺ بوجهه جل وعز، واستعاذته بوجه الله، وسؤاله النظر إلى وجهه جل وعز، وقوله صلى الله عليه و سلم لا يسأل بوجه الله وقوله: أضاءت السماوات بنور وجه الله، وإذا رضي عن قوم أقبل عليهم بوجهه جل وعز، وكذلك قول الله جل وعز: إلى ربها ناظرة القيامة، وقول الأئمة بمعنى إلى الوجه حقيقة الذي وعد الله جل وعز ورسوله الأولياء وبشر به المؤمنين بأن ينظروا إلى وجه ربهم ".
وقال أيضًا كما في الحجة في بيان المحجة لأبي القاسم التيمي الأصبهاني (١/ ١٠١): "إن الأخبار في صفات الله جاءت متواترة عن النبي ﷺ موافقة لكتاب الله ، فنقلها الخلف عن السلف قرناً بعد قرن من لدن الصحابة والتابعين إلى عصرنا هذا على سبيل إثبات الصفات لله والمعرفة والإيمان به، والتسليم لما أخبر الله به في تنزيله وبينه الرسول عن كتابه، مع اجتناب التأويل والجحود وترك التمثيل والتكييف".
стр. 49
٤٩ - قول الإمام أبي عبد الله محمد ابن أبي زَمَنِين المالكي (المتوفى: ٣٩٩):
قال ابن أبي زمنين في أصول السنة (ص: ٨٨): "ومن قول أهل السنة أن الله خلق العرش واختصه بالعلو والارتفاع فوق جميع ما خلق، ثم استوى عليه كيف شاء، كما أخبر عن نفسه في قوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى﴾ ".
وقال أيضًا (ص: ١١٣): "وهذا الحديث [أي: حديث النزول] بيّن أن الله على عرشه في السماء دون الأرض، وهو أيضا بيّن في كتاب الله، وفي غير ما حديث عن رسول الله ﷺ ".
стр. 50
٥٠ - قول الإمام أبي بكر محمد بن موهب التجيبي المالكي (المتوفى: ٤٠٦):
قال في شرحه لرسالة ابن أبي زيد القيرواني في مذهب مالك كما في العلو للعلي الغفار (ص: ٢٦٤ - ٢٦٥): "وأما قوله: (إنه فوق عرشه المجيد بذاته)، فإن معنى فوق وعلا عند جميع العرب واحد، وفي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وتصديق ذلك قوله تعالى: ﴿ثمَّ اسْتَوَى على العَرْش الرَّحْمنُ﴾، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى﴾، وقال تعالى في وصف خوف الملائكة: ﴿يَخافُونَ ربَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ويفْعَلُونَ ما يُؤمرونَ﴾ ...
وقد تأتي (في) في لغة العرب بمعنى فوق، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿فامْشُوا في مَنَاكِبِها﴾ يريد فوقها وعليها، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يريد عليها، وقال تعالى: ﴿أأمِنْتم مَنْ في السّماءِ أنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ﴾ الآيات، قال أهل التأويل العالمون بلغة العرب: يريد فوقها، وهو قول مالك مما فهمه عن جماعة ممن أدرك من التابعين، مما فهموه عن الصحابة ﵃، مما فهموه عن النبي ﷺ أن الله في السماء بمعنى فوقها وعليها، فلذلك قال الشيخ أبو محمد: إنه فوق عرشه المجيد بذاته، ثم بين أن علوه فوق عرشه إنما هو بذاته؛ لأنه تعالى بائن عن جميع خلقه بلا كيف، وهو في كل مكان بعلمه لا بذاته".
стр. 51
٥١ - قول الإمام العارف شيخ الصوفية معمر بن زياد الأصبهاني (المتوفى: ٤١٨):
قال معمر بن زياد الأصبهاني كما الحجة في بيان المحجة لقوام السنة الأصبهاني (١/ ٢٤٨)، والعلو للعلي الغفار للذهبي (ص: ٢٤٤): "أحببت أن أوصي أصحابي بوصية من السنة، وأجمع ما كان عليه أهل الحديث وأهل التصوف والمعرفة - فذكر أشياء إلى أن قال فيها-: وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، والاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، وأنه سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويعجب ويضحك ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا بلا كيف ولا تأويل كيف شاء، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال".
стр. 52
٥٢ - قول الخليفة القادر بالله أحمد بن إسحاق بن المقتدر (المتوفى: ٤٢٢):
قال الخليفة القادر بالله كما في الاعتقاد القادري (ص: ٢٤٧): "وهو السميع بسمع، والبصير ببصر، يعرف صفتهما من نفسه. لا يبلغ كنههما أحد من خلقه، متكلم بكلام لا بآلة مخلوقة كآلة المخلوقين، لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به نبيه ﵇، وكل صفة وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله فهي صفة حقيقية لا مجازية، ويعلم أن كلام الله تعالى غير مخلوق، تكلّم به تكليماً، وأنزله على رسوله ﷺ على لسان جبريل بعد ما سمعه جبريل منه، فتلا جبريل على محمد ﷺ ، وتلاه محمد على أصحابه، وتلاه أصحابه على الأمة، ولم يصر بتلاوة المخلوقين مخلوقاً؛ لأنه ذلك الكلام بعينه الذي تكلم الله به، فهو غير مخلوق بكل حال، متلواً ومحفوظاً ومكتوباً ومسموعاً" (١).
стр. 53
٥٣ - قول الحافظ أبي عمر الطلمنكي المالكي (المتوفى: ٤٢٩):
قال الحافظ الذهبي في العلو للعلي الغفار (ص: ٢٤٦): "قال الحافظ الإمام أبو عمر أحمد بن محمد بن عبد الله الأندلسي الطلمنكي المالكي في كتاب الوصول إلى معرفة الأصول، وهو مجلدان: أجمع المسلمون من أهل السنة على أنّ معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ ونحو ذلك من القرآن أنه علمه، وأن الله تعالى فوق السموات بذاته مستو على عرشه كيف شاء".
стр. 54
٥٤ - قول الحافظ أبي نعيم الأصبهاني (المتوفى: ٤٣٠):
قال في كتاب الاعتقاد كما في كتاب العرش للذهبي (٢/ ٤٤٢): "إن الأحاديث التي ثبتت عن النبي ﷺ في العرش، واستواء الله عليه، يثبتونها من غير تكييف ولا تمثيل، وأن الله تعالى بائن من خلقه، والخلق بائنون منه، لا يحل فيهم ولا يمتزج بهم، وهو مستو على عرشه في سمائه دون أرضه".
