← Общие книги

Общие книги · id 2280

محاضرات في النصرانية

محمد أبو زهرة

Полный текст (190 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

المقدسة عندهم: "الله محبة" ومحبة الله ظهرت في تدبيره طريق الخلاص للعالم، لأن العالم من عهد سقوط آدم في الخطيئة، وهبوطه هو وبنيه إلى الدنيا، مبتعد عن الله بسبب تلك الخطيئة، ولكن الله من فرط محبته وفيض نعمته رأى أن يقربه إليه بعد هذا الابتعاد، فأرسل لهذه الغاية ابنه الوحيد إلى العالم، ليخلص العالم، وقد جاء في إنجيل لوقا: "وإن ابن الإنسان قد جاء لكي يطلب، ويخلص ما قد هلك" فبمحبته ورحمته قد صنع طريقاً للخلاص، لهذا كان المسيح هو الذي يكفر عن خطايا العالم، وهو الوسيط الذي وفق بين محبة الله تعالى، وبين عدله ورحمته، إذ أن مقتضى العدل أن الناس كانوا يستمرون في الابتعاد عن الله بسبب ما اقترف أبوهم، ولكن باقتران العدل بالرحمة، وبتوسط الابن الوحيد وقبوله للتكفير عن خطايا الخلق قرب الناس من الرب بعد الابتعاد، وقد كان التكفير الذي قام به المسيح هو الصلب، لهذا صلب، ورضي الله عن صلبه، وهو ابنه، ودفن بعد الصلب، ولكنه قام بعد ثلاثة أيام من قبره، ويقولون إنه كان قد أنبا بذلك قبل صلبه. جاء في إنجيل متى في الفقرة التي بعد بيان الصلب: "اجتمع رؤساء الكهنة والفريسيون إلى بيلاطس قائلين: يا سيد، قد تذكرنا أن ذلك المضل قال وهو حي: إني بعد ثلاثة أيام أقوم، فمر بضبط القبر إلى اليوم الثالث، لئلا يأتي تلاميذه ليلاً، ويسرقوه، ويقولوا للشعب إنه قام من الأموات فتكون الضلالة الأخيرة أشر من الأولى، فقال لهم بيلاطس: عندكم حراس، اذهبوا، واضبطوه كما تعلمون، فمضوا وضبطوا القبر بيد أن ظهوره كان من بين تلاميذه. وقد قام من القبر بعد ثلاثة أيام كما ذكرت أناجيلهم، ولكنها اختلفت في تفصيل القيام، فمتى ذكر إنه ظهر في الجليل، ولوقا ذكر إنه ظهر في أورشليم، ويوحنا ذكر إنه ظهر في اليهودية والجليل معاً، ومرقس بين أن ظهوره بين تلاميذه. وقد ذكر القس إبراهيم سعيد توفيقاً بين هذا الاختلاف فقال: "أجمع البشيرون الأربعة على تقرير هذه الحقيقة. ليس المسيح في القبر، لأنه قام كما قال، لكن كلاً منهم كتب عن القيامة وظهور المسيح للتلاميذ من وجهة نظره الخاصة، متى كتب عن ظهور المسيح في الجليل، لأنه كتب

стр. 107

عن المسيح الملك، ولوقا كتب عن ظهوره في أورشليم، لأنه كتب عن المسيح مخلص جميع الأمم مبتدئاًَ من أورشليم، ويوحنا كتب عن ظهوره في اليهودية والجليل لأنه كتب عن المسيح ابن الله الأبدي صخر الدهر، ومرقس كتب عن ظهور المسيح للتلاميذ في فترات منقطعة، ليشدد عزائمهم للقيام بالخدمة التي تنتظرهم، لأنه كتب عن المسيح الذي جاء ليخدم البشرية، ويرفعها إلى مستوى الكمال. كل هذا لكي يوقع البشيرون الأربعة نعمة مشعبة متنوعة العناصر لانشودة القيامة المجيدة فلئن تنوعت روايتهم إلا أنها لا تتناقض". وهذا أشبه بالتعلات التي لا تناقش، ولا تقوى أمام النظر المنطقي المستقيم، ولكنها تقبل في الخطابيات، فهي كالزهرة ترى وتشم، ولكن لا تعرك، وذلك لأن هذا التوفيق يقوم على قضيتين: أحداهما: أن كل إنجيل كتب لغرض معين لا يشمل في عمومه ما كتب له الإنجيل الآخر. وثانيهما: أن كلاً ذكر المكان الذي يتفق مع غرضه، وإذن فلا اختلاف في الخبر. وهذا الكلام فيه نظر في مقدمته ونتيجته، وذلك لأنه لو كان متى كتب يخبر عن المسيح الملك، ولوقا عن المسيح المخلص، وهكذا لكان كل إنجيل مغايراً للأناجيل الأخرى تمام المغايرة، مبايناً له تمام المباينة، لأنه يكتب في موضوع يخالف ما يكتب فيه الآخر، وإن كان الشخص واحداً، كان يكتب كتاب عن شخص بارز في السياسة والقانون. فكانت يكتب عنه سياسياً، وآخر يكتب قانونياً فالموضوع يختلف، وإن كان الشخص متخذا، ولكنا لا نجد في الأناجيل في مجموعها ذلك التغاير، وعلى فرض تسليم تلك القضية لا نستطيع أن نسلم القضية الثانية، وهي أن الجليل يناسب المسيح الملك، وأورشليم تناسب المسيح المخلص، وهكذا. فلماذا اختصت هذه بالملك وتلك بالخلاص؟ إن ذلك التخصيص تحكم لا يعتمد على منطق، وعلى فرض صحة المقدمتين، فإن النتيجة لا تنبني عليهما، أن النتيجة اختلاف ذكر الأمكنة في حادثة معينة والشهادة بها، فأحد الشهود يقول: إنه رآه في الجليل، وآخر يشهد بوجوده بين التلاميذ في فترات متقطعة، وثالث يشهد بوجوده في أورشليم، وإذا اختلف الشهود

стр. 108

في مكان حادثة معينة كان اختلافهم سبباً للظنة في الشهادة واتهام الشهود فيها، ولئن قيل أن المسيح ظهر في الأمكنة التي ذكرت، بيد أن كلاً ذكر ما رأى، ولم يكن رآه فيها جميعاً كان الكلام مستقيماً، ولكن يكون معناه أن كل إنجيل لم يذكر حال المسيح كاملة، ويحتمل أن يكون الجميع لم يذكروها كاملة على هذا الأساس، ويكونون قد نسوا حظاً مما ذكروا به. المسيح يدين ويحاسب: ٧٢- لم يمكث المسيح بعد قيامته هذه التي يعتقدها المسيحيون إلا أربعين يوماً، ثم ارتفع بعدها إلى السماء وجلس بجوار الرب في زعمهم، وسيأتي ليدين الناس يوم القيامة، يحاسب كل إنسان على ما فعل وقال: إن خيراً فخير، وإن شراً فشرا، وله بهذا الملك الأبدي، فلا فناء لملكه، فهم يقولون: إن الله قد أقام يوماً سيدين فيه سكان هذه الأرض بيسوع المسيح، لأن الأب في زعمهم لا يدين أحداً، بل قد أعطى ذلك للابن، فأعطاه سلطان أن يدين الإنسان، لأنه ابن الإنسان أيضاً ولابد أن يظهر الناس جميعاً أمام كرسي المسيح، لينال كل واحد جزاء ما كان قد صنع، خيراً أو شراً، هذه عقيدتهم. فقد جاء في إنجيل يوحنا: "الحق أقول لكم، إنه تأتي ساعة، وهي الآن، حين يسمع الأموات صوت ابن الله، والسامعون يحيون، لأنه كما أن الآن له حياة في ذاته، كذلك أعطى الابن أن تكون له حياة في ذاته، وأعطاه سلطاناً أن يدين أيضاً، لأنه ابن الإنسان، لا تعجبوا من هذا فإنه تأتي ساعة فيها يسمع جميع الذين في القبور صوته، فيخرج الذين فعلوا الصالحات إلى قيامة الحياة، والذين عملوا السيئات إلى قيامة الدينونة: أنا لا أقدر أن أفعل من نفسي شيئاً، كما أسمع أدين، ودينونتي عادلة لأني لا أطلب مشيئتي، بل مشيئة الأب الذي أرسلني". راجع الإصحاح الخامس. وجاء في رسالة بولس الثانية إلى أهل كورنثوس: "لابد أننا جميعاً نظهر أمام كرسي المسيح، لينال كل واحد منا ما كان بالجسد، بحسب ما صنع، خيراً كان أم شراً" (راجع الإصحاح الخامس من هذه الرسالة) . وجاء في رسالة بولس إلى أهل تسالونيكى: "إن الذين يضايقونكم

стр. 109

يجازيهم ضيقاً، وإياكم الذين تتضايقون - راحة معنا، عند استعلان الرب يسوع مع ملائكة قوته، في نار لهيب معطياً نقمته للذين لا يعرفون الله والذين لا يطيعون إنجيل ربنا يسوع المسيح الذين سيعاقبون بهلاك أبدي من وجه الرب، ومن مجد قوته. متى جاء ليتمجد في قدسيته، ويتعجب منه في جميع المؤمنين". فهذه النصوص جميعها تبين بجلاء أن الذي سيحاسب الناس، ويجازيهم بما فعلوا، الخير بمثله والشر كذلك، إنما هو المسيح في نظرهم. تقديس الصليب: مقام الصليب في المسيحية: ٧٣- لا يرتفع تقديس الصليب إلى مرتبة العقائد السابقة، لأن تلك العقائد أساس المسيحية، أما الصليب فليس له ذلك الحظ. وإن كان شعارهم، وموضع تقديس الأكثرين، ولذا كان حمله علامة على اتباع المسيح. جاء في إنجيل لوقا: "وقال للجميع إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه، ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني". وحمل الصليب كما يقول كتابهم، أشعار بإنكار النفس، واقتفاء أثر المسيح في هذا الإنكار، والسير وراء مخلصهم، وتأديهم. جاء في شرح بشارة لوقا للقس إبراهيم سعيد: "إن آثار قدمي المعلم تعين طريق خطوات التلاميذ لأنه وإن كان المسيح قد صلب عنا فقال في صلبه: "قد أكمل" لكنا قد أصبحنا بحكم صلبه عنا تحت التزام شرعي لأن نكون شركاء المسيح المتألم، إن شركتنا الشرعية مع المسيح المصلوب ينبغي أن ترافقها وتدعمها شركة اختيارية فعلية معه، إن صلب المسيح معناه مات عنا، ولكن صليب كل مؤمن معناه: "موت النفس عن الأنانية وحب الذات" وخلاصة هذه الذات هي النفس الأمارة بالسوء، هي تلك الإرادة المتمردة التي ينبغي أن نخضعها" ونستأسرها لطاعة المسيح، فقول كل واحد ليس ما أريد أنا بل ما تريد أنت يا رب، إنه من أوجب واجبات كل مسيحي أن يحمل صليبه مختاراً طائعاً لأن التعبير بحمل صليبه

стр. 110

مستعار من العادة التي قضت بها الأنظمة الرومانية على المحكوم عليه بالصلب لأن يجمله كل يوم، وهذه العبارة انفرد لوقا بذكرها، فهو صليب يتجدد كل وبم، كما تجددت الآمال والآلام في الحياة اليومية العملية، فلابد إذن لحمل الصليب من خطوة تسبقه، وخطوة تعقبه، أما الخطوة السابقة له فهي إنكار النفس، بمعنى أن يقول تلميذ المسيح لنفسه الأمارة بالسوء، لا، لأن حمل الصليب هو حمل العار مضافاً إلى ألم الموت، وهذا عمل يستلزم إنكار النفس، لأن الرومان لم ينفروا من الصليب فقط، بل فزعوا من ظله، كذلك كان شعور اليهود بأن حمل الصليب هو حمل اللعنة، لأنه مكتوب في ناموسهم: "ملعون كل من علق خشبه"، والخطوة اللاحقة لحمل الصليب بل الخطوات هي اقتفاء آثار المسيح كقوله: "ويتبعني"، إذن ليس حمل صلينا غاية لكنه وسيلة لهذه الغاية، وهي إتباع المسيح حيث "يمضي" أ. هـ. فحمل الصليب إذن عندهم ليس غاية، وليس مقصوداً لذاته، ولكنه مقصوداً لغاية أخرى أسمى عندهم، واهي اقتفاء خطوات المسيح في إنكار الذات، والرضا بالفداء في زعمهم وإتباع تعاليمه. عبادتهم: ٧٤- عند النصارى عبادتان: هما الصلاة، والصوم، أما الصوم فإنهم يقولون إن شرعه عليهم اختياري لا إجباري، وميقاته قد تتخالف فيه الفرق، فلنتركه إلى الكلام في الفرق والكنائس إن كان للقول متسع، ولنتكلم الآن عن صلاتهم. والصلاة عندهم ركن من أركان الدين، وهي من زعمهم تقربهم إلى الله عن طريق المسيح. ولقد جاء في كتاب الأصول والفروع: "إن الدين قلب مقتنع بوجود الله الخالق والحافظ والفادي، فتكون الصلاة ترجمان ذلك القلب، يعبر بها عما يخالجه من الأشواق والعواطف، فبالنظر لاقتناعه بقداسته تكون الصلاة كلمات التعظيم والتسبيح له، وبالنسبة لاقتناعه بجهوده وإحسانه تكون الصلاة عبارات الشكر والحمد، وبالنسبة لوقوعنا في الخطيئة، تكون الصلاة كلمات التذلل والتواضع والاستغفار، وبالنسبة للاحتياج إليه تعالى تكون الصلاة طلباً ودعاء".

