← Акыда

Акыда · id 227

المعنى في صفات الله تعالى معلوم والكيف مجهول

محمد بن عبد الله المقشي

Полный текст (117 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

٧١ - قول شيخ الحرمين أبي الحسن الكرجي الشافعي (المتوفى: ٥٣٢) (١): قال أبو الحسن الكرجي في قصيدته في عقيدة أهل الحديث (٢): وأفضل زاد للمعاد عقيدة ... على منهج في الصدق والصبر لاحب عقيدة أصحاب الحديث فقد سمت ... بأرباب دين الله أسنى المراتب عقائدهم أن الإله بذاته ... على عرشه مع علمه بالغوائب وأن استواء الرب يٌعقل كونه ... ويجهل فيه الكيف جهل الشهارب العلو للعلي الغفار (ص: ٢٦٣).

стр. 72

٧٢ - قول قوام السنة أبي القاسم التيمي الأصبهاني (المتوفى: ٥٣٥): قال أبو القاسم الأصبهاني في الحجة في بيان المحجة (١/ ١٨٣ - ١٨٤): "قال علماء السلف: جاءت الأخبار عن النبي ﷺ متواترة في صفات الله تعالى موافقة لكتاب الله تعالى، نقلها السلف على سبيل الإثبات والمعرفة والإيمان به والتسليم، وترك التمثيل والتكييف ... وذلك أن الله تعالى امتدح نفسه بصفاته، ودعا عباده إلى مدحه بذلك، وصدق به المصطفى ﷺ ، وبين مراد الله فيما أظهر لعباده من ذكر نفسه وأسمائه وصفاته، وكان ذلك مفهوما عند العرب غير محتاج إلى تأويله، فقال تعالى: ﴿كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ ... ". وقال أيضًا (٢/ ٢٧٣ - ٢٧٥): "قال أهل السنة: الإيمان بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى﴾، واجب، والخوض فيه بالتأويل بدعة. قالوا: وهو من الآيات المتشابهات التي ذكرها الله تعالى في كتابه وردّ علم تأويلها إلى نفسه (١)، وقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ فأوجب الإيمان بقوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى﴾ وبالآيات التي تضارع هذه الآية، ومدح الراسخين في العلم بأنهم يؤمنون بمثل هذه الآيات، ولا يخوضون في علم كيفيتها، ولهذا قال مالك بن أنس ﵀ عليه حين سئل عن قوله: ﴿الرَّحْمنُ عَلى العَرْش اسْتَوَى﴾ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. والاستواء في كلام العرب تأتي لمعان ... ومنه الاستواء بمعنى القصد، ويستعمل مع إلى، يقال: استويت إلى هذا الأمر، أي قصدته. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِيَ دُخَانٌ﴾ أي قصدها، ولا يقال: استوى عليه بمعنى قصده، فمن خالف موضوع اللغة فقد خالف طريقة العرب، والقرآن عربي، ولو كان الاستواء على العرش بمعنى الاستواء إلى العرش لقال تعالى: إلى العرش استوى. قال أهل السنة: الاستواء هو العلو: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ وليس للاستواء في كلام العرب معنى إلا ما ذكرنا، وإذا لم يجز الأوجه الثلاثة لم يبق إلا الاستواء الذي هو معلوم كونه، مجهول كيفيته، واستواء نوح على السفينة معلوم كونه، معلوم كيفيته، لأنه صفة له، وصفات المخلوقين معلومة كيفيتها. واستواء الله على العرش غير معلوم كيفيته؛ لأن المخلوق لا يعلم كيفية صفات الخالق لأنه غيب، ولا يعلم الغيب إلا الله، ولأنّ الخالق إذا لم يشبه ذاته ذات المخلوق لم يشبه صفاته صفات المخلوق، فثبت أن الاستواء معلوم، والعلم بكيفيته معدوم، فعلمه موكول إلى الله تعالى، كما قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ﴾. وكذلك القول فيما يضارع هذه الصفات كقوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، وقول النبي ﷺ : «حتى يضع الجبار فيها قدمه» وقوله: «إن أحدكم يأتي بصدقته فيضعها في كف الرحمن»، وقوله: «يضع السماوات على أصبع، والأرضين، على أصبع». وأمثال هذه الأحاديث، فإذا تدبره متدبر، ولم يتعصب بان له صحة ذلك وأن الإيمان واجب، وأن البحث عن كيفية ذلك باطل". وقال (٢/ ٢٧٦ - ٢٧٨): "وهذا لأنّ اليد في كلام العرب تأتي بمعنى القوة، ... ومنها اليد بمعنى النعمة والصنيعة ... ، وقد تكون اليد بمعنى الملك والتصرف، يقال: هذه الدار في يد فلان، أي في تصرفه وملكه، وهذا أيضا لا يجوز لتثنية اليد، وليس لله تعالى ملكان وتصرفان. ومنها: اليد التي هي معروفة، فإذا لم تحتمل الأوجه التي ذكرنا لم يبق إلا اليد المعلوم كونها، والمجهولة كيفيتها، ونحن نعلم يد المخلوق وكيفيتها؛ لأنا نشاهدها ونعاينها فنعرفها، ونعلم أحوالها، ولا نعلم كيفية يد الله تعالى، لأنها لا تشبه يد المخلوق، وعلم كيفيتها علم الغيب، ولا يعلم الغيب إلا الله تعالى، بل نعلم كونها معلومة لقوله تعالى وذكره لها فقط، ولا نعلم كيفية ذلك وتأويلها". وقال: (٢/ ٢٧٨): "وهكذا قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ للوجه في كلام العرب معان منها الجاه والقدر، يقال: لفلان عند الناس وجه حسن، أي: جاه وقدر. وهذا المعنى لا يجوز في هذا الموضع لأنه لا يجوز أن يقال: لله تعالى جاه وقدر عند غيره، فلا يقال: ويبقى جاه ربك، وقدر ربك. وقد يجيء وجه الشيء بمعنى أوله، قال الله تعالى: ﴿آمِنُوا بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ أي: أول النهار، وهذا أيضاً لا يجوز ها هنا. ومنها الوجه بمعنى الجهة يقال: أقصد هذا الوجه، أي هذه الجهة. وهذا أيضاً لا يجوز في هذا الموضع ومنه الوجه المعروف، فإذا لم يجز حمل الوجه على الأوجه التي ذكرناها بقي أن يقال: هو الوجه الذي تعرفه العرب، وكونه معلوماً بقوله تعالى، وكيفيته مجهولة". وقال (٢/ ٢٧٩): "وللقدم معان، وللكف معان، وليس يحتمل الحديث شيئاً من ذلك إلا ما هو المعروف في كلام العرب، فهو معلوم بالحديث، مجهول الكيفية. وكذلك القول في الأصبع، والأصبع في كلام العرب تقع على النعمة والأثر الحسن .. وهذا المعنى لا يجوز في هذا الحديث، فكون الأصبع معلوماً بقوله ﷺ ، وكيفيته مجهولة، وكذلك القول في جميع الصفات يجب الإيمان به، ويترك الخوض في تأويله، وإدراك كيفيته". وقال أيضًا (١/ ٤٨٢): "مَن حمل اللفظ على ظاهره، وعلى مقتضى اللغة حمله على حقيقته، ومن تأوله عدل به عن الحقيقة إلى المجاز، ولا يجوز إضافة المجاز إلى صفات الله تعالى". وفي العلو للعلي الغفار (ص: ٢٦٣)، والعرش (٢/ ٤٥٩ - ٤٦٠) كليهما للحافظ الذهبي ما لفظه: "قال الإمام الحافظ أبو القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الطلحي الأصبهاني مصنف الترغيب والترهيب وقد سئل عن صفات الرب؟ فقال: مذهب مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وحماد بن سلمة وحماد بن زيد وأحمد ويحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وإسحاق بن راهويه أن صفات الله التي وصف بها نفسه ووصفه بها رسوله من السمع والبصر والوجه واليدين وسائر أوصافه إنما هي على ظاهرها المعروف المشهور من غير كيف يتوهم فيها، ولا تشبيه ولا تأويل. قال ابن عيينة: كل شيء وصف الله به نفسه فقراءته تفسيره. ثم قال: أي: هو هو على ظاهره، لا يجوز صرفه إلى المجاز بنوع من التأويل".

стр. 73

٧٣ - قول الإمام يحيى ابن أبي الخير العِمراني شيخ الشافعيين باليمن (المتوفى: ٥٥٨): قال يحيى ابن أبي الخير العِمراني في الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار (٢/ ٥٦٨ - ٥٦٩): "ويقال للأشعري: قد أقررت بأن لله سمعاً وبصراً وعلماً وقدرة وحياة وكلاماً لتنفي عنه ضد هذه الصفات، فلما كان السمع الذي أثبتّه لله هو السمع المعهود في لغة العرب، وهو إدراك المسموعات وكذلك ضده المنفي عنه هو المعهود في كلام العرب وهو الصمم، وكذلك البصر الذي أثبتَّه لله هو المعهود في كلام العرب وهو إدراك المبصرات، والعلم هو إدراك المعلومات، وجب أن يكون الكلام لله هو الكلام المعهود في كلام العرب، وهو ما كان بحرف وصوت، كما أن ضده المنفي عنه وهو الخرس المعهود عندهم، فأما إثبات كلام لا يفهم ولا يعلم فمحال". وقال أيضًا (٢/ ٦٣٣) بعد أن ذكر النصوص في إثبات الوجه واليدين والعين والنزول: "وأخبار الصفات من هذا كثيرة، والمعتزلة والأشعرية يردون شيئا منها، ومنها ما يتأولونه. ومذهب السلف والعلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من أئمة الأعصار كمالك والشافعي وأحمد بن حنبل ينزهون الله عن الجسمية، والتصديق بما ورد من هذه الآي والأخبار، والسكوت عن تفسيرها والاعتراف بالعجز عن علم المراد بذلك (١)، والتسليم والإيمان بذلك إيمانا جمليا كما آمنا وصدقنا بإثبات الذات من غير تكييف". وقال أيضًا (١/ ١٠٠): "ونؤمن بأخبار الصفات الواردة عن النبي ﷺ في النزول وغيره إيمانا مجملا ولا نفسِّرها (٢)، بل نمرها كما جاءت". وقال أيضاً (٢/ ٦٣٤): "وقد أخبر الله تعالى أنه على العرش استوى، وأخبر النبي ﷺ فعلمنا أن هناك معنى يختص به العرش دونه، فقلنا: هو على العرش استوى. ولا نكيف الاستواء ولا نفسره، بل نصدّق به ونؤمن به إيمانا مجملا".

стр. 74

٧٤ - قول شيخ الإسلام عبد القادر الجيلاني (المتوفى: ٥٦١): قال عبد القادر الجيلاني في كتاب الغنية لطالبي طريق الحق (ص: ٨٦): "وينبغي إطلاق صفة الاستواء من غير تأويل، وأنه استواء الذات على العرش. ثم قال: وكونه على العرش مذكور في كل كتاب أُنزل على كل نبي أرسل بلا كيف، فالاستواء من صفات الذات بعد ما أخبرنا به وأكده في سبع آيات من كتابه والسنة المأثورة به، وهو صفة لازمة له ولائقة به، كاليد والوجه والعين والسمع والبصر والحياة والقدرة، وكونه خالقاً ورازقاً ومحيياً ومميتاً، موصوف بها، ولا نخرج من الكتاب والسنة، نقرأ الآية والخبر ونؤمن بما فيهما، ونكل الكيفية في الصفات إلى علم الله ". وقال (ص: ٨٥): "يقبض ويبسط، يضحك ويفرح، يحب ويكره، ويبغض ويرضى، ويغضب ويسخط، يرحم ويغفر، يعطي ويمنع، له يدان، وكلتا يديه يمين". وقال (ص: ٨٨): "وأنه تعالى ينزل في كل ليلة إلى سماء الدنيا كيف شاء وكما شاء، ... لا بمعنى نزول الرحمة وثوابه على ما ادعته المعتزلة والأشعرية". وقال (ص: ٩١): "وهذه الآيات والأخبار تدل على أن لكلام الله صوتًا لا كصوت الآدميين، كما أن علمه وقدرته وبقية صفاته لا تشبه صفات الآدميين، كذلك صوته. وقد نصّ الإمام أحمد ﵀ على إثبات الصوت في رواية جماعة من الأصحاب رضوان الله عليهم أجمعين، خلاف ما قالت الأشعرية من أن كلام الله معنى قائم بنفسه، والله حسيب كل مبتدع ضال مضل".

стр. 75

٧٥ - قول الحافظ عبد الغني بن عبد الواحد المقدسي (المتوفى: ٦٠٠): قال الحافظ عبد الغني المقدسي في الاقتصاد في الاعتقاد (ص: ٩٨) بعد ذكره لأدله إثبات صفة الوجه: "فهذه صفة ثابتة بنص الكتاب وخبر الصادق الأمين، فيجب الإقرار بها، والتسليم كسائر الصفات الثابتة بواضح الدلالات". وقال أيضًا (ص: ١٠٠ - ١٠١): "وتواترت الأخبار، وصحت الآثار بأن الله ينزل كل ليلة إلى سماء الدنيا فيجب الإيمان به، والتسليم له، وترك الاعتراض عليه، وإمراره من غير تكييف ولا تمثيل، ولا تأويل، ولا تنزيه ينفي حقيقة النزول (١) ... ولا يصح حمله على نزول القدرة، ولا الرحمة، ولا نزول الملك". وقال أيضًا (ص: ١١٨): "وكل ما قال الله في كتابه، وصح عن رسوله بنقل العدل عن العدل مثل المحبة، والمشيئة والإرادة، والضحك، والفرح، والعجب، والبغض، والسخط، والكره، والرضا، وسائر ما صح عن الله ورسوله، وإن نبت عنها أسماع بعض الجاهلين، واستوحشت منها نفوس المعطلين". وقال (ص: ٨٠): "فآمنوا بما قال الله سبحانه في كتابه، وصح عن نبيه، وأمَرّوه كما ورد من غير تعرض لكيفية، أو اعتقاد شبهة أو مثلية، أو تأويل يؤدي إلى التعطيل". وقال الحافظ ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٤٢٤): "وقرأت بخط الإِمام الحافظ الذهبي: ولم يبدُ من الرجل [أي: الحافظ عبد الغني] أكثر مما يقوله خلق من العلماء الحنابلة والمحدثين: من أن الصفات الثابت محمولة على الحقيقة، لا على المجاز، أعني أنها تجري على مواردها، لا يعبر عنها بعبارات أخرى، كما فعلته المعتزلة، أو المتأخرون من الأشعرية. هذا مع أن صفاته تعالى لا يماثلها شيء".

