← Адаб

Адаб · id 22828

الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي

يوسف خليف

Полный текст (331 стр.). Показаны 316–331 · переход к 321.

стр. 316

الشَّنْرَي ... ٣- الشنفرى: إذا كان عروة يمثل الجانب الإنساني في حركة صعاليك العرب، فإن الشنفرى -ولا شك- يمثل الجانب الشيطاني فيها. واسم الشنفرى، ونسبه، ونشأته الأولى، غامضة كل الغموض، فكل ما يعرف عن الجانبين الأولين أنه الشنفرى، وأنه كان من الإواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد١، وأن أباه كان في موضع من أهله ولكنه كان في قلة٢، وأن أمه كانت سبية٣. والشنفرى أحد أولئك الأغربة الذين رأينا أنهم كانوا يمدون حركة الصعلكة بجماعات كبيرة من الصعاليك، ويضعه صاحب لسان العرب نقلا عن ابن سيده عن ابن الأعرابي بين "أغربة العرب"٤، وكذلك يفعل صاحب تاج العروس نقلا عن التهذيب والمحكم ولسان العرب٥، ويضعه ابن الأعرابي في نوادره بين أغربة الجاهلية٦، والشنفرى نفسه يصرح في بعض شعره بأنه "هجين"٧. ولكن يبدو أن الشنفرى يأبى إلا أن يوقعنا في إشكال غامض، فإنه بعد بيت واحد من تصريحه هذا يعود فيصرح بأنه أمه "ابنة الأحرار"٨، وهنا نقف لنتساءل: كيف يتفق التصريحان وبينهما هذا التناقض الظاهر؟ ونعود إلى أخبار الشنفرى في مصادرها المختلفة نسألها الإجابة عن هذا التساؤل، ولكنا لا نظفر مع الأسف بشيء، فإن رواة أخباره لم يقفوا عند هذا التناقض، ولم يقدموا لنا الوسائل التي تعيننا على هذه الإجابة؛ لأنهم لم يذكروا شيئا له قيمة عن أسرة الشنفرى، لا عن أبيه ولا عن أمه، حتى ليلاحظ الأستاذ

стр. 317

lyall أن "أصل الشنفرى ونسبه مسألتان شديدتا الغموض"١. والواقع أن أخبار الشنفرى كلها قليلة ومضطربة حتى ليعارض رواتها بعضهم بعضا، ومن هنا ترددت كلمة "لا" النافية في أول كل خبر منها٢. ومن الحق ما يذكره lyall من أن القصص التي تروى حول الشنفرى لا تتفق دائما مع قصائده، وإنما هي أقرب إلى أن تكون صورة من الأساطير الشعبية التي كثرت حول أبطال العصر الجاهلي من أن تكون أخبارا حقيقية٣. ومع ذلك فلا بد من محاولة للإجابة عن هذا التساؤل. يرى fresnel أنه من المحتمل أن تكون أم الشنفرى مولودة من أب حر وأم أمة، وبهذا يكون الشنفرى من أولئك الذين يطلقون عليهم في الولايات الأمريكية اسم quarteron٤. ولكن هذا الأمر لا يعدو أن يكون فرضا، وصاحبه يصرح بأنه شيء من الممكن أن يُفترض٥، وهكذا تظل المشكلة قائمة، ويظل السؤال واردا. أما أنا فيبدو لي أن المسألة أيسر من هذا، وأنها لا تحتاج إلى تكلف مثل هذا الفرض الاحتمالي، وأن وصف الشنفرى لأمه بأنها "ابنة الأحرار" لا يعدو أن يكون تعبيرا عاطفيا يتلاءم مع ذلك الجو العاطفي الشديد الحساسية الذي قيلت فيه الأبيات٦، فهو صرخة من نفس الشنفرى الحساسة في وجه ابنة سيده المتعجرفة، يعلن لها فيها أن العبودية وضع اجتماعي خاطئ لا يُعترف به؛ لأن الله لم يخلق الناس عبيدا، وأنه إذا كانت الأوضاع الظالمة قد جعلت

