نفسها، وإذا كانت أمه وخالته سبب ما يلاقيه في حياته فإن رجليه سبب إنقاذه مما يلاقيه فيها:
فدى لكما رجلي أمي وخالتي ... بسعيكما بين الصفا والأثائب١
وعلى ما في أحاديث هذا العدو في أخبار الصعاليك وشعرهم من مبالغات يقف المرء عندها متسائلا: أيمكن أن يكون هذا صحيحا؟ فإنها -على كل حال- تصور ظاهرة لا شك في حقيقتها المجردة، وهي أن هؤلاء الصعاليك كانوا يمتازون بسرعة في العدو خارقة للعادة، وهي سرعة لفتت أنظار الرواة فسجلوها بما فيها من مبالغات، واستقرت في أذهان الناس فضربوا بها الأمثال، ووجد فيها بعض الشعراء المتأخرين مادة يستغلونها في فنهم، ويستخدمونها في تشبياتهم وصورهم الفنية٢.
وينظر هؤلاء الصعاليك الأقوياء إلى المجتمع الذي يعيشون فيه، فإذا هو مجتمع ظالم، وإذا توزيع الثروة فيه توزيع جائر مضطرب. إنه مجتمع لا يؤمن إلا بالمال، ولكنه -مع ذلك- لا يحسن توزيع المال بين أفراده، فليس من العدل أن يكون لأحد أفراده عدد ضخم من الإبل في حين لا يملك الآخر غير حبل يجرره لا بعير فيه. وما هذه الإبل التي يملكها هذا الفرد سوى إبل الله خلقها للناس جميعا، فهي ليس حقا له وحده دون غيره من خلق الله في هذه الأرض٣.
والعجيب من أمر هذا المجتمع أن بين من يعطيهم بغير حساب بخلاء
стр. 37
أشحاء لا ينتفع بمالهم أحد. في حين يحرم فيمن يحرم كرماء لو أعطاهم لنفعوا بمالهم أفراد مجتمعهم الفقراء المحتاجين، فهو يحرم هؤلاء الكرماء ما يكنزه أولئك البخلاء، ويحرمهم نتيجة لهذا فرصة التكافؤ الاجتماعي ومساواة إخوانهم في الإنسانية من الأغنياء الكرماء في شراء تلك الأحاديث الخالدة التي "تبقى والفتى غير خالد إذا هو أمسى هامة فوق صير" كما كان يقول عروة.
ووقف هؤلاء الصعاليك أمام هذه المشكلة الخطيرة، ولم يجدوا أمامهم -بسبب ظروف البيئة والمجتمع والمزاج الشخصي- ومن وسيلة يرضونها لأنفسهم إلا الاعتماد على القوة يغتصبون عن طريقها ما آمنوا بأنه حقهم المسلوب. "والخلة تدعو إلى السلمة" -كما يقول المثال العربي١، فمضوا خلف أولئك الأغنياء المترفين، وبخاصة البخلاء منهم، وتربصوا بالقوافل التجارية التي تسيل بها شعاب الجزيرة العربية، ينهبون ويسلبون، ولا يتورعون عن قتل من يعترض طريقهم؛ لأن المسألة أخذت في أذهانهم وضعا ثنائيا لا ثالث له: إما حياة كريمة، وإما ميتة كريمة، أما أنصاف الحلول فشيء لا يؤمنون به. لقد آمن هؤلاء الصعاليك بأن "الحق للقوة"، وأن الضعيف ضائع حقه في هذه الحياة، ورأوا أمامهم أولئك الصعاليك الفقراء المستضعفين وما يلاقونه من ذل وضيم وهوان، فرثوا لهم، وآلوا على أنفسهم أن يثأروا لهم ممن استضعفوهم، وأن يفرضوا أنفسهم فرضا على ذلك المجتمع الذي أذل إخوانهم الضعفاء.
هكذا رسم هؤلاء الصعاليك الأقوياء النفس والجسد خطتهم من أجل الحياة أولا، ثم من أجل فرض أنفسهم على مجتمعهم الذي لا يعترف بهم، وتحقيق صورة من صور العدالة الاجتماعية بين طبقات هذه المجتمع بعد ذلك، وهي خطة تقوم على أساس "الغزو والإغارة للسلب والنهب".
وأحاديث "الغزو والإغارة للسلب والنهب" تنتشر في أخبار هؤلاء الصعاليك وشعرهم انتشارا واسعا، بل لعلها أكثر ما ينتشر في أخبارهم وشعرهم
стр. 38
من أحاديث، حتى لتوشك أن تكون هي اللون البارز في لوحة حياتهم الاجتماعية والفنية.
ففي أخبار السليك أنه "أملق حتى لم يبق له شيء، فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر به فيذهب بإبله، حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردة مقمرة. فاشتمل الصماء، ثم نام ... فبينما هو نائم إذ جثم رجل فقعد على جنبه فقال: استأسر"، وسأله السليك من يكون، فقال له: "أنا رجل افتقرت، فقلت لأخرجن فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني، فآتيهم وأنا غني"، فقال له السليك: انطلق معي: "فانطلقا معا، فوجدا رجلا قصته مثل قصتهما، فاصطحبوا جميعا، حتى أتوا الجوف، جوف مراد، فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم قد ملأ كل شيء من كثرته، فهابوا أن يغيروا"، ولكن السليك دبر لهم حيلة "فأطردوا الإبل، فذهبوا بها، ولم يبلغ الصريخ الحي حتى فاتوهم بالإبل"١.
إنها قصة تصور لنا تلك الهوة الواسعة بين الطبقات في المجتمع الجاهلي: بين أولئك الذين "أملقوا حتى لم يبق لهم شيء"، وأولئك الذين أترفوا حتى "ملا نعمهم كل شيء من كثرته"، وهي قوة كانت تدفع هؤلاء الصعاليك المعدمين للخروج إلى الصحراء من أجل اغتصاب رزقهم من أيدي أولئك المترفين، وانتزاع لقمة العيش من بين أنيابهم، أو -بعبارة أخرى- كانت تدفعهم إلى "الغزو والإغارة للسلب والنهب".
وفي أخبار تأبط شرا أنه خرج في "عدة من فهم" يريدون الغارة على أحد أحياء بجيلة. وتمت الغارة بقتل نفر من بجيلة، ونهب إبل لهم. وساق الصعاليك الإبل حتى إذا كانوا "على يوم وليلة من بلادهم" تصدت لهم خثعم طامعة فيما معهم، ودار قتال بين الفريقين: صعاليك فهم العائدين بغنيمتهم، ورجال خثعم الطامعين فيها. وثبت الصعاليك -على قلتهم وكثرة خثعم- وانتهى
стр. 39
الصراع بانهزام خثعم وتفرقها، وانطلاق الصعاليك بغنيمهم١.
في هذه القصة نرى صورة من حياة الصعاليك في المجتمع الجاهلي، تلك الحياة التي كانت تقوم على "الغزو والإغارة للسلب والنهب"، ومثلا قويا لذلك الصراع الدامي الذي كان الصعاليك يخوضون غماره في سبيل الحياة، وهو صراع كانوا يخوضون غماره في شجاعة وقوة لأنهم كانوا يتمثلونه صراعا بين الحياة والموت.
وفي أخبار عروة أنه كان -إذا أصابت الناس سنة شديدة- يجمع المرضى والضعفاء والمسنين من عشيرته، "ثم يحفر لهم الأسراب، ويكنف عليهم الكنف، ويكسبهم، ومن قوي منهم إما مريض يبرأ من مرضه، أو ضعيف تثوب قوته، خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيبا. حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله، وقسم له نصيبه من غنيمة إن كانوا غنموها، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى"٢.
وفي أخباره أيضا أنه "بلغه عن رجل من بني كنانة بن خزيمة أنه أبخل الناس وأكثرهم مالا، فبعث عليه عيونا فأتوه بخبره، فشد على إبله فاستاقها، ثم قسمها في قومه٣.
على هذا النحو كانت الصعلكة عند عروة نزعة إنسانية نبيلة. وضريبة يدفعها القوي للضعيف، والغني للفقير، وفكرة اشتراكية تشرك الفقراء في مال الأغنياء، وتجعل لهم فيه نصيبا، بل حقا يغتصبونه إن لم يؤد لهم، وتهدف إلى تحقيق لون من ألوان العدالة الاجتماعية، التوازن الاقتصادي بين طبقتي المجتمع المتباعدتين: طبقة الأغنياء، وطبقة الفقراء، "فالغزو والإغارة للسلب والنهب" لم يعد عنده وسيلة وغاية، وإنما أصبح وسيلة غايتها تحقيق نزعته الإنسانية وفكرته الاشتراكية.
стр. 40
وقد يحدث أن تتطور هذه الأهداف الاجتماعية والاقتصادية عند بعض الصعاليك إلى لون من التمرد الخالص الذي لا يميز بين الأهداف، فإذا هم يتعرضون لكل من يسوقه حظه السيئ إلى مناطق تربصهم. يقول تأبط شرا معبرا عن هذا التمرد الخالص الذي أصبح عنده الوسيلة والغاية معا:
ولست أبيت الدهر إلا على فتى ... أسلبه أو أذعر السرب أجمعا١
أو يناضلون قبائل معينة العداء، يصبون عليها شرورهم، ويوجهون إليها غاراتهم وغزواتهم، كما كان يفعل تأبط شرا مع تلك المجموعة من القبائل التي يعددها في بعض أبياته٢، وكما كان بين صعاليك هذيل وصعاليك فهم من عداوة مستحكمة لا يهدأ أوارها، ظهرت آثارها في شعر الفريقين وأخبارهما٣.