стр. 76

٧٦ - قول الإمام موفق الدين ابن قدامة المقدسي (المتوفى: ٦٢٠): قال ابن قدامة في لمعة الاعتقاد (ص: ٤٥): "وعلى هذا درج السلف وأئمة الخلف ﵃، كلهم متفقون على الإقرار والإمرار والإثبات، لما ورد من الصفات في كتاب الله وسنة رسوله من غير تعرض لتأويله". وقال أيضًا في لمعة الاعتقاد (ص: ٦٤) بعد أن ذكر صفات الله الواردة في القرآن وهي الوجه واليدين والنفس والمجيء والإتيان والرضى والمحبة والغضب والسخط، والصفات الواردة في السنة وهي النزول والضحك والعجب: "فهذا وما أشبهه مما صح سنده وعدلت رواته، نؤمن به ولا نرده ولا نجحده، ولا نتأوله بتأويل يخالف ظاهره (١)، ولا نشبهه بصفات المخلوقين ولا بسمات المحدثين". وقال أيضًا في ذم التأويل (ص: ١١): "ومذهب السلف رحمة الله عليهم الإيمان بصفات الله تعالى وأسمائه التي وصف بها نفسه في آياته وتنزيله، أو على لسان رسوله، من غير زيادة عليها ولا نقص منها ولا تجاوز لها، ولا تفسير ولا تأويل لها بما يخالف ظاهرها، ولا تشبيه بصفات المخلوقين، ولا سمات المحدثين، بل أمرّوها كما جاءت، وردّوا علمها إلى قائلها ومعناها (٢) إلى المتكلِّم بها. وقال بعضهم: ويروى ذلك عن الشافعي رحمة الله عليه: آمنت بما جاء عن الله على مراد الله، وبما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ . وعلموا أنّ المتكلم بها صادق لا شك في صدقه فصدقوه، ولم يعلموا حقيقة معناها (٣) فسكتوا عما لم يعلموه، وأخذ ذلك الآخر والأول". وقال في إثبات صفة العلو (ص: ٦٣): "فإن الله تعالى وصف نفسه بالعلو في السماء، ووصفه بذلك محمد خاتم الأنبياء، وأجمع على ذلك جميع العلماء من الصحابة الأتقياء والأئمة من الفقهاء، وتواترت الأخبار بذلك على وجه حصل به اليقين، وجمع الله تعالى عليه قلوب المسلمين، وجعله مغروزا في طباع الخلق أجمعين، فتراهم عند نزول الكرب بهم يلحظون السماء بأعينهم، ويرفعون نحوها للدعاء أيديهم، وينتظرون مجيء الفرج من ربهم، وينطقون بذلك بألسنتهم لا ينكر ذلك إلا مبتدع غال في بدعته، أو مفتون بتقليده واتباعه على ضلالته". وقال أيضًا في إثبات صفة العلو (ص: ٦٥): "وأخبر عن فرعون أنه قال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَّعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ يعني أظن موسى كاذبا في أن الله إلهه في السماء. والمخالف في هذه المسالة قد أنكر هذا، يزعم أن موسى كاذب في هذا بطريق القطع واليقين، مع مخالفته لرب العالمين، وتخطئته لنبيه الصادق الأمين، وتركه منهج الصحابة والتابعين والأئمة السابقين وسائر الخلق أجمعين".

стр. 77

٧٧ - قول الحافظ أبي العباس القرطبي (المتوفى: ٦٥٦): قال القرطبي في المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (٩/ ٤٢٦ - ٤٢٧): "ثم إنهم [أي: المتكلمين] أخذوا يبحثون فيما أمسك عن البحث فيه السلف الصالح، ولم يوجد عنهم فيه بحث واضح، وهو كيفية تعلقات صفات الله تعالى، وتعديدها، واتخاذها في أنفسها، وأنها هي الذات أو غيرها، ... إلى غير ذلك من الأبحاث المبتدعة التي لم يأمر الشرع بالبحث عنها، وسكت أصحاب النبي ﷺ ومن سلك سبيلهم عن الخوض فيها؛ لعلمهم بأنها بحث عن كيفية ما لا تعلم كيفيته، فإنَّ العقول لها حد تقف عنده، وهو العجز عن التكييف لا يتعداه، ولا فرق بين البحث في كيفية الذات وكيفية الصفات، ولذلك قال العليم الخبير: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ ولا تبادر بالإنكار فنل [مثل] الأغبياء الأغمار، فإنك قد حجبت عن كيفية حقيقة نفسك مع علمك بوجودها، وعن كيفية إدراكاتك، مع أنك تدرك بها. فإذا عجزت عن إدراك كيفية ما بين جنبيك، فأنت عن إدراك ما ليس كذلك أعجز".

стр. 78

٧٨ - قول الإمام أبي طاهر القرشي (المتوفى: ٦٦٩): قال أبو طاهر القرشي في بيان اعتقاد أهل الإيمان (ص:٣٤): "وأنّ جميع صفاته المذكورة في كتابه، والمروية عن رسول الله ﷺ في تضاعيف خطابه، هي كما ذُكرت، تمر كما جاءت على ما وردت، من غير تأويل ولا تعطيل ولا تبديل ولا تحويل، بل يجب الإيمان بظاهرها، ولا يجوز السؤال عن كشف غامرها".

стр. 79

٧٩ - قول المفسر أبي عبد الله القرطبي (المتوفى: ٦٧١): قال أبو عبد الله القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢١٩): "ولم يُنكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة، وخصّ العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته، وإنما جهلوا كيفية الاستواء، فإنه لا تعلم حقيقته. قال مالك ﵀: الاستواء معلوم- يعني في اللغة- والكيف مجهول". وقال أيضًا (٧/ ٢٧٨): "ثُمَّ قَالَ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾ وتجلّى معناه ظهر، من قولك: جلوت العروس أي أبرزتها. وجلوت السيف أبرزته من الصدأ، جلاء فيهما. وتجلى الشيء انكشف".

стр. 80

٨٠ - قول الإمام أحمد بن حمدان بن شبيب الحنبلي (المتوفى: ٦٩٥): قال ابن حمد ان في نهاية المبتدئين في أصول الدين (ص: ٣٠): "ونجزم أنه في السماء، وأنه استوى على العرش بلا كيف، بل على ما يليق به في ذلك كله، ولا نتأول ذلك، ولا نفسره، ولا نكيفه".

стр. 81

٨١ - قول الإمام علي بن محمد المشهور بابن المنيّر (المتوفى: ٦٩٩): قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٣/ ٣٩٠): "قال [أي: ابن المنيّر]: ولأهل الكلام في هذه الصفات كالعين والوجه واليد ثلاثة أقوال: أحدها: أنها صفات ذات أثبتها السمع ولا يهتدي إليها العقل. والثاني: أن العين كناية عن صفة البصر، واليد كناية عن صفة القدرة، والوجه كناية عن صفة الوجود. والثالث: إمرارها على ما جاءت مفوضا معناها إلى الله تعالى" (١).

стр. 82

٨٢ - قول العلامة أحمد بن إبراهيم، عماد الدين الواسطي الشافعي الصوفي، المعروف بابن شيخ الحزامية (المتوفى: ٧١١ هـ): قال أحمد بن إبراهيم الواسطي في النصيحة في صفات الرب جل وعلا (ص: ٢٣ - ٢٤): "حياته معلومة وليست مكيفة، وعلمه معلوم وليس مكيفا، وكذلك سمعه وبصره معلومان، ليس جميع ذلك أعراضا، بل هو كما يليق به. ومثل ذلك بعينه فوقيته واستواؤه ونزوله، ففوقيته معلومة أعني ثابتة كثبوت حقيقة السمع وحقيقة البصر فإنهما معلومان ولا يكيفان، كذلك فوقيته معلومة ثابتة غير مكيفة كما يليق به، واستواؤه على عرشه معلوم غير مكيف بحركة أو انتقال يليق بالمخلوق، بل كما يليق بعظمته وجلال صفاته، معلومة من حيث الجملة والثبوت، غير معلومة من حيث التكييف والتحديد، فيكون المؤمن بها مبصرا بها من وجه، أعمى من وجه، مبصرا من حيث الإثبات والوجود، أعمى من حيث التكييف والتحديد وبهذا يحصل الجمع بين الإثبات لما وصف الله تعالى نفسه به، وبين نفي التحريف والتشبيه والوقوف، وذلك هو مراد الرب تعالى منا في إبراز صفاته لنا لنعرفه به ونؤمن بحقائقها وننفي عنها التشبيه ولا نعطلها بالتحريف والتأويل. ولا فرق بين الاستواء والسمع، ولا بين النزول والبصر، الكل ورد به النص. فإن قالوا لنا في الاستواء: شبّهتم؟ نقول لهم في السمع: شبهتم ووصفتم ربكم بالعرض. فإن قالوا: لا عرض، بل كما يليق به. قلنا في الاستواء والفوقية: لا حصر، بل كما يليق به. فجميع ما يلزمونا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم. فكما لا يجعلونها هم أعراضا. كذلك نحن لا نجعلها جوارح ولا ما يوصف به المخلوق. وليس من الإنصاف أن يفهموا في الاستواء والنزول والوجه واليد صفات المخلوقين فيحتاجوا إلى التأويل والتحريف. فإن فهموا في هذه الصفات ذلك فيلزمهم أن يفهموا في الصفات السبع صفات المخلوقين من الأعراض. فما يلزمونا في تلك الصفات من التشبيه والجسمية، نلزمهم به في هذه الصفات من العرضية، وما ينزهوا ربهم به في الصفات السبع، وينفون عنه عوارض الجسم فيها، فكذلك نحن نعمل في تلك الصفات التي ينسبونا فيها إلى التشبيه سواء بسواء. ومن أنصف عرف ما قلنا واعتقده وقَبِل نصيحتنا ودان لله بإثبات جميع صفاته هذه وتلك، ونفى عن جميعها التشبيه والتعطيل والتأويل والوقوف، وهذا مراد الله منا في ذلك؛ لأن هذه الصفات وتلك جاءت في موضع واحد، وهو الكتاب والسنة، فإذا أثبتنا تلك بلا تأويل، وحرفنا هذه وأوّلناها كنا كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض". وقال (ص: ٢١): "وأثبتنا علو ربنا وفوقيته واستواءه على عرشه كما يليق بجلاله وعظمته، والحق واضح في ذلك والصدر ينشرح له، فإن التحريف تأباه العقول الصحيحة مثل تأويل الاستواء بالاستيلاء وغيره، والوقوف في ذلك جهل وعيّ، مع أن الرب سبحانه وصف لنا نفسه بهذه الصفات لنعرفه بها، فوقوفنا عن إثباتها ونفيها عدول عن المقصود منه في تعريفنا إياه، فما وصف لنا نفسه بها إلا لنثبت ما وصف به نفسه، ولا نقف في ذلك". وقال: (ص: ٣٠): "فرحم الله عبدا وصلت إليه هذه الرسالة ولم يعاجلها بالإنكار، وافتقر إلى ربه في كشف الحق آناء الليل وأطراف النهار، وتأمل النصوص في الصفات، وفكر بعقله في نزولها، وفي المعنى الذي نزلت له، وما الذي أريد بعلمها من المخلوقات، ومن فتح الله قلبه عرف أنه ليس المراد إلا معرفة الرب بها والتوجه إليه منها وإثباته له بحقائقها وأعيانها كما يليق بجلاله وعظمته، بلا تأويل ولا تعطل ولا تكييف ولا تمثيل ولا جمود ولا وقوف".

стр. 83

٨٣ - قول الإمام سليمان بن عبد القوي، نجم الدين الطوفي (المتوفى: ٧١٦): قال العلامة الطوفي في قواعد وجوب الاستقامة والاعتدال كما في أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات لمرعي الكرمي (ص: ٢٠٠): "والمشهور عند أصحاب الإمام أحمد أنهم لا يتأوّلون الصفات التي من جنس الحركة كالمجيء والإتيان والنزول والهبوط والدنو والتدلي كما لا يتأولون غيرها متابعة للسلف الصالح. قال: وكلام السلف في هذا الباب يدل على إثبات المعنى المتنازع فيه، قال الأوزاعي لما سئل عن حديث النزول؟ يفعل الله ما يشاء. وقال حماد بن زيد: يدنو من خلقه كيف يشاء. قال: وهو الذي حكاه الأشعري عن أهل السنة والحديث ... ". وقال مرعي الكرمي في أقاويل الثقات (ص: ٧٧ - ٧٨): "قال العلامة الطوفي: ذهب طوائف من المتكلمين والفقهاء إلى أن الله تعالى لا يُحَب، وإنما محبته محبة طاعته وعبادته. وقالوا: هو أيضًا لا يُحِب عباده المؤمنين، وإنما محبته إرادته الإحسان إليهم. قال: والذي دل عليه الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة وأئمتها وجميع مشايخ الطريق أن الله تعالى يُحِب ويُحَب لذاته، وأما حب ثوابه فدرجة نازلة. قال: وأول من أنكر المحبة في الإسلام الجعد بن درهم أستاذ الجهم بن صفوان، فضحى به خالد بن عبد الله القسري، وقال: أيها الناس ضحوا تقبل الله ضحاياكم فإني مضح بالجعد ابن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما. ثم نزل فذبحه برضا علماء الإسلام".