стр. 111

والصلاة عندهم لها شرطان أساسيان لا توجد بدونهما، هما منها بمنزلة الدعامة: الشرط الأول: أن تقدم باسم المسيح، فقد جاء في الإصحاح السادس عشر من إنجيل يوحنا: "الحق أقول لكم إني ما طالبتم من الأب باسمي يعطيكم، إلى الآن لم تطلبوا شيئاً باسمي، أطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً". ويعللون ذلك بأن الإنسان بسبب خطاياه أبعد عن رضا الله، ولكن بدم المسيح زال هذا البعد، وأصبح قريباً إليه. فقد جاء في رسالة بولس إلى أهل أفسس في الإصحاح الثاني: "لكن الآن في المسيح يسوع أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين صرتم قريبين بدم المسيح لأنه هو سلامنا الذي جعل الاثنين واحداً، ونقض حائط السياج المتوسط". ويقول صاحب كتاب الأصول والفروع: "للصلاة باسم المسيح معنى أدق من ذلك، وهو أن الاسم يمثل دائماً المسمى. فتكون صلاتنا باسم المسيح تمثل وحدته معنا، بحيث تكون طلباتنا طلباته. وصلاحنا صلاحه، وحياتنا حياته، وبالجملة كأنه يحيا فينا ولأجلنا". الشرط الثاني: أن يسبق الصلاة الإيمان الكامل بما عندهم، فقد جاء في الإصحاح الحادي عشر من إنجيل مرقس ما نصه: "لذلك أقول لكم كل ما تطلبونه حينما تصلون فآمنوا أن تنالوه، فيكون لكم". وجاء في رسالة يعقوب: "وليكن الطلب بإيمان غير مرتاب البتة، لأن المرتاب يشبه موجاً من البحر تخبطه الريح وتدفعه، فلا يظن ذلك الإنسان إنه ينال شيئاً من الرب". وليست للصلاة عندهم عبارات خاصة معلومة يجب أن يتلوها بل ترك لهم أن يتلوا العبارات التي يختارونها بشرط ألا تخرج عن قاعدة الصلاة التي علمهم إياها المسيح لكي يصلوا على منوالها، وهي المسماة بالصلاة الربانية، وهي التي جاءت في صدر الإصحاح عشر من إنجيل يوحنا، ففيه عن المسيح: "وإذ كان يصلي في موضع لما فرغ قال واحد من تلاميذه: يا رب علمنا أن نصلي، كما علم يوحنا أيضاً تلاميذه،

стр. 112

فقال لهم: متى صليتم، فقولوا أبانا الذي في السموات ليتقدس أسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك في السماء كذلك على الأرض، خبزنا كفافنا أعطنا كل يوم، وأغفر لنا خطايانا، لأننا نحن أيضاًَ نغفر لكل من يذنب إلينا، ولا تدخلنا في تجربة، ولكن نجنا من الشر. ولديهم أمثلة كثيرة للصلوات يختارون منها على ما يسهل عليهم: وأشهر الأسفار المشتملة على نماذج للأدعية والصلوات سفر المزامير. ويقول صاحب كتاب الأصول والفروع: "إنه خزانة ذهبية لصلوات داود النبي وغيره من الأنبياء عملوا بها في أحوالهم الخاصة، مسوقين من الروح القدس، وكثيراً ما يعرض علينا ذات أحوالهم، فنقتبس من أقوالهم ما يطابق حالنا واحتياجنا للاستعانة على التعبير عما بنا من ملمات الأمور، كما إذا كنا في حال الحزن والأسى على خطايانا نقتبس في صلاتنا من مزمار - ٥١ - لأنه يشتمل على أشد العبارات تأثيراً بصدد التوبة والاعتراف، والاستغفار من الله، وكما إذا كنا في حال الشعور برحمة الله علينا ونعمته نقتبس من مزمار - ١٠٣ - للتعبير عن شكر قلوبنا، وشعورها بالمحبة والنعمة، انتهى بتصرف. وليس عليهم عدد معين من الصلوات كل يوم، كما إنه ليس لها مواقيت معلومة، بل كل ذلك قد وكل إلى نشاط المصلين، ورغبتهم في العبادة ولكن لأن اليهود كانوا يعبدون الله في هياكلهم في صباح كل يوم ومسائه استنبطوا إنه تلزم الصلاة مرتين، أحداهما في الصباح، والأخرى في المساء. ويقولون في حكمة ذلك في الصباح: "نطلب بركة الرب علينا سحابة اليوم، وأن يهدينا إلى عمل ما فيه رضاؤه، وأن يحفظنا من السوء، وفي المساء نشكره على إحسانه علينا كما إننا نعترف بما فرط منا في اليوم من الزلات، ونطلب منه المغفرة ودوام نعمته علينا وفوق ذلك لا لفتاً نذكر فضله ونشعر بجميله دائماً". وإذا لم يكن للصلاة عدد محدود عندهم، فالمستحسن الإكثار، ويخالفون اليهود في زعمهم أن الإكثار من الصلاة يجعل الله يمل. جاء في إنجيل لوقا في صدر الإصحاح الثامن عشر ما نصه: "قال لهم مثلاً إنه ينبغي أن يصلي كل حين، ولا يمل قائلاً: كان في مدينة قاض

стр. 113

لا يخالف الله ولا يهاب إنساناً، وكان في تلك المدينة أرملة، وكانت تأتي قائلة أنصفني من خصمي وكان لا يشاء إلى زمان، ولكن بعد ذلك قال في نفسه: وإن كنت لا أخاف الله ولا أهاب إنساناً، فإني لأجل أن هذه الأرملة تزعجني أنصفها لئلا تأتي دائماً فتقمعني. وقال الرب اسمعوا ما يقول قاضي الظلم، أفلا ينصف الله مختاريه الصارخين إليه نهاراً وليلاً وهو متمهل عليهم، أقول لكم إنه ينصفهم". يقول القس إبراهيم سعيد في شرح الجمل في إنجيل لوقا: "ينبغي أن يصلي كل حين ولا يمل" من هنا ترى أن صلاة المثابرة واللجاجة ليست من الأمور الممكنة فقط، ولكنها من الأمور الواجبة، فهي فرض عين لا فرض كفاية، وهذا عن خلاف ما علم به التلمود، محظور على الإنسان أن يصلي أكثر من ثلاث مرات في النهار، لأن الله يمل الصلاة كل ساعة، ولقد أوصى المسيح بالصلاة من غير ملل لعلمه أن صلاة الروح تعب على الجسد، سيما إذا تأخرت الإجابة، فالروح نشيط والجسد ضعيف". وجاء في آخر رسالة بولس إلى أهل تسالونيكي: "صلوا بلا انقطاع". وبين معنى صاحب رسالة الأصول والفروع فيقول: "معنى هذا أن نساحضر في أذهاننا روح الصلاة على الدوام، وكلما خطر على البال ذكر الله ومحبته نرفع قلوبنا إليه، سواء أكان بالقول أو بالتوجهات القلبية بدون كلام، والله يعلم ما في القلوب. من شعائر المسيحية: ٧٥- للمسيحية شعائر يجب القيام بها، لا يصح التخلي عنها، ويقولون فيها إنها فرائض مقدسة وضعها المسيح، وهي أعمال جليلة تشير إلى بركات روحية غير منظورة عندهم، ومن الشعائر الواجب اعتقادها والعمل بها التعميد والعشاء الرباني. التعميد والعشاء الرباني: وقد جاء في إنجيل متى عن التعميد: "تقدم يسوع وكلمهم قائلاً دفع إلى كل سلطان في السماء وعلى الأرض، فأذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الأب والابن وروح القدس، وعلموهم جميع ما أوصيكم به".

стр. 114

وجاء بالنسبة للعشاء الرباني في رسالة بولس لأهل كورنثوس ما نصه: "أن الرب يسوع في الليلة التي أسلم فيها نفسه أخذ خبراً، وشكر، فكسر وقال: خذوا وكلوا، هذا هو جسدي المكسور لأجلكم، أصنعوا هذا لذكري". كذلك ذكر الكأس أيضاً بعد ما تعشوا قائلاً: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي، أصنعوا هذا كلما شربتم لذكري، فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذا الكأس تخبزون بموت الرب إلى أن يجئ". بهذه النصوص ثبت التعميد، والعشاء الرباني، والتعميد يقول فيه صاحب كتاب الأصول والفروع: فريضة مقدسة يشار فيها الغسل بالماء باسم الأب والابن والروح القدس إلى تطهير النفس من أدران الخطيئة بدم يسوع المسيح، وهي ختم عهد النعمة كما كان الختان في الشريعة الموسوية، والمعمودية تدل على اعترافهم العلني بإيمانهم وطاعتهم للأب والابن والروح القدس كالههم ومعبودهم الوحيد، ولا يجوز أن يعمدوا إلا إذا اعترفوا بإيمانهم جهارا أمام كنيسة الله" ويقول في العشاء الرباني: "وهو فريضة رسمها المسيح في الليلة التي أسلم فيها الجسد، ويستعمل في هذه الفريضة قليل من الخبز والخمر، فيأخذ كل من المؤمنين لقمة من الخبز، وقليلاً من الخمر على المثال الذي رسمه المسيح تذكاراً لموته، فالخبر يشير إلى جسده المكسور، والخمر إلى دمه المسفوك، فالمؤمنين الذين يشترطون في هذا العشاء يقبلون المسيح بالإيمان كالخبز الذي نزل من السماء وكل من يأكل منه لا يجوع، ولكنهم لا يقبلونه طعاماً جسدياً بل طعاماً روحياً لحياة روحية لأجل النمو في النعمة والإيمان" ويقول أيضاً: "ويشير العشاء الرباني إلى مجيء المسيح الثاني، كما يشير إلى موته فيكون تذكاراً للماضي والمستقبل". من تنظيم الأسرة: ٧٦- في الأناجيل ورسائل من يعتقدون أنهم الرسل في المسيحية ذكر للزواج والطلاق، ففيها بيان لبعض شريعة الأسرة مختصرة، وخلاصة ما جاء في كتبهم المعتبرة أن الزواج قد سن للإنسان وشرع له، بل أن الزواج شرعه الله للإنسان وهو في جنة عدن، فخلق لآدم من ضلعه حواء،

стр. 115

لأنه كما في سفر التكوين: "ليس جيداً أن يكون آدم وحده، فأصبح له معيناً نظيره". على أن المسيح في إنجيل متى قد أجاز العزوبة في حال عدم القدرة التناسلية، وذلك بدهي. وجاء في رسالة بولس لأهل كورنثوس إنه تجوز العزوبة إذا استطاع الرجل أو المرأة أن يضبط نفسه، ويتوقى الزنى، فقد جاء في الإصحاح السابع من هذه الرسالة: "ولكني أقول لغير المتزوجين، وللأرامل: إنه حسن لهم إذا لبثوا كما إنا، ولكن إذا لم يضبطوا أنفسهم فيتزوجون، لأن التزوج أصلح من الخرق". وشريعة الزواج عندهم لا تحل للرجل أن يتزوج بأكثر من واحدة وإن لم يوجد نص في ذلك، ولا يطلق، وقد فهموا تحريم الطلاق من إنجيل متى، ففي الإصحاح التاسع عشر منه: "قال له تلاميذه: إن كان هكذا أمر الرجل من المرأة فلا يوافق أن يتزوج؟ فقال: ليس الجميع يقبلون هذا الكلام. بل الذي أعطى لهم، ولا يفترق الزوجان إلا بالموت، وبعد موت أحدهما يحل للحي أن يتزوج غيره". وهذا نص ما جاء في رسالة بولس لأهل رومية: "أن الناموس يسود على الإنسان مادام حياً، فإن المرأة التي تحت رجل هي مرتبطة بالناموس بالرجل الحي، ولكن إن مات الرجل، فقد تحررت من ناموس الرجل، فإذا ما دام الرجل تدعى زانية إن صارت لرجل آخر وقبل موت أحدهما لا يحل لهما الطلاق". وهذا نص ما جاء في متى في الإصحاح التاسع عشر منه: "جاء إليه للفريسيون ليجربوه قائلين: هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب؟ فأجاب وقال لهم: أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى؟ وقال: من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه، ويلتصق بامرأته، ويكون الاثنان جسداً واحداً، إذ ليس بعد اثنين، بل جسد واحد، فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان. قالوا: فإذا أوصى موسى أن يعطي كتاب طلاق، فنطلق؟ قال لهم: أن موسى من أجل قساوة قلوبكم إذن لكم أن تطلقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هذا، وأقول لكم أن من طلق امرأته إلا بسبب الزنى، وتزوج بأخرى بزني، والذي يتزوج بمطلقة يزني.

