← Адаб

Адаб · id 22828

الشعراء الصعاليك في العصر الجاهلي

يوسف خليف

Полный текст (331 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمات مقدمة الطبعة الثانية ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية: لا تكاد هذه الطبعة الجديدة تختلف عن الطبعة السابقة في شيء أساسي، فلم أدخل عليها إلا تعديلات يسيرة لبعض العبارات، وإضافات قليلة لبعض الشروح. وعلى الرغم من أن صلتي بموضوع البحث "الصعاليك" لم تنقطع طوال هذه السنين التي مضت على ظهور الكتاب، فإن النتائج التي كنت قد انتهيت إليها في هذا البحث لم تتغير، بل لقد زادتني هذه السنون إيمانا واقتناعا بها. حتى المصادر التي أُتيح لي الاطلاع عليها في هذه السنين. ولم تكن الفرص قد أتاحت لي الاطلاع عليها من قبل، لم تقدم لي جديدا يفيد البحث أو يغير من نتائجه. وقد كنت تمنيت -وأنا أعد هذا البحث- لو أتيحت لي فرصة الاطلاع على ديوان تأبط شرا الذي جمعه ابن جني، والذي يذكر بروكلمان أنه مخطوط في الإسكوريال. ثم أتيحت لي في الأيام الأخيرة فرصة الاطلاع على هذا المخطوط، فلم أجده ديوانا لتأبط شرا ولا شبه ديوان، وإنما هو مختارات قليلة اختارها ابن جني من ديوان تأبط شرا الذي كان موجودا عنده كما يذكر صاحب الخزانة، وهي مختارات لم أجد فيها جديدا أضيفه إلى البحث. على أني أريد هنا أن أؤكد -بصفة خاصة- فكرة كثر الجدل حولها في هذه السنين، وهي فكرة "اشتراكية الصعاليك" التي أدرت حولها بحثي، وفسَّرت في ضوئها هذه الثورة الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع الجاهلي، وخاصة عند عروة بن الورد الذي تراءى لي داعية من دعاة

стр. 2

الاشتراكية في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ الإنسانية. فقد ذهب بعض الباحثين إلى أنني تعسفت في تفسير الشعر الجاهلي هذا التفسير الاقتصادي، وأنني حملت النصوص والأخبار القديمة ما تنوء به من مصطلحات حديثة ترتبط في أذهان الناس بمفاهيم خاصة لم يعرفها العصر الجاهلي، ولم تدر في خلد هؤلاء الشعراء القدماء. وأنا لم أزعم أن ثورة الصعاليك في العصر الجاهلي كانت ثورة اشتراكية قائمة على أساس المذهب الاشتراكي كما تعرفه مجتمعاتنا المعاصرة، فمثل هذا التفسير يعد -بدون شك- تعسفا لا يتفق مع المنهجية الجامعية فما من شك في أن هناك فروقا جوهرية بين الاتجاهين سواء في الفلسفة النظرية أو في التطبيق العملي. وإنما الذي ذهبت إليه هو أن في شعر الصعاليك وأخبارهم، وخاصة عروة بن الورد، أفكارا تتصل بمشكلة الفقر والغنى في المجتمع الجاهلي، وتنادي بثورة المستضعفين من فقراء هذا المجتمع والمضطهدين فيه على طبقة المَالَة من الأغنياء المتخمين وخاصة البخلاء منهم، وأن هذه الثورة كانت تستهدف تحقيق صورة من صور العدالة الاجتماعية والتوازن الاقتصادي في هذا المجتمع. وإذا كانت هذه الأفكار لم تأخذ شكل نظرية علمية دقيقة، أو شكل فلسفة اقتصادية متكاملة، وإذا كان التطبيق العملي لهذه الأفكار سلك أسلوبا فرديا أقرب إلى الفوضوية منه إلى أساليب التنفيد العلمي المنظم في الاشتراكية الحديثة، فإن هذا كله لا يمنع من القول بأن هذه الأفكار كانت تنطوي على إحساس عميق بمشكلات المجتمع الاقتصادية، ومحاولة جادة لحلها، وأن هذا -بدون شك- كان يمثل صراعا بين طبقة الفقراء ممثلة في هؤلاء الصعاليك العاملين، وطبقة المالة ممثلة في هؤلاء الأغنياء البخلاء، وهو صراع كان يضم في أعماقه براعم لم تتفتح تماما من النظرية الاشتراكية الحديثة. وما من شك في أن الصعلكة عند عروة بالذات كانت -كما قلت في

стр. 3

هذا البحث- "نزعة إنسانية نبيلة، وضربة يدفعها القوي للضعيف، والغني للفقير، وفكرة اشتراكية تشرك الفقراء في مال الأغنياء، وتجعل لهم فيه نصيبا، بل حقا يغتصبونه إن لم يؤد لهم". وبعد، فكل ما أطمع أن أكون نجحت في إنصاف هؤلاء الصعاليك، ووضعهم في مكانهم الطبيعي في تاريخنا العربي الخالد، وأن أكون قد لفت أنظار الباحثين إلى أن في تراثنا القديم جوانب تحتاج إلى إعادة النظر فيها في أضواء جديدة. والله نسأل أن يجنبنا الخطأ، ويعصمنا من الزلل. القاهرة في مايو ١٩٦٦ يوسف خليف

стр. 4

مقدمة الطبعة الأولى: ١- ليست دراسة العصر الجاهلي بالمسألة اليسيرة القريبة المنال، وإنما هي مسألة غامضة ومتشعبة وصعبة. أما غموضها فيرجع إلى طبيعة العصر نفسه، فهو عصر يمتد القهقرى من ظهور الإسلام إلى حيث لا ندري، أو هو تلك الفترة الغامضة من فترات التاريخ العربي التي يصح أن نطلق عليها "عصر ما قبل التاريخ العربي"، على أساس أن التاريخ العربي في صورته الدقيقة الثابتة إنما يبدأ منذ ظهور الإسلام الذي جعل من العرب أمة واحدة ذات كيان متميز متماسك. تسلك سبيلها في التاريخ، سبيلا واضحة المعالم. فهو عصر أكثر فتراته ضائعة مجهولة، وأقلها مشكوك فيها، وحسبنا أن نقول إننا لا نكاد نعرف عنه شيئا منذ بدايته إلى ما قبل الأساطير والأقاصيص، إن تكن ذات قيمة لطائفة من العلماء فإنها عديمة القيمة تقريبا للباحثين في الأدب العربي. وحين تبدأ معلومات هذا العصر تصل إلينا يقف دون وضوحها والاطمئنان إليها أمران: فهي -من ناحية- تتحدث عن مجتمع بدوي بَعُدَ العهد به، وهي -من ناحية أخرى- معلومات لم تدون إلا في عصور متأخرة، وظلت شفاه الرواة تتناقلها حتى دونت، وبعد أن دخلها -بطبيعة الحال- شيء قليل أو كثير من التحريف والضياع والانتحال. ومن هنا نشأت فكرة الشك فيما وصل إلينا من أخبار ونصوص عن هذا العصر. ومن هنا أيضا وُجدت فكرة الغموض: غموض العصر الذي لا نستطيع تمثله التمثيل الواضح، وغموض المعلومات التي لا تستطيع الاطمئنان إليها اطمئنانا تامًّا.

стр. 5

وهي مسألة متشعبة؛ لأنها تتصل بمجتمع رعوي -في مجموعه - لم يعرف الاستقرار. ومن هنا لم تعرف ظواهره الاجتماعية الاستقرار الذي ييسر على الباحث دراستها دراسة دقيقة كاملة. ثم هو -إلى جانب هذا- مجتمع يدين بالحرية الفردية إلى أبعد حد، لم يعرف -إلا في بعض أجزائه- النظام السياسي الذي يهيئ للباحث تحديد جوانب دراسته؛ لأنه يقف أمام طائفة من الظواهر الفردية تتعدد بتعدد الأفراد والجماعات التي هي في حكم الأفرد، فلم تكن الجماعات التي عرفها المجتمع الجاهلي سوى مجموعات من الأفراد تدين بالحرية الفردية، وإن لم تكن حرية حاول أصحابها -تحقيقا لصورة ما من صور الجماعة- أن يلونها بلون جماعي. ثم هي مسألة -بعد هذا وذاك- صعبة؛ لأنها غامضة ومتشعبة. ولكني مع ذلك -ولا أدري لماذا؟ - مفتون بهذا العصر الجاهلي فتنة ترجع إلى عهد بعيد، وكل ما أتمناه أن تتحول هذه الفتنة إلى إيجابية فعالة تحطم من هذه الصخرة العاتية، صخرة هذا العصر. ٢- من هذه الزواية من زوايا النظر لم أحاول -حين فكرت في دراسة العصر الجاهلي- أن أقف منه موقفا عاما شاملا، أو أن أنظر إليه من عَلُ نظرة مشرفة واسعة الأفق، وإنما حاولت أن أتخير -خطوة أولى لدراسته- جانبا من جوانبه أقف عنده وقفة عميقة، وأنظر إليه نظرة ممعنة فاحصة، حتى لا تضل دارستي بين شعاب الصحراء الفسيحة المترامية الممتدة إلى ما وراء مطارح البصر. وشغلتني مهمة الاختيار هذه فترة من الزمن، كنت في أثنائها أستعرض الجوانب المتعددة لهذا العصر، وكلها يستحق الدرس والبحث. ثم قفز إلى ذهني موضوع "الصعاليك"، وأخذت أسهمه في الصعود.