стр. 318

من أُمه أَمة فإن هذا لا يغير من الوضع الإلهي الذي خلقها الله عليه، فهي ابنة أحرار قبل أن تكون أَمة، ولو أن هذه الفتاة المتعجرفة عرفت أصلها لعرفت أنها ابنة أحرار مثلها، ولهذا يعقب على قوله "وأمي ابنة الأحرار" بقوله "لو تعرفينها"، فكأنه يقول لها ذلك القول الذي قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص فيما بعد: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ وكأن المسألة عنده مسألة نسبية، فإذا كانت هذه الفتاة ترى أُمه أَمة فإنه يراها ابنة أحرار. ومع ذلك فما زال في المشكلة جانب يحتاج إلى تفسير، وهو قول الشنفرى بعد ذلك: #إذا ما أروم الود بيني وبينها يوم بياض الوجه مني يمينها١# والذي يبدو لي أن وصف الشنفرى لوجهه بالبياض إما أن يكون على طريقة العرب في التعبير عن اللديغ بالسليم، وإما أن يكون لونا من السخرية من اهتمام هؤلاء السادة بمسألة اللون. ومع ذلك فهذا لبيت لم يرد إلا في رواية واحدة من روايات الأغاني المتعددة عن هذه القصة، وهي رواية مجهولة الراوية، فيها بعض تفصيلات غير معقولة٢. ومهما يكن من أمر فإن لفظة "الشنفرى" تحمل في طياتها دليلا على أصل هذا الشاعر، فمن معاني هذه اللفظة الرجل الغليظ الشفتين٣، وغلظ الشفتين -كما هو معروف، وكما يقرر علماء الأجناس- من سمات الجنس الأسود. ويجعل fresnel هذه الظاهرة من أدلته على أنه "من المؤكد أن أم الشنفرى كانت أمة سوداء أو من دم مختلط"٤، كما يجعلها lyall دليلا

стр. 319

على أنه "من المرجح أن دما إفريقيا زنجيا أو حبشيا كان يجري في عروفه"١. أما عن بدء تصعلكه فإنه غامض كل الغموض، وتروى عنه ثلاث روايات: إحداها عن محمد بن هشام النمري بسنده وتذكر أن الشنفرى أسرته بنو شبابة بن فهم فلم يزل فيهم حتى أسرت بنو سلامان بن مفرج٢ من الأزد رجلا من بني شبابة، ففدته بنو شبابة بالشنفرى، فكان الشنفرى في بني سلامان لا تحسبه إلا أحدهم حتى نازعته بنت الرجل الذي كان في حجره، وكان السلامي اتخذه ولدا، فقال لها الشنفرى: اغسلي رأسي يا أخية، فأنكرت أن يكون أخاها ولطمته، فذهب مغاضبا حتى أتى الذي اشتراه من فهم، فقال له: اصدقني ممن أنا؟ قال: أنت من الإواس بن الحجر، قال: أما إني لن أدعكم حتى أقتل منكم مائة بما استعبدتموني٣. وأما الثانية فعن راوية مجهول يكذب فيها هذه الرواية ويقول إن الأزد قتلت الحارث بن السائب الفهمي، فأبوا أن يبوءوا بقتله، فباء بقتله رجل منهم يقال له حرام بن جابر، فلما ترعرع الشنفرى جعل يغير على الأزد مع فهم٤. وأما الثالثة فعن راوية مجهول أيضا يُكذب فيها هاتين الروايتين، ويقول: بل كان من سبب أمر الشنفرى أن بني سلامان بن مفرج سبت الشنفرى وهو غلام، فجعله الذي سباه في بهمة يرعاها مع ابنة له، فلما خلا بها ذهب ليقبلها، فصكت وجهه، ثم سعت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليه ليقتله، فوجده ينشد أبياتا يأسف فيها على أن هذه الفتاة لا تعرف نسبه، فلما سمع الرجل قوله سأله: ممن هو؟ فقال: أنا الشنفرى أخو بني الحارث بن ربيعة، فقال له: لولا أني أخاف أن يقتلني بنو سلامان لأنكحتك ابنتي، فقال:

стр. 320

علي إن قتلوك أن أقتل منهم مائة رجل بك، فأنكحه ابنته، وخلى سبيله، فسار بها إلى قومه، فشدت بنو سلامان خلافه على الرجل فقتلوه، ثم أخذ يوفي بوعده للرجل فيغزو بني سلامان ويقتلهم١. ويروي ابن الأنباري عن نشأته الأولى ثلاث روايات: اثنتين عن مؤرج، إحداهما تلك التي يرويها صاحب الأغاني عن النمري، والأخرى يقول فيها: ويقال إن السبب في غزو الشنفري الأزد وقتلهم أن رجلا منهم وثب على أبيه فقتله والشنفرر صغير، وكان أبوه في موضع من أهله ولكنه كان في قلة، فلما رأت أم الشنفرى أن ليس يطلب بدمه أحد ارتحلت به وبأخ له أصغر منه حتى جاورت في فهم، فلم تزل فيهم حتى كبر الشنفرى، فجعلت تبدو منه عرامة، وجعل يكره جانبه، فوقع في نفس تابط شرا، فكان يكرمه ويدنيه، وكان يغير مع تأبط شرا حتى صار لا يقام لسبيله٢. والرواية الثالثة عن راوية مجهول، يقول فيها إن الأزد قتلت رجلا من فهم في خفرة رجل يقال له الحارث بن السائب الفهمي، فرهنوهم الشنفرى وأمه وأخاه، وأسلموهم ولم يفدوهم، فنشأ فيهم الشنفري، فكان شديد البأس والنفس وكان أشد فهم على الزد قتلا وسلبا٣. ومهما يكن من أمر هذه الروايات المتناقضة المضطربة فإن المسألة في أبسط صورها ترجع إلى أن الشنفرى لسبب من السباب فقد توافقه الاجتماعي مع قبيلته الأزد، ثم انتقل إلى قبيلة فهم، تلك القبيلة المتمردة المشهورة بلصوصها٤، وهناك اتصل به تأبط شرا، ووجد فيه تلميذا ممتازا، فلقنه دروس الصعلكة الأولى حتى صار لا يقام لسبيله، ورأى الشنفرى أن فرصة الانتقام من قبيلته الأزد قد سنحت له فصب عليها كل غزواته.

стр. 321

ولعل أقرب هذه الروايات إلى الحقيقة، وأبعدها عن أوهام الرواة، الرواية الثانية التي يرويها ابن الأنباري عن مؤرج، والتي تتحدث عن قتل الأزد أباه. والشنفري نفسه في بعض شعره يصرح بأن قومه قد أضاعوا أباه١، وفي أخباره أنه "قدم مني وبها حرم بن جابر فقيل له: هذا قاتل أبيك، فشد عليه فقتله"٢، وهو يصرح بهذا في تائيته المفضلية٣. وأيا ما كانت الأسباب لهذا الحقد الذي ملأ نفس الشنفرى على بني سلامان فإنه قد وهب حياته للانتقام منهم، "فكان يُغير على الأزد على رجليه فيمن معه من فهم، وكان يُغير عليهم وحده أكثر ذلك"٤. وبلغت الرغبة في الانتقام في نفس الشنفرى حدا جعله يحرص على التفنن فيه، فكان يصنع النبل ويجعل أفواقها من القرون والعظام، فإذا غزاهم عرفوا نبله بأفواقها في قتلاهم٥، وكان إذا رمى رجلا منهم قال له تحديا: أأطرفك؟ ثم يرمي عينه٦. ويقتل الشنفرى منهم -فيما تزعم الروايات- تسعة وتسعين، ثم يتربص به أعداؤه، ثم يقتلونه بعد أن يتفننوا في تعذيبه تفننا قاسيا، ثم يمر رجل منهم بجمجمته فيضربها فتعقره فيموت، وتتم به المائة الذين كانت حلفة الشنفرى عليهم٧.

