← Общие книги

Общие книги · id 2280

محاضرات في النصرانية

محمد أبو زهرة

Полный текст (190 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

المجامع الباقية المجامع السابقة تقرر المسيحية الحاضرة: ٩١- عنينا ببيان المجامع الأربعة السابقة ببعض التفصيل، ولم نضن على القرطاس فيها ببعض الأطناب، لأنها المجامع التي قررت بها العقيدة المسيحية الحاضرة. فأولها قرر أُلوهية المسيح، وثانيها قرر أُلوهية الروح القدس، وثالثها قرر أن المسيح اجتمع فيه الإنسان والإله، لا الإنسان فقط، وإن مريم ولدت الاثنين، ورابعها قرر أن المسيح ذو طبيعتين منفصلتين، لا طبيعة واحدة متحدة، والمجامع الثلاثة الأولى اتفقوا على أنها مجامع عامة تلزم بأحكامها المسيحيين أجمعين، أما المجمع الرابع فهو ليس مجمعاً عاماً في نظر المصريين، والكنائس التي تنهج نهج كنيستهم. والمجامع الآتية بعد ذلك ليس فيها مجمع قد أجمع عليه المسيحيون قاطبة بأنه مجمع عام مسكوني كما يعبرون، فكل هذه المجامع لم تمثل فيها الكنيسة المصرية بعد انشقاقها على كنيسة رومة، أو انشقاق كنيسة روما عليها. وإنا نشير إلى هذه المجامع إشارة، ولا نعرج عليها بتفصيل لذلك، ولأن قراراتها كانت في فروع جزئية لا تتصل بلب التثليث إلا في بعض المجامع، وبقدر يسير، لا يمس الجوهر، ولا يتغلغل في صميمه، وقد نعرض لهذا بقليل من التفصيل. ولقد كان المجمع الخامس بالقسطنطينية سنة ٥٥٣، ويسمى المجمع القسطنطيني الثاني. المجمع القسطنطيني الثاني وسبب انعقاده: ويذكر ابن البطريق أن ذلك المجمع انعقد بسبب أن بعض الأساقفة اعتنق فمرة تناسخ الأرواح، وساء فيها إلى أقصى مداها. حتى لقد قال إنه ليس هناك قيامة، وبسبب أن بعض الأساقفة قد زعموا أن شخص المسيح لم يكن حقيقة، بل كان خيالاً، فاجتمع لذلك هذا المجمع، وكانت عدة الحاضرين فيه أربعين ومائة، فقرروا حرمان هؤلاء الأساقفة، ولعنهم

стр. 142

وطردهم من زمرة المسيحيين، ولم يكتفوا في اجتماعهم بإصدار قرارهم في هذه الأمور، بل ثبتوا قرارات المجامع السابقة، ومنها قرار مجمع خليكدونية، وبذلك ثبتوا عقيدة كون المسيح ذا طبيعتين، وأكدوا إنكار الطبيعة الواحدة التي اعتنقتها كنيسة مصر. ومن والاها من المسيحيين. المارونية: ٩٢- وقد ظهر رجل اسمه يوحنا مارون في القرن السابع الميلادي سنة ٦٦٧ كان يقول أن المسيح ذو طبيعتين، ولكن ذو مشيئة واحدة لالتقاء الطبيعتين في أقنوم واحد، ولكن يظهر أن هذه المقالة لم ترق في نظر البطارقة لذلك، فأوعزوا إلى الإمبراطور أن يجمع جمعاً علماً في زعمهم، ليقر بأن المسيح ذو طبيعتين، وذو مشيئتين، بعد أن استوثقوا من أن الإمبراطور، واسمه يوغاقوس على رأيهم، بمكاتبات تبادلوهم معه. فقد جاء في أحد كتبه: "نحن نقر، وتؤمن بطبيعتين، ومشيئتين، وفعلين لسيدنا المسيح، وأقنوم واحد، ونلعن من خالف هذا". مجمع القسطنطينية الثالث: اجتمع كذلك المجمع السادس بمدينة القسطنطينية سنة ٦٨٠ م وقد كان من عمله لعن وطرد كل من يقول بالمشيئة الواحدة. كما لعن وحرم وكفر من قال بالطبيعية الواحدة، وكان مؤلفاً من نحو تسعة وثمانين ومائتي أسقف. ويعد أن قروا لعن وطرد من يخالفهم كشأنهم دائماً. قالوا: "إننا نؤمن بأن الواحد من الثالوث الابن الوحيد الذي هو الكلمة الأزلية الدائم المستوى مع الأب الإله في أقنوم واحد، ووجه واحد، يعرف تماماً بناسوته، تماماً بلاهوته في الجوهر الذي هو ربنا يسوع المسيح بطبيعتين تامتين وفعلين ومشيئتين في أقنوم واحد، وشهدوا كما شهد المجمع الخلقيدوني أن الإله الابن في آخر الأزمان أخذ من العذراء السيدة مريم القديسة جسداً إنسانياً بنفس ناطقة عاقلة، وذلك برحمة الله محب البشر، ولم يلحقه في ذلك اختلاط ولا فساد، ولا فرقة ولا عمل، ولكن هو واحد يعمل ما يشبه الإنسان أن يعمله في طبيعته، وما يشبه الإله أن يعمله في طبيعته، الذي هو الابن الوحيد، الكلمة الأزلية المتجسدة التي صارت

стр. 143

لحته لحماً كما يقول الإنجيل المقدس من غير أن تنتقل من مجدها الأزلي وليست بمتغيرة، ولكنها بفعلين، ومشيئتين وطبيعتين إله وإنسان، وبهما يكمل قول الحق، وكل واحدة من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها، فتعملان بمشيئتين غير متضادتين". هذا بعض قرار ذلك المجمع كما جاء في تاريخ ابن البطريق، وقد أطلنا في النقل، ليكون كلام القوم مبيناً لفكرهم كما يريدون، فنقلناه خشية أن نحرف كلامهم عن معناه، أو نحيد به عن مرماه. ولقد كان من آثار هذا القرار أن خرج من جماعة كنيسة روما والقسطنطينية طائفة المارونيين، كما خرج من قبل الأقباط وكنيستهم، ومعهم الأحباش والأرمن والسريان. مجمع تحريم اتخاذ الصور: ٩٣- وقد جاء مجمع غير علم بإقرار الجميع انعقد بأمر قسطنطين الخامس سنة ٧٥٤ وفيه جمهور من الأساقفة، وفدوا إليه من جهات مختلفة وقد قرر تحريم اتخاذ الصور والتماثيل في العبادة، وحرم طلب الشفاعة من العذراء، ولأجل هذا انعقد المجمع السابع بأمر الملكة إيريني بمدينة نيقية، ويسمى المجمع النيقاوي الثاني سنة ٧٨٧ وكان أعضاؤه

стр. 144

٣٧٧ أسقفاً وأصدروا القرار بتقديس صور المسيح والقديسين، لا بعبادتها، وجاء في هذا القرار: "إنا نحكم بأن توضع الصور ليس في الكنائس والأبنية المقدسة، والملابس الكهنوتية فقط، بل في البيوت، وعلى الجدران في الطرقات، لأننا إن أطلقنا مشاهدة ربنا يسوع المسيح ووالدته القديسة والرسل، وسائر القديسين في صورهم شعرنا بالميل الشديد إلى التفكير فيهم، والتكريم لهم، فيجب أن تؤدى التحية والإكرام لهذه الصور، لا العبادة التي لا تليق بالطبيعة الإلهية". هذا هو المجمع السابع قد وافق عليه عدد كبير من الكنائس فاعتبرته عاماً، وخالفته أخرى، فلم تعتبره كذلك. انفصال الكنيسة الشرقية عن الغربية وسببه: ٩٤- ولننتقل بعد ذلك إلى المجمع الثامن، وهو أساس انفصال الكنائس الشرقية التي ترأسها كنيسة القسطنطينية عن الكنائس الغربية التي ترأسها كنيسة روما. وقد علمت أن المجامع الماضية التي انفصلت بسببها فرق مسيحية كان أساس الخلاف فيها طبيعية المسيح، ولم يتعرض أحد للروح القدس، ومن أي شيء انبثق، حتى أثار بطريرك القسطنطينية كيف كان انبثاقه، فحكم بأن انبثاق الروح القدس كان من الأب وحده، فعارضه في ذلك بطريرك رومة قائلاً: "أن انبثاق الروح القدس كان من الأب والابن معاً، ولم يكن من أحدهما، وكل فريق عاضد رأيه بجمع قد جمعه، وكلاهما قد أعتبر هو ومشايعوه مجمعه عاماً ملزماً للأخر" ومجمع الأخر خاصاً غير ملزم، وكل لعن الآخر وطرده، وأعتبره محروماً مطروداً من حظيرة المسيحية، كشأنهم عند كل اختلاف. أعلن بطريرك القسطنطينية رأيه، وهو أن الروح القدس انبثق من الأب فقط، وفوق ذلك قد أولى هذا للبطريرك كرسيه من غير إرادة رئيس الكنيسة بروما، وبعد أن دس لسلفه ما أبعده عن كرسيه. فاجتمع في القسطنطينية مجمع بعد عزل البطريرك الذي ناوا روما سنة ٨٦٩، وأصدر قراراً يتضمن البت في ثلاثة أمور: أولها: كون انبثاق الروح القدس من الأب والابن.

стр. 145

ثانيها: أن كل من يريد المحاكمة في أمر يتعلق بالمسيحية وعقائدها يرفع دعوى إلى الكنيسة بروما. ثالثها: أن جميع المسيحيين خاضعون لكل المراسيم التي يقوم بها رئيس كنيسة روما. وتلك القرارات كانت مع قرار آخر يعتبر عندهم سنة متبعة، وهو لعن ذلك البطريرك المعزول واسمه فوسيوس، وحرمانه هو وأتباعه. استطاع فوسيوس هذا أن يعود إلى منصبه، فلما عاد إليه كان أول ما صنعه أن عقد مجمعاً آخر في القسطنطينية سنة ٨٧٩، ويسمى هذا المجمع الشرقي اليوناني، كما يسمى الأول الغربي اللاتيني، وقد قرر فيه رفض كل ما قرره المجمع الأول، وقرر أن انبثاق الروح القدس من الأب فقط، وقد صار كل مجمع يعتبر عاماً عند مشايعيه. كما يعتبرون الآخر خاصاً، بل باطلاً غير ملزم، وكل يكفر أو يفسقه و ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ . ٩٥- كان هذان المجمعان هما السبب في انقسام الكنيسة إلى شرقية يونانية، وغربية لاتينية، ورئيس هذه الكنيسة الغربية هو البابا، وهو مستقل بسياستها وله السلطان على كل الطوائف المنقادة إلى تعاليمها. الكنيسة الغربية أو الكنائس: وتسمى الكنيسة البطرسية لكون مشايعيها يعتقدون أن مؤسسها الأول هو بطرس الرسول في زعمهم، ويزعمون إنه كبير الحواريين ورئيسهم، ويقولون إنه رأس هذه الكنيسة، والبابوات خلفاؤه من بعده. وتسمى الغربية لكون سلطانها في بلاد الغرب، ويقول صاحب كتاب سوسنة سليمان: "وهي تدعى إنها أم الكنائس، ومسلمتهن، وربما حق لها ذلك لجهة التفاسير التي تبنى عليها أصول التعاليم التقليدية، ونظامات المجامع، وترتيبها، وهي أيضاً التي تأمر بها. وتمتد شوكتها على الخصوص في بلاد إيطاليا وبلجيكا، وفرنسا، وأسبانيا، والبرتغال، وشعوبها منتشرة في أقطار الأرض.