стр. 6

قفز هذه الموضوع إلى ذهني لأنه موضوع لم يعن به الباحثون من قبل، ولم يقفوا عنده، ولم يشغلوا أنفسهم به، وأخذت أسهمه في الصعود لما كنت أشعر به من أهميته، وطرافته، وتحديده، وتمثيله ظاهرة متميزة من ظواهر العصر الجاهلي. ويقف موضوع الصعاليك في تاريخ الأدب العربي كتلك المراقب الشم الشامخة التي أطال في الحديث عنها شعراؤهم، والتي لم يكن أحد غيرهم يستطيع أو حتى يجرؤ على الصعود إليها، يحوم حوله الباحثون ثم يتجنبون المغامرة باقتحامه، أو ينظرون إليه نظرة خاطفة دون إقدام على الاقتراب منه، مع اعترافهم بأنه موضوع في حاجة إلى البحث والدرس، كأنه منطقة خطرة من تلك المناطق التي كان الصعاليك يمارسون فيها نشاطهم الدامي الرهيب، وكأنما كتب على هؤلاء الصعاليك الذين لم يلقوا من مجتمعهم عناية أو اهتماما في حياتهم أن تظل اللعنة تلاحقهم طوال تلك القرون المتعاقبة بعدهم، وكأنما كتب على هؤلاء المشردين في آفاق الأرض أن يظلوا مشردين في أعماق الكتب والأسفار. وفي أذهان الناس عن الصعاليك صورة غامضة غير مشرفة، تكسوها ظلال قاتمة تحجب كثيرا من معالمها وخطوطها، وتغشيها سحب دُكْن تخفي وراءها كثيرا من النور والضياء، وينقصها كثير من الأضواء الكاشفة تجلو عنها ظلالها القاتمة، وتبعد عنها سحبها الدكن، حتى يبين ما يحتجب خلفها من معالم وخطوط وأضواء. ومهمتي في هذا البحث أن أحاول تجلية هذه الظلال، وإزاحة هذه السحب، حتى يستبين ما وراءها، وتبدو الصورة على حقيقتها واضحة مشرقة.

стр. 7

٣- وقد كان أساس المنهج لبحث هذا الموضوع أن أبدأ غير متأثر برأي أحد من الباحثين، فآثرت في أول الأمر أن لا أقرأ شيئا عنه لأحد من الباحثين، ومضيت إلى أخبار الصعاليك وأشعارهم في مصادرها الأصيلة الأولى في محاولة جاهدة لتكوين رأي لي، وانقضت سنوات وأنا سعيد بصحبة هؤلاء "الفتيان" -كما كان يحلو لهم أن يسموا أنفسهم- وأقرأ وأدون، وأتأمل وأفكر، وأحدد خطوط الصورة، وأنقب عن معالمها، حتى إذا ما كونت لنفسي رأيا في الموضوع، وأخذت خطوط الصورة ومعالمها تتضح لي، مضيت أبحث عن دراسات الباحثين فيه، فراعني أني لم أجد أحد قبلي قد عني بدراسته دراسة شاملة متخصصة، وإنما كل ما عثرت عليه طائفة من المقالات تترجم لجماعة من الشعراء الصعاليك، أو بعض الأبحاث السريعة في هذه الموضوع ترسم الخطوط العامة له، حتى إن "دائرة المعارف الإسلامية" -على ضخامتها وسعتها، وكثرة موادها، وتعدد القائمين بها- لم تعرض لهذا الموضوع على الإطلاق، وإنما كل ما فعلته أنها ترجمت لطائفة قليلة من شعرائه، هم عروة والشنفرى وتأبط شرا. ونظرت فإذا عليَّ أن أدرس جانبين: حياة هؤلاء الصعاليك كما تتمثل في أخبارهم وأشعارهم لأستخلص منها الجوانب المختلفة لظاهرة الصعلكة، ثم شعرهم من حيث هو نتاجهم الفني المعبر عن آرائهم وأفكارهم لأستخلص منه هذه الآراء والأفكار، ولأسجل في ضوئه الظواهر الفنية التي تميز فنهم. وهكذا انقسم البحث إلى قسمين أساسيين: دراسة للظاهرة، ودراسة للشعر. ثم نظرت فإذا القسم الأول ممعن في الغموض، فما معنى الصعلكة؟ وما تعريف الصعلوك؟ وهل يتفق المفهوم اللغوي لهما مع ما عرفه المجتمع الجاهلي عنهما؟ فرأيت أن أفرد فصلا للتعريف بهذه الظاهرة، عرضت فيه للتعريف

стр. 8

اللغوي للمادة، ثم عرضت لهذا التعريف على النصوص الأدبية التي وردت فيها، حتى أدرك إلى أي مدى ينطبق عليها، وأدركت أن هذا التعريف اللغوي لا يكفي لفهم هذه الظاهرة، فكان لا بد من المضي إلى المجتمع الجاهلي أتلمس في أخبار صعاليكه وأشعارهم جوانبها المختلفة، ومعالمها المميزة لها. ثم وقفت أمام هذه الظاهرة وتساءلت: ما السر في نشأتها؟ وما العوامل التي أدت إلى ظهورها؟ ورأيت أن أمضي إلى علم النفس الاجتماعي أسأله تفسيرا لها، فدرست المجتمع، والتوافق الاجتماعي، و"اللاتوافق"، وعُقَد النقص، ودرست الفقر، والمشكلات الاقتصادية، والمذاهب المختلفة التي حاولت أن تجد لهذه المشكلات حلا، وانتفعت بكل هذه الدراسات في تكوين فكرة عن هذه الظاهرة، وانتهيت إلى أن هناك ثلاثة عوامل عملت في نشأتها وتطورها: عامل جغرافي، وعامل اجتماعي، وعامل اقتصادي. فمضيت إلى المجتمع الجاهلي أدرس فيه هذه الجوانب الثلاثة على هذا الأساس، ورأيت أن أفرد فصلا لكل منها، ولم أفرد للتفسير النفسي فصلا خاصا لأنه عامل مشترك بين كل هذه العوامل. وهكذا كان الباب الأول في أربعة فصول. ثم مضيت إلى مجموعة شعر الصعاليك التي بذلت جهدا كبيرا في جمعها من مصادر متعددة، ورأيت لزاما عليَّ أن أعرض -قبل كل شيء- لتلك المصادر المتعددة التي اعتمدت عليها في جمع ما يصح أن نسميه "ديوان الصعاليك"، وتلك المصادر الأخرى التي لم تصل إلينا إلا أسماؤها، إما لأنها فقدت، وإما لأنها ليست بين أيدينا. كما رأيت من الضروري أن أعرض لمدى صحة ما ترويه المجموعة الأولى من المصادر من شعر الصعاليك، حتى أنتهي إلى رأي فيما يثور حوله من شك في بعض نصوصه، وأفردت لهذه المقدمات الفنية الفصل الأول من الباب الثاني. ثم نظرت في مجموعة شعر الصعاليك، ورأيت أن أفرد فصلا لموضوعاته، سواء ما كان منها "داخل دائرة الصعلكة"، وما كان منها "خارج هذه

стр. 9

الدائرة"، فكان الفصل الثاني من هذه الباب. ثم مضيت إلى هذا الشعر أدرس ظواهره الفنية من حيث طبيعة العمل الفني وخصائصه، ومن حيث لغته وأوزانه، وأفردت لهذه الدراسة الفصل الثالث من هذا الباب. ثم رأيت أن أقدم -أخيرا- دراسة مستقلة لشاعر من الصعاليك يكون نموذجا لهم، أطبق عليه ما وصلت إليه في أثناء البحث من نتائج، ولكني رأيت أن أمامي شخصيتين متميزتين اجتماعيا وفنيا: شخصية الصعلوك الزعيم التي يمثلها عروة بن الورد، وشخصية الصعلوك العامل التي اخترت الشنفرى مثلا لها، وقد اخترت الشنفرى بالذات لأن له ديوانا بين أيدينا مما يجعل التوازن قائما بينه وبين عروة، وله هو أيضا ديوان بين أيدينا، وأفردت لدراسة هذين الشاعرين فصلا مستقلا هو الفصل الأخير من هذا البحث. ومهما يكن من شأن هذه الدراسة فإني حريص على أن أسجل أن كل ما وصلت إليه فيها من نتائج لا يمكن أن يكون الكلمة الأخيرة في الموضوع، فالكلمة الأخيرة في العلم مستحيلة، ولا يمكن أن أدعي أنني وصلت بها إلى درجة الكمال، فالكمال لله وحده، وإنما كل ما أستطيع أن أقوله هو أن نتائج هذه الدراسة ليست سوى نتائج لما وصل إلي -أو وصلت إليه- من مادة لا شك في أن وراءها مادة أخرى لم تصل إلي، ومن الممكن أن تغير قليلا أو كثيرا من هذه النتائج. ٤- أما الفترة التي اخترتها لدراسة هذه الموضوع، والتي حددتها بالعصر الجاهلي، فإني لا أقصد بها تلك الفترة المحددة التي سبقت ظهور الإسلام فحسب، وإنما يمتد العصر الجاهلي عندي -وأعني به العصر الجاهلي الأدبي- حتى يشمل فترة المخضرمين، فإن هؤلاء المخضرمين لا يمثلون عناصر جديدة في

