← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

واستدل بالآية على أن القدرة قبل الفعل عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ أي لأن سبب أذنت لهؤلاء الحالفين المتخلفين في التخلف حين استأذنوا فيه معتذرين بعدم الاستطاعة، وهذا عتاب لطيف من اللطيف الخبير سبحانه لحبيبه ﷺ على ترك الأولى وهو التوقف عن الاذن إلى انجلاء الأمر وانكشاف الحال المشار إليه بقوله سبحانه: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا أي فيما أخبروا به عند الاعتذار من عدم الاستطاعة وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ أي في ذلك، فحتى سواء كانت بمعنى اللام أو إلى متعلقة بما يدل عليه لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ كأنه قيل: لم سارعت إلى الإذن لهم ولم تتوقف حتى ينجلي الأمر كما هو قضية الحزم اللائق بشأنك الرفيع يا سيد أولي العزم. ولا يجوز أن تتعلق بالمذكور نفسه مطلقا لاستلزامه أن يكون إذنه ﵊ لهم معللا أو مغيّا بالتبين والعلم ويكون توجه الاستفهام إليه من تلك الحيثية وهو بين الفساد، وكلتا اللامين متعلقة بالاذن وهما مختلفتان معنى فإن الأولى للتعليل والثانية للتبليغ والضمير المجرور لجميع من أشير إليه. وتوجيه الإنكار إلى الإذن باعتبار شموله للكل لا باعتبار تعلقه بكل فرد فرد لتحقق عدم استطاعة البعض على ما ينبىء عنه ما في حيز حَتَّى والتعبير عن الفريق الأول بالموصول الذي صلته فعل دال على الحدوث وعن الفريق الثاني باسم الفاعل المفيد للدوام للايذان بأن ما ظهر من الأولين صدق حادث في أمر خاص غير مصحح لنظمهم في سلك الصادقين وأن ما صدر من الآخرين وإن كان كذبا حادثا متعلقا بأمر خاص لكنه جار على عادتهم المستمرة ناشىء عن رسوخهم في الكذب، والتعبير عن ظهور الصدق بالتبين وعما يتعلق بالكذب بالعلم لما اشتهر من أن مدلول الخبر هو الصدق والكذب احتمال عقلي وإسناد العلم له ﷺ دون المعلومين بأن يبنى الفعل للمفعول مع إسناد التبين للأولين أن المقصود هاهنا علمه ﵊ بهم ومؤاخذتهم بموجبه بخلاف الأولين حيث لا مؤاخذة عليهم وإسناد التبين إليهم وتعليق العلم بالآخرين مع أن مدار الاستناد والتعلق أولا وبالذات هو وصف الصدق والكذب كما أشير إليه لما أن القصد هو العلم بكلا الفريقين باعتبار اتصافهما بوصفيهما المذكورين ومعاملتهما بحسب استحقاقهما لا العلم بالوصفين بذاتيهما أو باعتبار قيامهما بموصوفيهما قاله شيخ الإسلام ولا يخفى حسنه. وفي تصدير الخطاب بما صدر به تعظيم لقدر النبي ﷺ وتوقير له وتوفير لحرمته ﵊، وكثيرا ما يصدر الخطاب بنحو ما ذكر لتعظيم المخاطب فيقال: عفا الله تعالى عنك ما صنعت في أمري؟، ورضي الله سبحانه عنك ما جوابك عن كلامي؟ والغرض التعظيم، ومن ذلك قول علي بن الجهم يخاطب المتوكل وقد أمر بنفيه: عفا الله عنك ألا حرمة ... تجود بفضلك يا ابن العلا ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشدا هدى أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى ومما ينظم في هذا السلك ما روي من قوله ﷺ : «لقد عجبت من يوسف ﵇ وكرمه وصبره والله تعالى يغفر له حين سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى أشترط أن يخرجوني» . وأخرج ابن المنذر. وغيره عن عون بن عبد الله قال: سمعتم بمعاتبة أحسن من هذا بدأ بالعفو قبل المعاتبة. وقال السجاوندي: إن فيه تعليم تعظيم النبي صلوات الله سبحانه عليه وسلامه ولولا تصدير العفو في العتاب لما قام بصولة الخطاب. وعن سفيان بن عيينة أنه قال: انظروا إلى هذا اللطف بدأ بالعفو قبل ذكر المعفو. ولقد أخطأ وأساء الأدب وبئسما فعل فيما قال وكتب صاحب الكشاف كشف الله تعالى عنه ستره ولا أذن له ليذكر عذره حيث زعم أن الكلام كناية عن الجناية

стр. 2102

وأن معناه أخطأت وبئسما فعلت. وفي الانتصاف ليس له أن يفسر هذه الآية بهذا التفسير وهو بين أحد الأمرين إما أن لا يكون هو المراد أو يكون ولكن قد أجل الله تعالى نبيه الكريم عن مخاطبته بذلك ولطف به في الكناية عنه أفلا يتأدب بآداب الله خصوصا في حق المصطفى ﷺ ، فعلى التقديرين هو ذاهل عما يجب من حقه ﵊. ويا سبحان الله من أين أخذ عامله الله تعالى بعدله ما عبر عنه ببئسما، والعفو لو سلم مستلزم للخطأ فهو غير مستلزم لكونه من القبح واستتباع اللائمة بحيث يصحح هذه المرتبة من المشافهة بالسوء ويسوغ إنشاء الاستقباح بكلمة بئسما المنبئة عن بلوغ القبح إلى رتبة يتعجب منها، واعتذر عنه صاحب الكشف حيث قال: أراد أن الأصل ذلك وأبدل بالعفو تعظيما لشأنه ﷺ وتنبيها على لطف مكانه ولذلك قدم العفو على ذكر ما يوجب الجناية، وليس تفسيره هذا بناء على أن العدول إلى عفا الله لا للتعظيم حتى يخطأ. وأما المستعمل لمجرد التعظيم فهو إذا كان دعاء لا خبرا، على أن الدعاء قد يستعمل للتعريض بالاستقصاء كقوله ﷺ : «رحم الله تعالى أخي لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد» وتحقيقه أنه لا يخلو عن حقارة بشأن المخاطب أو الغائب حسب اختلاف الصيغة، وأما التعظيم أو التعريض فقد وقد انتهى، ولا يخفى ما فيه فهو اعتذار غير مقبول عند ذوي العقول. وكم لهذه السقطة في الكشاف نظائر، ولذلك امتنع من إقرائه بعض الأكابر كالإمام السبكي عليه الرحمة، وليت العلامة البيضاوي لم يتابعه في شيء من ذلك، وهذا، واستدل بالآية من زعم صدور الذنب منه ﵊، وذلك من وجهين: الأول: أن العفو يستدعي سابقة الذنب، الثاني: أن الاستفهام الإنكاري بقوله سبحانه: لِمَ أَذِنْتَ يدل على أن ذلك الإذن كان معصية، والمحققون على أنها خارجة مخرج العتاب كما علمت على ترك الأولى والأكمل قالوا: لا يخفى أنه لم يكن كما في خروجهم مصلحة للدين أو منفعة للمسلمين بل كان فيه فساد وخبال حسبما نطق به قوله تعالى: لَوْ خَرَجُوا إلخ، وقد كرهه كما يفصح عنه قوله جل وعلا: وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ الآية، نعم كان الأولى تأخير الإذن حتى يظهر كذبهم ويفتضحوا على رؤوس الأشهاد، ولا يتمكنوا من التمتع بالعيش على الأمن والدعة ولا يتسنى لهم الابتهاج فيما بينهم بأنهم غروه ﷺ وأرضوه بالأكاذيب على أنهم لم ينهأ لهم عيش ولا قرت لهم عين إذ لم يكونوا على أمن واطمئنان بل كانوا على خوف من ظهور أمرهم وقد كان. ومن الناس من ضعف الاستدلال بالآية على ما ذكر بأنا لو نسلم أن عَفَا اللَّهُ يستدعي سابقة الذنب والسند ما أشرنا إليه فيما مر سلمنا لكن لا نسلم أن قوله سبحانه: لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ مقول على سبيل الإنكار عليه ﵊ لأنه لا يخلو إما أن يكون صدر منه ﷺ ذنب في هذه الواقعة أو لم يصدر وعلى التقديرين يمتنع أن يكون ما ذكر إنكارا، أما على الأول فلأنه إذا لم يصدر عنه ذنب فكيف يتأتى الإنكار عليه، وأما على الثاني فلأن صدر الآية يدل على حصول العفو وبعد حصوله يستحيل توجه الإنكار فافهم. واستدل بها جمع على أن له ﷺ اجتهادا وأنه قد يناله منه أجر واحد والوجه فيه ظاهر، وما فعله ﷺ في هذه الواقعة أحد أمرين فعلهما ولم يؤمر يفعلهما كما أخرج ابن جرير وغيره عن عمرو بن ميمون، ثانيهما أخذه ﷺ الفداء من الأسارى وقد تقدم. وادعى بعضهم الحصر في هذين الأمرين، واعترض بأنه غير صحيح فإن لهما ثالثا وهو المذكور في سورة التحريم وغير ذلك كالمذكور في سورة عبس، وأجيب بأنه يمكن تقييد الأمرين بما يتعلق بأمر الجهاد والله تعالى ولي الرشاد.

стр. 2103

لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تنبيه على أنه ينبغي أن يستدل ﵊ باستئذانهم على حالهم ولا يأذن لهم أي ليس من شأن المؤمنين وعادتهم أن يستأذنوك في أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فإن الخلص منهم يبادرون إليه من غير توقف على الإذن فضلا عن أن يستأذنوك في التخلف عنه، أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: «من خير معاش الناس رجل ممسك بعنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعا طار على متنه يبتغي القتل أو الموت مظانه» ونفي العادة مستفاد من نفي الفعل المستقبل الدال على الاستمرار نحو فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، فالكلام محمول على الاستمرار، ولو حمل على استمرار النفي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فيكون المعنى عادتهم عدم الاستئذان لم يبعد، ومثل هذا قول الحماسي: لا يسألون أخاهم بين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا قيل: وهذا الأدب يجب أن يقتفى مطلقا فلا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدي إليه معروفا ولا بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه طعاما فإن الاستئذان في مثل هذه المواطن أمارة التكلف والتكره، ولقد بلغ من كرم الخليل صلوات الله تعالى وسلامه عليه وأدبه مع ضيوفه أنه لا يتعاطى شيئا من أسباب التهيؤ للضيافة بمرأى منهم فلذلك مدحه الله تعالى على لسان رسوله ﵊ بهذه الخلة الجميلة والآداب الجليلة فقال سبحانه: فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ [الذاريات: ٢٦] أي ذهب على خفاء منهم كيلا يشعروا به، وجوز أن يكون متعلق الاستئذان محذوفا وأَنْ يُجاهِدُوا بتقدير كراهة أن يجاهدوا، والمحذوف قيل: التخلف عليه، والمعنى لا يستأذنك المؤمنون في التخلف كراهة الجهاد، والنفي متوجه للاستئذان والكراهة معا، وقال بعض: إنه متوجه إلى القيد وبه ويمتاز المؤمن من المنافق وهو وإن كان في نفسه أمرا خفيا لا يوقف عليه بادىء الأمر لكن عامة أحوالهم لما كانت منبئة عن ذلك جعل أمرا ظاهرا مقررا. وقيل: الجهاد أي لا يستأذنك المؤمنون في الجهاد كراهة أن يجاهدوا، وتعقب بأنه مبني على أن الاستئذان في الجهاد ربما يكون لكراهة، ولا يخفى أن الاستئذان في الشيء لكراهته مما لا يقع بل لا يعقل، ولو سلم وقوعه فالاستئذان لعلة الكراهة مما لا يمتاز بحسب الظاهر من الاستئذان لعلة الرغبة، لو سلم فالذي نفي عن المؤمنين يجب أن يثبت للمنافقين وظاهر أنهم لم يستأذنوا في الجهاد لكراهتهم له بل إنما استأذنوا في التخلف فتدبر وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ شهادة لهم بالتقوى لوضع المظهر فيه موضع المضمر أو إرادة جنس المتقين ودخولهم فيه دخولا أوليا وعدة لهم بالثواب الجزيل، فإن قولنا: أحسنت إلي فأنا أعلم بالمحسن وعد بأجزل الثواب وأسأت إلي فأنا أعلم بالمسيء وعيد بأشد العقاب، قيل: وفي ذلك تقرير لمضمون ما سبق كأنه قيل: والله عليم بأنهم كذلك وإشعار بأن ما صدر عنهم معلل بالتقوى إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ أي في التخلف الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ تخصيص الإيمان

стр. 2104

بهما في الموضعين للايذان بأن الباعث على الجهاد والمانع عنه الإيمان بهما وعدم الإيمان بهما فمن آمن بهما قاتل في سبيل دينه وتوحيده وهان عليه القتل فيه لما يرجوه في اليوم الآخر من النعيم المقيم ومن لم يؤمن بمعزل عن ذلك، على أن الإيمان بهما مستلزم للإيمان بسائر ما يجب الإيمان به وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ عطف على الصلة، وإيثار صيغة الماضي للدلالة على تحقق الريب وتقرره فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ وشكهم المستمر في قلوبهم يَتَرَدَّدُونَ أي يتحيرون، وأصل معنى التردد الذهاب والمجيء وأريد به هنا التحير مجازا أو كناية لأن المتحير لا يقر في مكان. والآية نزلت كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في المنافقين حين استأذنوا في القعود عن الجهاد بغير عذر وكانوا على ما في بعض الروايات تسعة وثلاثين رجلا. وأخرج أبو عبيد وابن المنذر وغيرهما عنه أن قوله تعالى: لا يَسْتَأْذِنُكَ إلخ نسخته الآية التي في [النور: ٦٢] إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ إلى إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فجعل الله النبي ﷺ بأعلى النظرين في ذلك من غزا غزا في فضيلة ومن قعد قعد في غير حرج إن شاء. وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً أي أهبة من الزاد والراحلة وسائر ما يحتاج إليه المسافر في السفر الذي يريده. وقرىء «عدّة» بضم العين وتشديد الدال والإضافة إلى ضمير الخروج، قال ابن جني: سمع محمد بن عبد الملك يقرأ بها، وخرجت على أن الأصل عدته إلا أن التاء سقطت كما في اقام الصلاة وهو سماعي وإلى هذا ذهب الفراء، والضمير على ما صرح به غير واحد عوض عن التاء المحذوفة، قيل: ولا تحذف بغير عوض وقد فعلوا مثل ذلك في عدة بالتخفيف بمعنى الوعد كما في قول زهير: إن الخليط أجدوا البين فانجردوا ... وأخلفوك عدى الأمر الذي وعدوا وقرىء «عده» بكسر العين بإضافة وغيرها وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ أي خروجهم كما روي عن الضحاك أو نهوضهم للخروج كما قال غير واحد فَثَبَّطَهُمْ أي حبسهم وعوقهم عن ذلك: والاستدراك قيل عما يفهم من مقدم الشرطية فإن انتفاء إرادة الخروج يستلزم انتفاء خروجهم وكراهة الله تعالى انبعاثهم يستلزم تثبطهم عن الخروج فكأنه قيل: ما خرجوا لكن تثبطوا عن الخروج، فهو استدراك نفي الشيء بإثبات ضده كما يستدرك نفي الإحسان بإثبات الإساءة في قولك: ما أحسن إليّ لكن أساء، والاتفاق في المعنى لا يمنع الوقوع بين طرفي لكن بعد تحقق الاختلاف نفيا وإثباتا في اللفظ، وبحث فيه بعضهم بأن لكِنْ تقع بين ضدين أو نقيضين أو مختلفين على قول ووقعت فيما نحن فيه بين متفقين على هذا التقرير فالظاهر أنها للتأكيد كما أثبتوا مجيئها لذلك وفيه نظر: واستظهر بعض المحققين كون الاستدراك من نفس المقدم على نهج ما في الاقيسة الاستثنائية، والمعنى لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة ولكن ما أرادوه لما أنه تعالى كره انبعاثهم من المفاسد فحبسهم بالجبن والكسل فتثبطوا عنه ولم يستعدوا له. وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ تمثيل لخلق الله تعالى داعية القعود فيهم وإلقائه سبحانه كراهة الخروج في قلوبهم بالأمر بالقعود أو تمثيل لوسوسة الشيطان بذلك فليس هناك قول حقيقة، ونظير ذلك قوله سبحانه: فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [البقرة: ٢٤٣] أي أماتهم، ويجوز أن يكون حكاية قول بعضهم لبعض أو اذن الرسول ﷺ لهم في القعود فالقول على حقيقته، والمراد بالقاعدين الذين شأنهم القعود والجثوم في البيوت كالنساء والصبيان والزمنى أو الرجال الذين يكون لهم عذر يمنعهم عن الخروج، وفيه على بعض الاحتمالات من الذم ما لا يخفى فتدبر لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ بيان لكراهة الله تعالى انبعاثهم أي لو خرجوا مخالطين لكم ما زادُوكُمْ شيئا من الأشياء إِلَّا خَبالًا أي شرا وفسادا. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عجزا وجبنا. وعن الضحاك غدرا ومكرا، وأصل

