الهجرى، واسمه إبراهيم بن مسلم وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرا، وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس "بقوي"١, وقال أبو الفتح الأزدى: رفَّاع كثير الوهم.
قلت: فيحتمل -والله أعلم- أن يكون وَهِمَ فى رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه أخر، والله أعلم.
وقال أبو عبيد٢ أيضًا: حدثنا حجاج عن إسرائيل، عن أبى اسحاق, عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله بن مسعود قال: لا يُسأَلُ عبدٌ عن نفسه الا القرآن، فإن كان يحب القرآن فإنه يحب الله ورسوله.
الحديث الرابع:
قال البخارى٣: ثنا عمرو بن محمد، ثنا يعقوب بن ابراهيم، ثنا
стр. 37
أبى عن صالح بن كيسان, عن ابن شهاب قال: أخبرنى أنس بن مالك أن الله تَابَعَ الوحى على رسوله ﷺ قبل وفاته، حتى توفاه أكثر ما كان الوحى، ثم توفى رسول الله ﷺ بعده.
وهكذا رواه مسلمٌ عن عمرو بن محمد هذا -وهو الناقد, وحسن الحلواني وعبد بن حميد والنسائي عن, اسحاق بن منصور الكوسج، أربعتهم عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهرى به.
ومعناه: أن الله تعالى تَابَعَ نزول الوحى على رسوله ﷺ شيئا بعد شىء، كل وقت بما يحتاج اليه، ولم تقع فترة بعد الفترة الاولى التى كانت بعد نزول الملك أول مرة بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ، فإنه استلبث الوحى بعدها حينا، يقال قريبا من سنتين وأكثر، ثم حمى الوحى وتتابع، وكان أول شىء نزل بعد تلك الفترة: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ, قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ١-٢] .
الحديث الخامس:
حدثنا أبو١ نعيم، ثنا سفيان, عن الأسود بن قيس قال: سمعت جندبا يقول: إشتكى "النبي"٢ ﷺ , فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأة
стр. 38
فقالت: يا محمد، ما أرى شيطانك الا تركك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالضُّحَى, وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى, مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ .
وقد رواه البخارى فى "غير١ موضع" أيضًا، ومسلم والترمذي والنسائي من طرق أُخَرٍ عن سفيان وهو الثورى، وشعبة بن الحجاج، كلاهما عن الأسود بن قيس العبدى, عن جندب بن عبد الله البجلي به. "وسيأتي"٢ الكلام على هذا الحديث فى تفسير سورة الضحى، "إن شاء الله"٣.
والمناسبة فى ذكر هذا الحديث والذى قبله فى فضائل القرآن، أن الله تعالى له برسوله ﷺ عناية عظيمة ومحبة شديدة، حيث جعل الوحى متتابعًا عليه ولم يقطعه عنه، ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرَّقًا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام.
стр. 39
قال البخارى١ ﵀: نزل القرآن بلسان قريش والعرب، قرآنا عربيا بلسان عربى مبين، حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهرى، أخبرنى أنس بن مالك قال: فأمر عثمان بن عفان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن، فاكتبوه بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم، ففعلوا.
هذا الحديث قطعة٢ من حديث سيأتى قريبا الكلام عليه، ومقصود البخارى منه ظاهر، وهو أن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش خلاصة العرب.
ولهذا قال أبو بكر بن أبى داود٣: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، ثنا يزيد ثنا شيبان "عن"٤ عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يملينَّ فى مصاحفنا هذه إلا غلمان قريش أو غلمان ثقيف.
وهذا إسناد صحيح.
وقال أيضا٥: حدثنا إسماعيل بن أسد، ثنا هوذة، ثنا عوف عن
стр. 40
عبد الله بن فضالة قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام، أقعدَ له نفرا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم فى اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر ﷺ ، وقد قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ [الزمر: ٢٨] ، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ, نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ, عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ, بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٢-١٩٥] ، وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ [فصلت: ٤٤] ، الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ذلك.