وفي شعر الصعاليك صورة كثيرة متعددة الألوان والأوضاع لهذه الغارات، وأحاديث عنها لا تكاد تنتهي حتى تبدأ، وفي أكثر قصائد هذا الشعر ومقطوعاته يردد الصعاليك أقاصيص هذه الغارات في فخر وإعجاب، واعتداد بأنفسهم وبطولتهم. وفي تائية الشنفرى المفضلية صورة رائعة قوية لغارة قام بها هو وأصحابه الصعاليك، يصف فيها كيف أعد عصابته للغزو، ويصف الطريق الذي سلكوه، ويتحدث عن الدوافع التي دفعته إلى هذه الغارة، ثم يتحدث عن الأهداف التي حققتها، والغايات التي وصلت إليها. يقول:
وباضعة حمر القسي بعثتها ... ومن يغز يغنم مرة ويشمت
خرجنا من الوادي الذي بين مشعل ... وبين الجبا. هيهات أنشأت سربتي
أمشي على الأرض التي لن تضرني ... لأنكى قوما أو ألاقي حمتي
أمشي على أين الغزاة وبعدها ... يقربني منها رواحي وغدوتي
ثم يقول:
قتلنا قتيلا مهديا بملبد ... جمار مني وسط الحجيج المصوت
стр. 41
جزينا سلامان بن مفرج قرضها ... بما قدمت أيديهم وأزلت
وهنئ بي قوم وما إن هنأتهم ... وأصبحت في قوم وليسوا بمنبتي
شفينا بعبد الله بعض غليلنا ... وعوف لدى المعدى أوان استهلت١
وفي لامية العرب قصة غارة مفاجئة خاطفة قام بها الصعلوك في ليلة باردة ذات ظلام ومطر، وقد استبد به الجوع والبرد والخوف، ثم عاد إلى "قواعده" سالما، بعد أن حقق أهدافه، مخلفا وراءه القوم يتسألون: ما هذا الذي طرق حيهم ليلا؟ وقد ذهبت آراؤهم فيه مذاهب شتى:
وليلة نحس يصطلي القوس ربها ... وأقطعه اللاتي بها يتنبل
دعست على غطش وبغش، وصحبتي ... سعار، وإرزيز ووجر وأفكل
فأيمت نسوانا، وأيتمت إلدة ... وعدت كما أبدأت، والليل أليل
وأصبح عني بالغميصاء جالسا ... فريقان: مسئول وآخر يسأل
فقالوا: لقد هرت بليل كلابنا ... فقلنا أذئب عس أم عس فرعل
فلم تك إلا نبأة ثم هومت ... فقلنا قطاة ريع أم ريع أجدل
فإن يك من جن لأبرح طارقا ... وإن يك إنساماكها الإنس تفعل٢
стр. 42
وكان الصعاليك يخرجون لهذه الغارات الرهيبة فرادى أحيانا، وفي عصابات أحيانا أخرى. وكان أكثرهم يغير على رجليه، وبعضهم يغير على الخيل.
ففي أخبار الشنفرى أنه كان "يغير على الأزد على رجليه فيمن معه من فهم، وكان يغير عليهم وحده أكثر ذلك"١، ومن أخباره أيضا أنه خرج "في ثلاثين رجلا معه تأبط شرا يريدون الغارة على بني سلامان"٢. وفي أخبار السليك أنه خرج "على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر به فيذهب بإبله"، وأنه التقى برجلين قصتهما مثل قصته "فاصطحبوا جميعا"٣. وفي أخبار تأبط شرا أنه خرج "في عدة من فهم"٤. وفي شعره حديث عن غزواته هو وصعاليكه على الخيل أحيانا، وعلى الأرجل أحيانا أخرى:
فيوما بغزاء، ويوما بسربة ... ويما بخشخاش من الرجل هيضل٥
وفي شعر عروة أحاديث كثيرة عن هذين الأسلوبين من أساليب الغزو. يقول متحدثا عن امرأته التي تلومه على مخاطرته بنفسه في غاراته المتكررة تارة بأولئك الرجلين الذين يعتمدون في غزوهم على أرجلهم، وتارة بأولئك الفرسان الذين يغيرون على الخيل:
تقول: لك الويلات، هل أنت تارك ... ضبوءا برجل تارة وبمنسر٦
стр. 43
ويقول متحدثا عن اعتماده على كلا الأسلوبين في بعض غاراته:
لعل انطلاقي في البلاد، ورحلتي ... وشدي حيازيم المطية بالرحل
سيدفعني يوما إلى رب هجمة ... يدافع عنها بالعقوق وبالبخل
قليل تواليها وطالب وترها ... إذا صحت فيها بالفوارس والرجل١
وقد وفر الصعاليك لهذه الغارات كل ما يحقق لها النجاح، وبلوغ الغاية، وإدراك الهدف. فإلى جانب ما وفروه لها من قوة الجسد، وشجاعة القلب، وصدق العزيمة، وسرعة العدو، وفروا لها سعة الحيلة، وعمق الدهاء، والقدرة على الخلاص من المآزق الضيقة، والمواقف الحرجة. ففي أخبار الشنفرى أنه كان إذا سار في الليل نزع نعلا ولبس نعلا، وضرب برجله، حتى يموه على الناس، فيظنوه الضبع٢. وفي أخباره أيضا أنه أقبل في ليلة على ماء لبني سلامان، فلما دنا من الماء قال: إني أراكم، وليس يرى أحدا، إنما يريد بذلك أن يخرج رصدا إن كان ثمة من يترصد له٣. وفي أخبار السليك أنه احتال على رجل في سوق عكاظ حتى عرف منه منازل قومه، تمهيدًا للإغارة عليها٤.
وخبر الحيلة التي لجأ إليها تأبط شرا، حين حاصرته لحيان وهو يشتار العسل من غار في بلادهم، خبر ذائع مشهور٥. وقصة احتياله هو الشنفرى وابن براقة على بجيلة حين أسرته، حتى نجا ونجا معه صاحباه، وهي القصة التي أشار إليها في قافيته المفضلية، قصة مشهورة أيضا٦.
وإلى جانب هذا كله كان طبيعيًّا أن يوفر الصعاليك لغاراتهم السلاح الذي
стр. 44
يعتمدون عليه في هجومهم ودفاعهم؛ لأن الشجاعة أو القوة أو غيرها من الصفات التي كانوا يمتازون بها لا تكفي وحدها "في تلك البادية الفوضوية التي لا يستطيع إنسان أن يعيش فيها ما لم يكن مزودا بسيف أو قوس"١.
والواقع أن الصعاليك أعدوا لغاراتهم كل ما كانت تعرفه الجزيرة العربية من سلاح، سواء منه ما كان للهجوم وما كان للدفاع، ووصفوا في شعرهم كل ما كانوا يستخدمونه منه، وتحدثوا عن قيمته لهم في غزواتهم، بل في حياتهم كلها، فقد كانوا يرون فيه أهم شيء في حياتهم، وأغلى ما يملكون فيها، وما يخلفونه بعدها، فعمرو بن براقة يذكر أن سيفه هو "جل ماله"٢، وعروة يذكر أنه لن يخلف بعد موته سوى سيف ورمح ودرع ومغفر وجواد:
وذي أمل يرجو تراثي، وإن ما ... يصير له منه غدا لقليل
ومالي مال غير درع، ومغفر٣ ... وأبيض من ماء الحديد صقيل
وأسمر خطي القناة مثقف ... وأجرد عريان السراة طويل٤
هذا كل ما يملكه أبو الصعاليك، وكل ما سيخلفه من بعده لوارثيه، وهذا كل ما يسجله في "وصيته" من "ثروته". وقد بلغ من شدة حرص صخر الغي الصعلوك على سلاحه أنه كان يراه ثيابا له لا يخلعها عن جسده٥، ويذكر الرواة أن تأبط شرا "كان لا يفارقه السيف"٦.
وقد استتبعت هذه الحياة الواقفة في وجه المجتمع، المتمردة عليه، الخارجة على نظمه، أن فقد المجتمع اطمئنانه إلى أصحابها، كما فقد أصحابها طمأنينتهم فيه، فانقطعت الصلة بينهما، وانفصمت تلك الرابطة الاجتماعية التي تربط بين الفرد ومجتمعه، وانحل ذلك العقد الاجتماعي الذي يجعل من الفرد عضوا
стр. 45
عاملا لمجتمعه، متوافقا معه، دائرا في فلكه، ورأى المجتمع في هؤلاء الصعاليك "شذاذا" خارجين عليه، غير متوافقين معه، فتنكر لهم، وتخلى عنهم، وتركهم يواجهون الحياة دون أية حماية منه أو ضمان اجتماعي، ورأوا هم في مجتمعهم مجتمعا مختلا، يسيطر عليه ظلم اجتماعي، وتسوده أنانية اقتصادية جائرة، وتنقصه عدالة اجتماعية تسوي بين جميع أفراده، وتكافؤ في فرص العيش يهيئ لكل فرد فيه أن يأخذ بنصيبه من الحياة كما يأخذ سائر الأفراد.
