← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 22800

فضائل القرآن لابن كثير

ابن كثير

Полный текст (305 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[فضائل القرآن]ـ المؤلف: ابن كثير، أبي الفداء عماد الدين إسماعيل بن عمر الناشر: مكتبة ابن تيمية الطبعة: الطبعة الأولى - ١٤١٦ هـ عدد الأجزاء: ١ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

стр. 2

المقدمات مقدمة المحقق بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمد لله تعالى نحمده، ونستعين به ونستغفره، ونعوذ بالله تعالى من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. مَنْ يهد الله تعالى فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد: فإن أصدق الحديث كتابُ الله تعالى، وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ ، وشرَّ الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. فهذا كتاب "فضائل القرآن" للإمام النحرير، السلفيّ الكبير, عماد الدين أبي الفداء, المعروف بـ "ابن كثير"، جرى فيه على منوال البخاريِّ، فذكر متنه وخرَّج أحاديثه، وعلَّقَ عليها تعليقات يسيرة، ثم أردف ذلك بباب جامع، سرد فيه طائفة من جياد الأحاديث، وألحقه الحافظ ابن كثير في آخر تفسيره في أول الأمر، ثم أثبته في أول التفسير بعد ذلك, فقال في "النسخة المكية" والمرموز لها بالرمز "أ" وكتبت سنة "٧٥٩" في حياة المصنف، وقبل موته بخمسة عشر عامًا، قال ﵀: "ذكر البخاريُّ ﵀ كتاب "فضائل القرآن" بعد "كتاب التفسير"؛ لأن التفسير أهم، فلهذا بدأ به، فجرينا على منواله وسننه مقتدين به". وقال في النسخة التي كتبها العالم الحنبلي ابن المحب ﵀، واسمه أحمد بن محمد بن أحمد بن المحب، وكانت وفاته سنة "٧٧٦" في شهر ربيع الآخر كما في "الدرر الكامنة" "١/ ٢٤٤/ رقم ٦٣١"، وكتب ابن المحب هذه النسخة في حياة المصنف، وله تقييدات عليها بخطه, وهي في

стр. 3

غاية الإتقان والتحرير، فقال ابن كثير -رحمة الله: "ذكر البخارى ﵀ كتاب "فضائل القرآن" بعد "كتاب التفسير"؛ لأن التفسير أهم، فلهذا بدأ به، ونحن قدمنا الفضائل قبل التفسير، وذكرنا فضل كل سورة قبل تفسيرها؛ ليكون ذلك باعثًا على حفظ القرآن، وفهمه والعمل بما فيه، والله المستعان". اهـ. وقد طُبِعَ هذا الكتاب مرارًا على مطبوعة الشيخ محمد رشيد رضا ﵀، واعتمد فيها على النسخة المكية، ولكن وقع في هذه المطبوعة تحريف كثير, وطبعه الناس بعده مقتفين أثره حتى في هذا التحريف، ولم يخدم بتخريج أحاديثه وآثاره، أضف إلى ذلك أن ابن كثير ألحق نحو صفحتين خلت منهما النسخة المكية، فبهذا تكون هذه الطبعة هي الوحيدة الكاملة، واعتمدت في إخراجها على أربع مخطوطات، يأتي وصفهنّ -إن شاء الله، وأوليت النص عناية فائقة، وأرجو أن يكون كما صنَّفَه صاحبه -إن شاء الله تعالى، وخرَّجْتُ أحاديثه تخريجًا مختصرًا، وقد أطيل أحيانًا إطالةً خفيفة لأمر اقتضاه المقام، وقد بسطت تخريج أحاديث هذا الكتاب في كتابي "تسلية الكظيم بتخريج أحاديث وآثار تفسير القرآن العظيم", وقد نجز منه ثلاث مجلدات إلى نهاية سورة الفاتحة. والله أسأل أن يجعله زادًا إلى حسن المصير إليه، وعتادًا إلى يمن القدوم عليه، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، والحمد لله أولًا وآخرًا ظاهرًا وباطنًا. وكتبه راجي عفو ربه الغفور أبو إسحاق الحويني الأثري حامدًا لله تعالى ومصليًّا على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين أول ذي الحجة/ ١٤١٥هـ.

стр. 4

ترجمة الحافظ ابن كثير ﵀ ١: الإمام الحافظ المحدّث المؤرخ الثقة، ذو الفضائل، عماد الدين، أبو الفداء: إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير، القرشيّ، الدمشقيّ، الشافعيّ. وُلِدَ ﵀ بقرية "مجدل" من أعمال "بُصْرَى"٢. وكان أبوه من أهل "بُصْرَى"، وأمه من قرية "مجدل". وقومه كانوا "ينتسبون إلى الشرف، وبأيديهم نسب، وقف على بعضها شيخنا المِزّي, فأعجبه ذلك وابتهج به، فصار يكتب في نسبي بسبب ذلك "القرشيّ" -كما قال هو في ترجمة أبيه، في تاريخه "البداية والنهاية". وتاريخ مولده سنة ٧٠٠، كما ذكر أكثر من ترجم له، "أو بعدها بقليل" كما قال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة, وهو تاريخ تقريبي, أرجِّحُ أنه مستنبط من كلامه في ترجمة أبيه، حيث ذكر أن أباه "توفي سنة ٧٠٣.. وكنت إذ ذاك صغيرًا ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أدركه إلّا كالحلم". و"ابن ثلاث سنين" لا يعرف تواريخ السنين -على اليقين- في تلك السن, فقد سمع إذن تحديد السنة التي مات فيها أبوه ممن حوله من إخوة أو أهل أو جيران, ولكنه يدرك أباه "كالحلم", فالذي هو في سنٍّ أقل