стр. 10

الحياة الأدبية الإسلامية، وإنما هم امتداد للحياة الأدبية الجاهلية التي اكتملت ملكاتهم الفنية في ظلها. أما العصر الأدبي الإسلامي فإنما يبدأ بأولئك الشعراء الذين لم يدركوا العصر الجاهلي، وبدأ تكون ملكاتهم الفنية في ظل الإسلام. ومن هنا كنت أرى أن العصر الجاهلي الأدبي ليس محددا بفترة زمنية ينتهي بانتهائها ليبدأ بعدها العصر الأدبي الإسلامي، ولكنه محدد بحياة أولئك النفر من الشعراء المخضرمين ينتهي بالنسبة لكل منهم بانتهاء حياته. وليس معنى هذا أنني أنفي أن هؤلاء المخضرمين قد تأثرت حياتهم الأدبية بالإسلام، فمن المؤكد أنها تأثرت به، ولكن من المؤكد أيضا أن هذا التأثر يمثل مرحلة من مراحل تطورهم الأدبي، ولكنه لا يمثل مرحلة من مراحل تكوينهم الأدبي. وبعد، فهذا الموضوع الذي أقدمت على دراسته، وأنا أعرف أنها مغامرة كتلك المغامرات التي كان يقدم عليها فتيان الصعاليك، ولكني أنشد مع الشنفرى "ومن يَغزُ يغنمْ مرة ويُشَمَّتِ"، فإن تكن الأولى فما توفيقي إلا بالله، وإلا فحسبي إعذارا لنفسي أنها مغامرة أقدمت عليها، ولأنشد مع أبي الصعاليك عروة بن الورد "ومُبْلغُ نفسٍ عُذرَها مثل مُنْجِحِ". والله يهدينا سواء السبيل. يناير ١٩٥٩ يوسف خليف

стр. 11

الباب الأول: الصعاليك الفصل الأول: التعريف بالصعلكة في اللغة ... الفصل الأول: التعريف بالصعلكة ١- في اللغة: في لسان العرب١: "الصعلوك: الفقير الذي لا مال له، زاد الأزهري ولا اعتماد. وقد تصعلك الرجل إذا كان كذلك. قال حاتم الطائي: غنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... فكلا سقاناه بكأسيهما الدهر أي عشنا زمانا. وتصعلكت الإبل: خرجت أوبارها، وانجردت، وطرحتها. ورجل مصعلك الرأس: مدوره. ورجل مصعلك الرأس: صغيره، وأنشد: يخيل في المرعى لهن بشخصه ... مصعلك أعلى قلة الرأس نقنق وقال شمر: المصعلك من الأسنمة: الذي كأنما حد رجت أعلاه حدرجة، كأنما صعلكت أسفله بيدك، ثم مطلته صعدا أي رفعته على تلك الدملكة، وتلك الاستدارة٢. وقال الأصمعي في قول أبي دؤاد يصف خيلا: قد تصعلكن في الربيع وقد قـ ... ـرع جلد الفرائض الأقدام قال: تصعلكن: دققن، وطار عفاؤها عنها، والفريضة: موضع قدم الفارس. وقال شمر: تصعلكت الإبل إذا دقت قوائمها من السمن، وصعلكها البقل.

стр. 12

وصعلك الثريدة: جعل لها رأسا، وقيل: رفع رأسها. والتصعلك: الفقر. وصعاليك العرب: ذؤبانها. وكان عروة بن الورد يسمى عروة الصعاليك؛ لأنه كان يجمع الفقراء في حظيرة فيرزقهم مما يغنم". من هذا النص اللغوي الذي سجله ابن منظور في لسان العرب، والذي سجل مثله غيره من علماء اللغة في معاجمهم، نستطيع أن نتبين أصلا عاما للمادة تشترك فيه معانيها المختلفة، وتدور حوله، وهو -عندي- الضمور والانجراد١. ونستطيع في سهولة ويسر أن نرد كل معاني المادة إلى هذا الأصل العام: فالإبل تتصعلك إذا انجردت أوبارها وطرحتها. والخيل تتصعلك إذا دقت وطار عفاؤها عنها. والبقل يصعلك الإبل أي يسمنها، وهذا السمن يجعلها تطرح أوبارها وتتجرد منها. والمصعلك من الأسنمة الذي يبدو كأنما فتلت أعلاه وأضمرته. وهو يصعلك الثريدة أي يجعل لها رأسا، أو يرفع رأسها، كأنها أضمر أعلاها. ومن مصعلك الرأس أي صغيرة وضامرة. وهو يتصعلك أي يفتقر كأنما تجرد من ماله، وبدأ ضامرا بين الناس. فالصعلكة إذن -في مفهومها اللغوي- الفقر الذي يجرد الإنسان من

стр. 13

ماله، ويظهره ضامرا هزيلا بين أولئك الأغنياء المترفين الذين أتخمهم المال وسمنهم. ولكن يبدو أن هذا المعنى لا يعبر عن المفهوم اللغوي للكلمة تعبيرا دقيقا كاملا، ولهذا نريد أن نقف وقفة أخرى عند تلك الزيادة التي أضافها الأزهري إلى هذا المعنى اللغوي، وهي قوله "ولا اعتماد"، لنرى ماذا يستفيد المعنى منها؟ وإلى أي مدى تحدد هذه المعنى وتكمله؟ والمعنى اللغوي لهذه العبارات واضح، فاعتمد على الشيء: توكأ أو اتكأ عليه، واعتمد عليه في كذا: اتكل عليه١. وعلى هذا نستطيع أن نقول إن الصعلوك في اللغة هو الفقير الذي لا مال له يستعين به على أعباء الحياة، ولا اعتماد له على شيء أو أحد يتكئ عليه أو يتكل عليه ليشق طريقه فيها، ويعينه عليها، حتى يسلك سبيله كما يسلكه سائر البشر الذين يتعاونون على الحياة، ويواجهون مشكلاتها يدا واحدة. أو هو -بعبارة أخرى- الفقير الذي يواجه الحياة وحيدا، وقد جردته من وسائل العيش فيها، وسلبته كل ما يستطيع أن يعتمد عليه في مواجهة مشكلاتها. فالمسألة إذن ليست فقرا فحسب، ولكنها فقر يغلق أبواب الحياة في وجه صاحبه، ويسد مسالكها أمامه. هذا هو التعريف اللغوي للكلمة كما نراه في ضوء هذه المحاولة اللغوية لفهم المادة. ونريد -بعد هذا- أن نتتبع هذه المادة في الاستعمال الأدبي القديم في العصر الذي ندرسه لنرى كيف دارت فيه؟ وإلى أي مدى يطابق هذا الاستعمال معناها كما سجله علماء اللغة أو يختلف عنه؟

стр. 14

٢- في الاستعمال الأدبي: تتردد هذه المادة في أخبار العصر الجاهلي وشعره بصورة واسعة، وتقابلنا كثيرا على ألسنة شعرائه ورواة أخباره، فنراها أحيانا تدور في هذه الدائرة اللغوية التي تحدثنا عنها، على نحو ما نرى في بيت حاتم الطائي الذي يتخذ منه اللغويون موضوعا للاستشهاد على المعنى اللغوي للكلمة، فالمقابلة في هذا البيت بين التصعلك والغنى تدل في وضوح لا لبس فيه على أنه يستعمل التصعلك في معنى الفقر، وهو استعمال يؤيده ذكر الفقر في البيت التالي مرادفا للتصعلك: فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر ونراها أحيانا أخرى ترد في بعض المواضع، ولكن مفهومها الذي يتفق مع السياق لا يتفق تماما مع مفهومها اللغوي. فهذا عمرو بن براقة الهمداني يُغير على إبله وخيله رجل من مراد، فيذهب بها، فيأتي عمرو فيُغير على المرادي فيستاق كل شيء له، ويقول: قول سليمى: لا تعرض لتلفة ... وليلك عن ليل الصعاليك نائم وكيف ينام الليل من جل ماله ... حسام كلون الملح أبيض صارم ألم تعلمي أن الصعاليك نومهم ... قليل إذا نام الخلي المسالم١ فمن الواضح أن جو القصة وسياق الأبيات لا يدلان على أن الصعاليك هنا هم الفقراء، وإلا فما معنى هذه النصيحة التي توجهها إلى الشاعر صاحبته بألا يعرض نفسه للتلف مع هؤلاء الصعاليك الذين ينام ليلة عن ليلهم؟ وما سر المقابلة بين قلة نومهم ونوم "الخلي المسالم"؟ وما دخل المسالمة التي يتحدث عنها الشاعر في حديث عن الفقر والغنى؟ من الواضح أن الصعاليك

стр. 15

هنا ليسوا هم أولئك الفقراء المعدمين الذين يقنعون بفقرهم، أو يستجدون الناس ما يسدون به رمقهم، وإنما هم أولئك المشاغبون المغيرون أبناء الليل الذين يسهرون لياليهم في النهب والسلب والإغارة بينما ينعم الخليون المترفون المسالمون بالنوم والراحة والهدوء. فالكلمة إذن قد خرجت من الدائرة اللغوية، دائرة الفقر، إلى دائرة أخرى أوسع منها هي دائرة الغزو والإغارة للنهب والسلب. وفي أخبار امرئ القيس أنه غزا بني أسد ثائرا بأبيه، "وقد جمع جموعا من حمير وغيرهم من ذؤبان العرب وصعاليكها"١. ونتهم أنفسنا بالسذاجة لو تصورنا أمرأ القيس وقد خرج لثأر أبيه الملك يجمع جموعا من فقراء العرب المعدمين، فما أهمية الفقر في معركة من معارك الثأر؟ وما الذي يحمل امرأ القيس على أن يجمع حوله جموعا من الفقراء ليغزو بهم بني أسد؟ من الواضح أن هؤلاء الفقراء الذي استعان بهم امرؤ القيس في إدراك ثأره لا بد أن تكون حياتهم الاجتماعية قد تطورت تطورا خاصا جعلهم يصلحون للقيام بتلك المهمة الضخمة التي طلبهم إليها، وهو تطور نحس شيئا من سماته ومظاهره في هذا الربط بينهم وبين الذؤبان، فلا بد أن هؤلاء الفقراء كان بيهم وبين الذئاب تشابه في أسلوب الحياة أو أسلوب العيش أو طبيعة الشخصية. ويشبه هذا ما ورد في أخبار عدي بن زيد من أن النعمان بن المنذر حبسه حتى مات، فأراد ابنه زيد أن يثأر له من النعمان، فدبر مكيدة يوغر بها صدر كسرى عليه حتى يقتله، وترامى خبر المكيدة إلى سمع النعمان، ففر من كسرى ولجأ إلى قبائل العرب، ولكن أحدا لم يجرؤ على إجارته، فقال له سيد من بني شيبان في حديث طويل معه: "فامض إلى صاحبك، فإما أن صفح عنك فعدت ملكا عزيزا، وإما أن أصابك فالموت خير لك من أن يتلعب بك صعاليك العرب، ويتخطفك ذئابها، وتأكل مالك"٢. فمن الواضح أن الصعاليك هنا ليسوا هم الفقراء، ولكنهم طوائف من قطاع

