Полный текст (190 стр.). Показаны 176–190 · переход к 181.
стр. 176
كله في أن يحافظ على مركز البابا وقداسته، حريصاً على ألا ينال أحد منهما، وإلا يخلط دعاة الإصلاح بين إصلاح الكنيسة ومراكز رجالها، وما يستحقون من إجلال وتقديس، فهو يرى أن الإصلاح واجب على أن تقوم به الكنيسة في داخلها، أو يعاونها الحكام على إصلاح نفسها، ولذلك عندما رأى ثورة لوثر العنيفة، وما أدت إليه من مس سلطان الكنيسة ونقص ما لها من قداسة، نبذ آراءه ولم يعاونه.
وظهر كذلك في هذا الإبان تومس مور من ١٤٧٨ إلى ١٥٣٥، وقد ظهر بإنجلترا، ودعا إلى إصلاح الكنيسة أيضاً بالطريق السلمي، ولذلك دعا بنفسه إلى وجوب احترام سيادة البابا، وأن يكون له السلطان الديني على الجميع.
النقد العنيف:
١١٩- ولكن دعوات أولئك السلمية لم تفد فائدتها، ولم تنتج ثمراتها، وإن شئت فقل أنة تحول الأفكار وانتقال الفكرة إلى الشعوب، واصطدام الكنيسة بالمفكرين وبعض الأمراء جعل نقد الكنيسة عنيفاً، وجعل خطوات الدعاة أسرع مما يريد أولئك السلميون.
وأشد من ظهر من أولئك تأثيراً وأقوالهم نفوذاً: مارتن لوثر وزونجلي، وكلفن، ولنتكلم عن كل واحد من هؤلاء بكلمة موجزة.
لوثر:
أما مارتن لوثر، فقد ولد سنة ١٤٨٢ من أبوين فقيرين، ولكن أباه أجهد نفسه، وأراد أن يصل به إلا أقصى درجات الثقافة، ومكن له ليكون قانونياً، فأرسله إلى الجامعة، ولكنه عجز عن إتمام دراسته القانونية، وعكف على دراسة اللاهوت، وانصرف إليها لأنه أحس بنزعة دينية قوية تدفعه إلى الانقطاع لذلك، وقد كان شديد التورع، مبالغاً في تقدير سيئاته، قد سيطرت على مشاعره نفسه اللوامة، حتى لقد قال بنفسه إنه لن ينجو من عذاب الجحيم إلا برحمة الرب الرحيم، وكان لهذا الإحساس الديني الدقيق، وذلك النزوع اللاهوتي موضع رعاية رجال الكنيسة، حتى لقد أوصوا به خيراً أولى الأمر من رجال الدنيا، فعين مدرساً للفلسفة، وظل عاكفاً على هذه الدراسة التي كان يشك
стр. 177
في صلاحيتها، إذ كان يدرس فلسفة أرسطو، وما كان في نظره إلا من عبدة الأوثان، ويجب أن يلاحظ أن دراسة الفلسفة في ذلك العصر كانت تحت ظل الدين، وفي خدمته، ويقوم بها رجال الدين أنفسهم، ولذلك لم تكن دراسته الفلسفية مبعدة عن دراسته الدينية، بل كانت تتميماً لها.
ولقد دفعته نزعته الدينية الخالصة، وإجلاله للكنيسة ورجالها إلى أن يحج إلى روما، ليتيمن بلقاء رجال الدين، ولكي تحل عليه بركات روما موطن المسيحية ومقر الكنيسة المقدسة، ولكنه ما أن وطنت قدماه أرض روما حتى رأى ما صدم حسه، وأزعج نفسه، لقد توقع أن يرى النسك والعبادة والزهادة، فوجد مدينة لاهية عابثة، ووجد رجال الدين قد دنست بعضهم المفاسد، وحاطت بهم الريب، وظنت بهم الظنون، وجد جرأة على الخطايا، واستهانة بأحكام الدين. ووجد الذين تخيلهم قديسين صالحين، وإنهم ملائكة الله تسير على الأرض، قد انغمسوا في الرذيلة، ورتعوا في حماها زاعمين أن سحائب الرضوان قد نزلت عليهم، وغفر لهم سابق ذنوبهم ولاحقها، وأن بيدهم مفاتيح الملكوت في السماوات والأرض وسر التوبة، وأبواب الغفران، يغفرون لمن شاءوا ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
رأى لوثر كل هذا وه مرهف الحس الديني، ذو النفس اللوامة، الذي يرى أن خطايا الإنسان أكبر من أن يمحوها هو، وإنه لا سبيل لغفرانها ألا أن تسعها رحمة الله.
