Полный текст (190 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وإنه قالها خلاصاً واحتيالاً لورد مثل ذلك عندما قال إنه يهودي، لأنه كان يخاطب جمعاً يهودياً عمل للقبض عليه.
ولقد صرح في سفر الأعمال إنه قال إنه فريسي ليوقع الخلاف بين الصدوقيين والفريسيين، فقد جاء فيه عند ذكر إقراره بأنه فريسي. ولما علم بولس أن قسما منهم صدوقيون والآخر فريسيون، إلخ. فهو ما صرح بهذا التصريح إلا ليوقع الفرقة بينهم، وينجو من كيدهم بتدبير فريق منهم.
وقد تم له بعض ما أراد، فاختلفوا وجرى بينهم نزاع شديد كما دلت على ذلك الفقرات التي ذكرت من بعد في الإصحاح الثالث والعشرين من سفر الأعمال، وإذن فلا نستطيع أن نستبين جنسه من هذا على وجه تطمئن إليه النفس.
٤٩- ومهما يكن من أمر جنسه، فقد كان بولس هذا في صدر حياته من أشد أعداء المسيحية، وأبلغهم كيداً لها، وأكثرهم إمعاناً في أذى معتنقيها، كما يدل على ذلك ما جاء في سفر الأعمال في مواضع كثيرة منه.
ففي الإصحاح الثامن منه: "وحدث في ذلك اليوم اضطهاد عظيم على الكنيسة التي في أورشليم، فتشتت الجميع في كور اليهودية والسامرة ما عدا الرسل، وحمل رجال أتقياء استفانوس، وعملوا عليه مناحة عظيمة، وأما شاول فكان يسطو على الكنيسة وهو يدخل البيوت، ويجر رجالاً ونساء، ويسلمهم إلى السجن".
وجاء في أول الإصحاح التاسع: "أما شاول فكان لم يزل ينفث تهدداً وقتلاً على تلاميذ الرب فتقدم إلى رئيس الكهنة وطلب منه رسائل إلى دمشق إلى الجماعات حتى إذا وجد أناساًَ في الطريق رجالا أو نساء يسوقهم موثقين إلى أورشليم".
ويجئ في ذلك السفر أيضاً اعترافه الصريح بذلك الماضي في مواضع متعددة أيضاً.
فمنها ما جاه في الإصحاح الثاني والعشرين مخاطباً اليهود: "كنت
стр. 72
غيوراً لله، كما أنتم جميعكم اليوم، واضطهدت هذا الطريق، حتى الموت، مقيداً ومسلماً إلى السجون رجالاً ونساء، كما يشهد لي أيضاً رئيس الكهنة وجميع المشيخة الذين إذا أخذت منهم رسائل للأخوة إلى دمشق، ذهبت لأني بالذين هناك إلى أورشليم مقيدين لكي يعاقبوا".
ولكن سفر الأعمال يقول أن ذلك الرجل الذي كاد للمسيحية هذا الكيد وآذى أهلها ذلك الإيذاء، قد انتقل من الجبت والطاغوت إلى المسيحية فجأة من غير مقدمات تقدمت ذلك الانتقال، ولا تمهيدات مهدت له.
فيقول في الإصحاح التاسع: "في ذهابه حدث أنه أقترب إلى دمشق، فبغتة أبرق حوله نور من السماء، فسقط على الأرض، وسمع صوتاً قائلاً له: شاول. شاول. لماذا تضطهدني؟ فقال: من أنت يا سيدي؟ فقال: أنا يسوع الذي أنت تضطهده، صعب عليك أن ترفس مناخس، فقال وهو مرتعد متحير: يا رب ماذا تريد أن أفعل؟ فقال له الرب: قم وأدخل المدينة، فيقال لك ماذا ينبغي أن تفعل".
ودخل بولس أو شاول في المسيحية، وحاول أن يتصل بتلاميذ المسيح، ولكنهم أوجسوا منه خيفة، ولم يصدقوا إيمانه، ولكن شهد له برنابا الذي حدثناك عنه بالإيمان، وما حدث له في الطريق.
فقد جاء في الإصحاح التاسع أيضاً من السفر المذكور: "ولما جاء شاول حاول أن يلتصق بالتلاميذ، وكان الجميع يخافونه غير مصدقين، فأخذه برنابا، وأحضره إلى الرسل، وحدثهم كيف أبصر الرب، وإنه كلمه، وكيف جاهر في دمشق باسم يسوع".
ومن ذلك الوقت صار بولس القوة الفعالة، والحركة الدائبة في الدعاية للمسيحية، كما ندل على ذلك عبارات سفر الأعمال، وقد اصطحب في رحلاته برنابا، حتى اختلفا كما ذكرنا في الكلام على برنابا - فلما اختلفا افترقا، وهناك نجد حلقة مفقودة، فلم يبين لنا سفر الأعمال على من تلقى مبادئ المسيحية التي أخذ يبشر بها، والتي دونها في رسائله الأربع عشرة، والتي يضيف إليها بعض الكتاب سفر الأعمال، وينسبه إليه بدل نسبته إلى لوقا؟ لم تبين لنا الكتب المسيحية على من تلقى مبادئ
стр. 73
المسيحية؟ ولعلهم يعتقدون أنه ليس في حاجة إلى التلقي، لأنه انتقل من مرتبة الكافر المناوئ إلى مرتبة الرسل في المسيحية، صار ملهماً ينطق بالوحي في اعتقادهم، فلم يكن في حاجة إلى التعلم والدراسة، لأن الوحي كفاه مؤونة الدرس وتعبه.
لقد أخذ بوليس في التطواف في الأقاليم ينشئ الكنائس، ويقوم بالدعاية ويلقي الخطب، وينشئ الرسائل، حتى كانت رسائله هي الرسائل التعليمية بما اشتملت عليه من مبادئ في الاعتقاد، وبعض الشرائع العملية، وقد قالوا أنه قتل في اضطهادات نيرون سنة ٦٦ أو سنة ٦٧ على الخلاف في ذلك.
صفات بولس:
٥٠- إن الذي يستخلص من أحوال وأقوال بولس التي دونت في رسائله وأعماله التي ذكرها سفر أعمال الرسل، يتبين له أنه أمتاز بثلاث صفات جعلته في الذروة من الدعاة إلى المبادئ والعقائد:
الصفة الأولى: إنه كان نشيطاً دائم الحركة ذا قوى لا تكل، وذا نفس لا تمل.
الصفة الثانية: إنه كان المعيا شديد الذكاء بارع الحيلة، قوي الفكر يدبر الأمور لما يريد بدهاء الألمعي، وذكاء الأروعي، يسند السهام لغاياته ومآربه فيصيبها.
الصفة الثالثة: إنه كان شديد التأثير في نفوس الجماهير، قوي السيطرة على أهوائهم، قديراً على انتزاع الثقة به ممن يتحدث إليه.
وبهذه الصفات الممتازة، وبهذه القدرة البارعة استطاع أن يجعل نفسه محور الدعاة للمسيحية، وقطبهم، وأن يفرض ما ارتآه على المسيحيين، فيعتنقوه ديناً، ويتخذوا قوله حجة زاعمين إنه رسالة أرسل بها، وبهذه الصفات الباهرة استطاع أن يحمل صديقه برنابا على أن يصدقه في رؤيته المسبح، واستطاع أن يحتل المنزلة الأولى بين التلاميذ، وقد كان بلاؤهم، وكيد الشيطان لهم. وبهذه الصفات التوبة استطاع أن يحملهم على نسيان ماضيه، وأن يندغموا في شخصه حتى يصير هو كل شيء،
стр. 74
وهم لا يستطيعون رد قوله في الجماهير، وحتى لقد صارت المسيحية الحاضرة مطبوعة بطابعه، منسوبه إليه، ولقد تعجب الذين أرسلوا الديانات وعرفوا أحوال رجالها، وأدوارهم، فيقولون: كيف ينتقل رجل من كفر بديانة إلى اعتقاد شديد بها طفرة، من غير سابق تمهيد، ولكن ذلك العجب يزول إن كان الانتقال مقصوراً على مجرد الانتقال من الكفر إلى الإيمان، فإن لذلك نظائر وأشباها، بل العجب كل العجب أن ينتقل شخص من الكفر المطلق بدين إلى الرسالة في الدين الذي كفر به، وناواه وعاداه، فإن ذلك ليس له نظير وليس له مشابه، ولم يعهد ذلك في أنبياء ورسل قط، وهذه توراة اليهود وأسفار العهد القديم التي يؤمن بها المسيحيون كما رووها، وكما قالوها ليذكروا لنا رسولاً بعث من غير أن يكون في حياته الأولى استعداد لتلقي الوحي، وصفاء نفس يجعله أهلاً للإلهام؟ ولا يجعل الاتهام والتكذيب يغلبان على رسالته، وإنه إذا لم يكن للرسالة أرهاصات قبل تلقيها، لا يكون على الأقل قبلها ما ينافيها ويناقضها. ولكن بولس أبو العجب استطاع أن يتغلب على ذلك العجب في عصره، وأن يفرض نفسه على المسيحيين من بعده، وأن يحملهم على نسيان العقل عندما يدرسون أقواله وآراءه وتعاليمه.
بيد أن العقل يخترق بنوره الحجب، ويزيل بضوئه كل أسداف الظلم، ولو قاوم في سبيل ذلك براعة بولس وذكاءه، ولذل وجد في العصور المسيحية من كانوا يثيرون مناقشات قوية حول أقوال بولس منكرين لها مبطلين، ونسارع فنقول مقالة القس عبد الأحد: "إن بولس يبجل ويعظم رجلاً اسمه عيسى أميت ومات. وحيى فقط، وإن خمس عشرة رسالة من كتب العهد الجديد تحمل اسم الرسول المشار إليه، فلا محمل للحيرة إذا قلت أن المؤسس الحقيقي للمسيحية الحاضرة هو بولس، فإن شاول الشاب الطرسوسي من سبط بنامين. ومن مذهب الفريسيين وتلميذ أحد علماء الدهر عضو مجلس صانهدرين المدعو عمانيل ... الذي كان يجتهد اسم عيسى وأتباعه من الأرض، والذي رأى عدوه الناصرى في السماء لامعاً داخل الأنوار وقت الظهر أمام دمشق. اهتدى وسمى باسم بولس.
وهو الذي وضع أساس العيسوية". والقسم الأعظم من أعمال الرسل يبحث من سباحات بولس الطويلة وجهوده ومتاعبه،
стр. 75
فهل هو صادق في النقل عن المسيح، والأخبار عنه؟ للإجابة عن هذا السؤال موضعها عند الكلام في الإلهام الذي نحلوه لرسلهم، ونقد الكتب نقداً علمياً.
كتب العهد القديم والأناجيل والرسائل كتبت بإلهام في اعتقادهم:
٥١- إلى هنا قد بينا الكتب، وذكرنا طرنا من حياة منشئيها، وأحوالهم ومقدار الاختلاف في نسبة الكتب إلى أصحابها، وقبل أن ننتقل إلى نقد هذه الكتب نقداً علمياً في متنها وإسنادها، نقول: إن المسحيين يقولون إن هذه الكتب كلها، كتبت بالإلهام أي بالوحي عن طريق الإلهام، وإنها لذلك لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلقها، فهي حق وصدق، لأنه موحي بها، وسواء ذي ذلك كتب العهد القديم، والعهد الجديد، سواء أكانت أناجيل أم رسائله تعليمية أم رسالة النبوة.
ولذا يقول مؤلفو موجز تاريخ الأمة القبطية في شأن الكتاب المقدس: "الكتاب المقدس هو مجموع الأسفار التي كتبها رجال الله القديسيون بإلهام الروح القدس في أوقات مختلفة، وفيها أعلن الله مشيئته ووصاياه، وما قطعه من المواعيد، وما فرضه من المثوبة، وما فيه إرشاد للناس وخيرهم وخلاصهم وما أتمه من عمل الفداء" وبمراجعة ما كتبه شراحهم وعلماؤهم نفهم أن الإلهام عندهم، هو إلهام في المضمون الرئيسي، ولذا يقول هورن: "إذا قيل أن الكتب المقدسة أوحى بها من عند الله لا يراد أن كل الألفاظ والعبارات من إلهام الله، بل يعلم من اختلاف محاورات المصنفين واختلاف بيانهم إنهم قد جوز لهم أن يكتبوا، على حسب طباعهم وعاداتهم وفهومهم واستعمل علم الإلهام على طريقة استعمال العلوم الرسمية، ولا يتخيل إنهم كانوا يلهمون في كل أمر يبينونه، وفي كل حكم كانوا يحكمون به".
إذن لم تكن كل الكتب المقدسة ملهمة من حيث أسلوب البيان، ومن حيث التصرف في التعبير، ومن حيث كل ما تشتمل عليه من معان بل موضع الإلهام فقط المعاني الرئيسية أو الرسمية، وبقية الأفكار والمعاني على حسب الطبائع والإفهام والعادات.