ثم ذكر البخارى١ ﵀ حديث يعلى بن أمية، أنه كان يقول: ليتنى أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحى، فذكر الحديث "فى"٢ الذى سأل عمَّن أحرم بعمرة، وهو متضمّخٌ بطيب وعليه جُبَّةٌ، قال: فنظر رسول الله ساعة ثم "فَجِئَه"٣ الوحى، فأشار عمر إلى يعلى، أى: تعال، فجاء يعلى فأدخل رأسه، فإذا هو محمر الوجه يغط كذلك ساعة، ثم سُرِّيَ عنه فقال: "أين الذى سألنى عن العمرة آنفا"؟ فذكر أمره بنزع الجبة وغسل الطيب.
وهذا الحديث رواه جماعة من طرقٍ عديدة، والكلام عليه فى "كتاب الحج"، ولا تظهر مناسبة٤ ما بينه وبين هذه الترجمة، ولا يكاد، ولو
стр. 41
ذُكِرَ فى الترجمة التى قبلها لكان أظهر وأبين، والله أعلم.
"قال المؤلف١ الشيخ عماد الدين ابن كثير ﵀, فيما وُجِدَ على ظهر الجزء الأول من "تفسيره":
فائدة جليلة حسنة:
ثبت في "الصحيحين" عن أنس ﵁ قال: جمع القرآن على عهد النبى ﷺ أربعة، كلهم من الأنصار: أُبيُّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد, فقيل له: من أبو زيد؟ قال:
стр. 42
أحد عمومتي. وفي لفظٍ للبخاريِّ عن أنس، قال: "لم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء, ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ونحن ورثناه".
قلت: أبو زيد هذا ليس بمشهور؛ لأنه مات قديمًا، وقد ذكروه في أهل بدر، وسماه بعضهم: "سعيد بن عبيد".
ومعنى قول أنس: "لم يجمع القرآن", يعني: من الأنصار سوى هؤلاء، وإلا فمن المهاجرين جماعة كانوا يجمعون القرآن: كالصديق، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة، وغيرهم.
قال الشيخ أبو الحسن الأشعري ﵀: "قد عُلِمَ بالاضطرار أن رسول الله ﷺ قدَّم أبا بكر في مرض الموت ليصلي بالناس، وقد ثبت في الخبر المتواتر أن رسول الله ﷺ قال: "ليؤم الناس أقرؤهم", فلو لم يكن الصديق أقرأ القوم، لما قدمه عليهم".
نقله أبو بكر ابن زنجويه في كتاب "فضائل الصديق" عن الأشعري.
وحكى القرطبيُّ في أوائل "تفسيره" عن القاضي أبي بكر الباقلاني، أنه قال بعد ذكره حديث أنس بن مالك هذا: "فقد ثبت بالطرق المتواترة أنه جمع القرآن: عثمان، وعلي، وتميم الداري، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن عمرو بن العاص, فقول أنس: لم يجمعه غير أربعة؛ يحتمل أنه لم يأخذه تلقيًا من في رسول الله غير هؤلاء الأربعة، وأن بعضهم تلقى بعضه عن بعض. قال: وقد تظاهرت الروايات بأن الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبى ﷺ ، لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم".
قال القرطبي: "لم يذكر القاضي ابن مسعود، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن". آخر الفائدة"١.
стр. 43
جمع القرآن:
"قال البخاري"١: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا إبراهيم بن سعد، ثنا ابن شهاب, عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليَّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتانى، فقال: إن القتل قد استحرَّ٢ بقراء القرآن، وإنى أخشى أن يستحرَّ القتل بالقراء فى المواطن، فيذهب كثير من القرآن، وإنى أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير, فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت فى ذلك الذى رأى عمر. قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ ، فتتبع القرآن فاجمعه. والله لو كلفوني نقل جبلٍ من الجبال ما كان عليَّ أثقل مما أمرنى به من جمع القرآن, قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير, فلم يزل أبو بكر يراجعنى حتى شرح الله صدرى للذى شرح له صدر أبي بكر وعمر -رضى الله عنهما، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف٣ وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبى خزيمة الأنصارى، لم أجدها مع غيره٤ ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ حتى خاتمة براءة.