стр. 322

ويدور الجزء الأكبر من شعر الشنفرى حول هذا الصراع بينه وبين بني سلامان، والجزء الباقي منه حول أحاديث تصعلكه وفقره وتشرده وغاراته على غير بني سلامان. ويساير هذا الشعر حياة الشنفرى منذ طفولته، فهم يروون له بيتين يخاطب بهما أمه بعد مقتل أبيه وموت أخيه١، تظهر فيهما قوة نفسه وبراعم تمرده الأولى. فإذا ما لطمته الفتاة السلامية سجل هذه الحادثة البعيدة الأثر في حياته، وسجل أسفه لأن هذه الفتاة المغرورة لا تعرف شيئا عن نسب أبيه وأمه، ثم يتحدث إليها عن كرم نسبه٢. ثم إذا ما بدأ الصراع المرير بينه وبين بني سلامان حرص على أن يسجل كل شيء في شعره: تهديده لهم، وتربصه بهم، وأحاديث غاراته عليهم، ويصف أسلحته التي يستخدمها، ويتحدث عن رفاق غاراته، وعن أعدائه وضحاياه، حتى إذا ما أمسك به أعداؤه وقطعوا يده رثاها بأرجوزة٣، هي مزيج من الحزن والفخر حتى لا يشمت أعداؤه به، فإذا ما أخذوا يسخرون منه ويسألونه أين يدفنونه رد عليهم بمقطوعة رائعة٤، تظهر فيها قوة نفسه، فهو لا يحرص على أن يدفن، وإنما كل ما يُوصى به أن يلقوا بجسده إلى الضبع، رفيقة تشرده. وإلى جانب هذا التسجيل لأحاديث الصراع بينه وبين بني سلامان سجل

стр. 323

في شعره جوانب أخرى من حياته: فقره، وهزاله، ونعليه الممزقتين، وثيابه البالية، وحمله قربة الماء، وتشرده في الصحراء بين الوديان المخيفة حيث الجن والآساد، وغاراته على غير بني سلامان. ويوشك ما وصل إلينا من شعر الشنفرى أن يدور كله داخل دائرة التصعلك، ونقول يوشك لأن تائيته المفضلية تبدأ بمقدمة طويلة من النسيب التقليدي١، يرسم فيها صورة رائعة ممتازة لصاحبته الحيية الوفية الجميلة. ومما يؤسف له أن مجموعة شعر الشنفرى التي بين أيدينا -برغم أنها مجموعة في ديوان- قليلة، فإذا أخرجنا منها "لامية العرب" التي رجحنا أنها ليست له، والتائية المفضلية، فإن ما يتبقى منها طائفة من المقطوعات والقصائد القصيرة. وأخص ما يميز أسلوب الشنفرى الفني تلك الخشونة اللفظية التي تمثل اللغة البدوية الجاهلية أصدق تمثيل، ثم تلك القوة التعبيرية التي تجعل أسلوبه أسلوبا محكما لا رخاوة فيه، هذا إلى جانب ما يمتاز به من صدق التصوير، والصراحة في النقل عن الحياة.

стр. 324

الخاتمة: ١- الصعاليك: رأينا أن مادة "صعلك" تدور في دائرتين اصطلحنا على تسميتها بالدائرة اللغوية والدائرة الاجتماعية، وتبدأ الدائرتان من نقطة واحدة هي الفقر، فأما الدائرة اللغوية فتنتهي حيث بدأت عند الفقر، يبدأ الصعلوك فيها فقيرا، ثم يظل في نطاقها فقيرا؛ لأنه لا يستطيع أن يغير الوضع الاجتماعي الذي فرض عليه لضعف في نفسه، أو لضعف في جسده، ثم يموت فقيرا، وأما الدائرة الاجتماعية فتبعد عن نقطة البدء محاولة ألا تنتهي عندها، يبدأ الصعلوك فيها فقيرا، ثم يحاول أن يتغلب على هذا الفقر ولكن بطريقة خاصة هي تلك التي جعلنا شعارها "الغزو والإغارة للسلب والنهب"، تدفعه إلى ذلك قوة في نفسه وقوة في جسده، أي أن المادة في هذه الدائرة الاجتماعية قد اكتسبت صفات اجتماعية جديدة. ووقفنا بعد ذلك نلتمس السر في نشأة هذه الظاهرة، فنظرنا في المجتمع الجاهلي من ناحية بيئته الجغرافية، ورأينا أن الظاهرة الجغرافية التي تسيطر على هذا المجتمع هي ما اصطلحنا على تسميتها "بظاهرة التضاد الجغرافي"، ورأينا أن هذه الظاهرة كانت العامل الأول في نشأة حركة الصعاليك؛ لأنها كانت السبب في وجود الفقر وفي إحساس الفقراء به. ورأينا أن هذه الظاهرة تدخلت مرة أخرى في توجيه حركات الصعاليك التي كانت تخرج دائما من المناطق الجدبة إلى المناطق الخصبة، ورأينا أن كل مناطق الخصب في الجزيرة العربية قد تعرضت لغزوات الصعاليك، ثم رأينا أنه من الممكن أن نحدد مناطق