стр. 16

الطرق كانوا منتشرين في أرجاء الجزيرة العربية، ينهبون من يلقونه في صحرائها الموحشة الرهيبة، ويتلعبون به، ويتخطفونه، ويأكلون ماله، على حد ألفاظ ذلك السيد العربي الذي كان -ولا شك- يعرف جيدا طبيعة الدور الذي يقوم به هؤلاء الصعاليك على مسرح البادية العربية، وهو دور تعبر عنه تعبيرا دقيقا هذه الألفاظ. وإلى جانب هذا نلاحظ أن بعض المصادر العربية تذكر طائفة من الأسماء على أنهم "صعاليك العرب"١، أو تقص أخبارا عن صعاليك بعض القبائل٢، أو تصف بعض الشعراء بأنهم من "صعاليك العرب"٣، بل نلاحظ أن صاحب الأغاني يقول في تقديمه للسليك بن السلكة: "وهو أحد صعاليك العرب ... وأخبارهم تذكر على تواليها هاهنا، إن شاء الله تعالى، في أشعار لهم يُغنى فيها، لتتصل أحاديثهم"٤، مما يشعر بأن هؤلاء الصعاليك كانوا يكونون طبقة متميزة من طبقات المجتمع الجاهلي جعلت أبا الفرج يحرص على أن يذكر أخبارهم على تواليها حتى تتصل أحاديثهم، على حد تعبيره. وأظن أننا نستطيع بعد هذه الجولة أن نقف لنسجل أن مادة "صعلك" تدور في دائرتين: إحداهما "الدائرة اللغوية" التي تدل فيها على معنى الفقر، وما يتصل به من حرمان في الحياة، وضيق في أسباب العيش، والأخرى نستطيع أن نطلق عليها "الدائرة الاجتماعية"، وفيها نرى المادة تتطور لتدل على صفات خاصة تتصل بالوضع الاجتماعي للفرد في مجتمعه، وبالأسلوب

стр. 17

الذي يسلكه في الحياة لتغيير هذا الوضع. وهذه الصفات هي بعض ما نحاول تبينه في هذا البحث. ونتساءل بعد هذا: ألم يلتفت اللغويون إلى هذا المعنى الاجتماعي؟ ونعود مرة أخرى إلى النصوص اللغوية نستفتيها، وتلفت نظرنا تلك العبارة الغامضة التي يذكرها بعض اللغويين في ختام تعريفاتهم، وهي قولهم "وصعاليك العرب ذؤبانها". ونتساءل مرة أخرى: ماذا يعني اللغويون بذؤبان العرب؟ ونمضي إلى مادة "ذاب" نسأل اللغويين عن معنى "ذؤبان العرب"، فإذا هم يحيلوننا مرة أخرى على "صعاليك العرب". ففي الصحاح "وذؤبان العرب أيضا صعاليكها الذين يتلصصون"، وفي القاموس المحيط "ذوبان العرب لصوصهم وصعاليكهم"، وفي أساس البلاغة "وهم ذؤبان العرب: من صعاليكهم وشطارهم"، وفي النهاية لابن الأثير "يقال لصعاليك العرب ولصوصها ذؤبان لأنهم كالذئاب". وهكذا كادت المسألة أن تكون دورا -كما يقول المناطقة- لولا هذه الزيادات القليلة التي أضافها هؤلاء اللغويون إلى تعريفاتهم. ومن هذه الزيادات عرفنا أن هؤلاء الصعاليك كانوا "يتلصصون"١، وأنهم كانوا "شطارا"٢، كما عرفنا أنهم سُموا هكذا لأنهم كانوا كالذئاب. ومع ذلك فما زلنا نشعر بأن هذه الزيادات لم تتقدم بنا كثيرا في داخل هذه "الدائرة الاجتماعية"، وأن علماء اللغة يحومون حول هذه الدائرة دون أن ينفذوا إلى داخلها، مع إحساسهم أن هناك شيئا آخر غير الفقر في مفهوم المادة. وهو هذا الذي حاولوا أن

стр. 18

يفسروه بذلك الربط بين الصعاليك والذؤبان. ولكننا لا نريد أن ننتهي من هذا البحث اللغوي دون أن نشير إلى أن أبا زيد القرشي صاحب جمهرة أشعار العرب، قد تنبه إلى أن هناك جانبين لهذه المادة، واستطاع أن يميز بينهما تمييزا دقيقا واضحا حيث يقول١: "الصعلوك الفقير، وهو أيضا المتجرد للغارات"، وهذا التعبير عن مفهوم المادة الاجتماعي بالتجرد للغارات يجعلنا نسجل لهذا العالم المتقدم على أصحاب المعاجم التي بين أيدينا أنه كان أدق من عرف معنى الصعلوك. وهنا نقف لنتساءل: ماذا فهمنا عن صعاليك العرب؟ أغلب الظن أننا لم نصل إلى أشياء كثيرة، وأننا ما زلنا في بداية الطريق الطويل نتحسس خطواتنا في الظلام تحت أضواء النجوم الخافتة، وأن شوطا بعيدا ما يزال ينتظرنا حتى مطلع الفجر. ويبدو أنه لا بد لنا من أن نمضي إلى مصادر الأدب العربي نسألها: ما أخبار هؤلاء الصعاليك؟ وأين شعر شعرائهم الذي صوروا فيه حياتهم؟ لعلنا نجد فيها وفيه ما نستطيع به أن نرسم صورة أشد وضوحا لهذه الطبقة من طبقات المجتمع الجاهلي. ٣- في المجتمع الجاهلي: حين نرجع إلى أخبار هؤلاء الصعاليك نجدها حافلة بالحديث عن فقرهم، فكل الصعاليك فقراء، لا نستثني منهم أحدا، حتى عروة بن الورد سيد الصعاليك الذي كانوا يلجئون إليه كلما قست عليهم الحياة، ليجدوا عنده مأوى لهم حتى يستغنوا، فالرواة يذكرون أنه "كان صعلوكا فقيرا مثلهم"٢، وأخوه وابن عمه يقولان له -حين عرض عليه أهل امرأته التي أصابها في بعض

стр. 19

غزواته أن يفتدوها: "والله لئن قبلت ما أعطوك لا تفتقر أبدا"١، بل أكثر من هذا يذكر الرواة أنه جاء بامرأته إلى بني النضير "ولا شيء معه إلا هي، فرهنها، ولم يزل يشرب حتى غَلِقَتْ"٢. وتكثر في شعره أحاديث فقره، وما يعانيه من حرمان، وما يتكبده في سبيل الغنى من جهد ومشقة، وما يشعر به من ثقل التبعة التي يتحملها إزاء أهله، وإزاء أصحابه الصعاليك أيضا: ذريني للغنى أسعى، فإني ... رأيت الناس شرهم الفقير٣ فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا٤ ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح٥ وهذا الفقر الذي استبد بحياة الصعاليك حمل لهم في ركابه الجوع، نتيجة طبيعية له، ولعل الجوع أقسى ما يحمله الفقر إلى جسد الفقير، وقد سئل أعرابي: ما أشد الأشياء؟ فقال: كبد جائعة تؤدي إلى أمعاء ضيقة٦. وليس من شك في أن هذه العبارات الساذجة التي صور فيها هذا الأعرابي إحساسه إنما تشير إلى قصة الحياة الأساسية، قصة الصراع بين الحياة والموت. وذلك لأن المسألة تتصل بحاجات الجسم الحيوية الأولى، فالجوع -كما يقرر علماء الاجتماع- أول الدوافع المسيطرة على حياة الإنسان٧. وقد كان من العرب من يغير من أجل الحصول على الطعام٨، بل إن كثيرا من الصراع الداخلي