стр. 84

٨٤ - قول شيخ الإسلام ابن تيمية (المتوفى: ٧٢٨): قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٦ - ٣٧): "فالاستواء معلوم - يُعلم معناه ويفسّر ويترجم بلغة أخرى - وهو من التأويل الذي يعلمه الراسخون في العلم، وأما كيفية ذلك الاستواء فهو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى". وقال أيضًا كما في مجموع الفتاوى (١٧/ ٣٧٤): "وأما نفس المعنى الذي بيّنه الله فيعلمه الناس كلٌ على قدر فهمه، فإنهم يفهمون معنى السمع ومعنى البصر، وأن مفهوم هذا ليس هو مفهوم هذا، ويعرفون الفرق بينهما، وبين العليم والقدير وإن كانوا لا يعرفون كيفية سمعه وبصره. بل الروح التي فيهم يعرفونها من حيث الجملة ولا يعرفون كيفيتها. كذلك يعلمون معنى الاستواء على العرش، وأنه يتضمن علو الرب على عرشه وارتفاعه عليه كما فسره بذلك السلف قبلهم، وهذا معنى معروف من اللفظ لا يحتمل في اللغة غيره كما قد بسط في موضعه، ولهذا قال مالك: الاستواء معلوم". وقال أيضًا كما في مجموع الفتاوى (٥/ ٤١ - ٤٢): "فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب موافق لقول الباقين: "أمروها كما جاءت بلا كيف" فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة. ولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه - على ما يليق بالله - لَمَا قالوا الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولَمَا قالوا "أمروها كما جاءت بلا كيف"؛ فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلوما، بل مجهولا بمنزلة حروف المعجم. وأيضا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ معنى، وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات. وأيضا: فإن من ينفي الصفات الخبرية أو الصفات مطلقا لا يحتاج إلى أن يقول بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا: "بلا كيف". وأيضا: فقولهم: "أمرّوها كما جاءت" يقتضي إبقاء دلالتها على ما هي عليه، فإنها جاءت ألفاظ دالة على معان، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمرّوا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أُمرّت كما جاءت ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول". وقال أيضًا كما في مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٠٨ - ٣١٠): "وكذلك الأئمة كانوا إذا سئلوا عن شيء من ذلك لم ينفوا معناه، بل يثبتون المعنى وينفون الكيفية، كقول مالك بن أنس لما سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك ربيعة قبله. وقد تلقى الناس هذا الكلام بالقبول، فليس في أهل السنة من ينكره. وقد بيّن أن الاستواء معلوم كما أن سائر ما أخبر به معلوم، ولكن الكيفية لا تعلم، ولا يجوز السؤال عنها، لا يقال: كيف استوى؟ ولم يقل مالك الكيف معدوم، وإنما قال: الكيف مجهول. وهذا فيه نزاع بين أصحابنا وغيرهم من أهل السنة غير أن أكثرهم يقولون: لا تخطر كيفيته ببال، ولا تجري ماهيته في مقال. ومنهم من يقول: ليس له كيفية ولا ماهية. فإن قيل: معنى قوله: "الاستواء معلوم" أن ورود هذا اللفظ في القرآن معلوم كما قاله بعض أصحابنا الذين يجعلون معرفة معانيها من التأويل الذي استأثر الله بعلمه. قيل: هذا ضعيف؛ فإن هذا من باب تحصيل الحاصل، فإن السائل قد علم أن هذا موجود في القرآن وقد تلا الآية. وأيضا فلم يقل: ذكر الاستواء في القرآن ولا إخبار الله بالاستواء، وإنما قال: الاستواء معلوم. فأخبر عن الاسم المفرد أنه معلوم، لم يخبر عن الجملة. وأيضا فإنه قال: "والكيف مجهول" ولو أراد ذلك لقال: "معنى الاستواء مجهول، أو تفسير الاستواء مجهول، أو بيان الاستواء غير معلوم"، فلم ينف إلا العلم بكيفية الاستواء لا العلم بنفس الاستواء. وهذا شأن جميع ما وصف الله به نفسه لو قال في قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ كيف يسمع، وكيف يرى؟ لقلنا: السمع والرؤيا معلوم، والكيف مجهول. ولو قال: كيف كلم موسى تكليما؟ لقلنا: التكليم معلوم، والكيف غير معلوم. وأيضا فإن من قال هذا من أصحابنا وغيرهم من أهل السنة: يقرون بأن الله فوق العرش حقيقة، وأن ذاته فوق ذات العرش، لا ينكرون معنى الاستواء، ولا يرون هذا من المتشابه الذي لا يعلم معناه بالكلية. ثم السلف متفقون على تفسيره بما هو مذهب أهل السنة". وقال أيضًا كما في شرح حديث النزول (ص: ٣٢): "وهكذا سائر الأئمة، قولهم يوافق قول مالك في أنا لا نعلم كيفية استوائه كما لا نعلم كيفية ذاته، ولكن نعلم المعنى الذي دل عليه الخطاب، فنعلم معنى الاستواء، ولا نعلم كيفيته، وكذلك نعلم معنى النزول، ولا نعلم كيفيته، ونعلم معنى السمع والبصر والعلم والقدرة، ولا نعلم كيفية ذلك، ونعلم معنى الرحمة والغضب والرضا والفرح والضحك، ولا نعلم كيفية ذلك". وقال أيضًا كما في مجموع الفتاوى (٥/ ١٨١): "فقد أخبر [أي: الإمام مالك] ﵁ بأن نفس الاستواء معلوم، وأن كيفية الاستواء مجهولة، وهذا بعينه قول أهل الإثبات. وأما النفاة فما يثبتون استواء حتى تجهل كيفيته، بل عند هذا القائل الشاك وأمثاله أن الاستواء مجهول غير معلوم، وإذا كان الاستواء مجهولا لم يحتج أن يقال: الكيف مجهول، لا سيما إذا كان الاستواء منتفيا، فالمنتفي المعدوم لا كيفية له حتى يقال هي مجهولة أو معلومة. وكلام مالك صريح في إثبات الاستواء وأنه معلوم، وأن له كيفية، لكن تلك الكيفية مجهولة لنا لا نعلمها نحن، ولهذا بدّع السائل الذي سأله عن هذه الكيفية؛ فإن السؤال إنما يكون عن أمر معلوم لنا، ونحن لا نعلم كيفية استوائه، وليس كل ما كان معلوما وله كيفية تكون تلك الكيفية معلومة لنا". وقال أيضًا كما في مجموع الفتاوى (٦/ ٣٦٢ - ٣٦٣): "قلتُ: ونحن نتكلم على صفة من الصفات ونجعل الكلام فيها أنموذجا يحتذى عليه ونعبّر بصفة "اليد" وقد قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وَقَالَ تَعَالَى لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ وَقَالَ: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ وقد تواتر في السنة مجيء "اليد" في حديث النبي ﷺ . فالمفهوم من هذا الكلام: أن لله تعالى يدين مختصتين به ذاتيتين له كما يليق بجلاله، وأنه سبحانه خلق آدم بيده دون الملائكة وإبليس، وأنه سبحانه يقبض الأرض ويطوي السموات بيده اليمنى وأن ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ ومعنى بسطهما بذل الجود وسعة العطاء ... فالقائل إن زعم أنه ليس له يد من جنس أيدي المخلوقين وأن يده ليست جارحة فهذا حق. وإن زعم أنه ليس له يد زائدة على الصفات السبع فهو مبطل فيحتاج إلى تلك المقامات الأربعة ... ". وقال أيضًا في الإكليل في المتشابه والتأويل (ص: ٣٣ - ٣٤): "وأما إدخال أسماء الله وصفاته أو بعض ذلك في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله ... فنقول: أما الدليل على بطلان ذلك فإني ما أعلم عن أحد من سلف الأمة ولا من الأئمة لا أحمد بن حنبل ولا غيره أنه جعل ذلك من المتشابه الداخل في هذه الآية ونفى أن يعلم أحد معناه. وجعلوا أسماء الله وصفاته بمنزلة الكلام الأعجمي الذي لا يفهم ولا قالوا: إن الله ينزل كلاما لا يفهم أحد معناه، وإنما قالوا كلمات لها معان صحيحة. قالوا في أحاديث الصفات: تمر كما جاءت. ونهوا عن تأويلات الجهمية وردوها وأبطلوها التي مضمونها تعطيل النصوص عما دلت عليه. ونصوص أحمد والأئمة قبله بينة في أنهم كانوا يبطلون تأويلات الجهمية ويقرون النصوص على ما دلت عليه من معناها، ويفهمون منها بعض ما دلت عليه كما يفهمون ذلك في سائر نصوص الوعد والوعيد والفضائل وغير ذلك. وأحمد قد قال في غير أحاديث الصفات: "تمر كما جاءت"، وفي أحاديث الوعيد مثل قوله: «من غشنا فليس منا»، وأحاديث الفضائل، ومقصوده بذلك أن الحديث لا يحرّف كلمه عن مواضعه كما يفعله من يحرفه ويسمى تحريفه تأويلا بالعرف المتأخر. فتأويل هؤلاء المتأخرين عند الأئمة تحريف باطل، وكذلك نص أحمد في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية أنهم تمسكوا بمتشابه القرآن، وتكلم أحمد على ذلك المتشابه وبيَّنَ معناه وتفسيره بما يخالف تأويل الجهمية، وجرى في ذلك على سنن الأئمة قبله. فهذا اتفاق من الأئمة على أنهم يعلمون معنى هذا المتشابه وأنه لا يسكت عن بيانه وتفسيره، بل يبين ويفسر باتفاق الأئمة من غير تحريف له عن مواضعه أو إلحاد في أسماء الله وآياته. ومما يوضح لك ما وقع هنا من الاضطراب أن أهل السنة متفقون على إبطال تأويلات الجهمية ونحوهم من المنحرفين الملحدين. والتأويل المردود هو صرف الكلام عن ظاهره إلى ما يخالف ظاهره. فلو قيل إن هذا هو التأويل المذكور في الآية وأنه لا يعلمه إلا الله لكان في هذا تسليم للجهمية أن للآية تأويلا يخالف دلالتها، لكن ذلك لا يعلمه إلا الله، وليس هذا مذهب السلف والأئمة، وإنما مذهبهم نفي هذه التأويلات وردها، لا التوقف فيها، وعندهم قراءة الآية والحديث تفسيرها وتمرّ كما جاءت دالة على المعاني لا تحرّف ولا يلحد فيها". وقال أيضًا كما في مجموع الفتاوى (٤/ ٤): "وهذا الجواب من مالك ﵀ في الاستواء شاف كاف في جميع الصفات، مثل النزول والمجيء واليد والوجه وغيرها. فيقال في مثل النزول: النزول معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وهكذا يقال في سائر الصفات؛ إذ هي بمثابة الاستواء الوارد به الكتاب والسنة". وقال أيضًا في درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧٨ - ٢٧٩): "والآيات التي ذكر الله فيها أنها متشابهات لا يعلم تأويلها إلا الله، إنما نفى عن غيره علم تأويلها، لا علم تفسيرها ومعناها، كما أنه لما سئل مالك رضي الله تعالى عنه عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ كيف استوى؟ قال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة ـ وكذلك ربيعة قبله ـ فبين مالك أن معنى الاستواء معلوم، وأن كيفيته مجهولة، فالكيف المجهول هو من التأويل الذي لا يعلمه إلا الله، وأما ما يعلم من الاستواء وغيره فهو من التفسير الذي بينه الله ورسوله. والله تعالى قد أمرنا أن نتدبر القرآن، وأخبر أنه أنزله لتعقله، ولا يكون التدبر والعقل إلا لكلام بيّن المتكلم مراده به، فأما من تكلم بلفظ يحتمل معاني كثيرة ولم يبين مراده منها فهذا لا يمكن أن يتدبر كلامه، ولا يعقل". وقال في درء تعارض العقل والنقل (٢/ ٣٥): "قال مالك وربيعه وغيرهما: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، فبين أن كيفية استواءه مجهولة للعباد، فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر، ولكن نفوا علم الخلق به". وقال في بيان تلبيس الجهمية (١/ ١٩٧ - ١٩٨) [تحقيق: محمد بن عبد الرحمن بن قاسم]: "السلف والأئمة نفوا علمنا الآن بكيفيته، كقول مالك ﵀ "الاستواء معلوم، والكيف مجهول"، لم ينفوا أن يكون في نفس الأمر له حقيقة يعلمها هو، ... ولكن نفي الشيء غير نفي العلم به". وقال في الفتوى الحموية الكبرى (ص: ٥٥): "وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ صِفَاتِ كُلِّ مَوْصُوفٍ تُنَاسِبُ ذَاتَه وَتُلَائِمُ حَقِيقَتَهُ، فَمَنْ لَمْ يَفْهَمْ مِنْ صِفَاتِ الرَّبِّ - الَّذِي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ - إلَّا مَا يُنَاسِبُ الْمَخْلُوقَ فَقَدْ ضَلَّ فِي عَقْلِهِ وَدِينِهِ. وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ: إذا قَالَ لَك الجهمي: كَيْفَ اسْتَوَى، أَوْ كَيْفَ يَنْزِلُ إلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا، أَوْ كَيْفَ يَدَاهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ؟ فَقُلْ لَهُ: كَيْفَ هُوَ فِي ذَاتِهِ؟ فَإِذَا قَالَ لَك: لَا يَعْلَمُ مَا هُوَ إلَّا هُوَ، وَكُنْهُ الْبَارِي تَعَالَى غَيْرَ مَعْلُومٍ لِلْبَشَرِ. فَقُلْ لَهُ: فَالْعِلْمُ بِكَيْفِيَّةِ الصِّفَةِ مُسْتَلْزِمٌ لِلْعِلْمِ بِكَيْفِيَّةِ الْمَوْصُوفِ، فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ تَعْلَمَ كَيْفِيَّةَ صِفَةٍ لِمَوْصُوفِ لَمْ تَعْلَمْ كَيْفِيَّتَهُ، وَإِنَّمَا تَعْلَمُ الذَّاتَ وَالصِّفَاتِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَنْبَغِي لَك". وقال في بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٨/ ٥٤٠): الوجه الثالث قوله [أي: الرازي] عن مذهبهم [أي: السلف] إنه يجب القطع أن مراد الله تعالى منها غير ظاهرها، ويجب تفويض معناها إلى الله تعالى. فيقال: هذا الذي لا يُعرف عن أحد من السلف رحمهم الله تعالى، لا يعرف عن أحد منهم أنه قال: يجب القطع بأن مراد الله منها غير ظاهرها، ثم يجب تفويض معناها إلى الرب تعالى، بل المعروف عن السلف نفي تشبيهها ومماثلتها بصفات المخلوقين".

стр. 85

٨٥ - قول الحافظ محمد بن عبد الهادي (المتوفى: ٧٤٤): قال ابن عبد الهادي الصارم المنكي (ص: ٢٢٩): "واعلم أن السلف الصالح ومن سلك سبيلهم من الخلف متفقون على إثبات نزول الرب ﵎ كل ليلة إلى السماء الدنيا وكذلك هم مجمعون على إثبات الإتيان والمجيء، وسائر ما ورد من الصفات في الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تمثيل، ولم يثبت عن أحد من السلف أنه تأول شيئاً من ذلك". وقال أيضًا في الصارم المنكي (ص: ٢٣٠): "قال أبو الطيب أحمد بن عثمان: حضرت عند أبي جعفر الترمذي فسأله سائل عن حديث النبي ﷺ : إن الله ينزل إلى سماء الدنيا، فالنزول كيف يكون، يبقى فوقه علو؟ فقال أبو جعفر الترمذي: النزول معقول، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وأبو جعفر هذا اسمه محمد بن أحمد بن نصر، وكان من كبار فقهاء الشافعية ومن أهل العلم والفضل والزهد في الدنيا، أثنى عليه الدارقطني وغيره، وقد قال في النزول كما قال مالك ﵀ في الاستواء، وهكذا القول في سائر الصفات". ونقل (ص: ٢٣٢ - ٢٣٣) عن القائلين بنزول الرب ﵎ مع عدم خلو العرش أنهم قالوا: "وما ذكره مخالفنا من أنا ننفي معنى النزول بالكلية أو نفسره بأمر لا يعقل، باطل، بل النزول عندنا أمر معلوم معقول غير مجهول، وهو قرب الرب ﵎ من خلقه كيف يشاء، وقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: ينزل ربنا، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ وقد ثبت أن الذي تجلى منه مثل الخنصر، أو مثل طرف الخنصر مع إضافة التجلي إليه، فكذلك النزول من غير فوق، ولا يلزمنا على هذا ما لزمكم من إحاطة المخلوق بالخالق وكونه غير عليّ عظيم". ونقل (ص: ٢٣١) عن القائلين بخلو العرش قولهم: "وقد عُلم أنّ نزول الرب ﵎ أمر معلوم معقول كاستوائه وباقي صفاته، وإن كانت الكيفية مجهولة غير معقولة، وهو ثابت حقيقة لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة".