لذلك شدة من هول ما رأي، وتحير بين ما تخيله في رجال الدين من زهادة، والواقع المستقر الذي صدمه صدمة عنيفة، ولكنه لم يلبث إلا قليلاً حتى أنتقل من الحيرة إلى الاستنكار، لذلك عاد إلى ألمانيا حانقاً مستنكراً بعد أن ذهب راضياً مقدساً.
ولقد أخذ يعلن من ذلك الإبان أن التبرك بالمقدسات، والحج إليها وتكرار الصلاة لا يجدي العاصي، ولا يغنيه عن توبة نصوح، وقدم مطهر، ورجاء رحمة الرحيم، وأن أحداً من الخلق مهما تكن قدسيته لا يملك لأحد غفراناً، ولا يستطيع أن يستر ذنباً قد ارتكب.
стр. 178
١٢٠- كان لوثر بعد عودته مأخوذاً بهذه الأفكار، قد استولت على نفسه، وسوغ له كل هذا إنه قد عرا ثقته برجال الدين ضعف، وإن لم يعتزم الثورة عليهم أو على آرائهم، ولكن الحوادث كانت تدفعه إلى أن يعلن استنكار آراء رجال الدين، والجهر بذلك. وذلك لأن البابا ليو أراد أن يعيد بناء كنيسة بطرس في روما، وذلك يحتاج إلى مقدار من المال غير يسير. فقرر أن يجمعه من صكوك الغفران ببيعها، فذهب الراهب تنزل إلى ألمانيا، ومعه تلك الصكوك التي نقلنا لك نموذجاً منها فيما أسلفنا من القول. وأخذ يعلن من أمرها. ويبالغ في قدسها وسرها.
عندئذ ثار لوثر الذي لا يعرف أن شيئاً يستر الذنوب إلى الندم على ما كان، والإقلاع عنه فيما يكون، ورجاء رحمة الديان، والذي رأى في رجال الدين ما رأى، ثار لوثر على تلك الصكوك وكتب في بطلانها احتجاجاً علقه على باب الكنيسة.
ولقد كان لذلك أثره في العامة والخاصة، ولم يكن من المعقول أن تقابل الكنيسة ذلك بالصمت أو الإغضاء، فقد أرسلت إليه تدعوه إلى الحضور لمحاكمته أمام محكمة التفتيش التي كانت تدبيراً اتخذته المجامع ذريعة للقضاء على مخالفيها.
ثورة لوثر على الكنيسة:
وهنا نجد أن بعض الأمراء يتدخل فيوصيه بألا يجيب طلبها، فلم يرَ
البابا بدَّا من أن يصدر قراراً بحرمانه، ويعده زائفاً، وهنا تأخذ الحمية لوثر، ويشتد في دعوته، ويجاهر بالاستهانة بأمر الحرمان، حتى إنه ليحرق في وسط وتنبرج - والجموع حاشدة - حرمان البابا وقرار زيفه، ولم يبق إلا أن تنفذ السلطة المدنية قرار الحرمان، فتحرمه من الحقوق القانونية والمدنية، أثراُ لقرار الحرمان الديني، فاجتمع مجمع ورمز سنة ١٥٢١ لمحاكمته، ولكنه طالب البابا بأن يقنعه بخطئه فيما أرتأى. فلم يجب إلى ما طلب، فانفض المجمع من غير نتيجة في هذا، ولكن الإمبراطور أعلن حرمانه من الحقوق المدنية إلا أن أمير سكسونية حماه.
ومن هذا الوقت أخذت تخضع دعوة لوثر لحكم الأحداث السياسية، فتجد سلماً من الدولة، إذا كان الإمبراطور مشغولاً بحرب، ولا يريد
стр. 179
إثارة فتنة. وتجد حربا إذا خلا الإمبراطور فهم، وفي كلتا الحالتين تزداد الدعوة حدة ويزداد أتباعها عددا، ويشتد ساعدهم بموالاة أمراء أعزاء في النفرة.
وفي سنة ١٥٢٩ حاول الإمبراطور أن ينفذ قرار الحرمان الصادر سنة ١٥٢١ ولكن أنصار لوثر يحتجون على ذلك، ومن ذلك الحين سموا البروتستنت أي المحتجين، ثم جرت الأمور سلما فحربا متداولين، حتى إذا مات لوثر، وكان الإمبراطور قد خلص من كل الحروب التي تشغله أنزل بالبروتستنت أقصى العذاب وأشده بلاء، ثم يعقب ذلك صلح بين الفريقين.