стр. 76
نظرة فاحصة
٥٢- عرضنا على القارئ كلام القوم في كتبهم، وحاولنا أن نكون حاكين ولم نعلق عليها ولم ننقدها، ولم ننبه إلى وهنها، إلا إذا كان ذلك التنبيه قد نسبق إليه علماؤهم، والباحثون منهم، ووجهوا هم النقد إليه، أو كان الأمر من الوضوح بحيث يكون المرور عليه من غير تنبيه إلى موضع الضعف يجعل البحث غير منسق، وبعيداً عن الانسجام الفكري.
والآن نريد أن ننتقل من النظرة الحاكية المتغاضية إلى النظرة الفاحصة الكاشفة، ولسنا نريد أن نحصى كل أوجه النقد التي وجهت، فإن ذلك يحتاج بيانه إلى مجلدات ضخام لكثرتها، وتعدد نواحيها، وكثرة دواعيها، ولكنا نكتفي بإيراد بعضها، ونترك الباقي للإطلاع عليه في مصادرة المسيحية وغير المسيحية:
ما يجب أن يكون في الكتاب الديني من صفات ليكون حجة:
لأجل أن يكون الكتاب الديني حجة - يجب الأخذ به على إنه شريعة الله ودينه، ومجموع أوامره ونواهيه، ومصدر الاعتقاد، وأساس الملة - يجب أن يتوافر في هذا الكتاب أمور:
أحدها: أن يكون الرسول الذي نسب إليه قد علم صدقه بلا ريب ولا شك، وأن يكون قد دعم ذلك الصدق بمعجزة، أي بأمر خارق للعادة قد تحدى به المنكرين المكذبين، وأن يشتهر أمر ذلك التحدي وهذا الإعجاز، ويتوارثه الناس خلفاً عن سلف، ويتواتر بينهم تواتراًً لا يكون للإنسان مجال لتكذيبه.
ثانيها: إلا يكون ذلك الكتاب متناقضاً مضطرباً يهدم بعضه بعضاً فلا تتعارض تعليماته، ولا تتناقض أخباره، بل يكون كل جزء منه متمماً للآخر ومكملاً له، لأن ما يكون عن الله لا يختلف، ولا يفترق، ولا يتناقض، بل أن العقلاء، في أقوالهم، وفي كتبهم، يتحرون إلا يتناقض قولهم، ولا يختلف بتفكيرهم.
ثالثها: أن يدعى ذلك الرسول إنه أوحى إليه به، ويدعم ذلك الإدعاء
стр. 77
بالبينات الثابتة، وهي المعجزات التي بعث بها الرسول، ودعا إلى كتابه على أساسها، ويثبت ذلك الإدعاء بالخبر التواتر، أو يثبت بالكتاب نفسه.
رابعها: أن تكون نسبة الكتاب إلى الرسول الذي نسب إليه ثابتة بالطريق القطعي، بأن يثبت نسبة الكتاب إلى الرسول، بحيث يتلقاه الإخلاف عن الأسلاف، جيلاً بعد جيل من غير أي مظنة للانتحال.
وأساس ذلك التواتر أن يروى جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب عن جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب، حتى تصل إلى الرسول بحيث يسمع كل فرد من الجمع الراوي عن الجمع الذي سبقه، والذي سبقه كذلك، حتى يصل إلى الرسول الذي أسند إليه الكتاب، ونسب إليه، ونزل به الوحي عليه.
تطبيق هذه الشروط على كتب النصارى:
٥٣- إن الكتب في الدين هي أساسه، فإن لم تكن مستوفيه الشروط السابقة لم يكن الاطمئنان إلى صحتها كاملاً، وتطرق إليها الريب والظن من كل جانب، وبذلك يتهدم الذين من أساه، ويؤتى من قواعده، ولا يكون شيئاً مذكوراً في الأديان، بل يكون طائفة من أساطير الأولين اكتتبها طائفة من الناس، وأدعوها ديناً، ونسبوها لشخص معترف به، لتروج عند العامة، وتدخل في أوهامهم، ويعتمدون على الزمان في تمكينها في نفوسهم وقلوبهم.
وهل الكتب المقدسة عند النصارى سواء أكانت من كتب العهد القديم أم العهد الجديد مستوفيه هذه الشروط، فتكون ملزمة للكافة؟.
لا يزعم النصارى أن هذه الكتب كتبها المسيح نفسه، حتى ننظر في قوة نسبتها إليه، ولكن يزعمون أن الذين كتبوها رسل من بعده مبعوثون بها، يبشرون الناس بما فيها، فنبحث، هل هؤلاء رسل حقاً وصدقاً قد ثبتت رسالتهم بدليل لا مجال للريب فيه؟.
لقد قلنا أن الطريق لذلك أن يدعوا هم هذه الرسالة ويثبتوها بمعجزة يجريها الله على أيديهم، ويتحدوا الناس ليدفعوهم إلى الإذعان أو ليسجلوا عليهم الكفر بعد أن يقوم الدليل عليهم.
стр. 78
إننا نبحث في مراجعهم فلا نجد مرجعاً صحيحاً قرر أن هؤلاء أدعوا مثل هذه الرسالة، ودعوا الناس إلى الإيمان بها، ومعهم البرهان عليها، والدليل القائم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
نعد قد نجد في رسالة أعمال الرسل ذكراً لأخبار تلاميذ المسيح، وإن روح القدس تجلى عليهم، وإنهم كانوا يأتون بأمور خارقة للعادة، وسماهم كاتب تلك الرسالة رسلاً، ففيها يذكر أن عدد الأصحاب بعد المسيح أحد عشر، وهو: بطرس، ويعقوب، ويوحنا، وأندراوس، وفيلبس، وتوما، وبرثولماس، ومتى، ويعقوب بن حلفى، وسمعان الغيور، ويهوذا أخو يعقوب، وأن بطرس وقف وألقى في وسط التلاميذ - الذين بلغوا نحو عشرين ومائة - خطبة وأنهم امتلئوا جميعاً بروح القدس، وتكلموا بألسنة غير ألسنتهم.
ثم يذكر أن بطرس شفى لأعرج من عرجه، ومات من كذب عليه، بعد أن كشف كذبه واختلاسه، هو وامرأته.
ذكر سفر الأعمال هذه وذكر عجائب أتى بها بولس في زعمه في آخر ذلك السفر أيضاًَ.
وكذلك نجد في إنجيل لوقا إنه يذكر أن المسيح أرسل سبعين رجلاً ليبشروا باسمه، وإنهم عادوا يقولون له: "حتى الشياطين تخضع لنا باسمك، فقال لهم: رأيت الشيطان ساقطاً مثل البرق من السماء، وهاأنذا أعطيكم سلطاناً لتدوسوا الحيات والعقارب، وكل قوة العدو، فلا يضركم شيء، ولكن لا تفرحوا بهذا لأن الأرواح تخضع لكم، بل افرحوا بالحري أن أسماءكم كتبت في السموات".
مناقشة ادِّعاء الإلهام في سفر الأعمال:
٥٤- ونريد أن نناقش سفر أعمال الرسل وإنجيل لوقا في هذا المقام لنعرف منه من هم هؤلاء الرسل، لم يذكر سفر الأعمال أسماء العشرين والمائة الذي ملئوا من روح القدس، نعم إنه ذكر أسماء الحواريين الأحد عشر، وليس منهم من ينسب إليه كتب أو رسائل، سوى متى وبطرس، ويوحنا ويعقوب ويهوذا.
стр. 79
وقد علمت بعض ما في نسبه إنجيل متى ويوحنا إليهما. وأما بطرس والباقون فلهم رسائل، ولم يكن معترفاً بصحتها هي ورسائل يوحنا إلى سنة ٣٦٤ حتى إن مجمع نيقية لم يتعرف بصحة نسبتها إلى أصحابها. وقد كان سنة ٣٢٥.
وإذا كان سفر الأعمال لم يذكر أسماء العشرين والمائة، ولم يذكر كذلك إنجيل لوقا أسماء، فكيف تؤمن برسالة لم تعرف أسماؤهم؟ نعم كانت تذكر بعد ذلك أسماء أشخاص، ويوصفون بأنهم رسل، ولكن لم يذكر أهم من العشرين والمائة، أم ليسوا منهم، ومن المؤكد أن بولس لم يكن في العدد الذي ذكر في الأعمال، ولا في العدد الذي ذكر في إنجيل لوقا.
إذن لا مقتنع فيما جاء في سفر الأعمال. ولا في إنجيل لوقا، لأنه لم يذكر أسماء هؤلاء معينين بالاسم, ثم من هو مؤلف سفر الأعمال؟ قالوا إنه لوقا صاحب الإنجيل. إذن فالمصدر هو لوقا في الاثنين، ولوقا قد بينا إنه طبيب وقيل إنه مصور، أو هو طبيب مصور، فهل هو كان من تلاميذ المسيح أو كان من تلاميذ تلاميذه؟ لم يثبت شيء من ذلك، وكل ما ثبت من صلته برجال المسيحية إنه كان من أصحاب أو تلاميذ بولس، وإذن فروايته عن هؤلاء وعن المسيح ليست رواية من شاهد وعاين، وعلى ذلك يكون السند غير متصل بين لوقا والمسيح، أو تلاميذ المسيح.
الرسل غير معروفين:
٥٥- لم تعرف إذن حقيقة هؤلاء الرسل، ومن هم بسند صحيح، فضلاً عن أن يكون السند قطعياً، وإذا كنا لا نعرف من هم، فكيف نؤمن لهم بمعجزات؟ إن المصدر الذي ذكر المعجزات هو نفس المصدر الذي ذكر الرسل من غير أن يبين من هم، وهو راو لم يعاين ولم يشاهد. وعلى ذلك يكون الكلام في الإلهام، وإنهم رسل ملهمون لم يثبت بسند يصح الاعتماد عليه، والاطمئنان إليه، وبناء عقيد تشرق وتغرب على أساسه.
ولكن لا نكاد ننتهي إلى النتيجة حتى نجد من مجادلي القوم، والمناظرين عنهم من يزعمون أن لوقا نفسه، صاحب سفر الأعمال، وصاحب الإنجيل كان من الرسل الملهمين فهو لا يحتاج إلى سند، لأن كل كلامه من الروح القدس الذي ملأه كما ملأ إخوانه الرسل، ولكن أين
стр. 80
معجزته التي تثبت الهامة حتى نصدق كل ما جاء في كتابيه، ويؤمن مؤمن (يحترم الإيمان) بكل ما اشتملا عليه؟ لم يرد عندهم أي شيء يدل على إلهام لوقا، وإنه كان من العشرين والمائة الذين ألقى فيهم بطرس خطبته، وامتلئوا بروح القدس في زعمه، ولم يكن من السبعين الذين أرسلهم المسيح (كما ذكر في إنجيله) واخضعوا الأرواح وأخبرهم أن أسماءهم كتبت في السماء.
ولسنا في ذلك إلا مطالبين بأن يثبتوا إلهام لوقا، لنصدق بأخباره عن الرسل وأعمالهم وعن إلهامهم، وامتلائهم بالروح القدس، وأعجازهم. لا يوجد أمانا أي دليل يثبتون به إلهام لوقا فيما كتب، حتى كنا نصدقه في كلامه عن الرسل الذين تجلى عليهم الروح القدس، وامتلئوا به، وإن كنا لا نعرف أشخاصهم، ولا شيئاً عن أسمائهم وأعمالهم.
بل لقد وجدنا من كتاب القوم الباحثين من يصرح بأن لوقا لم يكن من الملهمين، وأن إنجيله لم يكن إلهامياً، وبالأولى رسالته لم تكن بإلهام، فقد قال من المحدثين، واطسن في المجلد الرابع من كتابه الإلهام ما ترجمته: "أن عدم كون تحرير لوقا إلهامياً يظهر مما كتب في ديباجه إنجيله ونصها: إذا كان كثيرون قد أخذوا بتأليف قصة في الأمور المستيقنة عندنا كما سلمها إلينا الذين كانوا منذ البدء معاينين، وخداماً للكلمة، رأيت أنا أيضاً إذ قد تتبعت كل شيء من الأول بتدقيق أن أكتب على التوالي إليك أيها العزيز ثاوفيلس، لتعرف صحة الكلام الذي علمت به".
وبمثل هذا القول من أن ما كتب لوقا ليس بإلهامي قال العلماء الأقدمون من المسيحيين، فيقول ارينوس: "أن الأشياء تعلمها من بلغها إلينا".