стр. 86

٨٦ - قول الحافظ أبي عبد الله الذهبي مؤرخ الإسلام (المتوفى: ٧٤٨): قال الذهبي في العلو للعلي الغفار (ص: ٢٥١): "فتفرع من هذا أن الظاهر يُعنى به أمران: أحدهما: أنه لا تأويل لها غير دلالة الخطاب كما قال السلف: الاستواء معلوم، وكما قال سفيان وغيره "قرآءتها تفسيرها"، يعني أنها بينّة واضحة في اللغة لا يبتغى بها مضائق التأويل والتحريف، وهذا هو مذهب السلف مع اتفاقهم أيضا أنها لا تُشبه صفات البشر بوجه؛ إذ الباري لا مثل له لا في ذاته ولا في صفاته". وقال أيضًا في العلو للعلي الغفار (ص: ١٣) بعد ذكره لآيات العلو: "فإننا على أصل صحيح وعقد متين من أن الله تقدس اسمه لا مثل له، وأن إيماننا بما ثبت من نعوته كإيماننا بذاته المقدسة؛ إذ الصفات تابعة للموصوف، فنعقل وجود الباري ونميز ذاته المقدسة عن الأشباه من غير أن نتعقل الماهية، فكذلك القول في صفاته، نؤمن بها، ونعقل وجودها، ونعلمها في الجملة من غير أن نتعقلها أو نشبهها أو نكيفها أو نمثلها بصفات خلقه. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا". وقال في كتاب العرش (٢/ ٢٣٤) بعد ذكره لقول مالك المتقدم: "وقد تقدم نحوه عن أم سلمة، ووهب بن منبه، وربيعة الرأي. فانظر إليهم كيف أثبتوا الاستواء لله، وأخبروا أنه معلوم لا يحتاج لفظه إلى تفسير، ونفوا الكيفية عنه، وأخبروا أنها مجهولة". وقال في العلو للعلي الغفار (ص: ١٣٩): "وهو [أي قول مالك في الاستواء] قول أهل السنة قاطبة أنّ كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق ولا نتحذلق، ولا نخوض في لوازم ذلك نفيا ولا إثباتا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينا مع ذلك أن الله ﷻ لا مثل له في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا". وقال في العلو للعلي الغفار (ص: ٢٥٤) بعد أن ذكر قول الخطيب البغدادي في إمرار أحاديث الصفات على ظاهرها، وأن الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات: "وقال نحو هذا القول قبل الخطيب الخطابي أحد الأعلام. وهذا الذي علمت من مذهب السلف. والمراد بظاهرها أي لا باطن لألفاظ الكتاب والسنة غير ما وُضعت له كما قال مالك وغيره الاستواء معلوم. وكذلك القول في السمع والبصر والعلم والكلام والإرادة والوجه ونحو ذلك هذه الأشياء معلومة فلا تحتاج إلى بيان وتفسير، لكن الكيف في جميعها مجهول عندنا. والله أعلم". وقال في المهذب في اختصار سنن البيهقي (٨/ ٩٤٤١) عند تعقبه تأويل البيهقي لصفة الفرح لله تعالى: "قلتُ: ليت المؤلف سكت؛ فإن الحديث من أحاديث الصفات التي تمر على ما جاءت كما هو معلوم من مذهب السلف، والتأويل الذي ذكره ليس بشيء، فإن يُسأل عن معنى الرضا فيؤوله بمعنى الإرادة, والنبي ﷺ قد جعل فرح الخالق أشد من فرح الذي ضلت راحلته، فتأمل هذا وكف, واعلم أنّ نبيك لا يقول إلا حقا، فهو أعلم بما يجب لله وما يمتنع عليه من جميع الخلق". وقال في سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٣٢): "قلتُ: قد صار الظاهر اليوم ظاهرين: أحدهما حق، والثاني باطل. فالحق أن يقول: إنه سميع بصير، مريد متكلم، حي عليم، كل شيء هالك إلا وجهه، خلق آدم بيده، وكلم موسى تكليما، واتخذ إبراهيم خليلا، وأمثال ذلك، فنمرّه على ما جاء، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى، ولا نقول: له تأويل يخالف ذلك. والظاهر الآخر وهو الباطل، والضلال: أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد، وتمثل البارئ بخلقه، تعالى الله عن ذلك، بل صفاته كذاته، فلا عدل له، ولا ضد له، ولا نظير له، ولا مثيل له، ولا شبيه له، وليس كمثله شيء، لا في ذاته، ولا في صفاته، وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي. والله أعلم". وقال في سير أعلام النبلاء (٩/ ٢٧) بعد ذكره لقول نعيم بن حماد: "من شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه": "قلتُ: هذا الكلام حق, نعوذ بالله من التشبيه, ومن إنكار أحاديث الصفات, فما ينكر الثابت منها مَن فقُه, وإنما بعد الإيمان بها هنا مقامان مذمومان: تأويلها وصرفها عن موضوع الخطاب, فما أولها السلف ولا حرّفوا ألفاظها عن مواضعها، بل آمنوا بها، وأمرّوها كما جاءت. المقام الثاني: المبالغة في إثباتها، وتصورها من جنس صفات البشر، وتشكلها في الذهن، فهذا جهل وضلال، وإنما الصفة تابعة للموصوف، فإذا كان الموصوف لم نره، ولا أخبرنا أحد أنه عاينه مع قوله لنا في تنزيله: ﴿ليْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فكيف بقي لأذهاننا مجال في إثبات كيفية البارئ تعالى الله عن ذلك، فكذلك صفاته المقدسة نقر بها، ونعتقد أنها حق ولا نمثلها أصلا ولا نتشكلها". وقال أيضًا في العلو للعلي الغفار (ص: ٢٦٥ - ٢٦٦): "وتكلّم الرب به [أي: القرآن] صفة من صفاته التي من لوازم ذاته المقدسة، فلا نعلم كيفية ذلك". وقال أيضًا في رسالته إثبات صفة اليد (ص: ٤٢، ٤٦) [ضمن مجموع رسائل بتحقيق: عبد الله البراك] بعد ذكره للآيات والأحاديث والآثار: "فإن قيل: لا تكون اليد حقيقة إلا جارحة وجسما. قيل: فما تقولون في يدي الله تعالى؟ فإن قالوا: نقول: بمعنى القدرة. قيل: فالقدرة لا تكون [إلا] عرضا، ولا تُعقل إلا عرضًا. فإن قالوا: إنما تكون عرضًا فينا. قلنا: إنما تكون جارحة فينا ... ولِمَ قلتم أيضًا: إن اليد إنما تكون حقيقة هذه الجارحة، بل إنما اليد لفظ مشترك، وهي بحسب ما تضاف إليه ومن جنس ما توصف بها، فإن كان الموصوف بها حيواناً كانت جارحة، وإن كان تمثالاً من صفراء وحجر كانت صفراء وحجر، وإن كان تمثالاً عرضاً في حائط كانت عرضاً في حائط، وإن كان ليس كمثله شيء وليس بجسم كانت ليس كمثلها شيء وليست بجسم ... فنقول: لله تعالى يد حقيقة تليق به، ولا يلزم من ذلك محذور من تشبيه أو تجسيم".

стр. 87

٨٧ - قول الحافظ ابن القيم (المتوفى: ٧٥١): قال ابن القيم في مدارج السالكين (٢/ ٨٥ - ٨٦): "حفظ حرمة نصوص الأسماء والصفات بإجراء أخبارها على ظواهرها، وهو اعتقاد مفهومها المتبادر إلى أذهان العامة، ولا يعني بالعامة الجهال بل عامة الأمة كما قال مالك ﵀ ... ففرَّق بين المعنى المعلوم من هذه اللفظة، وبين الكيف الذي لا يعقله البشر، وهذا الجواب من مالك ﵁ شاف عام في جميع مسائل الصفات. فمن سأل عن قوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ كيف يسمع ويرى؟ أجيب بهذا الجواب بعينه، فقيل له: السمع والبصر معلوم، والكيف غير معقول. وكذلك من سأل عن العلم والحياة والقدرة والإرادة والنزول والغضب والرضى والرحمة والضحك وغير ذلك، فمعانيها كلها مفهومة، وأما كيفيتها فغير معقولة؛ إذ تعقّل الكيفية فرع العلم بكيفية الذات وكنهها، فإذا كان ذلك غير معقول للبشر فكيف يعقل لهم كيفية الصفات" (١). وقال في اجتماع الجيوش الإسلامية (ص: ١٣٧) بعد ذكره لكلام الإمام الحميدي شيخ البخاري: "ونقول: الرحمن على العرش استوى، ومن زعم غير هذا فهو مبطل جهمي" قال: "وليس مقصود السلف بأن مَن أنكر لفظ القرآن يكون جهميا مبتدعا فإنه يكون كافرا زنديقا، وإنما مقصودهم من أنكر معناه وحقيقته". وقال أيضًا كما في مختصر الصواعق المرسلة (ص: ٣٨٥): "الوجه الرابع والثلاثون: أن نقل معنى الاستواء وحقيقته كنقل لفظه بل أبلغ، فإن الأمة كلها تعلم بالضرورة أن الرسول ﷺ أخبر عن ربه بأنه استوى على عرشه، من يحفظ القران منهم ومن لا يحفظه، وهذا المعنى عندهم -كما قال مالك وأئمة السنة: الاستواء معلوم- غير مجهول، كما أن معنى السمع والبصر والقدرة والحياة والإرادة وسائر ما أخبر به عن نفسه معلوم، وإن كانت كيفيته غير معلومة للبشر، فإنهم لم يخاطبوا بالكيفية ولم يرد منهم العلم بها، فإخراج الاستواء عن حقيقته المعلومة كإنكار ورود لفظه بل أبلغ، وهذا مما يعلم أنه مناقض لما أخبر الله به ورسوله، يوضحه: الوجه الخامس والثلاثون: أن اللفظ إنما يراد لمعناه ومفهومه، فهو المقصود بالذات واللفظ مقصود قصد الوسائل والتعريف بالمراد، فإذا انتفى المعنى وكانت إرادته محالا لم يبق في ذكر اللفظ فائدة، بل كان تركه أنفع من الإتيان به، فإن الإتيان به إنما حصل منه إيهام المحال والتشبيه وأوقع الأمة في اعتقاد الباطل، ولا ريب أن هذا إذا نُسب إلى آحاد الناس كان ذمه أقرب من مدحه، فكيف يليق نسبته إلى من كلامه هدى وشفاء وبيان ورحمة، هذا من أمحل المحال. الوجه السادس والثلاثون: أن ظاهر الاستواء وحقيقته هو العلو والارتفاع كما نص عليه جميع أهل اللغة وأهل التفسير المقبول، وقد صرح المنكرون للاستواء بأن الله لا يجوز أن يتكلم بشيء ويعني به خلاف ظاهره، كما قال صاحب المحصول وغيره، وهذا لفظه "لا يجوز أن يتكلم الله بشيء ويعني به خلاف ظاهره" والخلاف مع المرجئة، ثم احتج على ذلك بأنه عبث وهو على الله محال. والذي احتج به على المرجئة يحتج به عليه أهل السنة بعينه، وهذا الذي قاله هو الحق وهو ما اتفق عليه العقلاء، فلا يجوز أن يتكلم الله بشيء ويريد به خلاف ظاهره إلا وفي السياق ما يدل على ذلك، بخلاف المجمل فإنه يجوز عندهم أن يتكلم به لأنه لم يرد به خلاف ظاهره، والفرق بينهما إيقاع الأول في اللبس واعتقاد الخطأ بخلاف المجمل، فكيف إذا كان مع ظاهره من القرآن ما ينفي إرادة غيره، فدعوى إرادة غير الظاهر حينئذ ممتنع من الوجهين". وقال أيضًا في الصواعق المرسلة (٣/ ٩٢٤): "قال ابن الماجشون والإمام أحمد وغيرهما من السلف: إنا لا نعلم كيفية ما أخبر الله به عن نفسه، وإن كنا نعلم تفسيره ومعناه. وقد فسر الإمام أحمد الآيات التي احتج بها الجهمية من المتشابه، وقال إنهم تأولوها على غير تأويلها، وبيَّنَ معناها، وكذلك الصحابة والتابعون فسروا القرآن وعلموا المراد بآيات الصفات كما علموا المراد من آيات الأمر والنهي وإن لم يعلموا الكيفية، كما علموا معاني ما أخبر الله به في الجنة والنار وإن لم يعلموا حقيقة كنهه وكيفيته". وقال في مدارج السالكين (٣/ ٣٣٥): "العقل قد يئس من تعرّف كنه الصفة وكيفيتها، فإنه لا يعلم كيف الله إلا الله، وهذا معنى قول السلف بلا كيف أي بلا كيف يعقله البشر، فإن من لا تعلم حقيقة ذاته وماهيته، كيف تعرف كيفية نعوته وصفاته! ولا يقدح ذلك في الإيمان بها، ومعرفة معانيها، فالكيفية وراء ذلك، كما أنا نعرف معاني ما أخبر الله به من حقائق ما في اليوم الآخر، ولا نعرف حقيقة كيفيته، مع قرب ما بين المخلوق والمخلوق، فعجزنا عن معرفة كيفية الخالق وصفاته أعظم وأعظم". وقال كما في مختصر الصواعق المرسلة (ص: ٣٢): "فإن المعاني المفهومة من الكتاب والسنة لا ترد بالشبهات فيكون ردها من باب تحريف الكلم عن مواضعه، ولا يترك تدبرها ومعرفتها فيكون ذلك مشابهة للذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني، بل هي آيات بينات دالة على أشرف المعاني وأجلها، قائمة حقائقها في صدور الذين أوتوا العلم والإيمان، إثباتا بلا تشبيه، وتنزيها بلا تعطيل، كما قامت حقائق سائر صفات الكمال في قلوبهم كذلك، فكان الباب عندهم بابا واحدا، وعلموا أن الصفات حكمها حكم الذات، فكما ذاته لا تشبه الذوات فكذا صفاته لا تشبه الصفات". وقال في إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٣٩): "وقد تنازع الصحابة في كثير من مسائل الأحكام، وهم سادات المؤمنين وأكمل الأمة إيمانا، ولكن بحمد الله لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال، بل كلهم على إثبات ما نطق به الكتاب والسنة كلمة واحدة، من أولهم إلى آخرهم، لم يسوموها تأويلا، ولم يحرفوها عن مواضعها تبديلا، ولم يبدوا لشيء منها إبطالا، ولا ضربوا لها أمثالا، ولم يدفعوا في صدورها وأعجازها، ولم يقل أحد منهم يجب صرفها عن حقائقها وحملها على مجازها، بل تلقوها بالقبول والتسليم، وقابلوها بالإيمان والتعظيم، وجعلوا الأمر فيها كلها أمرا واحدا، وأجروها على سنن واحد، ولم يفعلوا كما فعل أهل الأهواء والبدع حيث جعلوها عضين، وأقروا ببعضها وأنكروا بعضها من غير فرقان مبين، مع أن اللازم لهم فيما أنكروه كاللازم فيما أقروا به وأثبتوه".

