حدثني زهير، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامرى، عن فلفلة الجعفى قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله فى المصاحف، فدخلنا عليه، فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكنا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أُنِزَل على نبيكم من سبعة أبواب على سبعة أحرف -أو حروف, وإن الكتاب قبلكم كان ينزل -أو نزل- من باب واحد على حرف واحد.
وهذا١ الذى استدلَّ به أبو بكر ﵀ على رجوع ابن مسعود فيه نظرٌ من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه، والله أعلم.
وقال أبو بكر٢ أيضًا: حدثنى عمى، ثنا أبو رجاء، أنا اسرائيل عن
стр. 72
أبي إسحاق عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: "يا أيها"١ الناس "عهدكم"٢ نبيكم منذ ثلاث عشرة، وأنتم تمترون فى القرآن، وتقولون: قراءة أُبَيّ, وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما يقيم قراءتك، وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شىء لما جاء به, فكان الرجل يجىء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى تجمَّعَ من ذلك شىء كثير، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلا رجلا، فناشدهم: لسمعت رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أَكْتَبُ النَّاس؟ قالوا: كاتبُ رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص؛ قال عثمان: فليمل سعيد، وليكتب زيد, فكتب زيد مصاحف ففرقها فى الناس، فسمعت بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: قد أحسن. إسناد صحيح.
وقال أيضًا٣: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، ثنا أبو بكر "ثنا"٤ هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف، جمع له اثنى عشر رجلا من قريش والأنصار، فيهم أُبَيُّ بن كعب وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة
стр. 73
التى فى بيت عمر فجىء بها، قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا فى شىء أخَّروه، قال محمد: فقلت لكثير، وكان فيهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت ظنًا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدا بالعرضة الأخيرة, فيكتبونها على قوله.
صحيح أيضًا.
"قلت": الربعة هى الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة -رضى الله عنها، فلمَّا جمعها عثمان -رضى الله عنه- في المصحف ردَّهَا إليها، ولم يحرقها فى جملة ما حرقه مما سواها؛ لأنها هي بعينها "التي"١ كتبه، وانما رتَّبَه، ثم أنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها، فما زالت عندها حتى ماتت؛ ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها، وتأوَّل فى ذلك ما تأوَّل عثمان.
كما رواه أبو٢ بكر بن أبى داود: حدثنا محمد بن عوف، ثنا أبو اليمان، ثنا شعيب عن الزهرى، أخبرنى سالم بن عبد الله، أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف التى كتب منها القرآن، فتأبى حفصة أن تعطيه اياها، قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها،
стр. 74
أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر، ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشُقِّقَتْ.
وقال مروان: إنما فعلت هذا لأن ما فيها قد كُتِبَ وحُفِظَ بالمصحف، فخشيت ان طال بالناس زمان، أن يرتاب فى شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شىء منها لم يكتب.
إسناد صحيح.
وأما ما رواه الزُّهريُّ عن خارجة عن أبيه فى شأن آية الأحزاب، والحاقهم إياها فى سورتها، فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف، كما جاء مصرحا به فى غير هذه الرواية عن الزهرى, عن عبيد بن السباق, عن زيد بن ثابت، والدليل على ذلك أنه قال: فالحقناها فى سورتها من المصحف, وليست هذه الآية ملحقة فى الحاشية في المصاحف العثمانية.
فهذه الأفعال من أكبر القربات التى بادر إليها الأئمة الراشدون: أبو بكر وعمر -رضى الله عنهما- حفظا على الناس القرآن، وجمعاه لئلَّا يذهب من شيء؛ وعثمان -رضى الله عنه- جمع قراءات الناس على مصحف واحد، ووضعه على العرضة الأخيرة التى عارض بها جبريل رسول الله ﷺ فى آخر رمضان من عمره ﵇، فإنه عارضه به عامئذ مرتين، ولهذا قال رسول الله ﷺ لفاطمة ابنته لما مرض: "وما أرى ذلك إلّا لاقتراب أجلي".