لوثر لم يرد هدم الكنيسة:
١٢١ - لم يكن لوثر من الغلاة الذين يرمون إلى هدم الكنيسة، ولا إلى محاربة سلطانها، بوصف كونها مرشدة وواعظة ومبينة للناس شئون دينهم، ولكنه كان يريد إصلاح حال الكنيسة ورجالها، وحملهم على الحادة وإعطاءهم من الحق ما أعطته الكتب المقدسة، ووصايا رسلهم، والمأثور عنهم، وهو لم ينظر إلى الباب على أنه خليفة المسيح لا يخطئ، ولا يأتي الباطل إلى قوله، بل نظر إليه على أنه كبير المرشدين الواعظين.
ولما أراد لهم الصلاح - وكان يائسا من أن يقوموا هم بذلك - دعا الأمراء إلى أن يتدخلوا، وقرر أن لهم عليهم سلطانا، وأن لهم الحق في عزل رجل الدين إذا لم يقم بما يأمره به الدين، ووجد أن جزءا من فساد رجال الدين يرجع إلى عدم الزواج.
ورأى أن المنع منه لم يكن في المسيحية في عصورها الأولى، فقرر حقهم في الزواج، وتزوج هو فعلا مع أنه من رجال الدين. وكان زواجه من راهبة.
ووجد أن الكنيسة تحتفظ لنفسها بحق فهم الإنجيل، وذلك من أسباب غلوها وفقدها الرقيب، فجعل لكل مسيحي مثقف الحق في فهمه، واشتغل بترجمته إلى الألمانية ليقرأه كل ألماني.
وأنكر أن المسيح يحل في بدن من يأكل العشاء الرباني. فقد أنكر
стр. 180
استحالة الخبز إلى عظام المسيح المكسورة. وأنكر استحالة الخمر إلى دم المسيح، وحلولهما في جسم الآكل. واكتفى بكون العشاء الرباني تذكيرا لما قام به المسيح من فداء للخليقة في زعمهم. وأن يعتقد المسيحي أن المسيح معه بجسده عند تناول هذا العشاء.
هذا كله مع إنكاره حق الكنيسة في الغفران، ذلك الحق الذي كان عود الثقاب الذي أشعل ثورة لوثر، وكانت منها تلك النيران التي لم تستطع الكنيسة لها إطفاء.
زونجلي وأعماله:
١٢٢ - وفي الوقت الذي كان يغالب فيه لوثر الكنيسة وأنصارها من ذوي السلطان، كان في سويسرة صوت قوي أخر ينادي بما يقارب ما نادى به لوثر، ذلك هو زونجلي (١٤٨٤ - ١٥٣١) فقد ألمته حال الكنيسة ودعا إلى مثل ما دعا إليه لوثر في مسائل الدين. وقد ابتدأت ثورته بالثورة على صكوك الغفران كما ابتدأ لوثر، وقد مات أثناء صراع وقع بين أنصاره المعتنقين لمبادئه وأنصار الكاثوليك.
وآراؤه في الحملة تتقارب من آراء لوثر، ولقد كان يرى أن العشاء الرباني مناولة تذكارية لموت المسيح وفدائه لخطيئة الخليقة في زعمهم، وأن المسيح يحضر ذلك العشاء بروحه فقط. ويفسر ما جاء خاصا بالعشاء الرباني في إنجيل متى بمعناه المجازي. وهذا نص ما جاء في ذلك الإنجيل في إصحاحه السادس والعشرين: وفيما يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك. وكسر، وأعطى للتلاميذ، وقال: "خذوا، كلوا هذا هو جسدي" وأخذ الكأس وشكر، وأعطاهم قائلا: "اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا".
ودعوة زونجلي هذه، وإن كانت تتلاقى في مبادئها في الجملة مع مبادئ لوثر كانت منفصلة عنها، فلم تتوحد الدعوتان، بل كانت كلتاهما تعمل في محيط إقليمها، بيد أن حركة لوثر كانت أوسع دائرة وأسرع انتشارا، لسعة الإقليم الذي نشأت فيه، ولرعاية بعض الأمراء لها، بل لاعتناقهم مبادئها، ولأن الأحوال السياسية في ألمانيا كانت تسمح لمثل هذه الدعوة بالذيوع والانتشار.
стр. 181
كلفن وأثره في الإصلاح:
١٢٣ - في الوقت الذي كان فيه هذان الرجلان يعملان ويجاهدان كل بطريقته، فلوثر بطريقته السلمية التي خالطها العنف، وزنجلي بطريقة الصراع والمنازلة، حتى مات فيه.