стр. 20

بين القبائل الجاهلية إنما يرجع -من بعض جوانبه- إلى الفقر والجوع١، وما أكل ضباب الصحراء ويرابيعه وأورالها سوى مظهر من مظاهر هذا الجوع القاتل الذي كان يعانيه عرب البادية حين يجدبون وتتتابع عليهم السنين، وما كان قتل بعض العرب أولادهم خشية إملاق سوى مظهر آخر من مظاهر هذا الجوع القاتل٢. ويكثر الحديث عن الجوع في أخبار الصعاليك وشعرهم، ففي أخبار عروة أن ناسا من بني عبس أجدبوا "في سنة أصابتهم، فأهلكت أموالهم، وأصابهم جوع شديد وبؤس"، فأتوا عروة يستنجدون به، فخرج "ليغزو بهم ويصيب معاشا"٣. وتنتشر في شعره وأخباره مناقشات بينه وبين صعاليكه حول الجوع الذي كان يجهدهم في غزواتهم٤. ويذكر الرواة أن أبا خراش الهذلي أقفر من الزاد أياما٥. ويحدثنا السليك بن السلكة في بعض شعره كيف كان يغمى عليه من الجوع في شهور الصيف حتى ليشرف على الموت والهلاك: ومنا نلتها حتى تصعلكت حقبة ... وكدت لأسباب المنية أعرف وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرني ... إذا قمت تغشاني ظلال فأسدف٦ ويتحدث الأعلم الهذلي عن أولاده الشعث الصغار الذين ينظرون إلى من يأتيهم من أقاربهم بشيء يأكلونه: وذكرت أهلي بالعرا ... ء وحاجة الشعث التوالب

стр. 21

المصرمين من التلا ... د اللامحين إلى الأقارب١ بل إن الجوع ليشتد بعروة فيهتف بأصحابه الصعاليك هتفه من لا يطيق عليه صبرا أن هلموا إلى الغزو، فللموت خير من حياة الجوع والهزال: أقيموا بني لبني صدور ركابكم ... فإن منايا القوم خير من الهزل٢ وفي لامية العرب التي تعد صورة دقيقة كاملة لحياة الصعاليك في العصر الجاهلي حتى على فرض انتحالها وعدم صحة نسبتها إلى الشنفرى، يرسم الشاعر صورة رائعة لذلك الجوع النبيل الذي يشعر به الصعلوك، ولكن نفسه الأبية تأبى عليه أن يهينها من أجله، فلا يجد أمامه سوى الصبر والقناعة: أديم مطال الجوع حتى أميته ... وأضرب عنه الذاكرة صفحا فأذهل وأستف ترب الأرض كي لا يرى له ... عليَّ من الطول امرؤ متطول ولولا اجتناب الذام لم يبق مشرب ... يعاش به إلا لديَّ ومأكل ولكن نفسا حرة لا تقيم بي ... على الضيم به إلا ريثما أتحول وأطوي على الخمص الحوايا كما انطوت ... خيوطه ماري تغار وتفتل وأغدو على القوت الزهيد كما غدا ... أزل تهاداه التنائف أطحل٣ وإذا كان الجوع أقسى ما يصبه الفقر من سياط على جسد الفقير فإن هناك سياط أخرى لا تقل قسوة عن سياط الجوع، ولكنها سياط نفسية يصيبها الفقر على نفس الفقير. والحديث عن هذه السياط النفسية يطول؛ لأنها تختلف باختلاف

стр. 22

النفسيات ووقع الفقر عليها. وقد حاول صاحب "الفلاكة والمفلوكين"١ أن يحصرها، فعقد في كتابه فصلا طويلا "في الآفات التي تنشأ من الفلاكة، وتستلزمها الفلاكة وتقتضيها"٢، وعد منها الآلام العقلية، وهو تعبير يرادف ما نعبر عنه بالآثار النفسية، وحصرها في ثلاثة أنواع، وحاول أن يدلل على هذا التقسيم الثلاثي تدليلا عقليا منطقيا تكثر فيه الحدود والأقسام والمقدمات والنتائج. ولكن هذه المحاولة -من وجهة النظر العلمية الحديثة- غير دقيقة، فإن هذه الآثار النفسية ليس من اليسير حصرها، فليست المسألة مسألة منطقية تقبل القسمة العقلية، ولكنها مسألة نفسية تتصل بالنفس البشرية، تلك النفس الغامضة الممعنة في الغموض ذات السراديب العميقة، والأسرار الدفينة المكبوتة. ويحاول علماء النفس المحدثون دراسة هذه المسألة وأشباهها على أساس ما يسمونه "بالعقد النفسية"، ومن بين هذه العقد عقدة يسمونها "عقدة الفقر"، وهي تلك التي تتكون نتيجة للإحساس بالفقر، وتدفع صاحبها في محاولة التعويض عن الشعور بالنقص إلى العمل على أن يصير غنيا٣. فهذه العقدة هي المحور الذي تدور حوله تلك الآثار النفسية التي يخلفها الفقر في نفس الفقير. والمتأمل في أخبار الصعاليك وأشعارهم يلفت نظره شعور حاد بالفقر، وإحساس مرير بوقعه على نفوسهم، وشكوى صارخة من هوان منزلتهم الاجتماعية وعدم تقدير المجتمع لهم، وعجزهم عن الأخذ بنصيبهم من الحياة كما يأخذ سائر أفراد مجتمعهم، أو الوقوف معهم على قدم المساواة في معترك الحياة، لا لأنهم هم أنفسهم عاجزون، وإنما لأن مجتمعهم ظلمهم، وحرمهم من تلك العدالة الاجتماعية التي يطمح إليها كل فرد في مجتمعه، وجردهم من كل الوسائل

стр. 23

المشروعة التي يواجهون بها الحياة كما يواجهها غيرهم ممن توافرت لهم هذه الوسائل. فقيس بن الحدادية١ يرى أن لا يسوي عند قومه "عنزا جرباء جذماء"٢. وفي أخبار الشنفرى أن قومه قتلوا رجلا في خفرة بعض الفهميين، "فرهنوهم الشنفرى وأمه وأخاه، وأسلموهم، ولم يفدوهم"٣، وخبر تلك اللطمة التي لطمتها الفتاة السلامية للشنفرى، والتي كانت السبب المباشر في تصعلكه؛ لأنها أنكرت عليه أن يتسامى إلى مقامها الاجتماعي، ويرفع الحواجز الاحتماعية التي تفصل بين طبقتيهما، ويناديها بأخته، خبر كبير الدلالة على ما كان يعانية هؤلاء الصعاليك من مجتمعهم٤. وينظر هؤلاء الفقراء الجياع، المحتقرون من مجتمعهم، المنبوذون من إخوانهم في الإنسانية، إلى الحياة ليشقوا لهم طريقا في زحمتها، وقد جردوا من كل وسائلها المشروعة، فلا يجدون أمامهم إلا أمرين: إما أن يقبلوا هذه الحياة الذليلة المهينة التي يحيونها على هامش المجتمع، في أطرافه البعيدة، خلف أديار البيوت، يخدمون الأغنياء، أو ينتظرون فضل ثرائهم، أو يستجدونهم في ذلة واستكانة، وإما أن يشقوا طريقهم بالقوة نحو حياة كريمة أبية، يفرضون فيها أنفسهم على مجتمعهم، وينتزعون لقمة العيش من أيدي من حرموهم منها، دون أن يبالوا في سبيل غايتهم أكانت وسائلهم مشروعة أم غير مشروعة، فالحق للقوة، والغاية تبرر الوسيلة.

стр. 24

وقد سلك الصعاليك السبيلين، أو -بعبارة أدق- انقسموا مع هذين السبيلين إلى طائفتين: طائفة قبلت ذلك الوضع الاجتماعي الذليل، رضيه لهم ضعف في النفس أو ضعف في الجسد أو ضعف في النفس والجسد جميعا، وطائفة رفضت ذلك الوضع، وأبت أن تعيش تلك الحياة الساقطة التافهة المهينة، ووجدت في القوة، قوة النفس وقوة الجسد، وسيلة تشق بها طريقها في الحياة. وفي شعر عروة موازنة طريفة بين هاتين الطائفتين، يعقدها أبو الصعاليك في دقة وبراعة، ويصور فيها اختلاف ما بينهما في الشخصية، وأسلوب الحياة والغاية التي تنتهي إليها كل منهما١. وتتجلى قوة نفوس هذه الطائفة الثانية من الصعاليك في استهانتهم بالحياة في سبيل الوصول إلى الغاية التي يسعون إليها. إنهم يريدون أن يحققوا لهم مكانة في هذا المجتمع الذي يحتقرهم ويستهين بهم عن طريق فرض أنفسهم بالقوة عليه، وهم في سبيل هذا لا يبالون بشيء، حتى بالحياة نفسها، فهم جميعا مؤمنون بفكرة الفناء في سبيل المبدأ، وما قيمة الحياة إذا عاش الإنسان فقيرا محتقرا، منبوذا من مجتمعه، مجفوا من أقاربه؟ إن الموت في هذه الحالة خير من الحياة: إذ المرء لم يبعث سواما ولم يرح ... عليه، ولم تعطف عليه أقاربه فللموت خير للفتى من حياته ... فقيرا، ومن مولى تدب عقاربه٢ فقلت له: ألا احْيَ، وأنت حر ... ستشبع في حياتك أو تموت٣ فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا٤

стр. 25

وفيم الخشية من الموت؟ إن كل حي ملاقيه، سواء من خاطر بنفسه ومن أحجم، بل إن الموت قد يصيب المتخلف في أهله وينجو منه المغامر المخاطر: أرى أم حسان الغداة تلومني ... تخوفني الأعداء والنفس أخوف لعل الذي خوفتنا من أمامنا ... يصادفه في أهله المتخلف١ ومهما يمد الله في عمر الإنسان فالموت في انتظاره مشرعة أسنته: وإني، وإن عمرت، أعلم أنني ... سألقى سنان الموت يبرق أصلعا٢ فالموت نهاية كل حي، لن ينجو منه أحد مهما يحط نفسه بأبواب قوية وحراس أشداء: لو كنت في ريمان تحرس بابه ... أراجيل أحبوش وأغضف آلف إذن لأتتني حيث كنت منيتي ... يخب بها هاد بأمري قائف٣ وهي ميتة واحدة يلقاها الإنسان ثم لا تتكرر: دعيني وقولي بعد ما شئت، إنني ... سيُغْدَى بنعشي مرة فأغيب٤ ثم ما الذي يغري الصعلوك على التمسك بالحياة والحرص عليها؟ إن إحدا لا يرغب في حياته، وإن أحدا لن يبكي عليه بعد موته. إنه يعيش وحيدا، ويموت وحيدا: إذا ما أتتني ميتتي لم أبالها ... ولم تذر خالاتي الدموع وعمتي٥ وصعاليك هذه الطائفة جميعا ذوو عزيمة قوية صادقة، لا يثنيهم شيء