أخرجاه في "الصحيحين"١.
стр. 75
وقد روى أن عليا -رضى الله عنه- أراد "أن"١ يجمع القرآن بعد رسول الله ﷺ مرتبًا بحسب نزوله أولًا فأولًا.
كما رواه ابن أبى٢ داود ﵀، حيث قال: حدثنا محمد بن
стр. 76
إسماعيل الأحمسي، ثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن محمد بن سيرين قال: لما توفى النبى ﷺ , أقسم عليٌّ أن لا يرتدى برداء إلا لجمعة، حتى يجمع القرآن فى مصحف، ففعل، فأرسل إليه أبو بكر -رضى الله عنه- بعد أيام: أكرهت إمارتى يا أبا الحسن؟ فقال: لا والله، إلا أنى أقسمت أن لا أرتدى برداء إلا لجمعة, فبايعه ثم رجع.
هكذا رواه وفيه انقطاع.
ثم قال: لم يذكر "المصحف"١ أحد إلا أشعث، وهو لين الحديث، وإنما رووا: حتى أجمع القرآن، يعنى: أتمَّ حفظه، فإنه يقال للذي "يحفظ"٢ القرآن: قد جمع القرآن.
"قُلتُ": وهذا الذى قاله أبو بكر أظهر، والله أعلم، فإن عليا لم ينقل عنه مصحف -على ما قيل- ولا غير ذلك، ولكن قد توجد مصاحف على الوضع العثماني، يقال: انها بخط عليٍّ -رضى الله عنه، وفي ذلك نظر؛ فإن في بعضها [كتبه علي بن "أبو"٣ طالب] وهذا لحن من الكلام، وعلي -رضى الله عنه- من أبعد الناس عن ذلك؛ فإنه -كما هو المشهور عنه- هو أول من وضع علم النحو، فيما رواه عنه "أبو"٤ الأسود ظالم بن عمر الدؤلي، وإنه قسم الكلام إلى اسم
стр. 77
وفعل وحرف، وذكر أشياء أُخَر تمَّمها أبو الأسود بعده، ثم أخذ الناس عن أبى الاسود فوسَّعوه ووضَّحوه، وصار علما مستقلا.
وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها -اليوم- الذى فى الشام بجامع دمشق عند الركن، شرقي المقصوة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديما بمدينة طبرية، ثم نُقِلَ منها إلى دمشق فى حدود ثمانى عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيمًا ضخمًا بخطٍّ حسن مبين قوى بحبر محكم، فى رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتعظيمًا وتكريمًا.
فأمَّا عثمان -رضى الله عنه، فما يُعْرَفُ أنه كتب بخطِّه هذه المصاحف، وإنما كتبها زيد بن ثابت فى أيامه وغيره، فنسبت إلى عثمان؛ لأنها بأمره واشارته، ثم قُرِئَتْ على الصحابة بين يدى عثمان، ثم نفذت إلى الآفاق, رضى الله عنه.
وقد قال أبو بكر١ بن أبى داود: حدَّثَنَا عليُّ بن حرب الطائى، ثنا قريش بن أنس، ثنا سليمان التيمى، عن أبى نضرة، عن أبي سعيد مولى
стр. 78
بنى أسيد قال: لما دخل المصريون على عثمان ضربوه بالسيف على يده، فوقعت على: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فمدَّ يده وقال: والله إنها لأول يد خطت المفصَّل.
وقال أيضًا١: حَدَّثَنَا أبو الطاهر، ثنا ابن وهب قال: سألت مالكا عن مصحف عثمان فقال لى: ذهب.
يحتمل أنه سأله عن المصحف الذى كتبه بيده، ويحتمل أن يكون سأله عن المصحف الذى تركه فى المدينة، والله أعلم.