стр. 2105

الخبال كما قال الخازن: اضطراب ومرض يؤثر في العقل كالجنون، وفي مجمع البيان أنه الاضطراب في الرأي، والاستثناء مفرغ متصل والمستثنى منه ما علمت ولا يستلزم أن يكون لهم خبال حتى لو خرجوا زادوه لأن الزيادة باعتبار أعم العام الذي وقع منه الاستثناء. وقال بعضهم: توهما منه لزوم ما ذكر هو مفرغ منقطع والتقدير ما زادوكم قوة وخيرا لكن شرا وخبالا. واعترض بأن المنقطع لا يكون مفرغا وفيه بحث لأنه مانع منه إذا دلت القرينة عليه كما إذا قيل: ما أنيسك في البادية فقلت: ما لي بها إلا اليعافير أي ما لي بها أنيس إلا ذلك، وأنت تعلم أن في وجود القرينة هاهنا مقالا. وقال أبو حيان: إنه كان في تلك الغزوة منافقون لهم خبال فلو خرج هؤلاء أيضا واجتمعوا بهم زاد الخبال فلا فساد في ذلك الاستلزام لو ترتب وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ الإيضاع سير الإبل يقال: أوضعت الناقة تضع إذا أسرعت وأوضعتها أنا إذا حملتها على الاسراع، والخلال جمع خلل وهو الفرجة استعمل ظرفا بمعنى بين ومفعول الإيضاع مقدر أي النمائم بقرينة السياق، وفي الكلام استعارة مكنية حيث شبهت النمائم بالركائب في جريانها وانتقالها وأثبت لها الإيضاع على سبيل التخييل، والمعنى ولسعوا بينكم بالنميمة وإفساد ذات البين. وقال العلامة الطيبي: فيه استعارة تبعية حيث شبه سرعة افسادهم ذات البين بالنمائم بسرعة سير الراكب ثم استعير لها الإيضاع وهو للإبل والأصل ولأوضعوا ركائب نمائمهم خلالكم ثم حذف النمائم وأقيم المضاف إليه مقامه فقيل لأوضعوا ركائبهم ثم حذفت الركائب. ومنع الأخفش في كتاب الغايات أن يقال: أوضعت الركائب ووضع البعير بمعنى أسرع وإنما يستعمل ذلك بدون قيد، وجوز ذلك غيره واستدل له بقوله: فلم أر سعدى بعد يوم لقيتها ... غداة بها أجمالها صاح توضع وقرىء «ولأرقصوا» من رقصت الناقة إذا أسرعت وأرقصتها ومنه قوله: يا عام لو قدرت عليك رماحنا ... والراقصات إلى منى فالغبغب وقرىء «لأوفضوا» والمراد لأسرعوا أيضا يقال: أوفض واستوفض إذا استعجل وأسرع والوفض العجلة، وكتب قوله تعالى: لَأَوْضَعُوا في الامام بألفين الثانية منهما هي فتحة الهمزة والفتحة ترسم لها ألف كما ذكره الداني، وفي الكشاف كانت الفتحة تكتب ألفا قبل الخط العربي والخط العربي اخترع قريبا من نزول القرآن وقد بقي من ذلك الألف أثر في الطباع فكتبوا صورة الهمزة ألفا وفتحتها ألفا أخرى ومثل ذلك أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ [النمل: ٢١] يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي يطلبون أن يفتنوكم بايقاع الخلاف فيما بينكم وتهويل أمر العدو عليكم وإلقاء الرعب في قلوبكم وهذا هو المروي عن الضحاك. وعن الحسن أن الفتنة بمعنى الشرك أي يريدون أن تكونوا مشركين، والجملة في موضع الحال من ضمير أوضعوا أي باغين لكم الفتنة، ويجوز أن تكون استئنافا وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ أي نمامون يسمعون حديثكم لأجل نقله إليهم كما روي عن مجاهد وابن زيد أو فيكم أناس من المسلمين ضعفة يسمعون قولهم ويطيعونهم كما روي عن قتادة وابن إسحاق وجماعة، واللام على التفسير الأول للتعليل وعلى الثاني للتقوية كما في قوله تعالى: فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [هود: ١٠٧، البروج: ١٦] ، والجملة حال من مفعول يَبْغُونَكُمُ أو من فاعله لاشتمالها على ضميرهما أو مستأنفة. قال بعض المحققين: ولعل هؤلاء لم يكونوا في كمية العدد وكيفية الفساد بحيث يخل مكانهم فيما بين المؤمنين بأمر الجهاد إخلالا عظيما ولم يكن فساد خروجهم معادلا لمنفعته ولذلك لم تقتض الحكمة عدم خروجهم

стр. 2106

فخرجوا مع المؤمنين، ولكن حيث كان انضمام المنافقين القاعدين إليهم مستتبعا لخلل كليّ كره الله تعالى انبعاثهم فلم يتسن اجتماعهم فاندفع فسادهم انتهى، والاحتياج إليه على التفسير الأول أظهر منه على التفسير الثاني لأن الظاهر عليه أن القوم لم يكونوا منافقين، ووجه العتاب على الإذن في قعودهم مع ما قص الله تعالى فيهم أنهم لو قعدوا بغير إذن منه ﵊ لظهر نفاقهم فيما بين المسلمين من أول الأمر ولم يقدروا على مخالطتهم والسعي فيما بينهم بالأراجيف ولم يتسنّ لهم التمتع بالعيش إلى أن يظهر حالهم بقوارع الآيات النازلة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ علما محيطا بظواهرهم وبواطنهم وأفعالهم الماضية والمستقبلة فيجازيهم على ذلك، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والتشديد في الوعيد والاشعار بترتبه على الظلم، ويجوز أن يراد بالظالمين الجنس ويدخل المذكورون دخولا أوليا، والمراد منهم إما القاعدون أو هم والسماعون لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ تشتيت شملك وتفرق أصحابك مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذه الغزوة، وذلك كما روي عن الحسن يوم أحد حين انصرف عبد الله بن أبي ابن سلول بأصحابه المنافقين، وقد تخلف بهم عن هذه الغزوة أيضا بعد أن خرج مع النبي ﷺ إلى قريب من ثنية الوداع، وروي عن سعيد بن جبير وابن جريج أن المراد بالفتنة الفتك برسول الله ﷺ ليلة العقبة، وذلك أنه اجتمع اثنا عشر رجلا من المنافقين ووقفوا على الثنية ليفتكوا به ﵊ فردهم الله تعالى خاسئين وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ أي المكايد وتقليبها مجاز عن تدبيرها أو الآراء وهو مجاز عن تفتيشها، أي دبروا لك المكايد والحيل أو دوروا الآراء في إبطال أمرك. وقرىء «وقلبوا» بالتخفيف حَتَّى جاءَ الْحَقُّ أي النظر والظفر الذي وعده الله تعالى وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ أي غلب دينه وعلا شرعه سبحانه وَهُمْ كارِهُونَ أي في حال كراهتهم لذلك أي على رغم منهم، والإتيان كما قالوا لتسلية رسول الله ﷺ والمؤمنين عن تخلف المتخلفين وبيان ما ثبطهم الله تعالى لأجله وهتك أستارهم وإزاحة أعذارهم تداركا لما عسى يفوت بالمبادرة إلى الاذن وإيذانا بأن ما فات بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهويلا للخطب وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي في القعود عن الجهاد وَلا تَفْتِنِّي أي لا توقعني في الفتنة بنساء الروم. أخرج ابن المنذر والطبراني وابن مروديه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «لما أراد النبي ﷺ أن يخرج إلى غزوة تبوك قال لجد بن قيس: يا جد بن قيس ما تقول في مجاهدة بني الأصفر؟ فقال: يا رسول الله إن امرؤ صاحب نساء ومتى أرى نساء بني الأصفر أفتتن فائذن لي ولا تفتني فنزلت، وروي نحوه عن عائشة وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، أو لا توقعني في المعصية والإثم بمخالفة أمرك في الخروج إلى الجهاد، وروي هذا عن الحسن وقتادة. واختاره الجبائي، وفي الكلام على هذا اشعار بأنه لا محالة متخلف أذن له أو لم يأذن. وفسر بعضهم الفتنة بالضرر أي لا توقعني في ذلك فإني إن خرجت معك هلك مالي وعيالي لعدم من يقوم بمصالحهم، وقال أبو مسلم: أي لا تعذبني بتكليف الخروج في شدة الحر، وقرىء «ولا تفتني» من أفتنه بمعنى فتنه أَلا فِي الْفِتْنَةِ أي في نفسها وعينها وأكمل أفرادها الغنيّ عن الوصف بالكمال الحقيق باختصاص اسم الجنس به سَقَطُوا لا في شيء مغاير لها فضلا عن أن يكون مهربا ومخلصا عنها، وذلك بما فعلوا من العزيمة على التخلف والجراءة على هذا الاستئذان والقعود بالإذن المبني عليه وعلى الاعتذارات الكاذبة، وفي مصحف أبيّ «سقط» بالإفراد مراعاة للفظ مَنْ ولا يخفى ما في تصدير الجملة بأداة التنبيه من التحقيق، وفي التعبير عن الافتتان بالسقوط في الفتنة تنزيل لها منزلة المهواة المهلكة المفصحة عن ترديهم في دركات الردى أسفل سافلين، وتقديم الجار والمجرور لا يخفى وجهه وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ وعيد لهم على ما فعلوا وهو عطف على الجملة السابقة داخل تحت التنبيه، أي جامعة لهم من كل جانب لا محالة وذلك يوم القيامة، فالمجاز في اسم الفاعل حيث استعمل في الاستقبال بناء على أنه حقيقة في

стр. 2107

الحال، ويحتمل أن يكون المراد أنها محيطة بهم الآن بأن يراد من جهنم أسبابها من الكفر والفتنة التي سقطوا فيها ونحو ذلك مجازا. وقد يجعل الكلام تمثيلا بأن تشبه حالهم في إحاطة الأسباب بحالهم عند إحاطة النار، وكون الأعمال التي هم فيها هي النار بعينها لكنها ظهرت بصورة الأعمال في هذه النشأة وتظهر بالصورة النارية في النشأة الأخرى كما قيل نظيره في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً [النساء: ١٠] منزع صوفي، والمراد بالكافرين إما المنافقون المبحوث عنهم، وإيثار وضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر والإشعار بأنه معظم أسباب الإحاطة المذكورة وإما جميع الكافرين ويدخل هؤلاء دخولا أوليا إِنْ تُصِبْكَ في بعض مغازيك حَسَنَةٌ من الظفر والغنيمة تَسُؤْهُمْ تلك الحسنة أي تورثهم مساءة وحزنا لفرط حسدهم لعنهم الله تعالى وعداوتهم وَإِنْ تُصِبْكَ في بعضها مُصِيبَةٌ كانكسار جيش وشدة يَقُولُوا متبجحين بما صنعوا حامدين لآرائهم قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا أي تلافينا ما يهمنا من الأمر يعنون به التخلف والقعود عن الحرب والمداراة مع الكفرة وغير ذلك من أمور الكفر والنفاق قولا وفعلا مِنْ قَبْلُ أي من قبل إصابة المصيبة حيث ينفع التدارك، يشيرون بذلك إلى أن نحو ما صنعوه إنما يروج عند الكفرة بوقوعه حال قوة الإسلام لا بعد إصابة المصيبة وَيَتَوَلَّوْا أي وينصرفوا عن متحدثهم ومحل اجتماعهم إلى أهليهم وخاصتهم أو يتفرقوا وينصرفوا عنك يا رسول الله وَهُمْ فَرِحُونَ بما صنعوا وبما أصابك من السيئة، والجملة في موضع الحال من الضمير في «يقولوا ويتولوا» فإن الفرح مقارن للأمرين معا، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على دوام السرور، وإنما لم يؤت بالشرطية الثانية على طرز الأولى بأن يقال: وإن تصبك مصيبة تسرهم بل أقيم ما يدل على ذلك مقامه مبالغة في فرط سرورهم مع الإيذان بأنهم في معزل عن إدراك سوء صنيعهم لاقتضاء المقام ذلك، وقيل: إن إسناد المساءة إلى الحسنة والمسرة إلى أنفسهم للايذان باختلاف حالهم حالتي عروض المساءة والمسرة بأنهم في الأولى مضطرون وفي الثانية مختارون، وقوبل هنا الحسنة بالمصيبة ولم تقابل بالسيئة كما قال سبحانه في سورة [آل عمران: ١٢٠] وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِها لأن الخطاب هنا للنبي ﷺ وهو هناك للمؤمنين وفرق بين المخاطبين فإن الشدة لا تزيده ﷺ إلا ثوابا فإنه المعصوم في جميع أحواله ﵊، وتقييد الإصابة في بعض الغزوات لدلالة السياق عليه، وليس المراد به بعضا معينا هو هذه الغزوة التي استأذنوا في التخلف عنها وهو ظاهر. نعم سبب النزول يوهم ذلك، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن جابر بن عبد الله قال: جعل المنافقون الذين تخلفوا في المدينة يخبرون عن النبي ﷺ أخبار السوء يقولون: إن محمدا ﷺ وأصحابه قد جهدوا في سفرهم وهلكوا فبلغهم تكذيب حديثهم وعافية النبي ﵊ وأصحابه فأنزل الله تعالى الآية فتأمل. قُلْ تبكيتا لهم لَنْ يُصِيبَنا أبدا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا أي ما اختصنا بإثباته وإيجابه من المصلحة الدنيوية أو الأخروية كالنصرة أو الشهادة المؤدية للنعيم الدائم، فالكتب بمعنى التقدير، واللام للاختصاص، وجوز أن يكون المراد بالكتب الخط في اللوح واللام للتعليل والأجل، أي لن يصيبنا إلا ما خط الله تعالى لأجلنا في اللوح ولا يتغير بموافقتكم ومخالفتكم، فتدل الآية على أن الحوادث كلها بقضاء الله تعالى وروي هذا عن الحسن. وادعى بعضهم أنه غير مناسب للمقام وأن قوله تعالى: هُوَ مَوْلانا أي ناصرنا ومتولي أمورنا يعين الأول لأنه يبين أن معنى اللام الاختصاص ويخصص الموصول بالنصر والشهادة أي لن يصيبنا إلا ذلك دون الخذلان والشقاوة كما هو مصير حالكم لأنا مؤمنون وأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم، وقد يقال: هو تعليل لما يستفاد من القول

стр. 2108

السابق من الرضا أي لن يصيبنا إلا ما كتب من خير أو شر فلا يضرنا ما أنتم عليه ونحن بما فعل الله تعالى راضون لأنه سبحانه مالكنا ونحن عبيده. وقرأ ابن مسعود «هل يصيبنا» وطلحة «هل يصيبنا» بتشديد الياء من صيب الذي وزنه فيعل لا فعل بالتضعيف لأن قياسه صوب لأنه من الواوي فلا وجه لقلبها ياء بخلاف ما إذا كان صيوب على وزن فيعل لأنه إذا اجتمعت الواو والياء والأول منهما ساكن قلبت الواو ياء وهو قياس مطرد، وجوز الزمخشري كونه من التفعيل على لغة من قال صاب يصيب، ومنه قول الكميت: وأستبي الكاعب العقيلة إذ ... أسهمي الصائبات والصيب وَعَلَى اللَّهِ وحده فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ بأن يفوضوا الأمر إليه سبحانه، ولا ينافي ذلك التشبث بالأسباب العادية إذا لم يعتمد عليها، وظاهر كلام جمع أن الجملة من تمام الكلام المأمور به، وتقديم المعمول لإفادة التخصيص كما أشرنا إليه، وإظهار الاسم الجليل في مقام الإضمار لإظهار التبرك والاستلذاذ به. ووضع المؤمنين موضع ضمير المتكلم ليؤذن بأن شأن المؤمنين اختصاص التوكل بالله تعالى، وجيء بالفاء الجزائية لتشعر بالترتب أي إذا كان لن يصيبنا إلا ما كتب الله أي خصنا الله سبحانه به من النصر أو الشهادة وأنه متولي أمرنا فلنفعل ما هو حقنا من اختصاصه جل شأنه بالتوكل، قال الطيبي: وكأنه قوبل قول المنافقين قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا بهذه الفاصلة، والمعنى دأب المؤمنين أن لا يتكلوا على حزمهم وتيقظ أنفسهم كما أن دأب المنافقين ذلك بل أن يتكلوا على الله تعالى وحده ويفوضوا أمورهم إليه، ولا يبعد تفرع الكلام على قوله سبحانه: هُوَ مَوْلانا كما لا يخفى، ويجوز أن تكون هذه الجملة مسوقة من قبله تعالى أمرا للمؤمنين بالتوكل إثر أمره ﷺ بما ذكر، وأمر وضع الظاهر موضع الضمير في الموضعين حينئذ ظاهر وكذا إعادة الأمر في قوله تعالى: قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا لانقطاع حكم الأمر الأول بالثاني وإن كان أمرا لغائب، وأما على كلام الجماعة فالإعادة لابراز كمال العناية بشأن المأمور به، والتربص الانتظار والتمهل وإحدى التاءين محذوفة، والباء للتعدية أي ما تنتظرون بنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ أي إحدى العاقبتين اللتين كل منهما أحسن من جميع العواقب غير الأخرى أو أحسن من جميع عواقب الكفرة أو كل منهما أحسن مما عداه من جهة، والمراد بهما النصرة والشهادة، والحاصل أن ما تنتظرونه لا يخلو من أحد هذين الأمرين وكل منهما عاقبته حسنى لا كما تزعمون من أن ما يصنيبنا من القتل في الغزو سوء ولذلك سررتم به. وصح من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «تكفل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يخرجه من بيته إلا الجهاد في سبيله وتصديق كلمته أن يدخله الجنة أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة» وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ إحدى السوأيين من العواقب إما أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ فيهلككم كما فعل بالأمم الخالية قبلكم، والظرف صفة «عذاب» وكونه من عنده تعالى كناية عن كونه منه جل شأنه بلا مباشرة البشر، ويظهر ذلك المقابلة بقوله سبحانه: أَوْ بِأَيْدِينا أي أو بعذاب كائن بأيدينا كالقتل على الكفر، والعطف على صفة عذاب فهو صفة أيضا لا أن هناك عذابا مقدرا، وتقييد القتل بكونه على الكفر لأنه بدونه شهادة، وفيه إشارة إلى أنهم لا يقتلون حتى يظهروا الكفر ويصروا عليه لأنهم منافقون والمنافق لا يقتل ابتداء فَتَرَبَّصُوا الفاء فصيحة أي إذا كان الأمر كذلك فتربصوا بنا ما هو عاقبتنا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ ما هو عاقبتكم فإذا لقي كل منا ومنكم ما يتربصه لا نشاهد إلا ما يسوءكم ولا تشاهدون إلا ما يسرنا، وما ذكرناه من مفعول التربص هو الظاهر، ولعله يرجع إليه ما روي عن الحسن أي فتربصوا مواعيد الشيطان إنا متربصون مواعد الله تعالى من إظهار دينه واستئصال من خالفه، والمراد من