وقال أيضًا كما في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢/ ٢٧٩): "وأن الله سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويضحك ويعجب ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف يشاء فيقول: هل من داع فأستجيب له؟ هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟ حتى يطلع الفجر، ونزول الرب تعالى إلى سماء الدنيا بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال، وسائر الصفوة العارفين على هذا.
ثم قال: وأن الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل، فالاستواء معقول، والكيف مجهول، وأنه سبحانه بائن من خلقه، وخلقه بائنون منه ...
وقال أيضا: طريقنا طريق السلف المتبعين للكتاب والسنة وإجماع الأمة".
стр. 55
٥٥ - قول الإمام علي بن عمر الحربي (المتوفى: ٤٤٢):
قال علي بن عمر الحربي كما في الحجة في بيان المحجة للأصبهاني (١/ ٢٦٦): "ومما نعتقد: أن لله عرشا، وهو على العرش، والعرش مخلوق من ياقوتة حمراء، وعلمه تعالى محيط بكل مكان، ما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض، ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين، ومن قال: العرش ملك أو الكرسي ليس بالكرسي الذي يعرف الناس فهو مبتدع، قال الله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ والعرش فوق السماء السابعة، والله تعالى على العرش، قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطِّيبُ﴾ وقال: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وقال: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وللعرش حملة يحملونه على ما شاء الله من غير تكييف، والاستواء معلوم، والكيف مجهول".
وقال قوام السنة الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (١/ ٢٦٥): "ذكر علي بن عمر الحربي في كتاب السنة: أن الله تعالى ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا، قاله النبي ﷺ من غير أن يقال: كيف؟ ".
стр. 56
٥٦ - قول الحافظ أبي نصر السجزي (المتوفى: ٤٤٤):
قال الحافظ أبو نصر السجزي في رسالته إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: ٢٢٧ - ٢٢٨): "الواجب أن يعلم أن الله تعالى إذا وصف نفسه بصفة هي معقولة عند العرب، والخطاب ورد بها عليهم بما يتعارفون بينهم، ولم يبين سبحانه أنها بخلاف ما يعقلونه، ولا فسرها النبي ﷺ لما أداها بتفسير يخالف الظاهر، فهي على [ما] يعقلونه ويتعارفونه".
стр. 57
٥٧ - قول الإمام أبي عمرو الداني عثمان بن سعيد (المتوفى: ٤٤٤):
قال أبو عمرو الداني في الرسالة الوافية لمذهب أهل السنة في الاعتقادات وأصول الديانات (ص: ١٣٨): "وهذا دين الأمة، وقول أهل السنة في هذه الصفات أن تمرّ كما جاءت بغير تكييف، ولا تحديد، فمن تجاوز المروي فيها وكيّف شيئاً منها ومثّلها بشيء من جوارحنا وآلتنا فقد ضل واعتدى، وابتدع في الدين ما ليس منه، وخرق إجماع المسلمين، وفارق أئمة الدين".
стр. 58
٥٨ - قول شيخ الإسلام أبي عثمان الصابوني (المتوفى: ٤٤٩):
قال أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث (ص: ١٦٠ - ١٦٥): "أصحاب الحديث، حفظ الله أحياءهم ورحم أمواتهم، يشهدون لله تعالى بالوحدانية، وللرسول ﷺ بالرسالة والنبوة، ويعرفون ربهم بصفاته التي نطق بها وحيه وتنزيله، أو شهد له بها رسوله
ﷺ على ما وردت الأخبار الصحاح به، ونقلته العدول الثقات عنه، ويثبتون له ﷻ ما أثبت لنفسه في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، ولا يعتقدون تشبيها لصفاته بصفات خلقه، فيقولون: إنه خلق آدم بيده، كما نص سبحانه عليه في قوله عز من قائل: ﴿يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ ولا يحرفون الكلام عن مواضعه بحمل اليدين على النعمتين، أو القوتين، تحريف المعتزلة الجهمية، أهلكهم الله، ولا يكيفونهما بكيف أو شبهها بأيدي المخلوقين تشبيه المشبهة، خذلهم الله، وقد أعاذ الله تعالى أهل السنة من التحريف والتكييف، ومنّ عليهم بالتعريف والتفهيم، حتى سلكوا سبل التوحيد والتنزيه، وتركوا القول بالتعطيل والتشبيه، واتبعوا قول الله : ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ...
وكذلك يقولون في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح من السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعزة والعظمة والإرادة والمشيئة والقول والكلام والرضا والسخط والحياة واليقظة والفرح والضحك وغيرها من غير تشبيه لشيء من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، بل ينتهون فيها إلى ما قاله الله تعالى وقاله رسوله ﷺ من غير زيادة عليه ولا إضافة إليه ولا تكييف له ولا تشبيه ولا تحريف ولا تبديل ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الخبر عما تعرفه العرب وتضعه عليه، بتأويل منكر يُستنكر، ويجرونه على الظاهر، ويكلون علمه (١)
إلى الله تعالى، ويقرون بأن تأويله لا يعلمه إلا الله".
وقال أيضًا (ص: ١٧٥): "ويعتقد أهل الحديث ويشهدون أن الله فوق سبع سموات على عرشه مستو كما نطق به كتابه ...
وأخبر الله سبحانه عن فرعون اللعين أنه قال لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ وإنما قال ذلك لأنه سمع موسى ﵇ يذكر أن ربه في السماء, ألا ترى إلى قوله: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ يعني في قوله إن في السماء إلها, وعلماء الأمة وأعيان الأئمة من السلف ﵏ لم يختلفوا في أن الله تعالى على عرشه, وعرشه فوق سماواته. يثبتون له من ذلك ما أثبته الله تعالى، ويؤمنون به، ويصدقون الرب ﷻ في خبره".
وقال (ص: ١٩١ - ١٩٢): "ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف، بل يثبتون ما أثبته رسول الله ﷺ ، وينتهون فيه إليه، ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره، ويكلون علمه إلى الله.
وكذلك يثبتون ما أنزله الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله : ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾، وقوله عز اسمه: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ ".
وقال أيضًا (ص: ٢٣٢): "فلما صح خبر النزول عن الرسول ﷺ أقرّ به أهل السنة، وقبلوا الخبر، وأثبتوا النزول على ما قاله الرسول- ﷺ ، ولم يعتقدوا فيه تشبيهاً له بنزول خلقه، ولم يبحثوا عن كيفيته؛ إذ لا سبيل إليها بحال".