لوقا صاحب سفر الأعمال لم يكن ملهماً:
٥٦- لم يكن إذن لوقا ملهماً، أنه لا يوجد دليل يثبت إلهامه، ولأن مقدمة إنجيله كمقدمة رسالته تدل على إنه لم يكن ملهماً، ولأن الثقات من العلماء الأقدمين والمحدثين يقررون إنه لم يكن ملهماً فيما كتب، بل كتب ما تعلم، ولقن، لا ما أوحى إليه به وإلهم.
وإذا كانت رسالة الأعمال هي المصدر المثبت لإلهام الرسل وامتلائهم
стр. 81
بالروح القدس، فيكون ذلك المصدر قد فقد صلاحيته للاعتماد عليه، لأنه لم يكن متصل السند بين لوقا والتلاميذ والمسيح، ولأن لوقا لم يكن ملهماً. وهذا كله على فرض صحة نسبة ما أسند إلى لوقا، وفي تلك الصحة كلام سنثبته في موضعه من بحثنا إن شاء الله.
ليس عندنا إذن دليل نقلي عندهم يثبت رسالة من يسمونهم رسلاً، ويثبت معهم إنهم كتبوا بالإلهام، حتى يعتبر كلامهم وحياً أوحى به، ويجب تصديقه وقبوله، ولا نجد من الكتب ما يؤيد هذه الدعوى ويثبتها، بل إن راجعنا هذه الكتابات لا نجد أن كتابها يدعون لأنفسهم إنهم رسل، ولا من تلاميذه العشرين والمائة، ولا من السبعين الذين ذكرهم لوقا.
وقد رأينا بطرس في رسالتيه يقدمهما بأنه رسول يسوع المسيح، ولم يذكر لنفسه وصف الرسالة المطلقة من الله. ولا نجد في عباراتهم ما يدل على إنهم كتبوا ما كتبوا بالإلهام، إلا رسائل بولس، فهو الذي يذكر في رسالته أنه يتكلم عن الله، وأحياناً يقول إنه يتكلم من نفسه.
وإذن قلنا أن نقول أن أصحاب هذه الكتب والرسائل لا يدعون لأنفسهم الرسالة والإلهام إلا بولس الذي كانت صلته بالمسيحية على ما علمتم، وليس في كتبها ما يشهد له بالرسالة والإلهام، بله الإيمان إلا سفر الأعمال، وقد علمت قوة الاستدلال به، والاعتماد عليه في الاحتجاج والإثبات.
دعوى الإلهام ليست محل إجماع المسيحيين:
٥٧- وفي الحق أن دعوى إلهام الرسل في كل ما كتبوا لم تكن محل إجماع من كتاب المسيحيين في القديم والحديث، فطائفة من علماء إنجلترا قالوا في مؤلف كتبوه إن الذين قالوا أن كل قول مندرج في الكتب المقدسة إلهامي لا يقدرون أن يثبتوا دعواهم بسهولة، ثم قالوا: "إن سألنا أحد على سبيل التحقيق أي جزء تعتبرون من العهد الجديد إلهامياً، قلنا المسائل، والأحكام، والأخبار بالحوادث الآتية التي هي أصل الملة المسيحية - لا ينفك الإلهام عنها. وأما الحالات الأخرى فكان حفظ الحواريين كافياً لبيانها".
стр. 82
وترى من هذا أن بعض العلماء لا يرون إن كل ما في كتب العهد الجديد إلهامي، بل منه الإلهامي وغير الإلهامي.
ولكن هناك من يقول: إنه يشك في أصل الإلهام فيها، فهذا عالم مسيحي يقال له ريس يقول ناقلاً حاكياً بعض أقوال المتقدمين: "أن الناس قد تكلموا في كون الكتب المقدسة إلهامية، وقالوا إنه يوجد في أفعال مؤلفي هذه الكتب وأقوالهم أغلاط، واختلافات، فمثلاً إذا قوبلت الآيات ١٩، ٢٠ من الإصحاح العاشر من متى و١١ من الإصحاح الثالث عشر من إنجيل مرقس إذا قوبلت هذه الآيات بالآيات الست التي في سفر الأعمال في إصحاحه الثالث والعشرين يظهر ذلك الاختلاف جلياً. وقيل أيضاً أن الحواريين ما كان يرى بعضهم بعضا صاحب وحي، كما يظهر هذه من مباحثهم في محفل أورشليم، ومن إلزام بولس لبطرس، وقيل أيضاً أن المسيحيين القدماء ما كانوا يعتقدونهم منزهين عن الخطأ، لأنهم في بعض الأوقات تعرضوا له".
ولقد قطع بعض العلماء بأن بعض هذه الكتب ليس من الإلهام في شيء فإنجيل متى على قول القدماء من المسيحيين، وقول جمهور المتأخرين الذين قالوا إنه كتب باللسان العبراني كما أسلفنا من القول، قد قالوا أن أصله فقد، وترجمته ليست بالإلهام.
ويقول استادلن وغيره أن إنجيل يوحنا ليس بإلهام، وجميع رسائل يوحنا ليست بإلهام على رأي فرقة لوجين، وكذلك الرسالة الثانية لبطرس، ورسالة يهوذا، ورسالة يعقوب، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا، ورؤياه النبوي - كل ذلك عند الأكثرين ليس بإلهام، وكان كذلك إلى سنة ٣٩٣ ميلادية".
دعوى الإلهام باطلة ممن يدعيها:
٥٨- ومهما يكن اختلافهم بالنسبة لكونها ملهمة كلها أو بعضها، وطريق الإلهام، فإدعاء الإلهام على فرض اتفاقهم عليه ليس له من البينات ما يثبته، ولا من الأدلة ما يقيم ادعاءه، ونحن نطالبهم بدليل.
وكان يصح لنا أن نقف موقف المانع منعاًً مجرداً، نطالبهم بالدليل حتى يقيموه، ولكن تتميماً للبحث وتعريفاً للحقائق نثبت أن دعوى الإلهام
стр. 83
باطلة من أساسها، ليس لعدم إقامة الدليل عليها، بل لأن البينات قائمة ضدها، ذلك لأنها لو كانت بإلهام من الله كما يقولون لكانت صادقة في كل ما أخبرت به، وما وجد الباطل منفذاً ينفذ منه إليها، ولم يكن ثمة محل لتكذيبها، ولكانت متفقة غير مختلفة، ولم تكن متضاربة بأي نوع من أنواع التضارب، وذلك لوحدة من صدرت عنه، لأنها جميعاً صادرة عن واحد، وإن اختلف الناطقون بها، ولكنا وجدنا بينها اختلافات من أوجه عدة، ووجدنا فيها أخباراً تناقض ما علم في التاريخ وكان مشهوراً فيه، ولنذكر بعض هذه الأمور على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر.
التضارب بين كتب العهد الجديد:
(أ) أول ما يلقاك من أوجه اختلاف الأناجيل في الأمر الواحد الذي لا يقبل إلا حقيقة واحدة. اختلاف إنجيل متى عن إنجيل لوقا في نسب المسيح، فإن من يقابل بين نسب يوسف النجار متبني المسيح في الأناجيل يجد الاختلاف في ستة أرجه ذكرها الشيخ ﵀ الهندي في كتابه إظهار الحق فقال:
١- في متى أن يوسف بن يعقوب، وفي لوقا أنه ابن هالى.
٢- يعلم من متى أن عيسى من أولاد سليمان بن داود ﵈، ومن لوقا أنه من أولاد ناثان بن داود.
٣- يعلم من متى أن جميع آباء المسيح من داود إلى جلاء بابل سلاطين مشهورون، ومن لوقا إنهم ليسوا بسلاطين ولا مشهورين غير داود وناثان.
٤- يعلم من متى أن سلتاثيل بن بكينا، ومن لوقا أن سلتاثيل ابن نيرى.
٥- يعلم من متى أن اسم ابن زربايل أبيهود، ومن لوقا أن اسمه ربسا.
والعجب أن أسماء بني زربايل مكتوبة في الباب الثالث من السفر الأول من أخبار الأيام من كتب العهد القديم. وليس فيها أبيهود ولا ريسا فكل منهما غلط.
стр. 84
٦- من داود إلى المسيح ﵉ ستة وعشرون جيلاً على ما بين متى، وواحد وأربعون على ما ذكر لوقا.
هذه أوجه اختلاف ستة في نسب المسيح ﵇ وهو نسب يوسف النجار، الذي كان رجل مريم كما تذكر الأناجيل، وهذا الاختلاف الذي يعترف به المسيحيون، ولا يجدون مناصاً من الإقرار به يدل على أمرين:
أحدهما: أن أحد الإنجيلين لم يكن بإلهام بيقين، إذا فرضنا أن أحدهما صادق والآخر كاذب، فالكاذب لا شك لم يكن بإلهام، وإلا كان الإله الذي أوحى به كاذباً، وذلك لا يليق بحسب بداهة العقل، ولما كان الصحيح منهما غير متعين فالشك يرد على الاثنين، حتى يثبت الصحيح، ويقوم الدليل على صدقه دون الآخر، ومع هذا الشك لا يمكن الاعتقاد بأن ثمة إلهاماً، لأن الشك أن أعترى الأصل زال الاعتقاد.
ثانيهما: أن إنجيل متى لم يكن معروفاً للوقا، أي إنه لم يكن متدارسة معروفاً لدى العلماء في المسيحية. مع أن تدوين إنجيل متى يسبق تدوين إنجيل لوقا بأكثر من عشرين سنة على ما عليه جمهورهم، ولو كان لوقا يعرفه لراجعه، وما وقع في الخطأ الذي وقع فيه، أو على الأقل ما خالفه، وإذا لم يكن معروفاً لدى علماء المسيحية، وحوارييها ورسلها، فلابد إنه لم يكن معروفاً قط، أو بعبارة أصرح، ربما لم يكن موجوداً قط.
ولا مناص من هذا إلا أن يقول أن لوقا كان يعرفه، وأطلع على حديث النسب فيه، وخالفه على بينه منه، لأنه لم يصدقه، وعلى ذلك لا يكون لوقا معترفاً برسالة متى، والإيحاء إليه، وإن ما كتبه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وإلا ما خالف مع علمه.
وخلاصة القول في ذلك أن تلك المخالفة تنتج إحدى اثنتين: أما ألا يكون إنجيل متى معروفاً للرسول لوقا، وذلك يقتضي إلا يكون موجوداً. وأما أن يكون موجوداً يعرفه لوقا، ولكن لا يعترف به مصدراً صادق الرواية. وإحدى القضيتين لازمة حتماً، ولكن لا يعترف المسيحيون بكلتيهما.
стр. 85
(ب) ونجد في الإصحاح الخامس عشر من إنجيل متى إنه بعد مناقشة الفردسيين تقدمت إليه امرأة، ابنتها مريضة بالجنون تطلب شفاءها، ونص الخبر كما جاء في ذلك الإصحاح: "ثم خرج يسوع من هناك، وانصرف إلى نواحي صور صيداء. وإذا امرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم صرخت إليه قائلة: ارحمني يا سيدي يا ابن داود، ابنتي مجنونة جداً، فلم يجبها بكلمة، فتقدم تلاميذه وطلبوا إليه قائلين: اصرفها، لأنها تصيح وراءنا". تجئ هذه القصة في الإصحاح الثامن من إنجيل مرقص بالنص الآتي: "ثم قام من هناك، ومضى إلى تخوم صور وصيداء، ودخل بيتاً وهو يريد ألا يعلم به أحد، فلم يقدر أن يختفي لأن امرأة كان بابنتها روح نجس سمعت به، فأتت وخرت عند قدميه، وكانت المرأة أممية وفي جنسيتها فينيقية سورية".
ففي هذا النص يبين جنس المرأة بأنها فينيقية سورية، وإنها أممية ليست من اليهود، وفي الأولى توصف بأنها كنعانية أي ليست فينيقية، فأيها الأحرى بالقبول؟ لاشك إنه لا يمكن أن تكون الروايتان صادقتين معاً، بل لابد أن تكون أحداهما كاذبة وليست بإلهام من الله، لأن الله لا يكذب، وإذا كانت أحداهما ليست صادقة بيقين، وكاذبة بيقين، ولم يدر أيتهما الكذابة المفتراة، فالشك إذن ملازم الاثنتين لا ينفصل عنهما، حتى نتبين الصدق من الكذب، ولا سبيل إلى ذلك، ولا يمكن أن نثبت لأيهما إلهاماً مع هذا الشك الملازم الذي لا سبيل إلى إزالته.