"قلت": وقد كانت الكتابة فى العرب قليلة جدا، وإنما أول ما تعلموا ذلك، ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبى وغيره، أن بشر بن عبد الملك أخا أكيدر دومة تعلم الخطَّ من الأنبار، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية؛ أخت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية، فعلَّمَه حرب بن أمية وابنه سفيان، وتعلَّمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية، وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب.
وقيل: إنَّ أوَّل من تعلَّمه من الأنبار قومٌ من طيئ، من قرية هناك يقال لها: بقة، ثم هذبوه ونشروه فى جزيرة العرب، فتعلمه الناس.
ولهذا قال أبو بكر بن٢ أبى داود: حدَّثَنَا عبد الله بن محمد الزهري "إن شاء الله"٣، ثنا سفيان عن مجاهد، عن الشعبى قال: سألنا المهاجرين: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار.
стр. 79
"قلت": والذى كان يغلب على زمان السلف الكتابة المتكوفة، ثم هذَّبَهَا أبو على بن مقلة الوزير، وصار له فى ذلك نهجٌ وأسلوب فى الكتابة، ثم قرَّبَها على بن هلال البغدادى المعروف بـ "ابن البواب"، وسلك الناس وراءه، وطريقته فى ذلك واضحة جيدة.
والغرض أن الكتابة لما كانت فى ذلك الزمان لم تحكم جيدا، وقع فى كتابة المصاحف اختلاف فى وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى، وصنَّف الناس فى ذلك، واعتنى بذلك الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ فى كتابة: "فضائل القرآن"، والحافظ أبو بكر بن أبى داود ﵀، فبوَّبَا على ذلك، وذكرا قطعة صالحة هى من صناعة القرآن ليست مقصدنا هاهنا.
ولهذا نصَّ الإمام مالك "﵀"١ على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الامام, ورخَّصَ غيره فى ذلك, واختلفوا فى الشكل والنقط، فمن مرخِّصٍ ومن مانعٍ.
فأما كتابة السورة وآياتها والتعشير والأجزاء والأحزاب "فكثر"٢ في مصاحف زماننا, والأولى اتباع السلف الصالح.
ثم قال البخاري٣:
ذكر كتاب النبى ﷺ :
وأورد فيه من حديث الزهري، عن ابن السباق, عن زيد بن ثابت، أن أبا بكر الصديق قال له: وكنت تكتب الوحى لرسول الله ﷺ , وذكر نحو ما تقدَّمَ فى جمعه القرآن، وقد تقدَّمَ. وأورد حديث زيد١ بن ثابت فى نزول ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ ، ولم يذكر البخارى أحدًا من الكتاب فى هذا الباب سوى زيد بن ثابت،
стр. 82
وهذا عجب، وكأنه لم يقع له حديث يورده سوى هذا، والله أعلم. وموضع هذا فى كتاب السيرة عند ذكر كتابه -عليه "الصلاة"١ والسلام.
ثم قال البخارى٢ ﵀: "أنزل القرآن على سبعة أحرف".
حدثنا سعيد بن عفير، ثنا الليث، حدثنى عقيل عن ابن شهاب قال: حدثنى عبيد الله بن عبد الله، أن عبد الله بن عباس حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأنى جبريل ﵇ على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزديني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
وقد رواه أيضًا فى "بدء الخلق"، ومسلم من حديث يونس، ومسلم أيضًا عن معمر، كلاهما عن الزهري بنحوه.
стр. 83
ورواه ابن جرير من حديث الزهرى به.