стр. 5

من الثلاث ما أظنه يذكر شيئًَا "كالحلم", ولا أبعد من الحلم ولا أقرب, فهو حين موت أبيه قد جاوز الثالثة -في أكبر ظني, ولذلك أرجِّح أن مولده كان في سنة ٧٠٠ أو قبلها بقليل, وهو أقرب إلى الصحة من قول الحافظ ابن حجر: "أو بعدها بقليل"؛ لأن الذي "بعدها" لا يكاد يبلغ الثالثة عند موت أبيه. وكان أبوه "الخطيب شهاب الدين أبو حفص عمر بن كثير" من العلماء الفقهاء الخطباء, وُلِدَ -كما قال ابنه- في حدود سنة ٦٤٠, وترجم له ابنه الحافظ في تاريخه الكبير "البداية والنهاية"، ج١٤ ص٣١- ٣٣, ومما قال في ترجمته: "اشتغل بالعلم عند أخواله بني عقبة ببصرى؛ فقرأ "البداية" في مذهب أبي حنيفة، وحفظ "جمل الزَّجَّاجي"، وعني بالنحو والعربية واللغة، وحفظ أشعار العرب، حتى كان يقول الشعر الجيد الفائق الرائق في المدح والمراثي وقليل من الهجاء, وقرر بمدارس بصرى بِمَبْرَكِ الناقة شماليّ البلدة، حيث يُزَار، وهو المبْرَك المشهور عند الناس١! والله أعلم بصحة ذلك, ثم انتقل إلى خطابة القرية شرقيّ بُصْرَى، وتمذهب للشافعي، وأخذ عن النواوي والشيخ تقي الدين الفزاري -وكان يكرمه ويحترمه، فيما أخبرني شيخنا العلامة ابن الزملكاني, فأقام بها نحو من ١٢ سنة, ثم تحول إلى خطابة "مجدل": القرية التي منها الوالدة, فأقام بها مدة طويلة، في خير وكفاية وتلاوة كثيرة, وكان يخطب جيدًا، وله مقول عند الناس، ولكلامه وقع؛ لديانته وفصاحته وحلاوته, وكان يؤثر الإقامة في البلاد٢، لما يرى فيها من الرفق ووجود الحلال له ولعياله. وقد وُلِدَ له عدة أولاد من الوالدة ومن أخرى قبلها؛ أكبرهم: إسماعيل، ثم يونس،

стр. 6

وإدريس, ثم من الوالدة: عبد الوهاب، وعبد العزيز، وأخوات عدة, ثم أنا أصغرهم، وسميت باسم الأخ "إسماعيل"؛ لأنه كان قد قَدِمَ دمشق، فاشتغل بها بعد أن حفظ القرآن على والده، وقرأ مقدمة في النحو، وحفظ التنبيه، وشرحه على العلَّامة تاج الدين الفزاري، وحصَّل المنتخب في أصول الفقه. قاله لي شيخنا ابن الزملكاني. ثم إنه سقط من سطح الشامية البرانية، فمكث أيامًا ومات, فوجد الوالد عليه وجدًا كثيرًا، ورثاه بأبيات كثيرة, فلما وُلِدْتُ أنا له بعد ذلك سماني باسمه؛ فأكبر أولاده: إسماعيل، وأصغرهم وآخرهم: إسماعيل. فرحم الله من سلف، وختم بخير لمن بقي. توفي والدي في شهر جمادى الأولى سنة ٧٠٣ في قرية مجدل، ودُفِنَ بمقبرتها الشمالية عند الزيتون، وكنت إذ ذاك صغيرًا، ابن ثلاث سنين أو نحوها، لا أدركه إلّا كالحلم, ثم تحوَّلنا من بعده في سنة ٧٠٧ إلى دمشق، صحبة "كمال الدين عبد الوهاب" وقد كان لنا شقيقًا، وبنا رفيقًا شفوقًا، وقد تأخَّرت وفاته إلى سنة خمسين "يعني سنة ٧٥٠"، فاشتغلت على يديه في العلم، فيسَّر الله تعالى منه ما يسر، وسهَّل منه ما تعسر". وقد بدأ الاشتغال بالعلم على يدي أخيه عبد الوهاب -كما قال آنفًا, ثم اجتهد في تحصيل العلوم على العلماء الكبار في عصره, وحفظ القرآن الكريم، وختم حفظه سنة ٧١١، كما صرَّح بذلك في تاريخ ١٤: ٣١٢, وقرأ بالقراءات، حتى عدَّه الداودي من القراء١، وترجم له في طبقاتهم التي ألفها٢, وسمع الحديث من كثير من أئمة الحفاظ في عصره, وعني

стр. 7

بالسماع والإكثار منه. فمما ذكر في تاريخه ١٤: ١٤٩، أنه سمع صحيح مسلم في تسعة مجالس على الشيخ نجم الدين ابن العسقلاني، بقراءة الوزير العالم أبي القاسم محمد بن محمد بن سهل الأزدي الغرناطي الأندلسي، المتوفى بالقاهرة في ٢٢ محرم سنة ٧٣٠, حين قدم دمشق في جمادى الأولى سنة ٧٢٤ عازمًا على الحج. وذكر في ترجمة شيخه الكبير المعمِّر الرحلة شهاب الدين الحجار, المعروف بابن الشحنة: أنه سمع عليه "بدار الحديث الأشرفية في أيام الشتويات نحوًا من خمسمائة جزء بالإجازات والسماع". وهذا الشيخ "عاش مائة سنة محققًا, وزاد عليها", وتوفي سنة ٧٣٠. "التاريخ ١٤: ١٥٠". وتفقَّه على الشيخين برهان الدين الفزاري وكمال الدين ابن قاضي شهبة, وحفظ التنبيه للشيرازي في فروع الشافعية، ومختصر ابن الحاجب في الأصول, ولزم الحافظ الكبير أبا الحجاج المزي، وقرأ عليه مؤلفه العظيم في الرجال "تهذيب الكمال"، وصاهره على ابنته زينب١, وكان من أعظم تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، ولازمه وتخرَّج على يديه، وكانت له به خصوصيَّة ومناضلة عنه، واتِّباعٌ له في كثير من آرائه, وكان يفتي برأيه في مسألة الطلاق٢، وامتُحِنَ بسبب ذلك وأوذي.

стр. 8

وكان من أفذاذ العلماء في عصره, أثنى عليه معاصروه وتلاميذه ومن بعدهم, الثناءَ الجمّ: فذكره الحافظ الذهبي في طبقات الحفاظ ٤: ٢٩، مع أن الذهبي يكاد يكون من طبقة شيوخه؛ لأنه مات سنة ٧٤٨، قبل ابن كثير بـ ٢٦ سنة؛ فقال في طبقات الحفاظ: "وسمعت مع الفقيه المفتي المحدث، ذي الفضائل، عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير البُصْرَوي الشافعيّ ... سمع من ابن الشّحنة وابن الرداد وطائفة, له عناية بالرجال والمتون والفقه, خرَّجَ وناظَر وصنَّفَ وفسَّر وتقدَّم". وقال الذهبي في المعجم المختص -فيما نقل ابن حجر وغيره: "الإمام المفتي المحدث البارع، فقيه متفنن، محدث متقن، مفسّر نقّال". وقال تلميذه شهاب الدين بن حجي: "كان أحفظ من أدركناه لمتون الأحاديث، وأعرفهم بتخريجها ورجالها، وصحيحها وسقيمها, وكان أقرانه وشيوخه يعترفون له بذلك, وكان يستحضر كثيرًا من التفسير والتاريخ، قليل النسيان, وكان فقيهًا جيد الفهم صحيح الذهن، ويحفظ التنبيه إلى آخر وقت. ويشارك في العربية مشاركة جيدة، وينظم الشعر, وما أعرف أني اجتمعت به -على كثرة ترددي عليه- إلّا واستفدت منه". "عن النعيمي في كتاب الدارس". وقال تلميذه الحافظ أبو المحاسن الحسيني في ذيل تذكرة الحفاظ "ص ٥٨": "وصاهر شيخنا أبا الحجاج المزي فأكثر عنه, وافتى ودرس وناظر، وبرع في الفقه والتفسير والنحو, وأمعن النظر في الرجال والعلل".