(جـ) وقد اختلف خبر القبض على المسيح لمحاكمته في متى عن يوحنا، ففي متى جاء في ذلك بالإصحاح السادس والعشرين ما نصه: وفيما هو يتكلم، وإذا يهوذا واحد من الاثني عشر قد جاء، ومعه جمع كثير بسيوف وعصى من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، والذي أسلمه أعطاهم علامة قائلاً: "الذي أقبله هو أمسكوه فالوقت تقدم إلى يسوع؟ وقال السلام يا سيدي وقبله، فقال يسوع يا صاحب لماذا جئت؟ حينئذ تقدموا، وألقوا الأيادي على يسوع وأمسكوه" هذا ما جاء متى، وجاء في يوحنا في هذا المقام ما نصه: "فأخذ يهوذا الجند وخداماً من عند رؤساء الكهنة والفريسيين وجاء إلى هناك بمشاعل ومصابيح وسلاح فخرج يسوع، وهو عالم بكل ما يأتي، وقال لهم: من تطلبون؟ أجابوه: يسوع الناصري،
стр. 86
قال لهم: أني أنا هو، وكان يهوذا مسلمه أيضاً واقفاً معهم، فلما قال لهم إني أنا هو رجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض، فسألهم أيضاً من تطلبون؟ فقالوا يسوع الناصري، أجاب يسوع قد قلت لكم: أني أنا هو، فإن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يذهبون ليتم القول الذي قاله: إن الذين أعطيتني لم أهلك أحداً".
وترى هنا اختلافاً بينا بين الروايتين، فمتى يقول: أن يهوذا هو الذي أعلمهم بالمسيح بالعلامة التي اتفق معهم عليها، وهي تقبيله، ويوحنا يقول: إن المسيح هو الذي قدم نفسه وكفى يهوذا مئونة التعريف، ولا شك أن ذلك الاختلاف البين في رواية حادثة واحدة يجعل إحدى الروايتين كاذبة والثانية صادقة، والكاذبة ليست بإلهام، فإحداهما ليست بإلهام، ولا سبيل إلى معرفتها فيثبت الشك في الروايتين.
وفي الحق أن من يراجع الأناجيل في خبرها عن القبض على المسيح وحبسه، ثم محاكمته وصلبه في زعم النصارى، ثم قيامته من قبره، يجد الاختلاف في أخبارها اختلافاً بينا، ولو كان بعض هذا الاختلاف في شهادة اثنين يشهدان في درهم ما ثبت بشهادتهما دعوى، ولا انتصر بها حق.
ولتراجع الأناجيل في هذا المقام لتعرف مقدار الصحة في خبرها، ولتعرف مقدار ما في دعوى الإلهام لكاتبيها عند كتابتها من حق، فلا شك أن ذلك الاختلاف الذي لا يمكن التوفيق بين متناقضة يؤدي إلى أن تلك الأناجيل يأتيهما الشك من كل جانب، يأتيها من بين يديها، ومن خلفها، فلا يمكن أن تكون إلهاماً من حكيم حميد.
وإن ذلك الاختلاف فيما أحاط بمسألة الصلب - فوق إنه يفقد الثقة بالأناجيل، هو أيضاً يجعل خبر الصلب عند القارئ الخالي الذهن الذي لم يكن في ذهنه قبل القراءة ما ينفيه أو يثبته موضع الشك الذي يرجح فيه الرد على القبول، والتكذيب على التصديق.
(د) وفي موت يهوذا الذي خان المسيح على زعمهم، اختلف رواية متى عن رواية لوقا في سفر أعمال الرسل. فمتى يقول: إنه خنق نفسه ومات، كما جاء في الإصحاح السابع والعشرين.
стр. 87
ولوقا يقول في سفر الأعمال: إنه خر على وجهه، وانشق بطنه، فانسكبت أحشاؤه كلها ومات.
ولا شك أن بين الروايتين اختلافاً، لأن الموت بالخنق غير الموت بشق البطن، ولابد أن تكون أحداهما على الأقل كاذبة. ولكنها غير معلومة، فيتطرق الشك إلى الأخرى فيردان معاً، ولا يمكن أن تكونا بإلهام أو لا يمكن مع ذلك الشك الإيمان بأن كلتيهما بإلهام.
(هـ) قد اشتمل بعض هذه الكتب على أخبار لو صحت لكانت معلومة مشهورة في التاريخ يعرفها الخاص والعام، ولدونتها كتب التاريخ على إنها حوادث مفردة عجيبة في الدهر. ولكن لم يرد لها ذكر في التاريخ، ولم يعرف الناس أمرها إلا من تلك الكتب.
هذا متى يقول عند صلب المسيح وقيامته: فصرخ يسوع بصوت عظيم وأسلم الروح، وإذا حجاب الهيكل قد انشق إلى اثنين من فوق إلى أسفل، والأرض تزلزلت، والصخور تشققت، والقبور تفتحت، وقام كثير من أجساد القديسين الراقدين، وخرجوا من القبور بعد قيامته، ودخلوا المدينة المقدسة، وظهروا لكثيرين. وأما قائد المائة والذين معه يحرسون يسوع فلما رأوا الزلزلة، وما كان، خافوا جداً، وقالوا: حقاً كان هذا ابن الله".
وهذه حادثة عظيمة لو صحت لدونها التاريخ العلم الذي لم يشر إلى المسيح بكلمة، ولو صحت أيضاً لآمن الرومان واليهود، الصخور تتشقق، والأرض تزلزل، والأموات ينتشرون، ويسيرون على الأرض، ويراهم الكثيرون، ويبقى بعد ذلك مساغ لإنكار، ولكن لم ترد أخبار بإيمان أحد من اليهود على أثر تلك البينات الباهرات.
ولقد جزم العلامة المسيحي نورتن يكذب هذه الحكاية، وقال في تكذيبها: "هذه الحكاية كاذبة والغالب أن أمثال هذه الحكاية كانت رائجة في اليهود بعد خراب أورشليم، فلعل أحداً كتب هذه الحكاية في النسخة العبرانية، وأدخلها الكتاب في المتن، وهذا المتن في يد المترجم فترجمها كما وجدها".
ونقول: لعل كثيراً مما في المتن أصله في الحاشية ثم نقل خطأ في المتن، وإذا كان الأمر كذلك، فكيف يكون هذا الكتاب وأشباهه مصدراً
стр. 88
لاعتقاد جازم، وإيمان بدين، وكيف يزعم زاعم أن هذا الكتاب بحواشيه الدخيلة غير المعلومة من متنه الأصيل، هو بإلهام من الله العلي القدير؟! ولكن في العالم عقول تقبل ذلك.
بيد إنه من الإنصاف لهذه العقول أن نقول: أنهم يقيمون غواشي تمنع نورها أن يكشف عن موضع الضعف فيها فهي لا تقبله على نور وبينة، وسلطان مبين.
٥٩- هذه بعض المتناقضات بين هذه الكتب بعضها مع بعض وبعض مناقضتها للعقل والمدون في التاريخ، وإنَّا نحيل القارئ في هذا المقام إلى كتاب إظهار الحق للشيخ ﵀ الهندي: فقد أتى بأكثر من مائة اختلاف بين هذه الكتب، وجبه بما مناظريه، فلم يحيروا جواباً، ولم يستطيعوا خطاباً، ولسنا نريد أن ننقلها برمتها منه فليرجع القارئ إليه، فسيجد الغريب.
التناقض بينها مبطل لإدعاء الإلهام وبيان إنكارهم لبعضها ثم اعترافهم به:
وإذا كانت هذه الكتب متناقضة متضاربة يلحق الكذب كلها في حملتها وأجزائها عند مناقشتها فهي إذن ليست بإلهام، ويكفي هذا بطلانا لمدعاهم في الإلهام.
وإن نسبة هذه الكتب إلى من نسبت إليهم على ما فيها، وعلى إنها في ذاتها ليست حجة، هي موضع شك كثير، فإنه ليس لهم سند متصل يصل هذه الكتب في أقدم العصور التي عرفت فيها - بالكاتبين لها، فهي لم تعرف معرفة كاملة قبل مجمع نيقية الذي كان في سنة ٣٢٥، ولم يجئ ذكر لها قبل ذلك إلا على لسان أرينيوس سنة ٢٠٠ وكليمنس سنة ٢١٦.
بل إن مجمع نيقية لم يعترف بكثير منها، فإن ذلك المجمع لم يعترف بما يأتي:
١- برسالة بولس إلى العبرانيين.
٢- ورسالة بطرس الثانية.
стр. 89
٣، ٤- ورسالة يوحنا الثانية والثالثة.
٥- ورسالة يعقوب.
٦- ورسالة يهوذا.
٧- ورؤيا يوحنا التي تسمى "الكتاب النبوي" ولم يحكم بصحة هذه الكتب إلا في مجمع لوديسيا سنة ٣٦٤.
انقطاع السند في نسبتها لكاتبيها:
فقبل سنة ٣٦٤ لم يعترف بصحة هذه الرسائل السبع، وقبل سنة ٣٢٥ لم تكن الكتب كلها معروفة أو مختصة بذلك التقديس. وآخر كتاب من هذه الكتب كتب في القرن الأول، فبين آخر كتبهم تدويناً في زعمهم، ومعرفته والاعتراف به أكثر من خمس وعشرين سنة ومائتين لا راوي برويها، وقد وقع بهم من الأحداث في هذه المدة ما يذهب باللب ويضيع الرشد، وينسي المرء معه كل شيء، وإن الكتب نفسها لم تسلم من الاضطهاد. فقد أصدر أحد أباطرة الروم سنة ٣٠٣ أمراً بهدم الكنائس وإحراق الكتب، وعدم اجتماع المسيحيين لأداء عباداتهم، فتفذ الولاة الأمر، فهدموا الكنائس، وحرقوا الكتب، وأتوا على كل ما للمسيحيين من بيوت عبادة وكتب، هدماً وتحريقاً، ومن سبق إلى ظنهم إنه أخفى كتاباً عذبوه عذاباً شديداً، حتى يعلنه فيحرق.
ومن قبل ومن بعد أنزلوا البلاء بعلمائهم، فما تركوا عالماً منهم بالديانة إلا قتلوه، وكان الولاة يتفننون في طرق إبادة المسيحية من الوجود، أبادوا العلماء حتى لا يوجد من يرشد إليها، ويتوارث العلم بها، وأبادوا الكتب حتى لا تحفظ تلك الديانة في الصدور أو السطور.
ولا شك أن ذلك الاضطهاد الذي دام إلى صدر القرن الرابع يجعل الكتب التي رويت قبل ذلك موضع شك في نسبتها إلى قائليها، حتى يقوم دليل على صحة تلك النسبة، ولم يقيموا أي دليل، لأن السند منقطع بينها وبين من تنسب إليهم، والحبل بينهم وبينها غير متصل بأوهى أنواع الاتصال، لأن السند المتصل الذي يطمئن معه القارئ لكتاب، فيغلب على ظنه إنه صادق النسبة إن نسب إليه، هو أن يروى ثقة عن ثقة مثله حتى يصل السند إلى من لقي المؤلف فيقول: سمعته منه أو تلقيته عنه،
стр. 90
أو قرأته عليه كما ترى في أحاديث رسول الله ﷺ . ويكون كل راو من تلك السلسلة المتصلة حلقاتها عدلاً ثقة، ضابطاً حافظاً، وإذا كان السند غير متصل بين ذيوع هذه الكتب واشتهارها، وبين قائليها، فقد ذاعت بعد سنة ٣٦٤، ومن نسبت إليهم كتابتها كانوا في وسط وآخر القرن الأول، فالعقل يتشكك في هذه النسبة، ولا يثبت مع الشك كتاب يكون حجة لديانة.
هذه كتبهم، اعتقدوا إنها كتبت بإلهام من كتابها، ولم يقيموا أي دليل على دعوى الإلهام، وبدراستها يتبين التناقض بينها، مما يثبت إنها ليست بإلهام من الله، وبدراسة تاريخها يثبت إنها منقطعة السند عمن نسبت إليهم.
موازنة قس بين أحاديث الرسول وكتبهم من حيث الرواية:
٦٠- ولقد جرؤ قس اسمه إبراهيم سعيد في شرحه لإنجيل لوقا، فعقد موازنة بين روايته، ورواية أحاديث رسول الله ﷺ ، فقال: "إن الذي يطالع ديباجة بشارة لوقا يستعيد إلى ذاكرته ديباجة الأحاديث في الإسلام، غير إنه إذا تشابهت الديباجتان في بعض الأوجه، فإن أوجه الخلاف تفوق بكثير أوجه الشبه، فمن أوجه الشبه:
(أ) أن بشارة لوقا والأحاديث كلاهما ترجمة حياة، وأقوال مؤسس لدين واسع الانتشار.
(ب) إن الذين كتبوها أخذوها من أقوال مسلمة إليهم.
إلى هنا فقط تنتهي أوجه الشبه، أو تبتدئ زاوية الانفراج تتسع إلى أن تختفي خطوطها مع رسوم الأبد.
(أ) فالأحاديث النبوية كتبها أناس أخذوها عن أناس آخرين، وهؤلاء الآخرون أخذوها عن التابعين، وهؤلاء أخذوها عن الصحابة، والتبر متى تنقل بين الأيدي الكثيرة أمتزج بكثير من التراب، أن لم يتحول تراباً، ولكن لوقا أخذها عن شهود عيان ممن رأوا المسيح، وخدموا إنجيله.
