← Адаб

Адаб · id 22828

الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي

يوسف خليف

Полный текст (331 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

فتحدث حفيفا مبهما غير واضح هو في سمع بعض الشعراء الصعاليك كصوت النحل، وأما الأخرى فهي صورة الجماعات الكثيرة المتزاحمة سواء أكانوا أعداء يطاردونهم، أم وفود المعوزين المحتاجين على أبواب الكرماء. فحفيف النيل في سمع الشنفرى حين ينطلق من قوسه كصوت النحل العائد إلى غاره وقد أخطأ فهو يحوم حوله: كأن حفيف النيل من فوق عجسها ... عوازب نحل أخطأ الغار مطنف١ وأعداء تأبط شرا من خلفه وهم يطاردونه كالنحل الكثير الذي يتجمع في خليته: ولم أنتظر أن يدهموني كأنهم ... ورائي نحل في الخلية واكنا٢ وطالبوا الحاجات الذين يغشون باب بعض الكرماء الذين يمدحهم أبو خراش يشبهون النحل الذي يهوي إلى غاره: ترى طالبي الحاجات يغشون بابه ... سراعا كما تهوي إلى أُدمى النحل٣ وكما استغل الشنفرى النحل في تصوير حفيف سهامه استغل القطاة في تصوير أفواقها، ففوق سهمه مدور كعرقوب القطاة: عليه نساري على خوط نبعة ... وفوق كعرقوب القطاة مدحرج٤ وإذا كان المطاردون عند تأبط شرا كالنحل فإن العدائين عند أبي خراش كأرجال الجراء الذي يقصد إلى الأماكن الغليظة المرتفعة: وعادية تلقي الثياب وزعتها ... كرجل الجراد ينتحي شرف الحزم٥ ويستغل الشعراء الصعاليك من الغربان جانبين متناقضين: سوادها الحالك، وصفاء عيونها الشديد. فقطعان السوام عند صخر الغي كجماعات الأغربة في سوادها:

стр. 282

فأرسلوهن يهتلكن بهم ... شطر سوام كأنها العجد١ أما عيون الماء في ديار أبي الطمحان التي يحن إليها وهو خليع مجاور في مكة فهي في صفائها كعين الغراب: إذا شاء راعيها استقى من وقيعة ... كعين الغراب صفوها لم يكدر٢ ويستغل الشعراء الصعاليك السماني استغلالا طريفا، فهم يشبهون بأشلائها نعالم الممزقة، وهي طرافة تأتي من تلك المفارقة الغريبة بين طرفي التشبيه: ونعل كأشلاء السماني تركتها ... على جنب مور كالنحيزة أغبرا٣ ونعل كأشلاء السماني تبذتها ... خلاف ندى من آخر الليل أورهم٤ ويستغل الشعراء الصعاليك الإبل في تشبياتهم على صورة واسعة، ولكنها لا تصل إلى الدرجة التي نراها في استغلالهم لحيوان الصحراء السريع أو ضواربها. ومرد ذلك -فيما يبدو- إلى قلة اتصالهم بتلك الفصيلة من الحيوان التي هي أول سمات "الرأسمالية" العربية. وقد يؤيد هذا ما نلاحظه من أن أكثر الأوضاع التي يتخيرونها للإبل في تشبيهاتهم تعد من الناحية النفسية أصداء لذلك الحقد الذي كان يملأ نفوسهم عليها، فالصعلوك الخامل المذموم عند عروة: يعين نساء الحي ما يستعنه ... فيمسي طليحا كالبعير المحسر٥ والجبل بعد أن غسله المطر وصقله عند صخر الغي كالبعير الأجوب الذي طلى ونتف: فذاك السطاع خلاف النجا ... ء تحسبه ذا طلاء نتيفا٦ وحين يسخر أبو خراش من امرأته التي لا تستطيع صبرا على الجوع يذكر

стр. 283

أن رجوفها كجوف البعير: إذا هي حنت للهوى حن جوفها ... كجوف البعير، قلبها غير ذي عزم١ والقبر عنده في احديدابه ومنظره العالم كالبعير: إذا راحوا سواي وأسلموني ... لخشناء الحجارة كالبعير٢ ومع ذلك فلا يخلو الأمر من بعض الصور الطريفة التي أحسن الشعراء الصعاليك اختيار أوضاعها وألوانها، فحين يصف أبو خراش عدوه هو ورفاقه في ليلة ممطرة من ليالي جمادى الباردة، يشبه الغثاء الكثيف الملتف تحت أقدامهم بأوساط الإبل الدهم التي قرن بعضها ببعض: إذا ابتلت الأقدام والتف تحتها ... غثاء كأجواز المقرنة الدهم٣ وصوت القوس عند عمرو ذي الكلب كحنين الناقة المسنة المتخلفة عن الإبل الفنية لأنها لا تستطيع مسايرتها: تعج في الكف إذا الرامي اعتزم ... ترنم الشارف في أخرى النعم٤ أما الخيل فهي قليلة الدوران في تشبيهات الشعراء الصعاليك لدرجة كبيرة. ويبدو أن السبب في هذا قلة اعتمادهم عليها في حياتهم. ولكن الصور التي وردت -على قلتها- مشرقة زاهية. ولعل أطرف هذه الصور على الإطلاق صورتان: صورة الفجر عند تأبط شرا حين لاح ضوءه كأنه تلك الخطوط البيض في جواد أدهم: وقد لاح ضوء الفجر عرضا كأنه ... بلمحته أقراب أبلق أدهم٥ وصورة البرق الذي يلمع بين السحاب الأسود عند عروة كأنه فرس بلقاء حديثة النتاج تنحي برجليها ذكور الخيل عن ولدها فيبدو بياض بطنها: إذا قلت استهل على قديد ... يحور ربابه حور الكسير

стр. 284

تكشف عائذ بلقاء تنفي ... ذكور الخيل عن ولد، شغور١ ويستغل تأبط شرا جبن الغنم وخوفها في رثائه للشنفرى، فيشبه أعداءه وهو يجيل فيه سلاح الموت بالغنم المذعورة: تجيل سلاح الموت فيهم كأنهم ... لشوكتك الحدى ضئين نوافر٢ أما الشنفرى فيستغل أولاد البقر في رسم صورة غريبة، فهو يشبه سيوف رفاقه الصعاليك مشرعة في أيديهم وهي تنهل من دماء أعدائهم وتعل بأولاد البقر الصغار إذا رأت أمهاتها فجعلت تحرك أذنابها: تراها كأذناب الحسيل صوادرا ... وقد نهلت من الدماء وعلت٣ وهي صورة تستمد غرابتها من هذه المفارقة بين طرفي التشبيه: أولاد البقر الصغيرة المسألة، وسيوف الصعاليك المخضبة بالدماء. أما المنبع الثاني لأصباغ لون التشبيه عند الشعراء الصعاليك، وهو الحياة الإنسانية، فمن الممكن أن نرده إلى أربعة مظاهر من مظاهر هذه الحياة: الحياة الاجتماعية، والحياة الاقتصادية، والحياة النفسية، والحياة الجسدية. وقد استخدم الشعراء الصعاليك عناصر هذا المنبع الإنساني استخداما طريفا، ولعل أطرف ما فيه أنه يصور كيف كان تأثر هؤلاء الصعاليك بالحياة التي كانت تدور حولهم أو التي كانوا يدورون فيها. فحين يرى صخر الغي السحاب الثقيل وهو مقبل في بطء لا تتراءى أمامه إلا صورة الأسير الذي يساق في قيوده فهو بطيء الخطو متثاقله: وأقبل مرا إلى مجدل ... سياق المقيد يمشي رسيفا٤ وهي صورة من الطبيعي أن تترءى لهذا الصعلوك الهذلي الذي كان

стр. 285

يعيش قريب من مكة حيث سوق الرقيق يساق إليها الأسرى الذين لا يفتديهم أهلهم حيث يباعون. وحين يفرغ هذا السحاب مطره بعد ما تكاثفت أواخره، ويهدأ ذلك الدوي الذي كانت تثيره رعوده، ويرى الشاعر أن أقرب صورة لهذا المنظر صورة جماعة من النصارى مجتمعين في عيد من أعيادهم يسقي بعضهم بعض، وهم من مرحهم ولهوهم في ضجة وصخب، ولكنهم ينظرون فإذا أمامهم رجل من غير دينهم، فإذا ضجتهم تهدأ، وصخبهم ينقطع، حتى يتبينوا أمر هذا الغريب: كان تواليه بالملا ... نصارى يساقون لاقوا حنيفا١ وهي صورة ترسم في براعة ممتازة جانبا دقيقا من الحياة الدينية في العصر الجاهلي. ومن الطبيعي أن يعرف صخر الغي هذا الجانب معرفة دقيقة، فقد كانت هذيل تنزل في تلك المنطقة التي تقع فيها مكة المركز الديني الأول في جزيرة العرب، والتي تقام فيه أشهر الأسواق التي كان القسس والرهبان يردونها فيعظون ويبشرون، ويذكرون البعث والحساب والجنة والنار. ومن هنا أيضا نستطيع أن نكشف الستار عن تشبيه الأعلم الهذلي لجلود جراء الضباع السود بثياب الرهبان: سود سحاليل كأن ... جلودهن ثياب راهب٢ ولكنا مع ذلك نحس شيئا من السخرية الماكرة من هذه التقاليد الكهنوتية في عقد الصلة بين جراء الضباع وبين الرهبان، وهي سخرية ليست غريبة على هؤلاء الصعاليك المتمردين على كثير من تقاليد مجتمعهم. وحين يلمع البرق فإن الصورة التي تتراءى لصخر الغي هي صورة ذلك البشير الذي أقبل بعد غزوة ناجحة وهي يحرك ترسه في كفه ليعلم أصحابه أنه قد عاد غانما:

стр. 286

أرقت له مثل لمع البشير ... يقلب بالكف فرضا خفيفا١ وهي صورة -كما نرى- تستمد أصباغها من اللون المشرق من حياة المغامرة التي يحياها هؤلاء الصعاليك، ومن هنا جاءت طرافتها. وحين يرسم أبو الطمحان صورة لشيخوخته، يستخدم لونين من ألوان الحياة الاجتماعية التي عاشها وتركت رواسبها في تفكيره، فالدهر قد حناه حتى صار كالصياد الماكر الذي يحني قامته ليخفي شخصه عن صيد يدنو منه، وهو قد أصبح قريب الخطو متثاقلا كالأسير المقيد: حنتني حانيات الدهر حتى ... كأني خاتل يدنو لصيد قريب الخطو يحسب من رآني ... ولست مقيدا أني بقيد٢ وهذان اللونان اللذان استخدمهما أبو الطمحان عاش في جوهما زمنا طويلا، فليس من شك في أن حياته صعلوكا اتصلت بالصيد اتصالا قريبا، وليس من شك أيضا في أن حياته مستجيرا في مكة بعد خلعه جعلته قريبا من تلك الأسواق التي تستقبل الأسرى لتنقلهم من قيود الأسر إلى قيود العبودية. ويستخدم الشعراء الصعاليك ألوان المقامرة كثيرا في رسم صورهم التشبيهية. فالظبي المفزع عند أبي خراش ينطلق مسرعا كما ينطلق القداح المعلم يرسله الضارب بالقداح: يطيح إذا الشعراء صاتت بجنبه ... كما طاح قدح المستفيض الموشم٣ وصاحبه في المرقبة يظل متربصا فوقها كأنه قدح كثير الفوز قد جعل صاحبه فيه علامة لشدة اعتزازه به وحرصه عليه: يظل في رأسها كأنه زلم ... من القداح به ضرس وتعقيب٤ والصعلوك العامل الذي يمدحه عروة يظل مصدر تهديد لأعدائه مطلا

стр. 287

عليهم وهم يزجرونه ما يزجر المقامرون بعض قداحهم الخاسرة إذا ضربوا بها: مطلا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر١ ومن أطرف الصور التي نراها عند الشعراء الصعاليك تلك الصور التي استخدموا في رسمها ألوانا من الحياة الاقتصادية. ووجه الطرافة في هذه الصور هو أنها مرسومة بريشة أولئك الصعاليك الفقراء الذين ارتبطت حياتهم بهذه الحياة ارتباطا وثيقا. ولعل أطرف هذه الصور على الإطلاق ثلاث صور يرسمها صخر الغي، يشبه في إحداها أواخر السحب المتراكمة الثقيلة التي يتوالى بعضها في إثر بعض بسفائن أعجمي رست إلى بعض السواحل فأوقرت من صادراته: كأن تواليه بالملا ... سفائن أعجم ما يحن ريفا٢ ويتصور في الثانية هذه السحب أيضا وقد حملت من الماء ما أثقلها كأنها مقبلة من تجارة وقد حملت بضائع كثيرة اشتريت بغير حساب: فأقبل من طوال الذري ... كأن عليهن بيعا جزيفا٣ ويدعو في الثالثة أصحابه إلى أن يثبتوا في القتال، ويمشوا إلى أعدائهم كما تمشي جمال الحيرة المثقلة بالبضائع التي تحملها من تلك المنطقة التجارية الغنية: يا قوم ليست فيهم غفيرة ... فامشوا كما تمشي جمال الحيرة٤ ويستغل الشعراء الصعاليك أيضا بعض مظاهر الحياة النفسية في تشبيهاتهم، على نحو ما رأينا عند الشنفرى الذي يشبه صوت قوسه بصوت الشجي الذي أثقلته همومه وأحزانه:

стр. 288

وصفراء من نبع أبي ظهيرة ... ترن كإرنان الشجي وتهتف١ وهي صورة نفسية معبرة برغم إيجازها وتركيز ألوانها. ولعل أطرف هذه الصور النفسية في شعر الصعاليك تلك الصورة التي يرسمها عروة لموقف صعاليكه منه بعد أن تعهدهم حتى "أخصبوا وتمولوا" فإذا هم يلتوون عليه ويتنكرون له. وهو يستخدم في رسم هذه الصورة لونا من ألوان الحياة النفسية التي تعرفها الحياة الإنسانية في مختلف عصورها: تلك الأم التي تعهدت وليدها الصغير متحملة في سبيله كل تعب وجهد، حتى إذا تم شبابه، وراحت تنتظره خير، وترتجى نفعه، تزوج فغلبت الزوجة الأم على ابنها، وأخذته منها تاركا أمه العجوز مكبة على حد مرفقيها تشكو وتولول مما نزل بها، وهي حائرة ماذا تفعل، ولكنها لا تملك في النهاية إلا أن ترجع صابرة متجملة. يقول عروة مخاطبا صعاليكه: فإني وإياكم كذي الأم أرهنت ... له ماء عينيها تفدي وتحمل فلما ترجت نفعه وشبابه ... فباتت لحد المرفقين كليهما أتت دونها أخرى جديد تكحل ... توحوح مما نابها وتولول تخير من أمرين ليسا بغبطة ... هو الشكل، إلا أنها قد تجمل٢ والصورة هنا صورة نفسية متكاملة الخطوط والألوان، دقيقة التلوين والتظليل إلى حد كبير، ألح الشاعر فيها على المشبه به فجاءت تشبيها تمثيليا رائعا -على حد الاصطلاح البلاغي. وقد يكون طبيعيا أن تتراءى هذه الصورة من الحياة الإنسانية لعروة، وهو الإنسان الذي وهب حياته للعمل من أجل تلك العناصر الضعيفة في مجتمعه، وجعل من نفسه أبا للصعاليك. ويستخدم الشعراء الصعاليك بعض المظاهر الجسدية في رسم صورها التشبيهية. فالمأزق الحرج الذي تسد أمام المرء جميع منافذه حتى لا يعرف له مخرجا منه يشبه تأبط شرا بسد المنخرين. يقول في رثاء الشنفرى:

стр. 289

وأمر كسد المنخرين اعتليته ... فنفست منه والمنايا حواضر١ وهي صورة -على بساطتها- قوية تستمد قوتها من معرفة كل إنسان بها معرفة عملية وتسليمه بها تسليما تجريبيا لا مجال للتفكير النظري فيه، وهل يختلف اثنان في أن أشد ما يقع فيه إنسان أن تكتم أنفاسه حتى يشعر كأن صدره يوشك أن يتمزق؟ ويشبه أبو خراش اهتزاز ثوبه البالي في أثناء عدوه بانتفاضة الحمى: فعديت شيئا والدريس كأنما ... يزعزعه ورد من الموم مردم٢ وهي صورة تستمد قوتها من تلك الدقة في اختيار المشبه به، ومن ذلك القرب بينه وبين المشبه، وهل هناك أقرب إلى اهتزاز الثوب وقد أخذت بصاحبه حمى العدو من انتفاضته وقد أخذت بصاحبه حمى المرض؟ ولا يجد الشنفرى ما يشبه به رهبة الماء المخوف الذي يفتخر بوروده في مغامراته الرهيبة مثل داء البطن الذي يخافه كل الخوف، ويخشاه كل الخشية. يقول مخاطبا صاحبته: وأمر كسد المنخرين اعتليته ... فنفست منه والمنايا حواضر١ وهي صورة -على بساطتها- قوية تستمد قوتها من معرفة كل إنسان بها معرفة عملية وتسليمه بها تسليما تجريبيا لا مجال للتفكير النظري فيه، وهل يختلف اثنان في أن أشد ما يقع فيه إنسان أن تكتم أنفاسه حتى يشعر كأن صدره يوشك أن يتمزق؟ ويشبه أبو خراش اهتزاز ثوبه البالي في أثناء عدوه بانتفاضة الحمى: فعديت شيئا والدريس كأنما ... يزعزعه ورد من الموم مردم٢ وهي صورة تستمد قوتها من تلك الدقة في اختيار المشبه به، ومن ذلك القرب بينه وبين المشبه، وهل هناك أقرب إلى اهتزاز الثوب وقد أخذت بصاحبه حمى العدو من انتفاضته وقد أخذت بصاحبه حمى المرض؟ ولا يجد الشنفرى ما يشبه به رهبة الماء المخوف الذي يفتخر بوروده في مغامراته الرهيبة مثل داء البطن الذي يخافه كل الخوف، ويخشاه كل الخشية. يقول مخاطبا صاحبته: وإنك لو تدرين أن رب مشرب ... مخوف كالداء البطن أو هو أخوف وردت بمأثور يمان وضالة ... تخيرتها مما أريش وأرصف٣ وهي صورة نستطيع أن نشعر بما فيها من قوة وصدق في الإحساس إذا تذكرنا أن حياة الصعاليك كانت تعتمد أكثر ما تعتمد على سلامة الجسد وقوته وأنهم كانوا يفخرون بأنهم ضامرو البطون مهازيل قد نشرت أضلاعهم، والتصقت أمعاؤهم، لإيثارهم غيرهم على أنفسهم بالزاد، ومن هنا كان أخوف ما يخافه أحدهم أن يصاب بمرض يضعفه، ويقعد به عن تحقيق رسالته في الحياة، وبخاصة أمراض البطن التي يُصاب بها المتخمون النهمون، والتي تعد بالنسبة لهم اتهاما صارخا بالتنكر لهذه الرسالة وخيانتها.