стр. 44
فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته، ثم عند حفصة بنت عمر ﵃.
وقد روى البخاري١ هذا في غير موضع من كتابه, ورواه الإمام أحمد والترمذى والنسائي من طرق من الزهرى به.
وهذا من أحسن وأجل وأعظم ما فعله الصديق -رضى الله عنه، فإنه أقامه الله تعالى بعد النبي ﷺ مقاما لا ينبغى لأحد من بعده: قاتل الاعداء من مانعى الزكاة والمرتدين والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، وردَّ الأمر إلى نصابه، بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكَّنَ القارئ من حفظه كله, وكان هذا من سر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ .
فجمع الصديق الخير وكفَّ الشرور ﵁ وأرضاه، ولهذا
стр. 45
رُوِيَ عن غير واحد من الأئمة منهم وكيع "وابن١ مهدي" وقبيصة عن سفيان الثورى، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدى الكبير، عن عبد خير، عن على بن٢ أبى طالب -رضى الله عنه- أنه قال٣: أعظم الناس أجرًا في المصاحف أبو بكر، إن أبا بكر كان أول من جمع القرآن بين اللوحين.
هذا إسناد صحيح.
وقال أبو بكر بن أبى داود فى "كتاب٤ المصاحف": حدثنا هارون بن إسحاق، ثنا عبدة, عن هشام, عن أبيه، أن أبا بكر ﵁ هو الذى جمع القرآن بعد النبي ﷺ , يقول: ختمه صحيح أيضًا، وكان عمر بن الخطاب -رضى الله عنه- هو الذي تنبه لذلك لما استحرَّ القتل بالقرَّاء، أي: اشتد القتل وكثر في قرَّاء القرآن يوم اليمامة, يعنى: يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه "من"٥ بنى حنيفة, بأرض اليمامة فى حديقة الموت.
стр. 46
وذلك أن مسيلمة التفَّ معه من المرتدين قريب من مائة ألف، فجهَّزَ الصديق لقتاله خالد بن الوليد فى قريب من ثلاثة عشر ألفًا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامى لكثرة من فيه من الأعراب، فنادى القرَّاء من كبار الصحابة: يا خالد خلصنا؛ يقولون: ميَّزْنا من هؤلاء الأعراب, فتميزوا منهم وانفردوا، فكانوا قريبا من ثلاثة آلاف, ثم صدقوا الحملة وقاتلوا قتالا شديدا، وجعلوا يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى فتح الله عليه، وولى جيش الكفار فارًا، واتبعتهم السيوف المسلمة في أقفيتهم قتلًا وأسرًا؛ وقتل الله مسيلمة وفرَّق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام.
ولكن قُتِلَ من القراء يومئذ قريب من خمسمائة ﵃، فلهذا أشار عمر على الصديق بأن يجمع القرآن؛ لئلا يذهب منه "شيء"١ بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك فى مواطن القتال، فإذا كُتِبَ وحُفِظَ صار ذلك محفوظا، فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته, فراجعه الصديق قليلا ليستثبت الأمر، ثم وافقه، وكذلك راجعهما زيد بن ثابت فى ذلك، ثم صار إلى ما رأياه -رضى الله عنهم أجمعين, وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصارى.
ولهذا قال أبو بكر٢ بن أبى داود: ثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، ثنا يزيد "ثنا"٣ مبارك.....
стр. 47
"ابن"١ فضالة عن الحسن أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله، "فأمر"٢ بالقرآن فجمع، فكان أول من جمعه فى المصحف.