(ب) نقلت الأحاديث النبوية عن رواة، وما إنه الأخبار إلا رواتها لكن سيرة المسيح سجلها مؤرخون محققون للأمور المتيقنة عندهم.
стр. 91
(جـ) كانت مهمة كتبة سيرة نبي الإسلام جمع الأحاديث وتكديسها، لكي يظفروا بأكبر عدد ممكن، وكانت مهمة لوقا التمحيص العلمي، إذ كان هو طبيباً عملياً، علمياً دقيقاً.
بيان ما في كلامه من زيف:
٦١- هذا نص ما كتبه ذلك القس في الموازنة بين أحاديث الرسول ﷺ وإنجيل لوقا، ونحن نقره في أن أوجه الاختلاف تنفرج زاويتها، حتى لا يتلاقى المتشابهان بعدها، وأن شئت الحق الخالص من كل تمويه، والصدق الخالي من كل تزوير فقل إنه لا تشابه بينهما، كخطين متوازيين لم يتلاقيا، ولن يتلاقيا قط.
ولكن أذلك الاختلاف يعلى الأحاديث أم يعلى البشارة المنسوبة للوقا؟ هنا نختلف مع القس. فهو يزعم أن ذلك الاختلاف يعلى بشارة لوقا، وبفقد الثقة أحاديث الرسول، وهو لكي يؤيد هذا الزعم يأتي بالمحاسن فيسميها مساوئ، ويعرض لما يوجب الثقة، فيزعمه دليل نقيضها، وهو في هذا كمن يزعم قبح الشمس في نورها الرائع، وضوئها الساطع، وقبح القمر في صفائه، وانبلاجه في ظلمة الليل البهيم، ثم يستعين في تقبيح المحاسن إلى التشبيهات والأخيلة والرموز، كشأن المموهين دائماً، عندما يحاولون طمس المعقول ورد المقبول. ومعارضة ما تنتجه بدائه العقول، والمنطق المستقيم.
يقول أن الأحاديث كتبها ناس عن ناس حتى يصلوا إلى التابعين، فالصحابة، وبشارة لزقا أخذها عن شهود عاينوا، ويرى أن رواية بشارة لوقا هي المثلى، ورواية الأحاديث ليست المثلى. ويستدل على ذلك بأن التبر متى تنقل بين الأيدي أمتزج بالتراب أو تحول إلى تراب، فأي دليل هذا؟ ومن أي أبواب الأقيسة المنطقية، ومن أي أشكالها؟ أن ذلك ليس من المنطق في شيء، ولا يمت إليه بنسب، بل لا نستطيع أن نقول أن ذلك قياس خطابي، لأن الأقيسة الخطابية، وإن كانت ظنية لا تناقض العقل، ولا تكذب على البدائه، ولكنا مع ذلك نناقش ذلك الاستدلال.
إن أحاديث الرسول رويت بسند متصل، وذلك عيبها في زعم هذا الكاتب، وبشارة لوقا لم ترو بسند متصل، وذلك حسنها، وإذا قال لك
стр. 92
قائل: أين ما تثبت به إنه روى عن شهود عاينوا، ومن هم هؤلاء الذين عاينوا وأخبروه؟ ولماذا لم يتولوا هم التدوين، وهم أولى بذلك، وكلامهم أحرى بالتصديق، فلا جواب عنده بلا ريب.
فأيتها العقول المستقيمة، أي الخبرين أحرى بالقبول، خبر من ذكر إنه روى عن فلان العدل المعروف بالصدق والتقوى، وعينه، وعدالته مشهورة، وصدقه معروف، أم خبر من ذكر لك إنه روى عمن عاين ولم يبين من هو، ولم يخبر عنه؟ فلم نعرف أهو ثقة مقبول الرواية أم هو غير ثقة كيهوذا الأسخريوطي؟ إن أقصى ما يقال هو أن لوقا نقل عن بولس، لأنه كان رفيقاً له في بعض أسفاره، ولكن بولس نفسه لم يكن من تلاميذ المسيح الذين عاينوا وشاهدوا بل كان في صدر حياته حرباً عليهم وألباً، أذاقهم البلاء اكؤساً، والشر ألواناً، فهو راو يحتاج إلى من يوثقه، إن أدعى أن لوقا روى عنه، وذلك ما لم يقله حضرة القس.
ولننتقل إلى مناقشة تشبيه الذي ذكره دليلاً: أن التبر إذا انتقل إلى أيد تستطيع صيانته وحياطته - تحفظه من التراب، وتصونه من الاختلاط به وتميط عنه كل ما يخالط جوهره، فيزداد بهذا الحفظ بريقاً وصفاء، أن أحاديث الرسول نقلها ثقات صانوها وحفظوها، ولكن يظهر أن القس يأبى في مناقشته إلا أن يخالف كل معقول، حتى يكون كل كلامه متفقاً مع الباعث عليه والداعي إليه، فيزعم أن التبر قد يتحول إلى تراب إذا تناقلته الأيدي.
فأيها الناس، ويأيها العرب والعجم، ويأيها الشرق، ويأيها الغرب هل علمتم أن الذهب يتحول إلى تراب، ولكن القس المرشد الرشيد يقول ذلك فصدقوه وكذبوا العقل والحس والمشاهدة.
ثم من الذي روى لنا تلك البشارة عن لوقا؟ أن السند يجب أن يكون معروفاً حتى لوقا، قبل أن نتعرف النسبة بين لوقا والمسيح، أن بشارة بوقا كتبت كما يزعم النصارى في العشرة السابعة بعد المسيح من غير أن يعينوا الزمن تعييناً دقيقاً، ولكن لم يرد في التاريخ، ولا على ألسنة الرؤساء والقسيسين أي ذكر لها إلى سنة ٢٠٠ ثم ذكرت الأناجيل الأربعة على سلن اثنين من العلماء فقط من سنة ٢٠٠ إلى سنة ٣٢٥، ولم نعرف أهذه الأناجيل المدونة المسطورة الآن هي التي جاء ذكرها على لسان
стр. 93
عالمين من علمائهم في فترة من التاريخ قدرها خمس وعشرون سنة وثلاثمائة، وهي فترة طويلة.
ولكن مع كل هذا يستحسن القس إبراهيم سعيد تلك الحال، فقد زينت له فرآها الأمر الحسن الجدير بالثقة. ورأى غيرها الأمر القبيح الجدير بالرد. وهل نطالب ذا رمد أن يفتح عينية في ضوء الشمس، أو نطالب من فقد حاسة الشم أن يدرك أريج الزهر، وعرف الطيب، أو نطالب من أيفت منه المشاعر أن يكون صادق الحس دقيق الشعور.
٦٢- ولننتقل إلى الفرق الثاني الذي ذكره معلياً لبشارته، ومنزلاً بأحاديث نبيناً ﵊ يقول: فقلت الأحاديث عن طريق رواة، وما آفة الأخبار إلا رواتها، أما سيرة المسيح فقد سجلها مؤرخون محققون للأمور المتيقنة عندهم.
هذا ما ذكره بنصه تقريباً، وهو يبين أرجحية أخبار أناجيله عن سيرة المسيح بأنها رواها التاريخ، أما عن السنة فراوية رواة، وآفة الأخبار رواتها، ولا نريد مناقشة تلك الكلمة العامية التافهة "آفة الأخبار رواتها" فإنها لا تصلح مقدمة لدليل علمي، ولو أن طالباً ممن تلقوا العلم عليما قالها لعركنا أذنه وأسررنا إليه أن رواة الأخبار الذين هم آفاتها إنما هم الكاذبون، وأما الصادقون العادلون، فليسوا آفاتها بل حملتها، وإلا ما صحت شهادة، ولا قبل القضاء بينات، ولا ثبتت حقوق، ولا أدين منهم، ولا برئ بريء.
ثم يقول إن أناجيله سجلها مؤرخون محققون، فكيف نسميهم؟ أرواة رووا عن غيرهم؟ إن كانوا كذلك، فقد سجل على سيرته ما عنده قبيحاً عند غيره، وإن كانوا مؤرخين لم يتعرفوه بطريق الرواية، بل بالنقش على الأحجار، أو فيما استبطنته بطون الآثار، فأي أثر هذا وجدوا تلك الأناجيل منقوشة عليه، ومدونة فيه، وأثبت التحقيق العلمي أنها ترجع إلى عصر المسيح، وإنه هو الذي ألقاها، أو أن تلاميذه دونوها عنه؟.
إن أخبار التاريخ تثبت بأحد أمرين، أما بالرواة يروون، أو بالآثار ينقبون فيها، ويتعرفونها منها، لم تثبت الأناجيل بواحد من الأمرين، فليست ثمة رواية لها ولا رواة، وهم ينزهونها عن ذلك، ولا آثار تنطق
стр. 94
بها، وتعلن خبرها فهي إذن يرفضها التاريخ، ولا يمكن أن يسجلها مؤرخون محققون قط، وإن التاريخ لا يعرف لها ذكراً إلا من مجمع نيقية أو بعده. فهي مسندة إلى ثمانية عشر وثلاثمائة اجتمعوا في نيقية، وليست محققة النصبة لغيرهم بل بعضها ليس محقق النسبة عندهم، وبين هؤلاء وبين المسيح خمس وعشرون سنة وثلاثمائة!! وبعد هؤلاء المجتمعين تناقلها الرواة عنهم، وأن أغضب ذلك حضرة القس، وأن ذلك المجمع لنا فيه كلام، سنقوله في موضعه.
٦٣- ولننتقل إلى مناقشة الفرق الثالث الذي قلنه رافعاً مؤرخيه إلى مرتبة الثقة، يقول: كما كانت مهمة كتبه سيرة النبي ﷺ الجمع، ليظفروا بأكبر عدد من الأحاديث. وأما مهمة لوقا، فقد كانت التحقيق والتمحيص، وهنا نرى القس أخذ يجد بعد الهزل، ويقول بعد الهذر، ولكنه إذ ابتدأ يجد قد كذب وأعظم الفرية على أحاديث نبينا، وأدعى على بشارة لوقا ما ليس فيها، فأي تحقيق علمي فيها، وأي تمحيص اشتملت عليه؟ إنها لا تفترق عن غيرها من حيث اشتمالها على أمور غريبة، وأشياء عجيبة، ولم يبين لنا رأيه فيها، بل كان قاصاً ككل القصاص، ولا يرفعها إنه كان طبيباً، لأن نسبتها إليه موضع شك كبير، ولم يتفق الكتاب على شخصه كما بينا، ولم يتفقوا على أنه كان طبيباً، بل منهم من قال إ، هـ كان مصوراً، وعلى ذلك تكون دعواه التمحيص في بشارة لوقا لا تؤيدها ما دون فيها، ولا تؤيدها نسبتها إلى لوقا.
ولننتقل بعد ذلك إلى رد افترائه، وكذبه على أحاديث النبي ﷺ ، فإن المطلع على أخبار رواتها العدول، وما كتب في صحاحهم يتبين له إنهم ما كان همهم الجمع، بل كان همهم التنقيب والبحث فإنهم ما كانوا يروون كل ما يتلقون، بل يختارون الصادق مما يتلقون، وإن الذي يرفضون كلن أضعاف ما يقبلون وينقلون، لأنهم كانوا يتحرون الصدق ليتميز الخبيث من الطيب، وإن الصحابة كانوا يتهمون من يكثر من الرواية خشية أن يخبر عن الرسول بغير ما رأى وشاهد، فكيف يقول ذلك الرجل على غير علم، أو محرفاً الكلم عن مواضعه: "إن رواة الأحاديث كان همهم الجمع"، كلا إنهم كانوا ينقدون ما يروون، ينقدون السند أولاً، فلا يقبلون إلا من الرواة الذين أشتهر صدقهم وضبطهم وفهمهم
стр. 95
لما يحملون ويروون، وينقدون متن الحديث، فيعرضونه على الكتاب وما أشتهر من السنة واستفاضت به الأخبار، وما علم من هذا الدين بالضرورة فإن لم يخالفها بعد أن روى بسند متصل مكون من عدول كان مقبولاً، وإلا كان مردوداً، ونريد أن نهمس في أذن حضرة القس الرشيد بأن من أسباب ردهم لبعض الأحاديث ورفض نسبتها إلى الرسول ﵊ عدم موافقتها للعقل، فهل له أن يطبق ذلك النقد على أناجيله ورسائله؟ إنا ننصح له أن يفعل، لأنا نريد له الهدى، لا الضلال، والرشد لا الغي، وهي نية نحتسبها عند الله.