стр. 146

وأما الكنيسة اليونانية، ويقال لها أيضاً كنيسة الروم الأرثوذكسية أو الكنيسة الشرقية، فأكثر مشايعيها في الشرق وسلطانها فيه، وهي تشترك مع الكنيسة الكاثوليكية في كثير من التقاليد المسيحية، ولكنها تخالفها في انبثاق الروح القدس. فتقول إنه من الأب فقط، كما بينا، ولا تعترف إلا بالمجامع السابقة على المجمع الذي أوجد الانفصال، كما لا تعترف لبابا رومة بالسيادة أو الرياسة. ولكن لمرور الزمن، وما أحيط به من تقديس بين مشايعيه، وعند الملوك، ولكثره معتنقي مذهبه، تتساهل الكنيسة الشرقية فتعترف له بالتقدم لا بالسلطان، ويليه في الرتبة بطريرك القسطنطينية، والمشايعون لها في بلاد روسيا واليونان والصرب، وكثير من جزر البحر الأبيض وغير هؤلاء. المجامع اللاحقة كلها غير مسكونية إلا في نظر الكنيسة الغربية: ٩٦- قد انفصلت الكنيسة الشرقية عن الغربية كما عملت، والمجامع الآتيه كلها مجامع غير عامة في نظر الكنيسة الشرقية، لأن الأساقفة الذين كانوا يجيبون الدعوة فيها من أتباع الكنيسة الغربية فقط، ولذلك لا تعتبر تلك المجامع عامة إلا في نظر الغربية. فالمجمع التاسع انعقد في رومة سنة ١١٢٣، وأعظم قراراته شأناً الحكم بأن تعيين الأساقفة، ليس من شأن الحكم، بل من عمل البابا وحده. محاولة تقريب بين الكنيستين: والمجمع العاشر انعقد في رومة أيضاًَ سنة ١١٣٩، وكان أعضاؤه ١٠٠٠ عضو، وقد حاول هذا المجمع إزالة الفرقة بين الكنيستين، فلم ينجح. والمجمع الحادي عشر الذي انعقد في رومة سنة ١١٧٩ كان لوضع نظام التأديب الكنسي، وفيه تقرر انتخاب البابوات بثلثي عدد الكرادلة. وكان في هذا العصر قد شاع القول باستحالة الخبز والخمر في العشاء الرباني إلى جسد المسيح ودمه، ولكن لم يقرر ذلك المبدأ.

стр. 147

حتى جاء المجمع الثاني عشر سنة ١٣١٥ وفيه تقرر ذلك المبدأ نهائياً ومبدأ آخر سيكون له خطر مع سابقه، وهو مبدأ أن الكنيسة البابوية تملك الغفران وتمنحه لمن تشاء. وتتوالى بعد ذلك المجامع الكاثوليكية لأغراض عامة أو إقليمية، وفي بعضها تتجدد محاولة توحيد الكنيستين المتصلين، وفي بعضها يتقرر التنقيب عن القلوب، ومحاربة الخارجين عن التعاليم المسيحية. وأهم هذه المجامع وأعظمها أثراً، وأقواها عملاً المجمع التاسع عشر الذي انعقد في تريدنتو والذي دام انعقاده من سنة ١٥٤٢ إلى سنة ١٥٦٣، وفيه الرد على البروتستانتية. وختام هذه المجامع هو المجمع المتمم العشرين المنعقد في رومة سنة ١٨٦٩ وقد أثبتوا فيه العصمة للبابا. وقد قال في ذلك صاحب سوسنة سلميان: "وقد نشأ في ذلك انقسام في الطوائف الكاثوليكية ببلاد أوربا والشرق، والذين خالفوا هذه العقيدة من أهالي أوربا سموا أنفسهم الكاثوليكيين القدماء، ونهاية ذلك لم تزل مجهولة".

стр. 148

الفرق المسيحية ٩٧- من البيان الذي سقناه في المجامع، وما انعقدت بسببه من خلافات يظهر لنا أن المسيحية قد أتى عليها حين من الزمن كان التوحيد هو السائد بين معتنقيها، والغائب على كل نحلة سواه من نحلها. وإنك لترى ذلك واضحاً فيما بيناه من أن أريوس عندما ظهر مقاوماً فكرة أُلوهية المسيح، ومنازعاً كنيسة الإسكندرية في ذلك المبدأ الذي كانت تبثه في النفوس وهو أُلوهية المسيح وتنادى به على رؤوس الأشهاد، بينما كان أتباعه في مصر وفلسطين والقسطنطينية، (وهذه مواطن المسيحية في ذلك الإبان) أكثر عدداً وأقوى مكانة، فكثير منهم أساقفة ورؤساء كنائس، وكل ذلك مع أن قسطنطين الإمبراطور الحاكم بأمره الذي لا معقب لحكمه كان يشايع فكرة أُلوهية المسيح ويناصرها، ويحميها ويؤيدها، كما بينا عند الكلام في مجمع نيقية إذ حمى القائلين أن المسيح فيه أُلوهية بحمايته، ووضعهم تحت ظله، وأمدهم بالجاه والسلطان. وإذا كان قد أتى حين كان فيه التوحيد هو السائد، فيصح لنا أن نقسم عصور المسيحية إلى قسمين: عصر التوحيد: ونجعل نهايته الزمن الذي انعقد فيه مجمع نيقية. أو ما ولي ذلك الزمن بقليل. إذ غالب التوحيد فكرة أُلوهية المسيح ردحاً غير قصير من الزمن بعد مجمع نيقية. والعصر الثاني: عصر تأليه المسيح، وذلك العصر يبتدئ بعد مجمع نيقية، وبعد أن استطاع أباطرة الرومان أن يطمسوا نور التوحيد في وسط المسيحيين، ويمنعوا الموحدين من نشر دعاياتهم. وإذن فمن الحق علينا أن نراعي هذا التقسيم عند الكلام في الفرق القديمة عند المسيحية، فنقسم تلك الفرق إلى قسمين: فرق ظهرت في عصر التوحيد، وربما كان وجود بعضها قبل مجمع نيقية إرهاصاً لعهد التثليث. وفرق ظهرت في عصر تأليه المسيح وعصر التثليث.

стр. 149

ونقصد بالفرق القديمة الفرق التي ظهرت قبل عصر النهضة في أوربا أي قبل القرن الثالث عشر الميلادي، وتقصد بالفرق الحديثة الفرق التي ظهرت بعد عصر النهضة، وهي التي ظهرت في عهد الإصلاح الديني، وما والاه. الفرق التي ظهرت في عصر التوحيد: ٩٨- والفرق التي ظهرت في عهد التوحيد كثيرة، وبعضها كان مستمسكاً بالتوحيد، ومعه الكثرة الغالبة من المسيحيين كما استنبطنا من السياق التاريخي وكما يستفاد من ثنايا التاريخ، وبعضها كان قد انحرف عن التوحيد، حتى كان وجوده تمهيداً للتثليث أو سيراً ببعض الخطوات في سبيله. وأظهر الموحدين أريوس وأتباعه، وقد كانوا كثيرين. فقد شرحنا إنه قد كان يأخذ بمذهبه بطريرك القسطنطينية وغيره من البطاركة، وكان رأيه منتشراً في مصر والشام ومقدونية، وهي مواطن المسيحية كما علمت. فرقة أريوس: يقول ابن حزم في بيان فرقة أريوس: "والنصارى فرق، منهم أصحاب أريوس، وكان قسيساً بالإسكندرية، ومن قوله التوحيد المجرد، وأن عيسى ﵇ عبد مخلوق، وإنه كلمة الله تعالى التي بها خلق السماوات والأرض، وكان في زمن قسطنطين الأول باني القسطنطينية، وأول من تنصر من ملوك الروم، وكان على مذهب أريوس. وهذا الكلام يحتاج جزؤه الأخير إلى نظر، فهو يزعم أن قسطنطين كان على مذهب أريوس، وقد بينا عند الكلام في مجمع نيقية، إنه هو الذي تدخل بنفوذه وسلطانه، فعزل أنصار لاهوت المسيح، وأعتبر المجمع مكوناً منهم دون سواهم، وقد كان المجتمعون أول الأمر أكثر من ألفين، فرفض رأي الكثير، وعقد مجمعاً مؤلفاً من ثمانية عشر وثلاثمائة، بينما يذكر الثقات من المؤرخين إنه قد صرح بنصرة أريوس من المجتمعين أكثر من سبعمائة.

стр. 150

نعم لن الأريوسيين قد حاولوا بعد ذلك جذبه إلى رأيهم، وضمه إلى مذهبهم ليستفدوا منه قوة وسلطاناً، فمال إليهم أخيراً، أو أظهر الميل، وأن كان لم يعمل على نصرة مذهبهم، ولم يعقد مجمعاً ليقرر رأيهم، كما فعل بالنسبة لغيره، وأقصى ما عمله إنه رد المحرومين إلى حظيرة المسيحية، وأعاد المنفيين من منفاهم، ومكنهم من الاستمتاع بنعمة الحرية. ولعل ذلك كان كياسة منه وسياسة، إذ رآهم كثرة المسيحيين الغالبة. وأقوالهم هي الشائعة الرائحة، فأظهر الميل إليهم حتى لا ينقضوا عليه. أصحاب بولس الشمشاطي: ٩٩- ومن الموحدين الذين أظهروا أصحاب بولس الشمشاطي، ويقول فيه ابن حزم: "كان بطريركا بأنطاكية، وكان قوله التوحيد المجرد الصحيح، وأن عيسى عبد الله ورسوله كأحد الأنبياء ﵈، خلقه الله في بطن مريم من غير ذكر، وإنه إنسان لا إلهية فيه. وكان يقول: لا أدري ما الكلمة، ولا روح القدس. ومن هذا يتبين أن مذهب بولس هذا كان توحيداً خالصاً، وأن عيسى ليس إلا رسولاً من رب العالمين، وإنه كان إذا عرض له البحث في كلمة الله، وروح القدس أمسك عن ذلك، ولم يخض فيه، وتوقف واعتصم بذلك. ويقول ابن البطريق في بيان مذهب بولس هذا: " أن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وأن ابتداء الابن من مريم، وإنه اصطفى ليكون مخلصاً للجوهر الإنسي، صحبته النعمة الإلهية، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمي ابن الله، ويقولون أن الله جوهر واحد، وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة. ولا بروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية، وهم البوليقانيون". هذا ما قاله ابن البطريق في معتقد بولس الشمشاطي، وهو لا يختلف في جوهره عن كلام ابن حزم الأندلسي فيه، وإن اختلفت العبارات، فالاصطفاء لتخليص الجوهر الإنسي هو ما عبر عنه ابن حزم بالرسالة،

стр. 151

والنعمة الإلهية التي حلت فيه هي الوحي واختياره ليكون رسول الله إلى الناس يهديهم، والنبوة التي جاءت في عبارة ابن البطريق حكاية لقول بولس هذا كناية عن المحبة، ولعل بولس لم يجرها على لسانه، أو لم تجئ في بيانه، ولكن ابن البطريق المسيحي المثلث تكلم عن الموحدين بمنطقه وتعبيره، وإن كان المراد غير موافق للمثلثين. دخول الوثنية على التوحيد: ١٠٠- وكان بجوار الموحدين الذين كانوا أقوالهم السائدة المنتشرة في ربوع المسيحيين، وجدت آراء كثيرين ممن دخلوا في المسيحيين وفيهم بقايا الوثنية، ولا تزال رؤوسهم مملوءة بها درسوه، ففهموا المسيحية على ضوء ما عرفوه أولاً. واهتضموا المسيحية متمثلة في نفوسهم بما أستكن في تلك النفوس من آراء ومعتقدات سابقة، وإن ذلك ليشبه من بعض الوجوه تلك النحل المختلفة الني ظهرت في المسلمين في إبان الغرفة التي تلت مقتل الخليفة الثالث والرابع. وما أدخل من آراء ونحل في عصر يزيد ومن وليه. ولكن الإسلام بنور القرآن الكريم وحفظه، وهدي النبي ﷺ ، وما استحفظه عليه المسلمون من كتاب وسنة، وما كلاً الله به هذا الدين المتين - قد نفى عنه الدخل، وذهب الزبد جفاء، وبقى الدين، كما بعث نبيه ﵊ صافياً من غير رنق ولا تكدر. أما في المسيحية فلأن الكتب قد عراها ما بيناه في الكلام عليها، وأختلط فيها الغث والسمين والطيب بالخبيث، وضلت العقول، فلم تستطيع أن تميز بين الصحيح وغير الصحيح، وذاهب الكوكب الساري الذي يضئ وسط الدجنة الحالكة، وهو كتاب مبين لا يأتيه الباطل، ولا يتطرق إليه الريب، يكون فيصل التفرقة بين المسيحية ألحقه، والأساطير الباطلة التي أفسدتها. أتباع مرقيون: دخلت تلك الأوهام على المسيحيين الموحدين وبرزت بينهم، كما تبرز رءوس الشياطين وسط أرض قد كسيت بالسندس الأخضر من الزرع