وهذا منقطع؛ فإن الحسن لم يدرك عمر, ومعناه: أنه أشار بجمعه فجُمِعَ، ولهذا كان مهيمنًا على حفظه وجمعه، كما:
رواه ابن أبى٣ داود حيث قال: ثنا أبو الطاهر، ثنا ابن وهب، ثنا عمرو بن طلحة الليثى، عن محمد بن عمرو، عن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر لما جمع القرآن، كان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شاهدان، وذلك عن أمر الصديق له فى ذلك, كما قال أبو بكر بن أبى داود:
حدثنا أبو الطاهر، أنا ابن وهب، أخبرنى ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة عن أبيه قال: لما استحرَّ القتل بالقرَّاء يومئذ, فَرِقَ٤ أبو بكر -رضى الله عنه- أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: فمن جاءكما بشاهدين على شىء من كتاب الله فاكتباه.
منقطع حسن.
ولهذا قال زيد بن ثابت: ووجدت آخر سورة التوبة -يعنى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم﴾ [التوبة: ١٢٨-١٢٩] إلى
стр. 48
آخر الآيتين- مع أبى خزيمة الأنصارى١, وفى رواية: مع خزيمة بن ثابت الذى جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين، لم أجدها مع غيره، فكتبوها عنه؛ لأنه جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين في قصة الفرس
стр. 49
الذي ابتاعها رسول الله ﷺ من الأعرابى، فأنكر الأعرابى البيع، فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله ﷺ ، فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابى.
والحديث رواه "أهل١ السنن" وهو مشهور.
стр. 50
وروى أبو جعفر١ الرَّازي عن الربيع، عن أبى العالية, أن أُبيَّ بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت.
وقد روى ابن وهب عن طلحة الليثى، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عثمان شهد بذلك أيضًا.
وأمَّا قول زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من العُسُب واللِّخاف
стр. 51
وصدور الرجال, وفى رواية: من العسب والرقاع والاضلاع, وفى رواية: من الاكتاف والأقتاب وصدور الرجال.
أمَّا العسب: فجمع عسيب, قال أبو نصر اسماعيل بن حماد الجوهرى: وهو من السعف فويق الكرب، لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعف. واللخاف: جمع لخفة، وهي القطعة من الحجارة مستدقة، كانوا يكتبون عليها وعلى العسب، وغير ذلك مما يمكنهم الكتابة عليه بما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله ﷺ .
ومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه، فكان يحفظه، فتلَّقاه زيد هذا عن عسبه، وهذا من لخافه، ومن صدر هذا، أى: من حفظه, وكانوا أحرص شىء على أداء الأمانات، وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن الرسول ﷺ أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ففعل صلوات الله وسلامه عليه.
ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رءوس الأشهاد، والصحابة أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: "إنكم مسئولون عنى فما أنتم قائلون"؟.
قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت؛ فجعل يشير بأصبعه إلى السماء عليهم ويقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد". رواه مسلم١ عن جابر.
стр. 52
وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب، وقال: "بلغوا عنى ولو ١ آية" , يعنى: ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة، فليؤدها إلى من وراءه، فبلغوا عنه ما أمرهم به، فأدوا القرآن قرآنا، والسنة سنة، لم يلبسوا هذا بهذا.
ولهذا قال ﵇: "من كتب عنى سوى القرآن ٢ فليمحه" , أى: لئلَّا يختلط بالقرآن، وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم. فلهذا نعلم بالضرورة أنه لم يبق من القرآن مما أداه الرسول ﷺ إليهم إلا وقد بلغوه إلينا، ولله الحمد والمنة.
فكان الذي فعله الشيخان أبو بكر وعمر -رضى الله عنهما- من أكبر المصالح الدينية وأعظمها، من حفظهما كتاب الله فى الصحف؛ لئلَّا يذهب منه شىء بموت من تلقاه عن رسول الله ﷺ ، ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته، ثم أخذها عمر بعده، فكانت عنده
стр. 53
محروسة معظَّمَةً مكرمة، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين؛ لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته، وكانت "عند"١ أم المؤمنين حتى أخذها أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضى الله عنه، كما سنذكره إن شاء الله.