نظرة في الوحي في الإسلام والوحي في المسيحية:
٦٤- نريد أن نختم مناقشتنا لذلك القسيس بمناقشة كلمة ذكرها: وهي التفرقة بين الوحي في الإسلام والوحي في المسيحية. فيقول عن الوحي في الإسلام: "أن الوحي في الإسلام هو التجرد عن كل شيء إنساني، وتلاوة ما يسمونه اللوح المحفوظ، ولكن الوحي في المسيحية يجمع بين العنصر البشري والعنصر الإلهي، أي الملهمات الإلهية تتجسد في لباس لغوي بشري، لتكون مفهومة لدى الناس الذين تبلغ إليهم، فالكلمة المعلنة المكتوبة في الإنجيل هي رمز لكلمة الله، الوحي المعلن لنا حق الله.
من أجل هذا يعتقد المسيحيون أن الوحي بالروح القدس لا يحرم على الموحي إليهم استخدام الوسائل البشرية الاجتهادية الممكنة لديهم ولا يرفع من الكاتب مسئولية الاجتهاد، والتحقيق والتدقيق، هذا بخلاف الإعلانات المحتوى عليها كتاب الوحي التي لا تتدخل فيها مواهب الكاتب الطبيعية، بل هي من الله أولاً وأخراً، كالنبوات المتفرقة في كل أجزاء الكتاب المقدس، وسفر الرؤيا".
معنى الوحي:
هذه كلمته، ونريد قبل أن نتعرف من تلك الكلمة معنى الوحي في كتبهم أن نسارع إلى بيان وحي الله لنبيه ﷺ في الإسلام فنقول: إن وحي الله تعالى لنبيه ﷺ قسمان: قسم يوحى به على إنه كلام الله تعالت كلماته، ولهذا يكون المعنى والتعبير لله جلت قدرته، وذلك كما في القرآن الكريم الذي نزل به الروح الأمين.
стр. 96
القسم الثاني، الأمور الشرعية التي كان يوحي الله بها إلى النبي ﷺ ليبينها للناس، فالمعنى فيها بوحي من الله تعالى والعبارة فيها للنبي ﷺ .
وإذن فكلامه عن الوحي في الإسلام لم يكن صحيحاً في عمومه، وكان عليه أن يتحرى قبل أن يكتب، ولكنه لن يفعل.
ولننتقل إلى الوحي بالكتب عندهم، وهذا ما نريد أن نأخذ العلم به عنه، وعساه يهدينا إلى ما نعرف به محض الحق المبين.
هو يقول إن كلمات الإنجيل ليست هي كلمات الروح القدس، التي ألهمها رسلهم، سواء في ذلك كل كتبهم، فالعبارة فيها للكاتب، وليست الروح القدس الذي يلهم رسلهم بما يكتبون فيما يزعمون، ثم تنقسم كتبهم بعد ذلك إلى قسمين: قسم هو وحي لا تدخل فيه المواهب الطبيعية بالتصرف فيه بأي نوع من أنواع التصرف، وهو ما يسمى بالنبوات عندهم. والقسم الثاني تتصرف فيه مواهب الكاتب، وفي هذا القسم لا يرفع عن الكاتب ما يوجبه عليه التحقيق والتدقيق والاجتهاد.
ونظرة فاحصة إلى هذا القول ترينا أن الإلهام قد أخذ يضؤل أمره، وتتواضع دعواه، خصوصاً بالنسبة للأناجيل، لأنها ليست بكتب نبوة كالرؤيا، ولم يتخللها كلام الله، كنا يفعل بولس في رسائله، إذ كان يزعم أحياناً إنه يتكلم عن الله، وأحياناً يقول إنه يتكلم من عنده، فالأناجيل ليست فيها إذن تلك النبوات، وعلى ذلك يكون للمواهب الطبيعية البشرية دخل في كتابتها، ويتحملون تبعة الاجتهاد فيها والتدقيق والتمحيص. ومن يتحمل تبعة عمل ينسب إليه. وعلى ذلك قد يتوارد الخطأ على اجتهادهم وتدقيقهم وتمحيصهم، فيكون من أخبارهم ما صادف التحقيق فيه الصواب، وما عرض له الخطأ، وكيف تكون بعد ذلك بإلهام أو وحي؟ وكيف تكون مقدسة لا يأتيها الباطل من يديها ولا من خلفها؟ وإذن فقد أتوا على دعوى الإلهام بالنقض فلا إلهام في الأناجيل إذن.
هذه كلمتنا في كتبهم تحرينا فيها أن نكتبها كما كتبها المسيحيون، ونوجه من النقد ما وجهوا، وذلك لكي ننصف القوم.
ولقد القينا عليها نظرة فاحصة لنوائم بين أخبارها المختلفة، ونجمع
стр. 97
بين الأقوال المتضاربة، ونشير إلى حكم العقل المستقيم عليها، أهي صالحة لأن تكون مصدر دين بتدين به ألوف من البشر وأهل العلم، أم غير صالحة؟.
إن كتاب كل دين هو الأصل والدعامة والأساس، فإذا كان غير صحيح السند، أو غير مقبول لدى العقول كان ثبوت الدين فيه نظر، بل إنه انهار، وفقد أصله، ولم يعد شيئاً في الأديان مذكوراً.
ولننتقل بعد ذلك إلى عقيدة المسيحيين، وبعض شرائعهم كما جاءت بها تلك الكتب التي علمت أمرها.
стр. 98
النصرانية كما هي عند النصارى وفي كتبهم
العقيدة:
٦٥- جاء في كتاب سوسنة سليمان، لنوفل بن نعمة الله بن جرجس النصراني أن "عقيدة النصارى التي لا تختلف بالنسبة لها الكنائس، وهي أصل الدستور الذي بينه المجمع النيقاوى هي الإيمان بإله واحد أب واحد، ضابط واحد، خالق السماء والأرض، كل ما يرى وما لا يرى، وبرب واحد، يسوع الابن الوحيد المولود من الأب قبل الدهور من نور الله. إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساو للأب في الجوهر، الذي به كان كل شيء والذي من أجلنا نحن البشر، ومن أجل خطايانا نزل من السماء، وتجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء تأنس، وصلب عنا على عهد بيلاطس، وتألم وقبر، وقام من الأموات في اليوم الثالث على ما كتب. وصعد إلى السماء وجلس على يمين الرب، وسيأتي بمجد، ليدين الأحياء والأموات، ولا فناء لملكه، والإيمان بالروح القدس الرب المحيي المنبثق من الأب، الذي هو مع الابن يسجد له، ويمجد، الناطق بالأنبياء".
هذا هو جوهر العقيدة ولبها الذي لا اختلاف فيه، وفي هذا الكلام إيهام يحتاج إلى فضل بيان، وإنا مستعينون في توضيحه بما كتبوه هم، حتى لا نزيد عليهم بقول، ولا نفرض عليهم فهمنا، ولكي نكون صادقي الحكاية لكل أقوالهم من غير أي تحريف، والذي يستفاد من هذا أن أساس العقيدة يقوم على ثلاثة عناصر:
العنصر الأول: التثليث والإيمان بثلاثة أقانيم.
والعنصر الثاني: صلب المسيح فداء عن الخليقة وقيامه من قبره، ورفعه.
والعنصر الثالث: إنه يدين الأحياء والأموات.
ولنتكلم عن كل واحد من هذه العناصر.
стр. 99
عقيدة التثليث:
٦٦- قال الدكتور بوست في تاريخ الكتاب المقدس: "طبيعة الله عبارة عن ثلاثة أقانيم متساوية: الله الأب، والله الابن، والله الروح القدس، فإلى الأب ينتمي الخلق بواسطة الابن، وإلى الابن الفداء، وإلى الروح القدس التطهير".
ويفهم من هذا أن الأقانيم الثلاثة عناصر متلازمة لذات الخالق.
التوراة والتثليث:
وقد فسر هذا المعنى القس بوطر في رسالة صغيرة، سماها الأصول والفروع، وإليك ما جاء فيها: "بعد ما خلق الله العالم، وتوج خليقته بالإنسان لبث حبنا من الدهر لا يعلن له سوى ما يختص بوحدانيته، كما يتبين ذلك من التوراة، على إنه لا يزال المدقق يرى بين سطورها إشارات وراء الوحدانية، لأنك إذا قرأت فيها بإمعان تجد هذه العبارات:
"كلمة الله، أو حكمة الله، أو روح القدس" ولم يعلم من نزلت عليهم التوراة ما تكنه هذه الكلمات من المعاني، لأنه لم يكن قد أتى الوقت المعين الذي قصد الله فيه إيضاحها على وجه الكمال والتفصيل، ومع ذلك فمن يقرأ التوراة في ضوء الإنجيل يقف على المعنى المراد، إذ يجدها تشير إلى أقانيم في اللاهوت. " ثم لما جاء المسيح إلى العالم أرانا بتعاليمه وأعماله المدونة في الإنجيل أن له نسبة سرية أزلية إلى الله، تفوق الإدراك، ونراه مسمى في أسفار اليهود: "كلمة الله" وهي ذات العبارة المعلنة في التوراة، ثم صعد إلى السماء أرسل روحاً، ليسكن بين المؤمنين، وقد نبين أن لهذا الروح أيضاً نسبة أزلية إلى الله فائقة، كما للابن، ويسمى الروح القدس، وسر ذات العبارة المعلنة في التوراة كما ذكرنا، ومما تقدم نعلم بجلاء أن المسمى بكلمة الله والمسمى بروح الله في نصوص التوراة هما المسيح والروح القدس المذكوران في الإنجيل، فما لمحت إليه التوراة صرح به الإنجيل كل التصريح، وإن وحدة الجوهر لا يناقضها تعدد الأقانيم، وكل من أنار الله ذهنه وفتح قلبه فهم الكتاب المقدس لا يقدر أن يفسر الكلمة بمجرد أمر من الله أو قول مفرد، ولا يفسر الروح بالقوة التأثيرية، بل لابد له أن يعلم أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم متساوين في الكمالات الإلهية، وممتازين
стр. 100
في الاسم والعمل، والكلمة والروح القدس اثنان منهم، ويدعى الأقنوم الأول الأب ويظهر من هذه التسمية إنه مصدر كل الأشياء ومرجعها، وأن نسبته للكلمة ليست صورية بل شخصية حقيقة، وبمثل للإلهام محبته الفائقة، وحكمته الرائعة، ويدعى الأقنوم الثاني الكلمة، لأنه يعلن مشيئته بعبارة وافية، وإنه وسط المخابرة بين الله والناس، ويدعى أيضاً الابن، لأنه يمثل العقل نسبة المحبة، والوحدة بينه وبين أبيه، وطاعته الكاملة لمشيئته، والتمييز بين نسبته هو إلى أبيه، ونسبة كل الأشياء إليه، ويدعى الأقنوم الثالث الروح القدس، الدلالة على النسبة بينه وبين الأب والابن، وعلى علمه في تنوير أرواح البشر، وحثهم على طاعته".
الابن لا يعني به الولادة البشرية:
وبناء على ما تقدم يظهر جلياً أن عبارة الابن لا تشير كما فهم بعضهم خطأ إلى ولادة بشرية، ولكنها تصف سرية فائقة بين أقنوم وآخر في اللاهوت الواحد، وإذا أراد الله أن يفهمنا تلك النسبة لم تكن عبارة أنسب من الابن للدلالة على المحبة والوحدة في الذات، والأمانة للمشورة الإلهية، وأما من حيث الولادة البشرية فالله منزه عنها، لأجل هذه الإيضاحات علم خدام الدين المسيحي واللاهوتيون حسب ما قررته الكلمة الإلهية أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم، حسب نص الكلمة الأزلية، ولكل منهم عمل خاص في البشر أ. هـ. بنصه تقريباً.
ونجد كاتب هذا الكلام يحاول ثلاث محاولات:
أولاها: إثبات أن التوراة وجد فيها أصل التثليث، لوحت به ولم تصرح، وأشارت إليه، ولم توضح.
وثانيها: أن في اللاهوت ثلاثة أقانيم، وهي في شعبها متغايرة وأن كانت في جوهرها غير متغايرة.
وثالثها: إن العلاقة بين الأب والابن ليست ولادة بشرية، بل هي علاقة المحبة والإتحاد في الجوهر.