стр. 152

وجاءت على نحل مختلفة، وأهواء متباينة، ونزعات متضاربة، وبأسماء كثيرة. فمنهم من كان يقول أن هناك آلهة ثلاثة: صالح، وطالح، وعدل بينهم، وهم أتباع مرقيون، ولعل هذه النحلة من آثار المجوس، لأنهم هم الذين يقولون بإله الخير وبإله الشر. ولقد قال ابن البطريق في هذه النحلة وأصحابها: "وزعموا أن مرقيون هو رئيس الحواريين، وأنكروا بطرس" فالمنتحلون لهذه النحلة يزعمون أن مرقيون داعيتها والمنادي بها حواري من حواريي عيسى ﵇، بل كبير الحواريين وشيخهم، والمقدم فيهم ورئيسهم. البربرانية: ومنهم فرقة تسمى البربرانية كانت تقول أن المسيح وأمه إلهان، ولعل هؤلاء هم الذين ذكرهم الله تعالت كلماته في قوله تعالى مبيناً ما يكون بينه وعيسى ﵇ من قول يوم القيامة، قال تعالت كلماته: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ . ولعل فريقاً منهم كان موجوداً عند نزول القرآن الكريم. نحل أُخر: ويقول ابن البطريق في بيان بعض فرق كانت موجودة قبل مجمع نيقية: ومنهم من كان يقول أن المسيح من الأب بمنزلة شعلة من نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية، وهي مقالة بابليدوس وشيعته، ومنهم من كان يقول: لم تحبل مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها، كما يمر الماء من الميزاب لأن الكلمة دخلت في أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعته وهي مقالة اليان وأشياعه.

стр. 153

ضياع التوحيد بسبب تحريف الكتب: ١٠١- هذه هي بعض المقالات والأهواء والنحل التي جاءت في عصر التوحيد ونفت صفاءه، وكانت نكتاً سوداء في وسط المسيحية الحق النضرة ولقد كان من الممكن أن تزول تلك الأمور العارضة، ويبقى الأصل سليماً نقياً، لم يتأشبه شيء من المفاسد، ولكن شرط ذلك أن يكون ثمة كتاب محفوظ لا يعتريه الشك من أي جانبي، ولا يتطرق إليه الظن والاحتمال، ليكون ميزاناً للحق والباطل، وليكون مقياساًَ تقاس به الآراء، وليكون مرجعاً يرجع إليه المختلفون. ولكن الاضطهادات التي نزلت بالمسيحيين، ومصادرة الكتب وتحريفها بأمر الرومان، والأيدي العابثة المفسدة، كل هذا جعل مصادر المسيحية يعتريها الشك والريب، ومن وراء ذلك نفذت الأهواء والأساطير إلى القلوب، وأخذت تنال من المسيحية وصميمها من غير أن يعقب معقب بنص قاطع معتمد، وكتاب ثابت السند. فكل نحلة تدعى لا تجد رداً لها من نص، وهي تروج لدى العامة لا بقوة الدليل أو النص، بل بقوة الداعي ومقدار لحنه بالحجة الباطلة والصحيحة، مقدار نشاطه وبيانه وسعة حيلته ودهائه، ودربته على جذب الجماهير. ولقد كان جمهور المسيحيين يقدس المسيح أبلغ تقديس، فكانت مهارة الدعاة وقوتهم البيانية متجهة إلى هذه الناحية، يزيدون في تقديس المسيح فيزيدون كلامهم قبولاً لدى العامة، ثم انتقلوا من التقديس المعقول إلى الغلو المرذول، فغالوا حتى عدوه إلهاً. وهكذا أخذت العقيدة تفسد، وكان العامة بين حبلين قويين، وكل حبل في يد عصبة من أولى القوة، فحبل التوحيد، ومعه العقل، ومعه الأصل ومعه السيادة للتوحيد، وحبل آخر قد أخذ يجتذب العامة إليه بقوة، وعمل على أخذهم بعاملين. عامل الاستهواء جاء من الناحية التي يحبونها، وأرضى شهوتهم فيها، وهي ناحية تقديس المسيح ﵇، وأخذ يلقي تعاليمه في النفوس، وقد وضعها في ذلك اللون الشهي، وذلك الطعم المستساغ.

стр. 154

العامل الثاني: عامل السلطان والجاه بتقريب من يقول مقالة تأليه المسيح وإدنائه من ذوي السلطان، وتمكينه من الرقاب، وتغريب من لا يقول هذه المقالة، واضطهاده، وإبعاده عن حظيرة المسيحية، ولعنه وطرده وتصويره للناس بصورة من لا يقدس المسيح، ولا يرجو له وقاراً وإجلالاً. كان العامة بين هذين العاملين مع فقد الكتب المسيحية القاطعة في الاستدلال والتي تقف المغالين عند حد الاعتدال. وقد كانت كفة التوحيد هي الراجحة، حتى بعد مجمع نيقية، ولكن جاءوا بعد ذلك، وأخفقوا صوت المنادين بالتوحيد وحيل بينهم وبين ما يدعون إليه. ولم يمكنوهم من أن تصل دعوتهم إلى العامة فصار العامة بعد ذلك لا يسمعون إلا جانباً واحداً، وخاضعين لعامل واحد، وهو الخروج عن نطاق التوحيد، فتم للحكام والقسيسين ما أرادوا واختفى تين المسيح ﵇. وقام دين البطارقة والقسيسين.

стр. 155

الفرق القديمة في عهد التثليث ١٠٢- بعد مجمع نيقية أبعد التوحيد رسمياً عن الديانة المسيحية، وإن كان أتباعه أكثر عدداً، وأعز نفرا، ولم تستطيع الحكومة الرومانية أن تقضي على التوحيد بذلك المجمع، ولكنها أخذت تبعد الموحدين عن مكان الرياسة في الكنائس، ولا تجعل صوتهم يصل إلى الشعب بالنفي والتشريد، وكل ذرائع الأذى والاضطهاد، حتى حيل بين العامة وبين سماع صوت التوحيد، وفعل الزمن فعله، وتغلبت الظلمة على النور، وأخفى ظلام الليل نور النهار الساطع. وعندئذ كانت الفرق التي تظهر بعد ذلك في ظل أُلوهية المسيح في الجملة أن استثنينا مقدنيوس وفرقته. فرقة مقدونيوس: وأول فرقة ظهرت في ذلك العصر فرقة مقدونيوس هذا، فقد أنكرت أن يكون روح القدس إلهاً، وقاومت ما ترمي إليه الكنيسة العامة من فرض تلك الأُلوهية، ودعوة الناس إليها، وحثهم على اعتناقها، ولعل مقدونيوس هذا كان من الموحدين الذين لا يزالون يعتنقون التوحيد، ويتابسون في ذلك أريوس وسائر الموحدين. وإن كانت الغلبة لغيرهم، فهاله أن يبدأ الأساقفة بتأليه المسيح ويثنون بتأليه الروح القدس، فجاهر بإنكار الثاني، لأنه لم يعد في قوس الصبر منزع. يقول ابن البطريق: "وفي عشر سنين من ملكه (قسطنطين ابن قسطنطين الثاني) صبر مقدونيوس بطريركا على القسطنطينية، وكان يقول: إن روح القدس مخلوق، وأقام عشر سنين ومات". لكن مقالته لم تمت بموته، بل كان له أشياع وأتباع وخصوصاً من بين الموحدين الذين لم يزولوا من المملكة الرومانية، وإن أصبحوا في الجملة لا سلطان لهم. لأجل ذلك انعقد مجمع القسطنطينية سنة ٣٨١، وقد ذكرنا بعضاً من قراراته، وكان المقرر والمناظر والمجادل في هذا المقام بطريرك الإسكندرية مهد الأفلاطونية الحديثة، كما نوهنا آنفاً، ويسمى المقدونيين الأبولنياريين فقد جاء في كتاب سوسنة سليمان في بيان المجمع القسطنطيني:

стр. 156

"المجمع القسطنطيني المنعقد سنة ٣٨١ بأمر ثيودوس الملك ضد الأبولنياريين، وهم المقدونيون المنكرون للاهوت الروح القدس". ويعتقد الكنسيون أن إنكار أُلوهية الروح القدس وليد من مذهب الموحدين، فيقول صاحب تاريخ الكنيسة، وقد انبعث من جوف هذه الأرطقة (رأي أريوس) أرطقة أخرى لم تكن أقل مناقضة للثالوث الأقدس فكانت تنكر أُلوهية الروح القدس، وكان منشئها مقدونيوس، وهو نصف أريوسي قد أختلس كرسي القسطنطينية واحتجب مدة سنين عديدة تحت رداء المذهب الأريوسي، ولم تكن له شهرة خصوصية في بهوة الاسجاسي التي أحدثها الأريوسيون". وهذا زعم له نصيب من الواقع، لأن الذين ينكرون أُلوهية المسيح، ويعتقدون التوحيد الصحيح لا يقرون بألوهية الروح القدس. ولكن يجب أن يلاحظ إنه في الوقت الذي أنكر فيه مقدونيوس لم تكن عقيدة التثليث قد أعلنت في مجمع عام، وقد يكون موضع حديث البطاركة وتعاليم بعضهم كون الروح القدس إلهاً، فتصدى مقدونيوس لإنكار ذلك، وتلقى الناس كلامه بالقبول، ولذا لم ينعقد المجمع للرد عليه إلا بعد أن مات بعدة سنين. النسطوريون: ١٠٣- هذه النحلة تنسب إلى نسطور، وقد كان بطريرك القسطنطينية ومكث في هذا المنصب أربع سنين وشهرين، وقد رأى أن مريم العذراء لخم تلد إلهاً، بل ولدت فقط الإنسان، وهو بذلك يرى أن الاقنوم الثاني، وهو الابن لم يتجسد وتلده مريم كما يرى غيره من المثلثين، بل كان يرى أن مريم ولدت الإنسان فقط، ثم اتحد ذلك الإنسان بعد ولادته بالاقنوم الثاني، وليس ذلك الإتحاد بالمزج وجعلهما شيئاً واحداً، أو ذلك الإتحاد لي إتحاداً حقيقياً، بل إتحاد مجازياً. لأن الإله منحه المحبة، ووهبه النعمة، فصار بمنزلة الابن، وهذا التخريج لا شك يؤدي إلى أن المسيح الذي خاطبهم وكلمهم، وحوكم وعوقب في زعمهم، لم يكن فيه عنصر إلهي قط، فلم يكن إلهاً ولا ابن الإله. وقد نقلنا فيما مضى عند الكلام على المجمع الثالث أن صاحبة كتاب