стр. 59
٥٩ - قول الحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي (المتوفى: ٤٥٨):
قال أبو بكر البيهقي في كتاب الاعتقاد (ص: ١١٣): "وَقَالَ: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ وَأَرَادَ مَنْ فَوْقَ السَّمَاءِ، كَمَا قَالَ: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، يَعْنِي عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، وَقَالَ: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ﴾، يعني على الأرض، وكل ما علا فهو سماء، والعرش أعلى السماوات، فمعنى الآية - والله أعلم- أأمنتم من على العرش، كما صرح به في سائر الآيات".
وقال أيضًا (ص: ٨٨): "باب ذكر آيات وأخبار وردت في إثبات صفة الوجه واليدين والعين، وهذه صفات طريق إثباتها السمع، فنثبتها لورود خبر الصادق بها ولا نكيفها".
وقال أيضًا (ص: ١١٥): "ثم المذهب الصحيح في جميع ذلك الاقتصار على ما ورد به التوقيف دون التكييف. وإلى هذا ذهب المتقدمون من أصحابنا ومن تبعهم من المتأخرين وقالوا: الاستواء على العرش قد نطق به الكتاب في غير آية، ووردت به الأخبار الصحيحة، فقبوله من جهة التوقيف واجب، والبحث عنه وطلب الكيفية له غير جائز".
стр. 60
٦٠ - قول القاضي أبي يعلى محمد بن الحسين ابن الفراء (المتوفى: ٤٥٨):
قال القاضي أبو يعلى في إبطال التأويلات (ص: ٤٣): "واعلم أنه لا يجوز ردّ هذه الأخبار على ما ذهب إليه جماعة من المعتزلة، ولا التشاغل بتأويلها على ما ذهب إليه الأشعرية، والواجب حملها على ظاهرها، وأنها صفات لله تعالى لا تشبه سائر الموصوفين بها من الخلق، ولا نعتقد التشبيه فيها".
وقال (ص: ٧١): "دليل آخر على إبطال التأويل أن الصحابة ومَن بعدهم من التابعين حملوها على ظاهرها ولم يتعرضوا لتأويلها ولا صرفها عن ظاهرها".
وقال (ص: ٧٤): "دليل آخر على إبطال التأويل، وذلك أنّ من حمل اللفظ على ظاهره حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفاته".
стр. 61
٦١ - قول الحافظ ابن عبد البر (المتوفى: ٤٦٣):
قال الحافظ ابن عبد البر في التمهيد (٧/ ١٣١): "وأما ادعاؤهم المجاز في الاستواء، وقولهم في تأويل (استوى) استولى فلا معنى له؛ لأنه غير ظاهر في اللغة، ومعنى الاستيلاء في اللغة المغالبة، والله لا يغالبه ولا يعلوه أحد، وهو الواحد الصمد، ومن حق الكلام أن يحمل على حقيقته حتى تتفق الأمة أنه أريد به المجاز؛ إذ لا سبيل إلى اتباع ما أُنزل إلينا من ربنا إلا على ذلك، وإنما يُوجّه كلام الله إلى الأشهر والأظهر من وجوهه ما لم يمنع من ذلك ما يجب له التسليم.
ولو ساغ ادعاء المجاز لكل مدّع ما ثبت شيء من العبارات، وجلّ الله عن أن يخاطب إلا بما تفهمه العرب في معهود مخاطباتها مما يصح معناه عند السامعين، والاستواء معلوم في اللغة ومفهوم، وهو العلو والارتفاع على الشيء والاستقرار والتمكن فيه، ...
قال أبو عمر: الاستواء: الاستقرار في العلو وبهذا خاطبنا الله ، وقال: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾ ".
وقال أيضًا في التمهيد (٧/ ١٣٣ - ١٣٤): "أما سمعوا الله حيث يقول: ﴿وقالَ فِرعَونُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾، فدلّ على أن موسى ﵇ كان يقول إلهي في السماء وفرعون يظنه كاذبًا ...
ومن الحجة أيضا في أنه على العرش فوق السموات السبع أن الموحدين أجمعين من العرب والعجم إذا كربهم أمر أو نزلت بهم شدة رفعوا وجوههم إلى السماء يستغيثون ربهم ﵎، وهذا أشهر وأعرف عند الخاصة والعامة من أن يحتاج فيه إلى أكثر من حكايته؛ لأنه اضطرار لم يؤنبهم عليه أحد، ولا أنكره عليهم مسلم".
وقال أيضًا في التمهيد (٧/ ١٣٧): "وقد عقلنا وأدركنا بحواسنا أن لنا أرواحا في أبداننا ولا نعلم كيفية ذلك، وليس جهلنا بكيفية الأرواح يوجب أن ليس لنا أرواح، وكذلك ليس جهلنا بكيفية على عرشه يوجب أنه ليس على عرشه".
وقال أيضًا في التمهيد (٧/ ١٥٢ - ١٥٣): "وقول رسول الله ﷺ «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا» عندهم [أي: الصحابة] مثل قول الله ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ ومثل قوله ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾ كلهم يقول: ينزل ويتجلى ويجيء بلا كيف، لا يقولون: كيف يجيء، وكيف يتجلى، وكيف ينزل، ولا من أين جاء، ولا من أين تجلى، ولا من أين ينزل؛ لأنه ليس كشيء من خلقه، وتعالى عن الأشياء ولا شريك له.
وفي قول الله : ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾ دلالة واضحة أنه لم يكن قبل ذلك متجليا للجبل، وفي ذلك ما يفسِّر معنى حديث التنزيل".
وقال أيضًا في التمهيد (٧/ ١٤٥): "أهل السنة مجموعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا أنهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة، وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن مَن أقر بها مشبّه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود (١)،
والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله، وهم أئمة الجماعة. والحمد لله".
وقال أيضًا في الاستذكار (٢/ ٥٢٩): "وأما قوله ﷺ في هذا الحديث: «ينزل ربنا» الذي عليه أهل العلم من أهل السنة والحق الإيمان بمثل هذا وشبهه من القرآن والسنن دون كيفية، فيقولون: ينزل، ولا يقولون: كيف النزول، ولا يقولون: كيف الاستواء، ولا كيف المجيء في قوله : ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفّاً صَفّاً﴾، ولا كيف التجلي في قوله: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) ".
وقال أيضًا في التمهيد (٧/ ١٤٣): "وأما قوله ﷺ في هذا الحديث «ينزل ﵎ إلى سماء الدنيا» فقد أكثر الناس التنازع فيه، والذي عليه جمهور أئمة أهل السنة أنهم يقولون ينزل كما قال رسول الله ﷺ ، ويصدقون بهذا الحديث، ولا يكيفون، والقول في كيفية النزول كالقول في كيفية الاستواء والمجيء، والحجة في ذلك واحدة".