ولقد كان بيان ذلك المعنى أوضح من هذا البيان في قول القس إبراهيم سعيد في تفسير بشارة لوقا، فقد جاء فيه تفسير معنى كلمة ابن العلى
стр. 101
التي جاءت في إنجيل لوقا ما نصه: "يليق أن نوضح بكلمات موجزة المعنى المراد" "بابن العلي" أو "ابن الله" علم يقصد بها ولادة طبيعية دانية من الله وإلا لقيل ولد الله، ولم يقصد بها ما يقال عادة عن المؤمنين جميعاً إنهم أبناء الله، لأن نسبة المسيح لله هي غير نسبة المؤمنين عامة الله، ولم يقصد بها تفرقة في المقام من حيث الكبر والصغر ولا الزمنية ولا في الجوهر، لكنه تعبير يكشف لنا عمق المحبة السرية التي بين المسيح والله، وهي محبة متبادلة، وما المحبة التي بين الأب والابن الطبيعيين سوى أثر من آثارها، وشعاع ضئيل من بهاء أنوارها، ويراد بها إظهار المسيح لنا إنه الشخص الوحيد الذي جاز رضا الله، وأطاع وصاياه، فقبل الموت موت الصليب، لذلك يقول الله فيه: "هذا ابني الحبيب الذي به سررت، له اسمعوا" وقد تكررت هذه العبارة عدة مرات مدة خدمة المسيح على الأرض لأنه تمم إرادة الله في الفداء، ويراد بها إظهار التشابه والتماثل في الذات، وفي الصفات وفي الجوهر، كما يكون بين الأب والابن الطبيعيين، فقيل عن المسيح إنه بهاء مجد الله، ورسم جوهره، وقال هو عن نفسه: من رآني فقد رأى الأب، إنا والأب واحد، ويراد بها دوام شخصية المسيح باعتباره الوارث لكل شيء الذي منه وبه له كل الأشياء، وقد يراد بها معان كثيرة غير معدودة بقصر دون إدراكها العقل".
الثالوث أشخاص متغايرة، وإن كان وجودها متلازماً:
٦٧- وفي هذا التفسير، والتفسير الذي سبقه يبدو بجلاء أن شخصية الابن غير الأب، وكذلك روح القدس، ولمن هل يدخل في الأقنوم الثاني جسده وروحه؟ جاء في كتاب خلاصة تاريخ المسيحية في مصر: "كنيستنا المستقيمة الرأي التي تسلمت إيمانها من كيرلس وديسقوروس. ومعها الكنائس: الحبشية، والأرمنية والسريانية والأرثوذكسية تعتقد أن الله ذات واحدة مثلثة الأقانيم. أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الروح القدس، وأن الأقنوم الثاني أي أقنوم الابن تجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء، مصيراً هذا الجسد معه واحداً وحدة ذاتية جوهريي منزهة عن الاختلاط والامتزاج والاستحالة، بريئة من الانفصال، وبهذا الإتحاد صار الابن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين، ومشيئة واحدة".
стр. 102
وتعتقد الكنيسة اليونانية الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية بأن للأقنوم الثاني طبيعتين ومشيئتين، ومن هذا نرى أن الكنائس كلها تعتقد التثليث، وهذا هو موضع اتفاق. ولكن موضع الخلاف بينها هو العنصر الإلهي في المسيح، أهو الجسد الذي تكون من الروح القدس ومن مريم العذراء الذي باختلاطه بالعنصر الإلهي صار طبيعة واحدة ومشيئة واحدة أم أن الأقنوم الثاني له طبيعتان ومشيئتان؟.
٦٨- ومن هذا كله يفهم أن المسيحيين على اختلافهم يعتقدون أن في اللاهوت ثلاثة يعبدون، وعباراتهم تفيد بمقتضاها إنهم متغايرون وإن اتحدوا في الجوهر والقدم، والصفات، والتشابه بينهم كامل، ولكن كتابهم يحاولون أن يجعلوهم جميعاً أقانيم لشيء واحد، وبعبارة صريحة يحاولون الجمع بين التثليث والوحدانية، ولكن عند هذه المحاولة تستغلق فكرة التثليث، وتصير بعيدة عن القصور، كما هي في ذاتها مستحيلة التصديق، وإن كتابهم أنفسهم يعتقدون أنها بعيدة التصور عند هذه المحاولة، لأن من أصعب الأشياء الجمع بين الوحدانية والتثليث.
فنرى صاحب رسالة الأصول والفروع بعد بيان عقيدة التثليث، يقول: "قد فهمنا ذلك على قدر طاقة عقولنا، ونرجو أن نفهمه فهماً أكثر جلاء في المستقبل، حين ينكشف لنا الحجاب عن كل ما في السموات وما في الأرض، وأما في الوقت الحاضر ففي القدر الذي فهمناه كفاية" أي أن عقيدة التثليث لا يمكن أن تنكشف للنفس على وجهها إلا يوم تتجلى كل الأشياء لها يوم القيامة، وذلك حق، فإنهم لا يعلمون حقيقتها إلا يوم يحاسبهم الله عليها.
لماذا يحاولون الجمع بين الوحدانية والتثليث:
ولماذا شغف النصارى بذكر التوحيد بجوار التثليث، أو على الأقل يجتهد بعضهم في بيان إنه لا منافاة بينهما؟ لعل الذي يدفعهم إلى ذلك هو اعتبارهم التوراة كتاباً مقدساً عندهم، وهي تصرح بالتوحيد، وتدعو إليه، وتحث عليه، وتنهي عن الشرك بمل شعبه، وكل أحواله، بل تدعو إلى البراءة من المشركين أينما كانوا، وحيثما تقفوا.
стр. 103
فهم يجتهدون أولاً في أن يستنبطوا من نصوصها ما يحملونه على الإشارة إلى التثليث، كعبارة "كلمة الله" أو عبارة "روح القدس".
وثانياً: يحاولون أن يرجعوا التثليث إلى الوحدانية، لتلتقي التوراة مع الإنجيل فيقربوا التوراة إليهم بتحميل عباراتها ما لا تحتمل، ويقربوا عقائدهم من التوراة بتضمين ثالوثهم معنى التوحيد، وإن كان هو أيضاً لا يحتمل ذلك، ولعل ذلك تتميم للفلسفة الرومانية التي كانت تحاول الجمع بين مسيحية المسيح ﵇، ووثنية الرومان، وتوراة اليهود بما تحمل من وحدانية ظاهرة لا شبة فيها، إلا التجسيد، لو ما يوهمه في بعض عباراتها.
٦٩- ولقد يجتهد كتاب المسيحية في إثبات أن عقيدة التثليث وأُلوهية المسيح قد وردت بها كتبهم المقدسة، ويسندونها إلى آياتها، سواء أكانت من كتب العهد القديم، أم من كتب العهد الجديد، فيقول صاحب كتاب الأصول والفروع: "أما لآيات الإلهية التي تثبت لاهوت المسيح فهي كثيرة جداً، ولضيق المقام نكتفي باقتباس شيء يسير، فمن أقواله تعالى بلسان أشعياء النبي: "ها العذراء تحبل، وتلد ابناً، وتدعو اسمه عمانوئيل (أي الله معنا) " وقوله: "كأنه يولد لنا ولد ونعطي أبناً، وتكون الرياسة على كتفه: ويدعى اسمه عجيباً، مشيراً إلها قديراً، أبا أبدياً رئيس السلام": أشعيا ٧: ٩٤ و٩: ٦ -.
وعند عماده وتجليه على الجيل شهد له الله من السماء بصوت مسموع قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت" متى ٣: ١٨ و١٧، ص ٥.
ويشهد له يوحنا الرسول قائلاً: في البدء كان كلمة والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله ... كل شيء به كان. وبغيره لم يكن شيء، والكلمة صار جسداً، وحل بيننا، ورأينا مجده مجداً، كما للوحيد من الأب مملوءا نعمة وحقاً. يوحنا ١: ١و ٣و ٤.
وقال المسيح نفسه: أنا والأب واحد، يوحنا ١٠: ٣٠، وقال له أحد تلاميذه: "ربي وإلهي" يوحنا ٢٠: ٢٨ وقبل منه السجود. ولم يوبخه على دعوته إلهاً، ولما سأله رئيس الكهنة، وقال له: أستحلفك بالله الحي أن تقول لنا: هل أنت المسيح ابن الله؟ أجابه المسيح على الحلف: "أنا هو" قال
стр. 104
متى ٢٦: ٦٣ بمرقس ١٤: ٦٢، وحينما ركب البحر الجليل أظهر طبيعتي لاهوته وناسوته الكليتين، وذلك بينما كان نائماً هاجت الرياح، واضطربت الأمواج، فقام من النوم وأسكتها، فصار هدوء عظيم، متى ٨: ٢٣ - ٢٧ فبنومه أظهر ناسوته، وبتسكينه الأمواج والرياح أظهر لاهوته".
ويقول صاحب ذلك الكتاب في أقنوم روح القدس: "ومن حيث أقنومية الروح القدس فظاهر من كلمة الله، لأن أشعياء يقول: "ولكنهم تمردوا وأحزنوا روح قدسه، فتحول لهم عدواً، وهو حاربهم"، أشعياء ٦: ١٠.
ويقول الرسول بولس: لا تحزنوا روح الله القدس، ومن المعلوم أنه إن كان للروح قوة، أو صفة، أو شيء من الأشياء غير العاقلة لا يمكن أن يحزن، أو يفرح أبداً، فلابد أن يكون أقنوماً.
ثم نقرأ في سفر الأعمال أن الروح قال للرسول: "أفرزوا إلى برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما إليه".
وهكذا يسترسل في أمثال هذا الاستدلال إلى أن يقول: "وقيل عن أعمال الله إنها أعمال الروح هو الذي خلق العالم، ويجدد النفوس، والمولود منا مولود من الله، ويحيى أجسادنا الميتة، وهو على كل شيء قدير".
وفضلاً عما ذكر تجد في الكتاب أن الحقوق والصفات الإلهية تنسب على سواء إلى كل من الأب والابن والروح القدس.
ولكل منهم نقدم العبادة وهم متساوون ومتحدون، كما نرى في دستورية المعمودية: "عمدوا باسم الأب والابن وروح القدس". متى ١٨: ١٩، "والبركة الرسولية نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة وبركة الروح القدس مع جميعكم.
٧٠- هذه هي استدلالاتهم من كتبهم لإثبات عقيدة التثليث، والإبراء عليها، وإثبات سندها من تلك الكتب، قد أطلنا في نقلها عنهم، واقتطعناها من عباراتهم بنصها، ولم نتصرف فيها بأي نوع من أنواع التصرف في البيان خشية التزيد عليهم، وخشية أن يؤدي التصرف في التعبير إلى التغير في الفكرة، وترى إنهم لم يعتمدوا في إثبات تلك العقدية على
стр. 105
أي دليل عقلي، بل كل اعتمادهم على ما عندهم من نقل يحملونه من أثقال المعاني ما تنوء به العبارات، ولا تحتمله أبعد الإشارات، وإنهم إذا حاولوا أن يربطوا قضية التثليث بالعقل حاولوا جهد الطاقة أن يجعلوا العقل يستسيغها في تصوره، ويحسون أن العقل لا يكاد يستسيغ ذلك التصور، وقد نقلنا لك من عباراتهم ما يفيد ذلك، فارجع إليه.
وإذا كانت محاولاتهم تصور القضية قد أجهدتهم، وكلفتهم ما لا يطيقون، فكيف يستطيعون أن يجعلوا من بدائه العقل ما يحمله على تصديق ما يدعون والاقتناع بما يقولون، لذلك لم يحاولوا أن يتجهوا إلى العقل لإثبات قضيتهم من بدهياته، فإن ذلك ليس في قدرة أحد، إذ ليس في قدرة أحد من البشر جميع النقيضين في قرن، والتوفيق بين الأضداد، وقضيتهم والبدهيات العقلية نقيضان لا يجتمعان.
ونرى أن اعتمادهم على النقل لا يغني من الحق شيئاً، لأن شروط الإنتاج في استدلالهم غير مستوفاة، إذ ترى أن تلك العبارات التي عثروا عليها في كتبهم لا تفيد على وجه القطع ما يريدون، بل قد تفيد بأبعد أنواع الاحتمالات، أو باحتمال قريب، ومن المعلوم في قواعد الاستدلال أن الاحتمال إذا دخل الاستدلال أبطله، وكل أدلتهم ينفذ الاحتمال إليها من كل جانب. هذا وان الاستدلال بكتبهم يفيد من يصدقها وهي ذاتها يعروها النقد العلمي في سندها، وفي متنها من كل ناحية، فهي في ذاتها في حاجة إلى دفاع طويل لإثباتها، وقد بينا ذلك كله في موضعه من بحثنا.
صلب المسيح فداء عن الخليقة:
٧١- ولنترك الآن الحديث في عقيدة التثليث، ولكن يجب قبل تركها مؤقتاً أن نشير إلى أن التثليث لم يرد دفعة واحدة على المسيحية، بل تورد عليها شيئاً فشيئاً، إلى أن أعلن نهائياً عند غالبتهم في نهاية القرن الرابع الميلادي، وسنبين ذلك كله فضل بيان في تاريخ المجامع المسيحية، وأساب انعقادها، وقراراتها، ومدها في موضعه من هذا البحث، ولنتكلم الآن في العنصر الثاني من عناصر العقيدة المسيحية، وهو صلب المسيح فداء عن الخليقة، وقد أشرنا إليه أجمالاً من قبل.