стр. 2109

الأمر التهديد قُلْ أَنْفِقُوا أموالكم في مصالح الغزاة طَوْعاً أَوْ كَرْهاً أي طائعين أو كارهين، فهما مصدران وقعا موقع الحال وصيغة أَنْفِقُوا وإن كانت للأمر إلا أن المراد به الخبر، وكثيرا ما يستعمل الأمر بمعنى الخبر كعكسه، ومنه قول كثير عزة: أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت وهو كما قال الفراء والزجاج في معنى الشرط أي إن أنفقتم على أي حال ف لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ. وأخرج الكلام مخرج الأمر للمبالغة في تساوي الأمرين في عدم القبول، كأنهم أمروا أن يجربوا فينفقوا في الحالين فينظروا هل يتقبل منهم فيشاهدوا عدم القبول، وفيه كما قال بعض المحققين: استعارة تمثيلية شبهت حالهم في النفقة وعدم قبولها بوجه من الوجوه بحال من يؤمر بفعل ليجربه فيظهر له عدم جدواه، فلا يتوهم أنه إذا أمر بالإنفاق كيف لا يقبل. والآية نزلت كما أخرج ابن جرير عن عباس رضي الله تعالى عنهما جوابا عما في قول الجد بن قيس حين قال له رسول الله ﷺ : «هل لك في جلاد بني الأصفر؟ إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن لكن أعينك بمالي» ، ونفي التقبل يحتمل أن يكون بمعنى عدم الأخذ منهم، ويحتمل أن يكون بمعنى عدم الاثابة عليه، وكل من المعنيين واقع في الاستعمال، فقبول الناس له أخذه وقبول الله تعالى ثوابه عليه ويجوز الجمع بينهما، وقوله سبحانه: إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ تعليل لرد إنفاقهم، والمراد بالفسق العتو والتمرد فلا يقال: كيف علل مع الكفر بالفسق الذي هو دونه وكيف صح ذلك مع التصريح بتعليله بالكفر في قوله تعالى: وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وقد يراد به ما هو الكامل وهو الكفر ويكون هذا منه تعالى بيانا وتقريرا لذلك، والاستثناء من أعم الأشياء أي ما منعهم أن تقبل نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم، ومنع يتعدى إلى مفعولين بنفسه وقد يتعدى إلى الثاني بحرف الجر وهو- من- أو- عن.، وإذا عدي بحرف صح أن يقال: منعه من حقه ومنع حقه منه لأنه يكون بمعنى الحيلولة بينهما والحماية، ولا قلب فيه كما يتوهم، وجاز فيما نحن فيه أن يكون متعديا للثاني بنفسه وأن يقدر حرف وحذف حرف الجر مع إن وأن مقيس مطرد. وجوز أبو البقاء أن يكون أَنْ تُقْبَلَ بدل اشتمال من- هم- في مَنَعَهُمْ وهو خلاف الظاهر، وفاعل منع ما في حيز الاستثناء، وجوز أن يكون ضمير الله تعالى وأَنَّهُمْ كَفَرُوا بتقدير لأنهم كفروا. وقرأ حمزة والكسائي «يقبل» بالتحتانية لأن تأنيث النفقات غير حقيقي مع كونه مفصولا عن الفعل بالجار والمجرور. وقرىء «نفقتهم» على التوحيد. وقرأ السلمي «أن يقبل منهم نفقاتهم» ببناء «يقبل» للفاعل ونصب النفقات، والفاعل إما ضمير الله تعالى أو ضمير الرسول ﵊ بناء على أن القبول بمعنى الأخذ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ المفروضة في حال من الأحوال إِلَّا وَهُمْ كُسالى أي إلا حال كونهم متثاقلين وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ الإنفاق لأنهم لا يرجون بهما ثوابا ولا يخافون على تركهما عقابا، وهاتان الجملتان داخلتان في حيز التعليل. واستشكل بأن الكفر سبب مستقل لعدم القبول فما وجه التعليل بمجموع الأمور الثلاثة وعند حصول السبب المستقل لا يبقى لغيره أثر. وأجاب الإمام بأنه إنما يتوجه على المعتزلة القائلين بأن الكفر لكونه كفرا يؤثر في هذا الحكم وأما على أهل السنة فلا لأنهم يقولون: هذه الأسباب معرفات غير موجبة للثواب ولا للعقاب واجتماع المعرفات الكثيرة على الشيء الواحد جائز، والقول بأنه إنما جيء بهما لمجرد الذم وليستا داخلتين في حيز التعليل وإن كان يندفع به الإشكال على رأي المعتزلة خلاف الظاهر كما لا يخفى فإن قيل: الكراهية خلاف الطواعية وقد جعل هؤلاء المنافقون فيما تقدم طائعين ووصفوا هاهنا بأنهم لا

стр. 2110

ينفقون إلا وهم كارهون وظاهر ذلك المنافاة. أجيب بأن المراد بطوعهم أنهم يبذلون من غير الزام من رسول الله لا أنهم يبذلون رغبة فلا منافاة. وقال بعض المحققين في ذلك: إن قوله سبحانه: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لا يدل على أنهم ينفقون طائعين بل غايته أنه ردد حالهم بين الأمرين وكون الترديد ينافي القطع محل نظر، كما إذا قلت: إن أحسنت أو أسأت لا أزورك مع أنه لا يحسن قطعا، ويكون الترديد لتوسع الدائرة وهو متسع الدائرة. فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ أي لا يروقك شيء من ذلك فإنه استدراج لهم وبال عليهم حسبما ينبىء عنه قوله تعالى: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا والخطاب يحتمل أن يكون للنبي ﷺ وأن يكون لكل من يصلح له على حد ما قيل في نحو قوله تعالى: لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ [لقمان: ١٣] ومفعول الإرادة قيل: التعذيب واللام زائدة وقيل: محذوف واللام تعليلية. أي يريد إعطاءهم لتعذيبهم، وتعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا لما أنهم يكابدون بجمعها وحفظها المتاعب ويقاسون فيها الشدائد والمصائب وليس عندهم من الاعتقاد بثواب الله تعالى ما يهون عليهم ما يجدونه، وقيل: تعذيبهم في الدنيا بالأموال لأخذ الزكاة منهم والنفقة في سبيل الله تعالى مع عدم اعتقادهم الثواب على ذلك، وتعذيبهم فيها بالأولاد أنهم قد يقتلون في الغزو فيجزعون لذلك أشد الجزع حيث لا يعتقدون شهادتهم وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون وأن الاجتماع بهم قريب ولا كذلك المؤمنون فيما ذكر، وقيل: تعذيبهم بالأموال بأن تكون غنيمة للمسلمين وبالأولاد بأن يكونوا سببا لهم إذا أظهروا الكفر وتمكنوا منهم. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أن في الآية تقديما وتأخيرا أي لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ أي يموتون وأصل الزهوق الخروج بصعوبة وَهُمْ كافِرُونَ في موضع الحال أي حال كونهم كافرين، والفعل عطف على ما قبله داخل معه في حيز الإرادة. واستدل بتعليق الموت على الكفر بإرادته تعالى على أن كفر الكافر بإرادته سبحانه وفي ذلك رد على المعتزلة. وأجاب الزمخشري بأن المراد إنما هو إمهالهم وإدامة النعم عليهم إلى أن يموتوا على الكفر مشتغلين بما هم فيه عن النظر في العاقبة، والإمهال والإدامة المذكورة مما يصح أن يكون مرادا له تعالى. واعترضه الطيبي بأن ذلك لا يجديه شيئا لأن سبب السبب سبب في الحقيقة، وحاصله أن ما يؤدي إلى القبح ويكون سببا له حكمه حكمه في القبح وهو في حيز المنع، وأجاب الجبائي بأن معنى الآية أن الله تعالى أراد زهوق أنفسهم في حال الكفر وهو لا يقتضي كونه سبحانه مريدا للكفر فإن المريض يريد المعالجة في وقت المرض ولا يريد المرض والسلطان يقول لعسكره: اقتلوا البغاة حال هجومهم ولا يريد هجومهم. ورده الإمام بأنه لا معنى لما ذكر من المثال إلا إرادة إزالة المرض وطلب إزالة هجوم البغاة وإذا كان المراد إعدام الشيء امتنع أن يكون وجوده مرادا بخلاف إرادة زهوق نفس الكافر فإنها ليست عبارة عن إرادة إزالة الكفر فلما أراد الله تعالى زهوق أنفسهم حال كونهم كافرين وجب أن يكون مريدا لكفرهم، وكيف لا يكون كذلك والزهوق حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر، وإرادة الشيء تقتضي إرادة ما هو من ضرورياته فيلزم كونه تعالى مريدا للكفر. وفيه أن الظاهر أن إرادة المعالجة شيء غير إرادة إزالة المرض وكذا إرادة القتل غير إرادة إزالة الهجوم ولهذا يعلل إحدى الإرادتين بالأخرى فكيف تكون نفسها، وأما أن كون إرادة ضروريات الشيء من لوازم إرادته فغير مسلم، فكم من ضروري لشيء لا يخطر بالبال عند إرادته فضلا عما ادعاه. فالاستدلال بالآية على ما ذكر غير تام وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ أي في الدين والمراد أنهم يحلفون أنهم مؤمنون مثلكم وَما هُمْ مِنْكُمْ في ذلك لكفر قلوبهم وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ أي يخافون منكم أن تفعلوا بهم ما تفعلوا بالمشركين فيظهرون الإسلام تقية ويؤيدونه بالأيمان

стр. 2111

الفاجرة، وأصل الفرق انزعاج النفس بتوقع الضرر، قيل: وهو من مفارقة الأمن إلى حال الخوف لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أي حصنا يلجؤون إليه كما قال قتادة أَوْ مَغاراتٍ أي غيران يخفون فيها أنفسهم وهو جمع مغارة بمعنى الغار، ومنهم من فرق بينهما بأن الغار في الجبل والمغارة في الأرض. وقرىء «مغارات» بضم الميم من أغار الرجل إذا دخل الغور، وقيل: هو تعدية غار الشيء وأغرته أنا أي أمكنة يغيرون فيها أشخاصهم، ويجوز أن تكون من أغار الثعلب إذا أسرع بمعنى مهارب ومغار أَوْ مُدَّخَلًا أي نفقا كنفق اليربوع ينجحرون فيه، وهو مفتعل من الدخول فأدغم بعد قلب تائه دالا. وقرأ يعقوب وسهل «مدخلا» بفتح الميم اسم مكان من دخل الثلاثي وهي قراءة ابن أبي إسحاق والحسن، وقرأ سلمة بن محارب «مدخلا» بضم الميم وفتح الخاء من أدخل المزيد أي مكانا يدخلون فيه أنفسهم أو يدخلهم الخوف فيه، وقرأ أبي بن كعب «متدخلا» اسم مكان من تدخل تفعل من الدخول، وقرىء «مندخلا» من اندخل، وقد ورد في شعر الكميت: ولا يدي في حميت السمن تندخل (١) وأنكر أبو حاتم هذه القراءة وقال: إنما هي بالتاء بناء على إنكار هذه اللغة وليس بذاك لَوَلَّوْا أي لصرفوا وجوههم وأقبلوا. وقرىء «لوالوا» أي لالتجؤوا إِلَيْهِ أي إلى أحد ما ذكر وَهُمْ يَجْمَحُونَ أي يسرعون في الذهاب إليه بحيث لا يردهم شيء كالفرس الجموح وهو النفور الذي لا يرده لجام، وروى الأعمش عن أنس بن مالك أنه قرأ «يجمزون» بالزاي وهو بمعنى يجمحون ويشتدون، ومنه الجمازة الناقة الشديدة العدو، وأنكر بعضهم كون ما ذكر قراءة وزعم أنه تفسير وهو مردود. والجملة الشرطية استئناف مقرر لمضمون ما سبق من أنهم ليسوا من المسلمين وأن التجاءهم إلى الانتماء إليهم إنما هو للتقية اضطرارا، وإيثار صيغة الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضي لإفادة استمرار عدم الوجدان حسبما يقتضيه المقام، ونظير ذلك- لو تحسن إلي لشكرتك- نعم كثيرا ما يكون المضارع المنفي الواقع موقع الماضي لإفادة انتفاء استمرار الفعل لكن ذلك غير مراد هاهنا وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ أي يعيبك في شأنها. وقرأ يعقوب «يلمزك» بضم الميم وهي قراءة الحسن والأعرج، وقرأ ابن كثير «يلامزك» هو من الملامزة بمعنى اللمز، والمشهور أنه مطلق العيب كالهمز، ومنهم من فرق بينهما بأن اللمز في الوجه والهمز في الغيب وهو المحكي عن الليث وقد عكس أيضا وأصل معناه الدفع فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها بيان لفساد لمزهم وأنه لا منشأ له إلا حرصهم على حطام الدنيا أي إن أعطيتهم من تلك الصدقات قدر ما يريدون رَضُوا بما وقع في القسمة واستحسنوا فعلك وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها ذلك المقدار إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ أي يفاجئون السخط، وإِذا نابت مناب فاء الجزاء وشرط لنيابتها عنه كون الجزاء جملة اسمية، ووجه دلالتها على التعقيب كالفاء، وغاير سبحانه بين جوابي الجملتين إشارة إلى أن سخطهم ثابت لا يزول ولا يفنى بخلاف رضاهم. وقرأ إياد بن لقيط «إذا هم ساخطون» والآية نزلت في ذي الخويصرة واسمه حرقوص بن زهير التميمي جاء ورسول الله ﷺ يقسم غنائم هوازن يوم حنين فقال: يا رسول الله ﷺ اعدل. فقال ﵊: «ومن يعدل إذا لم أعدل» فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله ائذن لي أضرب عنقه فقال النبي ﷺ : «دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» الحديث. وأخرج ابن مروديه عن ابن مسعود قال: لما قسم النبي ﷺ غنائم حنين سمعت رجلا

стр. 2112

يقول: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله تعالى فأتيت النبي ﵊ فذكرت ذلك له فقال: «رحمة الله تعالى على موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» ونزلت الآية. وأخرج ابن جرير وغيره عن داود بن أبي عاصم قال: «أوتي النبي ﷺ بصدقة فقسمها هاهنا وهاهنا حتى ذهبت ووراءه رجل من الأنصار فقال: ما هذا بالعدل فنزلت» ، وعن الكلبي أنها نزلت في أبي الجواظ المنافق قال: ألا ترون إلى صاحبكم إنما يقسم صدقاتكم في رعاء الغنم ويزعم أنه يعدل. وتعقب هذا ولي الدين العراقي بأنه ليس في شيء من كتب الحديث، وأنت تعلم أن أصح الروايات الأولى إلا أن كون سبب النزول قسمته ﷺ للصدقة على الوجه الذي فعله أوفق بالآية من كون ذلك قسمته للغنيمة فتأمل وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أي ما أعطاهم الرسول الله من الصدقات طيبي النفوس به وإن قل- فما- وإن كانت من صيغ العموم إلا أن ما قبل وما بعد قرينة على التخصيص، وبعض أبقاها على العموم أي ما أعطاهم من الصدقة أو الغنيمة قيل لأنه الأنسب، وذكر الله للتعظيم وللتنبيه على أن ما فعله الرسول ﵊ كان بأمره سبحانه وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ أي كفانا فضله وما قسمه لنا كما يقتضيه المعنى سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ بعد هذا حسبما نرجو ونأمل إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ في أن يخولنا فضله جل شأنه، والآية بأسرها في حيز الشرط والجواب محذوف بناء على ظهوره أي لكان خيرا لهم وأعود عليهم، وقيل: إن جواب الشرط قالُوا والواو زائدة وليس بذاك، ثم إنه سبحانه لما ذكر المنافقين وطعنهم وسخطهم بين أن فعله ﵊ لإصلاح الدين وأهله لا لأغراض نفسانية كأغراضهم فقال جل وعلا: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ إلخ يعني أن الذي ينبغي أن يقسم مال الله عليه من اتصف بإحدى هذه الصفات دون غيره إذ القصد الصلاح والمنافقون ليس فيهم سوى الفساد فلا يستحقونه وفي ذلك حسم لأطماعهم الفارغة ورد لمقالتهم الباطلة، والمراد من الصدقات الزكوات فيخرج غيرها من التطوع، والفقير على ما روي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه من له أدنى شيء وهو ما دون النصاب أو قدر نصاب غير نام وهو مستغرق في الحاجة، والمسكين من لا شيء له فيحتاج للمسألة لقوته وما يواري بدنه ويحل له ذلك بخلاف الأول حيث لا تحل له المسألة فإنها لا تحل لمن يملك قوت يومه بعد ستر بدنه، وعند بعضهم لا تحل لمن كان كسوبا أو يملك خمسين درهما. فقد أخرج أبو داود والترمذي والنسائي عن ابن مسعود قال: «قال رسول الله ﷺ من سألنا وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش أو خدوش أو كدوح قيل: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: خمسون درهما أو قيمتها من الذهب» وإلى هذا ذهب الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق، وقيل: من ملك أربعين درهما حرم عليه السؤال لما أخرج أبو داود عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله ﷺ من سأل وله قيمة أوقية فقد ألحف» وكان الأوقية في ذلك الزمان أربعين درهما. ويجوز صرف الزكاة لمن لا تحل له المسألة بعد كونه فقيرا، ولا يخرجه عن الفقر ملك نصب كثيرة غير نامية إذا كانت مستغرقة للحاجة، ولذا قالوا: يجوز للعالم وإن كانت له كتب تساوي نصبا كثيرة إذا كان محتاجا إليها للتدريس ونحوه أخذ الزكاة بخلاف العامي وعلى هذا جميع آلات المحترفين. وعلى ما نقل عن الإمام يكون المسكين أسوأ حالا من الفقير، واستدل بقوله تعالى: أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] أي ألصق جلده بالتراب في حفرة استتر بها مكان الإزار وألصق بطنه به لفرط الجوع فإنه يدل على غاية الضرر والشدة ولم يوصف الفقير بذلك، وبأن الأصمعي وأبا عمرو بن العلاء وغيرهما من أهل اللغة فسروا المسكين بمن لا شيء له، والفقير بمن له بلغة من العيش. وأجيب بأن تمام الاستدلال بالآية موقوف على أن الصفة كاشفة وهو خلاف