стр. 88

٨٨ - قول الحافظ إسماعيل ابن كثير (المتوفى: ٧٧٤): قال الحافظ ابن كثير في رسالته في العقائد [مخطوط (ق ٤/ ٢)] نقلا من كتاب علاقة الإثبات والتفويض بصفات رب العالمين للدكتور رضا بن نعسان معطي (ص: ٨٢): "فإذا نطق الكتاب العزيز وردت الأخبار الصحيحة بإثبات السمع والبصر والعين والوجه والعلم والقوة والقدرة والعظمة والمشيئة والإرادة والقول والكلام والرضى والسخط والحب والبغض والفرح والضحك: وجب اعتقاد حقيقته، من غير تشبيه بشي من ذلك بصفات المربوبين المخلوقين، والانتهاء إلى ما قاله الله ورسوله من غير إضافة ولا زيادة عليه، ولا تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، وإزالة لفظه عما تعرفه العرب وتصرفه عليه، والإمساك عما سوى ذلك". وقال في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٦٢٠): "فيجيء الرب ﵎ لفصل القضاء كما يشاء، والملائكة يجيئون بين يديه صفوفاً صفوفاً". وقال أيضًا في البداية والنهاية (٩/ ٢٩٠): "وَكَانَ الْأَخْطَلُ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ الْمُتَنَصِّرَةِ، قَبَّحَهُ اللَّهُ وَأَبْعَدَ مثواه، وهو الذي أنشد بشر بن مروان قصيدته التي يقول فيها: قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ ... مِنْ غَيْرِ سيف ودم مهراق وهذا البيت تستدل به الجهمية على أنّ الاستواء على العرش بمعنى الاستيلاء، وهذا من تحريف الكَلِم عن مواضعه، وليس في بيت هذا النصراني حجة ولا دليل على ذلك، ولا أراد الله باستوائه على عرشه استيلاءه عليه، تعالى الله عن قول الجهمية علواً كبيراً. فإنه إنما يقال استوى على الشيء إذ كان ذلك الشيء عاصياً عليه قبل استيلائه عليه، كاستيلاء بشر على العراق، واستيلاء الملك على المدينة بعد عصيانها عليه، وعرش الرب لم يكن ممتنعاً عليه نفَساً واحداً، حتى يقال استوى عليه، أو معنى الاستواء الاستيلاء، ولا تجد أضعف من حجج الجهمية، حتى أداهم الإفلاس من الحجج إلى بيت هذا النصراني المقبوح وليس فيه حجة. والله أعلم". وقال أيضًا في طبقات الشافعيين (ص: ٢١٠): "ذكروا للشيخ أبي الحسن الأشعري ﵀، ثلاثة أحوال: أولها: حال الاعتزال، التي رجع عنها لا محالة. والحال الثاني: إثبات الصفات العقلية السبعة، وهي: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام، وتأويل الخبرية كالوجه، واليدين، والقدم، والساق، ونحو ذلك. والحال الثالثة: إثبات ذلك كله من غير تكييف ولا تشبيه، جريا على منوال السلف، وهي طريقته في الإبانة التي صنفها آخرا". وقال أيضًا في البداية والنهاية (١٢/ ١١٨): "وفي يوم النصف من جمادى الآخرة [أي: من سنة ٤٦٠ هـ] قرئ الاعتقاد القادري (١) الذي فيه مذهب أهل السنة، والإنكار على أهل البدع، وقرأ أبو مسلم الكجي البخاري المحدث كتاب التوحيد لابن خزيمة على الجماعة الحاضرين".

стр. 89

٨٩ - قول العلامة ابن أبي العز الحنفي (المتوفى: ٧٩٢): قال في شرح الطحاوية (ص: ٢٦٥): "التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل". وقال أيضًا (ص: ٨٠) بعد أن ذكر الصفات الفعلية الاختيارية ومنها الاستواء والإتيان والمجيء والنزول والغضب والرضا: "ونحو ذلك مما وصف به نفسه ووصفه به رسوله، وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله، ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا، ولا متوهمين بأهوائنا، ولكن أصل معناه معلوم لنا، كما قال الإمام مالك- ﵁ لما سئل عن قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول". وقال أيضًا (ص: ٥٤٥): "وأما أهل التجهيل والتضليل، الذين حقيقة قولهم إن الأنبياء وأتباع الأنبياء جاهلون ضالون، لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء. ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله، لا يعلمه جبرائيل ولا محمد ولا غيره من الأنبياء، فضلا عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وأن محمدا ﷺ كان يقرأ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطِّيبُ﴾ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. وهو لا يعرف معاني هذه الآيات، بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله تعالى، ويظنون أن هذه طريقة السلف".

стр. 90

٩٠ - قول الحافظ ابن رجب (المتوفى: ٧٩٥): قال الحافظ ابن رجب في فتح الباري (٥/ ٩٧) بعد أن ذكر صفة الإتيان والمجيء: "ولم يتأول الصحابة ولا التابعون شيئاً من ذلك، ولا أخرجوه عن مدلوله، بل روي عنهم [ما] يدل على تقريره والإيمان به وإمراره كما جاء ... ومنهم [أي: الحنابلة] من يقر ذلك، ويمره كما جاء، ولا يفسره، ويقول: هو مجيء وإتيان يليق بجلال الله وعظمته سبحانه. وهذا هو الصحيح عن أحمد، ومن قبله من السلف، وهو قول إسحاق وغيره من الأئمة. وكان السلف ينسبون تأويل هذه الآيات والأحاديث الصحيحة إلى الجهمية؛ لأن جهماً وأصحابه أول من أشتهر عنهم أن الله تعالى منزه عما دلت عليه هذه النصوص بأدلة العقول التي سموها أدلة قطعية هي المحكمات، وجعلوا ألفاظ الكتاب والسنة هي المتشابهات فعرضوا ما فيها على تلك الخيالات، فقبلوا ما دلت على ثبوته بزعمهم، وردوا ما دلت على نفيه بزعمهم، ووافقهم على ذلك سائر طوائف أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم. وزعموا أن ظاهر ما يدل عليه الكتاب والسنة تشبيه وتجسيم وضلال، واشتقوا من ذلك لمن آمن بما أنزل الله على رسوله أسماء ما أنزل الله بها من سلطان، بل هي افتراء على الله، ينفرون بها عن الإيمان بالله ورسوله. وزعموا أن ما ورد في الكتاب والسنة من ذلك - مع كثرته وانتشاره - من باب التوسع والتجوز، وأنه يحمل على مجازات اللغة المستبعدة، وهذا من أعظم أبواب القدح في الشريعة المحكمة المطهرة، وهو من جنس حمل الباطنية نصوص الإخبار عن الغيوب كالمعاد والجنة والنار على التوسع والمجاز دون الحقيقة، وحملهم نصوص الأمر والنهي على مثل ذلك، وهذا كله مروق عن دين الإسلام. ولم ينه علماء السلف الصالح وأئمة الإسلام كالشافعي وأحمد وغيرهما عن الكلام وحذروا عنه إلا خوفاً من الوقوع في مثل ذلك، ولو علم هؤلاء الأئمة أن حمل النصوص على ظاهرها كفر لوجب عليهم تبيين ذلك وتحذير الأمة منه؛ فإن ذلك من تمام نصيحة المسلمين، فكيف كان ينصحون الأمة فيما يتعلق بالأحكام العملية ويدعون نصيحتهم فيما يتعلق بأصول الاعتقادات! هذا من أبطل الباطل". وقال أيضًا (٥/ ٩٩): "وقد صح عن ابن عباس أنه أنكر على من استنكر شيئاً من هذه النصوص وزعم أن الله منزه عما تدل عليه". وقال أيضًا (٥/ ١٠٠): "وقد قال الخطابي في الأعلام: مذهب السلف في أحاديث الصفات: الإيمان، وإجراؤها على ظاهرها، ونفي الكيفية عنها. ومن قال: الظاهر منها غير مراد، قيل له: الظاهر ظاهران: ظاهر يليق بالمخلوقين ويختص بهم، فهو غير مراد. وظاهر يليق بذي الجلال والإكرام، فهو مراد، ونفيه تعطيل. ولقد قال بعض أئمة الكلام والفلسفة من شيوخ الصوفية، الذي يحسن به الظن المتكلمون: إن المتكلمين بالغوا في تنزيه الله عن مشابهة الأجسام، فوقعوا في تشبيهه بالمعاني، والمعاني محدثة كالأجسام، فلم يخرجوا عن تشبيهه بالمخلوقات. وهذا كله إنما أتى من ظن أن تفاصيل معرفة الجائز على الله والمستحيل عليه يؤخذ من أدلة العقول، ولا يؤخذ مما جاء به الرسول. وأما أهل العلم والإيمان، فيعلمون أن ذلك كله متلقى مما جاء به الرسول ﷺ ، وأن ما جاء به من ذلك عن ربه فهو الحق الذي لا مزيد عليه، ولا عدول عنه، وأنه لا سبيل لتلقي الهدى إلا منه، وأنه ليس في كتاب الله ولا سنة رسوله الصحيحة ما ظاهرة كفر أو تشبيه، أو مستحيل، بل كل ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله، فإنه حق وصدقٍ، يجب اعتقاد ثبوته مع نفي التمثيل عنه، فكما أن الله ليس كمثله شيء في ذاته، فكذلك في صفاته". وقال أيضًا (٥/ ١٠٢): "ومن جملة صفات الله التي نؤمن بها، وتمر كما جاءت عندهم قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ والْمَلَكُ صَفاًّ صَفاًّ﴾ ونحو ذلك مما دل على إتيانه ومجيئه يوم القيامة. وقد نص على ذلك أحمد وإسحاق وغيرهما. وعندهما أن ذلك من أفعال الله الاختيارية التي يفعلها بمشيئته واختياره. وكذلك قاله الفضيل بن عياض وغيره من مشايخ الصوفية أهل المعرفة. وقد ذكر حرب الكرماني أنه أدرك على هذا القول كل من أخذ عنه العلم في البلدان، سمى منهم أحمد وإسحاق والحميدي وسعيد بن منصور". وقال أيضًا (٥/ ١٠٥ - ١٠٦): "فأهل العلم وإلايمان يمتثلون في هذه الشبهات [أي: القواعد العقلية التي يدعي أصحابها أنها قطعيات] ما أُمروا به من الاستعاذة بالله، والانتهاء عما ألقاه الشيطان، وقد جعل النبي ذلك من علامات الإيمان، وغيرهم فيصغون إلى تلك الشبهات، ويعبرون عنها بألفاظ مشتبهات، لا حرمة لها في نفسها، وليس لها معنىً يصح، فيجعلون تلك الألفاظ محكمة لا تقبل التأويل، فيردون كلام الله ورسوله إليها، ويعرضونه عليها، ويحرفونه عن مواضعه لأجلها. هذه طريقة طوائف أهل البدع المحضة من الجهمية والخوارج والروافض والمعتزلة ومن أشبههم، وقد وقع في شيء من ذلك كثير من المتأخرين المنتسبين إلى السنة من أهل الحديث والفقه والتصوف من أصحابنا وغيرهم في بعض الأشياء دون بعض. وأما السلف وأئمة أهل الحديث فعلى الطريقة الأولى، وهي الإيمان بجميع ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو صح عن رسول الله ﷺ أنه أثبته له، مع نفي التمثيل والكيفية عنه، كما قاله ربيعة ومالك وغيرهما من أئمة الهدى في الاستواء، وروي عن أم سلمة أم المؤمنين، وقال مثل ذلك غيرهم من العلماء في النزول، وكذلك القول في سائر الصفات، والله الموفق". وقال أيضًا في فضل علم السلف على الخلف (ص: ٤): "والصواب ما عليه السلف الصالح من إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تفسير لها ولا تكييف ولا تمثيل".

стр. 91

٩١ - قول العلامة تقي الدين المقريزي الشافعي (المتوفى: ٨٤٥): قال المقريزي في المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ١٩٧): "ولم يبلغنا عن أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم أنهم أوّلوا هذه الأحاديث، والذي يمنع من تأويلها إجلال الله تعالى عن أن تضرب له الأمثال، وأنه إذا نزل القرآن بصفة من صفات الله تعالى، كقوله سبحانه: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، فإن نفس تلاوة هذا يَفهمُ منها السامعُ المعنى المراد به، وكذا قوله تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ﴾ عند حكايته تعالى عن اليهود نسبتهم إياه إلى البخل فقال تعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾، فإن نفس تلاوة هذا مبينة للمعنى المقصود". وقال أيضًا في المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار (٤/ ١٨٨): "ومن أمعن النظر في دواوين الحديث النبويّ، ووقف على الآثار السلفية، علم أنه لم يرد قط من طريق صحيح ولا سقيم عن أحد من الصحابة ﵃، وعلى اختلاف طبقاتهم وكثرة عددهم، أنه سأل رسول الله ﷺ عن معنى شيء مما وصف الربّ سبحانه به نفسه الكريمة في القرآن الكريم، وعلى لسان نبيه محمد ﷺ ، بل كلهم فهموا معنى ذلك، وسكتوا عن الكلام في الصفات".