стр. 325

حركات الصعاليك، فرأينا أن عروة وصعاليكه قد توزع نشاطهم بين منطقتين أساسيتين: منطقة نجد، ومنطقة يثرب وما يجاورها شمالي جزيرة العرب، وإن لم يمنع هذا من أن يغير أحيانا على غير مناطق اختصاصه، ورأينا أن منطقة جبال السراة فيما بين مكة والطائف وأول الطريق الصاعد إلى اليمن هي المنطقة التي شهدت أكبر عدد من صعاليك العرب، وأن أشهر الصعاليك الذين انتشروا في هذه المنطقة صعاليك فهم وهذيل ومن انضم إليهم من خلعاء القبائل وشذاذها، ورأينا أن منطقة اليمن عرفت أجزاؤها القريبة من الحجاز صعاليك من فهم ومن الأزد، وأما أجزاؤها البعيدة فقد تخصص في الإغارة عليها السليك، وإن يكن تأبط شرا يتعدى أحيانا على منطقة اختصاص السليك. ولفت نظرنا في صعاليك هاتين المنطقتين أن أكثرهم -إن لم يكونوا جميعا- من العدائين، وقد رددنا هذا إلى ثلاثة عوامل، طبيعة المنطقة الجبلية، وبعد الأهداف، وقلة الخيل. ثم وقفنا عند هذه الظاهرة، ظاهرة شدة العدو، وقلنا إنها ليست بالظاهرة المستحيلة، وإنما هي صورة من صور التكيف العضوي بين الإنسان وبيئته. ثم مضينا إلى المجتمع الجاهلي نلتمس فيه تفسيرا لظاهرة التصعلك، فرأينا أنه مجتمع قبلي، آمنت كل قبيلة فيه بوحدتها الاجتماعية وبكرم جنسها، ورأينا أن إيمان القبيلة بوحدتها أوجد طائفة الخلعاء والشذاذ في هذا المجتمع، وأن إيمانها بجنسها أوجد طائف الهجناء والأغربة، وأن المتمردين من هاتين الطائفتين من شتى القبائل قد اجتمعوا في عصابات من صعاليك العرب، كافرين بالعصبية القبلية، مؤمنين بعصبية مذهبية، معتمدين على قوتهم في سبيل العيش، شأنهم في ذلك شأن المجتمع الذي يعيشون فيه، غاية ما في الأمر أن عملهم فردى يجري بدون رضا القبيلة، وعمل القبائل جماعي معترف به. ثم مضينا إلى الناحية الاقتصادية في هذا المجتمع فرأينا أن الجزيرة العربية كانت منذ أقدم العصور ممرا تجاريا نشطا لطرق القوافل، وأنه على طول هذه الطرق قامت مجموعة من الأسواق. ورأينا أن مراكز نشاط الصعاليك كانت

стр. 326

عادة على طول هذه الطرق، وبالقرب من هذه الأسواق. ورأينا أن الصعاليك قد استغلوا هذه الأسواق استغلالا آخر فكانت لهم فرصة ينتقون فيها ضحاياهم. وقد عللنا كثرة الصعاليك في منطقة السراة حول مكة بوقوع هذه المنطقة على الطريق التجاري، وبوجود ثلاث أسواق مشهورة فيها ورأينا أن هذه الأسواق قد شهدت السطور الأولى من قصة طائفتين من طوائف الصعاليك هما طائفة الأغربة وطائفة الخلعاء، ففي هذه الأسواق -أو في بعضها على الأقل- كانت تجري تجارة الرقيق التي كانت سببا في نشأة طبقة الأغربة، وفيها -أو في الأسواق الأساسية منها- كان الإعلان الرسمي الذي تذيعه القبائل عن خلعها بعض أفرادها الخارجين عليها. ورأينا أن المدن العربية قد عرفت لونا من النشاط التجاري الذي ترتب عليه تضم الثروة وتركزها في أيدي نفر قليل من أهلها، الأمر الذي أحدث لونا من الاختلال الاقتصادي، نشأت عنه كثرة عدد الصعاليك الذين كانوا في حالة سيئة حملت أكثرهم على الهرب إلى الصحراء واللحاق بعصابات الصعاليك المنتشرة بها. فإذا مضينا إلى داخل البادية العربية وجدنا ثمة صراعا بين طبقة أصحاب الإبل وطبقة الصعاليك، وقد رددنا هذا إلى التفاعل بين ظاهرتين متناقضتين: ظاهرة البعد الاقتصادي، وظاهرة القرب النفسي، ورأينا أن مادة هذا الصراع التي دار حولها كانت عادة الإبل؛ لأنها الثروة الأساسية في المجتمع البدوي، وإن لم يمنع هذا من أن تمتد أيدي الصعاليك إلى أية غنيمة تعرض لهم.