وكانت النتيجة الطبيعية لهذا كله أن فر هؤلاء الصعاليك من مجتمعهم النظامي ليقيموا لأنفسهم بأنفسهم "مجتمعا" فوضويا، شريعته "القوة"، ووسيلته "الغزو والإغارة"، وهدفه "السلب والنهب"، ووجدوا في الصحراء الفسيحة الواسعة التي لا تقيدها قيود، ولا تحد من حريتها حدود، ولا يستطيع قانون أن يخترق نطاقها ليفرض سلطانه عليها، مجالا لا حدود له يمارسون فيه نشاطهم الإرهابي، ويقيمون "دولتهم" الفوضوية، "دولة الصعاليك"، حيث يحيون حياة حرة متمردة، تسودها العدالة الاجتماعية، وتتكافأ فيها فرص العيش أمام الجميع.
وأخبار هؤلاء الصعاليك وأشعارهم تحفل بأحاديث هذا التشرد في أنحاء الصحراء الموحشة، ووديانها الرهيبة، حيث يحيا الوحش بعيدا عن البشر، وحيث يكمن الموت في كل رجء من أرجائها.
ولعل أقوى ما صُور به هذا التشرد في شعر الصعاليك هاتان الصورتان المتشابهتان اللتان نجد إحداهما عند تأبط شرا، والأخرى في لامية العرب، فكلا الصعلوكين مفارق مجتمعه النظامي حيث يعيش البشر، إلى أعماق الصحراء البعيدة حيث يعيش الوحش، أما تأبط شرا فقد ألفته الوحش لطول ما عاش بينها مسالما لها، حتى أنست به، واطمأنت إليه، وأما صعلوك اللامية فقد وجد في ضواري الصحراء أهلا له، يستعيض بها عن أهله من البشر، ويجد بينها الأمن والطمأنينة. يقول تأبط شرا متحدثا عن نفسه:
يبيت بمغني الوحش حتى ألفنه ... ويصبح لا يحمي لها الدهر مرتعا
стр. 46
رأين فتى لا صيد وحش يهمه ... فلو صافحت إنسا لصافحنه معا١
ويقول صاحب اللامية مخاطبا أهله:
ولي دونكم أهلون: سيد عملس ... وأرقط زهلول، وعرفاء جيأل
هم الأهل، لا مستودع السر ذائع ... لديهم، ولا الجاني بما جر يخُذل٢
ومن الطبيعي أن هذا التشرد جعل الصعاليك على صلة قريبة بحيوان الصحراء، استطاعوا عن طريقها أن يعرفوا طباعه وعاداته، وأن يتحدثوا عنه وعنها حديث الخبير المطلع. وفي شعرهم صور كثيرة لحيوان الصحراء ووحشها وطيرها وحشراتها وما يخيل للساري فيها من أشباح، كذلك الوصف الدقيق للضباع وحياتها وطباعها في شعر الأعلم الهذلي٣، وكتلك الصورة الرائعة للذئاب الجائعة في لامية العرب٤ وكتلك الصور المتعددة للغيلان وما يجري للإنسان معها في شعر تأبط شرا٥.
وكان من نتيجة هذا التشرد البعيد في أعماق الصحراء أن أصبح الصعاليك على علم واسع بأسرارها، ومعرفة دقيقة بشعابها ودروبها ومسالكها ومياهها، ومقدرة فائقة على الاهتداء في مجاهلها، واختراق متاهاتها المضلة دون دليل. ورواة الأدب العربي يصفون السليك "البعيد الغارة" بأنه "كان أدل من قطاة"٦، بل إنهم يصفون الصعاليك بأنهم "أهدى من القطا"٧.
стр. 47
وفي شعر الصعاليك أحاديث كثيرة عن الصحراء، وفخر عريض بمعرفة أسرارها، والاهتداء في مجاهلها، كما ترى في تلك الأبيات الرائية التي يرويها الأصمعي لتأبط شرا، والتي يتحدث فيها عن اهتدائه إلى شعب في أعماق الصحراء المجهولة بصعاليكه دون أن يهديه إليه دليل أو يصفه له خبير١، وكما نرى في هذه الأبيات القوية من لامية العرب:
وخرق كظهر الترس قفر قطعته ... بعاملتين، ظهره لي يعمل
وألحقت أولاه بأخراه موفيا ... على قنة أُقعي مرارا وأمثل
ترود الأراوي الصحم حولي كأنها ... عذارى عليهن الملاء المذيل
ويركدن بالآصال حولي كأنني ... من العصم أدفى ينتحي الكيح أعقل٢
فالشاعر في هذه الأبيات يصف الصعلوك بأنه يخترق الصحراء النائية الخالية التي لا يطرقها أحد، معتمدا في اختراقها على رجليه القويتين السريعتين، حتى يصل إلى منازل الوعول البعيدة التي لم تعد تنكره، لكثرة ما خالطها، حتى كأنه واحد منها.
والناظر في أخبار هؤلاء الصعاليك، المتتبع لظروف نشأتهم وحياتهم، يستطيع أن يلاحظ في وضوح ثلاث طوائف مختلفة تتألف منها عصاباتهم:
طائفة "الخلعاء والشذاذ" الذين أنكرتهم قبائلهم، وتبرأت منهم، وطردتهم من حماها، وقطعت ما بينها وبينهم من صلة، وتحللت بهذا من العقد الاجتماعي الذي يربط بينها وبينهم، والذي يصوره المثل العربي القديم "في الجريرة تشترك العشيرة"٣، فأصبحت لا تحتمل لهم جريرة، ولا تطالب
стр. 48
بجريرة يجرها أحد عليهم، مثل حاجز الأزدي١، وقيس بن الحدادية٢، وأبي الطمحان القيني٣.
وطائفة "الأغربة" السود الذين سرى إليهم السواد من أمهاتهم الإماء، فلم يعترف بهم آباؤهم العرب، ولم ينسبوهم إليهم؛ لأن دماءهم ليست عربية خالصة، وإنما خالطتها دماء أجنبية سوداء لا تصل من درجة نقائها إلى درجة الدم العربي، مثل تأبط شرا٤، والشنفرى٥، والسليك بن السلكة٦.
ثم طائفة الفقراء المتمردين الذين تصعلكوا نتيجة لتلك الظروف الاقتصادية المختلة التي كانت تسود المجتمع الجاهلي، ويمثلهم عروة بن الورد ومن كان يلتف حوله من فقراء العرب، وكذلك تلك المجموعة الكبيرة من صعاليك هذيل.
من هذه الطوائف الثلاث تألفت عصابات الصعاليك، وهي عصابات قطعت ما بينها وبين قبائلها من صلات، وانطلقت إلى الصحراء، كما تنطلق الذئاب الجائعة، لتشق لنفسها طريقا في الحياة، وقد جمع بينها -على اختلاف قبائلها- الفقر، والتشرد، والتمرد، والكفر بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية التي يؤمن بها المجتمع الذي خرجت عليه، والإيمان بأن الحق للقوة، وأن الضعيف ضائع حقه في هذا المجتمع.
والظاهرة الواضحة في حياة هؤلاء الصعاليك -على اختلاف الدوافع التي دفعتهم إلى حياة التصعلك- هي أنهم جميعا فقدوا توافقهم الاجتماعي. وظاهرة "التوافق الاجتماعي"٧ هي الظاهرة التي يقرر علماء الاجتماعي أنها الأساس
стр. 49
الذي تقوم عليه الصلة بين الفرد والمجتمع، بحيث يكون عمل الفرد من أجل صالح المجموع، كما يكون عمل المجموع لصالح الفرد. وفقدان هذا "التوافق الاجتماعي" ينتهي بالفرد عادة إلى أن تكون صلته بمجتمعه قائمة على أساس "السلوك الصراعي"١، وذلك لأن في كل مجتمع تيارين متضادين: أحدهما يتصل بالفرد، والآخر يتصل بالمجتمع، ووجود هذين التيارين يستدعي وجود نوعين من الصلة بين الفرد والمجتمع، فإما أن يكون بينهما "وفاق"، وإما أن يكون بينهما "صراع"، وهذان النوعان من الصلة بين الفرد والمجتمع هما ما اصطلح علماء الاجتماع على تسميتهما "بالسلوك التعاوني"٢، "والسلوك الصراعي"٣.
ومن الطبيعي أن تكون الأسباب التي جعلت هذه الطوائف المختلفة من الصعاليك تفقد توافقها الاجتماعي أسبابا مختلفة، وذلك لاختلاف "المشكلة النفسية" التي تواجهها طائفة منها عن المشكلة التي تواجهها طائفة أخرى.
ولكن هذه المشكلات -على اختلافها- كانت تنتهي بطوائف الصعاليك جميعا إلى هذا "اللاتوافق الاجتماعي" الذي كان يدفعها إلى أن يكون سلوكها الاجتماعي "سلوكا صراعيا".