стр. 92

٩٢ - قول العلامة مرعي الكرمي المقدسي (المتوفى: ١٠٣٣): قال مرعي الكرمي في أقاويل الثقات (ص: ٦٤ - ٦٥): "ومن العجب أنّ أئمتنا الحنابلة يقولون بمذهب السلف ويصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ومع ذلك فتجد من لا يحتاط في دينه ينسبهم للتجسيم ... وهم وإن أثبتوا ذلك متابعة للسلف لكنهم يقولون كما هو في كتب عقائدهم إنه تعالى ذات لا تشبه الذوات مستحقة للصفات المناسبة لها في جميع ما يستحقه. قالوا: فإذا ورد القرآن وصحيح السنة في حقه بوصف تلقي في التسمية بالقبول، ووجب إثباته له على ما يستحقه، ولا يعدل به عن حقيقة الوصف؛ إذ ذاته تعالى قابلة للصفات اللائقة بها. قالوا فنصف الله تعالى بما وصف به نفسه ولا نزيد عليه، فإن ظاهر الأمر في صفاته سبحانه أن تكون ملحقة بذاته، فإذا امتنعت ذاته المقدسة من تحصيل معنى يشهد الشاهد فيه معنى يؤدي إلى كيفية، فكذلك القول فيما أضافه إلى نفسه من صفاته. هذا كلام أئمة الحنابلة، ولا خصوصية لهم في ذلك، بل هذا مذهب جميع السلف والمحققين من الخلف". وقال أيضًا في أقاويل الثقات (ص: ٧٤): "قال الإمام فخر الدين: جميع الأعراض النفسانية أعني الرحمة والفرح والسرور والغضب والحياء والمكر والاستهزاء ونحو ذلك لها أوائل ولها غايات، مثاله الغضب، فإن أوله غليان دم القلب، وغايته إرادة إيصال الضرر إلى المغضوب عليه، فلفظ الغضب في حق الله لا يحمل على أوله الذي هو غليان دم القلب، بل على غايته أو غرضه الذي هو إرادة الإضرار ... وللسلف أن يقولوا: إن هذه الأوصاف على ظاهرها، وهذا التعليل لا يستلزم أن يكون كذلك في حقه تعالى، كما أن العلم والقدرة والسمع والبصر تستلزم من النقص في حقنا ما يجب تنزيه الله تعالى عنه من جهة أنها أعراض ونحوه، فمذهب السلف أسلم لا سيما وقد نقل البخاري وغيره عن الفضيل بن عياض قدس الله روحه أنه قال: ليس لنا أن نتوهم في الله كيف هو؛ لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ السورة، فلا صفة أبلغ مما وصف به نفسه، فهذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما شاء الله أن ينزل وكما شاء أن يباهي وكما شاء أن يضحك وكما شاء أن يطلّع، فليس لنا أن نتوهم كيف وكيف، فإذا قال الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه. فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء انتهى. وقال بعض من انتصر لمذهب السلف ردا على الخلف: "جميع ما يُلزمونا به في الاستواء والنزول واليد والوجه والقدم والضحك والتعجب من التشبيه، نلزمهم به في الحياة والسمع والبصر والعلم، فكما لا يجعلونها أعراضا، كذلك نحن لا نجعلها جوارح ولا ما يوصف به المخلوق". وقال أيضًا (ص: ٨٤ - ٨٦) أثناء الاحتجاج للقائلين بالجهة: "ويجد الناظر في النصوص الواردة عن الله ورسوله في ذلك نصوصا تشير إلى حقائق هذه المعاني، ويجد الرسول تارة قد صرح بها مخبرا بها عن ربه واصفا له بها، ومن المعلوم أنه ﵇ كان يحضر في مجلسه الشريف العالم والجاهل، والذكي والبليد والأعرابي الجافي، ثم لا يجد شيئا يعقب تلك النصوص مما يصرفها عن حقائقها لا نصا و ظاهرا، كما تأولها بعض هؤلاء المتكلمين، ولم ينقل عنه ﵇ أنه كان يحذر الناس من الإيمان بما يظهر من كلامه في صفته لربه من الفوقية واليدين ونحو ذلك، ولا نُقل عنه أن لهذه الصفات معاني أخر باطنة غير ما يظهر من مدلولها، ولما قال للجارية: أين الله؟ فقالت: في السماء، لم ينكر عليها بحضرة أصحابه كي لا يتوهموا أن الأمر على خلاف ما هو عليه، بل أقرها، وقال: أعتقها فإنها مؤمنة إلى غير ذلك من الدلائل التي يطول ذكرها، ولم يقل الرسول ولا أحد من سلف الأمة يوما من الدهر هذه الآيات والأحاديث لا تعتقدوا ما دلت عليه، وكيف يجوز على الله ورسوله والسلف أنهم يتكلمون دائما بما هو نص أو ظاهر في خلاف الحق، ثم الحق الذي يجب اعتقاده لا يتكلمون به ولا يدلون عليه". وقال أيضًا (ص: ١٠٥): "واحتج القائل بأنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه وأنه سبحانه لا متصلا به ولا منفصلا عنه بأمور عقلية، وهذا مذهب كثير من متأخري الأشاعرة ومن وافقهم، والعقل في هذا بمجرده لا اعتبار به ما لم يستند إلى النقل الصحيح".

стр. 93

٩٣ - قول العلامة عبد الباقي المواهبي (المتوفى: ١٠٧١): قال عبد الباقي المواهبي في العين والأثر في عقائد أهل الأثر (ص: ١١١ - ١١٢): "فإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: إن الله مستو على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ونُبطل تأويل من تأول بمعنى استولى. إن هذا تفسير لم يقل به أحد من السلف من سائر المسلمين من الصحابة والتابعين، بل أول من قال ذلك الجهمية والمعتزلة كما قاله أبو الحسن الأشعري في كتاب المقالات وكتاب الإبانة، فإنه كان معلوما للسلف علما ظاهرا، فيكون التفسير المحدث باطلا، ولهذا قال مالك الاستواء معلوم. وأما قوله: "والكيف مجهول" فالجهل بالكيف لا ينفي علم ما قد عُلم أصله، كما نقر بالله ونؤمن به ولا نعلم كيف هو أشار إلى ذلك الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى في بعض رسائله". وقال أيضًا (ص: ٦١): "وكذلك ما أنزل الله عز اسمه في كتابه من ذكر المجيء والإتيان المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ﴾ الآية وفي قوله: ﴿يَنظُرُونَ إِلَاّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ﴾ الآية ونؤمن بذلك بلا كيف، فلو شاء سبحانه أن يبين لنا كيفية ذلك فعل، فانتهينا إلى ما أحكمه وكففنا عن الذي يتشابه".

стр. 94

٩٤ - قول العلامة عثمان بن أحمد النجدي (المتوفى: ١٠٩٧): قال عثمان النجدي في نجاة الخلف في اعتقاد السلف (ص: ١٧): "مذهب سلف الأمة وأئمتها أنهم يصفون الله تعالى بما وصف به نفسه، وبما وصفه رسوله، من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فيثبتون له ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات، وينزهونه عما نزه عنه نفسه من مماثلة المخلوقات، إثباتًا بلا تمثيل، وتنزيهًا بلا تعطيل ... ليس معنى ذلك أن الله في جوف السماء وأن السماوات تحصره وتحويه، فإن هذا لم يقله أحد من سلف الأمة وأئمتها، بل هم متفقون على أن الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه ... ومن اعتقد أنه ليس فوق السماوات إله يعبد، ولا على العرش رب يصلَّى له ويسجد، وأن محمدًا لم يعرج به إلى ربه، ولا نزل القرآن من عنده، فهو معطل فرعوني ضال مبتدع، فإن فرعون كذَّب موسى في أن ربه فوق السماوات ... والكلام في هذا المقام وشبهه يتبين بذكر أصل أصيل، وهو أنّ الكلام في الصفات فرع الكلام في الذات، فكما أنا نثبت له تعالى ذاتًا لا تشبه الذوات، فكذا نقول في صفاته: إنها لا تُشبه الصفات، فليس كعلمه علم أحد، ولا كقدرته قدرة أحد، ولا كرحمته رحمة أحد، ولا كاستوائه استواء أحد، ولا كسمعه وبصره سمع ولا بصر، ولا كتكليمه تكليم أحد، ولا كتجليه تجلي أحد ... ".

стр. 95

٩٥ - قول العلامة صالح بن مهدي المقبلي (المتوفى: ١١٠٨): قال العلامة المقبلي في العَلَم الشامخ في إيثار الحق على الآباء والمشايخ (ص:٢٢٢ - ٢٢٣): "كما أنّ المتكلمين خاطروا في النظر في ماهية الصفات في حق الله تعالى، وتكلفوا ما لا يعنيهم من عدم الاقتصار على المدلول اللغوي العربي الذي يحمل عليه كلام الله تعالى وكلام رسوله ﷺ ، فإنهم قد اقتحموا أطمَّ من ذلك، وسلكوا أصعب المسالك، واقتصروا على إثبات قليل من الصفات، كقادر وعالم ونحوهما، ونفوا سائر الصفات وجعلوها مجازات كصفة الرضا والغضب والمحبة والرحمة والحلم، وغير ذلك مما وصف به تعالى نفسه، وكرّر التمدح به، ومما صح عن رسوله ﷺ ... وقالوا في رحيم – مثلاً: يلزم رقة القلب، كقول بعض المعتزلة: يلزم من إثبات كونه سميعاً الصماخ، ومن إثبات كونه بصيراً الحدقة حتى رجعوا بمدلولهما إلى العلم مع كثرة تمدّحه تعالى بهما في كتابه العزيز، وقد اتفقت كلمة الجمهور على سقوطه، والسبب في ذلك كله مجاوزة الحد، وتعاطي ما ليس لهم من النظر في ماهية الصفات، وإلا فالسامع مثلاً من أدرك الصوت، والمبصر من أدرك الأجسام والألوان مثلاً، والراحم من له الحالة التي من اتصف بها كان من شأنه أن يفعل أفعالاً مخصوصة، ونحو ذلك، ورقة القلب والحدقة والصماخ من عوارض المحل فينا، ولذا يفهم معناها من لا يخطر بباله هذه العوارض. وقد اكتفى السلف الصالح بالمدلول اللغوي، وجروا في أسمائه تعالى عليه، ولم يخطر لهم ببال استحالته. وعلى الجملة فلا مانع من الحقيقة عقلاً ولا شرعاً إلا الخيال المذكور، وسببه النظر فيما لا يعني، فنشأ عنه هذا الخيال، وترتب على ذلك الدعوى على الواضع أن تلك العوارض جزء ماهية مفهوم هذه الصفات، والفلاسفة يصفون الله تعالى بالعلم وغيره من الصفات لفظاً ويعطلون معناها عند تفسيرها". وقال أيضاً في العلم الشامخ: "والقسم الثالث: مثل رحيم، ونور، وصبور، ولا أحد أغير من الله، ونحو ذلك مما هو من صفات كماله، والظاهر الحقيقة، ومن نفاها فلدعوى كون العارض جزء مدلولها بغير دليل كما ذكرنا قبل. والعجب من المجادلين إذا قلت له في مثل الرضا أو الغضب، قال: الغضب: فوران الدم، والرضا: انبساطه، وأخذ يدّعي ذلك على العرب، وهو من كلام الأطباء وقد يتكلم به على نوع المجاز، وقد يتكلم به على غضب مقيد وهو غضب الإنسان، كما جاء في الحديث: «الغضب جمرة»، وكلامنا في مطلق الماهية من دون قيد، فمن أنصف علم أنه يعلم المطلق من لا يعلم المقيد". وقال في نجاح الطالب لمختصر المنتهى لابن الحاجب (ص:١٧٥ - ١٧٦): "واعلم أولاً أنّ معنى القدرة وما يتصرف منها آيل إلى ما يجده الإنسان من نفسه من التمكن المستمر، وهذا هو المدلول اللغوي، والذي لا يصعب فهمه على كل عاقل، وهكذا هو في مطلق القادر، وهو مقتضى قولنا في صفات الباري تعالى كما هو مذهب السلف". وقال أيضًا في نجاح الطالب (ص: ١٨٣): "اللهم إني أشهد أنك متكلِّمٌ على المعنى المعقول لغة، وكذلك سائر الصفات، وأبرأ إليك من الإلحاد في صفاتك وأسمائك، اللهم برئني مما برئت إليك منه". وقال أيضًا في الأبحاث المسددة في فنون متعددة (ص:١٦٢ - ١٦٣) عند قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾: "فسّرها في «الكشاف» بأن يرضى عنهم، ويفعل ما يفعل المحب، والرضا عنده أيضاً مفسَّرٌ بالإرادة، أي: يريد نفعهم، والحاصل أنه فسرها بنتائج المحبة والأفعال التي تفعل عندها، وهذا بناء على نظرهم في ماهية الصفات وحكمهم بالمجاز على أكثرها، والحق أن المحبة على حقيقتها، ولا نكيفها كسائر الصفات، ولم يدل دليل على منع الحقيقة".