стр. 2113

الظاهر، وأن النقل عن بعض أهل اللغة معارض بالنقل عن البعض الآخر. وقال الشافعي عليه الرحمة: الفقير من لا مال له ولا كسب يقع موقعا من حاجته، والمسكين من له مال أو كسب لا يكفيه، فالفقير عنده أسوأ حالا من المسكين، واستدل له بقوله تعالى: وأَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ [الكهف: ٧٩] فأثبت للمسكين سفينة، وبما رواه الترمذي عن أنس وابن ماجة والحاكم عن أبي سعيد قالا: «قال رسول الله ﷺ اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين» مع ما رواه أبو داود عن أبي بكرة أنه ﵊ كان يدعو بقوله: «اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر» وخبر «الفقر فخري» كذب لا أصل له. وبأن الله تعالى قدم الفقير في الآية ولو لم تكن حاجته أشد لما بدأ به، وبأن الفقير بمعنى المفقور أي مكسور الفقار أي عظام الصلب فكان أسوأ. وأجيب عن الأول بأن السفينة لم تكن ملكا لهم بل هم أجراء فيها أو كانت عارية معهم أو قيل لهم مساكين ترحما كما في الحديث «مساكين أهل النار» وقوله: مساكين أهل الحب حتى قبورهم ... عليها تراب الذل بين المقابر وهذا أولى، وعن الثاني بأن الفقر المتعوذ منه ليس إلا فقر النفس لما روي أنه ﷺ كان يسأل العفاف والغنى والمراد به غنى النفس لا كثرة الدنيا، وعن الثالث بأن التقديم لا دليل فيه إذ له اعتبارات كثيرة في كلامهم، وعن الرابع بأنا لا نسلم أن الفقير مأخوذ من الفقار لجواز كونه من فقرت له فقرة من مالي إذا قطعتها فيكون له شيء، وأيا ما كان فهما صنفان، وقال الجبائي: إنهما صنف واحد والعطف للاختلاف في المفهوم، وروي ذلك عن محمد وأبي يوسف، وفائدة الخلاف تظهر فيهما إذا أوصى بثلث ماله مثلا لفلان وللفقراء والمساكين فمن قال: إنهما صنف واحد جعل لفلان النصف ومن قال: إنهما صنفان جعل له الثلث من ذلك وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وهم الذين يبعثهم الإمام لجبايتها، وفي البحر أن العامل يشمل العاشر والساعي. والأول من نصبه الإمام على الطريق ليأخذ الصدقات من التجار المارين بأموالهم عليه. والثاني هو الذي يسعى في القبائل ليأخذ صدقة المواشي في أماكنها، ويعطى العامل ما يكفيه وأعوانه بالوسط مدة ذهابهم وإيابهم ما دام المال باقيا إلا إذا استغرقت كفايته الزكاة فلا يزاد على النصف لأن التنصيف عين الانصاف. وعن الشافعي أنه يعطى الثمن لأن القسمة تقتضيه وفيه نظر، وقيد بالوسط لأنه لا يجوز أن يتبع شهوته في المأكل والمشرب والملبس لكونه إسرافا محضا، وعلى الإمام أن يبعث من يرضى بالوسط من غير إسراف ولا تقتير، وببقاء المال لأنه لو أخذ الصدقة وضاعت من يده بطلت عمالته ولا يعطى من بيت المال شيئا وما يأخذه صدقة، ومن هنا قالوا: لا تحل العمالة لهاشمي لشرفه، وإنما حلت للغني مع حرمة الصدقة عليه لأنه فرغ نفسه لهذا العمل فيحتاج إلى الكفاية، والغنى لا يمنع من تناولها عند الحاجة كابن السبيل كذا في البدائع، والتحقيق أن في ذلك شبها بالأجرة وشبها بالصدقة، فبالاعتبار الأول حلت للغني ولذا لا يعطى لو أداها صاحب المال إلى الإمام، وبالاعتبار الثاني لا تحل للهاشمي. وفي النهاية رجل من بني هاشم استعمل على الصدقة فأجري له منها رزق فإنه لا ينبغي له أن يأخذ من ذلك، وإن عمل فيها ورزق من غيرها فلا بأس به، وهو يفيد صحة توليته وأن أخذه منها مكروه لا حرام، وصرح في الغاية بعدم صحة كون العامل هاشميا أو عبدا أو كافرا، ومنه يعلم حرمة تولية اليهود على بعض الأعمال وقد تقدمت نبذة من الكلام على ذلك وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وهم كانوا ثلاثة أصناف. صنف كان يؤلفهم رسول الله ﷺ ليسلموا. وصنف أسلموا لكن على ضعف كعيينة بن حصن والأقرع بن حابس والعباس بن مرداس السلمي فكان ﵊ يعطيهم لتقوى نيتهم في الإسلام. وصنف كانوا يعطون لدفع شرهم عن المؤمنين، وعد منهم من يؤلف قلبه بإعطاء

стр. 2114

شيء من الصدقات على قتال الكفار ومانعي الزكاة. وفي الهداية أن هذا الصنف من الأصناف الثمانية قد سقط وانعقد إجماع الصحابة على ذلك في خلافة الصديق رضي الله تعالى عنه. روي أن عيينة والأقرع جاءا يطلبان أرضا من أبي بكر فكتب بذلك خطأ فمزقه عمر رضي الله تعالى عنه وقال: هذا شيء يعطيكموه رسول الله ﷺ تأليفا لكم فأما اليوم فقد أعز الله تعالى الإسلام وأغنى عنكم فإن ثبتم على الإسلام وإلا فبيننا وبينكم السيف. فرجعوا إلى أبي بكر فقالوا: أنت الخليفة أم عمر؟ بذلت لنا الخط ومزقه عمر، فقال رضي الله تعالى عنه: هو إن شاء ووافقه، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم مع احتمال أن فيه مفسدة كارتداد بعض منهم وإثارة ثائرة. واختلف كلام القوم في وجه سقوطه بعد النبي ﷺ بعد ثبوته بالكتاب إلى حين وفاته- بأبي هو وأمي ﵊ فمنهم من ارتكب جواز نسخ ما ثبت بالكتاب بالإجماع بناء على أن الإجماع حجة قطعية كالكتاب وليس بصحيح من المذهب ومنهم من قال: هو من قبيل انتهاء الحكم بانتهاء علته كانتهاء جواز الصوم بانتهاء وقته وهو النهار. ورد بأن الحكم في البقاء لا يحتاج إلى علة كما في الرمل والاضطباع في الطواف فانتهاؤها لا يستلزم انتهاءه وفيه بحث. وقال علاء الدين عبد العزيز: والأحسن أن يقال: هذا تقرير لما كان في زمن النبي ﷺ من حيث المعنى، وذلك أن المقصود بالدفع إليهم كان إعزاز الإسلام لضعفه في ذلك الوقت لغلبة أهل الكفر وكان الإعزاز بالدفع، ولما تبدلت الحال بغلبة أهل الإسلام صار الإعزاز في المنع، وكان الإعطاء في ذلك الزمان والمنع في هذا الزمان بمنزلة الآلة لإعزاز الدين والإعزاز هو المقصود وهو باق على حاله فلم يكن ذلك نسخا، كالمتيمم وجب عليه استعمال التراب للتطهير لأنه آلة متعينة لحصول التطهير عند عدم الماء فإذا تبدلت حاله فوجد الماء سقط الأول ووجب استعمال الماء لأنه صار متعينا لحصول المقصود ولا يكون هذا نسخا للأول فكذا هذا وهو نظير إيجاب الدية على العاقلة فإنها كانت واجبة على العشيرة في زمن النبي ﷺ ، وبعده على أهل الديوان لأن الإيجاب على العاقلة بسبب النصرة والاستنصار في زمنه ﷺ كان بالعشيرة وبعده ﵊ بأهل الديوان، فإيجابها عليهم لم يكن نسخا بل كان تقريرا للمعنى الذي وجبت الدية لأجله وهو الاستنصار اهـ. واستحسنه في النهاية. وتعقبه ابن الهمام بأن هذا لا ينفي النسخ لأن إباحة الدفع إليهم حكم شرعي كان ثابتا وقد ارتفع، وقال بعض المحققين: إن ذلك نسخ ولا يقال: نسخ الكتاب بالإجماع لا يجوز على الصحيح لأن الناسخ دليل الإجماع لا هو بناء على أنه لا إجماع إلا عن مستند فإن ظهر وإلا وجب الحكم بأنه ثابت، على أن الآية التي أشار إليها عمر رضي الله تعالى عنه وهي قوله سبحانه: وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ [الكهف: ٢٩] يصلح لذلك وفيه نظر، فإنه إنما يتم لو ثبت نزول هذه الآية بعد هذه ولم يثبت، وقال قوم: لم يسقط سهم هذا الصنف، وهو قول الزهري وأبي جعفر محمد بن علي وأبي ثور، وروي ذلك عن الحسن، وقال أحمد: يعطون ان احتاج المسلمون إلى ذلك. وقال البعض: إن المؤلفة قلوبهم مسلمون وكفار والساقط سهم الكفار فقط. وصحح أنه ﵊ كان يعطيهم من خمس الخمس الذي كان خاص ماله ﷺ وَفِي الرِّقابِ أي للصرف في فك الرقاب بأن يعان المكاتبون بشيء منها على أداء نجومهم، وقيل: بأن يبتاع منها الرقاب فتعتق، وقيل: بأن يفدي الأسارى، وإلى الأول ذهب النخعي والليث والزهري والشافعي، وهو المروي عن سعيد بن جبير وعليه أكثر الفقهاء، وإلى الثاني ذهب مالك وأحمد وإسحاق، وعزاه الطيبي إلى الحسن، وفي تفسير الطبري أن الأول هو المنقول عنه وَالْغارِمِينَ أي الذين عليهم دين، والدفع إليهم كما في الظهيرية أولى من الدفع إلى الفقير وقيدوا الدين بكونه في غير معصية كالخمر

стр. 2115

والإسراف فيما لا يعنيه، لكن قال النووي في المنهاج قلت: والأصح أن من استدان للمعصية يعطى إذا تاب وصححه في الروضة، والمانع مطلقا قال: إنه قد يظهر التوبة للأخذ، واشترط أن لا يكون لهم ما يوفون به دينهم فاضلا عن حوائجهم ومن يعولونه، وإلا فمجرد الوفاء لا يمنع من الاستحقاق، وهو أحد قولين عند الشافعية وهو الأظهر. وقيل: لا يشترط لعموم الآية. وأطلق القدوري وصاحب الكنز من أصحابنا المديون في باب المصرف، وقيده في الكافي بأن لا يملك نصابا فضلا عن دينه وذكر في البحر أنه المراد بالغارم في الآية إذ هو في اللغة من عليه دين ولا يجد قضاء كما ذكره العتبي. واعتذر عن عدم التقييد بأن الفقر شرط في الأصناف كلها إلا العامل وابن السبيل إذا كان له في وطنه مال فهو بمنزلة الفقير، وهل يشترط حلول الدين أو لا قولان للشافعية. ويعطى عندهم من استدان لإصلاح ذات البين كأن يخاف فتنة بين قبيلتين تنازعتا في قتيل لم يظهر قاتله أو ظهر فأعطى الدية تسكينا للفتنة، ويعطى مع الغنى مطلقا، وقيل: إن كان غنيا بنقد لا يعطى وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ. أريد بذلك عند أبي يوسف منقطعو الغزاة، وعند محمد منقطعو الحجيج. وقيل: المراد طلبة العلم واقتصر عليه في الفتاوى الظهيرية، وفسره في البدائع بجميع القرب فيدخل فيه كل من سعى في طاعة الله تعالى وسبل الخيرات. قال في البحر: ولا يخفى أن قيد الفقر لا بد منه على الوجوه كلها فحينئذ لا تظهر ثمرته في الزكاة. وإنما تظهر في الوصايا والأوقاف انتهى. وفي النهاية فإن قيل: إن قوله سبحانه وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مكرر سواء أريد منقطع الغزاة أو غيره لأنه إما أن يكون له في وطنه مال أم لا فإن كان فهو ابن السبيل وإن لم يكن فهو فقير، فمن أين يكون العدد سبعة على ما يقول الأصحاب أو ثمانية على ما يقول غيرهم. أجيب بأنه فقير إلا أنه ازداد فيه شيء آخر سوى الفقر وهو الانقطاع في عبادة الله تعالى من جهاد أو حج فلذا غاير الفقير المطلق فإن المقيد يغاير المطلق لا محالة، ويظهر أثر التغاير في حكم آخر أيضا وهو زيادة التحريض والترغيب في رعاية جانبه وإذا كان كذلك لم تنقص المصارف عن سبعة وفيه تأمل انتهى، ولا يخفى وجهه. وذكر بعضهم أن التحقيق ما ذكره الجصاص في الأحكام أن من كان غنيا في بلده بداره وخدمه وفرسه وله فضل دراهم حتى لا تحل له الصدقة فإذا عزم على سفر جهاد احتاج لعدة وسلاح لم يكن محتاجا له في إقامته فيجوز أن يعطى من الصدقة وإن كان غنيا في مصره وهذا معنى قوله ﷺ : «الصدقة تحل للغازي الغني» فافهم ولا تغفل وَابْنِ السَّبِيلِ وهو المسافر المنقطع عن ماله. والاستقراض له خير من قبول الصدقة على ما في الظهيرية. وفي فتح القدير أنه لا يحل له أن يأخذ أكثر من حاجته، وألحق به كل من هو غائب عن ماله وإن كان في بلده. وفي المحيط وإن كان تاجرا له دين على الناس لا يقدر على أخذه ولا يجد شيئا يحل له أخذ الزكاة لأنه فقير يدا كابن السبيل. وفي الخانية تفصيل في هذا المقام قال: والذي له دين مؤجل على إنسان إذا احتاج إلى النفقة يجوز له أن يأخذ من الزكاة قدر كفايته إلى حلول الأجل، وإن كان الدين غير مؤجل فإن كان من عليه الدين معسرا يجوز له أن يأخذ الزكاة في أصح الأقاويل لأنه بمنزلة ابن السبيل، وإن كان المديون موسرا معترفا لا يحل له أخذ الزكاة وكذا إذا كان جاحدا وله عليه بينة عادلة، وإن لم تكن عادلة لا يحل له الأخذ أيضا ما لم يرفع الأمر إلى القاضي فيحلفه فإذا حلفه يحل له الأخذ بعد ذلك اهـ، والمراد من الدين ما يبلغ نصابا كما لا يخفى. وفي فتح القدير ولو دفع إلى فقيرة لها مهر دين على زوجها يبلغ نصابا وهو موسر بحيث لو طلبت أعطاها لا يجوز، وإن كان بحيث لا يعطي لو طلبت جاز اهـ. وهو مقيد لعموم ما في الخانية، والمراد من المهر ما تعورف تعجيله لأن ما تعورف تأجيله فهو دين مؤجل لا يمنع أخذ الزكاة، ويكون في الأول عدم إعطائه بمنزلة إعساره، ويفرق بينه وبين سائر الديون بأن رفع الزوج للقاضي مما ينبغي للمرأة بخلاف غيره، لكن في البزازية دفع الزكاة إلى أخته وهي تحت زوج إن كان مهرها المعجل

стр. 2116

أقل من النصاب أو أكثر لكن الزوج معسر له أن يدفع إليها الزكاة وإن كان موسرا والمعجل قدر النصاب لا يجوز عندهما وبه يفتى للاحتياط، وعند الإمام يجوز مطلقا هذا، والعدول عن اللام إلى فِي في الأربعة الأخيرة على ما قاله الزمخشري للإيذان بأنهم أرسخ في استحقاق الصدقة ممن سبق ذكره لما أن فِي للظرفية المنبئة عن إحاطتهم بها وكونهم محلها ومركزها وعليه فاللام لمجرد الاختصاص، وفي الانتصاف أن ثم سرا آخر هو أظهر وأقرب وذلك أن الأصناف الأوائل ملاك لما عساه أن يدفع إليهم وإنما يأخذونه تملكا فكان دخول اللام لائقا بهم، وأما الأربعة الأواخر فلا يملكون لما يصرف نحوهم بل ولا يصرف إليهم ولكن يصرف في مصالح تتعلق بهم، فالمال الذي يصرف في الرقاب إنما يتناوله السادة المكاتبون أو البائعون فليس نصيبهم مصروفا إلى أيديهم حتى يعبر عن ذلك باللام المشعرة بملكهم لما يصرف نحوهم وإنما هم محال لهذا الصرف ولمصالحه المتعلقة به، وكذلك الغارمون إنما يصرف نصيبهم لأرباب ديونهم تخليصا لذممهم لا لهم، وأما في سبيل الله فواضح فيه ذلك، وأما ابن السبيل فكأنه كان مندرجا في سبيل الله، وإنما أفرد بالذكر تنبيها على خصوصيته مع أنه مجرد من الحرفين جميعا. وعطفه على المجرور باللام ممكن ولكن عطفه على القريب أقرب، وما أشار إليه من أن المكاتب لا يملك وإنما يملك المكاتب هو الذي أشار إليه بعض أصحابنا. ففي المحيط قالوا: إنه لا يجوز إعطاء الزكاة لمكاتب هاشمي لأن الملك يقع للمولى من وجه والشبهة ملحقة بالحقيقة في حقهم وفي البدائع ما هو ظاهر في أن الملك يقع للمكاتب وحينئذ فبقية الأربعة بالطريق الأولى. والمشهور أن اللام للملك عند الشافعية وهو الذي يقتضيه مذهبهم حيث قالوا: لا بد من صرف الزكاة إلى جميع الأصناف إذا وجدت ولا تصرف إلى صنف مثلا ولا إلى أقل من ثلاثة من كل صنف بل إلى ثلاثة أو أكثر إذا وجد ذلك، وعندنا يجوز للمالك أن يدفع الزكاة إلى كل واحد منهم وله أن يقتصر على صنف واحد لأن المراد بالآية بيان الأصناف التي يجوز الدفع إليهم لا تعيين الدفع لهم، ويدل له قوله تعالى: وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ [البقرة: ٢٧١] وأنه ﷺ أتاه مال من الصدقة فجعله في صنف واحد وهو المؤلفة قلوبهم ثم أتاه مال آخر فجعله في الغارمين فدل ذلك على أنه يجوز الاقتصار على صنف واحد، ودليل جواز الاقتصار على شخص واحد منه أن الجمع المعرف بأل مجاز عن الجنس، فلو حلف لا يتزوج النساء ولا يشتري العبيد يحنث بالواحد فالمعنى في الآية أن جنس الصدقة لجنس الفقير، فيجوز الصرف إلى واحد لأن الاستغراق ليس بمستقيم، إذ يصير المعنى أن كل صدقة لكل فقير وهو ظاهر الفساد، وليس هناك معهود ليرتكب العهد، ولا يرد- خالعني على ما في يدي من الدراهم ولا شيء في يدها- فإنه يلزمها ثلاثة، ولو حلف لا يكلمه الأيام أو الشهور فإنه يقع على العشرة عند الإمام وعلى الأسبوع والسنة عند الإمامين لأنه أمكن العهد فلا يحمل على الجنس. فالحاصل أن حمل الجمع على الجنس مجاز وعلى العهد أو الاستغراق حقيقة، ولا مساغ للخلف إلا عند تعذر الأصل، وعلى هذا ينصف الموصى به لزيد والفقراء كالوصية لزيد وفقير. وما ذهبنا إليه هو المروي عن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وبه قال سعيد بن جبير وعطاء وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل ومالك عليهم الرحمة وذكر ابن المنير أن جده أبا العباس أحمد بن فارس كان يستنبط من تغاير الحرفين المذكورين دليلا على أن الغرض بيان المصرف واللام لذلك فيقول: متعلق الجار الواقع خبرا عن الصدقات محذوف فإما أن يكون التقدير إنما الصدقات مصروفة للفقراء كما يقول مالك ومن معه أو مملوكة للفقراء كما يقول الشافعي لكن الأول متعين لأنه تقدير يكتفى به في الحرفين جميعا ويصح تعلق اللام وَفِي معا به فيصح