ثم قال الزهرى: بلغنى أن تلك السبعة الأحرف إنما هى فى الأمر الذي يكون واحدا؛ لا يختلف فى حلال ولا فى حرام، وهذا مبسوط فى الحديث الذى:
رواه الإمام أبو عبيد١ القاسم بن سلام حيث قال: حدَّثَنا يزيد ويحيى بن سعيد، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن أبى بن كعب قال: ما حك فى صدرى شىء منذ أسلمت، إلا أننى قرأت آية وقرأها آخر غير قراءتى، فقلت: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فأتينا رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، أقرأتنى آية كذا وكذا؟ قال: "نعم" , وقال الآخر: أليس تقرئنى آية كذا وكذا؟ قال: "نعم" , فقال: "إن جبريل وميكائيل أتيانى، فقعد جبريل عن يمينى, وميكائيل عن يسارى، فقال جبريل: أقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده, حتى بلغ سبعة أحرف, وكل حرف كاف ٍشافٍ".
وقد رواه النسائى٢ من حديث يزيد -وهو ابن هارون, ويحيى
стр. 84
ابن سعيد القطان، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس، عن أبى بن كعب بنحوه.
وكذا رواه١ ابن أبي عدي "ومحمد"٢ بن ميمون الزعفراني، ويحيى بن أيوب، كلهم عن حميد به.
وقال ابن٣ جرير: ثنا محمد بن مرزوق، ثنا أبو الوليد، ثنا حماد
стр. 85
ابن سلمة، عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف" , فأدخل بينهما عبادة بن الصامت.
وقال الإمام أحمد١ بن حنبل ﵀: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبى خالد، حدثني عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن
стр. 86
بن أبى ليلى، عن أُبَيِّ بن كعب، قال: كنت فى المسجد، فدخل رجل، فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه، فقمنا جميعا فدخلنا على رسول الله ﷺ , فقلت: يا رسول الله، إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل هذا فقرأ "غير"١ قراءة صاحبه، فقال لهما النبى ﷺ : "اقرءا" , فقرأ فقال: "أصبتما" , فلما قال لهما النبي ﷺ الذى قال, كَبُرَ عليَّ ولا إذا كنت فى الجاهلية، فلما رأى الذي غشينى ضرب فى صدرى، ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فرقا، فقال: "يا أُبَيّ، إن الله أرسل إليَّ أن اقرأ القران على حرف، فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل إليَّ أن أقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هَوّن على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة تسألنيها" , قال: قلت: "اللهم اغفر لأمتى، اللهم اغفر لأمتى، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلي فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇".
وهكذا رواه مسلم من حديث إسماعيل بن أبى خالد به.
وقال ابن جرير: حَدَّثَنَا أبو كريب، ثنا محمد بن فضيل، عن اسماعيل بن أبى خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن أبيه عن جده، عن أُبَيّ بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أمرنى أن اقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: خفف " عن"٢ أمتى، فقال: اقرأه على حرفين، فقلت: رب خفف "عن"٢ أمتى، فأمرنى أن أقرأه على سبة أحرف من سبعة أبواب الجنة، كلها شافٍ كافٍ".
وقال ابن٣ جرير:.............
стр. 87
"حدَّثنا"١ يونس عن ابن وهب، أخبرنى هشام بن سعد، عن عبيد الله
стр. 88
بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبى ليلى، عن أُبَيّ بن كعب أنه قال: سمعت رجلا يقرأ فى سورة النحل قراءة تخالف قراءتى، ثم سمعت آخر يقرؤها بخلاف ذلك، فانطلقت بهما إلى رسول الله ﷺ , فقلت: إنى سمعت هذين يقرآن في سورة النحل، فسألت: من أقرأهما؟ فقالا: رسول الله ﷺ ، فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله ﷺ ؛ إذ خالفتما ما أقرأنى رسول الله، فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: "أقرأ" فقرأ، فقال: "أحسنت" , ثم قال للآخر: "اقرأ" , فقرأ، فقال: "أحسنت".