والآن، بعد هذه الجولة الواسعة خلف أخبار "صعاليك العرب" وأشعارهم، في كتب اللغة، وفي مصادر الأدب العربي، نقف لنسجل النتيجة التالية:
تدور كلمة "الصعلكة" في دائرتين: دائرة لغوية، ودائرة اجتماعية. وتبدأ الدائرتان من نقطة واحدة هي الفقر، فأما الدائرة اللغوية فتنتهي حيث بدأت، يبدأ الصعلوك فيها فقيرا، ويظل في نطاقها فقيرا، يخدم الأغنياء
стр. 50
أو يستجديهم فضل مالهم، ثم يموت فقيرا، وأما الدائرة الاجتماعية فتتسع وتبعد عن نقطة البدء لتنتهي، أو لتحاول أن تنتهي، بعيدا عنها، يبدأ الصعلوك فيها فقيرا، ثم يحاول أن يتغلب على الفقر الذي فرضته عليه أوضاع اجتماعية أو ظروف اقتصادية. وأن يخرج من نطاقه ليتساوى مع سائر أفراد مجتمعه، ولكنه -من أجل هذه الغاية- لا يسلك السبيل التعاوني. وإنما يدفعه "لا توافقه الاجتماعي" إلى سلوك السبيل الصراعي، فيتخذ من "الغزو والإغارة للسلب والنهب" وسيلة يشق بها طريقه في الحياة، فيصطدم بمجتمعه الذي يرى في هذه الفوضوية الفردية مظهرا من مظاهر التمرد. وتنقطع الصلة بين المجتمع والصعلوك، فيتخلى المجتمع عنه، ويحرمه حمايته، ويعيش الصعلوك خليعا مشردا، أو طريدا متمردا، حتى يلقى مصرعه، فأما أعداؤه فقد استراحوا من هذا الفزع الذي كانوا يترقبونه في كل حين، كما يترقب غائبا منتظرا أهله -على حد تعبير عروة- وأما أصدقاؤه فقد سقط أحدهم في سبيل فكرته بعد أن أدى رسالته في هذه الحياة.
وإذا كنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة عن طريق استعراض هذه الظاهرة في مصدرها الأول، وهو المجتمع الجاهلي، فإن في صنيع اللغويين ما يؤيدنا فيما وصلنا إليه، حيث أشاروا إلى جانب خاص من المادة اللغوية عبروا عنه بصعاليك العرب، ولنا إذن أن نقول: إن ما عبر عنه اللغويون "بصعاليك العرب" هو ما نعبر عنه "بصعاليك الدائرة الاجتماعية".
وإذ نلاحظ أن المتصلين بمشكلة الفقر والغنى وتوزيع الثروة في المجتمع الجاهلي قد أشاروا على ألسنة شعرائهم إلى طائفتين من الصعاليك، فمدحوا إحداهما "لله هي"، وذموا الأخرى "لحاها الله"١، نستطيع أن نقول في ضوء هذه النتيجة التي وصلنا إليها إن هناك نوعين من الصعاليك:
الصعلوك العامل وهو الذي يمثل صعاليك الدائرة الاجتماعية.
والصعلوك الخامل وهو الذي يمثل صعاليك الدائرة اللغوية.
стр. 51
فالمسألة إذن ليست مسألة لغوية فحسب، يرجع فيها إلى كتب اللغة، وإنما هي -إلى جانب هذا- ظاهرة اجتماعية يرجع فيها إلى المجتمع الجاهلي، وما كان ينطوي عليه من عوامل عملت على ظهورها، والاتجاه بها إلى تلك الاتجاهات التي اتجهت إليها.
ولكن ما هذه العوامل؟ وما هذه الاتجاهات؟
هذا ما سنحاول دراسته في الفصول التالية من هذا الباب.
стр. 52
الفصل الثاني: التفسير الجغرافي لظاهرة الصعلكة
١- أهمية العامل الجغرافي:
حين نقف عند الجانب الجغرافي من ظاهرة الصعلكة، فإنما نقف عند أول عامل من العوامل التي عملت في نشأتها وتوجيهها وطبعها بطابع خاص. ففي كل مشكلة من مشكلات التاريخ يعمل عاملان أساسيان: الإنسان، والبيئة الجغرافية، وترجع أهمية العامل الجغرافي إلى أنه يعمل في قوة وإلحاح، فهو قوة ثابتة لا تكف عن العمل١، والإنسان -على حد تعبير بعض الباحثين- غلة من غلات سطح الأرض٢.
والظاهرة التي نحن بصدد دراستها وتفسيرها اتخذت من البادية العربية مسرحا لها، وكان ارتباطها بهذا "المسرح الجغرافي" وثيقا، تأثرت به في نشأتها، وتكيفت معه في اتجاهاتها، ولعل في دراسة هذا "المسرح الجغرافي" أولا ما يعيننا على فهم الدور الذي قام به أبطال قصتنا "الصعاليك".
стр. 53
٢- جزيرة العرب:
يميز الدارسون لتاريخ غربي آسيا بين حملة الحضارة سكان السهول والتلال المنخفضة، وبين الشعوب المتأخرة سكان الجبال والصحاري١، ويلاحظون أن المدنية في هذا الجزء من العالم هي تلك التي تعرف باسم "حضارة وديان الأنهار"، القائمة على الزراعة، التي تصطنع وسائل صناعية للري، تغذيها أنهار ذات فيضان موسمي، وهذه الحضارة تقف عند المستوى الذي يمكن رفع الماء إليه، ومن هنا يصبح هذا المستوى الحد الفاصل بين الأقاليم المستقرة ومناطق القبائل الرعوية٢.
وتمثل البادية العربية "تلك الرقعة من الجنوب الغربي لآسيا التي لم تدخل في نطاق حضارة وديان الأنهار، والتي أبطأ سكانها -نتيجة لذلك- في مدارج التقدم الحضاري"٣، شأنهم في ذلك شأن سكان الصحاري "أطفال العالم الخالدين"٤، وأولئك الذين لا تتغير حياتهم مع تغير الزمن.
والمنظر العام لهذا "المسرح الجغرافي" الذي دارت عليه قصة صعاليك العرب منظر "نجد تحيط به صحراء، رملية في الجنوب والغرب والشرق، وحجرية في الشمال، وتطوق هذا النطاق الخارجي سلسلة من جبال، أكثرها منخفض قاحل، ولكنها في اليمن وعمان ذات ارتفاع كبير واتساع وخصب، ومن وراء هذه الجبال حافة ساحلية ضيقة يحدها البحر"٥. وينحدر هذا المسرح الجغرافي "من الغرب إلى الشرق؛ إذ إن معظم الجبال في الغرب، وإن تكن طائفة من المرتفعات في الجنوب الشرقي، في عمان، تعد شذوذا لهذه القاعدة"٦.
ومن أظهر ما عرفت به بلاد العرب منذ القدم الجدب والحر؛ إذ "تقع الجزيرة العربية كلها تقريبا داخل نطاق الحرارة القصوى الذي يطوق العالم في شهر يوليه"٧. ويرد الجغرافيون هذا إلى أن قسما كبيرا منها يقع في منطقة
стр. 54
الرهو المدارية ذات الضغط العالي والمطر القليل، والقسم الآخر يقع في حيز الرياح التجارية الشمالية الشرقية الجافة، التي تزداد حرارتها كلما تقدمت إلى الجنوب. "ويزداد هذا الحر قسوة فوق المنطقة الساحلية بسبب الرطوبة التي تنشأ عن كمية البخار الهائلة المتصاعدة من مستنقعات المياه المغلقة"١ أما فوق المرتفعات فإن درجة الحرارة تنخفض حتى ليوجد الجليد أحيانا في ليالي الصيف فوق الجبال جنوبي مكة٢.
ومن عوامل الجدب قلة المطر، وذلك لأن الرياح الموسمية الجنوبية الغربية التي تتعرض لها الجزيرة العربية صيفا تصل إليها بعد أن تكون قد أسقطت أمطارها الغزيرة على الحبشة، ولهذا فإن أمطارها في بلاد العرب لا تكاد تذكر بجانب ما يسقط منها في الحبشة.
وإلى جانب هذه القلة في كمية المطر نلاحظ أنه يسقط في فترات متباعدة جدا، وغير منتظمة، حتى إن بعض أجزاء الجزيرة العربية لا يسقط المطر فيها إلا كل ثلاث سنوات أو أربع.
وترتبط حياة أهل الصحراء بالمطر ارتباطا وثيقا حتى لقد سموه غيثا وحيا، ويصفه الله تعالى بأنه "رحمته"٣، ومن صلوات الإسلام "صلاة الاستسقاء" التي يقيمها البدو حين تُخلف النجوم، وتجمد الرياح، ويحتبس المطر، فتحيا بها بعد موتها. وليس من شك في أن فرحة البادية بالمطر عظيمة، حتى ليصف الله تعالى تأثيره في نفوس أهلها بأنه ﴿إِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون﴾ ٤، وحتى ليقف الشعراء من السحاب والبرق والمطر تلك الوقفات الطويلة الجميلة التي سجلوها في شعرهم، فيخلع امرؤ القيس
стр. 55
فرحته بالمطر على ما حوله من مظاهر الطبيعة فيجعل مكاكي الحواء غب المطر في نشوة غامرة كأنما "سقين سلافا من رحيق مفلفل"، ويدعو الباكون لموتاهم بأن يسقي الغيث قبورهم، ويسأل المحبون لديار أحبابهم أن يسقيها "صوب الربيع وديمة تهمي".