стр. 2117

أن يقال: هذا الشيء مصروف في كذا ولكذا بخلاف تقدير مملوكة فإنه إنما يلتئم مع اللام وعند الانتهاء إلى فِي يحتاج إلى تقدير مصروفة ليلتئم بها فتقديره من الأول عام التعلق شامل الصحة متعين اهـ. وبالجملة لا يخفى قوة منزع الأئمة الثلاثة في الأخذ. ولذا اختار بعض الشافعية ما ذهبوا إليه، وكان والد العلامة البيضاوي عمر بن محمد- وهو مفتي الشافعية في عصره- يفتي به فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ مصدر مؤكد لمقدر مأخوذ من معنى الكلام أي فرض لهم الصدقات فريضة، ونقل عن سيبويه أنه منصوب بفعله مقدرا أي فرض الله تعالى ذلك فريضة، واختار أبو البقاء كونه حالا من الضمير المستكن في قوله تعالى لِلْفُقَراءِ أي إنما الصدقات كائنة لهم حال كونها فريضة أي مفروضة، قيل: ودخلته التاء لإلحاقه بالأسماء كنطيحة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال الناس ومراتب استحقاقهم حَكِيمٌ لا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة من الأمور الحسنة التي من جملتها سوق الحقوق إلى مستحقيها وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ أخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنها نزلت في جماعة من المنافقين منهم الجلاس بن سويد بن صامت ورفاعة بن عبد المنذر ووديعة بن ثابت وغيرهم قالوا ما لا ينبغي في حقه ﵊ فقال رجل منهم: لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلغ محمدا ﷺ ما تقولون فيقع بنا. فقال الجلاس: بل نقول ما شئنا ثم نأتيه فيصدقنا بما نقول فإن محمدا ﷺ أذن، وفي رواية أذن سامعة، وعن محمد بن إسحاق أنها نزلت في رجل من المنافقين يقال له نبتل بن الحارث، وكان رجلا آدم أحمر العينين أسفع الخدين مشوه الخلقة وكان ينم حديث النبي ﷺ إلى المنافقين فقيل له: لا تفعل. فقال: إنما محمد ﷺ أذن من حدثه شيئا صدقه نقول شيئا ثم نأتيه ونحلف له فيصدقنا، وهو الذي قال فيه النبي ﷺ : «من أراد أن ينظر إلى الشيطان فلينظر إلى نبتل بن الحارث» وأرادوا سوّد الله وجوههم وأصمهم وأعمى أبصارهم بقولهم أذن أنه ﵊ يسمع ما يقال له ويصدقه فيكون وصف أُذُنٌ بما يفيد ذلك في كلامهم كشفا له، وهي في الأصل اسم للجارحة، وإطلاقها على الشخص بالمعنى المذكور- كما يؤيده بعض الروايات- من باب المجاز المرسل على ما في المفتاح كإطلاق العين على ربيئة القوم حيث كانت العين هي المقصودة منه، وصرح غير واحد أن ذلك من إطلاق الجزء على الكل للمبالغة كقوله: إذا ما بدت ليلى فكلي أعين ... وإن هي ناجتني فكلي مسامع وقيل: إنه مجاز عقلي كرجل عدل وفيه نظر، والمبالغة هنا على ما قيل في أنه يسمع كل قول باعتبار أنه يصدقه لا في مجرد السماع، وما قيل: إن مرادهم بكونه ﵊ أذنا تصديقه بكل ما يسمع من غير فرق بين ما يليق بالقبول لمساعدة أمارات الصدق له وبين ما لا يليق به فليس من قبيل إطلاق العين على الربيئة. ولذا جعله بعضهم من قبيل التشبيه بالأذن في أنه ليس فيه وراء الاستماع تمييز حق عن باطل ليس بشيء يعتد به وقيل: إنه على تقدير مضاف أي ذو أذن ولا يخفى أنه مذهب لرونقه، وجوز أن يكون أُذُنٌ صفة مشبهة من أذن يأذن إذنا إذا استمع وأنشد الجوهري لقعنب: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا ... مني وما سمعوا من صالح دفنوا صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بشر عندهم أذنوا وعلى هذا هو صفة بمعنى سميع ولا تجوز فيه وما تأذى به النبي ﷺ يحتمل أن يكون ما قالوه في حقه ﵊ من سائر الأقوال الباطلة فيكون قوله سبحانه: وَيَقُولُونَ إلخ غير ما تأذى به. ويحتمل أن يكون

стр. 2118

نفس قولهم «هو أذن» فيكون عطف تفسير ويُؤْذُونَ مضارع آذاه والمشهور في مصدره أذى وأذاة وأذية وجاء أيضا الإيذاء كما أثبته الراغب وقول صاحب القاموس ولا تقل إيذاء خطأ منه. قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ من قبيل رجل صدق فهو من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الجودة والصلاح كأنه قيل: نعم هو أذن ولكن نعم الأذن، ويجوز أن تكون الإضافة على معنى في أي هو أذن في الخير والحق وفيما يجب سماعه وقبوله وليس بأذن في غير ذلك، ويدل عليه قراءة حمزة «ورحمة» فيما يأتي بالجر عطفا على خير فإنه لا يحسن وصف الأذن بالرحمة ويحسن أن يقال أذن في الخير والرحمة، وهذا كما قال ابن المنير أبلغ أسلوب في الرد عليهم لأن فيه أطماعا لهم بالموافقة على مدعاهم ثم كر عليهم بحسم طمعهم وبت أمنيتهم وهو كالقول الموجب. وقرأ نافع «أذن» بالتخفيف في الموضعين وقرأ «أذن» بالتنوين- فخير- صفة له بمعنى خير المشدد أو أفعل تفضيل أو مصدر وصف به للمبالغة أو بالتأويل المشهور، وقوله سبحانه: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ تفسير لكونه ﵊ أذن خير لهم، أي يصدق بالله تعالى لما قام عنده من الأدلة والآيات الموجبة لذلك، وكون ذلك صفة خير للمخاطبين كما أنه خير للعالمين مما لا يخفى وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي يصدقهم لما علم فيهم من الخلوص، والظاهر أن هذا مندرج في حيز التفسير لكن الغالب من المفسرين لم يبينوا وجهه كونه صفة خير للمخاطبين، نعم قال مولانا الشهاب: إن المعنى هو أذن خير يسمع آيات الله تعالى ودلائله فيصدقها ويسمع قول المؤمنين فيسلمه لهم ويصدقهم به، وهو تعريض بأن المنافقين أذن شر يسمعون آيات الله تعالى ولا ينتفعون بها ويسمعون قول المؤمنين ولا يقبلونه، وأنه ﷺ لا يسمع قولهم إلا شفقة عليهم لا أنه يقبله لعدم تمييزه ﵊ كما زعموا، وبهذا يصح وجه التفسير فتدبر انتهى، ولا يخفى أن في إرادة هذا المعنى من هذا المقدار من الآية بعدا، وربما يقال: إن المراد أنه ﵊ يسمع قول المؤمنين الخلص ويصدقهم ولا يصدق المنافقين وإن سمع قولهم، وكون ذلك صفة خير للمخاطبين إما باعتبار أنه قد ينجر إلى إخلاصهم لما أن فيه انحطاط مرتبتهم عن مرتبة المخلصين وإما باعتبار أن تصديقه ﷺ للمؤمنين الخلص فيما يقولونه من الحق من متممات تصديقه آيات الله تعالى ولا شك في خيرية ذلك للمخاطبين بل ولغيرهم أيضا فليفهم. والإيمان في قوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ بمعنى الاعتراف والتصديق كما أشرنا إليه ولذا عدي بالباء، وأما في قوله سبحانه: وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ فهو بمعنى جعلهم في أمان من التكذيب فاللام فيه مزيدة للتقوية لأنه بذلك المعنى متعد بنفسه كذا قيل، وفيه أن الزيادة لتقوية الفعل المتقدم على معموله قليلة. وقال الزمخشري: إنه قصد من الإيمان في الأول التصديق بالله تعالى الذي هو نقيض الكفر فعدي بالباء الذي يتعدى بها الكفر حملا للنقيض على النقيض، وقصد من الإيمان في الثاني السماع من المؤمنين وأن يسلم لهم ما يقولونه ويصدقهم لكونهم صادقين عنده فعدي باللام ألا ترى إلى قوله سبحانه: وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنَّا صادِقِينَ [يوسف: ١٧] حيث عدي الإيمان فيه باللام لأنه بمعنى التسليم لهم، وظاهر هذا أن اللام ليست مزيدة للتقوية كما في الأول، وكلام بعضهم يشعر ظاهره بزيادتها، وقوله سبحانه: وَرَحْمَةٌ عطف على أُذُنُ خَيْرٍ أي وهو رحمة، وفيه الاخبار بالمصدر والكلام في ذلك معلوم لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أي للذين أظهروا الإيمان حيث يقبله منهم لكن لا تصديقا لهم في ذلك بل رفقا بهم وترحما عليهم ولا يكشف أسرارهم ولا يهتك أستارهم. وظاهر كلام الخازن أن المراد من الذين آمنوا المخلصون وذكر مِنْكُمْ باعتبار أن المنافقين كانوا يزعمون أنهم مؤمنون والحق حمل ذلك على المنافقين وإسناد الإيمان إليهم بصيغة الفعل بعد نسبته إلى المؤمنين

стр. 2119

المخلصين بصيغة الفاعل المنبئة عن الرسوخ والاستمرار للإيذان بأن إيمانهم أمر حادث ما له من قرار ولعل العدول عن- رحمة- لكم إلى ما ذكر للإشارة إلى ذلك. وقرأ ابن أبي عبلة «رحمة» بالنصب على أنه مفعول له لفعل مقدر دل عليه أُذُنُ خَيْرٍ أي يأذن لكم ويسمع رحمة وجوز عطفه على آخر مقدر أي تصديقا لهم ورحمة لكم وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ أي بأي نوع من الإيذاء كان وفي صيغة الاستقبال المشعرة بترتب الوعيد على الاستمرار على ما هم عليه إشعار بقبول توبتهم لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ أي بسبب ذلك كما ينبىء عنه بناء الحكم على الموصول وجملة الموصول وخبره مسوق من قبله على نهج الوعيد غير داخل تحت الخطاب وفي تكرير الإسناد بإثبات العذاب الأليم لهم ثم جعل الجملة خبرا ما لا يخفى من المبالغة وإيراده ﵊ بعنوان الرسالة مع الإضافة إلى الاسم الجليل لغاية التعظيم والتنبيه على أن أذيته ﵊ راجعة إلى جنابه موجبة لكمال السخط والغضب منه سبحانه. وذكر بعضهم أن الإيذاء لا يختص بحال حياته ﷺ بل يكون بعد وفاته ﷺ أيضا وعدوا من ذلك التكلم في أبويه ﷺ بما لا يليق وكذا إيذاء أهل بيته رضي الله تعالى عنهم كإيذاء يزيد عليه ما يستحق لهم وليس بالبعيد يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ الخطاب للمؤمنين وكان المنافقون يتكلمون بما لا يليق ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرهم بالأيمان ليعذروهم ويرضوا عنهم. أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلا من المنافقين قال: والله إن هؤلاء لخيارنا وأشرافنا ولئن كان ما يقول محمد ﷺ حقا لهم شر من الحمر، فسمعها رجل من المسلمين فقال: والله إن ما يقول محمد ﷺ لحق ولأنت شر من الحمار، فسعى بها الرجل إلى نبي الله ﷺ فأخبره فأرسل إلى الرجل فدعاه فقال: ما حملك على الذي قلت؟ فجعل يلتعن ويحلف بالله تعالى ما قال ذلك وجعل الرجل المسلم يقول: اللهم صدق الصادق وكذب الكاذب فأنزل سبحانه في ذلك: يَحْلِفُونَ إلخ أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا ما نقل عنهم مما يورث أذاة النبي ﷺ ليرضوكم بذلك. وعن مقاتل والكلبي أنها نزلت في رهط من المنافقين تخلفوا عن غزوة تبوك فلما رجع رسول الله ﷺ منها أتوا المؤمنين يعتذرون إليهم من تخلفهم ويعتلون ويحلفون. وأنكر بعضهم هذا مقتصرا على الأول ولعله رأى ذلك أوفق بالمقام، وإنما أفرد إرضاءهم بالتعليل مع أن عمدة أغراضهم إرضاء الرسول لله للإيذان بأن ذلك بمعزل عن أن يكون وسيلة لإرضائه ﵊ وأنه ﷺ إنما لم يكذبهم رفقا بهم وسترا لعيوبهم لا عن رضى بما فعلوا وقبول قلبي لما قالوا وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ أي أحق بالإرضاء من غيره ولا يكون ذلك إلا بالطاعة والموافقة لأمره وإيفاء حقوقه ﵊ في باب الإجلال والإعظام حضورا وغيبة، وأما الأيمان فإنما يرضى بها من انحصر طريق علمه في الأخبار إلى أن يجيء الحق ويزهق الباطل، والجملة في موضع الحال من ضمير يَحْلِفُونَ والمراد ذمهم بالاشتغال فيما لا يعنيهم والإعراض عما يهمهم ويجديهم. وتوحيد الضمير في يُرْضُوهُ مع أن الظاهر بعد العطف بالواو التثنية لأن إرضاء الرسول ﵊ لا ينفك عن إرضاء الله تعالى ومَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٩] فلتلازمهما جعلا كشيء واحد فعاد إليهما الضمير المفرد، أو لأن الضمير مستعار لاسم الإشارة الذي يشار به إلى الواحد والمتعدد بتأويل المذكور، وإنما لم يثن تأدبا لئلا يجمع بين الله تعالى وغيره في ضمير تثنية: وقد نهي عنه على كلام فيه، أو لأنه عائد إلى رسوله والكلام جملتان حذف خبر الأولى لدلالة خبر الثانية عليه كما في قوله: نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف

стр. 2120

أو إلى الله تعالى على أن المذكور خبر الجملة الأولى وخبر الجملة الثانية محذوف، واختار الأول في مثل ذلك التركيب سيبويه لقرب ما جعل المذكور خبرا له مع السلامة من الفصل بين المبتدأ والخبر، واختار الثاني المبرد للسبق، وقيل: إن الضمير للرسول ﵊ والخبر له لا غير ولا حذف في الكلام لأن الكلام في إيذاء الرسول ﵊ وإرضائه فيكون ذكر الله تعالى تعظيما له ﵊ وتمهيدا فلذا لم يخبر عنه وخص الخبر بالرسول ﷺ ، ونظيره قوله تعالى: وَإِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ [النور: ٥١] ولا يخفى أن اعتبار الأخبار عن المعطوف وعدم اعتبار خبر للمبتدأ المعطوف عليه أصلا مع أنه المستقل في الابتداء في غاية الغرابة، والفرق بين الآيتين مثل الشمس ظاهر إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله أي إن كانوا مؤمنين إيمانا صادقا في الظاهر والباطن فليرضوا الله تعالى ورسوله ﵊ بما ذكر فإنهما أحق بالإرضاء أَلَمْ يَعْلَمُوا أي أولئك المنافقون، والاستفهام للتوبيخ على ما أقدموا عليه من العظيمة مع علمهم بما سمعوا من الرسول ﷺ بوخامة عاقبتها. وقرىء «تعلموا» بالتاء على الالتفات لزيادة التقريع والتوبيخ إذا كان الخطاب للمنافقين لا للمؤمنين كما قيل به. وفي قراءة «ألم تعلم» والخطاب إما للنبي ﷺ أو لكل واقف عليه، والعلم يحتمل أن يكون المتعدي لمفعولين وأن يكون المتعدي لواحد أَنَّهُ أي الشأن مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي يخالف أمر الله وأمر رسوله ﵊، وأصل المحادة مفاعلة من الحد بمعنى الجهة والجانب كالمشاقة من الشق والمعاداة من العدوة بمعناه أيضا فإن كل واحد من مباشري كل من الأفعال المذكورة في حد وشق وعدوة غير ما عليه صاحبه، ويحتمل أن تكون من الحد بمعنى المنع، ومَنْ شرطية جوابها قوله سبحانه: فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ على أن خبره محذوف أي فحق أن له نار جهنم، وقدر ذلك لأن جواب الشرط لا يكون إلا جملة وأن المفتوحة مع ما في حيزها مفرد تأويلا. وقدر مقدما لأنها لا تقع في ابتداء الكلام كالمكسورة، وجوز أن يكون المقدر خبرا أي الأمر أن له إلخ، وقيل: المراد فله نار جهنم وأن تكرير أن في قوله سبحانه: أَنَّهُ توكيدا قيل: وفيه بحث (١) لأنه لو كان المراد فله وأن توكيدا لكان نار جهنم مرفوعا ولم يعمل أن فيه، ولما فصل بين المؤكد والمؤكد بجملة الشرط، ولما وقع أجنبي بين فاء الجزاء وما في حيزه. وأجيب بأنه ليس من باب التوكيد اللفظي بل التكرير لبعد العهد وهو من باب التطرية ومثل ذلك لا يمنع العمل ودخول الفاء. ونظيره قوله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ وقوله: لقد علم الحي اليمانون أنني ... إذا قلت أما بعد أني خطيبها وكم وكم وجعل الآية من هذا الباب نقله سيبويه في الكتاب عن الخليل وهو- هو- وليس «زعم» في كلامه تمريضا له لأنه عادته في كل ما نقله كما بينه شراحه وجوز أن يكون معطوفا على أَنَّهُ وجواب الشرط محذوف أي ألم يعلموا أنه من يحادد الله ورسوله يهلك فإن له إلخ. وحاصله ألم يعلموا هذا وهذا عقيبه ولا يخفى بعده مع أن أبا حيان قال: إنه لا يصح لأنهم نصوا على أن حذف الجواب إنما يكون إذا كان فعل الشرط ماضيا أو مضارعا مجزوما بلم وما هنا ليس كذلك. وتعقبه بعضهم بأن ما ذكره ليس متفقا عليه فقد نص ابن هشام على خلافه فكأنه شرط للأكثرية، والقول بأن حق العطف فيما ذكر أن يكون بالواو قال فيه الشهاب ليس بشيء إلا أن استحقاقه النار بسبب المحادة بلا شبهة، وقرىء «فإن» بالكسر ولا يحتاج إلى توجيه لظهوره، وقوله سبحانه: خالِداً فِيها حال مقدرة