стр. 9

وقال الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة: "ولازم المزّي، وقرأ عليه تهذيب الكمال، وصاهره على ابنته, وأخذ عن ابن تيمية ففُتِنَ بحبه، وامتُحِنَ بسببه, وكان كثير الاستحضار، حسن المفاكهة, سارت تصانيفه في البلاد في حياته، وانتفع بها الناس بعد وفاته, ولم يكن على طريقة المحدثين في تحصيل العوالي، وتمييز العالي من النازل, ونحو ذلك من فنونهم, وإنما هو من محدِّثي الفقهاء, وقد اختصر مع ذلك كتاب ابن الصلاح١، وله فيه فوائد". ونقل السيوطي في ذيل طبقات الحفّاظ كلام الحافظ ابن حجر في أنه "لم يكن على طريقة المحدثين ... " ثم تعقبه بقوله: "العمدة في علم الحديث معرفةُ صحيح الحديث وسقيمه، وعلله واختلاف طرقه، ورجاله جرحًا وتعديلًا, وأما العالي والنازل ونحو ذلك -فهو من الفضلات، لا من الأصول المهمة". وهذا حق. وقال السيوطي أيضًا: "له التفسير الذي لم يؤلف على نمطه مثله". وقال العلامة العيني -فيما نقل عنه ابن تغري بردي في النجوم الزاهرة: "كان قدوة العلماء والحفَّاظ، وعمدة أهل المعاني والألفاظ, وسمع وجمع، وصنَّف ودرس، وحدَّث وألَّف, وكان له اطلاعٌ عظيم في الحديث والتفسير والتاريخ، واشتُهِرَ بالضبط والتحرير، وانتهي إليه

стр. 10

علم التاريخ والحديث والتفسير, وله مصنفات عديدة مفيدة". ووصفه الحافظ العلّامة شمس الدين بن ناصر، في كتاب "الرد الوافر" بأنه "الشيخ الإمام العلامة الحافظ، عماد الدين، ثقة المحدثين، عمدة المؤرخين، عَلَم المفسّرين". وقال فيه ابن حبيب -فيما نقل الداودي في طبقات القراء, وابن العماد في الشذرات: "إمام ذوي التسبيح والتهليل، وزعيم أرباب التأويل, سمع وجمع وصنَّف، وأطرب الأسماع بأقواله وشنَّف، وحدَّث وأفاد، وطارت فتاويه إلى البلاد، واشتهر بالضبط والتحرير، وانتهت إليه رياسة العلم في التاريخ والحديث والتفسير". وروى له الحافظ ابن حجر في إنباء الغمر، وابن العماد في الشذرات, البيتين المشهورين، الذائعين على الألسنة: تَمُرُّ بنا الأيام تترى وإنما ... نُسَاقُ إلى الآجال والعين تَنْظُرُ فلا عائِدٌ ذاك الشباب الذي مضى ... ولا زائل هذا المشيب المُكَدِّرُ وصحبته وملازمته لشيخ الإسلام ابن تيمية أفادته أعظم الفوائد، في علمه ودينه، وتقوية خلقه، وتربية شخصيته المستقلة الممتازة. فهو مستقلّ الرأي، يدور مع الدليل حيث دار، لا يتعصّب لمذهبه ولا لغيره, وكتبه العظيمة، وخاصة هذا التفسير الجليل, فيها الدلائل الوافرة, ونجده -مع أنه شافعي المذهب- يفتي في مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد، بما رجحته الدلائل الثابتة الصحاح، أنه يقع طلقة واحدة, ثم يُمْتَحَن ويلقى الأذى، فيثبت على قوله، ويصبر على ما يلقى في سبيل الله. وهو -وهو تلميذ شيخ الإسلام ومن خاصة أنصاره -يعرف ما كان بين شيخه شيخ الإسلام، وبين قاضي القضاة تقي الدين السبكي- ومع

стр. 11

ذلك فإنه لا يعين عليه في محنة لحقته، بل يعلن عن غبطته بأن تزول عنه المحنة, فيذكر في التاريخ -في حوادث سنة ٧٤٣ "١٤: ٢٠٤" أنه أرجف الناس كثيرًا بقاضي القضاة في دمشق, واشتهر أنه سينعقد له مجلس للدعوى عليه بما دفعه من مال الأيتام إلى الطنبغا وإلى الفخري, وكُتِبَت فتوى عليه بذلك في تغريمه، وداروا بها على المفتين، فلم يكتب لهم أحد فيها غير القاضي جلال الدين بن حسام الدين الحنفي، رأيت خطَّه عليها وحده بعد الصلاة, وسئلت في الإفتاء عليها فامتنعت؛ لما فيها من التشويش على الحكام". ثم يقول: "وكانوا له في نية عجيبة، ففرَّج الله عنه بطلبه إلى الديار المصرية". فهذا خُلُق أهل العلم النبلاء الأتقياء. وقد طار ذكره في الأقطار الإسلامية، حتى إنه ليذكر في حوادث سنة ٧٦٣ "١٤: ٢٩٤-٢٩٥" أن شابًّا عجميًّا حضر من بلاد تبريز وخراسان "يزعم أنه يحفظ البخاري ومسلمًا وجامع المسانيد والكشاف للزمخشري وغير ذلك", وأنه امتحنه بقراءة مجالس من البخاري وغيره بحضرة قاضي القضاة الشافعي وجماعة من الفضلاء، ثم قال: "وفرح بكتابتي له بالسماع على الإجازة, وقال: أنا ما خرجت من بلادي إلّا إلى القصد إليك، وأن تجيزني، وذكرك في بلادنا مشهور". وهذا الخبر يدل على أن كتابه "جامع المسانيد" وصل إلى أقصى الشرق، في بلاد تبريز وخراسان، حتى يحفظه هذا الشاب الأعجمي أو يحفظ شيئًا منه, في حين أن الحافظ ابن كثير لم يتم تأليف "جامع المسانيد" كما هو معروف؛ فكأن العلماء وطلاب العلم كانوا ينسخون ما يخرج منه، ويتداولونه بينهم، حتى يصل من دمشق إلى تلك النواحي النائية. ولم يكن ممن يُخْدَع في الفتاوى التي ظاهرها قَصْد الاستفتاء،