ومن أشد ما تقاسيه البادية العربية احتباس المطر، فمتى احتبس أصبحت غير صالحة للسكنى، فقد حل الجفاف "وما يتبعه من نفوق القطعان، وهلاك الرعاء"١، وأجدب البدو وضاقت أمامهم سبل الحياة، ولم يعد أمامهم إلا أن يرحلوا عن مواطنهم ينتجعون مواطن الكلأ والماء، حتى لقد يدفعهم الجدب إلى مغادرة البادية العربية كلها إلى تلال اليمن والشام أو إلى سهول النيل والفراتين٢. وفي الأخبار القديمة أن بطونا من خزاعة "خرجوا جالين إلى مصر والشام لأنهم أجدبوا"٣، وأن بني شيبان أصابتهم "سنة ذهبت بالأموال، فخرج رجل منهم بعياله حتى أنزلهم الحيرة، فقال لهم: كونوا قريبا من الملك يصبكن من خيره حتى أرجع إليكن، وآلى ألية لا يرجع حتى يكسبهن خيرا أو يموت"٤، وقد يرفض بعض هؤلاء المهاجرين العودة إلى ديارهم بعد سقوط المطر وعودة الحياة إلى البادية، ضيقا بهذه البيئة المتقلبة، ورغبة في الاستقرار والحياة المطمئنة، ففي أخبار تلك البطون من خزاعة أنهم مضوا في هجراتهم، "حتى إذا كانوا ببعض الطريق رأوا البوارق خلفهم، وأدركهم من ذكر لهم كثرة الغيث والمطر وغزارته"، فرجع فريق منهم إلى أوطانهم واستمرت قلة في هجرتها٥. وفي رأي بعض الباحثين أن السبب الأول في هجرة القبائل اليمنية إلى الشمال يرجع إلى تغير مناخي٦، وأن
стр. 56
تدهور الحضارات القديمة، وتشتت القبائل، وانبعاث الهجرات من تلك الجهات، في العهد السابق للإسلام مباشرة، مرتبط على ما يظهر ارتباطا وثيقا بتغيرات المناخ، وذبذباته، وعودته إلى الجفاف النسبي بعد الحالة الممطرة١.
ويلاحظ الدارسون أن هذه القدرة على هجرة الجماعات الرعوية، إنسانها وحيوانها، إلى مراع جديدة ميزة هامة تمتاز بها هذه الجماعات، ويلاحظون أن هذا يتم في سهولة ويسر، ما لم تكن في الأرض الجديدة جماعة أكبر عددا، وأشد بأسا من الجماعة المهاجرة٢. ويرد بعضهم هذه السهولة وهذ اليسر إلى أن كمية المطر القليلة التي تسقط في الصحراء لا تساعد على نمو الغابات التي تقوم حاجزا في طريق الهجرات٣.
ومما يزيد من قسوة الحياة في أيام الجفاف اقترانها في الغالب بريح السموم، تلك الريح المهلكة٤ التي تشوى منها الصحراء كما يقول الشاعر القديم٥.
ويرجع السبب الأساسي في هذه الحالة القاسية التي تعانيها الصحراء إلى قلة الماء "فليس في البادية العربية أنهار دائمة الجريان، وإنما هي أودية تمتلئ بالماء في مواسم المطر، ويغيض ماؤها بعد ذلك"٦، وموسم المطر في البادية
стр. 57
العربية قصير١، ومن هنا كان جفاف هذه الأودية طويلا "فهي في العادة تظل جافة تسعة أشهر أو عشرة في العام"٢.
ولكن الحال في اليمن تختلف، وذلك لأن "الغدران الساحلية تكثر فيها في أثناء فصل الأمطار، وقد تمتلئ في بعض الأحيان فجأة إلى درجة الفيضان، فتندفع جارفة أمامها كل شيء، وتسمى في هذه الحالة سيولا"٣، ويحدثنا امرؤ القيس في معلقته عن سيل من هذه السيول اقتلع الأشجار الضخمة، وأنزل العصم من رءوس الجبال، وجرف النخل والأجم، وأغرق السباع حتى بدت فيه كأنها "أنابيش عنصل"، بل إنه أحاط ببعض الجبال حتى بدت قممها كأنها "من السيل والغثاء فلكة مغزل" وفي أغلب الظن أن هذا الوصف ليست فيه مبالغة كبيرة، وأنه ليس خيال شاعر، فأحد هذه السيول هو الذي جرف أمامه سد مأرب المشهور، كما يحدثنا القرآن الكريم٤، ولم يكن هذه السد بالبناء الهين الشأن، وإنما كان سدا أصم طوله من الشرق إلى الغرب نحو ثمانمائة ذراع، وارتفاعه بضعة عشر ذراعا، وعرضه مائة وخمسون ذراعا٥.
وقد وقف سكان الجزيرة العربية من هذه المياه التي تتدفق بها الصحراء في مواسم المطر موقفين، هما موقفا الحضارة والبداوة: أما أهل اليمن فقد استطاعوا استغلال هذه المياه المتدفقة، فأقاموا السدود في عرض الأودية لحجز السيول، والانتفاع بمياهها في إحياء موات الأرض، ويصف القرآن الكريم مسكن سبأ بأنه ﴿جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ ٦، وقد استغل اليمنيون هذه الظاهرة الطبيعية استغلالا واسعا "فلم يدعوا واديا يمكن استثمار جانبيه بالماء إلا حجزوا سيله بسد،
стр. 58
فتكاثرت الأسداد بتكاثر الأودية حتى تجاوزت المئات"١، ويذكر الهمذاني أن في أحد مخاليف اليمن ثمانين سدا أشار إليها بعض شعرائهم٢.
أما أهل البادية في الحجاز ونجد فقد تركوا السماء تمطر فتحيي لهم ما تحيي من الأرض، فإذا زادت مياهها عن الحاجة ذهبت بها رمال الصحراء، حتى إذا ما انقضى فصل المطر عادت الطبيعة لجدبها، وعادت الحياة لجفافها، وعاد القوم لظمئهم وقحطهم. ويبدو أن السبب في هذا يرجع إلى طبيعة الظاهرة الجغرافية نفسها، فإن تلك السيول التي عرفتها أودية اليمن لم تعرفها البادية العربية في الحجاز ونجد -بحكم ظروفها الجغرافية- إلا نادرا، هذا إلى جانب أن أكثر أهل الحجاز ونجد كانوا بدوا لم يصلوا من الحضارة إلى درجة التحكم في هذه السيول والانتفاع بها.
ومع ذلك فليست الجزيرة العربية كلها جدبا، وإنما هناك مناطق خصبة، وقد رأينا خصب اليمن التي يسميها الهمداني "اليمن الخضراء" لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها٣.
ويذكر الجغرافيون من هذه المناطق الخصبة هضبة نجد العالية٤، التي ترتفع عن سطح البحر زهاء أربعة آلاف قدم، والتي تكسو أغلبها مراع خصبة، وتنتشر فيها الاشجار، ومن هنا اشتهرت بنتاج غنمها وإبلها وخيلها٥، ويرجع السبب في هذه الخصب إلى وفرة المياه التي "توجد في كل مكان، في آبار لا يتجاوز عمقها خمسة عشر قدما وقد يقل عنها"٦، كما أن قممها التي يتجاوز ارتفاعها خمسة آلاف قد تساعد على تجميع المياه٧.
стр. 59
ولا تخلو سلسلة جبال السراة التي تمتد على طول الساحل الشرقي للبحر الأحمر "ما بين أقصى اليمن والشام"١ من مناطق خصبة، هي بعض تلك الأودية التي تقطع السراة إلى تهامة حتى تنتهي إلى البحر٢، حتى لنجد أن اسم واحد منها "وادي الجناب" وهو -كما يدل عليه اسمه- واد شديد الخصب٣، وهناك من هذه الأودية الشديدة الخصب وادي نخلة٤، ووادي نحيان٥، ويصف الهمداني سراة الحجر بالخصب الشديد٦.
ووفقا لقانون جغرافي تعرفه البادية يجعل من مناطق الخصب والماء مناطق استقرار للقبائل، نزلت القبائل في هذه الأودية الخصبة، وأقاموا القرى، ففي وادي باحان "القرى والزرع"٧، وبالقرب من وادي الجناب قرية النبيرة وهي "كثيرة الأعناب والفواكه والغيول الحاملة"٨.
حتى الحجاز -ذلك الإقليم الجبلي الرملي- يشتمل على بقاع خصبة، هي تلك الكثبان والربى الخصبة التي تتخلله، والتي تخرج سفوحها حبا، وشيئا من الفاكهة، وكلأ للقطعان، وينابيع من ماء دائم٩، ووفقا لقانون البادية الجغرافي السابق اتخذت القبائل من هذه الكثبان والربى الخصبة منازل لها، ومن حولها قامت القرى١٠، وحسبنا أن نذكر من هذه القرى الطائف "جنة مكة"١١ "ومصيف المكيين المترفين"١٢ حينما يشتد بهم صيف مكة الذي
стр. 60
لا يطاق، وذلك لأنها لا تبعد عنها أكثر من سبعين ميلا١، ولم يكن الطائف مصيف أهل مكة وحدهم، وإنما كانت مصيفا لغيرهم من القبائل حتى البعيدة عنها، فقد كانت بعض القبائل تقبل إليها من نجد، كما كان يفعل بنو عامر بن صعصعة الذين كانوا يتصيفونها "لطيبها وثمارها، ويتشتون بلادهم من أرض نجد"٢، وتقوم الطائف قريبا من ربوة من تلك الربى الخصبة٣ فوق تلال غزوان٤، وتلتف بها الجنات والكروم٥، وشهرة كرون الطائف وأعنابها شهرة قديمة عرفت بها٦. ومن مصادر خصب الطائف الأساسية وفرة المياه فيها "فالأمطار الموسمية تدوم بها من أربعة أسابيع إلى ستة، وعندما تنقطع تكثر الآبار التي تصلح لسقي حدائقها"٧، هذا إلى طبيعة جوها الذي يساعد على نمو كل الفاكهة التي يعرفها جنوبي أوربا٨، فالحرارة في أوقات الظهيرة ليست ثقيلة، والليالي ذوات جو منعش٩.