قال أُبَيّ: فوجدت فى نفسى وسوسة الشيطان حتى احمرَّ وجهى، فعرف ذلك رسول الله ﷺ فى وجهى، فضرب يده فى صدرى، ثم قال: "اللهم أخسئ الشيطان عنه, يا أبى، أتانى آتٍ من ربى فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف " عن أمتى"١, ثم أتانى الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على "حرفين"٢, فقلت: رب خفف عن أمتى، ثم أتانى الثالثة فقال مثل ذلك، وقلت مثل ذلك، ثم أتانى الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة, فقال: "يا رب اللهم اغفر لأمتي، يا رب اغفر لأمتى, واختبأت الثالثة شفاعة لأمتى يوم القيامة". إسناد صحيح.
"قلت": هذا الشك الذى حصل لأُبَيّ فى تلك الساعة هو -والله أعلم- السبب الذى لأجله قرأ عليه رسول الله ﷺ قراءة "إبلاغ وإعلام"٣
стр. 89
ودواء لما كان حصل له سورة ﴿لَمْ يَكُنِ " الَّذِينَ كَفَرُوا "١ " مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ " ٢﴾ إلى آخرها، لاشتمالها على قوله: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً ٢ فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾ , وهذا نظير تلاوته سورة الفتح حين أنزلت مرجعه "﵇"٣ من الحديبية على عمر بن الخطاب، وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله ﷺ , "ثم"٤ لأبي بكر الصديق، وفيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] .
وقال ابن٥ جرير: حدثنا محمد بن مثَّنى، ثنا محمد بن جعفر، ثنا
стр. 90
شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبى ليلى، عن أُبَيّ بن كعب، أن رسول الله كان عند أضاة بنى غفار، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته؛ فإن أمتى لا تطيق ذلك" , قال: ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته؛ ان أمتى لا تطيق ذلك" , ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبة أحرف، فأيما حرف قرءوا عليه فقد أصابوا.
وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائى من رواية شعبة به.
وفى لفظ لأبى١ داود عن أُبَيّ بن كعب قال: قال "لى"٢ رسول الله ﷺ : "إني أقرئت القرآن،.................
стр. 91
" فقيل "١ لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذى معى: قل على حرفين، فقيل لى: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذى معى: قل على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها الا شافٍ كافٍ، ان قلت: سميعا عليما عزيزا حكيما ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب".
وقد روى ثابت٢ بن قاسم نحوا من هذا عن أبى هريرة٣ عن النبي ﷺ ، ومن كلام ابن مسعود نحو ذلك.
وقال الإمام٤ أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي عن زائدة عن
стр. 92
عاصم، عن زِرٍّ عن أُبَيّ قال: لقى رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المِرَا، فقال رسول الله ﷺ لجبريل: "إنى بعثت إلى أمة أميين، فيهم الشيخ العاميّ، والعجوز الكبيرة والغلام"، فقال: مرهم فليقرءوا القرآن على سبعة أحرف.
وأخرجه الترمذى من حديث عاصم بن أبى النجود، عن زِرٍّ،١ [عن "أبي"٢ به؛ وقال: "حسن صحيح". وقد رواه.....
стр. 93
أبو عبيد١، عن أبي النضر، عن شيبان، عن عاصم بن أبى النجود، عن زِرٍّ] ٢، عن حذيفة، أن رسول الله ﷺ لقى جبريل عند احجار المِرَا، فذكر الحديث.
وهكذا رواه الإمام٣ أحمد، عن.............
стр. 94
"عفان"١، عن حماد، عن عاصم، عن زِرٍّ، عن حذيفة أنَّ رسول الله ﷺ قال: "لقيت جبريل عند أحجار المِرَا، فقلت: يا جبريل، إني أرسلت إلى أمة أمية، الرجل والمرأة والغلام والجارية، والشيخ العامي الذي لم يقرأ كتابا قط"، فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف.
وقال أحمد٢ أيضًا: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن
стр. 95
إبراهيم بن مهاجر، عن ربعيّ بن حراش، قال: حدثني من لم يكذبني -"يعني"١ حذيفة- قال: لقى النبى ﷺ جبريل عند أحجار المِرَا، فقال: ان أمتك يقرءون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه, وقال عبد الرحمن: إن من أمتك الضعيف؛ فمن قرأ على حرف فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه.
هذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه.
"حديث آخر" فى معناه عن سليمان بن صرد, قال ابن٢ جرير:
стр. 96
حدثنا إسماعيل بن موسى السدى، ثنا شريك عن أبى إسحاق، عن سليمان بن صرد يرفعه، قال: "أتانى ملكان فقال أحدهما: اقرأ، قال: "على كم"؟ قال: على حرف، قال: "زده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف ".
ورواه النسائى١ فى "اليوم والليلة" عن عبد الرحمن بن محمد بن
стр. 97
سلام، عن اسحاق الأزرق، عن العوام بن حوشب، عن أبى إسحاق، عن سليمان بن صرد، قال: أتى أُبَيّ بن كعب رسول الله ﷺ برجلين اختلفا فى القراءة، فذكر الحديث.
وهكذا رواه أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، عن العوام١ [ابن حوشب به.
ورواه أبو عبيد، عن يزيد بن هارون، عن العوام] ١، "عن"٢ أبى اسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبَيّ، أنه أتى النبي ﷺ برجلين فذكره.
وقال ابن جرير٣: ثنا أبو كريب، ثنا يحيي بن آدم، ثنا إسرائيل، عن
стр. 98
أبى إسحاق عن فلان العبدى -قال ابن جرير: ذهب عنى اسمه- عن سليمان بن صرد، عن أبى بن كعب، قال: رحت إلى المسجد فسمعت رجلا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ ، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: استقرئ هذا، قال: فقرأ، فقال: "أحسنت". قال١: [قلت: إنك اقرأتنى كذا وكذا، فقال: "وأنت قد أحسنت". "قال: قلت"٢ قد أحسنت! قد أحسنت! قال] ١: فضرب بيده على صدرى ثم قال: "اللهم أذهب عن أُبَيّ الشك". قال: ففضت عرقا، وامتلأ جوفى فرقًا, قال: ثم قال: "إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده" , قال: "قلت: "زدنى" , فقال: اقرأه على حرفين، حتى بلغ سبعة أحرف، اقرأه على سبعة أحرف".
وقد رواه أبو عبيد عن حجَّاج، عن إسرائيل، عن أبى اسحاق،
стр. 99
عن "سقير"١ العبدى، عن سليمان بن صرد، عن أُبَيّ٢ [عن النبي ﷺ بنحو ذلك.
ورواه أبو٣ داود عن أبى الوليد الطيالسى، عن همام, عن قتادة، عن يحيى بن يَعْمَر, عن سليمان بن صرد، عن أُبَيّ] ٢ بن كعب بنحوه.
فهذا الحديث محفوظ من حيث الجملة عن أُبَيّ بن كعب، والظاهر أن سليمان بن صراد الخزاعى شاهد ذلك، والله أعلم.
"حديث آخر عن أبي بكرة":
قال الإمام٤ أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن
стр. 100
سلمة، عن على بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "أتانى جبريل وميكائيل ﵉، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقال ميكائيل: استزده، قال: اقرأ القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب برحمة".
وهكذا رواه ابن جرير عن أبى كريب، عن زيد بن الحباب، عن حمَّاد بن سلمة به.
وزاد فى آخره: "كقولك هَلُمَّ وتعال".
"حديث آخر عن سَمُرَة":
قال الإمام١ أحمد: حدثنا بَهْزٌ وعفَّانٌ، كلاهما عن حمَّاد بن سلمة،
أنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة، أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف".
إسنادٌ صحيح، ولم يخرجوه.
"حديث آخر عن أبى هريرة":
قال الإمام١ أحمد: ثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم، عن
أبى سلمة لا أعلمه إلا عن أبى هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، مراءٌ فى القرآن كفرٌ -ثلاث مرات- فما علمتم منه فاعملوا، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه". ورواه النسائى عن قتيبة, عن أبي ضَمْرَة أنس بن عياض به.