стр. 54
كتابة عثمان ﵁ للمصاحف:
قال البخاري١ ﵀: حدَّثَنا موسى بن إسماعيل، ثنا إبراهيم، "ثنا"٢ ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه، أن حذيفة بن اليمان قَدِمَ على عثمان بن عفان -رضى الله "عنهما"٣، وكان يغازى أهل الشام فى فتح أرمينيه وأذربيجان مع أهل العراق؛ فأفزع حذيفة اختلافهم فى القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين، أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى, فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف "ننسخها"٤، ثم نردها إليك, فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها فى المصاحف.
وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت فى شىء من القرآن، فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما أنزل بلسانهم, ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف فى المصاحف، رَدَّ عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن فى
стр. 55
كل صحيفة أو مصحف أن يحرق.
قال ابن شهاب الزهرى: فأخبرنى خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت "قال"١: فقال: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصارى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فألحقناها في سورتها "في المصحف"٢.
وهذا أيضا من أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضى الله عنه.
فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن أن يذهب منه شىء, وهو جمع الناس على قراءة واحدة لئلا يختلفوا فى القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة, وإنما روي عن عبد الله بن٣ مسعود شيء من التغضُّبِ بسبب
стр. 56
أنه لم يكن ممن كتب المصاحف، وأمر أصحابه بغلِّ مصاحفهم لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام، ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق١، حتى قال على بن٢ أبى طالب: لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا.
стр. 57
فاتفق الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى، على أن ذلك من مصالح الدين, وهم الخلفاء الذين قال رسول الله ﷺ : "عليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين من ١ بعدى" , وكان السبب فى هذا حذيفة بن
стр. 58
اليمان -رضى الله عنه، فإنه لما كان غازيا فى فتح أرمينية وأذربيجان، وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق، وجعل حذيفة يسمع منهم قراءات على حروفٍ شتَّى، ورأى منهم اختلافًا "كثيرًا"١ وافتراقا، فلما رجع إلى عثمان أعلمه، وقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا فى الكتاب اختلاف اليهود والنصارى.
وذلك أن اليهود والنصارى مختلفون فيما بأيديهم من الكتب، فاليهود بأيديهم نسخة من التوراة، والسامرة يخالفونهم فى ألفاظٍ كثيرة ومعانى أيضا، وليس فى توراة السامرة حروف الهمزة، ولا حرف الهاء ولا الياء، والنصارى أيضا بأيديهم توراة يسمونها العتيقة، وهى مخالفة لنسختى اليهود والسامرة.
وأما الأناجيل التى بأيدى النصارى فأربعة: إنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل متى، وإنجيل يوحنا، وهى مختلفة أيضا اختلافا كثيرا, وهذه الأناجيل الأربعة كل منها لطيف الحجم؛ منها ما هو قريب من أربع عشرة ورقة بخط متوسط, ومنها ما هو "أكبر"٢ من ذلك، إما بالنصف أو بالضعف, ومضمونها سيرة عيسى ﵇، وأيامه، وأحكامه، وكلامه، ومعه شىء قليل مما يدعون أنه كلام الله، وهى مع هذا مختلفة كما قلنا. وكذلك التوارة مع ما فيها من التحريف والتبديل، ثم هما منسوخان بعد ذلك بهذه الشريعة المحمدية المطهرة.
فلما قال حذيفة لعثمان ذلك أفزعه، وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التى عندها مما جمعه الشيخان؛ ليكتب ذلك في
стр. 59
مصحف واحد، وينفذه إلى الآفاق، ويجمع الناس على القراءة به وترك ما سواه، ففعلت حفصة. وأمر عثمان هؤلاء الأربعة، وهم: زيد بن ثابت الأنصارى، أحد كتاب الوحى لرسول الله ﷺ ، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشى الأسدى، أحد فقهاء الصحابة ونجبائهم علما وعملا، وأصلا وفضلا، وسعيد بن العاص بن أمية القرشى الأموى، وكان كريما جوادا مُمَدَّحًا، وكان أشبه الناس لهجة برسول الله ﷺ ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشى المخزومى.