стр. 327

٢- شعر الصعاليك: رأينا أن شعر الصعاليك لم يصل إلينا منه مجموعا سوى ديوانين هما ديوان عروة وديوان الشنفرى، ورأينا أن هذا الشعر قد توزع بين مصادر الثقافة العربية المختلفة، وأن من يريد أن يجمع "ديوان الصعاليك" عليه أن ينقب بين كل هذه المصادر وقد لاحظنا على المادة التي جمعناها والتي تكون ديوان الصعاليك ثلاثة أشياء: قلتها، وكثرة الاضطراب في رواية نصوصها، ثم الشك الذي يحيط ببعض نصوصها. ورأينا أن مجموعة شعر الصعاليك التي دار حولها الشك نوعان: فمجموعة كان الشك فيها "داخليا"، والخطب في هذه المجموعة هين، ومجموعة كان الشك فيها "خارجيا"، وأشهر شعر هذه المجموعة لاميتان تنسبان لتأبط شرا والشنفرى ويتهم خلف الأحمر بصنعهما، وقد وقفنا عند هاتين اللاميتين طويلا، وانتهينا إلى ترجيح نسبتهما إلى خلف. ثم مضينا إلى مجموعة شعر الصعاليك فدرسنا موضوعاتها، ورددنا هذه الموضوعات إلى مجموعتين أساسيتين؛ مجموعة الشعر داخل دائرة الصعلكة، ومجموعة الشعر خارج دائرة الصعلكة. ورأينا أن الشعراء الصعاليك قد تعرضوا في المجموعة الأولى لكل ما كان يدور في حياتهم الفردية أو حياتهم الجماعية، فتحدثوا عن مغامراتهم، وعن تربصهم فوق المراقب في انتظار ضحاياهم، وعن توعدهم أعداءهم وتهديدهم لهم، وعن أسلحتهم سواء منها أسلحة الهجوم أو أسلحة الدفاع، وتحدثوا عن رفاقهم الذين رافقوهم في هذه المغامرات، وتحدثوا عن فرارهم وهربهم، وعن سرعة عدوهم، وعن غزواتهم على الخيل، وعللوا لمغامراتهم، وفسروا الدوافع التي دفعتهم إليها، وذكروا العقد النفسية التي كانت سببا لها، كما تحدثوا عن آرائهم الاجتماعية والاقتصادية، وعن تشردهم في أرجاء الصحراء المقفرة، واتصالهم بحيوان الصحراء ووحشها وأشباحها. أما المجموعة الأخرى، مجموعة الشعر خارج دائرة الصعلكة، فإننا تلمسنا أولا آثار القبلية فيها، ولاحظنا أن هذه المجموعة من الشعر القبلي تقابلنا في شعر الصعاليك قليلة. كما أن عدد شعرائها قليل أيضا. ثم مضينا بعد ذلك إلى المخضرمين من الشعراء الصعاليك نتلمس الآثار