стр. 116

الطلاق إذن لا يجوز ولا يقع، ولكن استثنيت حالان يجوز فيهما الافتراق: الحال الأولى: حال زنى أحد الزوجين، فللآخر أن يطلب التفريق، ويجاب في هذه الحال إن ثبت الزنى. الثاني: إذا كان أحد الزوجين غير مسيحي فيصبح التفريق عند تهاجرهما وعدم الألفة بينهما، ولذا جاء في رسالة بولس إلى أهل كورنثوس: والمرأة التي لها رجل غير مؤمن، وهو يرتضي أن يسكن معها فلا تتركه، لأن الرجل غير المؤمن مقدس في المرأة، والمرأة غير المؤمنة مقدسة في الرجل، وإلا فأولادكم نجسون، وأما الآن فهم مقدسون، ولكن إن فارق غير المؤمن فليفارق". ولقد أمرت المسيحية في وصايا رسلهم بأن يحب الرجال نساءهم. فقد جاء في إحدى رسائل بولس: "أيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة، وأسلم نفسه لأجله" وفيها أيضاً: وأما أنتم أيها الأفراد فليحب كل واحد امرأته، هكذا كنفسه، وأما المرأة فلتحب رجلها. شرائع التوراة والمسيحية: منزلة شرائع التوراة في المسيحية: ٧٧- ولقد كان المفهوم من أن المسيحية تعتبر التوراة وأسفار النبيين السابقين كتباً مقدسة تسميها كتب العهد القديم، أن تأخذ بكل الشرائع التي نصت عليها التوراة إلا ما خالفه المسيح بنص قد أثر عنه، ويظهر أن المسيحيين استمروا على ذلك نحواً من اثنتين وعشرين سنة من بعد المسيح، وهم في هذا كانوا يسيرون على المنهاج الذي سنه والطريق الذي بينه. ولكن التلاميذ اجتمعوا بعد مضي اثنتين وعشرين سنة من تركه لهم، وخطب يعقوب فيهم، مقترحاً عليهم أن يحصروا المحرم على الأمم في أربعة، وهي: الزنى، وأكل المخنوق والدم، وما ذبح للأوثان، وكان ذلك لأنهم وجدوا أن الختان يشق على بعض من يدعونهم إلى النصرانية فيفرون منها بسببه. وهذا نص ما جاء في الإصحاح الخامس عشر من سفر الأعمال بعد

стр. 117

بيان خلاف التلاميذ بشأن الختان، واجتماعهم لأجل الفصل في شأنه حينئذ رأى الرسل والمشايخ أن يختاروا رجلين منهم، فيرسلوها إلى أنطاكية مع بولس وبرنابا، وهما يهوذا الملقب برسابا، وسيلا، رجلين متقدمين في الأخوة، وكتبوا بأيديهم هكذا: الرسل والمشايخ يهدون سلاماً إلى الأخوة الذين هم من الأمم في أنطاكية وسورية وكيليكية، إذ قد سمعنا أن أناساً خارجين من عندنا أزعجوكم بأقوال مقلبين أنفسكم، وقائلين أن تختنوا وتحفظوا الناموس، من الذين نحن لم نأمرهم، وقد صرنا بنفس واحدة أن نختار رجلين، ونرسلهما إليكم مع حبيبنا برنابا، وبولس، رجلين قد بذلا أنفسهما لأجل اسم ربنا يسوع المسيح، فقد أرسلنا يهوذا وسيلاً، وهما يخبرانكم بنفس الأمور شفاها، لأنه قد رأى الروح القدس، ونحن - ألا نضع عليكم ثقلاً أكثر، غير هذه الأشياء الواجبة أن تمتنعوا عما ذبح للأصنام، وعن الدم، والمخنوق، والزنى التي أن حفظتم أنفسكم منها، فنعماً تفعلون، كونوا معافين". في هذا الخطاب يتبين أن المشايخ والتلاميذ يحللون للناس كل ما حرمه الناموس، أي التوراة وكتب النبيين السابقين، ولا يجعلون محرماً عليهم ألا أربعة أمور، والامتناع عنها هو الأمر الواجب فقط. وبذلك حل لهم كل شيء حرمته التوراة، حل لهم الخمر والخنزير، وكل ما كانت التوراة وشرائع النبيين قد حرمته. وبأي شيء أعطى هؤلاء القدرة على التحليل والتحريم؟ قد قالوا أن ذلك بإلهام من روح القدس وتجليه. وقد ذكر صاحب سفر الأعمال عن لسان بطرس، إنه قال في افتتاح ذلك الاجتماع الذي أصدر ذلك القرار مل نصه: "أيها الرجال الأخوة أنتم تعلمون أنه منذ أيام قديمة اختار الله بيننا إنه بلمي يسمع الأمم كلمة الإنجيل ويؤمنون. والله العارف للقلوب شهد لهم معطياً لهم روح القدس، كما لنا أيضاًَ، ولم يميز بيننا وبينهم بشيء، إذ طهر بالإيمان قلوبهم، فالآن لماذا تجربون الله بوضع نير على عنق التلاميذ لم يستطيع آباؤنا ولا نحن أن نعمله ولكن بنعمة الرب يسوع المسيح نؤمن أن نخلص، كما أولئك أيضاً". فمن هذا النص يستفاد أن الذي سوغ لهؤلاء أن ينصرفوا جهراً عما كانوا عليه، وعما تركهم المسيح عليه، هو أنهم ينزل عليهم الروح القدس، كما كان ينزل على النبيين والصديقين، وذلك في اعتقاد كتاب المسيحية، وقد بينا حقيقة ذلك في موضعه من كلامنا عن الكتب.

стр. 118

تحليل لحم الخنزير مع تحريمه في التوراة: ولقد أحلوا فيما أحلوا من محرمات التوراة لحم الخنزير وكان المعروف إنه حرام في النصرانية التي تأخذ بكتب العهد القديم، وعلى رأسها التوراة. ويروى ابن البطريق في هذا المقام أن اليهود لما دخلوا في النصرانية بسبب اضطهاد قسطنطين لهم بعد تنصره تشكك النصارى في إيمانهم، فأشار بطريرك القسطنطينية على قسطنطين أن يخبرهم بحملهم على أكل لحم الخنزير وقال له: "أن الخنزير في التوراة حرتم، واليهود لا يأكلونه، فتأمر أن تذبح الخنازير، وتطبخ لحومها ويطعمون منها هذه الطائفة، فمن لم يأكل علمت إنه مقيم على اليهودية" عندئذ آمن قسطنطين بتحريم الخنزير، إذ نصت على التحريم التوراة المقدسة في نظر النصارى، كما هي مقدسة في نظر اليهود، وقال: "أن الخنزير في التوراة محرم فكيف يجوز لنا أن نأكل لحمه، ونطعمه للناس" ولكن البطريرك مازال به حتى حمله على الاعتقاد بأنه حلال، فقد قال له: "أن سيدنا المسيح قد أبطل سائر ما في التوراة، وجاء بتوراة جديدة هي الإنجيل، وقال في إنجيله المقدس أن كل ما يدخل الفم ليس ينجس الإنسان، إنما ينجس الإنسان كل ما يخرجه من فيه" يعني السفه والكفر، وغير ذلك مما يجري مجراه. ويقص قصة عن بولس رسولهم بأن بطرس رأى رؤيا تفيد التحليل، وبذلك يحللون الخنزير.

стр. 119

المجامع المسيحية تاريخها - وأسبابها - وقراراتها ٧٨- قد شرحنا فيما اسلفنا من القول العقائد المسيحية، كما هي فس كتبهم ولم نتجه إلى ألان لدراستها دراسة نقيدة لأننا نجدهم يجتهدون في تصويرها ويشعرون بعظم المشقة في ذلك، حتى إذا يئسوا قالوا أنها فوق العقل، وأن العقل لا يستطيع تصويرها تصويراً كاملاً، وأنها ستنجلي يوم القيامة، ولذلك نجد من الظلم لأنفسنا أن نناقشها، لأن العقل لا يستسيغها باعترافهم فكيف نناقشها؟ وهم يلقنون الصبية بأن يجتهدوا في تصورها وتصديقها، لا في البرهنة لها وإثباتها، ولذلك نترك الآن مناقشتها بالعقل، ونحيل القارئ الكريم على ما كتب الذين ناقشوها من فطاحل العلماء، ونخص بالإشارة كتاب إظهار الحق للشيخ ﵀ الهندي، وكتاب الفارق فيما بين المخلوق والخالق، والقول الصحيح لابن تيمية، بلل الله ثراهم، فإن هؤلاء لم يتركوا مقالاً لقائل. ويهمنا الآن في بحثنا التاريخي أن نبين الأدوار التي مرت عليها هذه العقيدة، فإنه من المقرر في تاريخ المسيحية بالبداهة أن التثليث بالشكل الذي يعتقده جماهير المسيحيين، أو الكثرة الغالبة فيهم، لم يعلن للناس دفعة واحدة، بل في أزمان متفاوتة مختلفة، وكان بإعلان المجامع التي كانت تعقد من الأساقفة، وفيها يقرر المجمع رأيا معيناً، ولا يهمنا مما كانت تقرره تلك المجامع ألا ما يتعلق بالعقيدة وإن كنا سنعرض أحياناً لما كان يجئ في ثنايا قراراتها من بعض النظم. كيف وجدت فكرة جمع المجامع: والمجامع في المسيحية هي كما يقول علماؤهم جماعات شورية في المسيحية، قد رسم رسلهم نظامها في حياتهم. حيث عقدوا المجمع بأورشليم بعد ترك المسيح لهم باثنتين وعشرين سنة، وقرر ذلك المجمع، كما علمت قريباً، عدم التمسك بمسألة الختان، بل زاد فقرر عدم التمسك بشرائع التوراة، وكا وليها من سائر أسفار العهد القديم المقدس عندهم

стр. 120

فيما يتعلق بالتحريم، إلا تحريم الزنى، وأكل المخنوق، وأكل الدم وأكل ذبائح الأوثان، فقد قالوا أن التلاميذ والمشايخ بهذا المجمع الذي بينه سفر الأعمال في إصحاحه الخامس قد سنوا للمسيحيين سنة جمع المجامع لدراسة ما يتعلق بالعقيدة والشريعة. المجامع العامة والمجامع الخاصة: والمجامع عندهم قسمان: مجامع عامة أو على حد تعبيرهم مجامع مسكونية، أي تجمع رجال الكنائس المسيحية في كل أنحاء المعمورة، والمجامع المكانية وهي التي تعقدها كنائس مذهب أو أمة في دوائرها الخاصة من أساقفتها وقساوستها" أما لإقرار عقيدة، أو لرفض عقائد أخرى. ويقسم المجامع صاحب كتاب سوسنة سليمان إلى ثلاثة أقسام فيقول: "وهذه المجامع تنقسم بالنظر إلى عدد أربابها ودرجاتهم وشوكتهم إلى ثلاثة أقسام وهي: مجامع عامة، ويقال لها مسكونية، ومجامع ملية، أي خاصة بطائفة دون غيرها، ومجامع إقليمية، أي خاصة بإقليم مخصوص. لكن مقاصد كلامنا لا تحتاج إلا إلى ذكر المجامع التي تعتبر عامة، سواء صادق عليها الجميع أو إنكرها بعضهم على بعض، لما في ذلك من معرفة النتائج التي تولدت عنها". هذا كلام صاحب ذلك الكتاب المسيحي، وإذا كان هو لا يعني في تاريخ ديانته إلا بالمجامع العامة، فنحن كذلك لا نعني إلا بها، وقد أحصى المجامع العامة من القرون الأولى للمسيحية إلى سنة ١٨٦٩ فكانت عدتها عشرين مجمعاً، وقد ذكرها جميعاً بالإجمال، وذكر قراراتها بالإشارة وسنحذو حذوه في بعضها، وسنترك الإجمال إلى بعض التفصيل في بعضها الآخر، وخصوصاً في المجامع التي كانت في القرون الأولى للمسيحية لأنها التي حددت للأخلاق حدود العقيدة المسيحية في نظر مقريها، وهي التي رسمت المسموح والتقاليد الكنسية القائمة في الكنائس، أو بعضها الكثير إلى الآن، وهي التي فلحت الأرض لتبذر هذه المسيحية التي سادت أفكار المسيحيين في الأجيال من بعد. ونبدأ بأعظم هذه المجامع، وأبعدها أثراً، وأكبها شأناً، وأولها وجوداً وأعظمها ذكراً وهو مجمع نيقية.