стр. 157

تاريخ الأمة القبطية تقرر أن كلام نسطور معناه، أو يلزم منه حتماً، إنكار ألوهية المسيح. ولما قال نسطور ذلك القول كاتبه كيرلس بطريرك الإسكندرية ويوحنا بطريرك أنطاكية في ذلك الإبان، ليعدل عن رأيه، فلم يصغ إليهما، ولم يجب طلبهما، فانعقد مجمع أفسس سنة ٤٣١، وقرر لعنه وطرده، وإثبات أن مريم العذراء قد ولدت الإنسان والإله. وقد بينا ذلك القرار ببعض التفصيل عند الكلام على ذلك المجمع. ولقد أبعد ذلك نسطور عن منصبه ونفى، فصار إلى مصر وأقام في أخميم إلى أن مات. ويقول ابن البطريق: "كانت مقالة نسطور قد اندثرت، فأحياها من بعده بزمان بوصوما مطران نصيبين في عهد قباذ بن نيروز ملك فارس، وثبتها في الشرق، وخاصة أهل فارس، ولذلك تكاثرت النسطورية في الشرق، "في العراق والموصل والجزيرة". ولا يزال إلى الآن في الأماكن التي يذكرها ابن البطريق نسطوريون ينتحلون هذه النحلة ويأخذون بهذا المذهب. ويقول صاحب سوسنه سليمان: "أن النسطوريين في هذا العصر يسمون الكلدان يسكنون خاصة فيما بين النهرين، والبلاد المجاورة لهما، ولهم تعاليم كثيرة مختصة بهم، غير إنهم يمتازون عن باقي المذاهب باعتقادهم أن نسطوريوس حرمه مجمع أفسس ظلماً. أضف إلى ذلك اعتقادهم بأنه لم يكن في المسيح طبيعتان بل اقنومان أيضاً، وكان يحسب هذا المعتقد في الزمن القديم ضلالاً مبيناً، وأما في هذا الزمان فيحسب العلماء، حتى الكاثوليك الرومانيون، غلطاً لفظياً لا معنوياً، لأن هؤلاء الكلدانيين يعتقدون أن في المسيح أقنومين، كما أن فيه طبيعتين، ويقولون أيضاًَ بأن هذين الأقنومين، وهاتين الطبيعتين قد التصقا حتى صار منهما رؤية واحدة". وهذا الكلام يدل على أمرين: أحدهما أن الكنيسة الرومانية التي كانت تشدد في القرون الخالية في طرد كل من يخالف معتقدها، وتعده كافراً لا يلج الإيمان قلبه قد تساهلت في هذه الأعصر، فوسعت صدرها للمخالفين لها، وتأولت لهم، لتدخلهم في حظيرتها بعد سابق الحرمان والطرد واللعن والتكفير.

стр. 158

ثانيهما: أن النسطوريين قد انحرفوا عن مبادئ نسطور، لأن نسطور كمل قررت صاحبة كتاب تاريخ الأمة القبطية، وكما قرر ابن البطريق لا يرى أن الأقنوم الثاني مازج المسيح قط، بل هو يرى أن بنوة المسيح بالموهبة والمحبة لا بالحقيقة، واستنبطنا كما استنبط غيرنا أنه يرى أن المسيح خال من العنصر الإلهي خلواً تاماً، وهو يصرح بأن مرين ولدت الإنسان فقط، بينما غيره يقرر أنها لودت الإله والإنسان، وهذا اختلاف جوهري في الحقيقة والمعنى لا في الشكل واللفظ، وإذا كان النسطوريون في هذا الزمان قد قالوا بامتزاج اللاهوت في الناسوت كما يقول غيرهم، فقد انحرفوا عن مقالة نسطور. والنسطوريون يقيمون كما ذكرنا في بلادهم بلاد العراق والموصل، ومنهم طائفة تقيم في الهند، وأخرى تقيم في بلاد العجم، وهم جميعاً يلتزمون بتقاليد وطقوس دينية مما يلتزم به عند غيرهم من الكنسيين، وليس عندهم من تقليد إلا أن أساقفتهم يلتزمون التبتل، والامتناع عن الزواج، وذلك منذ سنة ١٨٣٠م وهذا كما جاء في كتاب سوسنه سليمان. اليعقوبيون: ١٠٤- هم أتباع يعقوب البراذعي، وهم الذين يقولون بأن المسيح ذو طبيعة واحدة قد امتزج فيه عنصر إله بعنصر إنسان وتكون من الإتحاد طبيعة واحدة جامعة بين اللاهوت والناسوت، ونسبة ذلك المذهب إلى يعقوب البراذعي لأنه من أنشط الدعاة إليه، لا لأنه مبتدعه ومنشئه، فإن ذلك المذهب أسبق من يعقوب هذا، فإن أول من أعلنه بطريرك الإسكندرية في منتصف القرن الخامس الميلادي. وبسبب ذلك الإعلان أنعقد مجمع خليكنونية، وقرر أن المسيح ذو طبيعتين لا طبيعة واحدة، وبسبب ذلك القرار انفصلت الكنيسة المصرية عن الكنيسة الرومانية. أما يعقوب فقد وجد في القرن السادس الميلادي، ويقرر صاحب سوسنة سليمان في إطلاق اسم اليعقوبيين على أصحاب هذا الرأي "يطلق عليهم اسم يعقوبيين نسبة إلى يعقوب البراذعي الذي أعاد هذه الشيعة، ورتبها في القرن السادس للتاريخ المسيحي، بعد أن كادت تتلاشى". وقد فصلنا الكلام في هذه النحلة والأدوار التي مرت عليها عند الكلام في مجمع أفسس الثاني الذي تسميه الكنيسة الكاثوليكية مجمع اللصوص.

стр. 159

وفي مجمع خليكدونية فلا نعيد ما ذكرناه، حتى لا نقع في التكرار الممل. والذين يقولون أن المسيح ذو طبيعية واحدة، ينقسمون إلى آسيويين وأفريقيين، ولكل قسم رياسة دينية خاصة به. فرئيس الآسيويين هو بطريرك السريان، ومن هؤلاء الأسيويين من اعترفوا برياسة الكنيسة الكاثوليكية، فقبلهم وان استمروا على رأيهم. ورئيس الأفريقيين هو بطريرك القبط المقيم بالقاهرة، ويتبعه في هذه الرياسة سكان الحبشة المسيحيون، فهم خاضعون لبطريرك الكنيسة القبطية، وهو يعين أسقفاً يسوسهم. ومن الذين يعتقدون أن المسيح ذو طبيعية واحدة - ويتحدون مع الكنيسة القبطية في ذلك الاعتقاد، ولكن لهم تقاليد دينية وطقوس، ولهم بطاركة يرأسونهم، ولا يندمجون في كنيسة القبط، ولا كنيسة السريان بآسيا - الأرمن. المارونية: ١٠٥- هم أتباع يوحنا مارون، وقد أشتهر يوحنا هذا برأيه سنة ٦٦٧، ودعا إليه وشايعه بعض القسيسين فيه، ومعهم بعض من مسيحيي آسيا، وهو أن المسيح ذو طبيعتين، ولكنه ذو إرادة أو مشيئة واحدة، ومن أجل هذه النحلة الجديدة أجتمع المجمع العام السادس بمدينة القسطنطينية سنة ٦٨٠ من بعد الميلاد، وقرر حرمان مارون، ولعنه وتكفيره وكل من يذهب مذهبه، وينتحل نحلته، وقد أشرنا إلى ذلك المجمع، ونقلنا لك قراره في المذهب، فلا نعيد نقله. ويظهر أن المنتحلين لهذا الرأي لم يكونوا ذوي شوكة وقوة حتى يكونوا بمنجاة من الأذى والاضطهاد، فقد نزلت بهم اضطهادات شديدة لم يكن لهم من يدفعها عنهم إلا الفرار، فلم يجدوا لهم مأمناًَ يعتصمون به إلا بعض البلاد في جبل لبنان، فاعتصموا بها، وقد استمروا على اعتصامهم وبعدهم، حتى لدنتهم إليها الكنيسة الرومانية وقربتهم منها، وأعلمت الحيلة والسياسة، حتى أعلنوا الطاعة للكنيسة الكاثوليكية والإتحاد معها على أن يبقوا على رأيهم، ولقد كان اتحادها مع الكنيسة الرومانية سنة ١١٨٢ بعد الميلاد، ومازالت هذه الطائفة متوطنة بجيل لبنان، ولها بطريرك خاص، وإن كانت تقر بالرياسة لبطريرك روما.

стр. 160

الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية أساس انقسام الكنيسة إلى شرقية وغربية: ١٠٦- كان فيما ذكرناه أعظم الانقسامات القديمة شأناً، وأبعدها أثراً، أن استثنينا الكنيسة القبطية، انقسام الكنيسة إلى يونانية ولاتينية وما يتبع ذلك الانقسام من انشقاق في المسيحية كلها، وما تفرع عن الأولى من فروع وفرق، وإنا نكتفي بهذا القدر من القول في الفرق القديمة التي مازال منها بقايا إلى أيامنا الحاضرة، ونختم القول فيها بانقسام الكنيسة إلى يونانية شرقية ولاتينية غربية، وقد نوهنا إلى الانقسام عند الكلام في المجامع، وأشرنا إلى أسبابه بالإجمال. وقد تبين من هذا أن أساس الخلاف بين كنيسة القسطنطينية التي آلت إليها رياسة الكنيسة الشرقية اليونانية قاطبة، وكنيسة رومة التي آلت إليها رياسة الكنيسة الغربية اللاتينية أمران: أحدهما - يتعلق بالاعتقاد - وهو أن كنيسة القسطنطينية ومن والاها من بعد اعتقدوا أن الروح القدس من الأب وحده، لا من الأب والابن، وكنيسة روما ومن والاها قد اعتقدوا أن الروح القدس منبثق من الأب والابن معاً، وعقد كل فريق مجمعاً تابع اعتقاده وتابعه فيما اقتنع به، وكان المجمع المتابع لرومة سنة ٨٦٩، والمشايع للأخرى بعده بعشر سنوات سنة ٨٧٩. ثانيهما - لا يتعلق بالاعتقاد - ولكن يتعلق بالرياسة الكهنوتية، أهي لكنيسة القسطنطينية أم لكنيسة رومة؟ لقد قرر المجمع الذي شايع رومة أن تكون لرومة، فرئيس كنيستها هو الحبر الأعظم والرئيس الروحي للمجمع، وقرر المجمع الذي شايع القسطنطينية رفض تلك الرياسة وعدم الاعتراف بها، ويعتبرون رئيس القسطنطينية رئيساً عاماً للكنيسة. ولقد تبع الاختلاف في هاتين المسألتين الرئيسيتين خلاف في مسائل أخرى أوجدها تتابع السنين واستمرار الشقاق، فقد كثرت أوجه الاختلاف في مسائل فرعية منها:

стр. 161

ولقد كان يأتي الفينة بعد الأخرى صوت يدعو إلى الوحدة والالتئام بدل الاستمرار غلى الفرقة والانقسام، فتعقد لأجل هذا مجامع، وترسل الوفود، ولكن ما أن يتلاقى المتخاصمان، حتى تعاد أسباب النزاع جذعاً، إذ كل واحدة ترغب في أن تنزل الأخرى عن رأيها، فتلاحى كل واحدة عما تعتقد، فيشتد الجدل، ويحمى وطيس القول، فتفترقان، وقد زادت القطيعة قوة واحتداماً. محاولة إزالة الخلاف: حاول أحد بطارقة روما في منتصف القرن الحادي عشر أن يجمع الشتات، ويلم الشمل، وعرض مبادئ تكون أساساً للمصلحة، رفضها بطريرك القسطنطينية، وأصدر الأول قراراً بحرمان الثاني، فأصدر هذا قراراً بحرمان الوفد الذي أعرض عليه الشروط. وهكذا ازدادت الفرقة بسبب ذلك التلاقي، وأغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، ويظهر أن السبب في ذلك ما تعتقده كل واحدة منها أن الأخرى خارجة على الدين، ورغبة كل واحدة في أن تجتذب الأخرى إليها كما بينا. انتقاد مسيحي للكنيسة الغربية: ويقول في ذلك صاحب سوسنة سليمان: "أن الكنيسة الرومانية تدعى أن كل المذاهب المسيحية على وجه الإطلاق هي شيع هرطوقية خارجة منها، ومنفصلة عن شركتها. وهذه الدعوى تصح لأية كنيسة أمكنها أن نتبت لذاتها الأقدمية في الثبات على المعتقدات الصحيحة الأصلية. أما كنيسة رومة، فليس لها في هذه الدعوى إلا الاستيلاء على أمانة صندوق التقليدات. غير أن سلامة الذوق تقتضي بأنه كلما قلت التقاليد في كنيسة من الكنائس دل على اقدميتها بالنسبة التي تزيد عليها فيما هو من هذا القبيل، لأن التقاليد على ما يستبين من مجريات رومة قابلة للزيادة، والزيادة أحداث، والأحداث في الدين لا ريب في إنه بدعة، والإبداع هو عين ما يسميه المسيحيون هرطقة".