وقال أيضًا في التمهيد (٧/ ١٤٨): "الذي عليه أهل السنة وأئمة الفقه والأثر في هذه المسألة [أي: مسألة النزول] وما أشبهها الإيمان بما جاء عن النبي ﷺ فيها والتصديق بذلك، وترك التحديد والكيفية في شيء منه".
стр. 62
٦٢ - قول الحافظ الخطيب البغدادي (المتوفى: ٣٦٤):
قال الحافظ الخطيب البغدادي في رسالته في الصفات في جوابه لأهل دمشق (ص: ٢٠) [تحقيق: عمرو عبد المنعم]: "أما الكلام في الصفات، فإن ما روي منها في السنن الصحاح، مذهب السلف إثباتها وإجراؤها على ظواهرها، ونفي الكيفية والتشبيه عنها، وقد نفاها قوم، فأبطلوا ما أثبته الله، وحققها قوم من المثبتين، فخرجوا في ذلك إلى ضرب من التشبيه والتكييف، والقصد إنما هو سلوك الطريقة المتوسطة بين الأمرين، ودين الله تعالى بين الغالي فيه والمقصر عنه.
والأصل في هذا أنّ الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، ويحتذى في ذلك حذوه ومثاله، فإذا كان معلوماً أن إثبات رب العالمين إنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فكذلك إثبات صفاته إنما هو إثبات وجود لا إثبات تحديد وتكييف.
فإذا قلنا: لله يد وسمع وبصر، فإنما هي صفات أثبتها الله لنفسه، ولا نقول: إن معنى اليد القدرة، ولا إن معنى السمع والبصر العلم، ولا نقول: إنها جوارح. ولا نشبهها بالأيدي والأسماع والأبصار التي هي جوارح وأدوات للفعل، ونقول: إنما وجب إثباتها لأن التوقيف ورد بها، ووجب نفي التشبيه عنها لقوله: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَد) ".
وذكر نصّ هذه الرسالة عن الخطيب البغدادي ابنُ قدامة، وساقها بسنده إليه كما في ذم التأويل (ص: ١٥).
وذكرها أيضاً الحافظ الذهبي بسنده إليه في كتابه سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٨٢ - ٢٨٤)، وفي كتابه العرش (٢/ ٤٥٧)، وفي كتابه تذكرة الحفاظ (٣/ ٢٢٥)، وفي كتابه العلو للعلي الغفار (ص: ٢٥٣).
стр. 63
٦٣ - قول الإمام أبي القاسم سعد بن علي الزنجاني إمام الشافعية في وقته (المتوفى: ٤٧١):
له قصيدة في السنة رائية معروفة (١)، أولها:
تمسك بحبل الله واتبع الأثر ... ودع عنك رأيا لا يلائمه خبر
وشرَحَ هذه القصيدة فقال كما في اجتماع الجيوش الإسلامية (٢/ ١٩٧): "ولكنه مستو بذاته على عرشه بلا كيف كما أخبر عن نفسه، وقد أجمع المسلمون على أن الله هو العلي الأعلى، ونطق بذلك القرآن بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ وأن لله علو الغلبة والعلو الأعلى من سائر وجوه العلو؛ لأن العلو صفة مدح عند كل عاقل، فثبت بذلك أن لله علو الذات وعلو الصفات وعلو القهر والغلبة. وجماهير المسلمين وسائر الملل قد وقع منهم الإجماع على الإشارة إلى الله جل ثناؤه من جهة الفوق في الدعاء والسؤال، فاتفاقهم بأجمعهم على الإشارة إلى الله سبحانه من جهة الفوق حجة، ولم يستجز أحد الإشارة إليه من جهة الأسفل ولا من سائر الجهات سوى جهة الفوق".
стр. 64
٦٤ - قول شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري الهروي (المتوفى: ٤٨١):
قال أبو إسماعيل الهروي في منازل السائرين كما في شرحه مدارج السالكين (٢/ ٨٥): "الدرجة الثانية: إجراء الخبر على ظاهره، وهو أن تبقى أعلام توحيد العامة الخبرية على ظواهرها، ولا يتحمل البحث عنها تعسفا، ولا يتكلف لها تأويلا، ولا يتجاوز ظواهرها تمثيلا، ولا يدعي عليها إدراكا أو توهمًا".
وقال في الأربعين في دلائل التوحيد (ص: ٧٧ - ٧٨): "باب إثبات القدم لله " ثم ساق الحديث ثم قال: "باب الدليل على أن القدم هي الرِّجْل".
وقال أيضًا في الأربعين في دلائل التوحيد (ص: ٦١): "باب إثبات الوجه لله ".
وقال (ص: ٦٤): "باب إثبات العينين له تعالى وتقدس".
стр. 65
٦٥ - قول فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي الحنفي (المتوفى: ٤٨٢):
قال كما في أصول البزدوي (ص: ١٠): "وكذلك [أي: وكإثبات الرؤية] إثبات اليد والوجه حق عندنا، معلوم بأصله متشابه بوصفه، ولا يجوز إبطال الأصل بالعجز عن درك الوصف، وإنما ضلت المعتزلة من هذا الوجه فإنهم ردّوا الأصول لجهلهم بالصفات فصاروا معطلة".
стр. 66
٦٦ - قول شمس الأئمة السرخسي الحنفي (المتوفى: ٤٨٣):
قال شمس الأئمة السرخسي كما في شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري (ص: ٩٣): إثبات اليد والوجه حق عندنا ... وأهل السنة والجماعة أثبتوا ما هو الأصل، معلوم المعنى بالنص أي بالآيات القطعية والدلالات اليقينية، وتوقفوا فيما هو متشابه وهو الكيفية، ولم يجوزوا الاشتغال في طلب ذلك".
стр. 67
٦٧ - قول الإمام أبي الفرج عبد الواحد بن محمد الشيرازي (المتوفى: ٤٨٦):
قال أبو الفرج الشيرازي في التبصرة في أصول الدين (ص: ١٢٩): "الدلالة على أنّ الله تعالى على العرش، خلافاً للأشعرية في قولهم ليس هو على العرش ... الاستواء في اللغة عبارة عن الارتفاع على الشيء".