стр. 121

١- مجمع نيقية سنة ٣٢٥ سبب انعقاده العام الاختلاف بينهم في شخص المسيح: ٧٩- أشتد الاختلاف بين الطوائف المسيحية الأولى، وتباعدت مسافات الخلف تباعداً شديداً، لا يمكن أن يكون معه وفاق، وكان الاختلاف يدور حول شخص المسيح، أهو رسول من عند الله فقط، من غير أن تكون له منزلة أكثر ممن له شرف السفارة بين الله وخلقه، أم له بالله صلة خاصة أكبر من رسول، فهو من الله بمنزلة الابن، لأنه خلق من غير أب، ولكن ذلك لا يمنع إنه مخلوق لله، أنه هو كلمته، ومن قائل إنه ابن الله، له صفة القدم، كما لله تلك الصفة، وهكذا تباينت نحلهم، واختلفت، وكل يزعم أن نحلته هي المسيحية الصحيحة التي جاء بها المسيح ﵇، ودعا إليها تلاميذه من بعده، ويظهر أن ذلك الاختلاف، وتلك النحل المتباينة المتنازعة، وقد ظهرت بعد أن دخلت طوائف مختلفة من الوثنيين من الرومان، واليونان، والمصريين، فتكون في المسيحية مزيج غير تام التكوين، غير تام الإتحاد والامتزاج، وكل قد بقى عنده عن عقائده الأولى ما أثر في تفكيره في دينه الجديد، وجعله يسير على مقتضى ما اعتنق من القديم من غير أن يشعر أو يريد. وممن دخل في ذلك الدين فلاسفة لهم آراء فلسفية أرادوا أن يفهموا ما اعتنقوه جديداً على ضوئها، وعلى مقتضى منطقها وتفكيرها. ولقد كانت تلك الاختلافات كامنة لا تظهر مدة الاضطهادات الرومانية، لأنهم شغلوا بدفع الأذى، ورد البلاء واستقبال المحن والكوارث، وكانوا يستسرون بدينهم ولا يظهرونه، ويخفون عقائدهم، ولا يعلنونها، حتى إذا رزقوا الأمان، ونزلت عليهم سحائب الاطمئنان ظهرت الخلافات الكامنة، وإذا هم لم يكونوا متفقين إلا في التعلق باسم المسيح، والاستمساك بالانتساب إليه، من غير أن يتفقوا على شيء في حقيقته، ولذا لما منحهم قسطنطين عطفه، واعتزم الدخول في النصرانية، ووجد هذا الاختلاف الشديد، أمر بعقد مجمع نيقية.

стр. 122

الاختلاف الخاص الذي انعقد المجمع بعده: ٨٠- هذا هو السبب في عقد مجمع نيقية بشكل عام، لكن له سبباً خاصاً يتعلق بنوع من هذه الخلافات، وهو ما يسمونه في تاريخهم بدعة أريوس، كان هذا الرجل في مصر داعية قوى الدعاية، جريئاً فيها، واسع الحيلة، بالغ الأدب، قد أخذ على نفسه مقاومة كنيسة الإسكندرية فيما تبثه بين المسيحيين من أُلوهية المسيح وتدعو إليه، فقام هو محارباً ذلك، مقراً بوحدانية المعبود، منكراً ما جاء في الأناجيل مما يوهم تلك الأُلوهية. كلام أريوس: وقد قال في بيان مقالته ابن البطريق: "كان يقول أن الأب وحده الله والابن مخلوق مصنوع، وقد كان الأب إذ لم يكن الابن". ولم يكن بدعاً في القول بهذه الفكرة بين المسيحيين، بل إنها كانت معروفة مذكورة مشهورة من قبله، كما يقول المسيحيون أنفسهم. ولقد جاء في كتاب تاريخ الأمة القبطية ما نصه: "الذنب ليس على أريوس بل على فئات أخرى سبقته في إيجاد هذه البدع. فأخذ هو عنها. ولكن تأثير تلك الفئات لم يكن شديداً كما كان تأثير أريوس الذي جعل الكثيرين ينكرون سر الأُلوهية، حتى أنتشر هذا التعليم وهم". انتشار رأي أريوس وطرق محاربته: ولقد كان لرأي أريوس في اعتبار المسيح مخلوقاً لله مشايعون كثيرون، فقد كانت الكنيسة في أسيوط على هذا الرأي، وعلى رأسها ميليتوس، وكان أنصاره في الإسكندرية نفسها كثيرين من حيث العدد، أقوياء من حيث المجاهرة بما يعتقدون، كما كان لهذا الرأي مشايعون في فلسطين ومقدونية، والقسطنطينية. وقد أراد بطريرك الإسكندرية أن يقضي على هذه الفكرة، فلم يعمد إلى المناقشة والجدل، حتى لا يتسع الخرق على الراقع، وحتى لا يلحن بالحجة عليه أريوس، ولكنه عمد إلى لعنه وطرده من حظيرة الكنيسة. ويبنى ذلك على إنه رأي المسيح يتبرأ من أريوس وبلعنه، نفي من الكنيسة مرتين لهذا الرأي، وبحجة تلك الرؤى المنامية، ومن أمثلتهم قول

стр. 123

البطريرك بطرس الذي أمر بنفيه: "أن السيد الكسيح لمن أريوس هذا فاحذروه، فإني رأيت المسيح في النوم مشقوق الثوب، فقلت له يا سيدي من شق ثوبك؟ فقال لي: أريوس، فاحذروا أن تدخلوه معكم". ولم يجد النفي وإعلان الرؤى والأحلام في القضاء على رأي أريوس وجمع الناس حول قوة الكنيسة، حتى إذا ولي أمر الكنيسة البطريرك إسكندر أخذ يعالج المسألة بنوع من الحيلة والصبر، فكتب إلى أريوس وزعماء هذا الرأي يدعوهم إلى رأي كنيسة الإسكندرية، ولكن محاولته لم تجد أيضاً، فعقد مجمعاً في كنيسته بالإسكندرية وحكم على أريوس بالحرمان منها فلم يخضع لهذا ولم يخنع، وغادر الإسكندرية إلى فلسطين. وقد كان مذهب عدم أُلوهية المسيح ذائعاً منتشراً، وكان أسقف مقدونية على مذهب أريوس أيضاً، ويعظ على أساسه، وفي الحق أننا نجد أن أسقف مقدونية وأسقف فلسطين، وكنيسة أسيوط، كل أولئك على رأي أريوس، وكنيسة الإسكندرية وحدها هي التي تحاربه، فالخلاف محصور إذن بين أريوس، ومعه أسيوط وفلسطين، ومقدونية وبين بطريرك الإسكندرية. تدخل قسطنطين وجمع مجمع نيقيا: ٨١- وقد تدخل قسطنطين إمبراطور الرومان في الأمر. فأرسل كتاباً إلى أريوس والإسكندر يدعوهما إلى الوفاق، ثم جمع بينهما، ولكنهما لم يتفقا، فجمع مجمع نيقية سنة ٣٢٥. ويقول ابن البطريق المسيحي في وصف المجتمعين وعددهم ما نصه: "بعث الملك قسطنطين إلى جميع البلدان، فجمع البطاركة والأساقفة فأجتمع في مدينة نيقية ثمانية وأربعون وألفان من الأساقفة. وكانوا مختلفين في الآراء والأديان، فمنهم من كان يقول أن المسيح وأمه إلهان من دون الله، وهم البربرانية، ويسمون المريميين، ومنهم من كان يقول أن المسيح من الأب بمنزلة شعلة نار انفصلت من شعلة نار، فلم تنقص الأولى بانفصال الثانية منها، وهي مقالة سابليوس وشيعته، ومنهم من كان يقول: لم تحبل به مريم تسعة أشهر، وإنما مر في بطنها كما يمر الماء في الميزاب، لأن الكلمة دخلت في أذنها، وخرجت من حيث يخرج الولد من ساعتها، وهي مقالة البيان وأشياعه".

стр. 124

ومنهم من كان يقول أن المسيح إنسان خلق من اللاهوت كواحد منا في جوهره، وإن ابتداء الابن من مريم، وإنه اصطفى ليكون مخلصاً للجوهر الإنسي صحبته النعمة الإلهية، وحلت فيه بالمحبة والمشيئة، ولذلك سمى ابن الله، ويقولون: الله جوهر قديم واحد، وأقنوم واحد، ويسمونه بثلاثة أسماء، ولا يؤمنون بالكلمة ولا بروح القدس، وهي مقالة بولس الشمشاطي بطريرك أنطاكية وأشياعه، وهم البوليقانيون. ومنهم من كان يقول أنهم ثلاثة آلهة لم تزل: صالح، وطالح، وعدل بينهما، وهي مقالة مرقيون اللعين وأصحابه، وزعموا أن مرقيون رئيس الحواريين، وأنكروا بطرس، ومنهم من كان يقول بأُلوهية المسيح وهي مقالة بولس الرسول ومقالة الثلاثمائة وثمانية عشر أسقفاً" أ. هـ. المراد منه. موقف قسطنطين من المتناظرين: اجتمع أولئك المختلفون، وسمع قسطنطين مثال كل فرقة من ممثليها، فعجب أشد العجب مما رأي وسمع، فأمرهم أن يتناظروا لينظر الدين الصحيح مع من، وأخلى داراً للمناظرة، ولكنه جنح أخيراً إلى رأي بولس، وعقد مجلساً خاصاً للأساقفة الذين يمثلون هذا الرأي وكانت عدتهم ثمانية عشر وثلاثمائة. انحيازه لرأي مؤلهي المسيح مع إنهم ليسوا الكثرة: ويقول في ذلك ابن البطريق: "وضع الملك للثلاثمائة والثمانية عشر أسقفاً مجلساً خاصاً عظيماً، وجلس في وسطهم وأخذ خاتمه، وسيفه، وقضيبه. فدفعه إليهم وقال لهم: قد سلطتكم اليوم على مملكتي، لتصنعوا ما ينبغي لكم أن تصنعوا مما فيه قوام الدين، وصلاح المؤمنين، فباركوا الملك، وقلدوه سيفه، وقالوا له: أظهر دين النصرانية، وذب عنه، ووضعوا له أربعين كتاباً فيها السنن والشرائع، منها ما يصلح للملك أن يعلمه ويعمل به، ومنها ما يصلح للأساقفة أن يعملوا به". العقيدة التي فرضها المجمع: وضع هذا المجمع المحدود من الأساقفة قرارات في العقدية والشرائع، ليقيدوا بها المسيحيين، ولا يهمنا إلا بيان العقيدة التي قررها المجمع وفرضها على المسيحيين.