стр. 26

عن هدفهم الذي يسعون إليه إلا الموت، يقول تأبط شرا مصورا صدق عزيمته وقوة نفسه: وكنت إذا ما هممت اعتزمت ... وأحر إذا قلت أن أفعلا١ وإذا كانت الحياة قد قست عليهم فإنهم لن يستكينوا لها، وإذا كانت تعمل على إخضاعهم وإذلالهم فإنهم سيقفون في وجهها، ويتحدونها، ويشنون عليه حربا لا هوادة فيها، وإذا كانت قد ألقت بهم في الرغام فإنهم سينهضون برغم كل شيء. ولعل هذا البيت الذي قاله أبو خراش الهذلي الصعلوك في رثاء أخ له يعبر تعبيرا دقيقا عن تلك القوة النفسية التي كان يتمتع بها كل صعلوك من صعاليك هذه الطائفة: ولكنه قد نازعته مجاوع ... على أنه ذو مِرَّة صادق النهض٢ هكذا كانت نفسية هؤلاء الصعاليك، كل منهم "قد نازعته مجاوع"، ولكن كلًّا منهم "ذو مرة صادق النهض". ومن عناصر قوتهم النفسية أنفتهم من القيام بتلك الأعمال التي يصح أن يطلق عليها "الأعمال الفرعية في المجتمع القبلي"، وهي تلك التي كان يقوم بها العبيد وأشباههم، ويأنف السادة من القيام بها، كخدمة الإبل والقيام بأمرها٣. ويصرح تأبط شرا بترفعه على هذه الأعمال الفرعية وبأنه يأنف من القيام بها: ولست بترعي طويل عشاؤه ... يؤنفها مستأنف النبت مبهل٤

стр. 27

ويصرح مرة أخرى بأنه يخجل من الوقوف وسط قطعان الغنم، وقد حمل في يده عصا طويلة حتى أشبه ذلك الطائر المائي الطويل المنقار وقد وقف في مستنقع من مستنقعات المياة الضحلة: ولست براعي ثلة قام وسطها ... طويل العصا غرنيق ضحل مرسل١ فهم لا يرتضون لأنفسهم إلا تلك الأعمال الأساسية التي يقوم عليها المجتمع البدوي كالغزو والإغارة. يقول تأبط شرا: متى تبغني ما دمت حيا مسلما ... تجدني مع المسترعل المتعبهل٢ ولكنه في الطليعة المتقدمة بين القادة والأبطال. ثم هم -برغم فقرهم وما يلاقونه من مجتمعهم- كرماء، حتى ليضرب بهم المثل في الكرم٣، ويُقرن عروة بحاتم الطائي الذي يعد في نظر العرب المثل الأعلى للجود والسخاء، وقد قال عبد الملك بن مروان: من زعم أن حاتما أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد٤ وأبدى تعجبه من أن الناس ينسبون الجود والسخاء إلى حاتم ويظلمون عروة٥، ووصفه الأصمعي بأنه "شاعر كريم"٦. والواقع أننا لسنا في حاجة إلى هذه الشهادات وأمثالها؛ لأن أخبار عروة نفسها تفيض بأحاديث كرمه، بل إن الرغبة في الكرم التي كانت تملأ عليه نفسه كانت بعض الدوافع التي دفعته إلى تلك الثورة الاقتصادية التي أعلنها في المجتمع الجاهلي:

стр. 28

يريح على الليل أضياف ماجد ... كريم، ومالي سارحا مال مقتر١ أيهلك معتم وزيد ولم أقم ... على ندب يوما ولي نفس مخطر٢ وهي تلك الثورة التي كانت تدفعه إلى مهاجمة الأغنياء البخلاء ليوزع ما يغنمه منهم على الفقراء الذين كانوا يلتف ون حوله، ويلوذون، في سني الجدب والقحط والجفاف٣. وهو -قبل هذا كله- صاحب هذه الأبيات الجميلة التي يصور فيها كرمه تصويرا رائعا على حظ كبير من الإنسانية، فيراه مشاركة الفقراء له في إنائه، واكتفاءه هو بالماء الخالص في أيام الشتاء الباردة ليوفر طعامهم، بل يراه تقسيما لجسمه في أجسامهم حتى أصبح هزيلا شاحبا: إني امرؤ عافى إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد أتهزأ مني أن سمنت وقد ترى ... بجمسي مس الحق، والحق جاهد أُقسِّم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد٤ وتنتشر أحاديث هذا الكرم في شعره انتشارا واسعا٥، حتى لتكاد كل صفحة من ديوانه تنطق بهذه الأحاديث التي كان يراها: أحاديث تبقى، والفتى غير خالد ... إذا هو أمسى هامة فوق صير٦ وهي أحاديث كان كل صعلوك يحرص على أن تبقى له بعد موته. وفي قافية تأبط شرا المفضلية المشهورة دفاع قوي عن كرمه وإسرافه اللذين جرا عليه كثيرا من اللوم والعذل والتأنيب:

стр. 29

بل من لعذالة خذالة أشب ... حرق باللوم جلدي أي تحراق يقول أهلكت مالا لو قنعت به ... من ثوب صدق ومن بز وأعلاق عاذلتي إن بعض اللوم معنفة ... وهل متاع، وإن إبقيته، باق١ أما مادة هذا الكرم فهي -بطبيعة الحال- ما يغنمونه من غزواتهم في أرجاء الجزيرة العربية، وغاراتهم على القبائل أو على القوافل التجارية أو على طبقة الأغنياء البخلاء. فقد كانت هذه الغنائم تتيح لهم فرصة -مهما تكن قصيرة- لكي يتشبهوا بالسادة الأغنياء في البذل والعطاء واكتساب المحامد. وهكذا "كان الصعلوك، فزع البرية، ينقلب في أعقاب غزواته الناجحة سيدا كريما نبيلا، يَصُف على المواقد الإبل التي نهبها ليطعم منها التيامى والأرامل"٢. فالغزوة والغارة والسلب والنهب ليست عندهم وسائل للغنى وجمع المال فحسب، ولكنها أيضا وسائل للبذل والعطاء، واكتساب المحامد، والتشبه بالسادة الأغنياء في الكرم والجود. وإذا كانت هاتان الغايتان تتنازعان نفوس الصعاليك، وتتجاذبانها كل إليها، على نحو ما نرى عند تأبط شرا الذي يصرح في قافيته المفضلية بأن المال وسيلة للكرم، ووسيلة "لتسديد الخلال" أيضا٣، فإن الغاية الأخيرة وحدها كانت هي الغاية الأساسية عند عروة الذي خلصت نفسه تماما من هذا التنازع وهذه المجاذبة: دعيني أطوف في البلاد لعلني ... أفيد غنى فيه لذي الحق محمل أليس عظيما أن تلم ملمة ... وليس علينا في الحقوق معول فإن نحن لم نملك دفاعا بحادث ... تلم به الأيام فالموت أجمل٤

стр. 30

فطلب الغنى عند عروة ليس هدفا في ذاته، ولكنه وسيلة للكرم وقضاء الحقوق والتشبه بالسادة. وإلى جانب هذه القوة النفسية التي كان هؤلاء الصعاليك يمتازون بها كانوا يتمتعون أيضا بالشجاعة والجرأة وقوة الجسد. وتفيض أخبارهم وأشعارهم بأحاديث هذه القوة، كما تتردد هذه الأحاديث في أخبار معاصريهم وفي شعرهم أيضا. يقول تأبط شرا مفتخرا بقوته: وما ولدت أمي من القوم عاجزا ... ولا كان ريشي من ذنابي ولا لغب١ ويصرح الشنفرى -في اعتداد بنفسه- بأنه يقدم في شجاعة وجرأة حيث يقف الجبان هلعا جزوعا: إذا خشعت نفس الجبان وخيمت ... فلي حيث يخشى أن يجاوز مخشف٢ ويرسم عمرو بن معديكرب الفارس المشهور صورة للسليك بن السلكة يصفه فيها بأنه "كالليث يلحظ قائما"، وبأنه: له هامة ما تأكل البيض أمها ... وأشباح عادي طويل الرواجب٣ ويرسم أبو كبير الهذلي في أبياته اللامية التي رواها أبو تمام في حماسته٤ صورة قوية لتأبط شرا، يصور فيها قوته وصلابته وخفته، وسرعة عدوه، وجرأة قلبه، وشدة مراسه، ومضاء عزيمته، وكيف أعدته الطبيعة منذ طفولته المبكرة، بل من قبل طفولته، ليكون قويا يستطيع أن ينهض بالعبء الذي