стр. 162

ولقد كان يأتي الفينة بعد الأخرى صوت يدعو إلى الوحدة والالتئام بدل الاستمرار غلى الفرقة والانقسام، فتعقد لأجل هذا مجامع، وترسل الوفود، ولكن ما أن يتلاقى المتخاصمان، حتى تعاد أسباب النزاع جذعاً، إذ كل واحدة ترغب في أن تنزل الأخرى عن رأيها، فتلاحى كل واحدة عما تعتقد، فيشتد الجدل، ويحمى وطيس القول، فتفترقان، وقد زادت القطيعة قوة واحتداماً. محاولة إزالة الخلاف: حاول أحد بطارقة روما في منتصف القرن الحادي عشر أن يجمع الشتات، ويلم الشمل، وعرض مبادئ تكون أساساً للمصلحة، رفضها بطريرك القسطنطينية، وأصدر الأول قراراً بحرمان الثاني، فأصدر هذا قراراً بحرمان الوفد الذي أعرض عليه الشروط. وهكذا ازدادت الفرقة بسبب ذلك التلاقي، وأغرى الله بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، ويظهر أن السبب في ذلك ما تعتقده كل واحدة منها أن الأخرى خارجة على الدين، ورغبة كل واحدة في أن تجتذب الأخرى إليها كما بينا. انتقاد مسيحي للكنيسة الغربية: ويقول في ذلك صاحب سوسنة سليمان: "أن الكنيسة الرومانية تدعى أن كل المذاهب المسيحية على وجه الإطلاق هي شيع هرطوقية خارجة منها، ومنفصلة عن شركتها. وهذه الدعوى تصح لأية كنيسة أمكنها أن نتبت لذاتها الأقدمية في الثبات على المعتقدات الصحيحة الأصلية. أما كنيسة رومة، فليس لها في هذه الدعوى إلا الاستيلاء على أمانة صندوق التقليدات. غير أن سلامة الذوق تقتضي بأنه كلما قلت التقاليد في كنيسة من الكنائس دل على اقدميتها بالنسبة التي تزيد عليها فيما هو من هذا القبيل، لأن التقاليد على ما يستبين من مجريات رومة قابلة للزيادة، والزيادة أحداث، والأحداث في الدين لا ريب في إنه بدعة، والإبداع هو عين ما يسميه المسيحيون هرطقة".

стр. 163

ونرى من هذا أن صاحب هذا الكتاب ينتقد الكنيسة الغربية بكثرة ولعل السبب في ذلك النقد ليس مجرد الحق، بل كونه ليس من مذهبا وإلا كان كل ما تقوله مقدساً لا بدعة فيه. ١٠٨- وقد بينا البلاد التي تتبع الكنيسة الغربية، وكانت فيما مضى كل أوربا تقريباً، وبعض طوائف آسيا. بطارقة الكنيسة الشرقية: أما البلاد التي تتبع الكنيسة الشرقية، فأكثرهما في الشرق كما أسلفنا من القول، ولها بطاركة. وأولهم بطريرك القسطنطينية، وهو كبيرهم ويضيئون إلى لقبه وصف إنه البطريق المسكوني، ويقول صاحب سوسنة سليمان: "إنه ليس إلا لقباً تشريفياً فقط، فليس له تسلط على غيره من البطارقة أو الأساقفة المستقلة بوجه قانوني أصلاً". ويليه في الرتبة والمكانة الدينية بطريرك الإسكندرية للأورام الأرثوذكس ثم بطريرك أنطاكية، ثم بطريرك أورشليم، ثم المجمع الروسي، ثم عدة مجامع لأسقفيات مستقلة أخرى كأسقفية أثينا، وأسقفية قبرص وغيرهما. وقد ظهرت في روسيا التي كانت تسودها هذه الكنيسة شيع وفرق كثيرة بلغ عددها نحو مائتي نحلة، وتعداد أصحاب هذه الفرق الجديدة مجتمعة لا يزيد عن خمسة عشر مليوناً. فمنهم فرقة لا ترى تعميد الأطفال، ومنهم شيعة تحسن للنصراني أن يقتل نفسه في حب المسيح، ومنهم شيعة يحرقون أنفسهم لتعمدهم النار، فيتطهروا بها، ومنهم شيعة تلتزم الختان باعتباره كان المسيحية الأولى، وفي التوراة التي تعتبر النصرانية مجددة لها، وهكذا تختلف النحل وتتباين، وكل واحدة تعتقد أن رأيها هو محض الحق المبين.

стр. 164

الإسلام يظلل الكنائس الشرقية بالحرية الدينية: ١٠٩- ذكرنا أن العلاقة بين الكنيستين على أشد ما يكون الخلاف، كل تعد الأخرى قد خرجت عن نطاق الدين، وقد كانت الحال من قبل كذلك بين كنيسة القبط بمصر والكنائس الأوربية. ونزل بمصر أشد البلاء. ولم ينقذهم إلا الفتح الإسلامي، فمن وقت حكم المسلمين لمصر والشام إلى الآن شعر المصريون بحريتهم التي لم يستمتعوا بها من قبل، حتى أهداها إليهم الإسلام السمح الكريم. ولما اختلفت الكنيسة الغربية مع الكنيسة الشرقية كان من المنتظر أن تنزل أحداهما بالأخرى أشد البلاء، ولكن ذلك لم يتم أول الأمر لانقسام الدولة الرومانية إلى شرقية وغربية، واعتصام كل واحدة منهما بدولة، لذلك لم تتمكن واحدة منهما من رقبة الأخرى. فلم تقبض على ناصيتها. ولكن ما أخذت الدولة الشرقية في الانحلال، وخلفها المسلمون على بعض أملاكها، وأخذوا يقصونها من أطرافها، أخذت ترجح إحدى الكفتين على الأخرى فقويت الغربية، وصارت لها السيادة. واعترف بطريرك القسطنطينية له بالتقدم عليه في الجلسة. وإن لم يعترف بأنها على حق فيما يختلفان فيه، وما اختلفا فيه من قبل، والبلاد التي اقتطعها المسلمون كانت تنعم بالحرية الدينية كشأن المسلمين في معاملتهم لغيرهم. ولما جاءت الحروب الصليبية، استولى الصليبيون على أورشليم التابعة كنيستها للكنيسة الشرقية وغيرها من المدن الإسلامية التي يعيش في ربوعها المسيحيون آمنين مطمئنين، لا يزعجهم اضطهاد، ولا يرتق صفاءهم ضغط، ثم ثنى أولئك الصليبيون أتباع الكنيسة الغربية، فاستولوا على دولة الرومان الشرقية نفسها، فأنزلوا بأخواتهم من البلاء ما لم يكونوا يعرفون. ولنترك الكلمة للمسيحي صاحب سوسنة سليمان، فهو يقول: "حرك البابا أتوسنت الثالث قواد الصليبيين لنزع المملكة الشرقية من يد اليونان، فافتتحوا القسطنطينية سنة ١٢٠٤، وداموا متسلطين عليها إلى سنة ١٢٦١ م فاستعملوا ما أمكنهم من البربرية في الأراضي التي

стр. 165

امتلكوها من بلاد سورية وفلسطين، ليخضعوا بطارقة أورشليم، وجميع الأكليرس اليوناني بواسطة الحبس وإقفال الحبس وإقفال الكنائس إلى أن أحوجوهم أن يفضلوا مودة العرب حكام البلاد الأصليين على موادتهم ويختاروا تسلط شعب يرضى بجزية على أن يتسلط عليهم ملك روحي طعمه وطمع قصاده لا يشبعان". حينئذ أحس أولئك المسيحيون بنعمة الإسلام عليهم، ونعمة حكم المسلمين لهم، فقد سامتهم الكنيسة الغربية وملوكها الخسف والهوان، ونقبوا عن قلوبهم، وبحثوا عما تكنه الصدور، ولكن نعمة الإسلام كانت تلاحقهم، فلم ينقض زمن طويل، حتى جاءهم الإسلام في القسطنطينية وأعطاهم الأمن والدعة والقرار والاطمئنان، حتى لقد قالوا كما حكي صاحب السوسنة: "عمامة السلطان محمد الفاتح، ولا تاج البابا المثلث". وهكذا كان الإسلام رحيماً تسع رحمته المخالفين.

стр. 166

الفرقة الحديثة "البروتستانت " أو الإصلاح الديني حال الكنيسة قبل الإصلاح: شدة الكنيسة على الناس والعلماء: ١١٠- اشتد ضغط الكنيسة الكاثوليكية على المسيحيين، وبالغت في فرض آرائها عليهم مبالغة تجاوزت حد الغلو، ولم تسلك في ذلك سبيل الموعظة الحسنة، والدعوة الصالحة، والإرشاد القويم، ومخاطبة الأرواح والنفوس، وتمكينها من أن تتبعها، وهي حرة مريدة مختارة، بل سلكت سبيل العنف وركبت متن الشدة، فجعلت كل رأي في العلوم الكونية يخالف رأيها كفراً، ولا تدعو معتنقيه إلى الهداية، وترشده إلى الرشاد، كما يليق برجال الدين مع من يرونه ضالاً، بل تكفر لأوهى الأسباب، وتحرق أو تعذب من تراه كافراً بلا رفق ولا هوادة. فهذا المجمع الثاني عشر من مجامعه الكنيسة وهو المجمع المسمى بالاتيراني الرابع المنعقد سنة ١٢١٥ يقرر استئصال الهراطقة، ويعنون بذلك كل من يرى رأياً مخالفاً للكنيسة، ولو كان رأياً في الكون أو طبائع الأشياء، ولم تكتف الكنيسة بقتل من يجهرون بآراء تخالف آراءها، بل أخذت تنقب على القلوب وتستكنه خبايا النفوس، وتكشف عن سرائر الناس بما أسماه التاريخ محاكم التفتيش، التي دنست تاريخ الأديان بما ارتكبت من آثام، وما أزهقت من أرواح، وما سفكت من دماء، وما عذبت من أحياء.