في هذا الوقت كان رجل آخر ظهر في فرنسا وهو كلفن (١٥٠٩ - ١٥٦٤) قد ولد بفرنسا، ونشأ بها، وتثقف ثقافة قانونية، ولكنه مال بعد تخرجه في القانون إلى الدراسات الدينية، وقد كانت حركة لوفر قد ذاعت وشاعت في ربوع أوربا، وما أن أعلن كلفن آراءه حتى أضطر إلى الفرار بعقيدته إلى جنيف في سويسرا، وهناك ألف وكتب، وأخذ يعمل على نشر مبادئ المذهب البروتستنتي، وينظمها بعد موت لوثر، فتنظيمها على الشكل الأخير يرجع إلى كلفن أكثر مما يرجع إلى أي رجل آخر، وإن كان باذر البذرة سواه، بل إن بذور ذلك المذهب قد كانت أقدم تاريخيا من لوثر نفسه، وقد نوهنا إلى بعض هذا الكلام في المجامع.
ويرى كلفن أن الكنيسة يجب أن تحكم نفسها بنفسها، وعلى الحاكم المدني مساعدتها ومعاونتها وحمايتها، وذلك ليكون السلطان الديني غير خاضع لحكم الحكام، وهو يرى أن المسيح لا يحضر لا بشخصه ولا بروحه في العشاء الرباني، ويعتبر تناول العناصر المادية رمزا للإيمان, ويقول كما يقرر صاحب كتاب الأصول والفروع في العشاء الرباني: "يشير العشاء الرباني أيضا إلى مجيء المسيح، كما يشير إلى موته، فيكون تذكارا للماضي والمستقبل، فالعبرة في العشاء الرباني للذكرى، لا حضور المسيح مادياً أو روحياً".
إنشاء كنائس للمصلحين:
١٢٤ - كانت جهود هؤلاء القادة وأتباعهم، وعيوب الكنيسة، وسوء حالها وحال القوامين عليها، وشدة ضغطهم سبباً في ذيوع الآزاء التي تخالف رأي الكنيسة، وقد ابتدأت الحركة بطلب إصلاح الكنيسة على أن يقوم بالإصلاح رجال الكنيسة أنفسهم ولكنهم أنقضوا رءوسهم، وأصروا واستكبروا استكباراً، ورفضوا كل دعوى للإصلاح، وقابلوا أصحابها بقرارات الحرمان أحياناً كثيرة، والإهمال أحياناً قليلة.
стр. 182
فلما استيأس مريدو الإصلاح من أن يقوم الكنسيون بإصلاح حالهم، وأن يرعوا الديانة حق رعايتها اتجهوا إلى الحكام طالبين أن يتدخلوا لإصلاح الكنيسة، كما حاول لوثر، فقد أعطى الحكام حق الهيمنة على الكنيسة ليصلحوها، ولكن الحكام تقاعسوا، ومنهم من لم يحاول إصلاح الكنيسة، بل حاول القضاء على طلاب إصلاحها، وأنزل بهم اضطهادات وبلايا وشدائد ومذابح، كما حدث لبروتستنت فرنسا، وكان ذلك إما تعصبا للكنيسة، وإما ما جملة، وإما كراهة للمصلحين، لأن منهم من كانت لهم آراء إصلاح نظم الحكم بجوار آرائهم في إصلاح الكنيسة، وقد كان الحكم استبداديا مطلقا، بلا نظام يقيد الحاكم، ويلزم المحكوم.
فلما يئس طلاب الإصلاح من الحكام ويئسوا من رجال الكنيسة اتجهوا إلى أن يجعلوا لآرائهم جماعة، ووحدة دينية منفصلة عن الكنيسة وآراؤها غير خاضعة للكنيسة. وراغضة كل ما لها من سلطان، وأنشأوا لهم كنائس ليست معترفة لروما بأي سلطان، وسلطة رجال الدين فيها محدودة، ولرجال الدين من الحقوق ما قرروا من مبادئ، وسميت كنائسهم كنائس إنجيلية أي أنها لا تخضع إلا لحكم الكتاب المقدس، ويقيد بأحكامه رجل الدين أمام رجل الشعب، وجميعهم مسئول أمام ذلك الكتاب، وليس لرئيس الكنيسة خلافة تجعل كلامه مقدسا، مساويا لأحكام الكتاب المقدس في الرتبة والاعتبار.
وقد انتشر المذهب الجديد في ألمانيا والدانمرك والنرويج وهولندا وإنجلترا وأمريكا الشمالية وسويسرا، وإن لم تصر كلها على المذهب.