"حديث آخر عن أم أيوب":
قال الإمام١ أحمد: حدثنا سفيان، عن عبيد الله -وهو ابن أبى يزيد- عن أبيه، عن أم أيوب -يعنى امرأة أبى أيوب- الأنصارية، أن رسول الله ﷺ قال: "أُنزل القرآن على سبعة أحرف، أيها قرأت أجزاك".
стр. 105
وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحدٌ من أصحاب الكتب الستة.
"حديث آخر عن أبى جُهَيْمٍ":
قال أبو عبيد١: ثنا إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن
стр. 106
مسلم بن سعيد مولى الحضرَمِيّ -وقال غيره: عن بُسْر بن سعيد- عن أبي جُهَيْم الأنصارى، أن رجلين اختلفا فى آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ ، فمشيا جميعا حتى أتيا رسول الله ﷺ ، فذكر أبو جُهَيْم أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا القرآن " نزل "١ على سبعة أحرف، فلا تماروا؛ فإن مِراءً فيه كفرٌ".
وهكذا رواه أبو عبيد على الشك.
وقد رواه الإمام أحمد على الصواب، فقال: حدثنا أبو سلمة الخزاعى، ثنا سليمان بن بلال، حدثنى يزيد بن خُصَيْفَة، أخبرني بُسْر بن سعيد، حدثني أبو جُهَيْمٍ أن رجلين اختلفا فى آية من القرآن, قال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، وقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، فسألا النبي ﷺ فقال: "القرآن يُقْرَأُ على سبعة أحرف، فلا تماروا فى القرآن، فإن مراء في القرآن كفرٌ".
وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولم يخرجوه.
ثم قال أبو عُبَيْد٢: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن
стр. 107
يزيد بن الهاد، عن محمد بن ابراهيم، عن بُسْرِ بن سعيد، عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص، أن رجلا قرأ آية من القرآن، فقال عمرو -يعني: ابن العاص: إنما هى كذا وكذا؛ بغير ما قرأ الرجل, فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ , فخرجا الى رسول الله ﷺ حتى أتياه، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فأى ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا فى القرآن, فإن مراء فيه كفرٌ".
ورواه الإمام أحمد، عن أبى سلمة الخزاعي، عن عبد الله بن جعفر ابن عبد الرحمن بن المسبور بن مخرمة، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد، عن بُسْر بن سعيد، عن أبى قيس مولى عمرو بن العاص به نحوه، وفيه: "فإن المراء فيه كفر، إنه للكفر به".
وهذا أيضًا "حديث"١ جيد.
стр. 108
"حديث آخر عن ابن مسعود":
قال ابن١ جرير: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني حَيْوَة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبى ﷺ أنه قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحِلُّوا حلاله وحرِّموا حرامه، وافعلوا ما أُمِرْتُم به، وانتهوا عما نُهِيتُم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا
стр. 109
بمتشابه، وقولوا: آمنَّا به كلٌّ من عند ربنا".
ثم رواه١ عن أبى كريب، عن المحاربى عن ضمرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود من كلامه وهو أشبه، والله أعلم.
стр. 110
فصل:
قال أبو عبيد١: قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة، إلّا ما حدثنى عفَّان، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سَمُرَة بن جندب، عن النبى ﷺ قال: "نزل القرآن على " ثلاثة "٢ أحرف".
قال أبو عبيد١: ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة، وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، وهذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما كذلك إلى السبعة، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظا فيها من بعض، وذلك بين فى أحاديث تترى.
قال: وقد روى الكلبى٣، عن أبى صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات، منها خمس بلغة العجر من هوازن.
قال أبو عبيد٤: والعجر هم: بنو أسعد بن بكر، وخيثم بن بكر،