فجلس هؤلاء النَّفَر الأربعة يكتبون بالقرآن نسخًا, وإذا اختلفوا في "وضع"١ الكتابة على أيِّ لغة، رجعوا إلى عثمان، كما اختلفوا فى التابوت٢، أيكتبونه بالتاء أو الهاء؟ فقال زيد بن ثابت: إنما هو التابوه، وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت، "فترافعوا"٣ إلى عثمان فقال: اكتبوه بلغة قريش؛ فإن القرآن نزل بلغتهم, وكان عثمان "رضى الله عنه"٤ -والله أعلم- رتَّبَ السور فى المصحف، وقدَّم السبع الطُّوَل، وثنَّى بالمئين.
стр. 60
ولهذا روى ابن جرير وأبو داود والترمذى والنسائى, من حديث غير واحد من الأئمة الكبار، عن عوف الأعرابى, عن يزيد الفارسى، عن ابن١ عباس قال: قلت لعثمان بن عفان: "ما٢ حملكم" "على"٣
стр. 61
أن عمدتم إلى الأنفال، وهى من المثانى، وإلى براءة، وهى من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها فى السبع الطول، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ , مما يأتى عليه الزمان وهو ينزل عليه السورة ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشىء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: "ضعوا هؤلاء الآيات فى السورة التى يذكر فيها كذا وكذا".
وكانت الأنفال من أوَّل ما "نزل"١ بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وحسبت أنها منها، "فقبض"٢ رسول الله ﷺ ولم "يبين"٣ لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر: بسم الله الرحمن الرحيم، فوضعتها فى السبع الطول.
ففهم من هذا الحديث أنَّ ترتيب الآيات فى السور أمرٍ توقيفي متلقى عن النبي ﷺ .
وأما ترتيب السور فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضى الله عنه٤، ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبا آياته، فإن نكسه أخطأ خطأ كبيرًا, وأما ترتيب السور فمستحب، اقتداء بعثمان -رضى الله عنه, والأولى إذا قرأ أن يقرأ متواليا، كما قرأ ﵇ فى صلاة الجمعة بسورة الجمعة
стр. 62
والمنافقين١، وتارةً٢ بـ ﴿سَبِّحِ﴾ ، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَة﴾ فإن فرق جاز، كما صَحَّ٣ أن رسول الله ﷺ قرأ في العيد بـ "قاف" و ﴿اقْتَرَبَتِ
стр. 63
السَّاعَةُ﴾ .
رواه مسلمٌ عن أبي "واقد"١.
وفى "الصحيحين"٢ عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ , كان يقرأ
стр. 64
فى صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿ألم﴾ السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْأِنْسَانِ﴾ , وان قَدَّمَ بعض السور على بعض، جاز أيضًا؛ فقد روى حذيفة أن رسول الله ﷺ , قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران.
أخرجه١ مسلم.
وقرأ عمر٢ في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف.
стр. 65
ثم إن عثمان -رضى الله عنه- رَدَّ الصحف إلى حفصة -رضى الله عنها، فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم يطلبها، فلم تعطه حتى ماتت، فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها؛ لئلا يكون فيها شىء يخالف المصاحف الأئمة التى نفذها عثمان إلى الآفاق، مصحفا إلى مكة، ومصحفا إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين، وترك عند أهل المدينة مصحفا.
رواه أبو بكر١ بن أبى داود عن أبى حاتم السجستانى؛ سمعه يقوله.
وصحَّحَ٢ القرطبى أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف -وهذا غريب, وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن يحرق لئلَّا تختلف قراءات الناس فى الآفاق, وقد وافقه الصحابة في عصره على ذلك، ولم ينكره أحمد منهم, وإنما نقم عليه ذلك "أولئك"٣ الرهط الذين تمالئوا عليه وقتلوه -قاتلهم الله, وذلك فى جملة ما أنكروا مما لا أصل له, وأما سادات المسلمين من الصحابة، ومن نشأ فى عصرهم ذلك من التابعين، فكلهم وافقهوه.