стр. 2121

من الضمير المجرور إن اعتبر في الظرف ابتداء الاستقرار وحدوثه وأنه اعتبر مطلق الاستقرار فالأمر واضح ذلِكَ أي ما ذكر من العذاب الْخِزْيُ الْعَظِيمُ أي الذل والهوان المقارن للفضيحة، ولا يخفى ما في الحمل من المبالغة، والجملة تذييل لما سبق يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ أي من أن تنزل. ويجوز أن يكون يحذر متعديا بنفسه كما يدل عليه ما أنشد سيبويه من قوله: حذر أمورا لا تضير وآمن ... ما ليس ينجيه من الأقدار وأنكر المبرد كونه متعديا لأن الحذر من هيئات النفس كالفزع، والبيت قيل: إنه مصنوع، ورد ما قاله المبرد بأن من الهيئات ما يتعدى كخاف وخشي فما ذكره غير لازم عَلَيْهِمْ أي في شأنهم فإن ما نزل في حقهم نازل عليهم، وهذا إنما يحتاج إليه إذا كان الجار والمجرور متعلقا بتنزل، وأما إذا كان متعلقا بمقدور وقع صفة لقوله سبحانه: سُورَةٌ كما قيل أي تنزل سورة كائنة عليهم من قولهم: هذا لك وهذا عليك فلا كما لا يخفى إلا أنه خلاف الظاهر جدا. والظاهر تعلق الجار بما عنده، وصفة سورة بقوله تعالى شأنه: تُنَبِّئُهُمْ أي المنافقين بِما فِي قُلُوبِهِمْ من الأسرار الخفية فضلا عما كانوا يظهرونه فيما بينهم خاصة من أقاويل الكفر والنفاق، والمراد أنها تذيع ما كانوا يخفونه من أسرارهم فينتشر فيما بين الناس فيسمعونها من أفواه الرجال مذاعة فكأنها تخبرهم بها وإلا فما في قلوبهم معلوم لهم والمحذور عندهم إطلاع المؤمنين عليه لهم، وقيل: المراد تخبرهم بما في قلوبهم على وجه يكون المقصود منه لازم فائدة الخبر وهو علم الرسول ﵊ به، وقيل: المراد بالتنبئة المبالغة في كون السورة مشتملة على أسرارهم كأنها تعلم من أحوالهم الباطنة ما لا يعلمونه فتنبئهم بها وتنعى عليهم قبائحهم، وجوز أن يكون الضميران الأولان للمؤمنين والثالث للمنافقين، وتفكيك الضمائر ليس بممنوع مطلقا بل هو جائز عند قوة القرينة وظهور الدلالة عليه كما هنا، أي يحذر المنافقون أن تنزل على المؤمنين سورة تخبرهم بما في قلوب المنافقين وتهتك عليهم أستارهم وتفشي أسرارهم، وفي الأخبار عنهم بأنهم يحذرون ذلك إشعار بأنهم لم يكونوا على بت في أمر الرسول ﵊. وقال أبو مسلم: كان إظهار الحذر بطريق الاستهزاء فإنهم كانوا إذا سمعوا رسول الله ﷺ يذكر كل شيء ويقول: إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به لقوله سبحانه: قُلِ اسْتَهْزِؤُا فإنه يدل على أنه وقع منهم استهزاء بهذه المقالة. والأمر للتهديد والقائلون بما تقدم قالوا: المراد نافقوا لأن المنافق مستهزىء وكما جعل قولهم: آمنا وما هم بمؤمنين مخادعة في البقرة جعل هنا استهزاء، وقيل: إن يَحْذَرُ خبر في معنى الأمر أي ليحذر. وتعقب بأن قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ ما تَحْذَرُونَ ينبو عنه نبوة إلا أن يراد ما يحذرون بموجب هذا الأمر وهو خلاف الظاهر، وكان الظاهر أن يقول: إن الله منزل سورة كذلك أو منزل ما تحذرون لكن عدل منه إلى ما في النظم الكريم للمبالغة إذ معناه مبرز ما تحذرونه من إنزال السورة، أو لأنه أعم إذ المراد مظهر كل ما تحذرون ظهوره من القبائح، وإسناد الإخراج إلى الله تعالى للإشارة إلى أنه سبحانه يخرجه إخراجا لا مزيد عليه، والتأكيد لدفع التردد أو رد الإنكار وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ عما قالوه لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: «بينما رسول الله ﷺ في غزوته إلى تبوك إذ نظر إلى أناس بين يديه من المنافقين يقولون: أيرجو هذا الرجل أن تفتح له قصور الشام وحصونها هيهات هيهات، فأطلع الله نبيه ﵊ على ذلك فقال: احبسوا على هؤلاء الركب فأتاهم فقال ﷺ : قلتم كذا وكذا قالوا: يا نبي الله إنما كنا نخوض ونلعب. فنزلت» وأخرج ابن جرير وابن مردويه وغيرهما عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رجل في غزوة تبوك ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء لا أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء، فقال رجل: كذبت ولكنك منافق لأخبرن رسول الله ﷺ ، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ونزل القرآن، قال

стр. 2122

عبد الله: فأنا رأيت الرجل متعلقا بحقب ناقة رسول الله ﷺ والحجارة تنكيه وهو يقول: يا رسول الله إنا كنا نخوض ونلعب ورسول الله ﵊ يقول ما أمره الله تعالى به في قوله سبحانه: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ وجاء في بعض الروايات أن هذا المتعلق عبد الله بن أبي رأس المنافقين وهل أنكروا ما قالوه واعتذروا بهذا العذر الباطل أو لم ينكروه وقالوا ما قالوا فيه خلاف والإمام على الثاني وهو أوفق بظاهر النظم الجليل. وأصل الخوض الدخول في مائع مثل الماء والطين ثم كثر حتى صار اسما لكل دخول فيه تلويث وإذاء وأرادوا إنما نلعب ونتلهى لتقصر مسافة السفر بالحديث والمداعبة كما يفعل الركب ذلك لقطع الطريق ولم يكن ذلك منا على طريق الجد، والاستفهام للتوبيخ، وأولى المتعلق إيذانا بأن الاستهزاء واقع لا محالة لكن الخطاب في المستهزأ به، أي قل لهم غير ملتفت إلى اعتذارهم ناعيا عليهم جناياتهم قد استهزأتم بمن لا يصح الاستهزاء به وأخطأتم مواقع فعلكم الشنيع الذي طالما ارتكبتموه، ومن تأمل علم أن قولهم السابق في سبب النزول متضمن للاستهزاء المذكور لا تَعْتَذِرُوا أي لا تشتغلوا بالاعتذار وتستمروا عليه فليس النهي عن أصله لأنه قد وقع، وإنما نهوا عن ذلك لأن ما يزعمونه معلوم الكذب بين البطلان، والاعتذار قيل: إنه عبارة عن محو أثر الذنب من قولهم: اعتذرت المنازل إذا درست لأن المعتذر يحاول إزالة أثر ذنبه واندراسه. وقيل: هو القطع ومنه يقال للقلفة عذرة لأنها تعذر أي تقطع وللبكارة عذرة لأنها تقطع بالافتراع، ويقال: اعتذرت المياه إذا انقطعت فالعذر لما كان سببا لقطع اللوم سمي عذرا، والقولان منقولان عن أهل اللغة وهما على ما قال الواحدي متقاربان قَدْ كَفَرْتُمْ أي أظهرتم الكفر بإيذاء الرسول ﵊ والطعن فيه بَعْدَ إِيمانِكُمْ أي إظهاركم الإيمان وهذا وما قبله لأن القوم منافقون فأصل الكفر في باطنهم ولا إيمان في نفس الأمر لهم. واستدل بعضهم بالآية على أن الجد واللعب في إظهار كلمة الكفر سواء ولا خلاف بين الأئمة في ذلك إِنْ نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ مِنْكُمْ لتوبتهم وإخلاصهم على أن الخطاب لجميع المنافقين أو لتجنبهم عن الإيذاء والاستهزاء على أن الخطاب للمؤذين والمستهزئين منهم، والعفو في ذلك عن عقوبة الدنيا العاجلة نُعَذِّبْ طائِفَةً بِأَنَّهُمْ كانُوا مُجْرِمِينَ أي مصرين على النفاق وهم غير التائبين أو مباشرين له وهم غير المجتنبين. أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال من خبر فيه طول: كان الذي عفي عنه مخشي بن حمير الأشجعي فتسمى عبد الرحمن وسأل الله تعالى أن يقتل شهيدا لا يعلم مقتله فقتل يوم اليمامة فلم يعلم مقتله ولا قاتله ولم ير له عين ولا أثر. وفي بعض الروايات أنه لما نزلت هذه الآية تاب عن نفاقه وقال: اللهم إني لا أزال أسمع آية تقشعر منها الجلود وتجب منها القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلا في سبيلك لا يقول أحد أنا غسلت أنا كفنت أنا دفنت فأصيب يوم اليمامة واستجيب دعاؤه رضي الله تعالى عنه. ومن هنا قال مجاهد: إن الطائفة تطلق على الواحد إلى الألف، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الطائفة الواحد والنفر، وقرىء «يعف» و «يعذب» بالياء وبناء الفاعل فيهما وهو الله تعالى. وقرىء «إن تعف» و «تعذب» بالتاء والبناء للمفعول. واستشكلت هذه القراءة بأن الفعل الأول مسند فيها إلى الجار والمجرور ومثله يلزم تذكيره ولا يجوز تأنيثه إذا كان المجرور مؤنثا فيقال سير على الدابة ولا يقال سيرت عليها. وأجيب بأن ذلك من الميل مع المعنى والرعاية له فلذا أنث لتأنيث المجرور إذ معنى نَعْفُ عَنْ طائِفَةٍ ترحم طائفة وهو من غرائب العربية، وقيل: لو قيل بالمشاكلة لم يبعد، وقيل: إن نائب الفاعل ضمير الذنوب والتقدير إن تعف هي أي الذنوب، ومن الناس من استشكل الشرطية من حيث هي بأنه كيف يصح أن يكون نُعَذِّبْ طائِفَةً جوابا للشرط

стр. 2123

السابق ومن شرط الشرط والجزاء الاتصال بطريق السببية أو اللزوم في الجملة وكلاهما مفقود في الجملة، وقد ذكر ذلك العز بن عبد السلام في أماليه ونقله عنه العلامة ابن حجر في ذيل الفتاوي وذكر أنه لم ير أحدا نبه على الجواب عنه لكنه يعلم من سبب النزول، وتكلم بعد أن ساق الخبر بما لا يخلو عن غموض، ولقد ذكرت السؤال وأنا في عنفوان الشباب مع جوابه للعلامة المذكور لدى شيخ من أهل العلم قد حلب الدهر أشطره وطلبت منه حل ذلك فأعرض عن تقرير الجواب الذي في الذيل وأظن أن ذلك لجهله به وشمر الذيل وكشف عن ساق الجواب من تلقاء نفسه فقال: إن الشرطية اتفاقية نحو قولك: إن كان الإنسان ناطقا فالحمار ناهق وشرع في تقرير ذلك بما تضحك منه الثكلى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وأجاب مولانا سري الدين: بأن الجزاء محذوف مسبب عن المذكور أي فلا ينبغي أن يفتروا أو فلا يفتروا فلا بد من تعذيب طائفة، ثم قال: فإن قيل هذا التقدير لا يفيد سببية مضمون الشرط لمضمون الجزاء. قلت: يحمل على سببيته للاخبار بمضمون الجزاء أو سببيته للأمر بعدم الاغترار قياسا على الاخبار، وقد حقق الكلام في ذلك العلامة التفتازاني عند قوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ من سورة [البقرة: ٩٧] في حاشية الكشاف.

стр. 2124

الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي متشابهون في النفاق كتشابه أبعاض الشيء الواحد والمراد الاتحاد في الحقيقة والصورة كالماء والتراب، والآية متصلة بجميع ما ذكر من قبائحهم، وقيل: هي متصلة بقوله

стр. 2125

تعالى: يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ [التوبة: ٥٦] والمراد منها تكذيب قولهم المذكور وإبطال له وتقرير لقوله سبحانه: وَما هُمْ مِنْكُمْ وما بعد من تغاير صفاتهم وصفات المؤمنين كالدليل على ذلك، ومن على التقريرين اتصالية كما في قوله ﵊: «أنت مني بمنزلة هارون من موسى» ، والتعرض لأحوال الإناث للإيذان بكمال عراقتهم في الكفر والنفاق يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ أي بالتكذيب بالنبي ﷺ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ أي شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما أنزل الله تعالى كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج عن أبي العالية أنه قال: كل منكر ذكر في القرآن المراد منه عبادة الأوثان والشيطان، ولا يبعد أن يراد بالمنكر والمعروف ما يعم ما ذكر وغيره ويدخل فيه المذكور دخولا أوليا، والجملة استئناف مقرر لمضمون ما سبق مفصح عن مضادة حالهم لحال المؤمنين أو خبر ثان وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ عن الإنفاق في طاعة الله ومرضاته كما روي عن قتادة والحسن، وقبض اليد كناية عن الشح والبخل كما أن بسطها كناية عن الجود لأن من يعطي يمد يده بخلاف من يمنع، وعن الجبائي أن المراد يمسكون أيديهم عن الجهاد في سبيل الله تعالى وهو خلاف الشائع في هذه الكلمة نَسُوا اللَّهَ النسيان مجاز عن الترك وهو كناية عن ترك الطاعة فالمراد لم يطيعوه سبحانه فَنَسِيَهُمْ منع لطفه وفضله عنهم، والتعبير بالنسيان للمشاكلة إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ أي الكاملون في التمرد والفسق الذي هو الخروج عن الطاعة والانسلاخ عن كل حتى كأنهم الجنس كله، ومن هنا صح الحصر المستفاد من الفصل وتعريف الخبر وإلا فكم فاسق سواهم. والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير، ولعله لم يذكر المنافقات اكتفاء بقرب العهد، ومثله في نكتة الإظهار قوله سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ أي المجاهرين فهو من عطف المغاير، وقد يكون من عطف العام على الخاص نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من مفعول وَعَدَ أي مقدرين الخلود، قيل: والمراد دخولهم وتعذيبهم بنار جهنم في تلك الحال لما يلوح لهم يقدرون الخلود في أنفسهم فلا حاجة لما قاله بعضهم من أن التقدير مقدري الخلود بصيغة المفعول. والإضافة إلى الخلود لأنهم لم يقدروه وإنما قدره الله تعالى لهم، وقيل: إذا كان المراد يعذبهم الله سبحانه بنار جهنم خالدين لا يحتاج إلى التقدير، والتعبير بالوعد للتهكم نحو قول سبحانه: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١، التوبة: ٣٤، الانشقاق: ٢٤] هِيَ حَسْبُهُمْ عقابا وجزاء أي فيها ما يكفي من ذلك، وفيه ما يدل على عظم عقابها وعذابها فإنه إذا قيل للمعذب كفى هذا دل على أنه بلغ غاية النكاية وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ أي أبعدهم من رحمته وخيره وأهانهم وفي إظهار الاسم الجليل من الإيذان بشدة السخط ما لا يخفى وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ أي نوع من العذاب غير عذاب النار دائم لا ينقطع أبدا فلا تكرار مع ما تقدم، ولا ينافي ذلك هِيَ حَسْبُهُمْ لأنه بالنظر إلى تعذيبهم بالنار، وقيل في دفع التكرار إن ما تقدم وعيد وهذا بيان لوقوع ما وعدوا به على أنه لا مانع من التأكيد، وقيل: إن الأول عذاب الآخرة وهذا عذاب ما يقاسونه في الدنيا من التعب والخوف من الفضيحة والقتل ونحوه، وفسرت الإقامة بعدم الانقطاع لأنها من صفات العقلاء فلا يوصف بها العذاب فهي مجاز عما ذكر. وجوز أن يكون وصف العذاب بها كما في قوله تعالى: عِيشَةٍ راضِيَةٍ [الحاقة: ٢١، القارعة: ٧] فالمجاز حينئذ عقلي كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ التفات من الغيبة إلى الخطاب للتشديد، والكاف في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي أنتم مثل الذين من قبلكم من الأمم المهلكة أو في حيز النصب بفعل مقدر أي فعلتم مثل الذين من قبلكم، ونحوه قول النمر يصف ثور وحش وكلابا:

стр. 2126

حتى إذا الكلاب قال لها ... كاليوم مطلوبا ولا طالبا فإن أصله لم أر مطلوبا كمطلوب رأيته اليوم ولا طلبة كطلبة رأيتها اليوم فاختصر الكلام فقيل لم أر مطلوبا كمطلوب اليوم لملابسته له ثم حذف المضاف اتساعا وعدم البأس، وقيل: كاليوم وقدم على الموصوف فصار حالا للاعتناء والمبالغة وحذف الفعل للقرينة الحالية ووجه الشبه المعمولية لفعل محذوف، وقوله سبحانه: كانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوالًا وَأَوْلاداً إلخ تفسير للتشبيه وبيان لوجه الشبه بين المخاطبين ومن قبلهم فلا محل لها من الإعراب، وفيه إيذان بأن المخاطبين أولى وأحق بأن يصيبهم ما أصابهم فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ أي تمتعوا بنصيبهم من ملاذ الدنيا، وفي صيغة الاستفعال ما ليس في التفعل من الاستفادة والاستدامة في التمتع، واشتقاق الخلاق من الخلق بمعنى التقدير وهو أصل معناه لغة فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ ذم الأولين باستمتاعهم بحظوظهم الخسيسة من الشهوات الفانية والتهائهم فيها عن النظر في العاقبة والسعي في تحصيل اللذائذ الحقيقية تمهيدا لذم المخاطبين بمشابهتهم واقتفاء أثرهم، ولذلك اختير الإطناب بزيادة فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلاقِهِمْ وهذا كما تريد أن تنبه بعض الظلمة على سماجة فعله فتقول أنت مثل فرعون كان يقتل بغير جرم ويعذب ويعسف وأنت تفعل مثله، ومحل الكاف النصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي استمتعتم استمتاعا كاستمتاع الذين وَخُضْتُمْ أي دخلتم في الباطل كَالَّذِي خاضُوا أي كالذين فحذفت نونه تخفيفا كما في قوله: إن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد ويجوز أن يكون الذي صفة لمفرد اللفظ مجموع المعنى كالفوج والفريق فلوحظ في الصفة اللفظ وفي الضمير المعنى أو هو صفة مصدر محذوف أي كالخوض الذي خاضوه ورجح بعدم التكلف فيه، وقال الفراء: إن الذي تكون مصدرية وخرج هذا عليه أي كخوضهم وهو كما قال أبو البقاء نادر، وهذه الجملة عطف على ما قبلها وحينئذ إما أن يقدر فيها ما يجعلها على طرزه لعطفها عليه أولا يقدر إشارة إلى الاعتناء بالأول أُولئِكَ إشارة إلى المتصفين بالصفات المعدودة من المشبهين والمشبه بهم، وكونه إشارة إلى الأخير يقتضي أن يكون حكم المشبهين مفهوما ضمنا ويؤدي إلى خلو تلوين الخطاب عن الفائدة إذ الظاهر حينئذ أولئكم والخطاب لسيد المخاطبين ﵊ أو لكل من يصلح له أي أولئك المتصفون بما ذكر من القبائح حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ أي التي كانوا يستحقون بها أجورا حسنة لو قارنت الإيمان، والحبط السقوط والبطلان والاضمحلال والمراد لم يستحقوا عليها ثوابا وكرامة فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ أما في الآخرة فظاهر وأما في الدنيا فلأن ما حصل لهم من الصحة والسعة ونحوهما ليس إلا بطريق الاستدراج كما نطقت به الآيات دون الكرامة وَأُولئِكَ الموصوفون بحبط الأعمال في الدارين هُمُ الْخاسِرُونَ أي الكاملون في الخسران الجامعون لمباديه وأسبابه طرا. وإيراد اسم الإشارة في الموضعين للإشعار بعلية الأوصاف المشار إليها للحبط والخسران أَلَمْ يَأْتِهِمْ أي المنافقين نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أي خبرهم الذي له شأن والاستفهام للتقرير والتحذير قَوْمِ نُوحٍ أغرقوا بالطوفان وَعادٍ أهلكوا بالريح وَثَمُودَ أهلكوا بالرجفة، وغير الأسلوب في القومين لأنهم لم يشتهروا بنبيهم، وقيل: لأن الكثير منهم آمن وَقَوْمِ إِبْراهِيمَ أهلك نمروذ رئيسهم ببعوض وأبيدوا بعده لكن لا بسبب سماوي كغيرهم ووَ أَصْحابِ مَدْيَنَ أي أهلها وهم قوم شعيب ﵇ أهلكوا بالنار يوم الظلة أو بالصيحة والرجفة أو بالنار والرجفة على اختلاف الروايات وَالْمُؤْتَفِكاتِ مؤتفكة من الائتفاك وهو الانقلاب بجعل أعلى الشيء أسفل بالخسف، والمراد بها إما قريات قوم لوط ﵇ فالائتفاك على حقيقته فإنها انقلبت بهم وصار عاليها سافلها

стр. 2127

وأمطر على من فيها حجارة من سجيل وإما قريات المكذبين المتمردين مطلقا فالائتفاك مجاز عن انقلاب حالها من الخير إلى الشر على طريق الاستعارة كقول ابن الرومي: وما الخسف أن تلقى أسافل بلدة ... أعاليها بل أن تسود الأراذل لأنها لم يصبها كلها الائتفاك الحقيقي أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ استئناف لبيان نبئهم، وضمير الجمع للجميع لا للمؤتفكات فقط فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ أي فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى فما كان إلخ، فالفاء للعطف على ذلك المقدر الذي ينسحب عليه الكلام ويستدعيه النظام، أي لم يكن من عادته سبحانه ما يشبه ظلم الناس كالعقوبة بلا جرم، وقد يحمل على استمرار النفي أي لا يصدر منه سبحانه ذلك أصلا بل هو أبلغ كما لا يخفى. وقول الزمخشري: أي فما صح منه أن يظلمهم وهو حكيم لا يجوز عليه القبيح مبني على الاعتزال. وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ حيث عرضوها بمقتضى استعدادهم للعقاب بالكفر والتكذيب، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار، وتقديم المفعول على ما قرره بعض الأفاضل لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلة من غير قصد إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من لا يرى التقديم موجبا للقصر كابن الأثير فيما قيل وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بيان لحسن حال المؤمنين والمؤمنات حالا ومالا بعد بيان حال أضدادهم عاجلا وآجلا، وقوله سبحانه: بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يقابل قوله تعالى فيما مر: بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وتغيير الأسلوب للإشارة إلى تناصرهم وتعاضدهم بخلاف أولئك وقوله : يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ظاهر المقابلة «ليأمرون بالمنكر» إلخ الكلام في المنكر والمعروف معروف، وقوله جل وعلا: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ في مقابلة نَسُوا اللَّهَ وقوله تعالى جده: وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ في مقابلة يَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ وقوله ﵎: وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي في سائر الأمور في مقابلة وصف المنافقين بكمال الفسق والخروج عن الطاعة، وقيل: هو في مقابلة نَسُوا اللَّهَ، وقوله سبحانه: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ زيادة مدح، وقوله تعالى شأنه: أُولئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ في مقابلة فَنَسِيَهُمْ المفسر بمنع لطفه ورحمته سبحانه، وقيل: في مقابلة أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ لأنه بمعنى المتقين المرحومين، والإشارة إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار اتصافهم بما سلف من الصفات الجليلة، والإتيان بما يدل على البعد لما مر غير مرة. والسين على ما قال الزمخشري وتبعه غير واحد لتأكيد الوعد وهي كما تفيد ذلك تفيد تأكيد الوعيد، ونظر فيه صاحب التقريب ووجه ذلك بأن السين في الإثبات في مقابلة لن في النفي فتكون بهذا الاعتبار تأكيدا لما دخلت عليه ولا فرق في ذلك بين أن يكون وعدا أو وعيدا أو غيرهما. وقال العلامة ابن حجر: ما زعمه الزمخشري من أن السين تفيد القطع بمدخولها مردود بأن القطع إنما فهم من المقام لا من الوضع وهو توطئة لمذهبه الفاسد في تحتم الجزاء ومن غفل عن هذه الدسيسة وجهه، وتعقبه الفهامة ابن قاسم بأن هذا لا وجه له لأنه أمر نقلي لا يدفعه ما ذكر ونسبه الغفلة للأئمة إنما أوجبه حب الاعتراض، وحينئذ فالمعنى أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة يرحمهم الله تعالى لا محالة إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ قوي قادر على كل شيء لا يمتنع عليه ما يريده حَكِيمٌ يضع الأشياء مواضعها ومن ذلك النعمة والنقمة والجملة تعليل للوعد، وقوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها في مقابلة الوعيد السابق للمنافقين المعبر عنه بالوعد تهكما كما مر، ويفهم من كلام البعض أن قوله سبحانه: سَيَرْحَمُهُمُ بيان لإفاضة آثار الرحمة الدنيوية من التأييد والنصر وهذا تفصيل لآثار رحمته سبحانه الأخروية، والإظهار في مقام الإضمار لزيادة التقرير

стр. 2128

والاشعار بعلية الإيمان لما تعلق به الوعد، ولم يضم إليه باقي الأوصاف للإيذان بأنه من لوازمه ومستتبعاته، والكلام في- خالدين- هنا كالكلام فيما مر وَمَساكِنَ طَيِّبَةً أي تستطيبها النفوس أو يطيب فيها العيش فالإسناد إما حقيقي أو مجازي. وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن الحسن قال: سألت عمران بن حصين وأبا هريرة عن تفسير وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فقالا: على الخبير سقطت سألنا عنها رسول الله ﷺ فقال: «قصر من لؤلؤة في الجنة في ذلك القصر سبعون دارا من ياقوتة حمراء في كل دار سبعون بيتا من زمردة خضراء في كل بيت سبعون سريرا على كل سرير سبعون فراشا من كل لون على كل فراش امرأة من الحور العين في كل بيت سبعون مائدة في كل مائدة سبعون لونا من كل طعام في كل بيت سبعون وصيفا ووصيفة فيعطى المؤمن من القوة في كل غداة ما يأتي على ذلك كله» فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ قيل: هو علم لمكان مخصوص بدليل قوله تعالى: جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمنُ [مريم: ٦١] حيث وصف فيه بالمعرفة، ولما أخرجه البزار والدارقطني في المختلف والمؤتلف. وابن مردويه من حديث أبي الدرداء قال رسول الله ﷺ «عدن دار الله تعالى لم ترها عين ولم تخطر على قلب بشر لا يسكنها غير ثلاثة: النبيون والصديقون والشهداء يقول الله سبحانه طوبى لمن دخلك» وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن في الجنة قصرا يقال له عدن حوله البروج والمروج له خمسة آلاف باب لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد. وعن ابن مسعود أنها بطنان الجنة وسرتها. وقال عطاء بن السائب: عدن نهر في الجنة جناته على حافاته. وقيل: العدن في الأصل الاستقرار والثبات ويقال: عدن بالمكان إذا أقام. والمراد به هنا الإقامة على وجه الخلود لأنه الفرد الكامل المناسب لمقام المدح أي في جنات إقامة وخلود، وعلى هذا الجنات كلها جنات عدن لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا [الكهف: ١٠٨] والتغاير بين المساكن والجنات المشعر به العطف إما ذاتي بناء على أن يراد بالجنات غير عدن وهي لعامة المؤمنين وعدن للنبيين عليهم الصلاة والسلام والصديقين والشهداء أو يراد بها البساتين أنفسها وهي غير المساكن كما هو ظاهر، فالوعد حينئذ صريحا بشيئين البساتين والمساكن فلكل أحد جنة ومسكن وإما تغاير وصفي فيكون كل منهما عاما ولكن الأول باعتبار اشتمالها على الأنهار والبساتين والثاني لا بهذا الاعتبار، وكأنه وصف ما وعدوا به أولا بأنه من جنس ما هو أشرف الأماكن المعروف عندهم من الجنات ذات الأنهار الجارية لتميل إليه طباعهم أول ما يقرع أسماعهم ثم وصفه بأنه محفوف بطيب العيش معرى عن شوائب الكدورات التي لا تكاد تخلو عنها أماكن الدنيا وأهلها وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين ثم وصف بأنه دار إقامة بلا ارتحال وثبات بلا زوال ولا يعد هذا تكرارا لقوله سبحانه: خالِدِينَ فِيها كما لا يخفى ثم وعدهم جل شأنه كما يفهم من الكلام هو ما أجل وأعلى من ذلك كله بقوله ﵎: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أي وقدر يسير من رضوانه سبحانه أَكْبَرُ ولقصد إفادة ذلك عدل عن رضوان الله الأخصر إلى ما في النظم الجليل، وقيل: إفادة العدول كون ما ذكر أظهر في توجه الرضوان إليهم، ولعله إنما لم يعبر بالرضا تعظيما لشأن الله تعالى في نفسه لأن في الرضوان من المبالغة ما لا يخفى ولذلك لم يستعمل في القرآن إلا في رضاء الله سبحانه، وإنما كان ذلك أكبر لأنه مبدأ لحلول دار الإقامة ووصول كل سعادة وكرامة وهو غاية أرب المحبين ومنتهى أمنية الراغبين. وقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي سعيد الخدري قال: «قال رسول الله ﷺ إن الله تعالى يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة. فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: ربنا وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك. فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك فيقولون: وأي شيء أفضل من ذلك يا ربنا؟

стр. 2129

فيقول أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا» ولعل عدم عدم نظم هذا الرضوان في سلك الوعد على طرز ما تقدم مع عزته في نفسه لأنه متحقق في ضمن كل موجود ولأنه مستمر في الدارين ذلِكَ أي جميع ما ذكر هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ دون ما يعده الناس فوزا من حظوظ الدنيا فإنها مع قطع النظر عن فنائها وتغيرها وتنغصها بالآلام ليست بالنسبة إلى أدنى شيء من نعيم الآخرة إلا بمثابة جناح البعوض، وفي الحديث «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافرا شربة ماء» ولله در من قال: تالله لو كانت الدنيا بأجمعها ... تبقى علينا وما من رزقها رغدا ما كان من حق حر أن يذل بها ... فكيف وهي متاع يضحمل غدا وجوز أن تكون الإشارة إلى الرضوان فهو فوز عظيم يستحقر عنده نعيم الدنيا وحظوظها أيضا أو الدنيا ونعيمها والجنة وما فيها، وعلى الاحتمالين لا ينافي قوله سبحانه: أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ٨٩] فقد فسر فيه- العظيم- بما يستحقر عنده نعيم الدنيا فتدبر. يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ ظاهره يقتضي مقاتلة المنافقين وهم غير مظهرين للكفر ولا نحكم بالظاهر لأنا نحكم بالظاهر كما في الخبر ولذا فسر ابن عباس والسدي ومجاهد جهاد الأولين بالسيف والآخرين باللسان وذلك بنحو الوعظ وإلزام الحجة بناء على أن الجهاد بذل الجهد في دفع ما لا يرضى وهو أعم من أن يكون بالقتال أو بغيره فإن كان حقيقة فظاهر وإلا حمل على عموم المجاز. وروي عن الحسن وقتادة أن جهاد المنافقين بإقامة الحدود عليهم. واستشكل بأن إقامتها واجبة على غيرهم أيضا فلا يختص ذلك بهم. وأشار في الأحكام إلى دفعه بأن أسباب الحد في زمنه ﷺ أكثر ما صدرت عنهم، وأما القول بأن المنافق بمعنى الفاسق عند الحسن فغير حسن. وروي- والعهدة على الراوي- أن قراءة أهل البيت رضي الله تعالى عنهم «جاهد الكفار بالمنافقين» والظاهر أنها لم تثبت ولم يروها إلا الشيعة وهم بيت الكذب وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ أي على الفريقين في الجهاد بقسميه ولا ترفق بهم. عن عطاء نسخت هذه الآية كل شيء من العفو والصفح وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ استئناف لبيان آجل أمرهم إثر بيان عاجله. وذكر أبو البقاء في هذه ثلاثة أوجه: أحدها أنها واو الحال والتقدير افعل ذلك في حال استحقاقهم جهنم وتلك الحال حال كفرهم ونفاقهم، والثاني أنها جيء بها تنبيها على إرادة فعل محذوف أي واعلم أن مأواهم جهنم، والثالث أن الكلام محمول على المعنى وهو أنه قد اجتمع لهم عذاب الدنيا بالجهاد والغلظة وعذاب الآخرة بجعل جهنم مأواهم وَبِئْسَ الْمَصِيرُ تذييل لما قبله والمخصوص بالذم محذوف أي مصيره يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا استئناف لبيان ما صدر منهم من الجرائم الموجبة لما مر. أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتادة قال: ذكر لنا أن رجلين اقتتلا أحدهما من جهينة والآخر من غفار وكانت جهينة حلفاء الأنصار فظهر الغفاري على الجهيني فقال عبد الله بن أبي للأوس انصروا أخاكم والله ما مثلنا ومثل محمد ﷺ وحاشاه مما يقول هذا المنافق إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فسعى بها رجل من المسلمين إلى رسول الله ﷺ فأرسل إليه فجعل يحلف بالله تعالى ما قاله فنزلت. وأخرج ابن إسحاق وابن أبي حاتم عن كعب بن مالك قال: لما نزل القرآن فيه ذكر المنافقين قال الجلاس (١) بن سويد: والله لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير فسمعهما عمير بن سعد فقال: والله يا