стр. 328

الإسلامية في شعرهم بعد الإسلام ومن الطبيعي أن موضوعات هذه المجموعة الإسلامية قد خلت من تلك الموضوعات التي عرفناها في شعرهم داخل دائرة الصعلكة، ومع ذلك فقد رأينا رواسب ضئيلة من الصعلكة تتسرب من حين إلى حين في أثناء هذا الشعر. ثم مضينا ندرس الظواهر الفنية في شعر الصعاليك، فلاحظنا أول ما لاحظنا أنه شعر مقطوعات، وقد ملنا في تعليلنا لهذا إلى طبيعة حياة الصعاليك نفسها، تلك الحياة القلقة التي لا تكاد تفرغ للفن من حيث هو فن يفرغ صاحبه لتطويله وتجويده. ثم لاحظنا ظاهرة أخرى وهي ظاهرة الوحدة الموضوعية، ورأينا أن أكثر مقطوعات شعر الصعاليك وقصائده تقبل العناوين، بل إن مطولاته -برغم تعدد أغراضها- نستطيع أن نردها إلى أصل موضوعي واحد، فليس التعدد هنا تعددا في الموضوع، وإنما هو تفرع في أغراض الموضوع الواحد، ورأينا مع ذلك أن هناك طائفة قليلة جدا من قصائد شعر الصعاليك لا تخضع لهذه الظاهرة، وقد رددنا هذا إلى ما سميناه "ظاهرة تقليد الشعراء الصعاليك للشعر القبلي في صورته الشكلية"، وقلنا إن هذه الظاهرة ليست من الخطر في شيء على الفكرة التي نقررها. ثم لاحظنا أن شعر الصعاليك قد تخلص من المقدمات الطللية التي عرفها الشعر القبلي، ما عدا تلك المجموعة التقليدية، ورأينا أن الشعراء الصعاليك استعاضوا عنها بمذهب آخر أطلقنا عليه "مقدمات الفروسية في شعر الصعاليك". ثم لاحظنا بعد ذلك أن شعر الصعاليك قد تخلص أيضا من التصريع في مطالع نماذجه الفنية، ورأينا أن هذه الظاهرة توشك أن تكون مطردة في كل شعر الصعاليك. ثم لاحظنا بعد ذلك أن مجموعة شعر الصعاليك التي اصطلحنا على تسميتها "الشعر داخل دائرة الصعلكة" قد تحلل أصحابها من الشخصية القبلية، وحلت محلها ظاهرة أخرى أطلقنا عليها "ظاهرة الوضوح الفني لشخصة الشاعر الصعلوك"، وأن هذه الظاهرة كانت ظاهرة شاذة في المجتمع الأدبي الجاهلي فأطلقنا على الشعراء الصعاليك "أصحاب المذهب الشاذ في الشعر الجاهلي". ثم درسنا

стр. 329

ظاهرة القصصية في شعر الصعاليك، ورأينا أن الشعراء الصعاليك قد استغلوا في شعرهم كل ما يدور في حياتهم الحافلة بالحوادث المثيرة استغلالا قصصيا رائعا، وانتهينا إلى أن شعر امرئ القيس ليس نقطة البدء في تاريخ القصة الشعرية، وإنما تسبق هذا مرحلة أولى هي مرحلة الشعراء الصعاليك الذين نميل إلى أن امرأ القيس قد تأثر بهم في فنه، ومن هنا أطلقنا على الشعراء الصعاليك "رواد القصة الشعرية في الأدب العربي".ثم وقفنا طويلا عند الواقعية في شعر الصعاليك، وبينا مظاهرها المتعددة. ثم لاحظنا أن شعر الصعاليك يمتاز بالسرعة الفنية، وأن ميزته الكبرى "خفوت الصنعة الفنية"، ورأينا أن التشبيه أقوى الألوان الفنية التي اعتمد عليها الشعراء الصعاليك، ووقفنا طويلا عند هذه الظاهرة، فدرسنا المنابع المختلفة التي تكون "صندوق الأصباغ عند الشعراء الصعاليك"، وكيف استغلوها، ورأينا إلى جانب التشبيه ألوانا فنية أخرى من ألوان الصنعة الفنية المتمهلة، فدرسنا النماذج الفنية التي رأيناها فيها، ثم وقفنا بعد هذا عند الخصائص اللغوية في شعر الصعاليك، ورأينا أولا أن لغتهم هي اللغة الأدبية التي عرفها العصر الجاهلي، غير أننا لاحظنا أنها أقرب إلى فطرة اللغة العربية وأصدق تمثيلا لها، ولاحظنا كثرة الغريب في شعرهم. ثم وقفنا أخيرا عند الظواهر العروضية في شعرهم، ورأينا أن أوزان شعرهم وزحافاته هي الأوزان والزحافات التي عرفها سائر الشعر الجاهلي، غير أننا لاحظنا انتشار الرجز في شعرهم الذي قالوه قبيل مصارعهم. ثم وقفنا بعد ذلك عند شخصيتين متميزتين من الشعراء الصعاليك تميزا اجتماعيا وفنيا: عروة بن الورد الذي يمثل شخصية الصعلوك صاحب المذهب الإنساني، أو شخصية الزعيم الذي يدعو الجماهير إلى الإيمان بمذهبه، والشنفرى الذي يمثل شخصية الصعلوك المتمرد الذي رأى أن يكون تمرده الوسيلة والغاية معا. وبعد، فهذه هي ظاهرة الصعلكة في المجتمع الجاهلي كما رأيناها في شخصيات صعاليكه، وهذه هي دراستنا الفنية لما بين أيدينا من شعرهم. والله ولي التوفيق.