стр. 12

ووراءها ألاعيب سياسية، أو أغراض شخصية غير سلمية، وإن كان المستفتي من الأمراء أو ممن يخشى بأسه, فهو يقول في حوادث سنة ٧٦٢: "وجاءتني فتيا صورتها: ما تقول السادة العلماء في ملك اشترى غلامًا, فأحسن إليه وأعطاه وقدّمه, ثم إنه وثب على سيده فقتله وأخذ ماله ومنع ورثته منه؟ وتصرَّفَ في المملكة، وأرسل إلى بعض نواب البلاد ليقدم عليه ليقتله: فهل له الامتناع منه، وهل إذا قاتل دون نفسه وماله حتى يقتل يكون شهيدًا؟ وهل يثاب الساعي في خلاص حق ورثة الملك المقتول من القصاص والمال؟ أفتونا مأجورين؟ ". فهذا استفتاء صِيغَ في صورةٍ توحي بالجواب, وباطنُه أن ذاك الأمير السائل يريد أن يمتنع على الملك الذي دعاه للحضور عنده، ويريد أن يثير فتنةً وقتالًا على صاحب الأمر، لعله يصل إلى ما وصل إليه ذاك من الملك، كعادة الأمراء من المماليك في ذلك العهد, ولكنَّ ابن كثير يجيبه جوابًا حكيمًا يكشف عن بعض مقصده، ويضمن جوابه النصيحة الواجبة في مثل هذه الحال، فيقول: "فقلت للذي جاءني بها من جهة الأمير: إن كان مراده خلاص ذمته فيما بينه وبين الله تعالى, فهو أعلم بنيته في الذي يقصده! ولا يسعى في تحصيل حقٍّ معين, إذا تَرتَّب على ذلك مفسدة راجحة في ذلك، فيؤخر الطلب إلى وقت إمكانه بطريقه! وإن كان مراده بهذا الاستفتاء أن يتقوى بها في جمع الدولة، والأمراء عليه, فلا بُدَّ أن يكتب عليها كبار القضاة والمشايخ أولًا، ثم بعد ذلك بقية المفتين بطريقه". "التاريخ ١٤: ٢٨١: ٢٨٢". وكان الإفرنج قد غدروا بمدينة الإسكندرية، وأشاعوا فيها الرعب، وارتكبوا الفظائع غدرًا, وذلك أنهم وصلوا إليها من البحر يوم الأربعاء ٢٢ محرم سنة ٧٦٧, فلم يجدوا بها نائبًا ولا جيشًا، ولا حافظًا للبحر

стр. 13

ولا ناصرًا, فدخلوها يوم الجمعة بكرة النهار، بعدما حرقوا أبوابًا كثيرة منها, وعاثوا في أهلها فسادًا؛ يقتلون الرجال، ويأخذون الأموال، ويأسرون النساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير المتعال, وأقاموا يوم الجمعة والسبت والأحد والإثنين والثلاثاء, فلما كان صبيحة الأربعاء قَدِمَ الشاليش المصري١، فأقلعت الفرنج -لعنهم الله- عنها، وقد أسروا خلقًا كثيرًا يقاربون الأربعة آلاف، وأخذوا من الأموال ذهبًا وحريرًا وبهارًا وغير ذلك، ما لا يُحدُّ ولا يوصف, وقَدِمَ السلطان والأمير الكبير يلبغا ظهر يومئذ, وقد تفارط الحال، وتحولت الغنائم كلها إلى الشوائن بالبحر، فسمع للأسارى من العويل والبكار والشكوى والجأر إلى الله، والاستغاثة به وبالمسلمين, ما قطَّع الأكباد، وذرفت له العيون, وأصمَّ الأسماع. فإنا لله وإنا إليه راجعون, ولما بلغت الأخبار إلى أهل دمشق شق عليهم ذلك جدًّا، وذكر ذلك الخطيب يوم الجمعة على المنبر، فتباكى الناس كثيرًا. فإنا لله وإنا إليه راجعون". فهذه وقعة شنيعة غادرة من الإفرنج -كعادتهم, والنفوس تتقزز من مثلها، وتثور من أجلها, والملوك والأمراء الظالمون ينتهزون فرصة تعبئة الرأي العام الإسلامي, وتورثه من أجل هذا الغدر، وغضبًا لهذه الفظائع؛ ليأكلوا أموال الناس بالباطل، وظاهر أمرهم الانتقام, وباطنه السلب والنهب.

стр. 14

ولكن الحافظ ابن كثير يلزم جانب الحق والعدل، ولا يرضى بالظلم، ولو كان ظاهره الانتقام والثأر للمسلمين، فيقول: "وجاء المرسوم الشريف من الديار المصرية، إلى نائب السلطنة، يمسك النصارى من الشام جملة واحدة، وأن يأخذ منهم ربع أموالهم، لعمارة ما خرب من الإسكندرية، ولعمارة مراكب تغزو الإفرنج, فأهانوا النصارى، وطُلِبُوا من بيوتهم بعنف, وخافوا أن يقتلوا، ولم يفهموا ما يراد بهم، فهربوا كل مهرب. "ولم تكن هذه الحركة شرعية, ولا يجوز اعتمادها شرعًا". وقد طلبت يوم السبت السادس عشر من صفر -أي: سنة ٧٦٧- إلى الميدان الأخضر، للاجتماع بنائب السلطنة، وكان اجتماعنا بعد العصر يومئذ، بعد الفراغ من لعب الكرة, فرأيت منه أنسًا كبيرًا، ورأيته كامل الفهم، حسن العبارة, كريم المجالسة. "فذكرت له أن هذا لا يجوز اعتماده في النصارى" -يعني المرسوم بالمصادرة، فقال: إن بعض فقهاء مصر أفتى للأمير الكبير بذلك! فقلت: له هذا مما لا يسوغ شرعًا، ولا يجوز لأحد أن يفتي بهذا, ومتى كانوا باقين على الذمة، يؤدون إلينا الجزية ملتزمين بالذلة والصغار، وأحكام الملة قائمة, لا يجوز أن يؤخذ منهم الدرهم الواحد الفرد فوق ما يبذلونه من الجزية, ومثل هذا لا يخفى على الأمير"! فقال: كيف أصنع وقد ورد المرسوم بذلك؟ ولا يمكنني أن أخالفه؟ ثم ذكر أن نائب السلطنة كتب بذلك إلى الديار المصرية, ولكن هذا النائب لم يكن عند قوله، فنفذ المرسوم، و"طلب النصارى الذين اجتمعوا في كنيستهم إلى بين يديه، وهم قريب من أربعمائة، فحلفهم: كم أموالكم؟ وألزمهم بأداء الربع من أموالهم، فإنا لله وإنا إليه راجعون". وكانت هذا المصادرة الظالمة في شهر ربيع الأول سنة ٧٦٧, ثم قال الحافظ -في حوادث شهر ربيع الآخر: "وفي أوائل هذا الشهر ورد المرسوم الشريف السلطاني، بالرد على نساء النصارى, ما كان أخذ منهن مع الجباية التي كان تقدم أخذها منهم", وإن