يقولون في هذا: أن الله من صفاته المحبة، حتى لقد جاء في الكتب
стр. 106
المقدسة عندهم: "الله محبة" ومحبة الله ظهرت في تدبيره طريق الخلاص للعالم، لأن العالم من عهد سقوط آدم في الخطيئة، وهبوطه هو وبنيه إلى الدنيا، مبتعد عن الله بسبب تلك الخطيئة، ولكن الله من فرط محبته وفيض نعمته رأى أن يقربه إليه بعد هذا الابتعاد، فأرسل لهذه الغاية ابنه الوحيد إلى العالم، ليخلص العالم، وقد جاء في إنجيل لوقا: "وإن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب، ويخلص ما قد هلك" فبمحبته ورحمته قد صنع طريقاً للخلاص، لهذا كان المسيح هو الذي يكفر عن خطايا العالم، وهو الوسيط الذي وفق بين محبة الله تعالى، وبين عدله ورحمته، إذ أن مقتضى العدل أن الناس كانوا يستمرون في الابتعاد عن الله بسبب ما اقترف أبوهم، ولكن باقتران العدل بالرحمة، وبتوسط الابن الوحيد وقبوله للتكفير عن خطايا الخلق قرب الناس من الرب بعد الابتعاد، وقد كان التكفير الذي قام به المسيح هو الصلب، لهذا صلب، ورضي الله عن صلبه، وهو ابنه، ودفن بعد الصلب، ولكنه قام بعد ثلاثة أيام من قبره، ويقولون إنه كان قد أنبا بذلك قبل صلبه.
جاء في إنجيل متى في الفقرة التي بعد بيان الصلب: "اجتمع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس قائلين: يا سيد، قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي: إني بعد ثلاثة أيام أقوم، فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ليلاً، ويسرقوه، ويقولوا للشعب إنه قام من الأموات فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى، فقال لهم بيلاطس: عندكم حراس، اذهبوا، واضبطوه كما تعلمون، فمضوا وضبطوا القبر بيد أن ظهوره كان من بين تلاميذه.
وقد قام من القبر بعد ثلاثة أيام كما ذكرت أناجيلهم، ولكنها اختلفت في تفصيل القيام، فمتى ذكر إنه ظهر في الجليل، ولوقا ذكر إنه ظهر في أورشليم، ويوحنا ذكر إنه ظهر في اليهودية والجليل معاً، ومرقس بين أن ظهوره بين تلاميذه.
وقد ذكر القس إبراهيم سعيد توفيقاً بين هذا الاختلاف فقال: "أجمع البشيرون الأربعة على تقرير هذه الحقيقة. ليس المسيح في القبر، لأنه قام كما قال، لكن كلاً منهم كتب عن القيامة وظهور المسيح للتلاميذ من وجهة نظره الخاصة، متى كتب عن ظهور المسيح في الجليل، لأنه كتب
стр. 107
عن المسيح الملك، ولوقا كتب عن ظهوره في أورشليم، لأنه كتب عن المسيح مخلص جميع الأمم مبتدئاًَ من أورشليم، ويوحنا كتب عن ظهوره في اليهودية والجليل لأنه كتب عن المسيح ابن الله الأبدي صخر الدهر، ومرقس كتب عن ظهور المسيح للتلاميذ في فترات منقطعة، ليشدد عزائمهم للقيام بالخدمة التي تنتظرهم، لأنه كتب عن المسيح الذي جاء ليخدم البشرية، ويرفعها إلى مستوى الكمال. كل هذا لكي يوقع البشيرون الأربعة نعمة مشعبة متنوعة العناصر لانشودة القيامة المجيدة فلئن تنوعت روايتهم إلا أنها لا تتناقض".
وهذا أشبه بالتعلات التي لا تناقش، ولا تقوى أمام النظر المنطقي المستقيم، ولكنها تقبل في الخطابيات، فهي كالزهرة ترى وتشم، ولكن لا تعرك، وذلك لأن هذا التوفيق يقوم على قضيتين:
أحداهما: أن كل إنجيل كتب لغرض معين لا يشمل في عمومه ما كتب له الإنجيل الآخر.
وثانيهما: أن كلاً ذكر المكان الذي يتفق مع غرضه، وإذن فلا اختلاف في الخبر.
وهذا الكلام فيه نظر في مقدمته ونتيجته، وذلك لأنه لو كان متى كتب يخبر عن المسيح الملك، ولوقا عن المسيح المخلص، وهكذا لكان كل إنجيل مغايراً للأناجيل الأخرى تمام المغايرة، مبايناً له تمام المباينة، لأنه يكتب في موضوع يخالف ما يكتب فيه الآخر، وإن كان الشخص واحداً، كان يكتب كتاب عن شخص بارز في السياسة والقانون. فكانت يكتب عنه سياسياً، وآخر يكتب قانونياً فالموضوع يختلف، وإن كان الشخص متخذا، ولكنا لا نجد في الأناجيل في مجموعها ذلك التغاير، وعلى فرض تسليم تلك القضية لا نستطيع أن نسلم القضية الثانية، وهي أن الجليل يناسب المسيح الملك، وأورشليم تناسب المسيح المخلص، وهكذا. فلماذا اختصت هذه بالملك وتلك بالخلاص؟ إن ذلك التخصيص تحكم لا يعتمد على منطق، وعلى فرض صحة المقدمتين، فإن النتيجة لا تنبني عليهما، أن النتيجة اختلاف ذكر الأمكنة في حادثة معينة والشهادة بها، فأحد الشهود يقول: إنه رآه في الجليل، وآخر يشهد بوجوده بين التلاميذ في فترات متقطعة، وثالث يشهد بوجوده في أورشليم، وإذا اختلف الشهود
стр. 108
في مكان حادثة معينة كان اختلافهم سبباً للظنة في الشهادة واتهام الشهود فيها، ولئن قيل أن المسيح ظهر في الأمكنة التي ذكرت، بيد أن كلاً ذكر ما رأى، ولم يكن رآه فيها جميعاً كان الكلام مستقيماً، ولكن يكون معناه أن كل إنجيل لم يذكر حال المسيح كاملة، ويحتمل أن يكون الجميع لم يذكروها كاملة على هذا الأساس، ويكونون قد نسوا حظاً مما ذكروا به.
المسيح يدين ويحاسب:
٧٢- لم يمكث المسيح بعد قيامته هذه التي يعتقدها المسيحيون إلا أربعين يوماً، ثم ارتفع بعدها إلى السماء وجلس بجوار الرب في زعمهم، وسيأتي ليدين الناس يوم القيامة، يحاسب كل إنسان على ما فعل وقال: إن خيراً فخير، وإن شراً فشرا، وله بهذا الملك الأبدي، فلا فناء لملكه، فهم يقولون: إن الله قد أقام يوماً سيدين فيه سكان هذه الأرض بيسوع المسيح، لأن الأب في زعمهم لا يدين أحداً، بل قد أعطى ذلك للابن، فأعطاه سلطان أن يدين الإنسان، لأنه ابن الإنسان أيضاً ولابد أن يظهر الناس جميعاً أمام كرسي المسيح، لينال كل واحد جزاء ما كان قد صنع، خيراً أو شراً، هذه عقيدتهم.
فقد جاء في إنجيل يوحنا: "الحق أقول لكم، إنه تأتي ساعة، وهي الآن، حين يسمع الأموات صوت ابن الله، والسامعون يحيون، لأنه كما أن الآن له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً، لأنه ابن الإنسان، لا تعجبوا من هذا فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة: أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الأب الذي أرسلني". راجع الإصحاح الخامس.
وجاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس: "لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح، لينال كل واحد منا ما كان بالجسد، بحسب ما صنع، خيراً كان أم شراً" (راجع الإصحاح الخامس من هذه الرسالة) .
وجاء في رسالة بولس إلى أهل تسالونيكى: "إن الذين يضايقونكم
стр. 109
يجازيهم ضيقاً، وإياكم الذين تتضايقون - راحة معنا، عند استعلان الرب يسوع مع ملائكة قوته، في نار لهيب معطياً نقمته للذين لا يعرفون الله والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح الذين سيعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب، ومن مجد قوته. متى جاء ليتمجد في قدسيته، ويتعجب منه في جميع المؤمنين".
فهذه النصوص جميعها تبين بجلاء أن الذي سيحاسب الناس، ويجازيهم بما فعلوا، الخير بمثله والشر كذلك، إنما هو المسيح في نظرهم.
تقديس الصليب:
مقام الصليب في المسيحية:
٧٣- لا يرتفع تقديس الصليب إلى مرتبة العقائد السابقة، لأن تلك العقائد أساس المسيحية، أما الصليب فليس له ذلك الحظ. وإن كان شعارهم، وموضع تقديس الأكثرين، ولذا كان حمله علامة على اتباع المسيح.
جاء في إنجيل لوقا: "وقال للجميع إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني".
وحمل الصليب كما يقول كتابهم، أشعار بإنكار النفس، واقتفاء أثر المسيح في هذا الإنكار، والسير وراء مخلصهم، وتأديهم.
جاء في شرح بشارة لوقا للقس إبراهيم سعيد: "إن آثار قدمي المعلم تعين طريق خطوات التلاميذ لأنه وإن كان المسيح قد صلب عنا فقال في صلبه: "قد أكمل" لكنا قد أصبحنا بحكم صلبه عنا تحت التزام شرعي لأن نكون شركاء المسيح المتألم، إن شركتنا الشرعية مع المسيح المصلوب ينبغي أن ترافقها وتدعمها شركة اختيارية فعلية معه، إن صلب المسيح معناه مات عنا، ولكن صليب كل مؤمن معناه: "موت النفس عن الأنانية وحب الذات" وخلاصة هذه الذات هي النفس الأمارة بالسوء، هي تلك الإرادة المتمردة التي ينبغي أن نخضعها" ونستأسرها لطاعة المسيح، فقول كل واحد ليس ما أريد أنا بل ما تريد أنت يا رب، إنه من أوجب واجبات كل مسيحي أن يحمل صليبه مختاراً طائعاً لأن التعبير بحمل صليبه
стр. 110
مستعار من العادة التي قضت بها الأنظمة الرومانية على المحكوم عليه بالصلب لأن يجمله كل يوم، وهذه العبارة انفرد لوقا بذكرها، فهو صليب يتجدد كل وبم، كما تجددت الآمال والآلام في الحياة اليومية العملية، فلابد إذن لحمل الصليب من خطوة تسبقه، وخطوة تعقبه، أما الخطوة السابقة له فهي إنكار النفس، بمعنى أن يقول تلميذ المسيح لنفسه الأمارة بالسوء، لا، لأن حمل الصليب هو حمل العار مضافاً إلى ألم الموت، وهذا عمل يستلزم إنكار النفس، لأن الرومان لم ينفروا من الصليب فقط، بل فزعوا من ظله، كذلك كان شعور اليهود بأن حمل الصليب هو حمل اللعنة، لأنه مكتوب في ناموسهم: "ملعون كل من علق خشبه"، والخطوة اللاحقة لحمل الصليب بل الخطوات هي اقتفاء آثار المسيح كقوله: "ويتبعني"، إذن ليس حمل صلينا غاية لكنه وسيلة لهذه الغاية، وهي إتباع المسيح حيث "يمضي" أ. هـ.
فحمل الصليب إذن عندهم ليس غاية، وليس مقصوداً لذاته، ولكنه مقصوداً لغاية أخرى أسمى عندهم، واهي اقتفاء خطوات المسيح في إنكار الذات، والرضا بالفداء في زعمهم وإتباع تعاليمه.
عبادتهم:
٧٤- عند النصارى عبادتان: هما الصلاة، والصوم، أما الصوم فإنهم يقولون إن شرعه عليهم اختياري لا إجباري، وميقاته قد تتخالف فيه الفرق، فلنتركه إلى الكلام في الفرق والكنائس إن كان للقول متسع، ولنتكلم الآن عن صلاتهم.
والصلاة عندهم ركن من أركان الدين، وهي من زعمهم تقربهم إلى الله عن طريق المسيح.
ولقد جاء في كتاب الأصول والفروع: "إن الدين قلب مقتنع بوجود الله الخالق والحافظ والفادي، فتكون الصلاة ترجمان ذلك القلب، يعبر بها عما يخالجه من الأشواق والعواطف، فبالنظر لاقتناعه بقداسته تكون الصلاة كلمات التعظيم والتسبيح له، وبالنسبة لاقتناعه بجهوده وإحسانه تكون الصلاة عبارات الشكر والحمد، وبالنسبة لوقوعنا في الخطيئة، تكون الصلاة كلمات التذلل والتواضع والاستغفار، وبالنسبة للاحتياج إليه تعالى تكون الصلاة طلباً ودعاء".
следующие страницы →