ومن مناطق الخصب في الجزيرة العربية أيضا يثرب والوديان التي حولها، فقد اشتهرت الوديان الواقعة في هذه المنطقة البركانية، منطقة الحرات، بخصبها الشديد بالنسبة إلى ما حولها١٠. ومرد خصب هذه المنطقة إلى أمرين: طبيعة الأرض، فإن تفكك الصخور البركانية فيها يحفظ على الأرض خصبها، ثم وفرة المياه، فهناك وادي إضم، والآبار، والصخور البركانية التي تجمع
стр. 61
المياه، وهي كلها مصادر غنية بمياهها١.
وتشتهر هذه المنطقة بصفة خاصة منذ أقدم العصور بزرعة النخل٢، ويطلق عليها عروة بن الورد في شعره "منبت النخل٣"، وفي شعر حسان بن ثابت وصف جميل لهذه البيئة الخصبة٤.
وفي شمالي يثرب تقع حرة خيبر، أكبر الحرات في الجزيرة العربية٥، التي تدين بوجودها إلى غزارة مياهها، وإلى تحلل صخورها البركانية، والتي تشتهر بخصبها وكثرة مزارعها ونخلها٦.
وفي جنوبي يثرب وادي العقيق ذو العيون والنخيل٧ بمصايفه ومتنزهاته المحجبة في خضرته٨.
стр. 62
٣- التضاد الجغرافي وأثره في نشأة حركة الصعاليك:
هذه هي الصورة العامة "للمسرح الجغرافي" الذي دارت عليه قصة صعاليك العرب، كما نراها من الزوايا التي تفسر لنا مشاهدها، وهي صورة خلاصة ما يقال فيها إنها تجمع لونا من "التضاد الجغرافي" يلفت النظر، ويجدر بنا أن نقف عنده لأن فيه مفتاحا من مفاتيح هذه القصة، ولأنه يكشف لنا جانبا من الستار عنها.
والخطوط الأساسية لهذه الصورة هي أنها منطقة صحراوية جبلية، عرفت الأغوار المنخفضة ذات الحرارة الشديدة، والجبال العالية ذات القمم الثلجية، وعرفت بينهما مناطق رملية مترامية الأطراف كثيرة المجاهل والمخاوف. ثم هي منطقة عرفت الجدب الذي تتعذر معه الحياة، حتى يضطر أهلها إلى الهجرة، والخصب الذي يغري الناس على الاستقرار وإقامة القرى، وعرفت المطر يحتبس حتى تصبح البادية غير صالحة للسكن، والسيول تتدفق حتى تجرف أمامها كل شيء، وعرفت البرد الذي يعقد ذنب الكلب، والحر الذي يذيب دماغ الضب، ويطبخ الإبل ويشويها.
وكان لهذا "التضاد الجغرافي" أثره في نفوس سكان الجزيرة العربية، فقد أوجد في شخصياتهم لونا من "التضاد النفسي" اصطبغت عناصره بما في البيئة الجغرافية من لوني المبالغة وعدم الاستقرار. وظهر هذان اللونان الصارخان في نفوس البدو في كلا الجانبين الأخلاقيين: جانب الخير وجانب الشر، فالبدوي لا يعرف القصد لا في الخير ولا في الشر، مبالغ في عداوته، مبالغ في محبته، لا يتورع من الغدر، ولكنه إذا عاهد على الوفاء بذل حياته في سبيل عهده، يغزو وينهب حتى يكاد يفقد حياته، ثم يوزع ما يغنمه على سواه.
والبدوي -إلى جانب هذا- يأنف من حياة الاستقرار، ويرى الدارسون أن "كل جانب من جوانب الحياة البشرية في الصحاري يحمل طابع الحركة"١، وأن "القاعدة التي تقوم عليها حياة البدو قاعدة متقلقلة"٢. ومن هنا احتقر البدو الزراعة٣، ويذكر ابن خلدون أنها "من معاش المتضعين وأهل العافية من البدو"٤، واحتقروا الصناعة٥، وعند ابن خلدون أن "العرب أبعد
стр. 63
الناس عن الصنائع"١. وآمنوا بأن الرعي والتجارة والصيد والنهب هي وحدها الأعمال التي تليق بالرجال٢، وهي كلها أعمال بعيدة عن الاستقرار.
ونستطيع بعد هذه النظرة العامة أن نركز الضوء على أبطال قصتنا، صعاليك العرب، حيث يتحركون على هذا المسرح الجغرافي الذي رسمنا خطوطه الأساسية، لنتبين كيف تأثرت حركتهم به، وكيف تكيفت معه.
أول ما نلاحظه أن هذه البيئة الجغرافية كانت عاملا أساسيا في وجود الفقر من ناحية، وفي الإحساس به من ناحية أخرى.
فهذه البيئة الصحراوية ذات المناخ الحاد، والموارد الطبيعية المحدودة، التي تعتمد على المطر تجود به السماء في فترات متباعدة غير منتظمة، والتي يسيطر عليها الجفاف والجدب أكثر شهور السنة، والتي تقع تحت وطأة الطبيعة مباشرة، فلا يجد أهلها إذا ما اشتدت عليهم إلا الهجرة، عامل فعال في وجود الفقر.
ويلاحظ الدارسون أن "البدوي والعوز صاحبان ألف كل منهما صاحبه"٣، وأن "الفقر مكان الشظف والسغب". وأن "نكد العيش وشظف الأحوال وسوء المواطن" التي اختص بها أهل البادية أمور "حملتهم عليها الضرورة التي عينت لهم تلك القسمة"٤، وأن الظروف الاجتماعية التي تسود البيئة الصحراوية توصد أبواب الرزق في وجوه أبنائها، وتجعل من العمل في سبيله مهمة شاقة غير مثمرة، فهي حياة تعرف الكدح الكثير، ولكنها تضيع ثمرته٥. "فهذه السهول القاحلة تحول دون نمر الثروة الإنتاجية، فيما عدا قطعان الغنم والماشية، بل إنها تحد من نمو هذه القطعان نفسها، نظرا لقلة ما تقدمه لها مراعيها الهزيلة المتفرقة من غذاء، وهو غذاء لا يتجاوز تلك
стр. 64
الحشائش والأعشاب وما يشبهها من أنواع النبات التي تحتمل جفاف صيف طويل، والتي تحتاج إلى وقت قصير لنموها"١. وهكذا انحصرت حياة البدو دون تدخل منهم في الرعي، ما دامت الموراد الطبيعية التي لديهم قد حصرت ثروتهم في هذه القطعان. ومع ذلك فإن هذه الثروة النسبية التي يملكها البدوي ليست بالثروة المضمونة البقاء فإن "وباء ينتشر بين قطعانه، أو جدبا في المراعي، أو جفافا في الآبار، يضعه وجها لوجه أمام المجاعة، ويدفعه دفعا إلى السرقة والنهب"٢.
وكما كانت هذه البيئة الطبيعية عاملا في وجود الفقر كانت عاملا في إحساس الفقراء إحساسا قويا به، حين أوجدت في جوار المناطق المجدبة مناطق خصبة، مما أشعر أبناء المناطق المجدبة بأن الحياة لم تحرم الناس جميعا كما حرمتهم، وإنما أغدقت على طائفة من الناس ماء لا ينضب، وكلأ لا يجف، وثروة لا تهددها الطبيعة في كل لحظة بالفناء، بقدر ما سلطت عليهم من سياط الحرمان جفافا وجدبا وفقرا. والنتيجة النفسية لهذا -كما يقرر علماء النفس- نشأة "عقدة الفقر" في نفوسهم. ولو أن الطبيعة سوت بين أهل البادية جميعا في الفقر لما أحس أحد هذه الفوارق الطبقية التي تثير في نفوس الطبقة الفقيرة الثورة والتمرد، وهذا معنى قولنا إن ظاهرة "التضاد الجغرافي" تحمل مفتاحا من مفاتيح قصة صعاليك العرب.
ثم إن هذه البيئة الجغرافية خلقت من أبنائها رجالا أقوياء. فالصحراء -كما يقرر الدارسون- تربي في نفوس أبنائها "صفات الشجاعة والجرأة، والكبرياء العنيدة، كبرياء الرجال الأحرار"٣، "وحياة الصحراء بما فيها من مخاطرة، واعتماد على النفس، تجعل من العربي أشجع الجنس البشري"٤،
стр. 65
"وأهل البدو" -كما يذكر ابن خلدون١- "أقرب إلى الشجاعة من أهل الحضر ... قد صار لهم البأس خلقا والشجاعة سجية"، ومرد هذا عنده إلى حياتهم التي يحيونها في البيداء، والإنسان "ابن عوائده ومألوفه".
وقد رأينا أن هؤلاء الرجال الأقوياء من أبناء الصحراء يرفضون الاعتماد في حياتهم على الزراعة أو الصناعة، ولا يجدون سبيلا للعيش إلا في الرعي أو التجارة أو الصيد أو النهب، ورأينا في الفصل السابق كيف كان صعاليك العرب يرفضون الرعي؛ لأنهم يرون فيه عملا من أعمال العبيد الأذلاء، أما التجارة فلم يكن للصعاليك مجال فيها؛ إذ هي تعتمد قبل كل شيء على رأس مال يُستغل فيها، وأنى لهؤلاء الفقراء رأس المال الذي يصلح للاستغلال التجاري؟ وإذن لم يبق أمامهم سوى الصيد والنهب، وقد اعتمدوا عليهما جميعا، وهما -كما نرى- سبيلان للعيش متشابهان، أو هما فرعان لأصل واحد هو الاغتصاب.