стр. 15

كان الجمع ظلمًا، ولكن الأخذ من النساء أفحش وأبلغ في الظلم". "التاريخ ١٤: ٣١٤-٣١٥، ٣١٨". فانظر إلى هذا الإمام العظيم، الذي يقف عند حدود الشريعة المطهرة، يقيم ميزان العدل الصحيح كما عرفه من دينه الحنيف، ويألم ويسترجع لما ناب النصارى من مصادرة ظالمة من أمراء طغاة جائرين، كما ألم واسترجع من قبل لما أصاب المسلمين من غدر النصارى وبغيهم، وشتان هذا وذاك, ولكنه لا يرضى إلّا أن يقيم ميزان العدل. فكان هذا العقل المستقلّ العظيم الثابت على الحق، والذي لا تغلبه العواطف والأهواء، مما يجعل للرجل منزلة عند الناس كبيرة, يثق به أنصاره وغير أنصاره، وموافقوه ومخالفوه, بل جعله موضع الثقة والاستشارة عند الذميين، حتى ليستشيره بعض رؤسائهم في أخص شئونهم الكنيسية، فإنه يذكر قصة طريفة، في استشارة أحد البتاركة إياه في ذلك، يحسن أن نذكرها بعبارته بحروفها: فقال -في حوادث سنة ٧٦٧: "وحضر عندي يوم الثلاثاء تاسع شوال، البَتْرَك بشارة، الملقَّب بميخائيل، وأخبرني أن المطارنة بالشام بايعوه على أن جعلوه بتركًا بدمشق، عوضًا عن البَتْرَك بأنطاكية, فذكرت له أن هذا أمر مبتدع في دينهم، فإنه لا تكون البتاركة إلّا أربعة: بالإسكندرية، وبالقدس، وبأنطاكية، وبرومية, فنُقِلَ رومية إلى إسطنبول، وهي القسطنطينية، وقد أنكر عليهم كثير منهم إذ ذاك، فهذا الذي ابتدعوه في هذا الوقت أعظم من ذلك, لكن اعتذر بأنه في الحقيقة هو عن أنطاكية، وأنطاكية، وإنما إذن له في المقام بالشام الشريف، لأجل أنه أمره نائب السلطنة أن يكتب عنه وعن أهل ملتهم إلى صاحب قبرص، يذكر له ما حلَّ بهم من الخزي والنكال والجناية؛ بسبب عدوان صاحب قبرص على مدينة الإسكندرية, وأحضر لي الكتب إليه وإلى

стр. 16

ملك إسطنبول، وقرأها عليّ من لفظه -لعنه الله ولعن المكتوب إليهم أيضًا, وقد تكلمت معه في دينهم، ونصوص ما يعتقده كل من الطوائف الثلاثة، وهم: الملكية، واليعقوبية -ومنهم الإفرنج والقبط- والنسطورية، فإذا هو يفهم بعض الشيء, ولكن حاصله أنه حمار، من أكفر الكفار! لعنه الله". "التاريخ ١٤: ٣١٩-٣٢٠". ولا يعجبنَّ القارئ من أن يكون ابن كثير أعلم بعقائد طوائف النصارى من أحد بتاركتهم. أستغفر الله، بل إنه يذكر عن ذاك البترك ميخائيل الذي تكلَّم معه -أنه يفهم بعض الشيء؛ لأن ابن كثير ﵀ من أوسع العلماء اطلاعًا على أقوال أهل الملل والنحل، وخاصة مذاهب المسيحيين، كما يدل عليه كلامه في مواضع كثيرة في التفسير والتاريخ, بل يكفي في الدلالة على سعة اطلاعه في ذلك أن يكون تلميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي ألف موسوعته النفيسة في ذلك: "كتاب الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح". وهو مطبوع معروف. وكان ﵀ قد أضرَّ في آخر عمره, ثم مات يوم الخميس ٢٦ شعبان سنة ٧٧٤, وقال ابن ناصر: "وكانت له جنازة حافلة مشهورة, ودفن بوصية منه في تربة شيخ الإسلام ابن تيمية، بمقبرة الصوفية، خارج باب النصر من دمشق". أ. هـ. قلت: وأما مصنفاته فكثيرة، وقد ذكرتها في مقدمتي لتفسيره الشهير، فلله الحمد على توفيقه. وهو المستعان.

стр. 17

وصف نسخ الكتاب الخطية: اعتمدت في إخراج هذا الكتاب على أربع نسخ: النسخة الأولى: وهي المرموز لها بالرمز "أ", وكُتِبَت في حياة المصنف ﵀ سنة "٧٥٩"، ووقعت في المجلد العاشر من هذه النسخة من الورقة "١٩٣" إلى آخر الكتاب، والذي ينتهي بالورقة "٢٣٨", وجاء في آخره: "آخر كتاب فضائل القرآن, وبه تمَّ التفسير للحافظ العلامة الرحلة مفيد الطالبين، الشيخ عماد الدين إسماعيل, الشهير بـ "ابن كثير" -كثَّر الله أمثاله على يد أفقر العباد إلى الله الغني: محمد بن أحمد بن معمر المقرئ البغدادي -عفا الله عنه ونفعه بالعلم ووفقه للعمل به، آمين. وحرس الله مجد مالكه، آمين. بتاريخ الجمعة عاشر جمادى الآخرة سنة تسع وخمسين وسبعمائة هلالية هجرية، صلوات الله وسلامه على مشرفها، والحمد لله أولًا وآخرًا، وباطنًا وظاهرًا، وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا". وخط النسخة حسن جيد، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها "٢١" سطرًا في كل وجه, وهي من محفوظات مكتبة الحرم المكي -زاده الله تشريفًا، وهي مأخوذة عن الأصل المحفوظ في مكتبة الأوقاف ببغداد. النسخة الثانية: وهي المرموز لها بالرمز "جـ", وكتبت في حياة المؤلف -رحمه الله تعالى، وقع لي منها المجلد الأول حسب، وعدد أوراقه "٢٢٦" ورقة، وفي كل ورقة وجهان، ومسطرتها "٢٧" سطرًا، وخطها في غاية