стр. 96

٩٦ - قول العلامة محمد السفاريني (المتوفى: ١١٨٨): قال السفاريني في لوامع الأنوار البهية (١/ ١٠٧): "اعلم أن مذهب الحنابلة هو مذهب السلف، فيصفون الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، فالله تعالى ذات لا تشبه الذوات، متصفة بصفات الكمال التي لا تشبه الصفات من المحدثات، فإذا ورد القرآن العظيم وصحيح سنة النبي الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بوصف للباري جل شأنه، تلقيناه بالقبول والتسليم، ووجب إثباته له على الوجه الذي ورد، ونكل معناه (١) للعزيز الحكيم، ولا نعدل به عن حقيقة وصفه، ولا نلحد في كلامه، ولا في أسمائه، ولا في صفاته، ولا نزيد على ما ورد، ولا نلتفت لمن طعن في ذلك وردّ. فهذا اعتقاد سائر الحنابلة كجميع السلف". وقال أيضًا (١/ ١١٧): "اختلف الناس في إثبات صفات الباري جل شأنه، فأثبتها أهل الحق من غير نفي لها ولا لبعضها، وهذا مذهب سلف الأمة وسائر الأئمة. وأثبت المتكلمون بعضها من الحياة والقدرة والإرادة والعلم والكلام والسمع والبصر، ويسمونها الصفات الثبوتية والمعنوية، وما عداها من صفات الأفعال والسلوب ونحوها فحادثة عندهم". وقال أيضًا (١/ ٢٠٠): "والكيف [أي: كيفية الاستواء ونحوه من صفات الله] مجهول، فالذي ثبت نفيه بالشرع والعقل واتباع السلف إنما هو علم العباد بالكيفية، فعندها تنقطع الأطماع، وعن دركها تقصر العقول". وقال أيضًا (١/ ٢٣٨ - ٢٣٩): "كل شيء وارد من صفات الله تعالى (من نهجه) أي نهج اليد والوجه ونحوهما، والنهج الطريق الواضح أي: كل ما ورد من الأصناف من الرجل والقدم والصورة (و) من (عينه) ، فنهجه الواضح وسبيله المبين الإقرار بما ورد، والإيمان بما صح من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا إلحاد ولا تعطيل، بل نقر ونذعن، ونسلّم ونؤمن بكل ذلك، ونثبته إثبات وجود بلا تكييف ولا تحديد". وقال أيضًا (١/ ٢٤٧): "تنبيهات: الأول: الذي يلزم مَن قال بإثبات صفة النزول يلزم مثله من قال بصفة الحياة والسمع والبصر والعلم والكلام والقدرة والإرادة له تعالى، لأنه لا يعقل من هذه الصفات إلا الأعراض التي لا تقوم إلا بجوارحنا، فكما نقول نحن وإياهم حياته وسمعه وبصره ليست بأعراض، بل هي صفات كما يليق به لا كما تليق بنا، فنقول نحن أيضا بمثل ذلك بعينه: نزوله وفوقيته واستواؤه ونحو ذلك، فكل ذلك ثابت معلوم غير مكيف بكيفية ولا انتقال يليق بالمخلوق، بل هو كما أخبر هو ورسوله سيد البشر مما يليق بجلال عظمته وباهر كبريائه، لأن ذاته وصفاته معلومة من حيث الجملة ثبوت وعلم وجود بلا كيفية ولا تحديد، فكل ما ورد في الكتاب، وصح عن رسول الملك الوهاب، فسبيله واحد من النزول، واليد والقدم والوجه والغضب والرضا وغيرها فاحفظه، وبالله التوفيق". وقال أيضًا (١/ ٩٩ - ١٠١): "فإن الله - جل ثناؤه - سمى نفسه في كتابه العزيز بالرحمن الرحيم، ووصف نفسه بالرحمة والمحبة، فقال: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾، وَقَالَ: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾، وَقَالَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ... وكذلك الرضا والغضب إلى غير ذلك من سائر ما جاء به الكتاب العظيم والنبي الكريم، فسلف الأمة وعلماء الأئمة يؤمنون به، ويثبتونه لله تعالى بالمعنى الذي أراده تعالى مع اعتقادهم التنزيه والتقديس عن التشبيه والتنقيص. ومن الناس من يجعل رحمة الله وحبّه تعالى عبارة عما يخلقه من النعمة، وهذا ظاهر البطلان. فإن قيل: إن إثبات هذا تشبيه; لأن الرحمة رقة تلحق المخلوق، والرب منزه عن مثل صفات المخلوقين، فالجواب: إنّ الذي يلزم من هذه الصفات يلزم من غيرها، فإن الإرادة في حق المخلوق ميله إلى ما ينفعه، ودفع ما يضره، والله تعالى منزه عن الاحتياج إلى عباده، وهم لا يبلغون ضره ولا نفعه، بل هو الغني عن كل ما سواه. فإن قيل: الإرادة التي نثبتها لله ليست مثل إرادة المخلوقين، كما أنا قد اتفقنا وسائر المسلمين على أنه تعالى حي عليم قدير، وليس هو مثل سائر الأحياء العلماء القادرين. فالجواب: أنا نقول: وكذلك الرحمة والمحبة التي نثبتها لله تعالى ليست مثل رحمة المخلوق ومحبة المخلوق ... ". وقال أيضًا (١/ ١٠١): "فإنا ندين لله تعالى بإثبات ما جاءت به الآيات وصحيح الروايات، وسلكته الأئمة السادات (من غير تعطيل) لها عن حقائقها ونفيها مع صحة مخارجها، بل نثبتها ونؤمن بها، ولا تشبيه في مجرد إثباتها، (ولا) أي: ومن غير (تمثيل) لها بصفات المخلوق، بل إثبات بلا تمثيل، وتنزيه بلا تعطيل". وقال أيضًا (١/ ٢٣٢ - ٢٣٣): "وذهبت المعتزلة وطائفة من الأشعرية إلى أنّ المراد باليدين معنى النعمتين، وطائفة من الأشعرية أيضا أن المراد باليدين القدرة ... ولا يخفى ما في هذا من الإعراض والانصراف والعدول عن الحق والإنصاف، بل الصواب إثبات ما أثبته الله لنفسه، ووصفه به نبيه حسبما ورد، من غير إلحاد ولا رد، فهو إثبات وجود بلا تكييف". وقال أيضًا (١/ ١١٦ - ١١٧): "وأما المنحرفون عن طريقهم [أي: طريق السلف]، فثلاث طوائف: أهل التخييل، وأهل التأويل، وأهل التجهيل، ... وأهل التجهيل هم الذين يقولون: إن الرسول لم يعرف معاني ما أنزل عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك، وكذلك قولهم في أحاديث الصفات، وأن الرسول تكلم بكلام لا يعرف معناه، وهذا قول كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف، فيقولون في آيات الصفات وأحاديثها: لا يعلم معرفتها إلا الله، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ﴾، ويقولون: تجرى على ظاهرها، وظاهرها [غير] مراد مع قولهم: إن لها تأويلا بهذا المعنى لا يعلمه إلا الله". وقال أيضًا (١/ ٢٥): "مذهب السلف هو المذهب المنصور، والحق الثابت المأثور، وأهله هم الفرقة الناجية، ... فمن المحال أن يكون الخالفون أعلم من السالفين، كما يقوله بعض من لا تحقيق لديه ممن لا يقدر قدر السلف، ولا عرف الله تعالى ولا رسوله ولا المؤمنين به حق المعرفة المأمور بها من أن طريقة السلف أسلم، وطريقة الخلف أعلم وأحكم، وهؤلاء إنما أتوا من حيث ظنوا أن طريقة السلف هي مجرد الإيمان بألفاظ القرآن والحديث من غير فقه ذلك بمنزلة الأميين، وأن طريقة الخلف هي استخراج معاني النصوص المعروفة عن حقائقها بأنواع المجازات وغرائب اللغات، فهذا الظن الفاسد أوجب تلك المقالة التي مضمونها نبذ الإسلام وراء الظهور، وقد كذبوا وأفكوا على طريقة السلف، وضلوا في تصويب طريقة الخلف، فجمعوا بين باطلين: الجهل بطريقة السلف في الكذب عليهم، والجهل والضلال بتصويب طريقة غيرهم".

стр. 97

٩٧ - قول الإمام محمد بن علي الشوكاني (المتوفى: ١٢٥٠): قال الإمام الشوكاني في التحف في مذاهب السلف (ص: ٧٦): "ومن جملة الصفات التي أمرّها السلف على ظاهرها، وأجروها على ما جاء به القرآن والسنة من دون تكلف ولا تأويل صفة الاستواء التي ذكرها السائل، يقولون نحن نثبت ما أثبته الله لنفسه من استوائه على عرشه على هيئة لا يعلمها إلا هو، وكيفية لا يدري بها سواه، فليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته، ولا تحيط عباده به علما".

стр. 98

٩٨ - قول العلامة محمود الألوسي مفتي الحنفية ببغداد (المتوفى: ١٢٧٠): قال شهاب الدين الألوسي في روح المعاني (١٦/ ١٥٨ - ١٥٩): "وعصم الله تعالى أهل الحق مما ذهبوا إليه [أي: المشبهة] وعولوا في عقائدهم عليه، فأثبتت طائفة منهم ما ورد كما ورد مع كمال التنزيه المبرأ عن التجسيم والتشبيه، فحقيقة الاستواء مثلا المنسوب إليه تعالى شأنه لا يلزمها ما يلزم في الشاهد، فهو جل وعلا مستو على العرش مع غناه عنه، وحمله بقدرته للعرش وحملته، وعدم مماسة له أو انفصال مسافي بينه تعالى وبينه. ومتى صح للمتكلمين أن يقولوا: إنه تعالى ليس عين العالم ولا داخلا فيه ولا خارجا عنه مع أن البداهة تكاد تقضي ببطلان ذلك بين شيء وشيء، صح لهؤلاء الطائفة أن يقولوا ذلك في استوائه تعالى الثابت بالكتاب والسنة، فالله سبحانه وصفاته وراء طور العقل، فلا يقبل حكمه إلا فيما كان في طور الفكر، فإن القوة المفكرة شأنها التصرف فيما في الخيال والحافظة من صور المحسوسات والمعاني الجزئية، ومن ترتيبها على القانون يحصل للعقل علم آخر بينه وبين هذه الأشياء مناسبة، وحيث لا مناسبة بين ذات الحق جل وعلا وبين شيء، لا يستنتج من المقدمات التي يرتبها العقل معرفة الحقيقة، ... وهذه الطائفة قيل: هم السلف الصالح. وقيل: إن السلف بعد نفى ما يُتوهم من التشبيه يقولون: لا ندري ما معنى ذلك، والله تعالى أعلم بمراده. واعتُرض بأن الآيات والأخبار المشتملة على نحو ذلك كثيرة جدا، ويبعد غاية البعد أن يخاطب الله تعالى ورسوله صلى الله عليه و سلم العباد فيما يرجع إلى الاعتقاد بما لا يُدرى معناه. وأيضا قد ورد في الأخبار ما يدل على فهم المخاطب المعنى من مثل ذلك، ... عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: إن الله تعالى يضحك من يأس عباده وقنوطهم وقرب الرحمة منهم. فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله أو يضحك ربنا؟ قال: نعم، والذي نفسى بيده أنه ليضحك. قلت: فلا يعدمنا خيرا إذا ضحك. فإنها رضى الله تعالى عنها لو لم تفهم من ضحكه تعالى معنى لم تقل ما قالت. وقد صح عن بعض السلف أنهم فسَّروا ففي صحيح البخاري قال مجاهد: استوى على العرش علا على العرش. وقال أبو العالية: استوى على العرش ارتفع". وقال أيضًا في روح المعاني (١٦/ ١٥٧ - ١٥٨): "وعلى ذلك [أي: طريقة السلف وعدم تأويل نصوص الصفات] جرى محققو الصوفية، فقد نقل عن جمع منهم أنهم قالوا: إن الناس ما احتاجوا إلى تأويل الصفات إلا من ذهولهم عن اعتقاد أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وإذا كانت مخالفة فلا يصح في آيات الصفات قط تشبيه؛ إذ التشبيه لا يكون إلا مع موافقة حقيقته تعالى لحقائق خلقه، وذلك محال. وعن الشعراني أن من احتاج إلى التأويل فقد جهل أولا وآخرا، أما أولاً فبتعقله صفة التشبيه في جانب الحق، وذلك محال، وأما آخرا فلتأويله ما أنزل الله تعالى على وجه لعله لا يكون مراد الحق ... ونقل الشيخ ابراهيم الكورانى في تنبيه العقول عن الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال في الفتوحات أثناء كلام طويل عجب فيه من الأشاعرة والمجسمة: الاستواء حقيقة معقولة معنوية تنسب إلى كل ذات بحسب ما تعطيه حقيقة تلك الذات، ولا حاجة لنا إلى التكلف في صرف الاستواء عن ظاهره ... وقال أيضا فيما رواه عنه تلميذه المحقق إسمعيل بن سودكين في شرح التجليات: ولا يجوز للعبد أن يتأول ما جاء من أخبار السمع لكونها لا تطابق دليله العقلي كأخبار النزول وغيره لأنه لو خرج الخطاب عما وُضع له لما كان به فائدة، وقد علمنا أنه ﵊ أرسل ليبين للناس ما أنزل إليهم، ثم رأيناه ﷺ مع فصاحته وسعة علمه وكشفه لم يقل لنا أنه تنزل رحمته تعالى، ومن قال تنزل رحمته فقد حمل الخطاب على الأدلة العقلية، والحق ذاته مجهولة فلا يصح الحكم عليه بوصف مقيد معين، والعرب تفهم نسبة النزول مطلقا فلا تقيده بحكم دون حكم، وحيث تقرر عندها أنه ليس كمثله شيء يحصل لها المعنى مطلقا منزها. وربما يقال لك: هذا يحيله العقل. فقل: الشأن هذا إذا صح أن يكون الحقُّ من مدركات العقول، فانه حينئذ تمضى عليه أحكامها انتهى. وقال تلميذه الشيخ صدر الدين القونوى في مفتاح الغيب بعد بسط كلام في قاعدة جليلة الشأن حاصلها أن التغاير بين الذوات يستدعى التغاير في نسبة الأوصاف إليها ما نصه: وهذه قاعدة من عرفها أو كشف له عن سرها عرف سر الآيات والأخبار التي توهم التشبيه عند أهل العقول الضعيفة واطلع على المراد منها فيسلم من ورطتي التأويل والتشبيه وعاين الأمر كما ذكر مع كمال التنزيه. انتهى.

стр. 99

٩٩ - قول العلامة محمد صديق خان القنَّوجي (المتوفى: ١٣٠٧): قال محمد صديق خان في قطف الثمر في بيان عقيدة أهل الأثر (ص: ٥٩): "ومن ظنَّ أنّ نصوص الصفات لا يُعقل معناها، ولا يُدرى ما أراد الله تعالى ورسوله منها، وظاهرها تشبيه وتمثيل، واعتقاد ظاهرها كفر وضلال، وإنما هي ألفاظ لا معاني لها، وأن لها تأويلًا وتوجيهًا لا يعلمه إلا الله، وأنها بمنزلة ألم وكهيعص، وظنّ أن هذه طريقة السلف، ولم يكونوا يعرفون حقيقة قوله: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ ونحو ذلك. فهذا الظان من أجهل الناس بعقيدة السلف وأضلهم عن الهدى، وقد تضمن هذا الظن استجهال السابقين الأولين، من المهاجرين والأنصار، وسائر الصحابة، وكبار الذين كانوا أعلم الأمة علمًا وأفقههم فهمًا، وأحسنهم عملًا، وأتبعهم سننًا. ولازم هذا الظن أن الرسول ﷺ كان يتكلم بذلك ولا يعلم معناه، وهو خطأ عظيم وجسارة قبيحة نعوذ بالله منها".

стр. 100

١٠٠ - قول العلامة أحمد بن إبراهيم بن عيسى (المتوفى: ١٣٢٧): قال أحمد بن إبراهيم بن عيسى في تنبيه النبيه والغبي في الرد على المدراسي والحلبي (ص: ٣٢٩): "أما حملها – أي: نصوص الصفات- على الظاهر اللائق بالجلال الذي هو فحوى الخطاب، فهو مذهب السلف وأتباعهم، فإنهم لم يفهموا منها تشبيها أو تجسيما، حاش لله، وإنما الذي فهم منها التشبيه والتجسيم هم المجسمة وأنتم، فالمجسمة كهشام بن الحكم، وهشام بن الجواليقي، وداود الجواربي، وأمثالهم، حملوها على التشبيه، تعالى الله عن ذلك. وأنتم لم تفهموا منها إلا التشبيه، وشرعتم في نفي مفهومكم، ثم اختلفت آراؤكم، فتارة تؤمنون باللفظ وتفوضون المعنى، وهي التي تسمونها طريقة السلف. وتارة تؤولون وتحرفون، وهي التي تسمونها طريقة الخلف، فشبهتم أولاً ثم عطلتم ثانيًا ... وإذا سألتمونا عن النزول قلنا: النزول غير مجهول، والكيف غير معقول. وهكذا سائر الصفات، ولم يفهم السلف منها تشبيهًا ولا تجسيمًا، بل أثبتوا معناها على ما يليق بجلال الله وعظمته، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، وأما كيفية الصفة فلا يعلمها إلا الله سبحانه". وقال أيضًا في تنبيه النبيه والغبي (ص: ٣٢٧): "وهل قال ابن تيمية وغيره من أتباع السلف إن معنى اليد الجارحة؟! بل معنى ذلك أنهم يثبتون حقائق جميع الصفات، وينفون مماثلة المخلوقات، ومذهبكم أن الآيات والأحاديث ظاهرها التشبيه والتجسيم، فشبهتم أولاً وعطلتم ثانيًا. وأما السلف وأتباعهم فنزّهوا كتاب ربهم وسنة نبيهم، وأثبتوا الصفة ونفوا علم الكيفية".