وقال أيضًا (ص: ١٤٥ - ١٤٦): "ونصف الله تعالى بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان نبيه ورسوله ﷺ ، كقوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾، وكقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، و ﴿وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ﴾ ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وكقوله ﷺ : «ينزل الله تعالى في كل ليلة ... » وقوله ﷺ : «عجب ربنا من شاب ليس له صبوة»، وقوله ﷺ : «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب خيره»، فهذا وما كان في مثاله مما ثبت صحته في مسانيد صحاح عن النبي ﷺ ، فمذهبنا ومذهب السلف الصالح الإيمان به واجب، وإمراره كما جاءنا من غير تكييف ولا تمثيل ولا تشبيه ولا تغيير".
وقال أيضًا (ص: ١٤٨): "لا يمتنع أنه يلزمنا الإيمان بأشياء لا نعلم كيفيتها، ولا يكون ذلك قادحاً في إيماننا.
والدليل عليه أنه يلزمنا الإيمان بالجنة والنار وبجميع ما فيهما من النعيم والعذاب، وإذا كنا لا نحيط بكيفيتهما وبكيفية ما فيهما من التفضيل على التفصيل؛ لأن النبي ﷺ قال: «يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، فما لم تره العين ولا سمعت صفته الأذن ولم تخطر ماهيته على قلب بشر غير معلوم الكيفية، ثم لزمنا الإيمان به وإن جهلنا بمعرفة كيفيته، ولكن لا يقدح ذلك في إيماننا به.
وكذلك أيضًا يلزمنا الإيمان بصفات الله وإمرارها كما جاءت وإن كنا لا نحيط علمًا بكيفيتها.
وقد تأولت المبتدعة صفات الباري وحملتها على مقتضى عقولهم، وعلى اشتقاق اللغة، وخرجوا في ذلك إلى التشبيه والتعطيل".
وقال (ص:١٥٢) بعد أن ذكر تأويل اليدين بالقدرة: "وحمل كلام الباري على الحقيقة أولى من حمله على المجاز".
وقال (ص: ١٥٣): "وتأولوا حديث النزول بنزول القدرة ... وتأولوا النفس على الغيب، ولا يجوز حمله على ذلك؛ لأنه على خلاف الحقيقة وخلاف الظاهر، وحمل كلام الله تعالى على حقيقته وظاهره أولى من حمله على غير حقيقته وظاهره.
ونحن وإن رددنا تأويله وبينا فساده فلسنا نكيف صفات الباري، بل نثبتها إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية كما أثبتنا ذاته لا كالذوات".
وقال أيضًا في جزء امتحان السني من البدعي (ص: ١٩٣) في صفة اليدين: "دليلنا قوله تعالى لإبليس اللعين: ﴿قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، واليد يد الصفة، لا قدرتان ولا نعمتان ولا جارحتان، بل هما صفتان من صفات ذاته".
وقال (ص: ٢٢٦): "يُسأل عن الله تعالى هل يغضب ويرضى؟ فإن قال به فهو سنّي، وإن أنكره فهو جهمي ... فالرضا والغضب صفتان من صفات الذات".
стр. 68
٦٨ - قول محيي السنة البغوي (المتوفى: ٥١٦، أو ٥١٠):
قال محيي السنة البغوي في تفسيره معالم التنزيل (٢/ ٦٧): "ويد الله صفة من صفات ذاته كالسمع، والبصر والوجه، وقال جل ذكره: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقال النبي ﷺ : «كلتا يديه يمين» والله أعلم بصفاته، فعلى العباد فيها الإيمان والتسليم".
وقال أيضًا (٤/ ٢٩٣) في قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾: "علا عليه".
وقال أيضًا (١/ ٧٨) في قوله تعالى ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾: "قال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: أي ارتفع إلى السماء".
وقال أيضًا في شرح السنة (١/ ١٧١): "قال أبو العالية: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ارتفع فسوى خلقهن، وقال مجاهد: استوى: علا على العرش.
وقال أيضًا في شرح السنة (١/ ١٦٨ - ١٧١): "والإصبع المذكورة في الحديث صفة من صفات الله ، وكذلك كل ما جاء به الكتاب أو السنة من هذا القبيل في صفات الله كالنفس، والوجه، والعين، واليد، والرِّجْل، والإتيان، والمجيء، والنزول إلى السماء الدنيا، والاستواء على العرش، والضحك، والفرح ... فهذه ونظائرها صفات لله ، ورد بها السمع، يجب الإيمان بها، وإمرارها على ظاهرها، معرضا فيها عن التأويل، مجتنبا عن التشبيه، معتقدا أن الباري لا يشبه شيء من صفاته صفات الخلق، كما لا تشبه ذاته ذوات الخلق، قال الله : ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾، وعلى هذا مضى سلف الأمة وعلماء السنة".
стр. 69
٦٩ - قول أبي الحسين محمد ابن أبي يعلى (المتوفى: ٥٢٦):
قال أبو الحسين ابن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (٢/ ٢٠٨): "وقد أجمع أهل القبلة أن إثبات الباري سبحانه إنما هُوَ إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، هكذا اعتقد الوالد السعيد ومن قبله ممن سلفه من الأئمة أن إثبات الصفات للباري سبحانه إنما هُوَ إثبات وجود لا إثبات تحديد وكيفية، وأنها صفات لا تشبه صفات البرية، ولا تدرك حقيقة علمها بالفكر والروية ...
واعتقدوا أنّ صفات الباري سبحانه معلومة من حيث أعلم هو، غيب من حيث انفرد واستأثر، كما أن الباري سبحانه معلوم من حيث هو، مجهول ما هو.
واعتقدوا أن الباري سبحانه استأثر بعلم حقائق صفاته ومعانيها عن العالمين، وفارق بها سائر الموصوفين، فهم بها مؤمنون، وبحقائقها موقنون، وبمعرفة كيفيتها جاهلون، لا يجوز عندهم ردها كرد الجهمية، ولا حملها على التشبيه كما حملته المشبهة الذي أثبتوا الكيفية، ولا تأوّلوها على اللغات والمجازات كما تأولتها الأشعرية".
стр. 70
٧٠ - قول الإمام أبي الحسن علي ابن الزاغوني (المتوفى: ٥٢٧):
قال في كتابه إيضاح أصول الدين (٢٨٤ - ٢٨٧): "وقد وصف الباري نفسه في القرآن باليدين بقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقال تعالى: ﴿وقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ وهذه الآية تقتضي إثبات صفتين ذاتيتين تسميان بيدين.
وذهبت المعتزلة وطائفة من الأشعرية إلى أن المراد باليدين النعمتين.
وذهبت طائفة منهم إلى أن المراد باليدين هاهنا القدرة.