هكذا خلقت الصحراء هؤلاء الرجال الأقوياء، ووضعتهم في بيئتها الفقيرة، وضيقت عليهم موارد العيش، وأوجدت في جوارهم بيئات خصبة تفيض بالمال والثراء، فلم يكن هناك مفر من النتيجة التي تنتج من تفاعل هذه العوامل معا، وهي "الغزو والإغارة للسلب والنهب".
وانتشر صعاليك العرب في البادية يقطعون طرقها، وينهبون ويسلبون، ويثيرون في أرجائها الرعب والفزغ، ويغيرون على المناطق الخصبة، ويهددون أهلها في ثروتهم وحياتهم، ويعترضون القوافل التجارية، حتى لتضطر إلى أن تخرج مسلحة في حرس شديد، أو تحتاج إلى من يجيزها على المناطق الخطرة٢، وحتى لتتنكب القبائل العربية في اختيار منازلها مقانب العرب في سراياهم٣، ويحذر بعضهم بعضا من أن يتلعب به صعاليك العرب، وتتخطفه ذئابها، وتأكل ماله٤.
стр. 66
٤- التضاد الجغرافي وأثره في توجيه حركات الصعاليك:
وتتدخل ظاهرة "التضاد الجغرافي" مرة أخرى لترسم لهؤلاء الصعاليك المغامرين طريقهم، وتحدد لهم مناطق نشاطهم، فتكون هي تلك المناطق الخصبة التي تعرفها الجزيرة العربية.
ويلاحظ الدارسون أن هذه الصراع هو الصلة الجغرافية الطبيعية بين الصحاري المقفرة والوديان الخصبة، بين أرض الفقر وأرض الثراء١، فمنذ أقدم العصور، وهذا النطاق الصحراوي الذي يطوق الدنيا القديمة، يرسل على الوديان الخصبة المجاورة موجات متلاحقة من القبائل المغيرة الباحثة عن الخصب في تلك الأرض الطيبة، عندما تقل لديها موارد الرزق، ويحرق جفاف الصيف المراعي، ويجفف موارد المياه٢. وليس من الممكن أن يعيش بدو الصحاري وحضر السهول الزراعية في أي مكان متجاورين في سلام وإنما هي الغارات والاعتداءات والثارات٣، حتى ليعد هذا النطاق الصحراوي منطقة تقدم لكل أعداء النظام الحماية والأرض الصالحة للتجنيد٤.
هكذا اتخذ صعاليك العرب من مناطق الخصب في الجزيرة العربية أهدافا لهم يتجهون إليها، ومناطق نشاط يعملون فيها، حتى إننا لو رسمنا مصورا جغرافيا لحركات الصعاليك في الجزيرة العربية، ووضعنا عليه السهام التي تبين الاتجاهات -كما يفعل أصحاب الخطط الحربية- لوجدنا هذه السهام تخرج من مناطق الجدب، وتتجه رءوسها إلى مناطق الخصب. ويذكر تأبط شرا أن أهدافه هي تلك المزارع الخصبة حيث الماء والزرع والماشية:
стр. 67
فيوما على أهل المواشي، وتارة ... لأهل ركيب ذي ثميل وسنبل١
ويصرح أبو خراش بمثل هذه الأهداف:
لست لمرة إن لم أوف مرقبة ... يبدو لي الحرف منها والمقاضيب٢
وفي أخبار السليك أنه خرج في بعض غزواته يتتبع الأرياف٣.
وقد لاحظنا أن أهم مناطق الخصب في الجزيرة العربية هي اليمن، ونجد، وبعض مناطق السراة، ويثرب والوديان المحيطة بها. ونستطيع أن نقول -ونحن مطمئنون- إن كل هذه المناطق، بدون استثناء، تعرضت لغزوات الصعاليك.
وقد توزع نشاط الصعاليك بين هذه المناطق، حتى ليوشك أن تكون لكل جماعة من جماعاتهم مناطق اختصاص يتركز فيها نشاطهم:
أما عروة بن الورد وصعاليكه، أو "فتيانه" كما كانوا يسمون أحيانا٤، فقد تركز نشاطهم الأساسي في منطقة يثرب وما يجاورها من شمالي الجزيرة العربية. وفي شعره وأخباره أحاديث كثيرة عن غزواته لهذه المنطقة. فهو يعلن صعاليكه مرة بأنهم لن يحققوا كل آماله، ولن يبلغوا أقصى همته، حتى يصلوا إلى يثرب منبت النخل فيغيروا عليها:
فإنكم لن تبلغوا كل همتي ... ولا أربى حتى تروا منبت النخل٥
وفي أبيات أخرى يتوعد الأوس، ويعلنهم بأنه سيترصد لهم بأحد الأودية حول يثرب:
стр. 68
فإلا أنل أوسا فإني حسبها ... بمنبطح الأدغال من ذي السلائل١
وفي أخباره أنه أغار على مزينة٢، ومنازل مزينة "جبال رضوى وقدس وآرة وما والاها وصاقبها من أرض الحجاز"٣ "وبين حرة بني سليم وبين المدينة"٤، بل إننا لسنا في حاجة إلى هذا التحديد، فإن قصة الغارة صريحة في أن مزينة كانوا يخالطون بني النضير٥، وعروة نفسه يذكر في شعره أنهم كانوا ينزلون "فويق بني النضير"٦، وبنو النضير كانوا بنواحي يثرب٧. وهذه المنطقة التي أغار عليها منطقة خصبة "فيها العيون والنخل والزيتون والبان والياسمين والعسل وضروب من الأشجار والنبات"٨. وفي أخباره أيضا أنه كان ينزل بصعاليكه في ماوان، ويجعل منها "نقطة ارتكاز" لغزواته في تلك المنطقة٩، وماوان واد فيه ماء بين النقرة والربذة في منطقة يثرب١٠، وهو يتحدث في بعض شعره عما كان يحدث له مع صعاليكه في هذه المنطقة١١، وفي أخباره أيضا أنه خرج بصعاليكه "متيامنا عن المدينة يريد أرض قضاعة، وقصد بلقين"١٢، وأنه في مرة أخرى خرج بهم غازيا "ومضى حتى انتهى
стр. 69
إلى بلاد بني القين فأغار عليها"١، ومنازل بني القين في أرض التيه٢ في الشمال الغربي من جزيرة العرب٣، وهو يعلن صعاليكه بأنه لن يستقر بهم حتى يروا "منبت الأثل"٤ ومنبت الأثل بلاد بني القين٥.
ومع ذلك فقد كان عروة يغير أحيانا على مناطق أخرى غير مناطق اختصاصه، وهو يصرح في شعره بأنه يغير أحيانا على نجد، وأحيانا على تهامة:
فيوما على نجد وغارات أهلها ... ويوما بأرض ذات شث وعرعر٦
وفي أخباره أنه أغار مرة على منازل هذيل٧، ومنازل هذيل في جبال السراة٨ جنوبي مكة٩، ولكن يبدو أن هذا كان نادرا، ولعله لم يكن يحدث إلا في حالات خاصة، فقصة غارته هذه لم تكن إلا لونا من التسلية أراد به أن يظهر براعته وسعة حيلته، وأن يبين للهذلي الذي أغار عليه مقدار غفلته، حتى ليرد عليه ما غنمه منه، لولا أن يأبى الهذلي ذلك إعجابا به١٠.
أما منطقة جبال السراة فيما بين مكة والطائف، وأول الطريق الصاعد إلى اليمن، فلعلها المنطقة التي شهدت أكبر عدد من صعاليك العرب، ويذكر الأصمعي أن بالحجاز والسراة من هؤلاء العدائين الذين يعدون على أرجلهم ويختلسون أكثر من ثلاثين١١، وأن بهذيل وحدها منهم أربعين١٢، ومرد
стр. 70
ذلك عندي إلى أربعة عوامل:
فهذه المنطقة، أولا، منطقة يظهر فيها "التضاد الجغرافي" ظهورا شديدا، حتى ليعدها الجغرافيون من المناطق التي يختلط فيها الرعي بالزراعة١. ففيها من المناطق ما يصفه القرآن الكريم بأنه واد غير ذي زرع٢، ويذكر بعض الدارسين أن ليس فيما يحيط بمكة من أرض ما يكفي لحياة سكانها٣، وليس في جميع جبال مكة -كما يذكر الجغرافيون- نبات إلا شيء يسير من الضهياء يكون في الجبل الشامخ، وليس في شيء منها ماء٤، ولكن في هذه المنطقة إلى جانب هذا مناطق شديدة الخصب، وقد رأينا منها الطائف، وتعد منطقة السراة جنوبي مكة أشد مناطق الحجاز خصبا٥، تنمو بها أشجار الصمغ والصنوبر والسرو٦، وقد قلنا إن ظاهرة التضاد الجغرافي تثير في نفوس الفقراء إحساسا قويا بالفقر يدفعهم إلى التمرد.