أهم مبادئ الإصلاح:
١٢٥ - والآن نلخص المبادئ التي أتى بها ذلك المذهب الجديد، نكتفي بذكر أصولها التي يرجع إليها غيرها من الفروع، وأعظم تلك الأصول شأنا:
стр. 183
(أ) جعل الخضوع التام الواجب على المسيحي لنصوص الكتاب المقدس وحدها وجعله الحكم وحده الذي لا ترد حكومته، ولا ترفض أوامره، وقياس كل أوامر الكنيسة القديمة وقرارات المجامع على ما نص عليه في ذلك الكتاب فما وافقه قبل على أن الكتاب قد ورد به، وما خالفه رفض، ولو كان قد صدر عن أكبر رجال الكنيسة شأناً في الماضي أو الحاضر.
ولذلك يقول صاحب كتاب سوسنة سليمان في ذلك: "إنهم جميعاً متفقون في المعتقدات على مجرد ما في الكتاب المقدس فقط، فلا يخضعون لشيء من التقاليد التي لا يوجد لها فيه رسم أصلاً، ولا إلى أقوال أحد من الآيات أو المجامع إلا إذا كان موافقا لنصوصه لفظا ومعنى، أما تفسير الآيات الغامضة والتي لم يوضحها الوحي الإلهي، فلا يمارون أحداً فيها إلا إذا كان التفسير ينافي ما كان معناه واضحاً في غيرها من تعاليم الكتاب".
فهم لا يعترفون بسلطان لغير الكتاب وقد كان تحكيم الكتاب وحده سبباً في جعل رجل الدين غير مطاوع إلا فيما ورد في الكتاب.
стр. 184
وقد كان جعل سلطان الكتاب شاملاً لرجل الدين، ولرجل الشعب سبباً في أن حق التفسير والفهم لم يعد مقصوراً على رجال الدين، فأزيل ذلك الحجاب الذي أقيم بين المسيحي وبين كتابه. إذ أقامه رجال الدين ليحتجزوا حق تفسير الكتاب لأنفسهم. وبذلك يكون الدين ما تنطق به أفواههم وليس لأحد أن يعقب على قولهم، لأن باب التفسير قد أقفل دون غيرهم فلا يستطيعون إزالة رتاجه، ولا فتح إغلاقه، فألغى المذهب الجديد ذلك الحجاب وفتح باب التفسير لكل مثقف ذي فهم، وإذا كان ثمة نص لم يفهم توقفوا عن فهمه، فإن أبدى رجل الدين رأياً في فهمه قبلوه إلا إذا خالف نصاً ظاهراً لا مجال للتأويل فيه.
عدم الرياسة في الدين:
(ب) ليس لكنائسهم من يترأس عليها رياسة عامة، بل لكل كنيسة رياسة خاصة بها، والرياسة الكنسية التي تستمد الخلافة من أحد الحواريين أو من المسيح نفسه لا وجود لها عندهم، بل إن الكنيسة في كل مكان ليس لها إلا سلطان الوعظ والإرشاد، والقيام على تأدية الفروض والتكاليف الدينية وبيان الدين لمن لا يستطيع معرفته من تلقاء نفسه، ولم يكن عنده من الثقافة ما يمكنه من ذلك.
ليس لرجل الدين الغفران:
(جـ) وإذا كانت الكنيسة لها سلطان إلا البيان لمن لا يستطيع بياناً والإرشاد لمن لا يستطيع معرفة أوامر الدين من تلقاء نفسه، فليس لها سلطان في محو الذنب أو ستره. أو تلقى الاعتراف بالذنوب ومسحها سواء أكانت تلك هي المسحة الأخيرة عن الاحتضار. أم كانت قبل ذلك. فكل ذلك ليس لها فيه سلطان. لأنه من عمل الديان. وقد علمت أن صكوك الغفران وحق الكنيسة فيه كانت الثقاب الذي اندلعت منه الثورة على الكنيسة، وتبعها تقصى عيوبها، وتتبع نقائصها. وقد ذكرنا ببعض التفصيل ما كانت تفعله الكنيسة، وبينا أنها غالت فيما زعمته لنفسها في ذلك من حق، والأساس في رفض الكنيسة في هذا: كل نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.
стр. 185
وكما أن ذلك الأساس أدى إلى سلب الكنيسة ما زعمته لنفسها من حق الغفران أدى إلى أمر آخر. وهو منع الصلاة لأجل الموتى، واعتبار أن ذلك لا يفيدهم لأنه ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سيحاسب عليه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، وأدى أيضاً إلى أن طلب شفاعة القديسين لا قيمة له، لأنه لا يغير عمل الشخص من صالح إلى طالح.
وفي الجملة أنهم اعتبروا غفران الذنوب يرجع إلى عمل الشخص وعفو الإله، وتوبة العاصي وندمه على ما فات ولومه نفسه على ما كان وكل قول يجعل غفران الذنب أساسه غير ذلك رفضوه، ولم يلتفتوا إليه.