والدلالة على كونهما صفتين ذاتيتين يزيدان على النعمة وعلى القدرة أنا نقول: القرآن نزل بلغة العرب، واليد المطلقة في لغة العرب وفي معارفهم وعاداتهم المراد بها إثبات صفة ذاتية للموصوف، لها خصائص فيما يقصد بها، وهي حقيقة في ذلك، كما ثبت في معارفهم الصفة التي هي القدرة، والصفة التي هي العلم، كذلك سائر الصفات من الوجه والسمع والبصر والحياة وغير ذلك، وهذا هو الأصل في هذه الصفة، وأنهم لا ينتقلون عن هذه الحقيقة إلى غيرها مما يقال على سبيل المجاز إلا بقرينة تدل على ذلك، فأما مع الإطلاق فلا، ولهذا يقولون: لفلان عندي يد، ويراد بذلك ما يصل من الإحسان بواسطة اليد، وإنما فُهم ذلك بإضافة اليد إلى قوله "عندي"، ويقول ذلك وبينهما من البعد والحوائل ما لو أراد اليد الحقيقية لكان كاذبا، ولهذا لو كان بحيث أن يكون عنده يده الحقيقية، وهو أن يكونا متماسين في الاجتماع ويحيط بهما ثوب أو على صفة يمكن إدخال يده إلى باطن ثوبه، فقال حينئذ: لفلان عندي يد لا يصرف القول فيه إلا إلى اليد الحقيقية؛ لأن شاهد الحال قد قطع عمل القرينة، والإطلاق في التعارف أكثر من شاهد الحال في القرب، من جهة أنه يجوز أن يتجوز به للقرينة، لكن غلب شاهد الحال عليه في القرب، فالإطلاق بذلك أحق وأولى ...
ودليل آخر نقول: لا شك أن الرجوع في الكلام الوارد عن الحقيقة والظاهر المعهود إلى المجاز إنما يكون بأحد ثلاثة أشياء:
أحدها: أن يعترض على الحقيقة مانع يمنع من إجرائها على ظاهر الخطاب.
الثاني: أن تكون القرينة لها تصلح لنقلها عن حقيقتها إلى مجازها.
والثالث: أن يكون المحل الذي أضيفت إليه الحقيقة أو المعنى الذي أضيفت إليه الحقيقة لا يصلح لها، فيفتقر إلى الانتقال عنها إلى مجازها.
فإن قالوا: إن إثبات اليد الحقيقية التي هي صفة لله تعالى ممتنع لعارض يمنع، فليس بصحيح؛ من جهة أن الباري تعالى ذات قابلة للصفات المساوية لها في الإثبات، فإن الباري تعالى في نفسه ذات ليست بجوهر ولا جسم ولا عرض، ولا ماهية له تعرف وتدرك وتثبت في شاهد العقل، ولا ورد ذكرها في نقل، وإذا ارتفع عنه إثبات الماهية، فالكمية والكيفية والجزئية والأبعاض والبعضية تتبع إثبات الماهية، وإذا كان الكل مرتفعا والمِثل بذلك ممتنعا. فالنفار من قولنا "يد" مع هذه الحال كالنفار من قولنا "ذات"، ومهما دفعوا به إثبات ذات مع ما وصفنا فهو سبيل إلى دفع يد؛ لأنه لا فرق عندنا بينهما في الإثبات، وإن عجزوا عن ذلك لثبوت الدليل القاطع الملزم للإقرار بالذات على ما هي عليه مما ذكرنا، فذاك هو الطريق إلى تعجيزهم عن نفي يد هي صفة تناسب الذات فيما ثبت لها من ذلك، وهذا ظاهر لازم لا محيد عنه.
وإن قالوا: من جهة أنه اقترن بها قرينة تدل على صلاحية نقلها عن حقيقتها إلى مجازها.
فذلك محال من جهات:
أحدها: أنا قد بيّنا أن إضافة الفعل إلى اليد على الإطلاق لا يكون إلا والمراد به يد الصفة، وهذا توكيد لإثبات الصفة الحقيقية، ومحال أن يجتمع مؤكد للحقيقة مع قرينة ناقلة عن الحقيقة.
والثانية: أن القرائن قد ذكرناها، وهو أنه إذا أريد باليد النعمة قال: لفلان عندي يد، فعندي قرينة تدل على النعمة، وإذا أريد بها القدرة قال: لفلان عليّ يد، فعليّ هي القرينة الدالة على القدرة، وكلاهما معدومان هاهنا.
والثالث: أن الخصم يدعي أن الداعي إلى ذلك ما يقتضيه الشاهد من إثبات العضو والجارحة والجسمية والبعضية والكمية والكيفية الداخل على جميع ذلك، فحصل مثل وشبيه. وقد بينا أن ذلك محال في حقه؛ لأن نسبة اليد إليه تعالى كنسبة الذات إليه على ما تقرر. فإذا ارتفع هذا بطل السبب المعارض للحقيقة النافي لإثباتها والموجب لإبدالها بالمجاز.
وإن قالوا: إن المحل الذي أضيفت إليه اليد وهو ذات الباري لا يصلح لإثبات اليد الحقيقة. فهذا محال من جهة أنا قد اتفقنا على أن ذات الباري تقبل إضافة الصفات الذاتية على سبيل الحقيقة كالوجود والذات والعلم والقدرة والإرادة وغير ذلك من صفات الإثبات على ما قدمناه".
وقال أيضًا في كتابه إيضاح أصول الدين (ص: ٢٨١ - ٢٨٣) بعد ذكْره لإثبات صفة الوجه لله تعالى وبطلان تأويل الوجه بالذات: "قالوا: إذا حملتم الأمر على هذا الظاهر وبطل أن يراد بها إلا الوجه الذي هو صفة يستحقها الحي، فالوجه الذي يستحقه الحي وجه هو عضو وجارحة يشتمل على كمية تدل على الجزئية وصورة تثبت الكيفية، فإن كان هذا ظاهر الأوصاف الثابتة لله تعالى فهذا هو التجسيم بعينه، وإن كان ظاهر الأوصاف عندكم إثبات صفة تفارق في الماهية وتقارب فيما يستحق بمثله الاشتراك في الوصف، فهذا هو التشبيه بعينه، وقد ثبت بالدليل الجلي إبطال قول المجسمة والمشبهة، وما يؤدي إلى مثل قولهم فهو باطل.