стр. 31

ستلقيه الحياة على عاتقه فيما بعد، ذلك العبء الثقيل الذي لا يستطيع أن ينهض به إلا من أعدته الطبيعة له إعدادا خاصا، وهي صورة متكاملة الجوانب، دقيقة الخطوط، واضحة الألوان، يرسمها الشاعر لتأبط شرا، ولكنها تصلح أيضا لكل صعلوك من أولئك الصعاليك الأقوياء الذين روعوا الجزيرة العربية في عصرها الجاهلي، وأثاروا في أرجائها الرعب والفزع. وحقا لقد كان هؤلاء الصعاليك فزعا رهيبا في هذا المجتمع الجاهلي، حتى لنسمع أن فارسا من فرسانه المعدودين، وهو عمرو بن معديكرب، يصرح بأنه لا يخشى أحد من فرسان العرب إلا أربعة، أحدهم السليك بن السلكة١، وأنه يستطيع وحده أن يحمي الظعينة ويخترق بها أعماق الصحراء ما لم يلقه واحد من هؤلاء الأربعة٢. وحسب السليك أن يقرن بعامر وعتيبة وعنترة، وأن يخشى بأسه عمرو بن معديكرب. والواقع أن هذه الشجاعة الفائقة لم تكن مقصورة على صعلوك دون صعلوك، وإنما كانت صفة يمتاز بها كل صعاليك هذه الطائفة، حتى أصبح الصعلوك مثلا يضرب في الشجاعة٣. أما أولئك الصعاليك الذين عرفوا بالفرار فإنهم كانوا يعدونه لونا من ألوان قوتهم الجسدية؛ لأنه المجال الذي يظهرون فيه شدة

стр. 32

عدوهم، كما كانوا يرون فيه وسيلة للنجاة حتى يستأنفوا القتال في ظروف أشد ملاءمة لهم. يقول أبو خراش الهذلي الصعلوك: فإن تزعمي أني جبنت فإنني ... أفر وأرمي مرة كل ذلك أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا ما خفت بعض المهالك١ فهو يدافع عن فراره، ويرى أنه ليس دليلا على جبنه، وإنما هو "خطة موضوعة" يضطر إليها حين يصبح القتال "مغامرة انتحارية" لا أمل فيها، حتى ينجو من هلاك محقق، فيستأنف القتال حين يصبح القتال أمرا مضمون العاقبة. ومن أشد ما يلفت النظر من مظاهر هذه القوة الجسدية سرعة العدو الخارقة للعادة التي اشتهرت بها هذه الطائفة من الصعاليك، حتى ليطلق عليهم أحيانا اسم "العدائين"٢، أو"الرجليين" أو "الرجيلاء"٣، كأنما أصبحت سرعة العدو ظاهرة مميزة لهم، وصفة ملازمة يعرفون بها. والمثل يضرب بجماعة منهم في سرعة العدو، فيقال "أعدى من الشنفرى"٤، و"أعدى من السليك"٥، و"أمضى من سليك المقانب"٦. وتصفهم مصادر الأدب

стр. 33

العربي بأنهم "أشد الناس عدوا"١، أو أنهم "لا يحارون عدوا"٢، أو "يُلحقون"٣، أو يعدون عدوا يسبقون به الخيل٤، أو لا تعلق بهم الخيل٥، أو لم تلحقهم الخيل٦. وتفيض هذه المصادر بأحاديث عدوهم وأخبار سرعتهم، وتبالغ فيها مبالغة تبدو أحيانا غير مقبولة، فتأبط شرا "كان أعدى ذي رجلين وذي ساقين وذي عينين، وكان إذا جاع لم تقم له قائمة، فكان ينظر إلى الظباء، فينتقي على نظره أسمنها، ثم يجري خلفه، فلا يفوته حتى يأخذه فيذبحه بسيفه، ثم يشويه فيأكله"٧. وفي أخبار حاجز الأزدي أن أباه قال له: "أخبرني يا بني بأشد عدوك، قال: نعم، أفزعتني خثعم، فنزوت نزوات، واستفزتني الخيل، واصطف لي ظبيان، فجعلت أنهنههما بيدي عن الطريق لضيقه، ومنعاني أن أتجاوزهما في العدو لضيق الطريق، حتى اتسع واتسعت بنا فسبقتهما"٨. وفي أخبار السليك أن بني كنانة قالوا له حين كبر: "إن رأيت أن ترينا بعض ما بقي من إحضارك، فقال: اجمعوا لي أربعين شابا، وابغوني درعا ثقيلة. فأخذها فلبسها، وخرج الشباب، حتى إذا كان على رأس ميل أقبل يُحضر، فلاث العدو لوثا، واهتبصوا في جنبتيه فلم يصحبوه إلا قليلا، فجاء يحضر منتبذا حيث لا يرونه، وجاءت الدرع تخفق في عنقه كأنها خرقة"٩. وفي أخبار أبي خراش أنه دخل مكة "وللوليد بن المغيرة المخزومي فرسان يريد أن يرسلهما في الحلبة، فقال للوليد: ما تجعل لي إن سبقتهما؟ قال: إن فعلت فهما لك،

стр. 34

فأرسلا وعدا بينهما فسبقهما، فأخذهما"١. ويذكر الرواة أن خطوا الشنفرى ذرع ليلة قُتل، "فوجد أول نزوة نزاها إحدى وعشرين خطوة، والثانية سبع عشرة خطوة، والثالثة خمس عشرة خطوة"٢. ومن الطريف أن يصف تأبط شرا رفيقه في الصعلكة الشنفرى حين يعدو بأنه "قد طار"٣، أو يصف عدو عمرو بن براقة بأنه "مثل الريح"٤، أو نسمعه يقسم بقوله "والذي أعدو بطيره"٥، وهو قسم يستمد طرافته من ذكر الطير فيه. وعقد صلة بينها وبين عدوه، كأنهما أصبح الصعلوك يعدو بأجنحتها. وفي كل مناسبة يردد هؤلاء الصعاليك في شعرهم أحاديث عدوهم وسرعتهم. وهم يتحدثون عنها دائما في اعتداد وفخر كبيرين؛ إذ يرون فيهما ميزة تفردوا بها من بين سائر البشر، ووسيلة تعينهم على الحياة، وتيسر لهم سبل النجاة. يقول تأبط شرا مفتخرا بسرعته التي أنجته من أعدائه وما أرسلوه خلفه من خيل سريعة: ليلة صاحوا وأغروا بي سراعهم ... بالعيكتين لدى معدى ابن براق كأنما حثحثوا حصا قوادمه ... أو أم خشف بذي شث وطباق لا شيء مني، ليس ذا عذر ... وذا جناح بجنب الريد خفاق حتى نجوت ولما ينزعوا سلبي ... بواله من قبيض الشد غيداق٦

стр. 35

إنه سريع كالظليم أو الظبية، بل إنه أسرع من كل شيء حتى الخيل الجياد والطير الجارحة فوق قمم الجبال. ويصرح أبو خراش بأن سرعة عدوه هي التي أنجته من موت محقق، فلولاها لآمت امرأته ويتم ابنه: تقول ابنتي لما رأتني عشية ... سلمت وما إن كدت بالأمس تسلم ولولا دراك الشد قاظت حليلتي ... تخير من خطابها وهي أيم فتقعد أو ترضى مكاني خليفة ... وكاد خراش يوم ذلك يَيْتَم١ وفي لامية العرب صورة قوية لهذه السرعة نرى فيها الصعلوك يسبق القطا الظامئة وهي تسرع إلى الماء: وتشرب أسآرى القطا الكدر بعدما ... سرت قربا أحشاؤها تتصلصل هممت وهمت، وابتدرنا، وأسدلت ... وشمر مني قارط متمهل فوليت عنها وهي تكبو لعقره ... يباشره منها ذقون وحوصل٢ إنها مباراة طريفة يقدمها لنا الشاعر بينه وبين القطا في الوصول إلى الماء، تنتهي بفوزه عليها، وإدراكه الماء قبلها، بل لقد شرب وارتوى قبل أن تصل هي، فلما وصلت لم تجد إلا سؤرا تشربه من بعده. ولعل أقوى صورة رسمها صعلوك لهذه السرعة هي تلك الصورة التي رسمها تأبط شرا، والتي نرى فيها الصعلوك يسبق الريح بسرعته الفائقة: ويسبق وفد الريح من حيث يُنتحى ... بمنخرق من شده المتدارك٣ بل إن الأمر ليصل بحاجز الأزدي إلى أن يفدي رجليه بأمه وخالته، وماذا أفاد من أمه وخالته سوى تلك الحياة القاسية المحتقرة التي جرتاها عليه بلونهما الأسود؟ أما رجلاه فهما كل شيء في حياته، ولولاهما لفقد الحياة

стр. 36

نفسها، وإذا كانت أمه وخالته سبب ما يلاقيه في حياته فإن رجليه سبب إنقاذه مما يلاقيه فيها: فدى لكما رجلي أمي وخالتي ... بسعيكما بين الصفا والأثائب١ وعلى ما في أحاديث هذا العدو في أخبار الصعاليك وشعرهم من مبالغات يقف المرء عندها متسائلا: أيمكن أن يكون هذا صحيحا؟ فإنها -على كل حال- تصور ظاهرة لا شك في حقيقتها المجردة، وهي أن هؤلاء الصعاليك كانوا يمتازون بسرعة في العدو خارقة للعادة، وهي سرعة لفتت أنظار الرواة فسجلوها بما فيها من مبالغات، واستقرت في أذهان الناس فضربوا بها الأمثال، ووجد فيها بعض الشعراء المتأخرين مادة يستغلونها في فنهم، ويستخدمونها في تشبياتهم وصورهم الفنية٢. وينظر هؤلاء الصعاليك الأقوياء إلى المجتمع الذي يعيشون فيه، فإذا هو مجتمع ظالم، وإذا توزيع الثروة فيه توزيع جائر مضطرب. إنه مجتمع لا يؤمن إلا بالمال، ولكنه -مع ذلك- لا يحسن توزيع المال بين أفراده، فليس من العدل أن يكون لأحد أفراده عدد ضخم من الإبل في حين لا يملك الآخر غير حبل يجرره لا بعير فيه. وما هذه الإبل التي يملكها هذا الفرد سوى إبل الله خلقها للناس جميعا، فهي ليس حقا له وحده دون غيره من خلق الله في هذه الأرض٣. والعجيب من أمر هذا المجتمع أن بين من يعطيهم بغير حساب بخلاء