عدم الصلاة بلغة غير مفهومة.
(د) ولقد كان ذلك المبدأ الذي يجعل الإنسان يدين بعمله وحده، ومبدأ أن لا سلطان للكنيسة على القلب والعبادة، كان هذان المبدآن سبباً في أن رفض أولئك المسيحيون الصلاة بلغة غير مفهومة للمتعبد، لأن الصلاة دعاء من العابد للمعبود وانصراف القلب إليه، والقيام بالخضوع الكامل له، والنطق بما يدل على الخضوع والالتجاء إلى المعبود، فوجب أن تكون بألفاظ يفهمها العابد ليردد معانيها ويقصد مراميها، وقد كانت صلاة القسيس بلغة لا يفهمها المصلون مقبولة لدى الكاثوليك. لأن أساس ذلك أن عبادة القسيس عبادة لمن هم تحت سلطانه.
رأيهم في العشاء الرباني:
(هـ) انتهى البروتستنت بالنسبة للعشاء الرباني إلى إنه تذكار بغداء المسيح للخطيئة التي ارتكبها آدم، وتحملت الخليقة من بعد وزرها، وتذكار لمجيئه لدين الناس، فهو تذكار للماضي والمستقبل كما جاء في بعض الرسائل، وهم ينكرون أن يتحول الخبز إلى جسد المسيح. والخمر إلى دمه.
والكنيسة قد أصرت على ذلك إصراراً. وهذا قرارها في المجمع الترنديتى في ذلك الشأن، فهي تقول بلسان أعضائه.. "قد اعتقدت كنيسة الله دائماً بأنه بعد التقديس يوجد جسد ربنا الحقيقي ودمه الحقيقي مع نفسه ولاهوته تحت أعراض الخبز والخمر، وأن كلاً من الشكلين يحتوي ما يحتوى كلاهما، لأن يسوع المسيح هو بكماله تحت شكل الخبز، وتحت أصغر أجزاء هذا الشكل، كما إنه هو كله أيضاً تحت شكل الخمر وجميع أجزائه،
стр. 186
وقد اعتقدت الكنيسة أيضاً اعتقاداً ثابتاً بأنه بتقديس الخبز والخمر يستحيل كامل جوهر جسد ربنا. وكامل جوهر الخمر إلى جوهر دمه تعالى، وهذا التعبير قد دعى بكل صواب. فيلتزم إذن جميع المؤمنين بأن يعدوا هذا السر المقدس العبادة المستوجبة للإله الحقيقي. لأننا نعتقد بأنه يوجد فيه الله نفسه الذي عبدته الملائكة على أمره تعالى. حينما أتى على العالم، وهو نفسه الذي سجدت له المجوس خارين على أقدامه، وله نفسه سجدت الرسل في الجليل".
هذه عقيدة الكنيسة في العشاء الرباني، لم يستسفها لوثر وأشياعه، وخلفاؤه من بعده، وانتهى أمرهم إلى أن رفضوا ذلك التحول الذي تفرضه الكنيسة، وتلتزم به، وإن كان بعيداً عن المعروف المألوف، وبعد أن رفضوا ذلك قر قرارهم الأخير على اعتبار العشاء الرباني تذكاراً بالغذاء وتذكاراً للمجيء وفي ذلك عظة واستبصار.
إنكار الرهبنة:
(و) أنكر أولئك المصلحون لزوم الرهبة التي يأخذ رجال الدين أنفسهم بها ويعتبرونها شريعة لازمة. يفقد رجل الدين صفته الكهنوتية أن تخلى عنها، ولقد رأوا ما أدى إليه ذلك الحظر من كبت للجسد الإنساني، وتعذيب له من غير ضرورة، ولا نص من الكتب قديمها وجديدها يفيد ذلك، بل قد رأوا ما إليه ذلك الكبت من انفجار غريزة الإنسان في رجل الدين فانطلق يكرع اللذة من شقتها الحرام بعد أن حرم على نفسه الحلال، وطفق يغترف من ورد معتكر بالآثام، مرنق بالمفاسد، وترك المنهل العذب الذي حللته الشرائع، ويتفق مع ناموس الاجتماع الإنساني.
عدم اتخاذ الصور والتماثيل:
(ز) منع البروتستنت اتخاذ الصور والتماثيل في الكنائس والسجود لها، معتقدين أن ذلك قد نهي عنه في التوراة، فقد جاء في سفر التثنية: "لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً، ولا صورة مما في السماء من فوق، وما في الأرض من أسفل، وما في الماء من تحت الأرض، لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي، وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي، وحافظي وصاياي".