стр. 125

وقد ذكرها صاحب كتاب تاريخ الأمة القبطية، فقال عنها ما نصه: "إن الجامعة المقدسة والكنيسة الرسولية تحرم كل قائل بوجود زمن لم يكن ابن الله موجوداً فيه، وإنه لم يوجد قبل أن يولد، وإنه وجد من لا شيء. أو من يقول أن الابن وجد من مادة أو جوهر غير الله الأب، وكل من يؤمن إنه خلق، أو من يقول إنه قابل للتغيير، ويعتريه ظل دوران". قراراته تؤيد برهبة السلطان: ٨٢- إذن قرر المجمع أُلوهية المسيح، وإنه من جوهر الله، وإنه قديم بقدمه، وإنه لا يعتريه تغيير ولا تحول، وفرضت تلك العقيدة على المسيحيين قاطبة مؤيدة سلطان قسطنطين، لاعنة كل من يقول غير ذلك والذين فرضوا هذا القول ٣١٨ أسقفاً، ويخالفهم في ذلك نحو سبعمائة وألف أسقف، وأن لم يكونوا متفقين فيما بينهم على نحلة واحدة، فهل ذلك المجمع لم يخل من نقد؟ إن باب النقد فيه متسع. النقد الموجه إلى المجمع: (أ) وأول ما يلاحظه الناقد أن الذين دعوا إليه، وجابوا الأمصار ووصلوا إلى نيقية بدعوة من قسطنطين، وبتفاهم البطارقة فيما بينهم بلغوا ثمانية وأربعين وألفين من الأساقفة، ولكنا نجد العدد ينزل إلى ثمانية عشر وثلاثمائة أسقف، فما هي آراء الباقين؟ ولماذا أهملت كل هذا الإهمال؟ أكانوا جميعاً مختلفين في النحل والآراء، حتى أن نحلة لم يصل عددها إلى ٣١٨، فلما تعذر الأخذ بالكثرة المطلقة التي يزيد عددها على النصف، ولو واحداً، اتجهوا إلى الأخذ بالكثرة النسبية، وهو اعتناق الر أي الذي يأخذ به أكبر عدد في الأصوات وإن لم يصل النصف أو يقاربه؟ إن المروي غير ذلك، لأن ابن البطريق يقول: أن قسطنطين هو الذي أختار أن يعقد أولئك الأساقفة الذين يبلغون ٣١٨ مجلساً خاصاً بهم، وحضر هو المجلس، وأعطاهم شارة الملك والسلطان لأنهم أفلحوا على أخوانهم في زعم ابن البطريق المسيحي التثليثي، ولأن الرواة يقولون أن أريوس لما اجتمع بهم وألقى بدعوته ونحلته إليهم أنضم إلى آرائه أكثر من سبعمائة أسقف، وذلك العدد هو أكبر عدد نالته نحلة من تلك النحل المختلفة، فلو كانت النصرة بالكثرة النسبية، لكان الواجب إذن أن يكون الغلب لأريوس الذي

стр. 126

احتج بما تحت أيديهم من أناجيل، فلما عارضوه بنصوص أخرى تدل على ألوهية المسيح قرر تحريفها. الرغبة والرهبة من السلطان لهما دخل في القرارات: ويظهر أن عصا السلطان ورهبة الملك كان لهما دخل في تكوين رأي الذين رأوا أُلوهية المسيح، فلقد يروى أن أولئك الـ ٣١٨ لم يكونوا مجمعين على القول بألوهية المسيح، ولكن تحت سلطان الإغراء بالسلطة الذي قام به قسطنطين بدفعه إليهم ثارة ملكه ليتحكموا في المملكة اجمعوا. فقد دفعهم حب السلطان إلى أن يوافقوا هوى قسطنطين الذي ظهر في عقده مجلساً خاصاً بهم دون الباقين، لاعتقاده إمكان إغرائهم، فأمضى أولئك ذلك القرار تحت سلطان الترهيل أو الترغيب، أو هما معاً. وبذلك قرروا أُلوهية المسيح، وقسروا الناس عليه بقوة السيف، ورهبة الحكام. المجمع فرض لنفسه سلطاناً كهنوتياً على الناس: (ب) أن المجمع فرض نفسه حكومة وجماعة كهنوتية تلقى على الناس أوامر الدين وعليهم أن يطيعوا راغبين أو كارهين، وقرر أن تعاليم الدين لا يتلقونها من كتب المسيحية رأساً، بل لابد من تلقيها من أفواه العلماء ورجال الكهنوت، وإن أقوالهم في ذاتها حجة، سواء أخالفت النصوص أم وافقت، وسواء أكانت الصواب، أم جافت الحق، وإن ذلك كان له ما بعده في المسيحية. وهو مخالف كل المخالفة لما جاء في تعاليم المسيح المنصوص عليها، حتى كتبهم التي يقرءونها ويعترفون بها، فقد جاء في الإصحاح العشرين من إنجيل متى ما نصه: "رؤساء الأمم يسودونهم، والعظماء يسلطون عليهم، فلا يكن فيكم هذا" ولكن العلماء تسلطوا على إخوانهم المسيحيين لما أعطاهم قسطنطين خاتمه وسيفه وقضيبه، وبذلك خالفوا المسيح ﵇ ليطيعوا قسطنطين. أمره بتحريق ما يخالفه: (جـ) أن المجمع أمر بتحريق الكتب التي تخالف رأيه، وتتبعها في كل مكان، وحث الناس على تحريم قراءتها، فهو بهذا يمنع أن يصل إلى الناس علم بأي أمر من الأمور التي تخالف رأيه، وهو بهذا يحاول التحكم في القلوب، والسيطرة على النفوس بحملها على قراءة ما وافق رأيه، ومنعها

стр. 127

منعاً بأنا جازماً من أن يقرأ غيره، ويسد عليها منافذ النور للاهتداء إلى ما يخالفه، ولعل المجمع مخطئ في ذلك التحريم، وآثم في ذلك التحريف، بل إن المجامع العامة من بعد قد خطأته، فأعادت إلى حظيرة التقديس كتباً حرمها، وأخرجت من البلى كتباً حرفها" قد حرم كتباً من العهد القديم، ولم يعترف بها فاعترفت بها المجامع المسيحية من بعده، وحرم من كتب النصارى المعتبرة الآن: رسالة بولس إلى العبرانيين، والرسالة الثانية لبطرس، والرسالة الثانية والثالثة ليوحنا، ورسالة يعقوب، ورسالة يهوذا، ومشاهدات يوحنا، ولكن المجامع من بعد أقرتها، وأجمعت عليها. إذن لم يكن المجمع مصيباً من كل الوجوه، وإن أخطأ في معرفة الصحيح من الكتب، فآراؤه الأخرى أكثر عرضة للخطأ وأكثر استهدافاً للنقد، لعل أشدها صلة بالباطل، وأقربها به رحماً، وأدناه إليه هو ما يتعلق بالعقيدة. قسطنطين يتدخل ذلك التدخل وهو لم ينتصر: (د) بقى أمر نشير إليه إشارة خفيفة، وهو مقام قسطنطين في المسيحية عند انعقاد ذلك المجمع، أكان مسيحياً عاما بالمسيحية في ذلك الإبان، حتى ساغ له أن يحكم لبعض المجتمعين، وإن لم يكونوا الكثرة على أي اعتبار كانت الكثرة، أكثرة مطلقة أو كثرة نسبية؟. يقول المؤرخ أبوسيبوس الذي تقدس كلامه الكنيسة، وتسميه سلطان المؤرخين: "أن قسطنطين عمد حين كان أسير الفراش، وأن الذي عمده هو ذلك المؤرخ نفسه، وقد كان له صديقاً". والتعميد إعلان دخول المسيحية، إذن فقسطنطين ما كان مسيحياً في أبان انعقاد ذلك المجمع، وما كان من حقه أن يحكم بفلج هؤلاء، ويسوغ لنا أن نقول إنه كان له في هذا أرب خاص، وهو تقريبها من وثنيته، أو على الأقل عندما رجح رأي فريق على فريق كان يرجح ما هو أقرب إلى وثنيته، وأدنى إلى ما يعرفه من عقيدة، فلم تكن الحجة القوية في جانب ترجيحه على هذا الاعتبار، أو كان متهماً في ترجيحه بناء على الاعتبار الأول، وسواء أكان هذا أم ذاك، فهو قد رجح ما هو أقرب إلى الوثنية لوثنيته.

стр. 128

تلقى المسيحيين لقرارات المجمع: ٨٣- ولكن هل أمات ذلك الرأي الوحدانية التي كان يجاهر بها أريوس، وهل قضي ذلك المجمع القضاء المبرم عليها؟ إنه لو فرض أبعد الفروض عن الحق، وكانت كثرة المجمع العلم على غير رأي أريوس ما انتصروا عليه ولا قضوا على ما يدعو إليه لأن الآراء لا تنتصر بكثرة العدد بل بقوة الدليل وقوة تصور العقيدة، وقوة الاقتناع بها، وسهولة دخولها إلى العقل، واستساغته لها، ولذلك لم يقض المجمع على فكرة الوحدانية. بل ربما كانت المحاولة للقضاء عليها سبباً في شدة الاستمساك بها، والمبالغة في المحافظة عليها مما يراد بها. ولذلك أخذ البطارقة الذين لعنوا لاعتناقها يعملون الحيلة للاحتفاظ بها وحياطتها، واتخذوا الخديعة سبيلاً لذلك. فتقربوا من قسطنطين وأظهروا له الإقلاع عما كانوا عليه ليعودوا إلى ما كان لهم من مناصب. ويستطيعوا مناصرة فكرتهم. ولينالوا ثقة قسطنطين. ومن طريق هذه الثقة ينفذون إلى نفسه. ويقنعونه هو بالتوحيد. ليستطيع أن يخدمه بسلطانه قوته. كما خدم أُلوهية المسيح، أو على الأقل ليقف موقف الحياد ويترك الآراء تسير في مجراها الطبيعي. ولنقص عليك محاولة من محاولات الموحدين. مجمع صور يرفض بالإجماع قرار مجمع نيقية: يذكر ابن البطريق أن أوسابيوس أسقف نيقومدية كان موحداً من مناصري أريوس في المجمع العام قبل أن تبعده عنه كثرته. ولعن من أجل هذا وأراد أن يتقرب من قسطنطين "فأظهر إنه وافق على قرار الثمانية عشر والثلاثمائة فأزال عنه اللعنة قسطنطين. وجعله بطريرك القسطنطينية، فما أن ولى هذه الولاية حتى صار يعمل للوحدانية في الخفاء فلما أجتمع المجمع الإقليمي في صور حضره هو وبطريرك الإسكندرية الذي كان يمثل فكرة أُلوهية المسيح ويدعو إليها، وينفرد من بين البطاركة في المبالغة في الدعوة إليها، والحث عليها، ولعن كل من يقاومها. وانتهز أوسابيوس فرصة ذلك الاجتماع وأثار مقالة أريوس، ورأيه في المسيح وإنكار ألوهيته. وكان في ذلك المجمع كثيرون من الموحدين المستمسكين به، إذ لم يحتاطوا بإبعادهم، كما فعلوا في المجمع العام

стр. 129

بنيقية. وأشتد النقاش بين رئيس كنيسة الإسكندرية، وبين المجتمعين، ولم يكتفوا بالنقاش القولي بل امتدت الأيدي إلى بطريرك الإسكندرية وعمدت إلى رأسه لإخراج الوثنية منها، فضربوه حتى أدموه، وكادوا أن يقتلوه، ولم يخلصه من أيديهم إلا ابن أخت الملك الذي كان حاضراً تلك الاجتماع، ولكن لما بلغ ذلك قسطنطين كرمه. ما يستنبط من هذا: وما سقنا ذلك القصص لرضانا عن تأييد الرأي بالعصا وجمع اليد، ولكن سقناه ليتبين منه القارئ مقدار حماسة الموحدين من أهل المسيحية الأولى لعقيدة التوحيد، وإنهم في تلك الحماسة لا يأبهون لشيء، ولا يهمهم إغضاب ذوي السلطان أو إرضاءهم، وسقناه لتعلم أن الموحدين كما يظهر من رواية الكتب المسيحية، وكما يستنبط كانوا الكثرة الغالبة في المسيحيين، ففي مجمع نيقية كانوا الكثرة، وفي مجمع صور الخاص كانوا الجميع ما عدا رئيس كنيسة الإسكندرية. وإذا كانوا الكثرة في المؤتمرات خاصة وعامة، فلابد أن يكونوا الكثرة في جمهور المسيحيين. وإذن تكون فكرة أُلوهية المسيح هي العارضة والأصل هو التوحيد كما يستنبط القارئ من المصادر المسيحية نفسها. وسقناه لتعلم أن قسطنطين كان يشجع دائماً المخالفين للتوحيد. وإن كان لا يظهر السخط على غيرهم أحياناً. وسقناه لتعلم أن مجمع صور كان يخالف كل المخالفة مجمع الثمانية عشر والثلاثمائة. وأخيراً سقناه لتعلم أن موطن الدعاية لألوهية المسيح كانت كنيسة الإسكندرية وحدها، فهي التي حاربت أريوس. وهي التي لعنته مرتين، ورئيسها هو الذي خالف في صور، ونال عقاب المخالفة جزاء وفاقا. فهل لنا أن نقول أن التثليث الذي اشتملت عليه فلسفة الإسكندرية كان يعلن على السنة بطاركتها. وإنهم كانوا يمثلون تلك الفلسفة بآرائهم أكثر من تمثيلهم لمسيحية المسيح ﵇؟ إن ذلك هو مفتاح التاريخ الصحيح فمن أراد أن يعرف كيف حالت المسيحية من توحيد إلى تأليه للمسيح، فليستعن به. نشاط الموحدين: ٨٤- ولم ين الموحدون عن إعلان الاستمساك بعقيدتهم، وتخطئة