стр. 167

وإن جهر رجل من رجال الدين بالدعوة إلى الإصلاح، داعياً رجال الكنيسة إلى أخذ الناس برفق، وحاثاً رجال الدين على الأخذ بهدية كان عقابه الحرمان والقتل. حدث في أوائل القرن الخامس عشر أن أحس أساقفة فرنسا بوجوب إصلاح حال البابوات، فانعقد لذلك مجمع مؤلف من ١٥٠ أسقفاً، و١٨٠٠ من رجال الدين، ولكن هذا المجمع انتهى في قراراته بالأمر بإحراق يوحنا هوس مصلح كنيسة روما بوهيميا ورفيقه جيروم. ولقد حرق وعذب في هذا السبيل علماء استشهدوا في سبيل العلم بسبب مظالم تلك الكنيسة، وضيق صدر القوامين عليها. ومما يذكر في هذا أن أحد العلماء واسمه ابيلارد كان له رأي في تكفير المسيح عن خطيئة آدم خالف به رأي الكنيسة فقال: ليست حياة المسيح وصلبه وما لاقى في ذلك من تعذيب سبيلاً لإرضاء الله وإنزال عفوه عن خطيئة الإنسان، فعفو الله أيسر من ذلك وأقرب، وإنما لاقى المسيح ما لاقى إعلاناً لما يكنه قلبه من حب الله، وعسى أن يثير في الناس عاطفة الشكر وعرفان الجميل، فيعيدهم إلى طاعة الله. ولكنه ما أن قال ذلك القول حتى انعقد مجلس لمحاكمته، فكان نصيب كتبه التحريق، ونصيبه السجن الدائم، حتى وافته منيته. وجاليليلو يرى رأيا في الكون فيسجن لذلك الرأي، مع أن رأيه ليس من أمور الدين في شيء. فرض سلطانها على الملوك: ١١١- بالغت الكنيسة في شدتها، كما رأيت، ولم ينج حتى الملوك من طغيانها، فقد كان انقسام الدولة الرومانية الغربية إلى ممالك مختلفة، واعتبار كل مملكة وحدة سياسة لا تتصل بالأخرى إلا اتصال محبة وسلام، أو حرب وخصام - كان ذلك سبباًَ في أن صار البابا لا سلطان لأحد من ولاة الأمر عليه، وقد تقرر هذا من بعد كما صار تعيين البابوات باختيار المجامع، لا بتعيين ملك أو أمير، مهما تكن قوته وسطوته وصال البابوات بعد تعيينهم غير خاضعين بأي نوع من أنواع الخضوع لأي ملك من الملوك، وعلى النقيض من ذلك لهم هم السلطان الذي لا يرد على

стр. 168

كل مسيحي، مهما تكن مكانته، يستوي في ذلك الأمير والخفير، والراعي والرعية، فليس لأي ملك سلطان على الباب، والبابا له سلطان على كل ملك، لأنه مسيحي، وله السلطان الكامل على كل المسيحيين، ولأن البابا خليفة لبطرس الرسول وبطرس الرسول أقامه المسيح رئيساً على الحواريين من بعده، فالبابا على هذا الأساس خليفة للمسيح ينطق باسمه، ويتكلم بخلافته، وينفذ بسلطانه، ومن خرج عن طاعته فقد خرج عن طاعة المسيح، وحارب دينه. قرارات الحرمان تنال الملوك: وبهذا المنطق فرضوا أوامرهم على الملوك، كما فرضوها على سائر الناس، ولذا لم ينج بعض الملوك من قرارات المجامع بحرمانهم، وطردهم من حظيرة المسيحية، ولعنهم، فقد جاء في كتاب سوسنة سليمان: "المجمع الثالث عشر انعقد في ليون من أعمال فرنسا سنة ١٢٤٥ بأمر البابا اينوسنت الرابع لأجل عزل فردريك ملك فرنسا وحرمانه، وهذا المجمع لم تسلم كنيسة فرنسا حتى الآن بصحته أو بسلطانه مطلقاً". لم ينج إذن الملوك من قرارات الحرمان والطرد، وإن لذلك أثره في نفوس شعوبهم، كما إنه يحفز الملوك على العمل من جانبهم على حماية أنفسهم، وهم في ذلك لا يتمنعون عن أن يثيروا القالة في رجال الكهنوت، ويكبروا صفائرهم، ويروجوا عنهم ما يحط من قداستهم، حتى ينفردوا بالاحترام، ولا يكون سلطان لأحد غيرهم. ١١٢- هذه هي الكنيسة في معاملتها للناس، عنف وزجر وقسوة، لا إرشاد وهداية وإصلاح، وهي تضرب كل من يعترض طريقها. لا تفرق بين سائس ومسوس، وحاكم ومحكوم، وراع ورعية. وقد احتكمت لهذا بذوي السلطان، فكان لابد من مغالبة بينهما. ولم يكن الأمر مقصوراً على الأذى البدني تنزله بمن يخالفها، ولو فيما ليس بينه وبين الدين نسب، ولا يتصل به بسبب. بل تجاوز ذلك إلى إرهاق المسيحيين باتاوات ماليه يفرضونها، وضرائب كبيرة يأخذونها، وعلى ذلك صار المسيحيون قاطبة يئنون تحت نير ثقيل، سواء في ذلك من خالف ومن وافق، فالمخالف بالعذاب يهرأ به جسمه، والموافق بالمال ينقل به، وتفرض عليه ضرائب لأسباب غير معقولة وغير مقبولة أحياناً وما يجمع

стр. 169

من أموال الفقراء والمحدودين التي حصلوا عليها بالكد واللغوب يتوزعه رجال الدين بينهم، وينفقونه إسرافاً وبداراً في سبيل تحقيق رغباتهم، وبذلك كانوا يجمعون المال من غير حله، وينفقونه في غير حله أيضاً، وبذلك انغمسوا في شر ما في هذه الدنيا، وتركوا لب الدين. استبداد الكنيسة بفهم الكتب المقدسة: ١١٣- ولقد احتجزت الكنيسة لنفسها الحق في فهم الكتب المقدسة عندهم، واستبدت بتفسيرها دون سائر الناس، ولا معقب لما تقول في هذا التفسير، أو في رأي تبديه، أو أمر تعلنه، وعلى الناس أن يتلقوا قولها بالقبول وافق العقل أو خالفه، وعلى المسيحي إذا لم يستسغ عقله قولاً قالته أو مبدأ دينياً أعلنته أن يروض عقله على قبوله، فإن لم يستطع، فعليه أن يشك في العقل، ولا يشك في قول البابا. لأن البابا خليفة لسلسلة الخلافة التي بيناها. ولقد كانت تعلن أموراً ما جاء بها الكتاب المقدس عندهم، وما تعرض له المسيحيون الأولون، لا المجامع الأولى، وهي أمور غريبة جد الغرابة، بعيدة عن القبول في أحكام العقل جد البعد، وتلزم المسيحيين بها، وتفرضها عليهم فرضاً، ومن قال كلمة فيها فالويل له، ينزلونه به في الدنيا ولا ينتظرون حساب الديان في الآخرة. ونذكر القارئ على سبيل المثال مسألتين كان لهما أثر في الفكر المسيحي، وبسببهما هما وغيرهما تقدم المصلحون في جرأة، داعين إلى إصلاح الكنيسة بالحسنى أو بغير الحسنى، هاتان المسألتان هما مسألة الاستحالة، ومسألة الغفران. مسألتا الاستحالة والغفران: ١١٤- أما مسألة الاستحالة فالأساس فيها ما علمت في شرح الشعائر النصرانية، من أن المسيحيين يأكلون يوم الفصح خبزاً ويشربون خمراً، ويسمون ذلك العشاء الرباني، ولقد زعمت الكنيسة أن ذلك الخبز يستحيل إلى جسد المسيح، وذلك الخمر يستحيل إلى دم المسيح المسفوك فمن أكلها وقد استحالا هذه الاستحالة فقد أدخل المسيح في جسده بلحمه ودمه، وذلك أمر غريب في العقل، لا يستطيع أن يستسيغه أحد

стр. 170

بيسر وسهولة، بل لا يستطيع أن يستسيغه قط, إذ كيف يتحول الخبز لحماً، وكيف يصير لحد شخص معين معروف. وكيف يتحول الخمر دماً. وتصير دم شخص معين معروف؟ ذلك غريب. بل مستحيل التصور والقبول في العقل، ولكن الكنيسة فرضت على الناس قبوله ومنعتهم من مناقشته، وإلا عرضوا للطرد والحرمان. وهل ورد هذا الأمر في الكتب المقدسة، حتى يجب الأخذ به من غير تفسير أو تأويل. إنه أمر استقلت به الكنيسة وأعلنته وأبدته في أحد مجامعها، غير معتمدة في ذلك على نص صريح من الكتب المقدسة عندهم. ولقد خالفت في بعض شأنه الكنيسة الكاثوليكية غيرها من الكنائس، فالكنيسة الشرقية ترى أن العشاء الرباني لا يكون بالفطير، بينما تراه الكنيسة اللاتينية، ووجد من أحرار الفكر من ينكرون هذه الاستحالة، ويعتقدون أنها غير ممكنة في العقل ولا سائغة في الفكر. ١١٥- أما المسألة الثانية فهي مسألة امتلاك الكنيسة حق الغفران للمسيء في الدنيا، فقد قررته الكنيسة حقاً لنفسها في المجمع الثاني عشر أيضاً. وقد جاء في كتاب تاريخ الكنيسة في بيان قرار المجمع في هذا الشأن: "أنهى المجمع تعليمه فيما يتعلق بأمر الغفران فقال: "أن يسوع المسيح ما كان قد قلد الكنيسة سلطان منح الغفرانات. وقد استعملت الكنيسة هذا السلطان الذي نالته من العلا منذ الأيام الأولى، قد أعلم المجتمع المقدس، وأمر بأن تحفظ للكنيسة في الكنيسة هذه العملية الخلاصية للشعب المسيحي، المثبتة بسلطان المجامع". ثم ضرب بسيف الحرمان من يزعمون أن الغفرانات غير مفيدة، أو ينكرون على الكميسة سلطان منحها، غير إنه قد رغب في أن يستعمل هذا السلطان باعتدال واحتراز حسب العادة المحفوظة قديماً، والمثبتة في الكنيسة، لئلا يمس التهذيب الكنسي تراخ بفرط التساهل. إفراط الكنيسة في استعمال حق الغفران: هذا قرار المجمع، وفيه تمكين للكنيسة من سلطان قوي جبار، وهو سلطان مسح الذنوب، وغفرانها مهما يكن مقدارها، ومهما تكن

стр. 171

قد دنست النفس، واركست القلوب، ولكنه قد أوصى الكنيسة بالاعتدال والاحتراس، حتى لا يؤدي الإفراط في منح الغفران إلى ترك التهذيب الديني، وهجر تعاليم الكنيسة، والعبث بهدي الدين، فها أخذت الكنيسة بما أعطاها المجمع، وراعت حق الرعاية ما أوصاها به من عدم الإفراط في الإعطاء والمنح؟ لقد أتى حين من الدهر من بعد أن أعطى رجال الدين أنفسهم ذلك الحق، أن أفرطوا في أعطائه إفراطاً شديداً وأنشأوا له صكوكاً تباع وتشترى، فباعوها كأنها عرض من أعراض الدنيا، ومتعة من متعتها، وبذل العصاة في سبيلها المال، وما كان عليهم من حرج في أن يرتكبوا ما شاءوا من الموبقات، وينالوا ما تهوى الأنفس من معاص. مادام ذلك يفتدى بمال قل أو جل، وهذا نص صك الغفران الذي يباع بيع السلعة. صورة من صك الغفران: "ربنا يسوع المسيح يرحمك يا فلان، ويحلك باستحقاقات آلامه الكلية القداسة، وأنا بالسلطان الرسولي المعطي لي أحلك من جميع القصاصات، والأحكام والطائلات الكنسية التي استوجبتها، وأيضاً من جميع الإفراط والخطايا والذنوب التي ارتكبتها مهما كانت عظيمة وفظيعة، ومن كل علة، وإن كانت محفوظة لأبينا الأقدس البابا، والكرسي الرسولي، وأمحو جميع أقذار المذنب وكل علامات الملامة التي ربما جلبتها على نفسك في هذه الفرصة، وأرفع القصاصات التي كنت تلتزم بمكابدتها في المطهر وأردك حديثاً إلى الشركة في أسرار الكنيسة وأقرنك في شركة القديسين، وأردك ثانية إلى الطهارة والبر اللذين كانا عند معموديتك، حتى إنه في ساعة الموت يغلق أمامك الباب الذي يدخل منه الخطاة إلى محل العذاب والعقاب، ويفتح الباب الذي يؤدي إلى فردوس الفرح، وإن لم تمت سنين مستطيلة فهذه النعمة تبقى غير متغيرة، حتى تأتي ساعتك الأخيرة باسم الأب والابن والروح القدس". هذه صورة من صور صك الغفران تذكر إنها تمحو الآثام، وتغفر ذنوب العاصي ما تقدم منها وما تأخر، تغسله من ذنوبه الماضية حتى يصير طاهراً، ثم لا يصير قابلاً لأن تؤثر فيه الذنوب مهما يرتكب من خطايا، ومهما ينغمس في المعاصي. كان ذلك الصك جواز المرور إلى النعيم المقيم، لا يعوق حامله عائق، ولا يرده عن الوصول خازن أو حارس.