стр. 18

الحسن، ويبدأ كتاب "فضائل القرآن" من الورقة رقم "٥/ ٢" وحتى الورقة "٤١/ ٢", وناسخها هو العالم العلامة أحمد بن محمد بن أحمد بن المحب بن عبد الله المقدسي الحنبلي، وكان من فضلاء العلماء, تمهَّر وتكلَّم على الناس فأجاد، وكانت له عناية بالحديث، أحضر على الحجار، وأسمع من غيره, مات في شهر ربيع الآخر سنة "٧٧٦" كما في "الدرر الكامنة" "١/ ٢٤٤" -يعني بعد وفاة ابن كثير بسنتين. وهذه النسخة بها حواشٍ من خطِّ المصنِّف، وعليها تصحيحات، وجاء في آخرها: "آخر السفر الأول من هذه النسخة، كتبه لنفسه العبد الفقير إلى عفو ربه القدير، أحمد بن محمد بن أحمد بن المحب، عفا الله عنهم وسامحهم، وهو يسأل الله تعالى بِمَنِّه وكرمه، وفضله ولطفه, أن يجعله من الذين اتقوا والذين هم محسنون, والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، وحسبنا الله ونعم الوكيل". النسخة الثالثة: وهي المرموز لها بالرمز "ط"، وهي من محفوظات دار الكتب المصرية، وتقع في عشر مجلدات، ووقع كتاب "فضائل القرآن" في آخر المجلد العاشر، ويبدأ من الورقة "٢١٨" حتى الورقة "٢٦٠", وهي ناقصة من آخرها نحو ورقتين، وهذه النسخة حسنة الخط والضبط, كتبت سنة "٨٣٨", وجاء في آخرها: "آخر التفسير ولله الحمد والمنة، بيد الفقير إلى الله تعالى مرعي "؟ " ابن عبد الله المرسي, في تواريخ آخرها ... جمادى الآخرة من شهور سنة "٨٣٨", ويتلوه كتاب فضائل القرآن". النسخة الرابعة: وهي المرموز لها بالرمز "ل", وهي من محفوظات الحرم المكي

стр. 19

-زاده الله تشريفًا، ووقع لي منها المجلد الأول، ويبدأ من أول التفسير إلى الآية "٣١" من سورة النساء، عدد أوراقه "٤١٢" ورقة، في كل ورقة وجهان، ومسطرتها "٢٠" سطرًا، وكتاب "فضائل القرآن" يبدأ من الورقة "٦/ ٢" إلى الورقة "٤٩/ ٢"، وجاء بعد تفسير آية الكرسي ما نصه: "والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وصلى الله على خير خلقه أجمعين محمد خاتم المرسلين، وعلى آهل الطيبين وصحابته المطهرين، وعلينا معهم أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين. وكان الفراغ من نسخ هذا الجزء يوم السبت المبارك في ثمانية وعشرين مضين من شهر جمادى الأخرى من شهور سنة ستة وعشرين ومائتين وألف من الهجرة النبوية, على مهاجرها أفضل الصلاة والسلام".

стр. 20

صور من الأصول ...

стр. 21

كتاب فضائل القرآن: قال البخارى١ ﵀: "كيف نزول٢ الوحى؟ وأول ما نزل", قال ابن عباس: المهيمن الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله. حدَّثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبى سلمه، قال: أخبرتني عائشة، وابن عباس قالا: لبث النبى ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة "عشرًا"٣. اهـ. ذكر البخارى ﵀ كتاب فضائل القرآن بعد كتاب التفسير؛ لأن التفسير أهم، فلهذا بدأ به. "ونحن قدمنا "الفضائل" قبل التفسير، وذكرنا فضل كل سورة قبل تفسيرها؛ ليكون ذلك باعثًا على حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه. والله المستعان"٤. وقول ابن عباس في تفسير "المهيمن": إنما يريد به البخارى قوله تعالى في المائدة بعد ذكر التوراة والإنجيل:

стр. 22

﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه﴾ [المائدة: ٤٨] قال الغمام أبو جعفر بن جرير ﵀: ثنا المثنى، ثنا عبد الله بن صالح، حدثنى معاوية عن علي -يعني أبي طلحة, عن ابن عباس "في"١ قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه﴾ ، قال: المهيمن الأمين، قال: القرآن أمين على كل كتاب قبله، وفى رواية: شهيدا عليه. وقال سفيان الثورى وغير واحد من الأئمة, عن أبى اسحاق السبيعي، عن التميمى، عن ابن عباس: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْه﴾ قال: مؤتمنًا، وبنحو ذلك قال مجاهد والسدي وقتادة وابن جريج والحسن البصرى، وغير واحد من أئمة السلف. وأصل الهيمنة: الحفظ والارتقاب، يقال: "إذا رقب"٢ الرجل الشىء وحفظه وشهده: "قد هيمن فلان عليه"، فهو مهيمن هيمنة، وهو عليه مهيمن, وفي أسماء الله تعالى: ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] وهو الشهيد على كل شىء, الرقيب الحفيظ بكل شيء. وأما الحديث الذى اسنده البخارى، أنه ﵇ أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرًا، فهو مما انفرد به البخاري٣ دون

стр. 23

مسلم، وإنما رواه النسائى من حديث شيبان وهو ابن عبد الرحمن، عن يحيى, وهو ابن "أبي"١ كثير، عن أبي سلمة عنهما. وقال أبو عبيد٢ القاسم بن سلام: حدثنا يزيد عن داود بن أبي هند

стр. 24

عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل القران جملة واحدة إلى سماء الدنيا فى ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك فى عشرين سنة، ثم قرأ: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ [الإسراء: ١٠٦] هذا إسناد صحيح. أما إقامته بالمدينة عشرا، فهذا مما لا خلاف فيه, وأما إقامته بمكة بعد النبوة، فالمشهور ثلاث عشرة سنة؛ لأنه ﵇ أوحى إليه وهو ابن أربعين سنة، وتوفى وهو ابن ثلاث وستين سنة على الصحيح. ويحتمل أنه حذف ما زاد على العشر اختصارا فى الكلام، لأن العرب كثيرا ما يحذفون الكسور فى كلامهم، أو أنهما إنما اعتبرا قرن جبريل ﵇ "به ﵇"١. فإنه قد روى الإمام أحمد أنه قرن به ﵇ ميكائيل فى ابتداء الأمر يلقي إليه "الكلمة"٢ والشيء، ثم قرن به جبريل, ووجه مناسبة هذا الحديث بفضائل القرآن أنه ابتدئ بنزوله فى مكان شريف وهو البلد الحرام، كما أنه "كان"١ فى زمن شريف، وهو شهر رمضان، فاجتمع

стр. 25

له شرف الزمان والمكان. ولهذا يستحب إكثار تلاوة القرآن فى شهر رمضان، لأنه ابتدئ بنزوله, ولهذا كان جبريل١ يعارض به رسول الله ﷺ ٢ في كل سنة في شهر رمضان؛ لما كانت السنة التي توفي فيه عارضه "به"٢ مرتين تأكيدًا وتثبيتًا. وأيضًا ففي "هذا"٢ الحديث بيان أنه من القرآن مكى، ومنه مدنى؛ فالمكى ما نزل قبل الهجرة، والمدنى ما نزل بعد الهجرة، سواء كان بالمدينة أو بغيرها من أى البلاد كان، حتى ولو كان بمكة أو عرفة. وقد أجمعوا على سور أنها من المكى، وأُخَر أنها من المدنى، واختلفوا فى أُخَر. وأراد بعضهم ضبط ذلك بضوابط فى تقييدها عسر ونظر, ولكن قال بعضهم: كل سورة فى أولها شىء من الحروف المقطعة فهى مكية، إلا البقرة وآل عمران، كما أن كلَّ سورة فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهى مدنية، وما فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ فيحتمل أن يكون من هذا ومن هذا، والغالب أنه مكى, وقد يكون مدنيا كما فى البقرة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١] ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّبًا وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِين﴾ [البقرة: ١٦٨] . قال أبو٣ عبيد: حدثنا أبو معاوية، ثنا من سمع الأعمش يحدث عن