стр. 130

الذين أعلنوا أُلوهية المسيح، ومعهم في ذلك الكثرة العظمى من المسيحيين، كما يدل على ذلك ما سننقله من تاريخ ابن البطريق، فلقد حاولوا أن يجذبوا قسطنطين ابن قسطنطين إلى رأيهم بعد أن مات أبوه، فاجتمعوا به. وحسنوا رأي الموحدين له، وبينوا له إنه صميم المسيحية، وأن الأساقفة الذين ناقضوه خالفوا وجه الحق، ولم يكونوا آخذين بتعاليم السيد المسيح التي بشر بها بين الأنام، ولكنه لم يعمل على نصرتهم، ولم يعاونهم في دعايتهم، مع أن أكثر المسيحيين في ذلك العصر كانوا موحدين. يقول ابن البطريق: "في ذلك العصر غلبت مقالة أريوس على القسطنطينية، وأنطاكية وبابل، والإسكندرية". وأسيوط قد علمت أن كنيستها كانت موحدة. ويقول في بيان الإسكندرية ومصر بعد الإجمال السابق "فأما أهل مصر والإسكندرية فكان أكثرهم أريوسيين، فغلبوا على كنائس مصر والإسكندرية وأخذوها، ووثبوا على اثناسيوس بطريرك الإسكندرية ليقتلوه، فهرب منهم واختفى". وقد كان على كثير من الكنائس رؤساء موحدون يستمسكون بالتوحيد ويحثون على الاستمساك به، وكلما ولي أسقف غير موحد ثاروا به، وهموا بقتله، وهذا ابن البطريق يقص علينا أن بطريق بيت المقدس لم يكن موحداً فيثور عليه الموحدين، ويهمون بقتله فيهرب منهم، فيقول في ذلك "وثب أهل بيت المقدس، من كان منهم أريوسيا على كورلس أسقف بيت المقدس ليقتلوه، فهرب منهم، فصيروا أراقليوس أسقفاً على بين المقدس، وكان أريوسيا". وهكذا نجد مغالبة قوية بين التوحيد وألوهية المسيح، الأولى تغالب بالكثرة وقوة الإيمان، وسعة الحيلة، والثانية بقوة السلطان، وبقايا الوثنية والذين كانوا متأثرين بها، ووجدوا مواءمة بينهما وبين ما يألفون، فابتغوها لقربها مما ألفوا وغرفوا. وأمكنته التقاليد من نفوسهم. ولكن قوة السلطان طمست نور المذهب الأول. إذ أنها احتاطت فجملت كل الأساقفة ممن لم يكونوا موحدين. واحتاطت أشد الاحتياط في ذلك، وأخذ أولئك يسيطرون على قلوب العامة بالرؤى والأحلام والهامات يزعمونها، حتى اختفى المذهب الحق في لجة التاريخ، ولم يبد على السطح ألا أُلوهية المسيح.

стр. 131

٢- المجمع القسطنطيني الأول سنة ٣٨١ سبب انعقاده: ٨٥- تقرر في مجمع نيقية أن المسيح إله، وإنه ابن الأب وإنه جوهر قديم من جوهر الأب، ولم يتعرض للروح القدس أهو إله أم روح مخلوق، وليس باله. ولم يكن مجمع نيقية قد أصدر قراراً في هذا الأمر، لذلك ظهرت أفكار بين المسيحيين لا تعترف له بألوهيته، ويظهر أن الإسكندرية التي كانت مهداًَ للأفلاطونية الحديثة التي تقول بالتثليث وأن المسيطر على العالم ثلاث قوى مؤثرة فيه، قوة المكون الأول، والعقل (الابن) والنفي العامة (الروح القدس) - تريد أن تفرض ذلك فرضاً على المسيحيين، كما كانت العامل القوي في إعلان ألوهية المسيح. عدد المجمع والطعن في كونه عاماً: أخذ يجاهر رجل اسمه مقدونيوس بأن الروح القدس ليس بإله، ولكنه مخلوق مصنوع، وشاعت مقالته بين الناس، ولم يجدوا فيها نكراً ولا أمراً لا يقره العقل أو تأباه المسيحية. فأجتمع إلى ذلك ذوو الأمر من وزرائه وقواده، وبلغوه أن العامة قد فسدوا، فهم مازالوا متأثرين بوحدانية أريوس، واعتنقوا مذهب مقدونيوس في أن الروح القدس ليس بإله قديم، بل هو مخلوق مصنوع، وحرضوه على أن يجمع جمعاً من الأساقفة يثبتون عقيدة المجمع النيقوى ويدحضون قول مقدنيوس. فاجتمع في القسطنطينية خمسون ومائة أسقف وكان المقدم فيها بطريرك الإسكندرية، ويظهر أن ذلك العدد لم يكن ممثلاً لكل الكنائس. ولكل الأقاليم، ولذلك كان اعتباره مجمعاً عاماً من الأمور التي ثارت حولها الأقوال. فيقول في ذلك صاحب كتاب سوسنة سليمان: "قال الرهبان البندكيتيون أن المجمع الذي لم يكن أربابه إلا مائة وخمسين أسقفاً لا ينظم في سلك المجامع المسكونية إلا بعد أن تقره جميع الكنائس".

стр. 132

بطريرك الإسكندرية هو الذي يقرر أُلوهية روح القدس: اجتمع هذا المجمع في القسطنطينية، وتذاكر المجتمعون فيمن هو أولى بالرياسة فقر رأيهم على أن تكون الرياسة لأسقف القسطنطينية، وبذلك نحى عنها رئيس كنيسة الإسكندرية. وكان لذلك أثره في نفوس تابعي تلك الكنيسة كما جاء في كتاب تاريخ القبطية. ولكن مع إبعاد ممثل كنيسة الإسكندرية عن مكان الرياسة، وموضع الزعامة الذي كان فلسفة في مجمع نيقية كان هو المقدم في المناقشة، وتقرير الرأي الذي أجمع عليه المؤتمر بعد ذلك، وهذا ما نقله ابن البطريق عنه بنصه: (قال ثيموثاوس بطريق الإسكندرية: ليس روح القدس عندنا بمعنى غير روح الله، وليس روح الله شيئاً غير حياته. فإذا قلنا أن روح القدس مخلوق، فقد قلنا أن حياته مخلوقة وإذا قلنا أن حياته مخلوقة، فقد زعمنا إنه غير حي، وإذا زعمنا إنه غير حي فقد كفرنا به، ومن كفر به وجب عليه اللعن) . قرار المجمع يوافق رأي بطريرك الإسكندرية: واتفقوا على لعن مقدونيوس، فلعنوه هو وأشياعه، ولعنوا البطاركة الذين يكونون بعده، ويقولون بمقالته، إذن كان الإسكندرية فضل الصدارة في القول، والقيادة في الرأي العام، وأن لم تكن لها الرياسة. نظرة فاحصة: ونريد أن نستطرد استطراده صغيرة عاجلة، وهي أن ننظر في تلك السلسلة الفكرية التي ساقها في شكل دليل شرطي كثرت مقدماته وكثرت تالياته، وأن نظرة سريعة فاحصة إلى الأساس الذي قامت عليه السلسلة ترينا إنه جعل روح القدس هي روح الله، وهذا لا يسلمه له مخالفه. ولا يستطيع هو أن يقيم عليه دليلاً. أن روح القدس خلقه الله، وأتخذه ليكون رسولاً بينه وبين من يريد أن يلقى عليه وحياً من خلقه أو أمراً كونياً، فهي ليست روح الله المتعلقة

стр. 133

بذاته، وليس عنده من دليل على ما قال، ولكن هكذا ساق السلسلة، وهكذا اقتنع سامعوه. وبذلك تم له الثالوث الذي يتشابه تماماً مع فلسفة الإسكندرية، وقد أعلنها بطريرك الإسكندرية، وزادوا بذلك على مجمع نيقية هذا الأقنوم الثالث. ويقول ابن البطريق في بيان قرارهم: "زادوا في الأمانة التي وضعها الثلاثمائة والثمانية عشر أسقفاً الذين اجتمعوا في نيقية الإيمان بروح القدس الرب المحي المنبثق من الأب الذي هم مع الأب والابن مسجود له، وممجد وثبتوا أن الأب والابن وروح القدس ثلاثة أقانيم، وثلاثة وجوه، وثلاث خواص، وحدية في تثليث، وتثليث في وحدية، كيان واحد في ثلاثة أقانيم. إله واحد، جوهر واحد، طبيعية واحدة". إذن تقرر التثليث، وتمت أقانيمه، ولكن ما زال للمؤتمرات العامة والمجامع العامة موضع، فإن طبيعية المسيح الإنسانية والإلهية، كيف تجتمعان؟ هذا موضع الخلاف. ولهذا تجتمع المؤتمرات.

стр. 134

٣- مجمع أفسس الأول سنة ٤٣١ سبب انعقاده: ٨٦- أول اختلاف بينهم بعد تقرير الثالوث أن بطريرك القسطنطينية نسطور رأي أن هناك أقنوماً وطبيعة، فأقنوم الأُلوهية من الأب. وتنسب إليه. وطبيعية الإنسان وقد ولدت من مريم. فمريم أم الإنسان، وليست أم إله. ويقول في المسيح الذي ظهر بين الناس وخاطبهم، كما نقله عنه ابن البطريق: "أن هذا الإنسان الذي يقول إنه المسيح. بالمحبة متحد مع الأب، ويقال إنه الله وابن الله ليس بالحقيقة، ولكن بالموهبة". ويظهر من هذا أن المسيح الذي ظهر بين الناس لم يكن إلهاً بحال من الأحوال، ولكنه مبارك بما وهبه الله من آيات وتقديس. ولذا جاء في تاريخ الأمة القبطية عن نحلته ما نصه: النسطوريون ينكرون أُلوهية المسيح: "أما هرطقة نسطور هذه فلم تكن كغيرها نشأت عن اختلاف في عقائد الآباء والأحبار، بل هي جوهرية تختص بأعظم موضوعات الإيمان والأركان في الدين المسيحي، ذلك أن نسطور ذهب إلى أن ربنا يسوع المسيح لم يكن إلهاً في حد ذاته، بل هو إنسان مملوء من البركة والنعمة، أو هو ملهم من الله، فلم يرتكب خطيئة، وما أتى أمراً آدا". على هذا التخريج يكون نسطور لا يعتقد بألوهية المسيح. وإن كان يعتقد إله فوق الناس، وليس مثلهم، ولقد جهر بهذا الرأي، ونادى به، وهو رئيس لكنيسة القسطنطينية، ولها مكانتها، ولكن خالفه غيره من الأساقفة، فكان أسقف روما يعلله برأيه المخالف له، مع ما عند نسطور فيما رآه من بينات، وأدلة. ولقد بلغت مقالة نسطور بطريرك الإسكندرية، وجرت المراسلات بين أسقف الإسكندرية وأساقفة أنطاكية ورومة وبيت المقدس، فاتفقوا على عقد مجمع أفسس للنظر في هذا الرأي، وإعلان صاحبه بالتبرؤ منه،

стр. 135

ولعنه أن أصر على رأيه، ودعوه ليسمع حكمهم في رأيه. ويظهر إنه عرفه قبل أن يجتمع المجمع. وإنهم مصرون على ما أعلنوه، كما إنه مصر على رأيه، فلم يجد كبير فائدة في حضور المجمع، فلم يحضر لا هو ولا بطريرك أنطاكية. وانعقد المجمع وعدده نحو مائتين من الأساقفة، وقرروا ما نصه كما جاء في تاريخ ابن البطريق: "أن مريم العذراء والدة الله، وأن المسيح إله حق وإنسان معروف بطبيعتين، متوحد في الأقنوم" ولقد لعنوا نسطور. قرار المجمع والاحتجاج عليه: فلما بلغ ذلك القرار يوحنا بطريرك أنطاكية غصب، وأحتج على المجمع، فأختلف المجتمعون على رأيين، وأصر المشرقيون على الرأي الذي أعلنه المجلس أولاً، وكتبوا صحيفة فيها "أن مريم القديسة العذراء ولدت إلهناً وربنا يسوع المسيح الذي مع أبيه في الطبيعة، ومع الناس في الناسوت والطبيعة" وأقروا بطبيعتين، ووجه واحد وأقنوم واحد، خالفهم بطريرك الإسكندرية أولاً، ولكن يقول ابن البطريق إنه وافق بعد ذلك وكتب إليهم: "أن أمانتي التي في صحيفتكم". انتشار النسطورية في الشرق: ولكن لم يخضع نسطور لذلك القرار. فنفى إلى مصر. ولم يندرس مذهبه بذلك النفي، ولقد وجد أرضا صالحة لها في الشرق، فلقد نهضت النسطورية في نصيين، ويقول ابن البطريق: "تكاثرت النسطورية في المشرق والعراق والموصل والفرات والجزيرة".