قلنا: الظاهر ما كان متلقى من اللفظ على طريق المقتضي، وذلك مما يتداوله أهل الخطاب بينهم حتى ينصرف مطلقه عند الخطاب إلى ذلك عند من له أدنى ذوق ومعرفة بالخطاب العربي واللغة العربية، وهذا كما نقول في ألفاظ الجموع وأمثالها إن ظاهر اللفظ يقتضي العموم والاستغراق، وكما نقول في الأمر إن ظاهره الاستدعاء من الأعلى للأدنى يقتضي الوجوب، إلى أمثال ذلك مما يرجع فيه إلى الظاهر في المتعارف، فإذا ثبت هذا فلا شك ولا مرية على ما بينا أن الظاهر في إثبات صفة هي إذا أضيفت إلى مكان أريد بها الحقيقة أو أريد بها المجاز، فإنه لا ينصرف إلى وهم السامع أن المراد بها جميع الذات التي هي مقولة عليها، وهذا مما لا نزاع فيه.
والمقصود بهذا إبطال التأويل الذي يدعيه الخصم، فإذا ثبت هذا وجب أن يكون صفة خاصة، بمعنى لا يجوز أن يعبر بها عن الذات، ولا وُضعت لها لا على سبيل الحقيقة ولا على سبيل المجاز.
فأما قولهم: إذا ثبت أنها صفة إذا نُسبت إلى الحي ولم يعبر بها عن الذات، وجب أن تكون عضوا وجارحة ذات كمية وكيفية.
فهذا لا يلزم من جهة أنّ ما ذكروه ثبت بالإضافة إلى الذات في حق الحيوان المحدث، لا من خصيصة صفة الوجه، ولكن من جهة نسبة الوجه إلى جملة الذات فيما ثبت للذات من الماهية المركبة بكمياتها وكيفياتها وصورها، وذلك أمر أدركناه بالحس في جملة الذات، فكانت الصفات مساوية للذات في موضوعها بطريق أنها منها، ومنتسبة إليها نسبة الجزء إلى الكل.
فأما الوجه المضاف إلى الباري تعالى فإنا ننسبه إليه في نفسه نسبة الذات إليه، وقد ثبت أن الذات في حق الباري لا توصف بأنها جسم مركب يدخله الكمية، وتتسلط عليه الكيفية، ولا يعلم له ماهية، فالظاهر في صفته التي هي الوجه أنها كذلك لا يوصل لها إلى ماهية، ولا يوقف لها على كيفية، ولا تدخلها التجزئة المأخوذة من الكمية، لأن هذه إنما هي صفات الجواهر المركبة أجساما، والله يتنزه عن ذلك.
ولو جاز لقائل أن يقول ذلك في السمع والوجه والبصر وأمثال ذلك من صفات الذات لينتقل بذلك عن ظاهر الصفة منها إلى ما سواها بمثل هذه الأحوال الثابتة في المشاهدات، لكان في الحياة والعلم والقدرة أيضا كذلك، فإن العِلْم في الشاهد عرض قائم بقلب يثبت بطريق ضرورة أو اكتساب، وذلك غير لازم مثله في حق الباري لأنه مخالف للشاهد في الذاتية، وغير مشارك لها في إثبات ماهية، ولا مشارك لها في كمية ولا كيفية، وهذا كلام واضح جلي ...
وأما قولهم: إن ذلك يوجب إثبات الجوارح والأعضاء، فليس بصحيح من جهة أنّ الصفة في حق الحيوان المحدَث إنما سُميت جارحة من جهة أنه يكتسب بها ما لولا ثبوتها له لعدم الاكتساب، مع كونه محتاجا إليه، ولهذا سميت الحيوانات الصيودة كسباع الطير والبهائم جوارح لأنها تكتسب الصيود، والباري مستغن عن الاكتساب فلا يتصور استحقاقه لتسميته جارحة، مع عدم السبب الموجب للتسمية.
فأما تسمية الأعضاء فإنها تثبت في حق الحيوان المحدث لما تعينت له من الصفات الزائدة على تسمية الذات، لأن العضو عبارة عن الجزء، ولهذا نقول: عضيت المال أي جزأته وقسّمته، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ أي قسموه، فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه، وإذا كان العضو إنما هو مأخوذ من هذا، فالباري تعالى ليس بذي أجزاء يدخلها الجمع وتقبل التفرقة والتجزئة، فامتنع أن يستحق ما يسمى عضوا، فإذا ارتفع هذا بقي أنه تعالى ذات لا تشبه الذوات مستحقة للصفات المناسبة لها في جميع ما تستحقه، فإذا ورد القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف تُلقي في التسمية بالقبول، ووجب إثباته له على ما يستحقه، ولا يُعدل به عن حقيقة الوصف؛ إذ ذاته تعالى قابلة للصفات. وهذا واضح بيّن لمن تأمله".
стр. 71
٧١ - قول شيخ الحرمين أبي الحسن الكرجي الشافعي (المتوفى: ٥٣٢) (١):
قال أبو الحسن الكرجي في قصيدته في عقيدة أهل الحديث (٢):
وأفضل زاد للمعاد عقيدة ... على منهج في الصدق والصبر لاحب
عقيدة أصحاب الحديث فقد سمت ... بأرباب دين الله أسنى المراتب
عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب
وأن استواء الرب يٌعقل كونه ... ويجهل فيه الكيف جهل الشهارب
العلو للعلي الغفار (ص: ٢٦٣).
стр. 72
٧٢ - قول قوام السنة أبي القاسم التيمي الأصبهاني (المتوفى: ٥٣٥):
قال أبو القاسم الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٣ - ١٨٤): "قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي ﷺ متواترة في صفات الله تعالى موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف ... وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدق به المصطفى ﷺ ، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوما عند العرب غير محتاج إلى تأويله، فقال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ... ".
وقال أيضًا (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٥): "قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى﴾، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة. قالوا: وهو من الآيات المتشابهات التي ذكرها الله تعالى في كتابه وردّ علم تأويلها إلى نفسه (١)،
وقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ فأوجب الإيمان بقوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى﴾ وبالآيات التي تضارع هذه الآية، ومدح الراسخين في العلم بأنهم يؤمنون بمثل هذه الآيات، ولا يخوضون في علم كيفيتها، ولهذا قال مالك بن أنس ﵀ عليه حين سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى﴾ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.
والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان ... ومنه الاستواء بمعنى القصد، ويستعمل مع إلى، يقال: استويت إلى هذا الأمر، أي قصدته. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ أي قصدها، ولا يقال: استوى عليه بمعنى قصده، فمن خالف موضوع اللغة فقد خالف طريقة العرب، والقرآن عربي، ولو كان الاستواء على العرش بمعنى الاستواء إلى العرش لقال تعالى: إلى العرش استوى.
قال أهل السنة: الاستواء هو العلو: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه، مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته، لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته؛ لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأنّ الخالق إذا لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ﴾.
وكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، وقول النبي ﷺ : «حتى يضع الجبار فيها قدمه» وقوله: «إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن»، وقوله: «يضع السماوات على أصبع، والأرضين، على أصبع». وأمثال هذه الأحاديث، فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل".
وقال (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٨): "وهذا لأنّ اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة، ... ومنها اليد بمعنى النعمة والصنيعة ... ، وقد تكون اليد بمعنى الملك والتصرف، يقال: هذه الدار في يد فلان، أي في تصرفه وملكه، وهذا أيضا لا يجوز لتثنية اليد، وليس لله تعالى ملكان وتصرفان.
ومنها: اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، والمجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها؛ لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها".
وقال: (٢/ ٢٧٨): "وهكذا قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ للوجه في كلام العرب معان منها الجاه والقدر، يقال: لفلان عند الناس وجه حسن، أي: جاه وقدر. وهذا المعنى لا يجوز في هذا الموضع لأنه لا يجوز أن يقال: لله تعالى جاه وقدر عند غيره، فلا يقال: ويبقى جاه ربك، وقدر ربك.
وقد يجيء وجه الشيء بمعنى أوله، قال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أي: أول النهار، وهذا أيضاً لا يجوز ها هنا.
ومنها الوجه بمعنى الجهة يقال: أقصد هذا الوجه، أي هذه الجهة. وهذا أيضاً لا يجوز في هذا الموضع
ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، وكونه معلوماً بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة".
وقال (٢/ ٢٧٩): "وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب، فهو معلوم بالحديث، مجهول الكيفية.
وكذلك القول في الأصبع، والأصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن .. وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الأصبع معلوماً بقوله ﷺ ، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته".
وقال أيضًا (١/ ٤٨٢): "مَن حمل اللفظ على ظاهره، وعلى مقتضى اللغة حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفات الله تعالى".
وفي العلو للعلي الغفار (ص: ٢٦٣)، والعرش (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠) كليهما للحافظ الذهبي ما لفظه: "قال الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الطلحي الأصبهاني مصنف الترغيب والترهيب وقد سئل عن صفات الرب؟ فقال: مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل.
قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره. ثم قال: أي: هو هو على ظاهره، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل".
стр. 73
٧٣ - قول الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨):
قال يحيى ابن أبي الخير العِمراني في الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩):
"ويقال للأشعري: قد أقررت بأن لله سمعاً وبصراً وعلماً وقدرة وحياة وكلاماً لتنفي عنه ضد هذه الصفات، فلما كان السمع الذي أثبتّه لله هو السمع المعهود في لغة العرب، وهو إدراك المسموعات وكذلك ضده المنفي عنه هو المعهود في كلام العرب وهو الصمم، وكذلك البصر الذي أثبتَّه لله هو المعهود في كلام العرب وهو إدراك المبصرات، والعلم هو إدراك المعلومات، وجب أن يكون الكلام لله هو الكلام المعهود في كلام العرب، وهو ما كان بحرف وصوت، كما أن ضده المنفي عنه وهو الخرس المعهود عندهم، فأما إثبات كلام لا يفهم ولا يعلم فمحال".
وقال أيضًا (٢/ ٦٣٣) بعد أن ذكر النصوص في إثبات الوجه واليدين والعين والنزول: "وأخبار الصفات من هذا كثيرة، والمعتزلة والأشعرية يردون شيئا منها، ومنها ما يتأولونه.
ومذهب السلف والعلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الأعصار كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل ينزهون الله عن الجسمية، والتصديق بما ورد من هذه الآي والأخبار، والسكوت عن تفسيرها والاعتراف بالعجز عن علم المراد بذلك (١)، والتسليم والإيمان بذلك إيمانا جمليا كما آمنا وصدقنا بإثبات الذات من غير تكييف".
وقال أيضًا (١/ ١٠٠): "ونؤمن بأخبار الصفات الواردة عن النبي ﷺ في النزول وغيره إيمانا مجملا ولا نفسِّرها (٢)، بل نمرها كما جاءت".
وقال أيضاً (٢/ ٦٣٤): "وقد أخبر الله تعالى أنه على العرش استوى، وأخبر النبي ﷺ فعلمنا أن هناك معنى يختص به العرش دونه، فقلنا: هو على العرش استوى. ولا نكيف الاستواء ولا نفسره، بل نصدّق به ونؤمن به إيمانا مجملا".
стр. 74
٧٤ - قول شيخ الإسلام عبد القادر الجيلاني (المتوفى: ٥٦١):
قال عبد القادر الجيلاني في كتاب الغنية لطالبي طريق الحق (ص: ٨٦): "وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش.
ثم قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أُنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، فالاستواء من صفات الذات بعد ما أخبرنا به وأكده في سبع آيات من كتابه والسنة المأثورة به، وهو صفة لازمة له ولائقة به، كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً، موصوف بها، ولا نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله ".
وقال (ص: ٨٥): "يقبض ويبسط، يضحك ويفرح، يحب ويكره، ويبغض ويرضى، ويغضب ويسخط، يرحم ويغفر، يعطي ويمنع، له يدان، وكلتا يديه يمين".
وقال (ص: ٨٨): "وأنه تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء وكما شاء، ... لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما ادعته المعتزلة والأشعرية".
وقال (ص: ٩١): "وهذه الآيات والأخبار تدل على أن لكلام الله صوتًا لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نصّ الإمام أحمد ﵀ على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل".
стр. 75
٧٥ - قول الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (المتوفى: ٦٠٠):
قال الحافظ عبد الغني المقدسي في الاقتصاد في الاعتقاد (ص: ٩٨) بعد ذكره لأدله إثبات صفة الوجه: "فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات".
وقال أيضًا (ص: ١٠٠ - ١٠١): "وتواترت الأخبار، وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيجب الإيمان به، والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول (١) ... ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول الملك".
وقال أيضًا (ص: ١١٨): "وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل مثل المحبة، والمشيئة والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضا، وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين".
وقال (ص: ٨٠): "فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمَرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل".
وقال الحافظ ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٤٢٤): "وقرأت بخط الإِمام الحافظ الذهبي: ولم يبدُ من الرجل [أي: الحافظ عبد الغني] أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين: من أن الصفات الثابت محمولة على الحقيقة، لا على المجاز، أعني أنها تجري على مواردها، لا يعبر عنها بعبارات أخرى، كما فعلته المعتزلة، أو المتأخرون من الأشعرية. هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شيء".