стр. 66
قال أبو داود١ الطيالسى وابن مهدى وغندر عن شعبة، عن علقمة ابن مرثد، عن رجل, عن سويد بن غفلة، قال على، حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته.
وقال أبو بكر٢ بن أبى داود، حدثنا أحمد بن سنان، ثنا عبد الرحمن، ثنا شعبة، عن أبي إسحاق, عن مصعب بن سعد بن أبى وقاص قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد.
وهذا اسناد صحيح.
وقال أيضًا٣: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، ثنا يحيى بن كثير، ثنا ثابت بن عمارة الحنفى قال: سمعت غنيم بن قيس المازنى قال: قرأت القرآن على الحرفين جميعا، والله ما يسرنى أن عثمان لم يكتب المصحف، وأنه وُلِدَ لكل مسلمٍ كلما أصبح غلامٌ، فأصبح له مثل ماله, قال: قلنا له: يا أبا العنبر، لم؟ قال: لو لم يكتب عثمان المصحف، لطفق الناس يقرءون الشعر.
стр. 67
وحدثنا يعقوب١ بن سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنى عمران بن حدير، عن أبى مجلز قال: لولا أن عثمان كتب القران لألفيت الناس يقرءون الشعر.
وحدثنا٢ أحمد بن سنان، سمعت ابن مهدي يقول: خصلتان لعثمان ابن عفان ليستا لأبي بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتى قُتِلَ مظلوما, وجمعه الناس على المصحف.
وأما عبد الله بن مسعود ﵁، فقد قال إسرائيل، عن أبى إسحاق، عن خمير بن مالك قال: لما أمر بالمصاحف -يعنى بتحريقها, ساء ذلك عبد الله بن مسعود وقال: من استطاع منكم أن يَغُلَّ مصحفا فليغلل؛ فإنه من غَلَّ شيئًا جاء بما غَلَّ يوم القيامة, ثم قال عبد الله: لقد قرأت القرآن من فِي رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد صبى، أفأترك ما أخذت من فى رسول٣ الله ﷺ ؟
стр. 68
وقال أبو١ بكر: حدثنا "عبد الله بن محمد"٢ بن النصر، ثنا سعيد بن سليما، ثنا "أبو"٣ شهاب عن الأعمش، عن أبى وائل قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: من يغلل يأت بما غَلَّ يوم القيامة، غلوا مصاحفكم، وكيف تأمرونى أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت، وقد قرأت القرآن من فِي رسول الله ﷺ بضعا وسبعين سورة, وأن زيد بن ثابت ليأتى مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن شىء إلا وأنا أعلم فى أى شىء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله منى، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانًا تبلغه أعلم بكتاب الله منى لأتيته, قال أبو وائل: فلما نزل عن المنبر جلست فى الحلق، فما أحد ينكر ما قال.
أصل هذا مخرَّجٌ فى "الصحيحين"٤، وعندهما: "ولقد علم أصحاب محمد ﷺ أنى من أعلمهم بكتاب الله".
стр. 69
وقول أبي وائل: فما أحمد ينكر ما قال، يعنى: من فضله وحفظه وعلمه، والله أعلم، وأما أمره بغلِّ المصاحف وكتمانها, فقد أنكره عليه غير واحد. قال الأعمش١ عن إبراهيم عن علقمة قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فقال: كنا نَعَدُّ عبد الله "جبانا"٢ فما باله يواثب الأمراء؟
وقال أبو بكر٣ بن أبي داود: باب رضا عبد الله بن مسعود بجمع
стр. 70
عثمان المصاحف بعد ذلك:
حدثنا عبد الله بن سعيد ومحمد بن عثمان العجلي قالا: ثنا أبو أسامة،
стр. 71
حدثني زهير، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامرى، عن فلفلة الجعفى قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله فى المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أُنِزَل على نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف -أو حروف, وإن الكتاب قبلكم كان ينزل -أو نزل- من باب واحد على حرف واحد.