стр. 37

أشحاء لا ينتفع بمالهم أحد. في حين يحرم فيمن يحرم كرماء لو أعطاهم لنفعوا بمالهم أفراد مجتمعهم الفقراء المحتاجين، فهو يحرم هؤلاء الكرماء ما يكنزه أولئك البخلاء، ويحرمهم نتيجة لهذا فرصة التكافؤ الاجتماعي ومساواة إخوانهم في الإنسانية من الأغنياء الكرماء في شراء تلك الأحاديث الخالدة التي "تبقى والفتى غير خالد إذا هو أمسى هامة فوق صير" كما كان يقول عروة. ووقف هؤلاء الصعاليك أمام هذه المشكلة الخطيرة، ولم يجدوا أمامهم -بسبب ظروف البيئة والمجتمع والمزاج الشخصي- ومن وسيلة يرضونها لأنفسهم إلا الاعتماد على القوة يغتصبون عن طريقها ما آمنوا بأنه حقهم المسلوب. "والخلة تدعو إلى السلمة" -كما يقول المثال العربي١، فمضوا خلف أولئك الأغنياء المترفين، وبخاصة البخلاء منهم، وتربصوا بالقوافل التجارية التي تسيل بها شعاب الجزيرة العربية، ينهبون ويسلبون، ولا يتورعون عن قتل من يعترض طريقهم؛ لأن المسألة أخذت في أذهانهم وضعا ثنائيا لا ثالث له: إما حياة كريمة، وإما ميتة كريمة، أما أنصاف الحلول فشيء لا يؤمنون به. لقد آمن هؤلاء الصعاليك بأن "الحق للقوة"، وأن الضعيف ضائع حقه في هذه الحياة، ورأوا أمامهم أولئك الصعاليك الفقراء المستضعفين وما يلاقونه من ذل وضيم وهوان، فرثوا لهم، وآلوا على أنفسهم أن يثأروا لهم ممن استضعفوهم، وأن يفرضوا أنفسهم فرضا على ذلك المجتمع الذي أذل إخوانهم الضعفاء. هكذا رسم هؤلاء الصعاليك الأقوياء النفس والجسد خطتهم من أجل الحياة أولا، ثم من أجل فرض أنفسهم على مجتمعهم الذي لا يعترف بهم، وتحقيق صورة من صور العدالة الاجتماعية بين طبقات هذه المجتمع بعد ذلك، وهي خطة تقوم على أساس "الغزو والإغارة للسلب والنهب". وأحاديث "الغزو والإغارة للسلب والنهب" تنتشر في أخبار هؤلاء الصعاليك وشعرهم انتشارا واسعا، بل لعلها أكثر ما ينتشر في أخبارهم وشعرهم

стр. 38

من أحاديث، حتى لتوشك أن تكون هي اللون البارز في لوحة حياتهم الاجتماعية والفنية. ففي أخبار السليك أنه "أملق حتى لم يبق له شيء، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر به فيذهب بإبله، حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردة مقمرة. فاشتمل الصماء، ثم نام ... فبينما هو نائم إذ جثم رجل فقعد على جنبه فقال: استأسر"، وسأله السليك من يكون، فقال له: "أنا رجل افتقرت، فقلت لأخرجن فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني، فآتيهم وأنا غني"، فقال له السليك: انطلق معي: "فانطلقا معا، فوجدا رجلا قصته مثل قصتهما، فاصطحبوا جميعا، حتى أتوا الجوف، جوف مراد، فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم قد ملأ كل شيء من كثرته، فهابوا أن يغيروا"، ولكن السليك دبر لهم حيلة "فأطردوا الإبل، فذهبوا بها، ولم يبلغ الصريخ الحي حتى فاتوهم بالإبل"١. إنها قصة تصور لنا تلك الهوة الواسعة بين الطبقات في المجتمع الجاهلي: بين أولئك الذين "أملقوا حتى لم يبق لهم شيء"، وأولئك الذين أترفوا حتى "ملا نعمهم كل شيء من كثرته"، وهي قوة كانت تدفع هؤلاء الصعاليك المعدمين للخروج إلى الصحراء من أجل اغتصاب رزقهم من أيدي أولئك المترفين، وانتزاع لقمة العيش من بين أنيابهم، أو -بعبارة أخرى- كانت تدفعهم إلى "الغزو والإغارة للسلب والنهب". وفي أخبار تأبط شرا أنه خرج في "عدة من فهم" يريدون الغارة على أحد أحياء بجيلة. وتمت الغارة بقتل نفر من بجيلة، ونهب إبل لهم. وساق الصعاليك الإبل حتى إذا كانوا "على يوم وليلة من بلادهم" تصدت لهم خثعم طامعة فيما معهم، ودار قتال بين الفريقين: صعاليك فهم العائدين بغنيمتهم، ورجال خثعم الطامعين فيها. وثبت الصعاليك -على قلتهم وكثرة خثعم- وانتهى

стр. 39

الصراع بانهزام خثعم وتفرقها، وانطلاق الصعاليك بغنيمهم١. في هذه القصة نرى صورة من حياة الصعاليك في المجتمع الجاهلي، تلك الحياة التي كانت تقوم على "الغزو والإغارة للسلب والنهب"، ومثلا قويا لذلك الصراع الدامي الذي كان الصعاليك يخوضون غماره في سبيل الحياة، وهو صراع كانوا يخوضون غماره في شجاعة وقوة لأنهم كانوا يتمثلونه صراعا بين الحياة والموت. وفي أخبار عروة أنه كان -إذا أصابت الناس سنة شديدة- يجمع المرضى والضعفاء والمسنين من عشيرته، "ثم يحفر لهم الأسراب، ويكنف عليهم الكنف، ويكسبهم، ومن قوي منهم إما مريض يبرأ من مرضه، أو ضعيف تثوب قوته، خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا. حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله، وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى"٢. وفي أخباره أيضا أنه "بلغه عن رجل من بني كنانة بن خزيمة أنه أبخل الناس وأكثرهم مالا، فبعث عليه عيونا فأتوه بخبره، فشد على إبله فاستاقها، ثم قسمها في قومه٣. على هذا النحو كانت الصعلكة عند عروة نزعة إنسانية نبيلة. وضريبة يدفعها القوي للضعيف، والغني للفقير، وفكرة اشتراكية تشرك الفقراء في مال الأغنياء، وتجعل لهم فيه نصيبا، بل حقا يغتصبونه إن لم يؤد لهم، وتهدف إلى تحقيق لون من ألوان العدالة الاجتماعية، التوازن الاقتصادي بين طبقتي المجتمع المتباعدتين: طبقة الأغنياء، وطبقة الفقراء، "فالغزو والإغارة للسلب والنهب" لم يعد عنده وسيلة وغاية، وإنما أصبح وسيلة غايتها تحقيق نزعته الإنسانية وفكرته الاشتراكية.

стр. 40

وقد يحدث أن تتطور هذه الأهداف الاجتماعية والاقتصادية عند بعض الصعاليك إلى لون من التمرد الخالص الذي لا يميز بين الأهداف، فإذا هم يتعرضون لكل من يسوقه حظه السيئ إلى مناطق تربصهم. يقول تأبط شرا معبرا عن هذا التمرد الخالص الذي أصبح عنده الوسيلة والغاية معا: ولست أبيت الدهر إلا على فتى ... أسلبه أو أذعر السرب أجمعا١ أو يناضلون قبائل معينة العداء، يصبون عليها شرورهم، ويوجهون إليها غاراتهم وغزواتهم، كما كان يفعل تأبط شرا مع تلك المجموعة من القبائل التي يعددها في بعض أبياته٢، وكما كان بين صعاليك هذيل وصعاليك فهم من عداوة مستحكمة لا يهدأ أوارها، ظهرت آثارها في شعر الفريقين وأخبارهما٣. وفي شعر الصعاليك صورة كثيرة متعددة الألوان والأوضاع لهذه الغارات، وأحاديث عنها لا تكاد تنتهي حتى تبدأ، وفي أكثر قصائد هذا الشعر ومقطوعاته يردد الصعاليك أقاصيص هذه الغارات في فخر وإعجاب، واعتداد بأنفسهم وبطولتهم. وفي تائية الشنفرى المفضلية صورة رائعة قوية لغارة قام بها هو وأصحابه الصعاليك، يصف فيها كيف أعد عصابته للغزو، ويصف الطريق الذي سلكوه، ويتحدث عن الدوافع التي دفعته إلى هذه الغارة، ثم يتحدث عن الأهداف التي حققتها، والغايات التي وصلت إليها. يقول: وباضعة حمر القسي بعثتها ... ومن يغز يغنم مرة ويشمت خرجنا من الوادي الذي بين مشعل ... وبين الجبا. هيهات أنشأت سربتي أمشي على الأرض التي لن تضرني ... لأنكى قوما أو ألاقي حمتي أمشي على أين الغزاة وبعدها ... يقربني منها رواحي وغدوتي ثم يقول: قتلنا قتيلا مهديا بملبد ... جمار مني وسط الحجيج المصوت
следующие страницы →