стр. 187
ولا شك أن ما نهت عنه التوراة يجب الأخذ به مادام الجميع يؤمنون بالتوراة، وكتب العهد الجديد، وما دام لم يرد عن المسيح أو عن الرسل ما يبطل ما جاء في التوراة.
ولقد أثبت الأستاذ أمين الخولي بالسند التاريخي أن ذلك التحريم قد قبسه النصارى المصلحون من نور الإسلام.
المسيحيون لم يسيروا في منطقهم إلى أقصى مداه:
١٢٦- هذه أعظم المسائل التي خالف بها المصلحون في المسيحية ما عليه الكنيسة، وهي لا شك خلع لسلطان الكنيسة على النفوس وقضاء على سلطان المجامع، وإذا كان للحوادث منطق تسير عليه، فهل لنا أن نستنبط منطق تلك الحوادث، وما كان عساه يكشف عنه لو سار في طريقه إلى أقصى مداه؟ لقد علمت في سياقنا التاريخي الذي بيناه عن أدوار المسيحية أن ذلك السياق يعلن في عباراته وفي فحواها أن تلك الديانة كانت ديانة توحيد، حتى جاءت المجامع، فقررت أُلوهية غير الله، وطردت من حظيرة المسيحية المستمسكين بعروة التوحيد الذين رفضوا دعوى أُلوهية المسيح، وناصرتهم الشعوب المسيحية في الإبان.
فإذا كان المصلحون قد قرروا أن يأخذوا مذهبهم الديني من الكتب الصحيحة، وقرروا أن يرفضوا سلطان المجامع والكنيسة معاً، فإن المنطق الذي يسيرون عليه كان يوجب عليهم أن يرفضوا أقوال المجامع القديمة، ومنها أُلوهية المسيح، وألوهية الروح القدس.
وقد كنا نود أن يدرسوا قرارات هذه المجامع، وينظروا إلى سندها وقوتها فإن لم يروا السند قوياً رفضوا ذلك القرار، ولكنهم لم يسيروا في منطقهم إلى أقصى مداده، فرفضوا آراء الكنيسة في أمور، أعظمها شأناً ما بيناه، ولم يتجهوا إلى لب العقيدة، وهو لم يتجاوز إنه قرار مجمع فيدرسوه من جديد على ضوء ما فتحوه لأنفسهم من نور مبصر، وهو أن يكون لكل شخص له قدرة على فهم الكتاب حق في تفسيره، واستخراج الأوامر والنواهي منه من غير أن يتخذوا الأحبار والقسيسين وسائط في فهمه، ويحكموا بذلك في ضمائرهم واعتقاداتهم.
стр. 188
عقول مسيحية تنكر ألوهية المسيح:
١٢٧- ولكنا وقد يئسنا من أن يسير البروتستنت في طريقهم إلى أقصى مداه وجدنا العقول المسيحية قد تنبهت، والدراسة العلمية والفلسفية قد سارت ونور الإسلام قد انبلج، فوجدنا علماء كثيرين قد صرحوا في قوة بأن المسيح لم يكن إلا رسولاً، وإنه لم يكن أكثر من بشر، قد قبسوا ذلك من الأناجيل نفسها، فهذا رينان قد جهر بذلك في قوة وجرأة ولم يمنعه حرمان الكنيسة له من الإصرار على رأيه والذود عنه، وهذا تولستوى ينكر على المسيحيين أُلوهية المسيح، وتنتهي نتائج بحثه إلى أن بولس لم يفهم تعاليم المسيح، بل طمسها، والكنيسة زادت تعاليم المسيح بالنسبة للاعتقاد غموضاً وإخفاء.
ولنترك الآن الكلمة لذلك الفليسوف، فهو يقول: "إنه ينبغي لفهم تعليم يسوع المسيح الحقيقي، كما كان يفهمه هو أن نبحث في تلك التفاسير والشروح الطويلة التي شوهت وجه التعليم المسيحي، حتى أخفته عن الأبصار تحت طبقة كثيفة من الظلام، ويرجع بحثنا إلى أيام بولس الذي لم يفهم تعليم المسيح، بل حمله على محمل آخر، ثم مزجه بكثير من تقاليد الفريسيين، وتعاليم العهد القديم، وبولس كما لا يخفى كان رسولاً للأمم، أو رسول الجدال والمنازعات الدينية، وكان يميل إلى المظاهر الخارجية الدينية، كالختان وغيره فأدخل أمياله هذه على الدين المسيحي فأفسده، ومن عهده ظهر التلمود المعروف بتعاليم الكنائس، وأما تعليم المسيح الأصلي الحقيقي فخسر صفته الإلهية الكمالية، بل أصبح إحدى حلقات سلسلة الوحي التي أولها منذ ابتداء العالم، وآخرها في عصرنا الحالي، والمستمسكة بها جميع الكنائس، وأن أولئك الشراح والمفسرين يدعون يسوع إلهاً دون أن يقيموا على ذلك الحجة، ويستندون في دعواهم على أقوال وردت في خمسة أسفار: موسى، والزبور، وأعمال الرسل، ورسائلهم، وتأليف آباء الكنيسة، مع أن تلك الأقوال لا تدل أقل دلالة على أن المسيح هو الله.