стр. 290

أما المنبع الثالث لأصباغ لون التشبيه عند الشعراء الصعاليك، وهو البيئة الطبيعية، فلعله أقل المنابع الثلاثة تدفقا في شعر الصعاليك. ولست أرى سببا لهذا سوى شغل الصعاليك بكفاحهم في الحياة من أجل العيش عن التأمل في الطبيعية، واستغلال مظاهرها في فنهم. وسنرى أن أصباغ هذا المنبع أقل طرافة من أصباغ المنبعين السابقين، وأن الصور الطريفة فيه أقل منها فيهما. فظبات السهام عند عمرو ذي الكلب كشوك شجر السيال١، والربيء الذي يبعثه عروة ليرقب لهم الطريف يقوم فوق المربأة كأنه أصل شجرة لا يبرح موضعه: إذا ما هبطنا منهلا في مخوفة ... بعثنا ربيئا في المرابي كالجذل٢ وعيون رفاق تأبط شرا، أولئك الرفاق الأبطال الشعث، كأنها نار الغضا التي تتأجج بما يُلقى عليها من أعشاب الجبال الجافة: مساعرة شعث كأن عيونهم ... حريق الغضا تُلقى عليها الشقائق٣ ويتحدث تأبط شرا عن رجل كثير شعر الرأس متلبده لعدم عنايته به، فيشبهه بحقف الرمل الذي كثر صعود الناس عليه حتى أصبح صلبا متماسكا: فذاك همي وغزوى أستغيث به ... إذا استغثت بضافي الرأس نغاق كالحقف حدأة النامون قلت له ... ذو ثلتين وذو بهم وأرباق٤ وحين يصف عروة الأسد يشبه زئيره بصوت الرعد، ولكنه يشعر أنه تشبيه عادي مألوف ليست فيه براعة ممتازة، فيحتال بعض الاحتيال ليضفي

стр. 291

عليه شيئا من الغرابة والبراعة فيقلبه، فإذا صوت الرعد كأنه زئير الأسد: كأن خوات الرعد رز زئيره ... من اللاء يسكن الغريف بعثرا١ ولعل أطرف الصور التي رسمها الشعراء الصعاليك مستخدمين أصباغ هذا المنبع تلك الصورة التي رسمها الشنفرى لصاحبته في قصيدته التائية المشهورة، وهي صورة حشد لها الشنفرى مجموعة من الألوان المتناسقة الزاهية، وأجاد مزجها وعرضها إجادة رائعة، فصاحبته طيبة الرائحة تملأ البيت عطرا، كأن البيت أغلق على ريحانة مطلولة، سرت إليها نسمات باردة في وقت العشاء، فجاءت بأريجها المعطر، وهذه الريحانة نبتت في ربوة فهي لهذا قوية الرائحة، ثم هي ريحانة ناضجة قد خرج نورها، وانتشر عطرها في كل جانب، ثم هي فوق ذلك كله في بقعة خصبة كل ما حولها خصب غير مجدب: فبتنا كأن البيت حجر فوقنا ... بريحانه ريحت عشاء وطلت بريحانه من بطن حلية نورت ... لها أرج، ما حولها غير مسنت٢ على هذا النحو استغل الشعراء الصعاليك هذه المنابع الثلاثة في تأليف أصباغهم التي استخدموها في رسم لوحاتهم التشبيهية.

стр. 292

٩- آثار من الصنعة المتأنية: إذا كان لون التشبيه هو أقوى الألوان التي اعتمد عليها الشعراء الصعاليك في صنعتهم الفنية، وإذا كان هذا اللون يتفق والسرعة الفنية في شعرهم، فإننا لا نعدم في شعر الصعاليك آثارا من الصنعة الفنية المتمهلة المتأنية. ولننظر في هذه القطعة من شعر تأبط شرا التي سجل فيها نجاته من لحيان الذي حاصروه وهو في غار لهم يشتار عسلا، وهي قطعة يبدو أن الشاعر قد فرغ فيها لصنعته الفنية متمهلا متأنيا، والدليل الفني على هذا أنه يبدؤها١ أو يختمها٢ بأبيات من الحكمة بيدو عليها أثر التفكير العقلي الهادئ الذي وعى التجربة ثم فلسفتها، أما الدليل الواقعي فواضح من أن الشاعر قد نظم هذه القطعة بعد أن نجا من أعدائه، وعاد إلى قومه، واطمأنت نفسه، ثم فرغ لفنه يسجل فيه قصته وفلسفته لها. فحين ننظر في هذه القطعة نلاحظ أن الشاعر يستخدم في البيت الأول٣ لونا من ألوان المقابلة المعنوية الدقيقة الصنعة بين قوله "وقد جد جده" وقوله "وهو مدبر" إذ أن التعبير الأول يساوي قوله "وهو مقبل" أو -كما يقول البلاغيون في تعبيراتهم إن الجد في الأمر مسبب عن الإقبال عليه. ثم انظر إلى هذه الألوان الفنية الكثيرة التي حشدها الشاعر في هذه الأبيات الثلاثة المتتالية: فذاك قريع الدهر ما عاش حول ... إذا سد منه منخر جاش منخر أقول للحيان وقد صفرت لهم ... وطابي، ويومي ضيق الجحر معور هما خطتا إما إسار ومنة ... وإما دم، والقتل بالحر أجدر انظر كيف جسم الدهر فجعله جبارا لا يزال يقرع المرء بنوائبه حتى يصيره مجربا بصيرا حازما، وكيف مثل براعة المرء في الاحتيال إذا أخذ عليه طريق نفذ إلى آخر بتلك الصورة الحسية، صورة المرء "إذا سد منه منخر جاش منخر" وكيف مثل إشراقه على الهلاك بفراغ وطابه، وكيف جعل يومه الحرج ضيق الجحر معورا، ثم كيف ختم هذه الألوان الفنية المحتشدة بهذا التذييل الذي يجري مجرى المثل، كما يقول البلاغيون في اصطلاحاتهم في باب الإطناب. ثم يمضي الشاعر في أبياته مستخدما لون المطابقة مرة أخرى بين "مورد ومصدر"، ولكنها مطابقة لفظية مألوفة في الأساليب الجاهلية

стр. 293

حتى لتوشك أن تكون روسما١ يطبعه الشاعر في كل مناسبة يحتاج فيها إليه. ولكنه يعود إلى صنعته الفنية الدقيقة فإذا هو يفرش صدره لخطته التي استقر عليها، وإذا الموت ينظر إليه خزيان من عجزه عنه، وإذا القبائل التي يفارقها تصفر أسفا على إفلاته منها. وهكذا يفرغ الشاعر من رسم لوحته التي استخدم في تلوينها أكثر ما استخدم ذلك اللون العميق من ألوان الصنعة الفنية المتمهلة المتأنية، وهو الاستعارة. وهذه الآثار من الصنعة الفنية المتمهلة المتأنية تتردد من حين إلى حين في نماذج شعر الصعاليك. فالمنية في ذهن أبي الطمحان ناقة يسوقها إلى الإنسان دليل بارع لا يضل، ولكن أبا الطمحان لا يرسم لوحته بهذه الألوان الواضحة، وإنما يعتمد على "التظليل" في إخفاء بعض جوانبها إخفاء فنيا رائعا، فإذا المشبه به قد أخفي وراء هذه الظلال الفنية الجميلة، ولكن الشاعر يشير إليه ببعض خصائصه، أو -كما يقول البلاغيون- "بشيء من لوازمه" وإذا اللوحة التي يرسمها لفكرته تعتمد على الظل أكثر مما تعتمد على النور -كما يقول أصحاب الرسم- أو تعتمد على الاستعارة المكنية -كما يقول أصحاب البلاغة: لو كنت في ريمان تحرس بابه ... أراجيل أحبوش وأغضف آلف إذن لأتتني حيث كنت منيتي ... يخب بها هاد بأمري قائف٢ وصديق تأبط شرا إذا هز سيفه في عظام أعدائه ضحك الموت سرورا بما حصل عليه من أرواح، حتى لتبرق أسنانه من شدة ضحكه: إذا هزه في عظم قرن تهلك ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك٣ والعملية الفنية هنا عملية مركبة معقدة تقوم على استعارتين: استعارة في "تهلك" تقوم على تشبيه بريق الأسنان عند الضحك بلمعان البرق، واستعارة

стр. 294

في "المنايا" تقوم على تشبيهها بإنسان يضحك. وأحكام الإسلام وقيوده عند أبي خراش سلاسل تطوق رقاب الصعاليك الذين أسلموا، ولكن أبا خراش يريد أن يكون مهذبا في تعبيره، فيخفي لفظة الإسلام وراء ظلاله الفنية، ويركز الضوء على المشبه به وهي السلاسل على طريقة الاستعارة التصريحية التي يرشح لها ببعض خصائص المشبه به وهي الإحاطة بالرقاب: فليس كعهد الداريا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل١ ولكن هذه الصنعة الفنية المتمهلة المتأنية -برغم قوة أنغامها ورنين أصدائها- قليلة لا تكفي لتكوين مذهب فني خاص نبيح لأنفسنا أن نجعله من خصائص شعر الصعاليك. وإلى جانب هذه الصنعة الفنية العميقة الدقيقة نجد آثارا ضئيلة لصنعة فنية بسيطة زاهية، هي بعض الألوان البديعية. وقد رأينا أمثلة من الطباق في رائية تأبط شرا التي عرضنا لها منذ قليل، وحين ننظر في سائر شعره نجد أمثلة أخرى، ففي قوله: قليل التشكي للمهم يصيبه ... كثير الهوى شتى النوى والمسالك٢ نجد طباقا لفظيا ساذجا بين "قليل" و"كثير". وفي قوله من القصيدة نفسها: يرى الوحشة الأنس الأنيس ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك٣ نجد طباقا لفظيا آخر بين "الوحشة" و"الأنس". وفي قول أبي الطمحان: نمت بك من بني شمخ زياد ... لها ما شئت من فرع وأصل٤