стр. 330

الفهرس: ٧-٩ مقدمة الطبعة الثانية. ١١-١٧ مقدمة الطبعة الأولى. الباب الأول: الصعاليك. ٢١-٦١ الفصل الأول: التعريف بالصعلكة. ٢١ ١- في اللغة. ٢٤ ٢- في الاستعمال الأدبي. ٢٨ ٣- في المجتمع الجاهلي. ٦٣-٨٨ الفصل الثاني: التفسير الجغرافي لظاهرة الصعلكة. ٦٣ ١- أهمية العامل الجغرافي. ٦٣ ٢- جزيرة العرب. ٧٢ ٣- التضاد الجغرافي وأثره في نشأة حركة الصعاليك. ٧٧ ٤- التضاد الجغرافي وأثره في توجيه حركات الصعاليك. ٨٩-١٢١ الفصل الثالث: التفسير الاجتماعي لظاهرة الصعلكة. ٨٩ ١- القبيلة. ٩١ ٢- إيمان القبيلة بوحدتها. ١٠٣ ٣- إيمان القبيلة بجنسها. ١١٦ ٤- الصعاليك والمجتمع القبلي. ١٢٣-١٥٠ الفصل الرابع: التفسير الاقتصادي لظاهرة الصعلكة. ١٢٣ ١- العرب والتجارة. ١٢٥ ٢- الطرق التجارية. ١٢٨ ٣- الأسواق. ١٣٤ ٤- الصراع الاقتصادي في المدن التجارية. ١٣٨ ٥- الصراع الاقتصادي في البادية. الباب الثاني: شعر الصعاليك. ١٥٣-١٨١ الفصل الأول: ديوان الصعاليك. ١٥٣ ١- مصادره. ١٦٩ ٢- مادته. ١٨٢-٢٥٨ الفصل الثاني: موضوعات شعر الصعاليك.

стр. 331

١٨٢ ١- الشعر داخل دائرة الصعلكة. ١٨٢ أحاديث المغامرات. ١٨٧ شعر المراقب. ١٩١ التوعد والتهديد. ١٩٤ وصف الأسلحة. ٢٠٥ الحديث عن الرفاق. ٢١١ أحاديث الفرار. ٢١٥ سرعة العدو. ٢٢٧ الغزوات على الخيل. ٢٢٩ الآراء الاجتماعية والاقتصادية. ٢٤٠ أحاديث التشرد. ٢٤٨ ٢- الشعر خارج دائرة الصعلكة. ٢٤٨ آثار القبلية في شعرهم. ٢٥٢ المجموعة الإسلامية في شعرهم. ٢٥٩-٣١٩ الفصل الثالث: الظواهر الفنية في شعر الصعاليك. ٢٥٩ ١- شعر مقطوعات. ٢٦٤ ٢- الوحدة الموضوعية. ٢٦٨ ٣- التخلص من المقدمات الطللية. ٢٧٤ ٤- عدم الحرص على التصريع. ٢٧٦ ٥- التحلل من الشخصية القبلية. ٢٧٨ ٦- القصصية. ٢٨٢ ٧- الواقعية. ٢٩١ ٨- السرعة الفنية. ٣٠٧ ٩- آثار من الصنعة المتأنية. ٣١٢ ١٠- الخصائص اللغوية. ٣١٦ ١١- ظواهر عروضية. ٣٢٠-٣٣٨ الفصل الرابع: شخصيتان متميزتان. ٣٢٠ ١- تشابه وتميز. ٣٢٢ ٢- عروة بن الورد. ٣٣٠ ٣- الشنفرى. ٣٣٩-٣٤٤ الخاتمة. ٣٤٥-٣٥٠ المصادر والمراجع.