стр. 26

إبراهيم عن علقمة: كل شىء فى القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فانه أنزل بالمدينة، وما كان منها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ فانه أنزل بمكة. ثم١ قال: حدثنا على بن معبد, عن أبى الملِيح, عن ميمون بن مهران، قال: ما كان فى القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاس﴾ و ﴿يَا بَنِي آدَم﴾ فإنه مكي، وماكان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه مدنى. ومنهم من يقول: إن بعض السور نزل مرتين: مرة بالمدينة ومرة بمكة، والله أعلم. ومنهم من يستثنى من المكى آيات، يدعى أنها من المدنى، كما فى سورة الحج وغيرها. والحق فى ذلك ما دلَّ عليه الدليل الصحيح، فالله أعلم. وقال أبو عبيد٢: حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح،

стр. 27

عن على بن أبى طلحة قال: نزلت بالمدينة سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، والذين١ كفروا، والفتح، والحديد، والمجادلة، والحشر، والممتحنة، والحواريون٢، والتغابن، و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء﴾ ، و ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّم﴾ ، ﴿وَالْفَجْرِ﴾ ، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ ، و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْر﴾ و ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ٣ و ﴿إِذَا زُلْزِلَت﴾ , و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّه﴾ . وسائر ذلك بمكة. هذا إسناد صحيح عن ابن أبى طلحة مشهور، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير. وقد ذكر فى المدنى سورا فى كونها مدنية نظر. "وفاته"٤ الحجرات والمعوذات. الحديث الثاني: وقال البخاري: حدَّثَنَا موسى بن إسماعيل، ثنا معتمر، قال: سمعت أبي، عن أبي عثمان، قال: أنبئت أن جبريل ﵇ أتى النبى ﷺ وعنده أم سلمة، فجعل يتحدث، فقال النبى ﷺ : "من هذا"؟ أو كما قال، قالت: هذا دحيه، فلما قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبى ﷺ بخبر جبريل أو كما قال.

стр. 28

قال أبي١: فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد ﵁. وهكذا رواه أيضا فى "علامات٢ النبوة" عن عباس بن الوليد النرسي، ومسلم في "فضائل أم سلمة" عن عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى، كلهم عن معتمر بن سليمان به. والغرض من ايراده هذا الحديث هاهنا أن السفير بين الله وبين محمد ﷺ جبريل ﵇، وهو ملك كريم، ذو وجاهة وجلالة ومكانة، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ, عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٩٣-١٩٤] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ, ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ, مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ, وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ﴾ [التكوير: ١٩-٢٢] . فمدح الرب ﵎ عبديه ورسوليه جبريل ومحمدًا -صلوات الله وسلامه عليهما٣، وسنستقصى الكلام على تفسير هذا المكان فى موضعه إذا وصلنا إليه، إن شاء الله تعالى وبه الثقة. وفى الحديث فضيلة عظيمة لأم سلمة -رضى الله عنها، كما بينه مسلم ﵀، لرؤيتها هذا الملك العظيم، وفضيلة أيضا لدحية بن خليفة الكلبي،

стр. 29

وذلك أن جبريل ﵇ "كثيرًا"١ ما "كان يجيء"٢ إلى رسول الله ﷺ على "صورته"٣، وكان جميل الصورة -رضى الله عنه، وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كلهم يُنْسَبُون إلى كلب بن وبرة، وهم قبيلة من قضاعة، وقضاعة قيل: إنهم من عدنان، وقيل: من قحطان، وقيل: بطن مستقل بنفسه، والله أعلم. الحديث الثالث: حدثنا عبد الله٤ بن يوسف، ثنا الليث، ثنا سعيد المقبرى عن أبيه، عن أبى هريرة، قال: قال النبى ﷺ : "ما من الانبياء نبى إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذى أوتيت وحيا أوحاه الله إلى، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". ورواه أيضا فى "الاعتصام", عن عبد العزيز بن عبد الله, ومسلم والنسائي عن قتيبة، جميعا عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبى سعيد, عن أبيه

стр. 30

واسمه كيسان المقبرى به. وفى هذا الحديث فضيلةٌ عظيمةٌ للقرآن المجيد على كل معجزة أعطيها نبيٌ من الأنبياء, وعلى كل كتاب أنزله، وذلك أن معنى الحديث: ما من نبى إلا أعطى -أى: من المعجزات- ما آمن عليه البشر، أى: ما كان دليلا على تصديقه فيما جاءهم به, واتبعه من اتبعه من البشر، ثم لما مات الأنبياء لم تبق لهم معجزة بعدهم إلا ما يحكيه أتباعهم عما شاهدوه فى زمانه. وأما الرسول الخاتم للرسالة محمد ﷺ ، فإنما كان معظم ما آتاه الله وحيا منه إليه منقولا الى الناس بالتواتر، ففى كل حينٍ هو كما أنزل, فلهذا قال: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا". وكذلك وقع؛ فإن أتباعه أكثر من أتباع الأنبياء لعموم رسالته، ودوامها الى قيام الساعة واستمرار معجزته. ولهذا قال الله "تبارك و"١ تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] . ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [هود: ١٣] ، ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِين﴾ [يونس: ٣٨] , وقصر التحدي على هذا المقام فى السور المكية، كما ذكرنا فى المدنية أيضا، كما فى سورة البقرة حيث يقول

стр. 31

تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٢٣-٢٤] ، وأخبر أنهم عاجزون عن معارضته بمثله, وأنهم لا يفعلون ذلك فى المستقبل أيضا. هذا وهم أفصح الخلق، وأعلمهم بالبلاغة والشعر، "وقريظ"١ الكلام وضروبه، لكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحد من البشر به من الكلام الفصيح البليغ الوجيز، المحتوى على العلوم الكثيرة الصحيحة النافعة، والأخبار الصادقة، عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكام العادلة المحكمة، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥] . وقال الإمام أحمد بن حنبل٢: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبى، ثنا محمد بن اسحاق قال: ذكر محمد بن كعب القرظى، عن الحارث بن عبد الله الأعور قال: قلت: لآتين أمير المؤمنين فلأسألنه عما سمعت العشية، قال: فجئته بعد العشاء فدخلت عليه، فذكر الحديث, قال: ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتاني جبريل فقال: يا محمد، أمتك مختلفة بعدك". قال: "فقلت له: فأين المخرج يا جبريل؟ "، قال: "فقال: "كتاب الله"٣، به يقصم الله كل جبار، من اعتصم به نجا، ومن تركه