стр. 101

١٠١ - قول العلامة جمال الدين القاسمي (المتوفى: ١٣٣٢): قال جمال الدين القاسمي في محاسن التأويل (٨/ ٢٩٥): "وفي القبضة واليمين مذهبان معروفان: مذهب السلف: وهو إثبات ذلك من غير تكييف له، ولا تشبيه، ولا تحريف، ولا تبديل، ولا تغيير، ولا إزالة للفظ الكريم عما تعرفه العرب وتضعه عليه، بتأويل، يجرون على الظاهر، ويكلون علمه إليه تعالى، ويقرون بأن تأويله - أي: ما يؤول إليه من حقيقته- لا يعلمه إلا الله، وهكذا قولهم في جميع الصفات التي نزل بذكرها القرآن، ووردت بها الأخبار الصحاح". وقال أيضًا كما في مجلة المنار (١٣/ ٦١٣): "نعم ثمة في باب الصفات ما هو أرقى من المذهبين المذكورين مذهب التأويل والتفويض، وذلك من إثبات تلك الصفات بلا تأويل ولا تمثيل إثباتًا حقيقيًّا يليق بالذات العلية". وقال أيضًا في محاسن التأويل (٢/ ٨٨ - ٨٩): "وصفه تعالى نفسه بالإتيان في ظلل من الغمام كوصفه بالمجيء في آيات أخر ونحوهما مما وصف به نفسه في كتابه أو صحّ عن رسول الله ﷺ . والقول في جميع ذلك من جنس واحد. وهو مذهب سلف الأمّة وأئمتها أنهم يصفونه سبحانه بما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. والقول في صفاته كالقول في ذاته. والله تعالى ليس كمثله شيء لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلو سأل سائل: كيف يجيء سبحانه أو كيف يأتي .. ؟ فليقل له: كيف هو في نفسه؟ فإذا قال: لا أعلم كيفية ذاته! فليقل له: وكذلك لا تعلم كيفية صفاته .. ! فإن العلم بكيفية الصفة يتبع العلم بكيفية الموصوف. وقد أطلق غير واحد، ممن حكى إجماع السلف - منهم الخطابيّ - مذهب السلف أن صفاته تعالى تجري على ظاهرها مع نفي الكيفية والتشبيه عنها. وبعض الناس يقول: مذهب السلف إن الظاهر غير مراد. ويقول: أجمعنا على أن الظاهر غير مراد. وهذه العبارة خطأ إمّا لفظا ومعنى، أو لفظا لا معنى؛ لأن لفظ (الظاهر) فيه إجمال واشتراك. فإن كان القائل يعتقد أن ظاهرها التمثيل بصفات المخلوقين أو ما هو من خصائصهم، فلا ريب أن هذا غير مراد، ولكنّ السلف والأئمة لم يكونوا يسمّون هذا ظاهرها. فهذا القائل أخطأ حيث ظنّ أنّ هذا المعنى الفاسد ظاهر اللفظ حتى جعله محتاجا إلى تأويل، وحيث حكى عن السلف ما لم يريدوه. وإن كان القائل يعتقد أن ظاهر النصوص المتنازع في معناها من جنس ظاهر النصوص المتّفق على معناها، والظاهر هو المراد في الجميع، فإنّ الله لما أخبر أنّه بكلّ شيء عليم، وأنّه على كل شيء قدير، واتفق أهل السنّة وأئمة المسلمين على أنّ هذا على ظاهره، أن ظاهر ذلك مراد، كان من المعلوم أنهم لم يريدوا بهذا الظاهر أن يكون علمه كعلمنا وقدرته كقدرتنا. وكذلك لما اتفقوا على أنه حيّ عالم حقيقة، قادر حقيقة لم يكن مرادهم أنه مثل المخلوق الذي هو حيّ عليم قدير. فإن كان المستمع يظنّ أن ظاهر الصفات تماثل صفات الخلوقين لزمه أن لا يكون شيء من ظاهر ذلك مرادا. وإن كان يعتقد أن ظاهرها ما يليق بالخالق ويختص به لم يكن له نفي هذا الظاهر، ونفي أن يكون مرادا إلّا بدليل يدل على النفي. وليس في العقل ولا السمع ما ينفي هذا إلّا من جنس ما ينفي به سائر الصفات، فيكون الكلام في الجميع واحدا. وحينئذ فلا يجوز أن يقال: إنّ الظاهر غير مراد بهذا التفسير. وبالجملة، فمن قال: إن الظاهر غير مراد- بمعنى أن صفات المخلوقين غير مرادة- قلنا له: أصبت في المعنى، ولكن أخطأت في اللفظ، وأوهمت البدعة، وجعلت للجهميّة طريقا إلى غرضهم، وكان يمكنك أن تقول: تمرّ كما جاءت على ظاهرها، مع العلم بأنّ صفات الله ليست كصفات المخلوقين، وأنّه منزّه مقدّس عن كلّ ما يلزم منه حدوثه أو نقصه. ومن قال: الظاهر غير مراد بالتفسير الثاني- وهو مراد الجهمية ومن تبعهم- فقد أخطأ. وإنما أتي من أخطأ من قبل أنه يتوهم في بعض الصفات أو في كثير منها أو أكثرها أو كلّها أنها تماثل صفات المخلوقين، ثم يريد أن ينفي ذلك الذي فهمه".

стр. 102

١٠٢ - قول العلامة محمد أنور شاه الكشميري الهندي (المتوفى: ١٣٥٣): قال محمد أنور شاه في العرف الشذي شرح سنن الترمذي (١/ ٤١٧): "فالحاصل أن نزول الباري إلى سماء الدنيا نزول حقيقة يحمل على ظاهره، ويفوض تفصيله وتكييفه إلى الباري عز برهانه، وهو مذهب الأئمة الأربعة والسلف الصالحين". وقال أيضًا (١/ ٤١٥): "وأما تفويض السلف فيحتمل المعنيين: أحدهما: تفويض الأمر إلى الله وعدم الإنكار على من تأوّل كيف ما تأول بسبب إقرارهم بعدم العلم. ثانيهما: تفويض التفصيل والتكييف إلى الله تعالى، والإنكار على من تأول برأيه وعقله، ومرادهم هو الاحتمال الثاني لا الأول".

стр. 103

١٠٣ - قول العلامة محمد رشيد رضا (المتوفى: ١٣٥٤): قال محمد رشيد رضا في تفسير المنار (٣/ ١٦٤): "إن لله - تعالى قدرة حقيقة، ولكنها ليست كقدرة البشر، وإن له رحمة ليست كرحمة البشر، وهكذا نقول في جميع ما أطلق عليه تعالى جمعا بين النصوص، ولا ندعي أن إطلاق بعضها حقيقي وإطلاق البعض الآخر مجازي، فكما أن القدرة شأن من شؤونه لا يعرف كنهه ولا يجهل أثره، كذلك الرحمة شأن من شئونه لا يعرف كنهه ولا يخفى أثره، وهذا هو مذهب السلف فهم لا يقولون إن هذه الألفاظ لا يفهم لها معنى بالمرة، ولا يقولون إنها على ظاهرها، بمعنى أن رحمة الله كرحمة الإنسان ويده كيده، وإن ظن ذلك في الحنابلة بعض الجاهلين". وقال أيضًا كما في مجلة المنار (٧/ ٥٥٢): "وإنما مذهب أهل السنة والجماعة ما كان عليه السواد الأعظم من الصحابة وعلماء التابعين وأئمة الحديث والفقه، ممن تبعهم في الاعتصام بنصوص الكتاب والسنة من غير تحريف ولا تكلف لإرجاع ظواهرها إلى ما ابتدع من البدع والآراء التي أحدثها أهل الأهواء".

стр. 104

١٠٤ - قول العلامة عبد الحميد بن باديس (المتوفى: ١٣٥٩): قال ابن باديس في العقائد الإسلامية (ص: ٥٩): "ونثبت الاستواء والنزول ونحوهما، ونؤمن بحقيقتهما على ما يليق به تعالى بلا كيف، وبأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد".

стр. 105

١٠٥ - قول العلامة عبد الله بن محمد الخزرجي (المتوفى: ١٣٦٢): قال كما في منظومة شهود الحق (ص: ٣١٠): والكيفُ نجهله، لا الاستواءُ له ... لأنه جاء في الآيات والسنن والاستواء له فالكل يعلمه ... لأنه جاء معلوما بلا جنن والبحث في الكيف كفرٌ لا اضطرار له ... لا الاستواء لما قد جاء بالعلن والبحث والسؤلُ في المعلوم لا ضررٌ ... فيه ولا خطرٌ فاسأل ولا تئن قلِ استوى الله، بل قال أين ربك لا ... كيف استوى فهو في القرآن لم يبن

стр. 106

١٠٦ - قول العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (المتوفى: ١٣٧٦): قال في تفسيره (ص: ١٢٢): "وقوله: ﴿وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ﴾ للمفسرين في الوقوف على ﴿الله﴾ من قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَاّ اللّهُ﴾ قولان: جمهورهم يقفون عندها، وبعضهم يعطف عليها ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وذلك كله محتمل؛ فإن التأويل إن أريد به علم حقيقة الشيء وكنهه كان الصواب الوقوف على ﴿إلا الله﴾ لأن المتشابه الذي استأثر الله بعلم كنهه وحقيقته، نحو حقائق صفات الله وكيفيتها، وحقائق أوصاف ما يكون في اليوم الآخر ونحو ذلك، فهذه لا يعلمها إلا الله، ولا يجوز التعرض للوقوف عليها، لأنه تعرض لما لا يمكن معرفته، كما سئل الإمام مالك ﵀ عن قوله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال السائل: كيف استوى؟ فقال مالك: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فهكذا يقال في سائر الصفات لمن سأل عن كيفيتها أن يقال كما قال الإمام مالك، تلك الصفة معلومة، وكيفيتها مجهولة، والإيمان بها واجب، والسؤال عنها بدعة، وقد أخبرنا الله بها ولم يخبرنا بكيفيتها، فيجب علينا الوقوف على ما حد لنا، فأهل الزيغ يتبعون هذه الأمور المشتبهات تعرضا لما لا يعني، وتكلفا لما لا سبيل لهم إلى علمه، لأنه لا يعلمها إلا الله، وأما الراسخون في العلم فيؤمنون بها ويكلون المعنى إلى الله فيسلمون ويسلمون. وإن أريد بالتأويل التفسير والكشف والإيضاح، كان الصواب عطف ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ على ﴿الله﴾ فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمها إلا هو تعالى، والراسخون في العلم يعلمون أيضا، فيؤمنون بها ويردونها للمحكم ويقولون ﴿كُلٌ﴾ من المحكم والمتشابه ﴿مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض".

стр. 107

١٠٧ - قول العلامة المحدث أحمد محمد شاكر (المتوفى: ١٣٧٧): قال أحمد شاكر في عمدة التفسير (ص: ٢٥٦): "ونحن على النهج الصحيح الذي كان عليه السلف الصالح، نؤمن بما ورد في الصفات كما ورد من غير تشبيه ولا تمثيل، ولا خروج عن معنى الكلام بالتأويل".

стр. 108

١٠٨ - قول العلامة محمد حامد الفقي (المتوفى: ١٣٧٨): قال محمد حامد الفقي كما في مجلة الهدي النبوي (العدد ٣٠، المجلد ٣، ص: ٢٧): "أؤمن بما وصف الله به نفسه العلية، وما وصفه به رسوله الصادق الهادي محمد المهدي، على معناه العربي الذي يفهم بلسان القرآن العربي المبين، على ما يليق بالله الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير".

стр. 109

١٠٩ - قول العلامة عبد الرحمن المعلمي (المتوفى: ١٣٨٦): قال ﵀ كما في آثار الشيخ عبد الرحمن المعلمي (٤/ ١٦٠): "وأما ما ورد من آيات الصفات وأحاديثها فالذي يُفهَم منها هو أن لله جل ذكره مطلق يد ووجه ونحو ذلك مما ورد، أما أن يدل على ماهية أو كيفية ونحوها فلا، بل لو قيل: إن ملَكا من الملائكة له رأس لما فهِم منه إلا أنّ له رأسًا فحسب فأما تفصيله فكلاّ. وذلك أن الماهية والكيفية ونحوها لا تُفهم بمجرد ذكر الرأس مثلا، وإنما يحكم الإنسان على الشيء الغائب عنه إذا كان قد عرف نوعه ... فإن قالوا: إن ظاهرها هو أن المراد باليد يدٌ كأيدينا، وبالوجه وجهٌ كوجوهنا، ونحو ذلك، فغير مسلَّم؛ لما مرَّ أنها لا تُفهِم إلا مطلق يد ووجه ونحوها مما ورد، فإن تصوَّرَ الإنسان ماهية أو كيفية أو كمية، فهو يعلم أنّ ذلك تخيلٌ بحتٌ ... وإن قالوا: إنّ ظاهرها هو إثبات مطلق اليد والوجه ونحوها مما ورد، وزعموا أنّ ذلك من أصله محال، فلا ولا كرامة، فإن العليم الخبير أنزل تلك الآيات البينات غير جاهل ولا غافل، وقد أنزل القرآن عربيًا مبينا، وكلف العرب بما فهمته من كتابه ومن كلام نبيه ﷺ ، ولا شك أنهم عند سماع هذه الآيات يفهمون منها ظاهرها غالبًا، أي: ثبوت مطلق يد ووجه ونحوهما مما ورد ... وأما قولهم بأنّ العقل يصرفها عن ظاهرها، وكان العرب عقلاء يعلمون عظمة الجبار ﷻ ، ويقطعون بتنزُّهه عن ظواهر تلك الآيات، وإن فُرض ضلالُ أحد منهم فهو لتقصيره في عدم النظر بالعقل. فجوابه: أنّ العقل غايته إدراك انتفاء النقائص عن الله ، تفصيلا فيما يقطع بكونه نقيصة، وإجمالاً فيما عدا ذلك. ومطلق اليد والوجه اللائقين بجلال الرب ونحوهما مما ورد لا يقطع العقل الصحيح بكون ذلك من النقائص، كما في السمع والبصر وغيرهما من الصفات، ومن اعتقد أنّ ذلك من النقائص فقد غلط. ومثار الغلط: التصوّر؛ فإن الذهن إذا تصور مطلق اليد والوجه ونحوهما تصوّر ماهية وكمية جريًا على ما يعتاده ويعرفه في المحسوسات، فيغلط بعض النظار، فيظن لشدة تلازمهما في الذهن تلازمهما في الخارج، وليس كذلك".

стр. 110

١١٠ - قول العلامة محمد بن إبراهيم آل الشيخ (المتوفى: ١٣٨٩): قال كما في فتاوى ورسائل محمد بن إبراهيم آل الشيخ (١/ ١٧٥): "مذهب أَهل السنة والجماعة هو الإيمان بما ثبت في الكتاب والسنة من أَسماء الله وصفاته لفظًا ومعنى، واعتقاد أَن هذه الأَسماءَ والصفات على الحقيقة لا على المجاز، وأَن لها معاني حقيقة تليق بجلال الله وعظمته. وأدلة ذلك أَكثر من أَن تحصر. ومعاني هذه الأَسماء ظاهرة معروفة من القرآن كغيرها لا لبس فيها ولا إشكال ولا غموض، فقد أخذ أَصحاب رسول الله ﷺ عنه القرآن ونقلوا عنه الأَحاديث لم يستشكلوا شيئًا من معاني هذه الآيات والأَحاديث، لأَنها واضحة صريحة، وكذلك من بعدهم من القرون الفاضلة، كما يروى عن مالك لما سئل عن قوله سبحانه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال: الاستواءُ معلوم، والكيف مجهول والايمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. وكذلك يروى معنى ذلك عن ربيعة شيخ مالك، ويروى عن أُم سلمة مرفوعًا وموقوفًا. أما كنه الصفة وكيفيتها فلا يعلمه إلا الله سبحانه، إذ الكلام في الصفة فرع عن الكلام في الموصوف، فكما لا يعلم كيف هو إلا هو، فكذلك صفاته. وهو معنى قول مالك: والكيف مجهول".
следующие страницы →