стр. 295

نجد ذلك الطباق اللفظي الذي تبدو عليه الصبغة العقلية بين "فرع" و"أصل". وفي تائية الشنفرى المشهورة نجد أمثلة أخرى من الطباق، مثل "دقت" و"جلت"١، و"حلو" و"مر"٢. وليس الطباق هو اللون الطبيعي الوحيد في شعر الصعاليك، بل هناك ألوان أخرى كالجناس الذي نرى مثلا منه في بيت تأبط شرا السابق "قليل التشكي" بين "الهوى" و"النوى" وبين قافية هذا البيت وقافية البيت الذي يليه، "المسالك" و"المهالك"، وبين "نحيضا" و"نحيفا" في قول الأعلم: وقدح يخور خوار الغزا ... ل ركبت فيه نحيضا نحيفا٣ كما نرى أمثلة أخرى في قوافي لامية أبي خراش حيث تتتابع أبياتها الأولى هكذا: قليل. جليل، جميل، عقيل، مقيل، ثقيل٤، مؤلفة أمثلة متتابعة من الجناس اللفظي الناقص، بين قوافي البيتين الأول والثاني، ثم الثاني والثالث، ثم الرابع والخامس والسادس. كما نرى أمثلة غيرها في شعر أبي خراش أيضا بين "العقم" و"الرقم" وبين "جاجة" و"عاجة" في بيتين متتاليين من ميمية له٥. كما نلاحظ مثلا من جناس الاشتقاق في قول الأعلم يصف الرعد: أجش ربحلا له هيدب ... يكشف للخال ريطا كشيفا٦ والشيء الذي لا شك فيه هو أن أكثر هذه الألوان البديعية لم يقصد إليها الشعراء الصعاليك قصدا، وإنما جاءت عفوا في أثناء تعبيراتهم؛ إذ إن هذه الألوان التي تعتمد على نوع من التلاعب اللفظي لم تكن بالألوان الفنية التي يحرص عليها الشعراء الجاهليون، أو التي يقصدون إليها قصدا متعمدا، أو التي يتخذون منها أسسا لمذاهبهم الفنية.

стр. 296

١٠- الخصائص اللغوية: حين ننظر في مجموعة شعر الصعاليك لنتبين خصائصها اللغوية فإن أول ما نلاحظه على لغتهم أنها هي اللغة الأدبية التي عرفها العصر الجاهلي بكل ما نعرفه عن هذه اللغة من خصائص، وهذه ظاهرة طبيعية ليس من الصعب تعليلها، فإن الشعراء الصعاليك، مهما يبلغ بهم الأمر في الخروج على تقاليد مجتمعهم الأدبي من ناحية موضوعات شعرهم، أو معانيه، أو خصائصه الفنية، فما هم بقادرين على الخروج عليه من ناحية لغتهم؛ لأن هذا الجانب اللغوي هو العامل المشترك بينهم وبينه، والوسيلة الأساسية للتفاهم بينهم وبين أفراده، أو -بعبارة أخرى- هو "العملة" التي اتفق المجتمع الأدبي على أنها أساس التبادل الفكري بين أفراده جميعا سواء منهم المتوافقون معه أو الخارجون عليه، وبدون هذه "العملة" يصبح عمل الشعراء الصعاليك الفني عملا "مزيفا" لا يصلح للتداول، أما تلك الجوانب الأخرى من العمل الفني: الموضوعات والمعاني والخصائص الفنية فإنها الجوانب الشخصية فيه التي يستطيع كلٌّ أن يتصرف فيها كما يشاء. ولكن يبدو أننا يجب أن نقيد هذا الكلام قليلا، فإن للمسألة جانبا آخر يجب ألا نغفله، فنحن نعرف أن الشعراء الصعاليك قد خرجوا على مجتمعهم القبلي، وانطلقوا إلى أعماق الصحراء النائية مشردين. ومعنى هذا أن صلة الشعراء الصعاليك بالمجتمع الأدبي من حولهم لم تكن صلة دائمة مستمرة، أو -بعبارة

стр. 297

أخرى- أن المجتمع الأدبي من حولهم لم يكن على صلة دائمة مستمرة بهم. ونتيجة هذا من الناحية اللغوية أمران: الأول أن لغة الشعراء الصعاليك أقرب إلى فطرة اللغة العربية، وأصدق تمثيلا لها؛ إذ هي صادرة من منابعها الأولى قبل أن تؤثر فيها تلك التيارات الاجتماعية وغير الاجتماعية التي تؤثر في اللغات. ولسنا ندعي أن لغة سائر الشعراء الجاهليين لا تمثل فطرة اللغة العربية، ولكن الذي نقرره هو أن لغة الشعراء الصعاليك أقرب إلى فطرة اللغة العربية، وأصدق تمثيلا لها من سائر الشعراء الجاهليين. ولعل هذا هو السبب في كثرة ما يرد من شعر الصعاليك في المعاجم اللغوية، واعتماد أصحاب هذه المعاجم عليه في تكوين مادتهم اللغوية، وفي لسان العرب وتاج العروس مجموعة كبيرة من أبيات الشعراء الصعاليك، وقد رأينا أن المجموعة اللغوية تعد من المصادر الأساسية لشعر الصعاليك، أو -بعبارة أخرى- أن شعر الصعاليك من المصادر الأساسية للمجموعة اللغوية. والأمر الثاني كثرة الغريب في شعرهم، حتى ليشعر الناظر فيه أحيانا أنه أمام مجموعة من الطلاسم اللفظية، يضطر أمام كل لفظ منها إلى الرجوع إلى المعاجم المطولة؛ لأن المعاجم المختصرة لا تسعفه، ويكفي أن نقرأ هذه الأبيات لتأبط شرا: وحثحثت مشعوف النجاء كأنني ... هجف رأى قصرا وسمالا وداجنا من الحص هزروف كأن عفاءه ... إذا استدرج الفيفا ومد المغابنا أزج زلوج هذرفي زفازف ... هزف يبذ الناجيات الصوافنا١ أو هذين البيتين له أيضا: وشعب كشل الثوب شكس طريقه ... مجامع صوحيه نطاق محاصر به من سيول الصيف بيض أقرها ... جبار لصم الصخر فيه قراقر٢

стр. 298

أو هذه الأبيات للأعلم: فشايع وسط ذودك مستقنا ... لتحسب سيدا ضبعا تنول عشنزرة جواعرها ثمان ... فويق زماعها خدم حجول تراها الضبع أعظمهن رأسا ... جراهمة لها حرة وثيل١ أو هذه الأبيات لأبي الطمحان: فأصبحن قدأقهين عني كما أبت ... حياض الإمدان الهجان القوامح٢ أو هذا البيت لحاجز: خضاخضة بخضيع السيو ... ل قد بلغ الماء حذفارها٣ أو هذا البيت للأعلم: والحنطئ الحنطي يمـ ... ـثج بالعظيمة والرغائب٤ يكفي أن نقرأ هذه الأبيات، وأمثالها كثير في شعر الصعاليك، لتبدو لنا هذه الغرابة اللفظية التي انبعثت من أعماق الصحراء حيث كان يعيش هؤلاء الصعاليك مشردين. والحق أن هذه الغرابة قد شعر بها رواة شعر الصعاليك وشراحه، كما شعر بها اللغويون أيضا، فصرحوا بأنهم لا يعرفون طائفة من ألفاظه، أو بأنها لم ترد إلا فيه، أو بأنها ألفاظ نادرة. ويصرح الأصمعي بأنه لا يعرف "سحاليل" في قول الأعلم يصف جراء الضباع: سود سحاليل كأن ... جلودهن ثياب راهب٥ ويذكر السكري عند تفسيره لقول صخر الغي:

стр. 299

فلا تقعدن على زخة ... وتضمر في القلب وجدا وخيفا أنه لم يسمع "زخة" في شيء من كلام العرب ولا في أشعارها إلا في هذا البيت١، وكذلك يذكر الأصمعي عن هذه الكلمة٢. ويروي صاحب لسان العرب أن "الخيعابة" بمعنى الرديء لم يسمع إلا في قول تأبط شرا: ولا خرع خيعابة ذي غوائل ... هيام كجفر الأبطح المتهيل٣ ويذكر الأزهري أن "المكدل" بمعنى المكدر قد أهمله الليث، ثم يقول "ووجدت أنا فيه بيتا لتأبط شرا"٤. ويذكر ابن سيده أنه يقال رجل ترعية لمن صناعته آبائه الرعاية، أما تِرعي بغير هاء فإنه نادر، وقد ورد في قول تأبط شرا: ولست بترعي طويل عشاوه ... يؤنفها مستأنف النبت مبهل٥ ومن الأدلة على هذه الغرابة أيضا اختلاف اللغويين حول معاني بعض الألفاظ، فقد اختلفوا مثلا حول معنى "المسترعل" في قول تأبط شرا: متى تبغني ما دمت حيا مسلما ... تجدني مع المسترعل المتعبهل فقالوا إنه الذي ينهض في الرعيل الأول، وقيل هو الخارج في الرعيل، وقيل هو قائد الفرسان كأنه يستحثها، وفسره ابن الإعرابي بأنه ذو الإبل، ولكن ابن سيده يذكر أن هذا التفسير ليس بجيد٦. وقد اختلفوا أيضا في معنى لفظة "زخة" التي وردت في بيت صخر الغي السابق، فالسكري والأصمعي يذكران أنها الغيظ٧، واللحياني فيما يرويه

стр. 300

صاحب الأمالي يذكر أنها الدفعة١. ويذكر صاحب اللسان في قول تأبط شرا: ولا حوفل خطارة حول بيته ... إذا العرس آوى بينها كل خوتل "قيل في تفسيره: الخوتل الظريف، ويجوز عندي أن يكون من الختل الذي هو الخديعة بنى منه فوعلا"٢، وعبارة صاحب اللسان الأخيرة تشعر بأن هذه الكلمة قد تكون من اشتقاق تأبط شرا. ولعل عروة بن الورد أقل الشعراء الصعاليك إغرابا من الناحية اللغوية. ولعل سبب هذا أن عروة كان يقوم في حركة الصعلكة بدور الزعيم الشعبي، أو صاحب المذهب الذي يدعو الجماهير إلى اعتناق مذهبه، فكان طبيعيا أن يتبسط في الحديث إلى جماهيره باللغة التي يألفونها، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى لم يكن عروة بالصعلوك الذي اعتزل مجتمعه، وعاش بين حيوان الصحراء ووحشها، كما كان يفعل غيره من الصعاليك، وإنما كان إنسانا بكل ما في الإنسانية من معان، يحرص على الاتصال بمجتمعه الإنساني والعمل من أجله، ومن هنا خلصت لغته من تلك الحوشية البدوية التي نلاحظها عند غيره من شعراء الصعاليك، وبخاصة تأبط شرا والشنفرى.