стр. 172

هذا ما يدل عليه الصك، وهذا ما كانت تحاول الكنيسة أن تلقيه في روع الناس تمكيناً لسلطانها، ورغبة في نقودهم التي يبذلونها للكنيسة في سبيل الحصول على ذلك الصك الذي يكون سر الأمان، وطريق الوصول إلى الغاية. لقد ابتدأت الكنيسة صك الغفران بمسألة الاعتراف بالذنوب عند الموت والتوبة، ثم تولى القسيس مسح هذه الذنوب والشخص لم يودع الدنيا. ثم انتقلت من ذلك إلى أن جعلت لنفسها الحق في الغفران، والشخص قوي يستقبل الحياة، ولا يودعها ويقبل على متعها، ولا يدبر عنها، وغالت فجعلت لنفسها غفران ما تقدم وما تأخر من الذنوب، ثم أغرقت في المغالاة فأتخذها رجال الدين بابا من أبواب الكسب للكنيسة. ثم إنهم ينفقون ما يجمعون من مال فيما يحله الدين والأخلاق، وما قد بحرمانه، وبذلك طم السيل، حتى جاوز الحزام الطبيين. سلوك رجال الدين الشخصي: ١١٦- وهل كان رجال الدين في سلوكهم الشخصي، وفي استمساكهم بعروة الأخلاق، وهدى الدين يستحقون أن يبذل الناس في طاعتهم ما يبذلون ويروضوا أنفسهم عل الخضوع لآرائهم، وقبولها بقبول حسن، متهمين العقول إن حاولت التمرد والعصيان، لأن حال رجال الدين بعيدة عن الظنة، منزهة عن الريبة، قد سموا بأنفسهم، حتى ساموا في العلو القديسين والشهداء والصالحين، وجعلوا أنفسهم عنوان العفة، وبخع النفس عن الشر، وافتدوا الفضيلة بأنفسهم أو عرضوا أنفسهم للفداء كما كانوا يرون أن المسيح قد فعل من قبل؟ لقد كانت حال رجال الدين تحوطها الريب من كل جانب، وتأخذهم الأنظار المتعقبة من كل ناحية من نواحي الحياة. حرموا على أنفسهم الزواج إذ سادت الرهبانية وسيطرت على نفوسهم، فجعلوا زواجهم حراما، لينصرفوا لخدمة كنيسة الرب، ويقوموا على سدانتها، ويرعوها حق رعايتها، ولكن ما أن توردت عليهم الأموال، وكثرت أمامهم أسباب النعيم، حتى فكهوا فيها مترفين وانغمسوا في الملاذ يستطيبون أطيبها، ويطلبون أشدها، ولما مكنوا لأنفسهم من السلطان، انتفع بعضهم في طلبها اندفاعاً، ومنهم من استهتر في سبيلها استهتاراً، وخرجت حال بعض أولئك المنغمسين في الخطايا من

стр. 173

السر إلى الجهر، ومن التستر إلى التفحش، ومن الخفية إلى الإعلان، واتصل بعضهم بالنساء اتصال سفاح، بعد أن حرموا على أنفسهم النكاح؟ ولم تتمنع النساء المتصلات بهم من أن يعلن ذلك مفاخرات به، وجاء من ذلك الاتصال الآثم أولاد لا آباء لهم، ولكن لهم حظوة، لأن بعض رجال الدين عرفوا آباءهم، كما يعرفون أبناءهم، فيمكنون لهم بسلطانهم الديني سلطاناً دنيوياً. ولقد كانت تلك الحياة اللاهوتية العابثة الفاسقة ميزة أختص بها بعض رجال الطبقة العالية الدينية أنفسهم، أما التحوت من رجال الدين ففي فقر مدقع، وفي حياة هي أقرب إلى الدين المسيحي من حياة كبرائهم، وذوي السلطان فيهم وفي الشعب. ابتداء الإصلاح: ١١٧- هذا سلطان الكنيسة، وتلك حال رجالها، يتدخلون في كل شيء، ينقبون عن القلوب، وقد سترها علام الغيوب، ويرهقون من يتهمونهم بأقصى أنواع العذاب، ويفرضون سلطانهم على الراعي والرعية، حتى يتململ من تحكمهم الملوك والأمراء، وذوو الفكر من الشعوب ويجبون الإتاوات ويفرضون الضرائب حتى كأنهم الحياة العشارون لا رجال الدين المهذبون، ويعطون أنفسهم حق مسح الخطايا بعد اعتراف المذنب في آخر أيامه في الدنيا، وأول أيامه في الآخرة، ثم يغالون، فيمنحون أنفسهم حق غفران الذنوب السابقة واللاحقة للقوي الصحيح، ويكتبون في ذلك صحوكاً يبيعونها بثمن قليل أو كثير، ثم يقضون أو بعضهم حياة كلها لهو، وحولهم الناس ينظرون. ولقد بلغ السيل الزبى في العصر المشهور في التاريخ الأوربي بعصر النهضة، وفيه نهضت الإرادة الإنسانية، والعقل الإنساني يفرضون وجودهما، وفيه استطاع الأوربيون أن يروا نور الله في الإسلام، والتدين الحقيقي فيما يدعو إليه هذا الدين، إذا اتصل الشرق بالغرب فيما قبس الغرب من دراسات يلقاها على أساتذة من المسلمين بشكل خلص، ومن الشرقيين بشكل عام، وفيه أعلم أن لا سلطان لأحد من رجال الدين على القلب، وأن لا وساطة بين الله والعبد، وأن الله قريب ممن يدعوه، ويجيب دعوة الداعي إذا دعاه.

стр. 174

دعوة بعض رجال الدين إلى الإصلاح: حينئذ أخذت الأنظار المتربصة تحصى على رجال الدين ما يفعلون، ووجد من بينهم من استنكروا حالهم، وأخذوا يدعون زملاءهم إلى إصلاح حالهم، ليردوهم إلى حكم دينهم قبل أن يفوت الوقت، وقبل أن ينفض الناس، وقبل أن يحملهم العامة على الإصلاح. ولقد جاهر بذلك جيروم وهوس، ولكن كان نصيبها أن أعدما حريقاً بالنيران، وكان ذلك بقرار من مجمع كونستانس الذي انعقد من سنة ١٤١٤ إلى سنة ١٤١٨، ولقد قرر ذلك المجمع قتل هذين العالمين حرقاً بالنار، لأنهما دعوا الكنيسة إلى عدم الأخذ بما يسمى سر الاعتراف، مبينين أن الكنيسة ليس لها سلطان في محو الإثم أو تقريره، وإنما التوبة مع رحمة الله حتى تمحو الآثام، وتطهر النفس من الخطايا، وقد تقدم إلى المجمع يوحنا هوس ليدافع عن آرائه، وهذا ما قاله كاتب متعصب للكاثوليك في ذلك الدفاع: "لدى دخوله أخذ يعلن غواياته قبل انتظاره حكم المجمع على تعليمه فقر الرأي على إلقاء القبض عليه، وفوض المجمع إلى بعض أعضائه أن يفحصوا مؤلفاته وألحوا عليه أن يقلع عنها، ولكنهم لم يستفيدوا شيئاً ووجدوا في مؤلفاته فصولاً كثيرة تتضمن أضاليل، وقد خولوه الحرية ليوضح أقواله في كل منها، وحرضوه على الخضوع لحكم المجمع، وعرضوا عليه صورة الرجوع عن ضلاله، فأبى أن يمضيها، وبقى مصراً على غيه، ولم يشأ المجمع أن يتوصل معه إلى المضايقة الأخيرة، بل حاول مراراً أن يرده عن عناده فحكموا أولاً على كتبه بالتحريق رجاء أن يخيفوه بذلك، لكنه لبث مصراً على عناده، فحينئذ حطوه عن الدرجات المقدسة حطاً احتفالياً، وأسلموه لحكومته فحكمت عليه بالحرق حياً بمقتضى نواميس المملكة ثم نال جيروم تلميذه وقرينه في العناد هذا العقاب نفسه. أما المجمع فلم يطلب قط هذا العقاب بل ترك للقضاء المدني أن يعمل بموجب شرائع المملكة التي كانت تعطي الملك حقاً في أن يعاقب من يفسدون النظام المدني بينهم بتعاليم سيئة تقلق راحة الجمهور؟.

стр. 175

هذا ما يقوله الكتاب المدافعون عن الكنيسة، ومهما يكن قولهم في براءتها من ثم أولئك الذين حاولوا من رجال الدين إصلاحاً، فمما لا شك فيه أنها لم تصغ إلى أقوالهم، بل عاقبتهم عليها بالحرمان، فسلبتهم المنصب الديني، ثم عاونت بذلك على قتلهم أفظع قتلة، إن لم تكن هي الفاعلة. ابتداء الإصلاح من غير رجال الدين: ١١٨- كانت ارهاصات الإصلاح تبدو الوقت بعد الآخر، ويظهر به رجال استعدوا للفداء زمناً بعد زمن، وكانت البلاد التي تظهر فيها آراء الإصلاح في شمال أوربا وإنجلترا، وفرنسا، لأن فرنسا قد ذاق بعض ملوكها أذى الحرمان من الكنيسة، وأحس الفرنسيون بشدتها، وإنجلترا رأت من سلطان البابا عليها تدخلاً في شئونها، ولأن أمم شمال أوربا قد اقترنت حضارتها بالدين فكانت شديدة الغيرة عليه، قوية الرغبة في فهمه على وجهه، جاعلين قبلتهم الكنيسة ورجالها، فعثروا بما أوتوا من رغبة دينية وعقل فاحص على عيوبهم، فأرادوا أن يصلحوها من غير أن يهدموها، لذلك ظهرت حركات الإصلاح ووجدت آذاناً مصغية في تلك البقاع، ولم ينبثق فجر القرن السادس عشر حتى انبثقت معه أصوات قوية جريئة تدعو إلى إصلاح الكنيسة، وتنقد حالها وتندد بأعمالها، وتنشر عيوب القوامين عليها، وعساهم يصلحون أمرهم، ويعودون إلى آداب الدين وتهذيبه. الدعوة الهادئة: وقد ظهر في فجر القرن السادس في أزمان متقاربة أصوات رجال مصلحين، ومن أشدها ظهوراً صوت أرزم، وقد ظهر بالأراضي المنخفضة، وعاش من سنة ١٤٦٥ إلى سنة ١٥٣٦. وقد أخذ يدعو الناس إلى قراءة الكتاب المقدس عندهم، وإلى تهذيب عقولهم، وتنمية مداركهم، ليستطيعوا فهمه، والانتفاع به، وإدراك مراميه وغاياته، وأخذ يدعو إلى إصلاح الكنيسة، وظهر إنه لم يوجه دعوته إلى الشعب، بل وجهها إلى الحكام المستنيرين، وإلى رجال الكنيسة أنفسهم، فقدان البابا ليو العاشر صديقه، وكان ممن يقدرون آراءه، ويعجبون بتفكيره ويوافقون بالأولى على وجهة نظره، وقد سار في طريق الإصلاح السلمي مجتهداً الاجتهاد