стр. 136

٤- مجمع خليكدونية سنة ٤٥١ كنيسة الإسكندرية تعلن أن المسيح إله قد اتحد فيه اللاهوت والناسوت وصارا طبيعة واحدة: ٨٧- ولم يحسم ذلك المجمع الخلاف في مسألة اجتماع العنصر الإنساني والعنصر الإلهي في المسيح، فلم يقض على نحلة نسطورس قضاء ببرما، وإن كان قد نفاه وآذاه، بل نمت نحلته بعد ذلك في المشرق، وذاعت في البلاد التي ذكرها ابن البطريق، ولم يتم الخلاف في ذلك عند نسطور وأتباعه، بل أن كنيسة الإسكندرية قد خرجت هي الأخرى برأي جديد عرضته على الملأ من الأساقفة وجمعوا له جمعاً قرروه فيه، وذلك الرأي أن للمسيح طبيعة واحدة اجتمع فيها اللاهوت بالناسوت، وانعقد لأجل هذا مجمع أفسس الثاني الذي تسميه الكنيسة الكاثوليكية مجمع اللصوص، وفي هذا المجمع أعلن ذلك الرأي. فلما عارضه بطريرك القسطنطينية وأعلن انسحابه من المجلس، وعدم احترامه، أمرهم رئيس المجلس بإعلام حرماته، وحدث خارج المجلس صخب شديد، وضجة كاد أن يقتل فيها رئيس كنيسة القسطنطينية وقد أشتد الاختلاف بعد ذلك حول هذا المجمع، أهو صحيح محترم السلطان، أم هو مجمع غير عام لا تلتزم بآرائه الكنائس كلها، وأشتد الاختلاف في قرارات الحرمان التي أصدرها، أهي محترمة واجبة التنفيذ، أم هي باطلة، لأنها صادرة من غير سلطة؟ حتى جاءت ملكة على الرومان تخالف ذلك الرأي، وتميل لغيره. فلتنفيذ رأيها في هذا الخلاف الشديد حول مجمع أفسس الثاني وقراراته - أمرت، هي وزوجها، بعقد مؤتمر عام، فاجتمع في مدينة خليكدونية عشرون وخمسمائة أسقف، وكان الاجتماع تحت إشراف زوج الملكة، واجتمع في شهر أكتوبر سنة ٤٥١. طلب انسحاب بطريرك الإسكندرية ورفض الطلب: وتقول مؤلفة تاريخ كتاب الأمة القبطية: "وكان أول اقتراح طلبه مندوبو رومية انسحاب ديسقورس بطريرك الإسكندرية من المجلس.

стр. 137

فسأل الرئيس عن الباعث لهذا الانسحاب وعن الأسباب التي تلجئ المجمع إلى إخراج هذا البطريرك من قاعته؟ فكان اعتراض هؤلاء أن ديسقورس شكل مجمعاً دون أن يستأذن الكرسي الرسولي، ويقصدون بالكرسي الرسولي بابا القسطنطينية ... فلم يصادق مندوبو الحكومة على هذا الرأي السقيم، وقرر المجمع بقاء ديسقورس، ولكن على غير كرسي الرياسة، كما كان في المجمع السابق لأنها أصبحت في يد رجال الإمبراطورة، وقد حدث ضجيج وصخب ومنازعات في أثناء الاجتماع مما جعل مندوبي الحكومة يصبحون فيهم قائلين بلسان أحدهم: "إنه لا يجدر بالأساقفة وأئمة الدين أن يأتوا مثل هذه الأعمال الشائنة من صياح، وصراخ، وسب، وقذف، وضرب ولكم. بل يجب عليهم أن يكونوا قدوة للشغب في الهدوء وتسيير الأمور على محور الحكمة والسداد، ولذلك نرجوكم أن تستعملوا البرهان بدل المهاترة، والدليل عوضاً عن القول الهزاء، وأميلوا آذانكم إلى سماع ما سيتلى عليكم". الشغب في المجمع: وسارت المناقشة بعد ذلك في جو عنيف متعصب وانتهى المجمع إلى أن قرر، أن المسيح فيه طبيعتان لا طبيعة واحدة، وأن الأُلوهية طبيعة وحدها، والناسوت طبيعة وحده. التقتا في المسيح. قرار المجمع أن المسيح له طبيعتان: وقد قال ابن البطريق في بيان قرار المجمع: "قالوا أن مريم العذراء ولدت إلهناً، ربنا يسوع المسيح الذي هو مع أبيه في الطبيعة الإلهية، ومع الناس في الطبيعة الإنسانية، وشهدوا أن المسيح له طبيعتان، وأقنوم واحد، ووجه واحد، ولعنوا نسطورس، ولعنوا ديسقورس، ومن يقول بمقالته، ونفوه ولعنوا المجمع الثاني الذي كان بأفسس وقد نفى ديسقورس إلى فلسطين". الانشقاق ومداه: ٨٨- هنا نرى انشقاقاً بين المسيحية المثلثة، واختلافاً يكون بعبد المدى في الأجيال المقبلة، وهو أساس اختلاف الكنائس إلى يومنا الحاضر

стр. 138

فهذا المجمع يرى أن المسيح له طبيعتان أحداهما إنسانية يشارك فيها الناس والأخرى لاهوتية، وأقنوم الابن مكون من الطبيعتين، وهو بذلك يخالف النسطوريين. لأنهم يقولون: أن أقنوم الابن لم يكن من العنصرين، بل من العنصر الإنساني وحده، ويخالف قرار أفسس الثاني الذي يقول أن المسيح طبيعة واحدة تجسد فيها العنصر اللاهوتي من الروح القدس، ومن مريم العذراء مصيرا هذا الجسد معه واحداً وحدة ذاتية جوهرية منزهة عن الاختلاط والاستحالة، بريئة من الانفصال، وبهذا الإتحاد صار الابن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين، ومشيئة واحدة، وقد بدت آثار ذلك المجمع سريعة واضحة. فإن المصريين عندما بلغهم ما نزل برئيس كنيستهم غضبوا، وأجمعوا أمرهم على عدم الاعتراف بقرارات ذلك المجمع. عدم اعتراف المصريين بقرار المجمع: وتقول مؤلفة كتاب تاريخ الأمة القبطية: "ولما طرق مسامع المصريين ما لحق ببطريركهم من الحرمان والعزل هاجوا وغضبوا، واتفقوا على عدم الاعتراف بقرار المجمع الذي أصدر هذا الحكم، وأعلنوا رضاهم ببقاء بطريركهم رئيساً عليهم، ولو إنه محروم مشجوب، وأن إيمانه ومعتقده هو عين إيمانهم ومعتقدهم، ولو خالفه فيهما جميع أباطرة القسطنطينية، وبطاركة رومية، ولقد أعتبر المصريون أن الحكم الذي صدر ضد بطريركهم ماس بحريتهم الوطنية، مجحف بحقوقهم السياسية، ولو إنه حكم ديني صرف". ولقد أشتد النزاع بسبب هذا بين المصريين والرومان فثار المصريون وغضبوا عندما رأوا بطريركا يعين على غير مذهبهم، وعلى غير رغبتهم، واستمروا على غضبهم، فصاروا ينتقضون الحين بعد الحين، كلما لاحت لهم الفرصة، وديسقورس لم يمنعه النفي من أن يدعو المسيحيين إلى اعتقاده في منفاه. ويقول ابن البطريق: "لما نفي سار إلى فلسطين، وبيت المقدس، فأفسد دين كل من بفلسطين وبيت المقدس، حتى قالوا بمقالته".

стр. 139

المصريون يرفضون تعيين بطريرك على غير مذهبهم: ٨٩- ولقد كان الاختلاف يشتد كلما عين الرومان بطريركا، فإن المصريين يرفضونه محتجين بأنه على غير مذهبهم ومن غير جماعتهم، ويجب أن يكون بطريركهم بعد هذا الاختلاف من المذهب الذي ارتضوه ديناً، وباختيارهم، فكان بعض الأباطرة يأخذهم بالعنف، وأولئك هم الأكثرون، وبعضهم يأخذهم بحسن السياسة ولطف الكياسة، فيترك لهم الحرية في اختيار بطريركهم، والاطمئنان إلى مذهبهم، وكانت الأيام والسنون هكذا تسير أحياناً على نهج من الهوادة والرفق، وأحياناً كثيرة على شطط وعنف. يعقوب البرادعي ونسبة المذهب المصري إليه: وفي هذه الأثناء يتغلغل في ربوع الدولة الرومانية الدعاة إلى المذهب المصري والدعاة إلى المذهب الروماني أو مذهب رومية مقر الأباطرة أو المذهب الملكي كما سماه العرب من بعد. ولقد ظهر للمذهب المصري داعية قوي الشكيمة قوي العارضة، بليغ الأثر، أسمه يعقوب البرادعي، قد أخذ يجول في وسط القرن السادس الميلادي في البلاد الرومانية إلى مصر، يدعو الناس إلى اعتناق مذهب الكنيسة المصرية، ويبث ذلك المذهب في نفوسهم، ويدخله في قلوبهم، وسلك في سبيل ذلك المخاطرة والجرأة، لا يأبه بقوة مهما تكن، ولا لذي خطر مهما يكن شأنه. وتقول صاحبة كتاب تاريخ الأمة القبطية: "قيل إنه رسم ٩٨ أسقفاً، وألوفا من الكهنة والقسوس، ومن ذلك الحين أطلقت كلمة يعقوبيين على جميع الذين يذهبون إلى أن للمسيح طبيعة واحدة اشتقاقاً من اسم يعقوب البرادعي زعيم هذا الحرب. ولكن من الخلط الكبير، والخبط الذي يدل على الجهل إطلاق لفظ يعقوبيين على الكنيسة القبطية المصرية، لأن مذهبها نشأ قبله، وهو تبعه إذ لا علاقة لها بيعقوب، أما إذا سميت الكنيسة الرومانية بالكنيسة الملكية فأنت مصيب غير مخطئ، لأن هذا الاسم صار علماً للكنيسة

стр. 140

المذكورة من بعد الفتح الإسلامي، وهو اسم عربي الأصل مشتق من كلمة ملك، ومعناها الذين ينحازون إلى الملك، أو الإمبراطور الروماني مذهباً وسياسة". انفصال الكنيسة المصرية نهائياً: ٩٠- ولقد كان قرار مجمع خليكدونية هو السبب في انقسام الكنائس، أو بعبارة أدق هو السبب في انفصال الكنيسة المصرية عن الكنيسة الغربية، ولقد لخص صاحب كتاب تاريخ المسيحية في مصر عقيدة الكنيسة المصرية فقال: "كنيستنا المستقيمة الرأي التي تسلمت إيمانها من كيرلس، وديسقورس ومعها الكنائس الحبشية والأرمنية، والسريانية الأرثوذكية تعتقد بأن الله ذات واحدة مثلثة الأقانيم، أقنوم الأب، وأقنوم الابن، وأقنوم الروح القدس، وأن الأقنوم الثاني أي أقنوم الابن تجسد من الروح القدس، ومن مريم العذراء، فصير هذا الجسد معه واحداً وحدة ذاتيه جوهرية منزهة عن الاختلاط، والامتزاج والاستحالة، بريئة من الانفصال، وبهذا الإتحاد صار الابن المتجسد طبيعة واحدة من طبيعتين، ومشيئة واحدة". هذه هي قرارات تلك الكنيسة، وهي تخالف ما تقرر في مجمع خليكدونية كما علمنا.