وهذا١ الذى استدلَّ به أبو بكر ﵀ على رجوع ابن مسعود فيه نظرٌ من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه، والله أعلم.
وقال أبو بكر٢ أيضًا: حدثنى عمى، ثنا أبو رجاء، أنا اسرائيل عن
стр. 72
أبي إسحاق عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: "يا أيها"١ الناس "عهدكم"٢ نبيكم منذ ثلاث عشرة، وأنتم تمترون فى القرآن، وتقولون: قراءة أُبَيّ, وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما يقيم قراءتك، وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شىء لما جاء به, فكان الرجل يجىء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى تجمَّعَ من ذلك شىء كثير، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلا رجلا، فناشدهم: لسمعت رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أَكْتَبُ النَّاس؟ قالوا: كاتبُ رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص؛ قال عثمان: فليمل سعيد، وليكتب زيد, فكتب زيد مصاحف ففرقها فى الناس، فسمعت بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: قد أحسن. إسناد صحيح.
وقال أيضًا٣: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، ثنا أبو بكر "ثنا"٤ هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثنى عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أُبَيُّ بن كعب وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة
стр. 73
التى فى بيت عمر فجىء بها، قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا فى شىء أخَّروه، قال محمد: فقلت لكثير، وكان فيهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت ظنًا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة, فيكتبونها على قوله.
صحيح أيضًا.
"قلت": الربعة هى الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة -رضى الله عنها، فلمَّا جمعها عثمان -رضى الله عنه- في المصحف ردَّهَا إليها، ولم يحرقها فى جملة ما حرقه مما سواها؛ لأنها هي بعينها "التي"١ كتبه، وانما رتَّبَه، ثم أنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها، فما زالت عندها حتى ماتت؛ ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها، وتأوَّل فى ذلك ما تأوَّل عثمان.
كما رواه أبو٢ بكر بن أبى داود: حدثنا محمد بن عوف، ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهرى، أخبرنى سالم بن عبد الله، أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف التى كتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه اياها، قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها،
стр. 74
أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر، ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشُقِّقَتْ.
وقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كُتِبَ وحُفِظَ بالمصحف، فخشيت ان طال بالناس زمان، أن يرتاب فى شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شىء منها لم يكتب.
إسناد صحيح.
وأما ما رواه الزُّهريُّ عن خارجة عن أبيه فى شأن آية الأحزاب، والحاقهم إياها فى سورتها، فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف، كما جاء مصرحا به فى غير هذه الرواية عن الزهرى, عن عبيد بن السباق, عن زيد بن ثابت، والدليل على ذلك أنه قال: فالحقناها فى سورتها من المصحف, وليست هذه الآية ملحقة فى الحاشية في المصاحف العثمانية.
فهذه الأفعال من أكبر القربات التى بادر إليها الأئمة الراشدون: أبو بكر وعمر -رضى الله عنهما- حفظا على الناس القرآن، وجمعاه لئلَّا يذهب من شيء؛ وعثمان -رضى الله عنه- جمع قراءات الناس على مصحف واحد، ووضعه على العرضة الأخيرة التى عارض بها جبريل رسول الله ﷺ فى آخر رمضان من عمره ﵇، فإنه عارضه به عامئذ مرتين، ولهذا قال رسول الله ﷺ لفاطمة ابنته لما مرض: "وما أرى ذلك إلّا لاقتراب أجلي".
أخرجاه في "الصحيحين"١.
стр. 75
وقد روى أن عليا -رضى الله عنه- أراد "أن"١ يجمع القرآن بعد رسول الله ﷺ مرتبًا بحسب نزوله أولًا فأولًا.
كما رواه ابن أبى٢ داود ﵀، حيث قال: حدثنا محمد بن