стр. 176

كله في أن يحافظ على مركز البابا وقداسته، حريصاً على ألا ينال أحد منهما، وإلا يخلط دعاة الإصلاح بين إصلاح الكنيسة ومراكز رجالها، وما يستحقون من إجلال وتقديس، فهو يرى أن الإصلاح واجب على أن تقوم به الكنيسة في داخلها، أو يعاونها الحكام على إصلاح نفسها، ولذلك عندما رأى ثورة لوثر العنيفة، وما أدت إليه من مس سلطان الكنيسة ونقص ما لها من قداسة، نبذ آراءه ولم يعاونه. وظهر كذلك في هذا الإبان تومس مور من ١٤٧٨ إلى ١٥٣٥، وقد ظهر بإنجلترا، ودعا إلى إصلاح الكنيسة أيضاً بالطريق السلمي، ولذلك دعا بنفسه إلى وجوب احترام سيادة البابا، وأن يكون له السلطان الديني على الجميع. النقد العنيف: ١١٩- ولكن دعوات أولئك السلمية لم تفد فائدتها، ولم تنتج ثمراتها، وإن شئت فقل أنة تحول الأفكار وانتقال الفكرة إلى الشعوب، واصطدام الكنيسة بالمفكرين وبعض الأمراء جعل نقد الكنيسة عنيفاً، وجعل خطوات الدعاة أسرع مما يريد أولئك السلميون. وأشد من ظهر من أولئك تأثيراً وأقوالهم نفوذاً: مارتن لوثر وزونجلي، وكلفن، ولنتكلم عن كل واحد من هؤلاء بكلمة موجزة. لوثر: أما مارتن لوثر، فقد ولد سنة ١٤٨٢ من أبوين فقيرين، ولكن أباه أجهد نفسه، وأراد أن يصل به إلا أقصى درجات الثقافة، ومكن له ليكون قانونياً، فأرسله إلى الجامعة، ولكنه عجز عن إتمام دراسته القانونية، وعكف على دراسة اللاهوت، وانصرف إليها لأنه أحس بنزعة دينية قوية تدفعه إلى الانقطاع لذلك، وقد كان شديد التورع، مبالغاً في تقدير سيئاته، قد سيطرت على مشاعره نفسه اللوامة، حتى لقد قال بنفسه إنه لن ينجو من عذاب الجحيم إلا برحمة الرب الرحيم، وكان لهذا الإحساس الديني الدقيق، وذلك النزوع اللاهوتي موضع رعاية رجال الكنيسة، حتى لقد أوصوا به خيراً أولى الأمر من رجال الدنيا، فعين مدرساً للفلسفة، وظل عاكفاً على هذه الدراسة التي كان يشك

стр. 177

في صلاحيتها، إذ كان يدرس فلسفة أرسطو، وما كان في نظره إلا من عبدة الأوثان، ويجب أن يلاحظ أن دراسة الفلسفة في ذلك العصر كانت تحت ظل الدين، وفي خدمته، ويقوم بها رجال الدين أنفسهم، ولذلك لم تكن دراسته الفلسفية مبعدة عن دراسته الدينية، بل كانت تتميماً لها. ولقد دفعته نزعته الدينية الخالصة، وإجلاله للكنيسة ورجالها إلى أن يحج إلى روما، ليتيمن بلقاء رجال الدين، ولكي تحل عليه بركات روما موطن المسيحية ومقر الكنيسة المقدسة، ولكنه ما أن وطنت قدماه أرض روما حتى رأى ما صدم حسه، وأزعج نفسه، لقد توقع أن يرى النسك والعبادة والزهادة، فوجد مدينة لاهية عابثة، ووجد رجال الدين قد دنست بعضهم المفاسد، وحاطت بهم الريب، وظنت بهم الظنون، وجد جرأة على الخطايا، واستهانة بأحكام الدين. ووجد الذين تخيلهم قديسين صالحين، وإنهم ملائكة الله تسير على الأرض، قد انغمسوا في الرذيلة، ورتعوا في حماها زاعمين أن سحائب الرضوان قد نزلت عليهم، وغفر لهم سابق ذنوبهم ولاحقها، وأن بيدهم مفاتيح الملكوت في السماوات والأرض وسر التوبة، وأبواب الغفران، يغفرون لمن شاءوا ما تقدم من ذنبه وما تأخر. رأى لوثر كل هذا وه مرهف الحس الديني، ذو النفس اللوامة، الذي يرى أن خطايا الإنسان أكبر من أن يمحوها هو، وإنه لا سبيل لغفرانها ألا أن تسعها رحمة الله. لذلك شدة من هول ما رأي، وتحير بين ما تخيله في رجال الدين من زهادة، والواقع المستقر الذي صدمه صدمة عنيفة، ولكنه لم يلبث إلا قليلاً حتى أنتقل من الحيرة إلى الاستنكار، لذلك عاد إلى ألمانيا حانقاً مستنكراً بعد أن ذهب راضياً مقدساً. ولقد أخذ يعلن من ذلك الإبان أن التبرك بالمقدسات، والحج إليها وتكرار الصلاة لا يجدي العاصي، ولا يغنيه عن توبة نصوح، وقدم مطهر، ورجاء رحمة الرحيم، وأن أحداً من الخلق مهما تكن قدسيته لا يملك لأحد غفراناً، ولا يستطيع أن يستر ذنباً قد ارتكب.

стр. 178

١٢٠- كان لوثر بعد عودته مأخوذاً بهذه الأفكار، قد استولت على نفسه، وسوغ له كل هذا إنه قد عرا ثقته برجال الدين ضعف، وإن لم يعتزم الثورة عليهم أو على آرائهم، ولكن الحوادث كانت تدفعه إلى أن يعلن استنكار آراء رجال الدين، والجهر بذلك. وذلك لأن البابا ليو أراد أن يعيد بناء كنيسة بطرس في روما، وذلك يحتاج إلى مقدار من المال غير يسير. فقرر أن يجمعه من صكوك الغفران ببيعها، فذهب الراهب تنزل إلى ألمانيا، ومعه تلك الصكوك التي نقلنا لك نموذجاً منها فيما أسلفنا من القول. وأخذ يعلن من أمرها. ويبالغ في قدسها وسرها. عندئذ ثار لوثر الذي لا يعرف أن شيئاً يستر الذنوب إلى الندم على ما كان، والإقلاع عنه فيما يكون، ورجاء رحمة الديان، والذي رأى في رجال الدين ما رأى، ثار لوثر على تلك الصكوك وكتب في بطلانها احتجاجاً علقه على باب الكنيسة. ولقد كان لذلك أثره في العامة والخاصة، ولم يكن من المعقول أن تقابل الكنيسة ذلك بالصمت أو الإغضاء، فقد أرسلت إليه تدعوه إلى الحضور لمحاكمته أمام محكمة التفتيش التي كانت تدبيراً اتخذته المجامع ذريعة للقضاء على مخالفيها. ثورة لوثر على الكنيسة: وهنا نجد أن بعض الأمراء يتدخل فيوصيه بألا يجيب طلبها، فلم يرَ البابا بدَّا من أن يصدر قراراً بحرمانه، ويعده زائفاً، وهنا تأخذ الحمية لوثر، ويشتد في دعوته، ويجاهر بالاستهانة بأمر الحرمان، حتى إنه ليحرق في وسط وتنبرج - والجموع حاشدة - حرمان البابا وقرار زيفه، ولم يبق إلا أن تنفذ السلطة المدنية قرار الحرمان، فتحرمه من الحقوق القانونية والمدنية، أثراُ لقرار الحرمان الديني، فاجتمع مجمع ورمز سنة ١٥٢١ لمحاكمته، ولكنه طالب البابا بأن يقنعه بخطئه فيما أرتأى. فلم يجب إلى ما طلب، فانفض المجمع من غير نتيجة في هذا، ولكن الإمبراطور أعلن حرمانه من الحقوق المدنية إلا أن أمير سكسونية حماه. ومن هذا الوقت أخذت تخضع دعوة لوثر لحكم الأحداث السياسية، فتجد سلماً من الدولة، إذا كان الإمبراطور مشغولاً بحرب، ولا يريد

стр. 179

إثارة فتنة. وتجد حربا إذا خلا الإمبراطور فهم، وفي كلتا الحالتين تزداد الدعوة حدة ويزداد أتباعها عددا، ويشتد ساعدهم بموالاة أمراء أعزاء في النفرة. وفي سنة ١٥٢٩ حاول الإمبراطور أن ينفذ قرار الحرمان الصادر سنة ١٥٢١ ولكن أنصار لوثر يحتجون على ذلك، ومن ذلك الحين سموا البروتستنت أي المحتجين، ثم جرت الأمور سلما فحربا متداولين، حتى إذا مات لوثر، وكان الإمبراطور قد خلص من كل الحروب التي تشغله أنزل بالبروتستنت أقصى العذاب وأشده بلاء، ثم يعقب ذلك صلح بين الفريقين. لوثر لم يرد هدم الكنيسة: ١٢١ - لم يكن لوثر من الغلاة الذين يرمون إلى هدم الكنيسة، ولا إلى محاربة سلطانها، بوصف كونها مرشدة وواعظة ومبينة للناس شئون دينهم، ولكنه كان يريد إصلاح حال الكنيسة ورجالها، وحملهم على الحادة وإعطاءهم من الحق ما أعطته الكتب المقدسة، ووصايا رسلهم، والمأثور عنهم، وهو لم ينظر إلى الباب على أنه خليفة المسيح لا يخطئ، ولا يأتي الباطل إلى قوله، بل نظر إليه على أنه كبير المرشدين الواعظين. ولما أراد لهم الصلاح - وكان يائسا من أن يقوموا هم بذلك - دعا الأمراء إلى أن يتدخلوا، وقرر أن لهم عليهم سلطانا، وأن لهم الحق في عزل رجل الدين إذا لم يقم بما يأمره به الدين، ووجد أن جزءا من فساد رجال الدين يرجع إلى عدم الزواج. ورأى أن المنع منه لم يكن في المسيحية في عصورها الأولى، فقرر حقهم في الزواج، وتزوج هو فعلا مع أنه من رجال الدين. وكان زواجه من راهبة. ووجد أن الكنيسة تحتفظ لنفسها بحق فهم الإنجيل، وذلك من أسباب غلوها وفقدها الرقيب، فجعل لكل مسيحي مثقف الحق في فهمه، واشتغل بترجمته إلى الألمانية ليقرأه كل ألماني. وأنكر أن المسيح يحل في بدن من يأكل العشاء الرباني. فقد أنكر

стр. 180

استحالة الخبز إلى عظام المسيح المكسورة. وأنكر استحالة الخمر إلى دم المسيح، وحلولهما في جسم الآكل. واكتفى بكون العشاء الرباني تذكيرا لما قام به المسيح من فداء للخليقة في زعمهم. وأن يعتقد المسيحي أن المسيح معه بجسده عند تناول هذا العشاء. هذا كله مع إنكاره حق الكنيسة في الغفران، ذلك الحق الذي كان عود الثقاب الذي أشعل ثورة لوثر، وكانت منها تلك النيران التي لم تستطع الكنيسة لها إطفاء. زونجلي وأعماله: ١٢٢ - وفي الوقت الذي كان يغالب فيه لوثر الكنيسة وأنصارها من ذوي السلطان، كان في سويسرة صوت قوي أخر ينادي بما يقارب ما نادى به لوثر، ذلك هو زونجلي (١٤٨٤ - ١٥٣١) فقد ألمته حال الكنيسة ودعا إلى مثل ما دعا إليه لوثر في مسائل الدين. وقد ابتدأت ثورته بالثورة على صكوك الغفران كما ابتدأ لوثر، وقد مات أثناء صراع وقع بين أنصاره المعتنقين لمبادئه وأنصار الكاثوليك. وآراؤه في الحملة تتقارب من آراء لوثر، ولقد كان يرى أن العشاء الرباني مناولة تذكارية لموت المسيح وفدائه لخطيئة الخليقة في زعمهم، وأن المسيح يحضر ذلك العشاء بروحه فقط. ويفسر ما جاء خاصا بالعشاء الرباني في إنجيل متى بمعناه المجازي. وهذا نص ما جاء في ذلك الإنجيل في إصحاحه السادس والعشرين: وفيما يأكلون أخذ يسوع الخبز وبارك. وكسر، وأعطى للتلاميذ، وقال: "خذوا، كلوا هذا هو جسدي" وأخذ الكأس وشكر، وأعطاهم قائلا: "اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمي الذي للعهد الجديد الذي يسفك من أجل كثيرين لمغفرة الخطايا". ودعوة زونجلي هذه، وإن كانت تتلاقى في مبادئها في الجملة مع مبادئ لوثر كانت منفصلة عنها، فلم تتوحد الدعوتان، بل كانت كلتاهما تعمل في محيط إقليمها، بيد أن حركة لوثر كانت أوسع دائرة وأسرع انتشارا، لسعة الإقليم الذي نشأت فيه، ولرعاية بعض الأمراء لها، بل لاعتناقهم مبادئها، ولأن الأحوال السياسية في ألمانيا كانت تسمح لمثل هذه الدعوة بالذيوع والانتشار.
следующие страницы →