стр. 301

١١- ظواهر عروضية: إذا نظرنا بعد ذلك في مجموعة شعر الصعاليك لنتبين خصائصها العروضية فإننا نلاحظ أن الأوزان التي صاغ فيها الشعراء الصعاليك شعرهم هي الأوزان نفسها التي عرفها سائر الشعراء الجاهليين: الطويل، والبسيط، والوافر، والكامل، والمتقارب، وأمثال هذه البحور التي ترددت فيها أنغام الشعر لجاهلي. كما نلاحظ في شعرهم الذي جاء من بحر الطويل ذلك الزحاف الشائع في الشعر الجاهلي في هذا البحر، وهو حذف ياء "مفاعيلن" ونون "فعولن" وتحول التفعيلة إلى "مفاعلن" و"فعول" وهو ما يسميه العروضيون "القبض"، وذلك قول تأبط شرا: تقول تركت صاحبا لك ضائعا ... وجئت إلينا فارقا متباطنا إذا ما تركت صاحبي لثلاثة ... أو اثنين مثلينا فلا أبت آمنا١ ومثل قول الشنفرى: فواكبدا على أميمة بعدما ... طمعت فهبها نعمة العيش زلت٢ ومثل قول الأعلم: أحبشي إنا قد يمتعنا الغنى ... بأموالنا نريحها ونسيمها ونحبسها على العظائم نتقي ... بها دعوة الداعين، إنا نقيمها إذا النفساء لم تخرس ببكرها ... غلاما ولم يسكت بحتر فطيمها٣ ومثل قول أبي خراش: كأن النضي بعدما طاش مارقا ... وراء يديه بالخلاء طميل٤ والأمثلة على هذه الظاهرة العروضية أكثر من أن تعد، فهي متنشرة في شعرهم انتشارا واسعا، ويكفي أن ننظر مثلا في تائية الشنفرى المفضلية لنتبين مدى هذا الانتشار، فيما عدا أبياتا قليلة منها تنتشر هذه الظاهرة في كل بيت من أبياتها. كما نلاحظ أيضا انتشار تلك العلة الجارية مجرى الزحاف التي تنتشر أيضا في سائر الشعر الجاهلي. وهي إسقاط أول الوتد المجموع من "فعولن"

стр. 302

في أول القصيدة أو المقطوعة فتتحول إلى "فعلن"، وهو ما يسميه العروضيون "الخرم". وذلك مثل قول حاجز: إن تذكروا يوم القرى فإنه ... بواء بأيام كثير عديدها١ وقول أبي الطمحان: لو كنت في ريمان تحرس بابه ... أراجيل أحبوش وأغضف آلف٢ وقول الشنفرى: لا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن أبشري أم عامر٣ وهي ظاهرة منتشرة أيضا في شعر الصعاليك انتشارها في سائر الشعر الجاهلي. ولكن هناك ظاهرة عروضية تلفت النظر في شعر الصعاليك وتستحق التسجيل، وهي انتشار الرجز قبيل مصارعهم، ولعل السبب في هذا سهولة هذا الوزن، واتفاقه مع حركات القتال. وقد لقي كثير من الصعاليك مصارعهم في أثناء قتالهم مع أعدائهم، وسقطوا في أثناء هذا القتال شهداء الفكرة التي عاشوا من أجلها. وحين ننظر في شعر الصعاليك الذي قالوه قبيل مصارعهم نجد أن كثيرا منه كان رجزا. فقيس بن الحدادية يقاتل أعداءه وهو يرتجز حتى يُقتل٤، والشنفرى في ساعته الأخيرة حين يضرب أعداؤه يده فيقطعونها يرثيها رجزا٥، وصخر الغي حين يحيط به أعداؤه في ساعته الأخيرة يرتجز حاثا أصحابه على الثبات معه وعدم الفرار حتى لتبلغ أراجيزه في الفترة الحرجة من حياته خمسا٦.

стр. 303

ومع ذلك فلعمرو ذي الكلب١ أرجوزة طويلة يقص فيها قصة طريفة، هي غارة ذئب فاتك على غنمه، ورميه بسهم من سهامه يلقيه صريعا وقد اختضب بعضه من بعض بدم، كما يقول في نهايتها٢. ولعلها رمز لذلك الصراع الدامي بين طبقة الصعاليك المظلومة وطبقة الرأسمالية الظالمة، وانتصار الصعاليك في النهاية في هذا الصراع.

стр. 304

الفصل الرابع: شخصيتان متميزتان ١- تشابه وتميز: رأينا في صعاليك العرب سلكوا جميعا أسلوبا واحدا في الحياة، آمنوا بأنه الأسلوب الوحيد الذي يستطيعون به أن يرفعوا عن كواهلهم ما وضعته فوقها ظروف مجتمعهم الجغرافية، وتقاليده الاجتماعية، وأوضاعه الاقتصادية، من ضيم وهوان، وهو ذلك الأسلوب الذي جعلنا شعاره "الغزو والإغارة للسلب والنهب". ورأينا أن صعاليك العرب جميعا، سواء منهم الخلعاء أو الأغربة أو الفقراء المتمردون، قد تخلصوا من فكرة "العصبية القبلية" وشقوا طريقهم في الحياة دون تقيد بقبائلهم، أو رجوع إليها، أو حرص على رضاها، حتى أولئك الذين ظلوا على صلة بقبائلهم، أو -بتعبير أدق- بمنازل قبائلهم، لم تكن حركاتهم مرتبطة بالحياة الاجتماعية العامة في قبائلهم. ورأينا أن مرد هذا إحساس هؤلاء الصعاليك بأنهم مهضمون الحق، مستضعفون في الأرض، وما نشأ عن هذا الإحساس بالضعة، وعن هذه الرغبة في التسامي، من "مركب نفسي"، اتجه بهم إلى التمرد. وليس من الطبيعي أن تكون كل شخصيات صعاليك العرب قد فنيت في هذه "العصبية المذهبية" التي استعاضوا بها عن "العصبية القبلية"، وإنما الطبيعي أنه برغم هذا التشابه في جماعات الصعاليك، يوجد تميز بين شخصياتهم، فقد رأينا أن أساس حركة الصعلكة قوة النفس، وأن قوامه مقدرة الفرد على الوقوف في وجه المجموع.

стр. 305

ومن الطبيعي تبعا لهذا أن يختلف موقف الصعاليك من هذه الحركة التي وهبوا لها حياتهم. ونستطيع في سهولة أن نلحظ شخصيتين متميزتين نرد إليهما جماعة الصعاليك: فهناك تلك الشخصية المتمردة التي رأت في هذه الحركة فرصة سانحة تظهر فيها بطولتها الفردية، وتستغلها إلى أبعد حد في إرضاء ما في نفسها من نزعة شريرة، تصبغ حياتها كلها بلون من الدم الأحمر القاني محبب إليها، لا يرضيها إلا أن ترى تلك الرءوس اليانعة، رءوس الأغنياء المترفين، تتطاير تحت ضربات سيوفها، وذلك المال الذي يملكونه ينهب، بل هي لا تبالي في سبيل ذلك بأن توجه حركاتها المتمردة الشريرة ضد أية جماعة من الناس لا ترضى عنها. وإلى جانب هذه الشخصية التي رأت أن يكون تمردها الغاية والوسيلة معا، نرى شخصية أخرى رأت أن يكون تمردها وسيلة لغاية إنسانية معينة، هي رفع الظلم عن المظلومين، وحماية المتسضعفين من ضيم السادة الأقوياء، وتهيئة الفرصة للفقراء المهضومة حقوقهم ليشاركوا سائر أفراد مجتمعهم في حياة اجتماعية كريمة عن طريق إحداث نوع من العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي الفطري بين طبقتي هذا المجتمع الاقتصاديتين: طبقة المالة وطبقة الصعاليك، بما تنهبه من الطبقة الأولى لتوزعه على الطبقة الأخرى. وحين ننظر في مجموعة صعاليك العرب نجد أن أشهر من يمثل هذه الشخصية الأخرى عروة بن الورد، أبو الصعاليك، الذي أخذ على عاتقه من الناحية الاجتماعية أن يحقق هذه العدالة الاجتماعية وهذا التوازن الاقتصادي، ومن الناحية الفنية أن يقف موقف الداعية صاحب المذهب الذي يتخذ من شعره وسيلة للدعاية إلى مذهبه. أما الشخصية الأولى فإن أفرادها أكثر من أن يحصوا. لأنها تمثل طائفة المتمردين من فتيان المجتمع الجاهلي، وما أكثرهم! ولعل الشنفرى من أصلح ممثلي هذه الشخصية للدراسة الاجتماعية، نظرا لإمعانه في التمرد والشر. حتى ليذكر الرواة أنه آلى على نفسه ليقتلن مائة من بني سلامان بسبب لطمة لطمتها له إحدى فتياتهم، ولعله أصلح ممثلي الشخصية للدراسة الفنية لأن له بين أيدينا ديوانا مستقلا نستطيع أن نضمه في الكفة الأخرى من الميزان أمام ديوان عروة.