стр. 32

هلك -مرتين, قول فصل، وليس بالهزل، لا تخلقه الألسن، ولا تفنى عجائبه، فيه نبأ ما كان قبلكم، وفضل ما بينكم، وخبر ما هو كائن بعدكم". هكذا رواه الإمام أحمد. وقد قال أبو عيسى الترمذي١: حدثنا عبد بن حميد، ثنا حسين

стр. 33

ابن على الجعفى، ثنا حمزة الزيات, عن أبى المختار الطائى، عن ابن أخى الحارث الأعور، عن الحارث الأعور قال: مررت في المسجد فإذا الناس يخوضون في أحاديث، فدخلت على عليٍّ فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: "وقد"١ فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إنى قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة", فقلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله، فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل، ليس بالهزل، من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى فى غيره أضله الله. وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنه، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضى عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا, يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١-٢] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم". خذها اليك يا أعور, ثم قال: "هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول، وفى حديث الحارث مقال". "قلت": لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات، بل قد رواه محمد ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظى عن الحارث الأعور، فبرئ حمزة من عهدته, على أنه وإن كان ضعيف الحديث "إلّا أنه"٢ إمام في القراءة.

стр. 34

والحديث مشهور من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه، بل قد "كذبه"١ بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه "يتعمَّد"٢ الكذب فى الحديث فلا، والله أعلم. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين على -رضى الله عنه، وقد وهم بعضهم فى رفعه، وهو كلام حسن٣ صحيح، على أنه قد روى له شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبى ﷺ . قال الإمام العلَمُ أبو عبيد القاسم بن سلَّام ﵀ فى كتابة "فضائل٤ القرآن": حدثنا أبو اليقظان عمار بن محمد الثورى أو غيره، عن إسحاق الهجرى, عن أبى الاحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن هذا القرآن مأدبة الله، فتعلموا من مأدبته ما استطعتم،

стр. 35

إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمة لمن تمسك به، ونجاة لمن "تبعه"١، لا يعوج فيقوم، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضى عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الرد، فاتلوه، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما أنى لا "أقول"٢: الم، "حرف"٣، ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر". وهذا غريب٤ من هذا الوجه، ورواه محمد بن فضيل عن أبي إسحاق

стр. 36

الهجرى، واسمه إبراهيم بن مسلم وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرا، وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس "بقوي"١, وقال أبو الفتح الأزدى: رفَّاع كثير الوهم. قلت: فيحتمل -والله أعلم- أن يكون وَهِمَ فى رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه أخر، والله أعلم. وقال أبو عبيد٢ أيضًا: حدثنا حجاج عن إسرائيل، عن أبى اسحاق, عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: لا يُسأَلُ عبدٌ عن نفسه الا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله. الحديث الرابع: قال البخارى٣: ثنا عمرو بن محمد، ثنا يعقوب بن ابراهيم، ثنا

стр. 37

أبى عن صالح بن كيسان, عن ابن شهاب قال: أخبرنى أنس بن مالك أن الله تَابَعَ الوحى على رسوله ﷺ قبل وفاته، حتى توفاه أكثر ما كان الوحى، ثم توفى رسول الله ﷺ بعده. وهكذا رواه مسلمٌ عن عمرو بن محمد هذا -وهو الناقد, وحسن الحلواني وعبد بن حميد والنسائي عن, اسحاق بن منصور الكوسج، أربعتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرى به. ومعناه: أن الله تعالى تَابَعَ نزول الوحى على رسوله ﷺ شيئا بعد شىء، كل وقت بما يحتاج اليه، ولم تقع فترة بعد الفترة الاولى التى كانت بعد نزول الملك أول مرة بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ، فإنه استلبث الوحى بعدها حينا، يقال قريبا من سنتين وأكثر، ثم حمى الوحى وتتابع، وكان أول شىء نزل بعد تلك الفترة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ, قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١-٢] . الحديث الخامس: حدثنا أبو١ نعيم، ثنا سفيان, عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبا يقول: إشتكى "النبي"٢ ﷺ , فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة

стр. 38

فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك الا تركك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى, مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ . وقد رواه البخارى فى "غير١ موضع" أيضًا، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق أُخَرٍ عن سفيان وهو الثورى، وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن الأسود بن قيس العبدى, عن جندب بن عبد الله البجلي به. "وسيأتي"٢ الكلام على هذا الحديث فى تفسير سورة الضحى، "إن شاء الله"٣. والمناسبة فى ذكر هذا الحديث والذى قبله فى فضائل القرآن، أن الله تعالى له برسوله ﷺ عناية عظيمة ومحبة شديدة، حيث جعل الوحى متتابعًا عليه ولم يقطعه عنه، ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرَّقًا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام.

стр. 39

قال البخارى١ ﵀: نزل القرآن بلسان قريش والعرب، قرآنا عربيا بلسان عربى مبين، حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهرى، أخبرنى أنس بن مالك قال: فأمر عثمان بن عفان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم، ففعلوا. هذا الحديث قطعة٢ من حديث سيأتى قريبا الكلام عليه، ومقصود البخارى منه ظاهر، وهو أن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش خلاصة العرب. ولهذا قال أبو بكر بن أبى داود٣: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، ثنا يزيد ثنا شيبان "عن"٤ عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يملينَّ فى مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف. وهذا إسناد صحيح. وقال أيضا٥: حدثنا إسماعيل بن أسد، ثنا هوذة، ثنا عوف عن

стр. 40

عبد الله بن فضالة قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام، أقعدَ له نفرا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم فى اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ [الزمر: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ, نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ, عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ, بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٥] ، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] ، الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك. ثم ذكر البخارى١ ﵀ حديث يعلى بن أمية، أنه كان يقول: ليتنى أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحى، فذكر الحديث "فى"٢ الذى سأل عمَّن أحرم بعمرة، وهو متضمّخٌ بطيب وعليه جُبَّةٌ، قال: فنظر رسول الله ساعة ثم "فَجِئَه"٣ الوحى، فأشار عمر إلى يعلى، أى: تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سُرِّيَ عنه فقال: "أين الذى سألنى عن العمرة آنفا"؟ فذكر أمره بنزع الجبة وغسل الطيب. وهذا الحديث رواه جماعة من طرقٍ عديدة، والكلام عليه فى "كتاب الحج"، ولا تظهر مناسبة٤ ما بينه وبين هذه الترجمة، ولا يكاد، ولو
следующие страницы →