وهذه المنطقة، ثانيا، منطقة جبلية. وسكان المناطق الجبلية -في العادة- أشداء مغامرون متكبرون، أخذوا من الصخر شدته، ومن التواء الدروب حب المغامرة، ومن شموخ الجبال الكبرياء العنيدة التي ترفض الخضوع. ويقرر الدارسون للبيئات الجغرافية "أن سكان الجبال الذين لم
стр. 71
يأخذوا بقسط وافر من الحضارة، والذين لم تهيئهم أمزجتهم أو ظروفهم الاقتصادية الضيقة للهجرة، يحلون مشكلة نقص موارد الطعام بالإغارة على حقول جيرانهم الأغنياء ومخازتهم، حتى لتملأ غارات النهب تاريخ سكان الجبال الفطريين"١، ويذكرون أن سكان الجبال القدماء في الألب وشمالي إسبانيا والبلقان وإيطاليا والمرتفعات المحيطة بالفراتين، كلهم قطاع طرق، يعيشون على النهب والسلب، نظرا لجدب بيئتهم الطبيعية وما تسببه لهم من قلة موارد العيش وما يتبع ذلك من فقر وجوع٢.
وهكذا لم تكن القبائل العربية التي أنزلت في المناطق الجدبة من سلسلة جبال السراة بدعا في تاريخ العالم.
ثم إن هذه المنطقة، ثالثا، بحكم طبيعتها الجبلية تيسر وسائل الهرب والاختفاء والنجاة لهؤلاء الصعاليك، فما أيسر ما يجدون في دروبها الملتوية، وشعابها المتعرجة، وطرقها الصاعدة الهابطة، فرصا طيبة تساعدهم على الهرب، وما أكثر ما يجدون في كهوفها المتعددة، وثناياها الغامضة المحجبة، وصخورها العالية المتناثرة، أماكن صالحة للاختفاء.
ففي أخبار تأبط شرا أنه أغار ومعه ابن براقة على بجيلة، فلما خرجت في آثارهما "مضيا هاربين في جبال السراة، وركبا الحزن"٣، وفي أخبار مرة بن خليف٤ أنه غزا الأزد، "فأسند في جبل لهم منكر، ليجد فرصة فيغير"٥.
ثم إن هذه المنطقة، رابعا، تعرضت لظروف اقتصادية خاصة، سنعرض لها عند تفسيرنا الاقتصادي لظاهرة الصعلكة.
وأشهر الصعاليك الذين انتشروا في هذه المنطقة الجبلية صعاليك فهم وصعاليك هذيل، ومن انضم إلى أولئك وهؤلاء من خلعاء القبائل وشذاذها.
стр. 72
وقد قدمنا أن قبيلة هذيل كانت تنزل من تلك المنطقة الجيال جنوبي مكة، وكان لهم صدور أوديتها وشعابها الغربية١ التي تلي الرملة من تهامة٢، وكانت تجاورهم في جبالهم فهم٣، وكانت سراة فهم تجاور سراة ثقيف٤ التي تقع إلى جانب الطائف٥.
وقد اتجهت أكثر غزوات صعاليك هذه المنطقة إلى ديار بجيلة، وهي إحدى القبائل التي عرفت بالضعف٦. ويبدو أن من أسباب هذا نزول بجيلة "في حضرة الطائف"٧ هذا الأقليم الشديد الخصب، ومجاورتها سراة فهم نتيجة لذلك. ولهذا نلاحظ أن تابط شرا الفهمي، ورفاقه من صعاليك فهم، ومن شذاذ القبائل الذين كانوا يصحبونه، كانوا مفتونين بالإغارة على هذه المنطقة، ففي أخباره أنه خرج في عدة من فهم "حتى بيتوا العوص، وهم حي من بجيلة، فقتلوا منهم نفرا، وأخذوا لهم إبلا"٨، وأنه أغار "ومعه ابن براق الفهمي على بجيلة فأطردا لهم نعما"٩، وأنه خرج ومعه صاحبان له "يريدون الغارة على بجيلة"١٠، و"أنه خرج غازيا يريد بجيلة فأخذوا نعما لهم"١١، وفي أخبار صعاليك هذيل أنهم كانوا يغزون بجيلة أيضا١٢.
وقد اتجهت غزوات صعاليك هذيل إلى منطقة مكة أيضا، بحكم قربهم
стр. 73
منها، ففي أخبار الأعلم الهذلي أنه خرج "هو وأخواه صخر وصخير حتى أصبحوا تحت جبل يقال له السطاع"١، وهو جبل بينه وبين مكة مرحلة ونصف من جهة اليمن٢، وفي أخبار بعض الصعاليك الهذليين أنهم كانوا يغيرون على خزاعة٣، وكانت خزاعة تقيم بمكة٤، ولكن يبدو أن للمسألة جانب آخر اقتصاديا سنحاول استجلاءه في تفسيرنا الاقتصادي لظاهرة الصعلكة.
وقد كانت بين هذيل وفهم ثارات٥، فكان صعاليك كل من القبيلتين يغيرون على الأخرى، فيتربص بهم صعاليكها، وهكذا. وبيدو أن سر المسألة يرجع إلى الصراع بين الطائفتين على أهداف واحدة، وقد رأينا أن صعاليك هذيل كانوا يغيرون على بجيلة، هدف صعاليك فهم الأول، ويبدو أن كلا من لطائفتين كانت تريد أن تكون لها وحدها السيطرة المطلقة على هذه المنطقة الخصبة.
أما منطقة اليمن فقد عرفت أجزاؤها القريبة من الحجاز، وبخاصة ديار خثعم، صعاليك من فهم وصعاليك من الأزد، ففي أخبار تأبط شرا أنه "أغار على خثعم"٦، وفي أخبار حاجز الأزدي أنه جمع "ناسا من فهم وعدوان، فدلهم على خثعم، فأصابوهم غرة وغنموا ما شاءوا"٧، وكانت خثعم تنزل تربة وبيشة وظهر تبسالة على محجة اليمن من مكة إليها٨، وهي منطقة خصبة "بها من النخل والفسيل شيء كثير"٩، وبعض أوديتها،
стр. 74
وبخاصة وادي بيشة، ينتمي إلى أطيب مناطق بلاد العرب، وأكثرها خصبا١، ويصف ياقوت بيشة بأنها "قرية غناء في واد كثير الأهل من بلاد اليمن"٢.
وكذلك تعرضت سراة الأزد لبعض الغزوات، فقد كان الشنفرى يغير من ديار فهم على الأزد فيمن معه من فهم أحيانا، ووحده أكثر الأحيان٣، وفي أخبار مرة بن خليف "أنه غزا الأزد"٤. ويبدو أن من أسباب ذلك أن سراة الأزد كانت تجاور سراة فهم، فسراة الأزد تتلو سراة فهم من ناحية اليمن٥، وإن تكن بينهما طائفة من السروات تنزلها قبائل أخرى٦، ولكن الأزد كانوا ينزلون منطقة خصبة، فقد كانت منازلهم "أودية مستقبلة مطلع الشمس بتثليث وتربة وبيشة"٧ وهي المنطقة التي كانت تنزل فيها خثعم، فقد كانت خثعم تنزل أوساط هذه الأودية٨.
أما مناطق اليمن البعيدة فقد تخصص في الإغارة عليها السليك، وقد مر بنا أن عمرو بن معديكرب وصفه بأنه بعيد الغارة، وفي أخباره أنه كان "يتجاوز بلاد خثعم إلى من وراءهم من أهل اليمن فيغير عليهم"٩، وفيها أنه كان "يغير على اليمن"١٠، وفيها أنه انطلق مع رجلين ليغيروا "فأتوا جوف مراد"١١، وجوف مراد في أرض سبأ١٢.
ومع ذلك فقد كان تأبط شرا يتعدى على اختصاص السليك فيغير على
стр. 75
هذه المنطقة أحيانا، ففي أخباره أنه خرج يوما "يريد الغارة فلقي سرحا لمراد فأطرده، ونظرت به مراد، فخرجوا في طلبه فسبقهم إلى قومه"١.
وكان السليك يعد العدة لتلك الغارات البعيدة التي يضطر معها إلى اختراق المفازة المهلكة التي توصل إلى اليمن، فكان، أولا، لا يغير إلا في الصيف حينما تنقطع إغارة الخيل٢، فيضمن بهذا عدم تعرضه لمطاردات الخيل البعيدة المدى، وهو لا يملك إلا قدميه يعدو بهما، ثم كان، ثانيا، يدير "موارد تموينه" في طريق غزواته الجدب، فكان "في الربيع يعمد إلى بيض النعام، فيملؤه من الماء، ويدفنه في طريق اليمن في المفاوز، فإذا غزا في الصيف مر به فاستأثره"٣، وكان يعتمد في هذا على خبرته الواسعة بمجاهل الصحراء، فقد كان -كما يصفه الرواة- "أدل من قطاة، يجيء حتى يقف على البيضة"٤.
والشيء الذي يلفت النظر في صعاليك هاتين المنطقتين الأخيرتين: منطقة السراة الممتدة من مكة حتى أول الطريق الصاعد إلى اليمن، ومنطقة السراة بعد ذلك حتى اليمن، هو أن أكثرهم -إن لم يكونوا جميعا- من العدائين الرجليين الذين يعدون على أرجلهم، فيسبقون الخيل، وقد رأينا أن المثل في سرعة العدو يضرب باثنين منهم هما السليك والشنفرى، وأن الأصمعي يذكر أن في هذيل وحدها أربعين من هؤلاء العدائين، ويذكر السكري "أن هذيلا ليسوا بأصحاب دواب، وإنما هم رجالة"٥، وديوان الهذليين ناطق بكثرة عدد هؤلاء العدائين الذين كانوا يعتمدون على العدو في غاراتهم وفي فرارهم، وتشهد بهذا أيضا حماسة البحتري٦.