هو إذن ينكر أُلوهية المسيح، وينكر أُلوهية روح القدس، ويعتقد بأن الله واحد أحد فرد صمد، وينكر أن تكون كتب النصارى كتبت بإلهام،
стр. 189
ويعلن في جرأة إنها حرفت وحراها التغير والتبديل، فيقول في صراحة المستمسك بالعروة الوثقى: "أن المسيحيين واليهود والمسلمين يعتقدون جميعهم بالوحي الإلهي، فالمسلمون يعتقدون بنبوة موسى وعيسى ولكنهم يعتقدون كما أعتقد بأنه دخل التحريف والتشويه على كتب الديانة النصرانية، وهم يعتقدون بأن محمداً خاتم الأنبياء، وإنه قد أوضح في قرآنه تعاليم موسى وعيسى الحقيقية، كما قالاها دون زيادة ولا نقص، وأن كل مسلم أمامه القرآن يقرؤه، ويتمسك به ويسير بموجب أحكامه، ولا يعترف بغيره من الكتب مهما اشتهر واتسموها بالتقوى والصلاح، ويسمى المسلمون ديانتهم بالمحمدية، لأن محمداًَ وضعها بخلاف الكنيسة المسيحية التي تسير الآن بموجب تأليف الآباء الذين يدعون بأن ما كتبوه هو من روح القدس، فكان الأحرى بالمسيحيين أن يسموا كنيستهم بالروحية القدسية أولى من تسميتها بالمسيحية".
стр. 190
خاتمة
١٢٨- قد ظهر إذن مسيحيون يدعون إلى التوحيد، وإنك لترى بريق الإسلام يلمع بين السطور التي دونوها والأقوال التي نشروها، ولكن قد طردتهم المسيحية الحاضرة من حظيرتهم كما فعلت المجامع من قبل، ولقد كان الأمر لا يسترعي النظر لو كان مقصوراً على العلماء. بل إنك لترى المسيحيين الذين تجادلهم أو تخالطهم بالمودة - إن استثنيت رجال الدين منهم - يصرحون في بهرة المجالس وفي جهر من غير أسرار بإنهم لا يستطيعون أن يتصوروا المسيح إلا رجلاً عظيماً رسولاً من عند الله، وليس هو الله، وليس ابن الله وليس ذا صلة بالألوهية إلا صلة الرسول بمن أرسله.
فهل لنا أن نعتقد أن شيوع هذا على ألسنة أولئك المثقفين يؤدي إلى إصلاح كامل للعقيدة، يكون شاملاً للأصل، ولا يكون مقتصراً على الفرع كما فعل الإصلاح السابق واقتصر عليه؟.
إن الأجدر لهذا أن يتجه أولئك المثقفون إلى دراسة دينهم، وأن يتجه الذين يحاولون إرشادهم - إلى بيان الأدوار التاريخية التي مرت بدينهم، وإلى ما أحدثته المجامع من أحداث، وكل حدث في الدين هو بدعة فيه، فإن دراسة تلك الأدوار تريهم الحقائق عاية، وتكشفها لهم غير مستورة برسوم وطقوس كنسية أو غير كنسية، وقد حاولنا في أثناء بحثنا أن نبين أن أُلوهية المسيح وألوهية الروح القدس فكرتان عرضتا على العقل المسيحي، ولم تكونا في المسيحية الأولى، وذكرنا السند التاريخي في ذلك وإنه لمسيحي خالص، وإنه بهذه المحاولة نريد أن ندعو الذين يهمهم رد العالم المسيحي إلى التوحيد - إلى العناية بدراسة تاريخ المسيحية وإعلانه لأهلها، ونريد أن ندعو الذين يريدون نشر الإسلام بين ربوع المسيحيين إلى إعلان ذلك التاريخ، فإنهم إن دخلوا في التوحيد، دخلوا في الإسلام بأيسر مجهود، لأن الخطوة التالية لا تحتاج إلى أكثر من الإعلام، والحمد لله رب العالمين.
(تم بحمد الله وتوفيقه)