стр. 306

٢- عروة بن الورد: ينتهي نسب عروة إلى قبيلة عبس، فهو عروة بن الورد بن زيد١ بن عبد الله بن ناشب بن هريم بن ليدم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس٢، فهو من هذه الناحية في شرف من قبيلته، ولكن أباه كانت عبس تتشاءم به؛ لأنه هو الذي أوقع الحرب بينها وبين فزارة بمراهنته حذيفة٣. أما أمه فليس فيما بين أيدينا من أخباره ما يشير إليها، ولكن عروة نفسه قد كفانا مشقة البحث عنها، فهو يذكر في شعره أنها من نهد٤ من قضاعة٥، ولكن الشيء الذي يلفت النظر في حديث عروة عن أمه أنه دائم السخط على هذه الصلة التي ربطت بين أبيه وأمه٦، وبل إنه يهجو أخواله هجاء مرا٧، ولعل من أسباب هذا أن قبيلة نهد كانت أقل شرفا من عبس٨، أو ربما كانت هناك أسباب أخرى لم تصل إلينا أخبارها.

стр. 307

ولعل هذا الإحساس الذي سيطر على نفس عروة بأن أمه أقل شرفا من أبيه هو الذي جعله ينسب كل ما يحسه من عار إلى تلك الصلة التي تربطه بأخواله النهديين١. ومعنى هذا أن عروة قد وضع منذ نشأته الأولى بين شقي الرحى، فأبوه تتشاءم منه قبيلته، وأمه من قبيلة أقل شرفا. وليس لدينا عن نشأة عروة الأولى سوى خبر واحد، ولكنه قوي الدلالة على تلك الظروف الأولى التي جعلته يشعر بالظلم شعورا قويا سيطر عليه في كل مراحل حياته بعد ذلك، كما أنه قوي الدلالة على قوة نفسه التي بدأت براعمها في الظهور منذ وقت مبكر. ففي الأخبار أنه كان له أخ أكبر منه وكان أبوه يؤثره عليه فيما يعطيه ويقربه، "فقيل له: أتؤثر الأكبر مع غناه عنك على الأصغر مع ضغفه؟ قال: أترون هذا الأصغر؟ لئن بقي مع ما أرى من شدة نفسه ليصبرن الأكبر عيالا عليه"٢. ومعنى هذا أن عروة تفتحت عيناه في الحياة على صورة مختلة التوازن من صورها: صورة الأخ الأكبر الذي يؤثره أبوه مع غناه عنه، وإلى جانبها صورة الأخ الأصغر الذي يهمله أبوه مع ضعفه وحاجته إليه. أليست هذه الصورة هي التي شاهدها عروة بعد ذلك في المجتمع الذي يعيش فيه في مجال أوسع: الأغنياء الذين تؤثرهم الحياة بكل شيء مع غناهم، وإلى جانبهم الفقراء الذين تحرمهم الحياة من كل شيء مع شدة حاجتهم وضعفهم؟ وهكذا بدأت براعم فلسفة عروة الاجتماعية والاقتصادية في الظهور في هذه السن المبكرة. وما إن تتقدم الأيام بعروة حتى تتفتح هذه البراعم عن فلسفة ناضجة، يؤمن بها كل الإيمان، ثم يأخذ في تنفيذها والدعوة إليها بكل قوة وحماسة.

стр. 308

ومن الطبيعي أن تجد دعوته آذانا صاغية، وقلوبا مؤمنة، وأنصارا مخلصين بين أولئك الفقراء المستضعفين الذين أجهدهم الفقر وأهزلهم الجوع، وأذلتهم الأوضاع الاجتماعية، وسدت الحياة في وجوههم سبل العيش الحر الكريم، فالتفت حوله طوائف من الصعاليك، يخرج بأقويائهم فيغير، ثم يوزع الغنائم على من أغار بهم، وعلى من تخلف عنه من المرضى والضعفاء أيضا، فربما عاد كل منهم إلى أهله وقد استغنى١. وقد عرف الصعاليك في عروة هذه النفس الإنسانية القوية فكانوا إذا أصابتهم السنة أتوه "فجلسوا أمام بيته حتى إذا بصروا به صرخوا وقالوا: يا أبا الصعاليك، أغثنا" فيخرج ليغزو بهم٢. وقد عرف عروة لهذه "الأبوة" على حد تعبير هؤلاء الصعاليك الذين كان يسميهم "عياله"٣ أو لهذه "الزعامة" -كما يصح أن نطلق عليها- حقوقها. فلم يكن يؤثر نفسه بشيء على صعاليكه، وإنما "كان صعلوكا فقيرا مثلهم"٤، وفي بعض غارته، وهو مع قوم من هلاك عشيرته في شتاء شديد، قيض الله له رجلا "صاحب مائة من الإبل قد فر بها من حقوق قومه" فقتله وأخذ إبله ثم أقبل بالإبل يقسمها بين صعاليكه، وأخذ مثل نصيب أحدهم٥. وعرف هذا "الزعيم الشعبي" "نفسية جماهيره" فكان يقبل منهم أحيانا التواءهم عليه إذا ما تحسنت حالتهم؛ لأنه يعرف أنهم "كما الناس" على حد تعبيره٦، ولأنه يدرك أنهم "صنيعته"، ولو أنه عاملهم كما يعاملونه لأفسد

стр. 309

مع يصنع، ولانفضت الجماهير من حوله، وهو حريص عليهم لأنه حريص على تنفيذ مذهبه في الحياة. ففي أخباره أنه غنم في بعض غزواته إبلا وامرأة، فلما أخذ في قسمة الإبل بين صعاليكه أخذ مثل نصيب أحدهم واستخلص المرأة لنفسه، "فقالوا: لا واللات والعزة لا نرضى حتى تجعل المرأة نصيبا، فمن شاء أخذها، فجعل يهم بأن يحمل عليهم فيقتهلم وينتزع الإبل منهم، ثم يذكر أنهم صنيعته، وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان يصنع، فأفكر طويلا، ثم أجابهم إلى أن يرد عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله، فأبوا ذلك عليه، حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه"١. وهو إلى جانب هذه "الزعامة" الحكيمة "قائد" موفق يخرج "بجنوده" ويرسم لهم الخطط الدقيقة التي تضمن لهم الفوز. ففي أخباره أنه خرج بصعاليكه إلى أرض بني القين، فهبط أرضا ذات حجارة كبيرة فيها ماء، فرأى عليه آثارا "فقال: هذه آثار من يرد هذا الماء فاكمنوا، فأحر أن يكون قد جاءكم رزق"، فأقاموا يوما "ثم ورد عليهم فصيل، فقالوا: دعنا فلنأخذه فلنأكل منه يوما أو يومين، فقال: إنكم إذن تنفرون أهله، وإن بعده إبلا، فتركوه فندموا وجعلوا يلومون عروة من الجوع الذي جهدهم، ووردت إبل بعده بخمس فيها ظعينة ورجل مع السيف والرمح، والإبل مائة متال، فخرج إليه عروة، فرماه في ظهره بسهم أخرج من صدره فخر ميتا، واستاق عروة الإبل والظعينة حتى أتى قومه"٢. أرأيت إلى هذه القيادة الموفقة كيف تتخير المكان والزمان، وكيف تحكم الخطة ولا تتعجل تنفيذها حتى تحين الفرصة المناسبة؟ ومن مظاهر هذه القيادة الموفقة الحذر، فقد كان عروة إذا نزل بصعاليكه

стр. 310

في موطن من مواطن الخوف أخذ للأمر عدته فبعث أحد صعاليكه فوق مرقبة عالية يرقب لهم الطريق، بينما يشتغل الباقون في تهيئة طعام الجماعة أو في غير ذلك من الأعمال١. وقد رأينا في تفسيرنا الجغرافي لظاهرة الصعلكة أن حركات عروة وصعاليكه قد تركزت في شمالي الجزيرة العربية حول منطقة يثرب، وأنها كانت تمتد إلى منطقة نجد أحيانا، ومن هنا نشأت طائفة من الصلات الاقتصادية بينه وبين بني النضير الذين كانوا ينزلون في تلك المنطقة فكانوا "يقرضونه" إن احتاج ويبايعهم إذا غنم"٢. هكذا سلك عروة سبيله في الحياة، يسلب الأغنياء أموالهم ليوزعها على الفقراء، وفقا لفلسفة معينة عبر عنها في شعره أصدق تعبير، حتى أصبح شعره نبراسا يهتدي به قومه، أو يأتمون به -على حد تعبير الحطيئة في حديثه مع عمر بن الخطاب٣. وأساس فلسفة عروة أن "الغزو والإغارة للسلب والنهب" السبيل الوحيد للغنى لمن هو في مثل حالته: ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح٤ وما صاحب الحاجات من كل وجهة ... من الناس إلا من أجد وشمرا٥ وليس وراء ذلك سوى إحدى نتائج ثلاث: نجاح الغزوة أو إخفاقها أو الموت في سبيلها، أما إن كانت الأولى فقد حقق أهدافه وجاء الغنى معها، وأما إن كانت الثانية فقد أبلغ نفسه عذرها، "ومبلغ نفس عذرها مثل منجح"، وأما إن كانت الثالثة فالموت خير من حياة الفقر والجوع والذل والهوان:

стр. 311

ذريني أطوف في البلاد لعلني ... أخليك أو أغنيك عن سوء محضر فإن فاز سهم للمنية لم أكن ... جزوعا وهل عن ذاك من متأخر وإن فاز سهمي كفكم عن مقاعد ... لكم خلف أدبار البيوت ومنظر١ أقيموا بني لبني صدور ركابكم ... فإن منايا القوم خير من الهزل٢ فقلت له ألا احي وأنت حر ... ستشبع في حياتك أو تموت٣ فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا٤ وهو يتمنى أن يصادف في أثناء انطلاقه هو وصعاليكه في البلاد غازين مغيرين بعض أولئك الأغنياء أصحاب الإبل الكثيرة الذين يحرصون على مالهم بالبخل والعقوق، عقوق أفراد مجتمعهم الفقراء، حتى يستردوا منهم بعض حقوقهم عليهم: لعل انطلاقي في البلاد ورحلتي ... وشدي حيازيم المطية بالرحل سيدفعني يوما إلى رب هجمة ... يدافع عنها بالعقوق وبالبخل٥ ويعلل عروة لمغامراته بكثرة أضيافه وقلة ماله، فماذا يفعل سوى أن يغامر في سبل الغنى حتى يهيئ لنفسه شيئا يقدمه لهم، فيحقق حسن ظنهم فيه، ويرضي نفسه الطموح إلى حسن الأحدوثة وطيب الذكر؟ يريح على الليل أضياف ماجد ... كريم، ومالي سارحا مال مقتر٦ ويتساءل: أيهلك أفراد من المجتمع لفقرهم وجوعهم في حين يعيش إخوان لهم مترفين متخمين، وهو قاعد لا يفعل شيئا، وهو الذي باع روحه للموت في مخاطراته ومغامراته؟ أيهلك معتم وزيد ولم أقم ... على ندب يوما ولى نفس مخطر٧

стр. 312

والغاية التي يريد أن يصل إليها -بطبيعة الحال- الغنى، ولكنه لا يريد الغنى من حيث هو غاية يقف عندها، وإنما يريده ليكون وسيلته للارتفاع بمنزلته الاجتماعية بين أفراد مجتمعه، من حيث إنه يهيئ له الفرصة التي يشارك فيها السادة الأغنياء في البذل والكرم واكتساب المحامد والمفاخر: دعيني أطوف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي الحق محمل أليس عظيما أن تلم ملمة ... وليس علينا في الحقوق معول فإن نحن لم نملك دفاعا بحادث ... تلم به الأيام فالموت أجمل١ والفقير في رأيه شر الناس، وأحقرهم عندهم، وأهونهم عليهم مهما يكن له من فضل، يجافيه أهله، وتزدريه امرأته، حتى الصغير يستطيع أن يذله، أما الغني فمهما يفعل يقبل منه، ومهما يخطئ يغفر له، فللغني رب يغفر الذنوب جميعا: ذريني للغنى أسعى، فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير وأدنأهم، وأهونهم عليهم ... وإن أمسى له حسب وخير يباعده القريب، وتزدريه ... حليلته، ويفهره الصغير ويُلقى ذو الغنى، وله جلال ... يكاد فؤاد لاقيه يطير قليل ذنبه، والذنب جم ... ولكن للغنى رب غفور٢ هكذا يسجل أبو الصعاليك فلسفته في هذه المشكلة الاجتماعية الخطرة، مشكلة الفقر والغنى، في هذا الأسلوب الممتاز الذي يستمد امتيازه من عنصرين أساسيين هما السخرية والبساطة: السخرية من ذلك المجتمع العجيب الذي يحتقر الفقير لا لشيء إلا لأنه فقير، ويقدر الغني لا لشيء إلا لأنه غني، والذي لا يهتم بغير المظاهر المادية، أما جوهر النفس الكامن خلف هذه المظاهر فأمر وراء اهتمامه، ثم البساطة التي نلمسها في عرض الشاعر لمعانيه ذلك العرض

стр. 313

السهل الذي لا يقبل معارضة، أو يثير جدلا، والذي ينفذ إلى النفس من أقرب السبل، ذلك العرض الذي يصح أن نطلق عليه "عرضا شعبيا"، حتى لنسمع أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب يطلب إلى معلم أولاده ألا يرويهم هذه القصيدة، ويقول له: "إن هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم"١. وأسوأ طوائف الصعاليك عند عروة هم أولئك الصعاليك الذين يقضون حياتهم في خمول وهوان وتخاذل، وقعود عن طلب الغنى، وخدمة لنساء الحي المترفات: لحا الله صعلوكا إذا جن ليله ... مصافي المشاش آلفاكل مجزر يعد الغنى من دهره كل ليلة ... أصاب قراها من صديق ميسر ينام عشاء ثم يصبح طاويا ... يحت الحصى عن جنبه المتعفر قليل التماس الزاد إلا لنفسه ... إذا هو أمسى كالعريش المجور يعين نساء الحي ما يستعنه ... فيمسي طليحا كالبعير المحسر٢ أما أولئك الصعاليك العاملون الذين يقضون حياتهم في العمل والكفاح والمغامرة فإن عروة معجب بهم إعجابا شديدا؛ لأنهم الذين آمنوا بمذهبه في الحياة، وسلكوا سبيله فيها، فهو لهذا يكيل لهم مدحه ويضفي عليهم ثناءه: ولكن صعلوكا صحيفة وجهه ... كضوء شهاب القابس المتنور مطلا على أعدائه يزجرونه ... بساحتهم زجر المنيح المشهر فإن يعدوا لا يأمنون اقترابه ... تشوف أهل الغائب المتنظر فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر٣ هكذا كان أبو الصعاليك ينادي بمذهبه في أرجاء المجتمع الجاهلي. وليس

стр. 314

من شك في أن دعوة عروة هذه قد لقيت إعجابا من هذا المجتمع ظلت أصداؤه مدوية حتى بعد ظهور الإسلام في البلاط الأموي نفسه، حتى لنسمع معاوية يقول "لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم"١، وحتى ليستأذن بعض الناس عليه ويقول لآذنه: استأذن لي على أمير المؤمنين وقل ابن مانع الضيم، فيقول معاوية: ويحك لا يكون هذا إلا ابن عروة بن الورد العبسي أو الحصين بن الحمام المري٢، وحتى ليقول عبد الملك: من زعم أن حاتما أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد٣. وأخص ما يتميز به أسلوب عروة في شعره أنه "أسلوب شعبي"، فهو سهل اللفظ بالقياس إلى شعر سائر الصعاليك، واضح المعنى، قريب التعبير، لا تكلف فيه ولا تصنع. وقد يكون هذا طبيعيا بعد أن قررنا أن عروة كان يقوم في حركة الصعلكة بالداعية المذهبي أو الزعيم الشعبي الذي يحرص على استمالة الجماهير إليه. ولعل عروة أكثر الشعراء الصعاليك استخداما لتلك المقدمات النسائية التي اصطلحنا على تسميتها "مقدمات الفروسية في شعر الصعاليك". وهذا أيضا طبيعي فإن أخبار عروة مع نسائه السبايا تدل على احترام متغلغل في نفسه للمرأة، ورواة الأدب العربي يصفونه بأنه كان لا يمس النساء٤.

стр. 315

ذلك الدعاء الصادق الصادر من أعماق نفسه: جزى الله خيرا عن خليع مطرد ... رجالا حموه آل عمرو بن خالد وما له لا يدعو لهم وقد آووه، وعطفوا عليه، ونصروه بعزهم وشرفهم وبأبنائهم الأبطال الأمجاد: وقد حدبت عمرو علي بعزها ... وأبنائها من كل أروع ماجد وهو لهذا يُعلن على الملأ أن هؤلاء القوم الذين لجأ إليهم، إنما هم الأصحاب والأهل والثروة والنصر: أولئك إخواني وجل عشيرتي ... وثروتهم والنصر غير المحارد١ بل إن أبا الطمحان يعلن أنه قد نسي أهله في جوار من استجار بهم بعد خلعه، وأصبح كأنه واحد منهم حتى لقد عرفت كلابهم ثيابه فما تهر عليه: وقد عرفت كلابهم ثيابي ... كأني منهم ونسيت أهلي٢ ولا ينسى الصعاليك الخلعاء خلع قبائلهم لهم حتى في آخر لحظات حياتهم، حين يمر بهم ماضيهم الحافل بالمغامرة والكفاح، فإذا قصة الخلع هي الحد الفاصل بين حياتين، والسر الأول في تلك الحياة القاسية التي عاشوها، والتي يودعونها في هذه اللحظات. هذا قيس بن الحدادية يقاتل أعداءه الذين تكاثروا عليه حتى قُتل وهو يرتجز ذاكرا أول ما يذكر قصة خلعه وبغض أهله له. نا الذي تخلعه مواليه ... أوكلهم بعد الصفا قاليه وكلهم يقسم لا يباليه٣ وإذا كان الصعاليك الخلعاء والشذاذ قد صوروا في شعرهم هذه العقد النفسية التي كان منشؤها انقطاع الصلة بينهم وبين قبائلهم، فإن الصعاليك الأغربة لم يتحدثوا في شعرهم عن ظاهرة اللون التي كانت عقدة العقد في حياتهم، التي كانت سببا في انعدام التوافق الاجتماعي بينهم وبين قبائلهم، وفيما عدا