стр. 141

المجامع الباقية المجامع السابقة تقرر المسيحية الحاضرة: ٩١- عنينا ببيان المجامع الأربعة السابقة ببعض التفصيل، ولم نضن على القرطاس فيها ببعض الأطناب، لأنها المجامع التي قررت بها العقيدة المسيحية الحاضرة. فأولها قرر أُلوهية المسيح، وثانيها قرر أُلوهية الروح القدس، وثالثها قرر أن المسيح اجتمع فيه الإنسان والإله، لا الإنسان فقط، وإن مريم ولدت الاثنين، ورابعها قرر أن المسيح ذو طبيعتين منفصلتين، لا طبيعة واحدة متحدة، والمجامع الثلاثة الأولى اتفقوا على أنها مجامع عامة تلزم بأحكامها المسيحيين أجمعين، أما المجمع الرابع فهو ليس مجمعاً عاماً في نظر المصريين، والكنائس التي تنهج نهج كنيستهم. والمجامع الآتية بعد ذلك ليس فيها مجمع قد أجمع عليه المسيحيون قاطبة بأنه مجمع عام مسكوني كما يعبرون، فكل هذه المجامع لم تمثل فيها الكنيسة المصرية بعد انشقاقها على كنيسة رومة، أو انشقاق كنيسة روما عليها. وإنا نشير إلى هذه المجامع إشارة، ولا نعرج عليها بتفصيل لذلك، ولأن قراراتها كانت في فروع جزئية لا تتصل بلب التثليث إلا في بعض المجامع، وبقدر يسير، لا يمس الجوهر، ولا يتغلغل في صميمه، وقد نعرض لهذا بقليل من التفصيل. ولقد كان المجمع الخامس بالقسطنطينية سنة ٥٥٣، ويسمى المجمع القسطنطيني الثاني. المجمع القسطنطيني الثاني وسبب انعقاده: ويذكر ابن البطريق أن ذلك المجمع انعقد بسبب أن بعض الأساقفة اعتنق فمرة تناسخ الأرواح، وساء فيها إلى أقصى مداها. حتى لقد قال إنه ليس هناك قيامة، وبسبب أن بعض الأساقفة قد زعموا أن شخص المسيح لم يكن حقيقة، بل كان خيالاً، فاجتمع لذلك هذا المجمع، وكانت عدة الحاضرين فيه أربعين ومائة، فقرروا حرمان هؤلاء الأساقفة، ولعنهم

стр. 142

وطردهم من زمرة المسيحيين، ولم يكتفوا في اجتماعهم بإصدار قرارهم في هذه الأمور، بل ثبتوا قرارات المجامع السابقة، ومنها قرار مجمع خليكدونية، وبذلك ثبتوا عقيدة كون المسيح ذا طبيعتين، وأكدوا إنكار الطبيعة الواحدة التي اعتنقتها كنيسة مصر. ومن والاها من المسيحيين. المارونية: ٩٢- وقد ظهر رجل اسمه يوحنا مارون في القرن السابع الميلادي سنة ٦٦٧ كان يقول أن المسيح ذو طبيعتين، ولكن ذو مشيئة واحدة لالتقاء الطبيعتين في أقنوم واحد، ولكن يظهر أن هذه المقالة لم ترق في نظر البطارقة لذلك، فأوعزوا إلى الإمبراطور أن يجمع جمعاً علماً في زعمهم، ليقر بأن المسيح ذو طبيعتين، وذو مشيئتين، بعد أن استوثقوا من أن الإمبراطور، واسمه يوغاقوس على رأيهم، بمكاتبات تبادلوهم معه. فقد جاء في أحد كتبه: "نحن نقر، وتؤمن بطبيعتين، ومشيئتين، وفعلين لسيدنا المسيح، وأقنوم واحد، ونلعن من خالف هذا". مجمع القسطنطينية الثالث: اجتمع كذلك المجمع السادس بمدينة القسطنطينية سنة ٦٨٠ م وقد كان من عمله لعن وطرد كل من يقول بالمشيئة الواحدة. كما لعن وحرم وكفر من قال بالطبيعية الواحدة، وكان مؤلفاً من نحو تسعة وثمانين ومائتي أسقف. ويعد أن قروا لعن وطرد من يخالفهم كشأنهم دائماً. قالوا: "إننا نؤمن بأن الواحد من الثالوث الابن الوحيد الذي هو الكلمة الأزلية الدائم المستوى مع الأب الإله في أقنوم واحد، ووجه واحد، يعرف تماماً بناسوته، تماماً بلاهوته في الجوهر الذي هو ربنا يسوع المسيح بطبيعتين تامتين وفعلين ومشيئتين في أقنوم واحد، وشهدوا كما شهد المجمع الخلقيدوني أن الإله الابن في آخر الأزمان أخذ من العذراء السيدة مريم القديسة جسداً إنسانياً بنفس ناطقة عاقلة، وذلك برحمة الله محب البشر، ولم يلحقه في ذلك اختلاط ولا فساد، ولا فرقة ولا عمل، ولكن هو واحد يعمل ما يشبه الإنسان أن يعمله في طبيعته، وما يشبه الإله أن يعمله في طبيعته، الذي هو الابن الوحيد، الكلمة الأزلية المتجسدة التي صارت

стр. 143

لحته لحماً كما يقول الإنجيل المقدس من غير أن تنتقل من مجدها الأزلي وليست بمتغيرة، ولكنها بفعلين، ومشيئتين وطبيعتين إله وإنسان، وبهما يكمل قول الحق، وكل واحدة من الطبيعتين تعمل مع شركة صاحبتها، فتعملان بمشيئتين غير متضادتين". هذا بعض قرار ذلك المجمع كما جاء في تاريخ ابن البطريق، وقد أطلنا في النقل، ليكون كلام القوم مبيناً لفكرهم كما يريدون، فنقلناه خشية أن نحرف كلامهم عن معناه، أو نحيد به عن مرماه. ولقد كان من آثار هذا القرار أن خرج من جماعة كنيسة روما والقسطنطينية طائفة المارونيين، كما خرج من قبل الأقباط وكنيستهم، ومعهم الأحباش والأرمن والسريان. مجمع تحريم اتخاذ الصور: ٩٣- وقد جاء مجمع غير علم بإقرار الجميع انعقد بأمر قسطنطين الخامس سنة ٧٥٤ وفيه جمهور من الأساقفة، وفدوا إليه من جهات مختلفة وقد قرر تحريم اتخاذ الصور والتماثيل في العبادة، وحرم طلب الشفاعة من العذراء، ولأجل هذا انعقد المجمع السابع بأمر الملكة إيريني بمدينة نيقية، ويسمى المجمع النيقاوي الثاني سنة ٧٨٧ وكان أعضاؤه

стр. 144

٣٧٧ أسقفاً وأصدروا القرار بتقديس صور المسيح والقديسين، لا بعبادتها، وجاء في هذا القرار: "إنا نحكم بأن توضع الصور ليس في الكنائس والأبنية المقدسة، والملابس الكهنوتية فقط، بل في البيوت، وعلى الجدران في الطرقات، لأننا إن أطلقنا مشاهدة ربنا يسوع المسيح ووالدته القديسة والرسل، وسائر القديسين في صورهم شعرنا بالميل الشديد إلى التفكير فيهم، والتكريم لهم، فيجب أن تؤدى التحية والإكرام لهذه الصور، لا العبادة التي لا تليق بالطبيعة الإلهية". هذا هو المجمع السابع قد وافق عليه عدد كبير من الكنائس فاعتبرته عاماً، وخالفته أخرى، فلم تعتبره كذلك. انفصال الكنيسة الشرقية عن الغربية وسببه: ٩٤- ولننتقل بعد ذلك إلى المجمع الثامن، وهو أساس انفصال الكنائس الشرقية التي ترأسها كنيسة القسطنطينية عن الكنائس الغربية التي ترأسها كنيسة روما. وقد علمت أن المجامع الماضية التي انفصلت بسببها فرق مسيحية كان أساس الخلاف فيها طبيعية المسيح، ولم يتعرض أحد للروح القدس، ومن أي شيء انبثق، حتى أثار بطريرك القسطنطينية كيف كان انبثاقه، فحكم بأن انبثاق الروح القدس كان من الأب وحده، فعارضه في ذلك بطريرك رومة قائلاً: "أن انبثاق الروح القدس كان من الأب والابن معاً، ولم يكن من أحدهما، وكل فريق عاضد رأيه بجمع قد جمعه، وكلاهما قد أعتبر هو ومشايعوه مجمعه عاماً ملزماً للأخر" ومجمع الأخر خاصاً غير ملزم، وكل لعن الآخر وطرده، وأعتبره محروماً مطروداً من حظيرة المسيحية، كشأنهم عند كل اختلاف. أعلن بطريرك القسطنطينية رأيه، وهو أن الروح القدس انبثق من الأب فقط، وفوق ذلك قد أولى هذا للبطريرك كرسيه من غير إرادة رئيس الكنيسة بروما، وبعد أن دس لسلفه ما أبعده عن كرسيه. فاجتمع في القسطنطينية مجمع بعد عزل البطريرك الذي ناوا روما سنة ٨٦٩، وأصدر قراراً يتضمن البت في ثلاثة أمور: أولها: كون انبثاق الروح القدس من الأب والابن.

стр. 145

ثانيها: أن كل من يريد المحاكمة في أمر يتعلق بالمسيحية وعقائدها يرفع دعوى إلى الكنيسة بروما. ثالثها: أن جميع المسيحيين خاضعون لكل المراسيم التي يقوم بها رئيس كنيسة روما. وتلك القرارات كانت مع قرار آخر يعتبر عندهم سنة متبعة، وهو لعن ذلك البطريرك المعزول واسمه فوسيوس، وحرمانه هو وأتباعه. استطاع فوسيوس هذا أن يعود إلى منصبه، فلما عاد إليه كان أول ما صنعه أن عقد مجمعاً آخر في القسطنطينية سنة ٨٧٩، ويسمى هذا المجمع الشرقي اليوناني، كما يسمى الأول الغربي اللاتيني، وقد قرر فيه رفض كل ما قرره المجمع الأول، وقرر أن انبثاق الروح القدس من الأب فقط، وقد صار كل مجمع يعتبر عاماً عند مشايعيه. كما يعتبرون الآخر خاصاً، بل باطلاً غير ملزم، وكل يكفر أو يفسقه و ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ . ٩٥- كان هذان المجمعان هما السبب في انقسام الكنيسة إلى شرقية يونانية، وغربية لاتينية، ورئيس هذه الكنيسة الغربية هو البابا، وهو مستقل بسياستها وله السلطان على كل الطوائف المنقادة إلى تعاليمها. الكنيسة الغربية أو الكنائس: وتسمى الكنيسة البطرسية لكون مشايعيها يعتقدون أن مؤسسها الأول هو بطرس الرسول في زعمهم، ويزعمون إنه كبير الحواريين ورئيسهم، ويقولون إنه رأس هذه الكنيسة، والبابوات خلفاؤه من بعده. وتسمى الغربية لكون سلطانها في بلاد الغرب، ويقول صاحب كتاب سوسنة سليمان: "وهي تدعى إنها أم الكنائس، ومسلمتهن، وربما حق لها ذلك لجهة التفاسير التي تبنى عليها أصول التعاليم التقليدية، ونظامات المجامع، وترتيبها، وهي أيضاً التي تأمر بها. وتمتد شوكتها على الخصوص في بلاد إيطاليا وبلجيكا، وفرنسا، وأسبانيا، والبرتغال، وشعوبها منتشرة في أقطار الأرض.
следующие страницы →