стр. 316

الشَّنْرَي ... ٣- الشنفرى: إذا كان عروة يمثل الجانب الإنساني في حركة صعاليك العرب، فإن الشنفرى -ولا شك- يمثل الجانب الشيطاني فيها. واسم الشنفرى، ونسبه، ونشأته الأولى، غامضة كل الغموض، فكل ما يعرف عن الجانبين الأولين أنه الشنفرى، وأنه كان من الإواس بن الحجر بن الهنو بن الأزد١، وأن أباه كان في موضع من أهله ولكنه كان في قلة٢، وأن أمه كانت سبية٣. والشنفرى أحد أولئك الأغربة الذين رأينا أنهم كانوا يمدون حركة الصعلكة بجماعات كبيرة من الصعاليك، ويضعه صاحب لسان العرب نقلا عن ابن سيده عن ابن الأعرابي بين "أغربة العرب"٤، وكذلك يفعل صاحب تاج العروس نقلا عن التهذيب والمحكم ولسان العرب٥، ويضعه ابن الأعرابي في نوادره بين أغربة الجاهلية٦، والشنفرى نفسه يصرح في بعض شعره بأنه "هجين"٧. ولكن يبدو أن الشنفرى يأبى إلا أن يوقعنا في إشكال غامض، فإنه بعد بيت واحد من تصريحه هذا يعود فيصرح بأنه أمه "ابنة الأحرار"٨، وهنا نقف لنتساءل: كيف يتفق التصريحان وبينهما هذا التناقض الظاهر؟ ونعود إلى أخبار الشنفرى في مصادرها المختلفة نسألها الإجابة عن هذا التساؤل، ولكنا لا نظفر مع الأسف بشيء، فإن رواة أخباره لم يقفوا عند هذا التناقض، ولم يقدموا لنا الوسائل التي تعيننا على هذه الإجابة؛ لأنهم لم يذكروا شيئا له قيمة عن أسرة الشنفرى، لا عن أبيه ولا عن أمه، حتى ليلاحظ الأستاذ

стр. 317

lyall أن "أصل الشنفرى ونسبه مسألتان شديدتا الغموض"١. والواقع أن أخبار الشنفرى كلها قليلة ومضطربة حتى ليعارض رواتها بعضهم بعضا، ومن هنا ترددت كلمة "لا" النافية في أول كل خبر منها٢. ومن الحق ما يذكره lyall من أن القصص التي تروى حول الشنفرى لا تتفق دائما مع قصائده، وإنما هي أقرب إلى أن تكون صورة من الأساطير الشعبية التي كثرت حول أبطال العصر الجاهلي من أن تكون أخبارا حقيقية٣. ومع ذلك فلا بد من محاولة للإجابة عن هذا التساؤل. يرى fresnel أنه من المحتمل أن تكون أم الشنفرى مولودة من أب حر وأم أمة، وبهذا يكون الشنفرى من أولئك الذين يطلقون عليهم في الولايات الأمريكية اسم quarteron٤. ولكن هذا الأمر لا يعدو أن يكون فرضا، وصاحبه يصرح بأنه شيء من الممكن أن يُفترض٥، وهكذا تظل المشكلة قائمة، ويظل السؤال واردا. أما أنا فيبدو لي أن المسألة أيسر من هذا، وأنها لا تحتاج إلى تكلف مثل هذا الفرض الاحتمالي، وأن وصف الشنفرى لأمه بأنها "ابنة الأحرار" لا يعدو أن يكون تعبيرا عاطفيا يتلاءم مع ذلك الجو العاطفي الشديد الحساسية الذي قيلت فيه الأبيات٦، فهو صرخة من نفس الشنفرى الحساسة في وجه ابنة سيده المتعجرفة، يعلن لها فيها أن العبودية وضع اجتماعي خاطئ لا يُعترف به؛ لأن الله لم يخلق الناس عبيدا، وأنه إذا كانت الأوضاع الظالمة قد جعلت

стр. 318

من أُمه أَمة فإن هذا لا يغير من الوضع الإلهي الذي خلقها الله عليه، فهي ابنة أحرار قبل أن تكون أَمة، ولو أن هذه الفتاة المتعجرفة عرفت أصلها لعرفت أنها ابنة أحرار مثلها، ولهذا يعقب على قوله "وأمي ابنة الأحرار" بقوله "لو تعرفينها"، فكأنه يقول لها ذلك القول الذي قال عمر بن الخطاب لعمرو بن العاص فيما بعد: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا؟ وكأن المسألة عنده مسألة نسبية، فإذا كانت هذه الفتاة ترى أُمه أَمة فإنه يراها ابنة أحرار. ومع ذلك فما زال في المشكلة جانب يحتاج إلى تفسير، وهو قول الشنفرى بعد ذلك: #إذا ما أروم الود بيني وبينها يوم بياض الوجه مني يمينها١# والذي يبدو لي أن وصف الشنفرى لوجهه بالبياض إما أن يكون على طريقة العرب في التعبير عن اللديغ بالسليم، وإما أن يكون لونا من السخرية من اهتمام هؤلاء السادة بمسألة اللون. ومع ذلك فهذا لبيت لم يرد إلا في رواية واحدة من روايات الأغاني المتعددة عن هذه القصة، وهي رواية مجهولة الراوية، فيها بعض تفصيلات غير معقولة٢. ومهما يكن من أمر فإن لفظة "الشنفرى" تحمل في طياتها دليلا على أصل هذا الشاعر، فمن معاني هذه اللفظة الرجل الغليظ الشفتين٣، وغلظ الشفتين -كما هو معروف، وكما يقرر علماء الأجناس- من سمات الجنس الأسود. ويجعل fresnel هذه الظاهرة من أدلته على أنه "من المؤكد أن أم الشنفرى كانت أمة سوداء أو من دم مختلط"٤، كما يجعلها lyall دليلا

стр. 319

على أنه "من المرجح أن دما إفريقيا زنجيا أو حبشيا كان يجري في عروفه"١. أما عن بدء تصعلكه فإنه غامض كل الغموض، وتروى عنه ثلاث روايات: إحداها عن محمد بن هشام النمري بسنده وتذكر أن الشنفرى أسرته بنو شبابة بن فهم فلم يزل فيهم حتى أسرت بنو سلامان بن مفرج٢ من الأزد رجلا من بني شبابة، ففدته بنو شبابة بالشنفرى، فكان الشنفرى في بني سلامان لا تحسبه إلا أحدهم حتى نازعته بنت الرجل الذي كان في حجره، وكان السلامي اتخذه ولدا، فقال لها الشنفرى: اغسلي رأسي يا أخية، فأنكرت أن يكون أخاها ولطمته، فذهب مغاضبا حتى أتى الذي اشتراه من فهم، فقال له: اصدقني ممن أنا؟ قال: أنت من الإواس بن الحجر، قال: أما إني لن أدعكم حتى أقتل منكم مائة بما استعبدتموني٣. وأما الثانية فعن راوية مجهول يكذب فيها هذه الرواية ويقول إن الأزد قتلت الحارث بن السائب الفهمي، فأبوا أن يبوءوا بقتله، فباء بقتله رجل منهم يقال له حرام بن جابر، فلما ترعرع الشنفرى جعل يغير على الأزد مع فهم٤. وأما الثالثة فعن راوية مجهول أيضا يُكذب فيها هاتين الروايتين، ويقول: بل كان من سبب أمر الشنفرى أن بني سلامان بن مفرج سبت الشنفرى وهو غلام، فجعله الذي سباه في بهمة يرعاها مع ابنة له، فلما خلا بها ذهب ليقبلها، فصكت وجهه، ثم سعت إلى أبيها فأخبرته، فخرج إليه ليقتله، فوجده ينشد أبياتا يأسف فيها على أن هذه الفتاة لا تعرف نسبه، فلما سمع الرجل قوله سأله: ممن هو؟ فقال: أنا الشنفرى أخو بني الحارث بن ربيعة، فقال له: لولا أني أخاف أن يقتلني بنو سلامان لأنكحتك ابنتي، فقال:

стр. 320

علي إن قتلوك أن أقتل منهم مائة رجل بك، فأنكحه ابنته، وخلى سبيله، فسار بها إلى قومه، فشدت بنو سلامان خلافه على الرجل فقتلوه، ثم أخذ يوفي بوعده للرجل فيغزو بني سلامان ويقتلهم١. ويروي ابن الأنباري عن نشأته الأولى ثلاث روايات: اثنتين عن مؤرج، إحداهما تلك التي يرويها صاحب الأغاني عن النمري، والأخرى يقول فيها: ويقال إن السبب في غزو الشنفري الأزد وقتلهم أن رجلا منهم وثب على أبيه فقتله والشنفرر صغير، وكان أبوه في موضع من أهله ولكنه كان في قلة، فلما رأت أم الشنفرى أن ليس يطلب بدمه أحد ارتحلت به وبأخ له أصغر منه حتى جاورت في فهم، فلم تزل فيهم حتى كبر الشنفرى، فجعلت تبدو منه عرامة، وجعل يكره جانبه، فوقع في نفس تابط شرا، فكان يكرمه ويدنيه، وكان يغير مع تأبط شرا حتى صار لا يقام لسبيله٢. والرواية الثالثة عن راوية مجهول، يقول فيها إن الأزد قتلت رجلا من فهم في خفرة رجل يقال له الحارث بن السائب الفهمي، فرهنوهم الشنفرى وأمه وأخاه، وأسلموهم ولم يفدوهم، فنشأ فيهم الشنفري، فكان شديد البأس والنفس وكان أشد فهم على الزد قتلا وسلبا٣. ومهما يكن من أمر هذه الروايات المتناقضة المضطربة فإن المسألة في أبسط صورها ترجع إلى أن الشنفرى لسبب من السباب فقد توافقه الاجتماعي مع قبيلته الأزد، ثم انتقل إلى قبيلة فهم، تلك القبيلة المتمردة المشهورة بلصوصها٤، وهناك اتصل به تأبط شرا، ووجد فيه تلميذا ممتازا، فلقنه دروس الصعلكة الأولى حتى صار لا يقام لسبيله، ورأى الشنفرى أن فرصة الانتقام من قبيلته الأزد قد سنحت له فصب عليها كل غزواته.
следующие страницы →