стр. 2130

جلاس إنك لأحب الناس إلي وأحسنهم عندي أثرا ولقد قلت مقالة لئن ذكرتها لتفضحنك ولئن سكت عنها لتهلكني ولإحداهما أشد علي من الأخرى فمشى إلى رسول الله ﷺ فذكر له ما قال الجلاس فحلف بالله تعالى ما قال ولقد كذب عليّ عمير فنزلت. وأخرج عبد الرزاق عن ابن سيرين أنها لما نزلت أخذ النبي ﷺ بأذن عمير فقال: وفت أذنك يا غلام وصدقك ربك وكان يدعو حين حلف الجلاس اللهم أنزل على عبدك ونبيك تصديق الصادق وتكذيب الكاذب. وأخرج عن عروة أن الجلاس تاب بعد نزولها وقبل منه. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ والطبراني وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ جالسا في ظل شجرة فقال: إنه سيأتيكم إنسان ينظر إليكم بعيني شيطان فإذا جاء فلا تكلموه فلم يلبثوا أن طلع رجل أزرق العينين فدعاه رسول الله ﷺ فقال: علام تشتمني أنت وأصحابك؟ فانطلق فجاء بأصحابه فحلفوا بالله تعالى ما قالوا حتى تجاوز عنهم وأنزل الله تعالى الآية، وإسناد الحلف إلى ضمير الجمع على هذه الرواية ظاهر وأما على الروايتين الأوليين فقيل: لأنهم رضوا بذلك واتفقوا عليه فهو من إسناد الفعل إلى سببه أو لأنه جعل الكلام لرضاهم به كأنهم فعلوه ولا حاجة إلى عموم المجاز لأن الجمع بين الحقيقة والمجاز جائز في المجاز العقلي وليس محلا للخلاف، وإيثار صيغة الاستقبال في يَحْلِفُونَ على سائر الروايات لاستحضار الصورة أو للدلالة على تكرير الفعل وهو قائم مقام القسم، وما قالُوا جوابه وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ هي ما حكي من قولهم والله ما مثلنا إلخ أو والله لئن كان هذا الرجل صادقا إلخ أو الشتم الذي وبخ عليه ﵊، والجملة مع ما عطف عليها اعتراض وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلامِهِمْ أظهروا ما في قلوبهم من الكفر بعد إظهار الإسلام وإلا فكفرهم الباطن كان ثابتا قبل والإسلام الحقيقي لا وجود له وَهَمُّوا بِما لَمْ يَنالُوا من الفتك برسول الله ﷺ حين رجع من غزوة تبوك. أخرج البيهقي في الدلائل عن حذيفة بن اليمان قال كنت آخذا بخطام ناقة رسول الله ﷺ أقود به وعمار يسوق أو أنا أسوق وعمار يقود حتى إذا كنا بالعقبة فإذا أنا باثني عشر راكبا قد اعترضوا فيها فأنبهت رسول الله ﷺ فصرخ بهم فولوا مدبرين فقال لنا رسول الله ﷺ : هل عرفتم القوم؟ قلنا: لا يا رسول الله كانوا متلثمين ولكن قد عرفنا الركاب قال: هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة. هل تدرون ما أرادوا؟ قلنا: لا. قال: أرادوا أن يزلوا رسول الله ﷺ في العقبة فيلقوه منها قلنا: يا رسول الله أو لا تبعث إلى عشائرهم حتى يبعث لك كل قوم برأس صاحبهم قال: أكره أن يتحدث العرب عنا أن محمدا ﵊ قاتل بقوم حتى إذا أظهره الله تعالى بهم أقبل عليهم يقتلهم، ثم قال: اللهم ارمهم بالدبيلة، قلنا: يا رسول الله وما الدبيلة؟ قال: شهاب من نار يقع على نياط قلب أحدهم فيهلك وكانوا كلهم كما أخرج ابن سعد عن نافع بن جبير من الأنصار أو من حلفائهم ليس فيهم قرشي، ونقل الطبرسي عن الباقر رضي الله تعالى عنه أن ثمانية منهم من قريش وأربعة من العرب لا يعول عليه. وقد ذكر البيهقي من رواية ابن إسحاق أسماءهم وعد منهم الجلاس بن سويد، ويشكل عليه رواية أنه تاب وحسنت توبته مع قوله ﵊ في الخبر «هؤلاء المنافقون إلى يوم القيامة» إلا أن يقال: إن ذلك باعتبار الغالب، وقيل: المراد بالموصول إخراج المؤمنين من المدينة على ما تضمنه الخبر المار عن قتادة، وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي وأبو الشيخ عنه وعن أبي صالح أنهم أرادوا أن يتوجوا عبد الله بن أبي بتاج ويجعلوه حكما ورئيسا بينهم وإن لم يرض رسول الله ﷺ ، وقيل: أرادوا أن يقتلوا عميرا لرده على الجلاس كما مر. وَما نَقَمُوا أي ما كرهوا وعابوا شيئا إِلَّا أَنْ أَغْناهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فالاستثناء مفرغ من أعم المفاعيل أي وما نقموا الإيمان لأجل شيء إلا لإغناء الله تعالى إياهم فيكون الاستثناء مفرغا من أعم العلل وهو على حد

стр. 2131

قولهم: ما لي عندك ذنب إلا أني أحسنت إليك، وقوله: ما نقم الناس من أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا (١) وهو متصل على ادعاء دخوله بناء على القول بأن الاستثناء المفرغ لا يكون منقطعا، وفيه تهكم وتأكيد الشيء بخلافه كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم البيت، وأصل النقمة كما قال الراغب الإنكار باللسان والعقوبة والأمر على الأول ظاهر وأما على الثاني فيحتاج إلى ارتكاب المجاز بأن يراد وجدان ما يورث النقمة ويقتضيه، وضمير أَغْناهُمُ للمنافقين على ما هو الظاهر، وكان إغناؤهم بأخذ الدية، فقد روي أنه كان للجلاس مولى قتل وقد غلب على ديته فأمر رسول الله ﷺ بها اثني عشر ألفا فأخذها واستغنى، وعن قتادة أن الدية كانت لعبد الله بن أبي وزيادة الألفين كانت على عادتهم في الزيادة على الدية تكرما وكانوا يسمونها شنقا كما في الصحاح. وأخرج ابن أبي حاتم عن عروة قال: كان جلاس تحمل حمالة أو كان عليه دين فأدى عنه رسول الله ﷺ وذلك قوله سبحانه: وَما نَقَمُوا الآية، ولا يخفى أن الإغناء على الأول أظهر، وقيل: كان إغناؤهم بما من الله تعالى به من الغنائم فقد كانوا كما قال الكلبي قبل قدوم النبي ﷺ المدينة محاويج في ضنك من العيش فلما قدم ﵊ أثروا بها، والضمير على هذا يجوز أن يكون للمؤمنين فيكون الكلام متضمنا ذم المنافقين بالحسد كما أنه على الأول متضمن لذمهم بالكفر وترك الشكر، وتوحيد ضمير فضله لا يخفى وجهه فَإِنْ يَتُوبُوا عمّا هم عليه من القبائح يَكُ أي التوب، وقيل: أي التوبة ويغتفر مثل ذلك في المصادر. وقد يقال: التذكير باعتبار الخبر أعني قوله سبحانه: خَيْراً لَهُمْ أي في الدارين، وهذه الآية على ما في بعض الروايات كانت سببا لتوبته وحسن إسلامه لطفا من الله تعالى به وكرما وَإِنْ يَتَوَلَّوْا أي استمروا على ما كانوا عليه من التولي والإعراض عن إخلاص الإيمان أو أعرضوا عن التوبة. يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذاباً أَلِيماً فِي الدُّنْيا بمتاعب النفاق وسوء الذكر ونحو ذلك، وقيل: المراد بعذاب الدنيا عذاب القبر أو ما يشاهدونه عند الموت، وقيل: المراد به القتل ونحوه على معنى أنهم يقتلون إن أظهروا الكفر بناء على أن التولي مظنة الإظهار فلا ينافي ما تقدم من أنهم لا يقتلون وأن الجهاد في حقهم غير ما هو المتبادر. وَالْآخِرَةِ وعذابهم فيها بالنار وغيرها من أفانين العقاب وَما لَهُمْ فِي الْأَرْضِ أي في الدنيا، والتعبير بذلك للتعميم أي ما لهم في جميع بقاعها وسائر أقطارها مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ينقذهم من العذاب بالشفاعة أو المدافعة، وخص ذلك في الدنيا لأنه لا ولي ولا نصير لهم في الآخرة قطعا فلا حاجة لنفيه. هذا «ومن باب الإشارة في الآيات» عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ إلخ فيه إشارة إلى علو مقامه ﷺ ورفعة شأنه على سائر الأحباب حيث آذنه بالعفو قبل العتاب، ولو قال له: لم أذنت لهم عفى الله عنك لذاب، وعبر سبحانه بالماضي المشير إلى سبق الاصطفاء لئلا يوحشه ﵊ الانتظار ويشتغل قلبه الشريف باستمطار العفو من سحاب ذلك الوعد المدرار، وانظر كم بين عتابه جل شأنه لحبيبه ﵊ على الإذن لأولئك المنافقين وبين رده تعالى على نوح ﵇ قوله: إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي [هود: ٤٥] بقوله سبحانه: يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ [هود: ٤٦] إلى قوله ﵎: إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [هود: ٤٦] ومن ذلك يعلم

стр. 2132

الفرق- وهو لعمري غير خفي- بين مقام الحبيب ورتبة الصفي، وقد قيل: إن المحب يعتذر عن حبيبه ولا ينقصه عنده كلام معيبه، وأنشد: ما حطك الواشون عن رتبة ... كلا وما ضرك مغتاب كأنهم أثنوا ولم يعلموا ... عليك عندي بالذي عابوا وقال الآخر: في وجهه شافع يمحو إساءته ... عن القلوب ويأتي بالمعاذير وقال: وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ... جاءت محاسنه بألف شفيع وقوله سبحانه: لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فيه إشارة إلى أن المؤمن إذا سمع بخبر خير طار إليه وأتاه ولو مشيا على رأسه ويديه ولا يفتح فيه فاه بالاستئذان، وهل يستأذن في شرب الماء ظمآن؟. وقال الواسطي: إن المؤمن الكامل مأذون في سائر أحواله إن قام قام بإذن وإن قعد قعد بإذن وإن لله سبحانه عبادا به يقومون وبه يقعدون، ومن شأن المحبة امتثال أمر المحبوب كيفما كان: لو قال تيها قف على جمر الغضى ... لوقفت ممتثلا ولم أتوقف إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إلخ أي إنما يستأذنك المنافقون رجاء أن لا تأذن لهم بالخروج فيستريحوا من نصب الجهاد وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً فقد قيل: لو صح منك الهوى أرشدت للحيل وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ إشارة إلى خذلانهم لسوء استعدادهم وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ لأن الأخلاق السيئة والأعمال القبيحة محيطة بهم وهي النار بعينها غاية الأمر أنها ظهرت في هذه النشأة بصورة الأخلاق والأعمال وستظهر في النشأة الأخرى بالصورة الأخرى، وقوله تعالى: وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى فيه إشارة إلى حرمانهم لذة طعم العبودية واحتجابهم عن مشاهدة جمال معبودهم وأنهم لم يعلموا أن المصلي يناجي ربه وأن الصلاة معراج العبد إلى مولاه، ومن هنا قال ﷺ «وجعلت قرة عيني في الصلاة» . وقال محمد بن الفضل: من لم يعرف الآمر قام إلى الأمر على حد الكسل ومن عرف الآمر قام إلى الأمر على حد الاستغنام والاسترواح، ولذا كان ﵊ يقول لبلال: «أرحنا يا بلال» وقوله تعالى: فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ فيه تحذير للمؤمنين أن يستحسنوا ما مع أهل الدنيا من الأموال والزينة فيحتجبوا بذلك عن عمل الآخرة ورؤيتها، وقد ذكروا أن الناظر إلى الدنيا بعين الاستحسان من حيث الشهوة والنفس والهوى يسقط في ساعته عن مشاهدة أسرار الملكوت وأنوار الجبروت، وقوله سبحانه: وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلخ فيه ارشاد إلى آداب الصادقين والعارفين والمريدين، وعلامة الراضي النشاط بما استقبله من الله تعالى والتلذذ بالبلاء، فكل ما فعل المحبوب محبوب. رئي أعمى أقطع مطروح على التراب يحمد الله تعالى ويشكره، فقيل له في ذلك فقال: وعزته وجلاله لو قطعني إربا إربا ما ازددت له إلا حبا، ولله تعالى در من قال: أنا راض بالذي ترضونه ... لكم المنة عفوا وانتقاما ثم إنه سبحانه قسم جوائز فضله على ثمانية أصناف من عباده فقال سبحانه: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ إلخ، والفقراء في قول المتجردون بقلوبهم وأبدانهم عن الكونين وَالْمَساكِينِ هم الذين سكنوا إلى جمال الأنس ونور

стр. 2133

القدس حاضرين في العبودية بنفوسهم غائبين في أنوار الربوبية بقلوبهم فمن رآهم ظنهم بلا قلوب ولم يدر أنها تسرح في رياض جمال المحبوب، وأنشد: مساكين أهل العشق ضاعت قلوبهم ... فهم أنفس عاشوا بغير قلوب والْعامِلِينَ هم أهل التمكين من العارفين وأهل الاستقامة من الموحدين الذين وقعوا في نور البقاء فأورثهم البسط والانبساط، فيأخذون منه سبحانه ويعطون له، وهم خزان خزائن جوده المنفقون على أوليائه، قلوبهم معلقة بالله سبحانه لا بغيره من العرش إلى الثرى وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ هم المريدون السالكون طريق محبته تعالى برقة قلوبهم وصفاء نياتهم وبذلوا مهجهم في سوق شوقه وهم عند الأقوياء ضعفاء الأحوال وَفِي الرِّقابِ هم الذين رهنت قلوبهم بلذة محبة الله تعالى وبقيت نفوسهم في المجاهدة في طريقه سبحانه لم يبلغوا بالكلية إلى الشهود فتارة تراهم في لجج بحر الإرادة، وأخرى في سواحل بحر القرب، وطورا هدف سهام القهر، ومرة مشرق أنوار اللطف ولا يصلون إلى الحقيقة ما دام عليهم بقية من المجاهدة والمكاتب عبد ما بقي عليه درهم والأحرار ما وراء ذلك وقليل ما هم. أتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتاي طلعة حر وَالْغارِمِينَ هم الذين ما قضوا حقوق معارفهم في العبودية وما أدركوا في إيقانهم حقائق الربوبية والمعرفة غريم لا يقضي دينه وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ هم المحاربون نفوسهم بالمجاهدات والمرابطون بقلوبهم في شهود الغيب لكشف المشاهدات وَابْنِ السَّبِيلِ هم المسافرون بقلوبهم في بوادي الأزل وبأرواحهم في قفار الأبد وبعقولهم في طرق الآيات وبنفوسهم في طلب أهل الولاية فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ على أهل الإيمان أن يعطوا هؤلاء الأصناف من مال الله سبحانه لدفع احتياجهم الطبيعي وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوال هؤلاء وغيبتهم عن الدنيا حَكِيمٌ حيث أوجب لهم ما أوجب، ومن الناس من فسر هذه الأصناف بغير ما ذكر ولا أرى التفاسير بأسرها متكلفة بالجمع والمنع وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ عابوه ﵊ وحاشاه من العيب بسلامة القلب وسرعة القبول والتصديق لما يسمع، فصدقهم جل شأنه ورد عليهم بقوله سبحانه: قُلْ هو أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي هو كذلك لكن بالنسبة إلى الخير، وهذا من غاية المدح فإن النفس القدسية الخيرية تتأثر بما يناسبها، أي إنه ﵊ يسمع ما ينفعكم وما فيه صلاحكم دون غيره، ثم بين ذلك بقوله تعالى: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ إلخ، وقد غرهم- قاتلهم الله تعالى حتى قالوا ما قالوا- كرم النبي ﷺ حيث لم يشافههم برد ما يقولون رحمة منه بهم، وهو ﵊ الرحمة الواسعة، وعن بعضهم أنه سئل عن العاقل فقال: الفطن المتغافل وأنشد: وإذا الكريم أتيته بخديعة ... فرأيته فيما تروم يسارع فاعلم بأنك لم تخادع جاهلا ... إن الكريم لفضله متخادع الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أي هم متشابهون في القبح والرداءة وسوء الاستعداد يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ أي يبخلون أو يبغضون المؤمنين فهو إشارة إلى معنى قوله سبحانه: وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [آل عمران: ١١٩] أو لا ينصرون المؤمنين أو لا يخشون لربهم ويرفعون أيديهم في الدعوات نَسُوا اللَّهَ لاحتجابهم بما هم فيه فَنَسِيَهُمْ من رحمته وفضله وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ وهو عذاب الاحتجاب بالسوى وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ هي جنات النفوس وَمَساكِنَ طَيِّبَةً مقامات أرباب التوكل في جنات الأفعال وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ إشارة إلى

стр. 2134

جنات الصفات ذلِكَ أي الرضوان هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ لكرامة أهله عند الله تعالى وشدة قربهم ولا بأس بإبقاء الكلام على ظاهره ويكون في قوله سبحانه: وَمَساكِنَ طَيِّبَةً إشارة إلى الرؤية فإن المحب لا تطيب له الدار من غير رؤية محبوبه: أجيراننا ما أوحش الدار بعدكم ... إذا غبتم عنها ونحن حضور ولكون الرضوان هو المدار لكل خير وسعادة والمناط لكل شرف وسيادة كان أكبر من هاتيك الجنات والمساكن. إذا كنت عني يا منى القلب راضيا ... أرى كل من في الكون لي يتبسم نسأل الله رضوانه وأن يسكننا جنانه وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ بيان لقبائح بعض آخر من المنافقين، والآية نزلت في ثعلبة بن حاطب ويقال له ابن أبي حاطب وهو من بني أمية بن زيد، وليس هو البدري لأنه قد استشهد بأحد رضي الله تعالى عنه. أخرج الطبراني والبيهقي في الدلائل وابن المنذر وغيرهم عن أبي أمامة الباهلي قال: جاء ثعلبة بن حاطب إلى رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يرزقني مالا. فقال ﵊: ويحك يا ثعلبة أما تحب أن تكون مثلي فلو شئت أن يسير الله تعالى ربي هذه الجبال معي ذهبا لسارت. قال: يا رسول الله ادع الله تعالى أن يرزقني مالا فو الذي بعثك بالحق إن آتاني الله سبحانه مالا لأعطين كل ذي حق حقه، فقال: ويحك يا ثعلبة قليل تطيق شكره خير من كثير لا تطيقه. قال: يا رسول الله ادع الله تعالى فقال رسول الله ﷺ : اللهم ارزقه مالا فاتخذ غنما فبورك له فيها ونمت كما ينمو الدود حتى ضاقت به المدينة فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله ﷺ ولا يشهدها بالليل ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى بها فكان يشهد الصلاة بالنهار مع رسول الله ﷺ ولا يشهدها بالليل ثم نمت كما ينمو الدود فتنحى وكان لا يشهد الصلاة بالليل ولا بالنهار إلا من جمعة إلى جمعة مع رسول الله ﷺ ثم نمت كما ينمو الدود فضاق به مكانه فتنحى بها فكان لا يشهد جمعة ولا جنازة مع رسول الله ﷺ فجعل يتلقى الركبان ويسألهم عن الاخبار وفقده رسول الله ﷺ فسأل عنه فأخبروه أنه اشترى غنما وأن المدينة ضاقت به فقال ﵊: ويح ثعلبة بن حاطب ويح ثعلبة بن حاطب. ثم إن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يأخذ الصدقات وأنزل خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ [التوبة: ١٠٣] الآية فبعث رجلين رجلا من جهينة ورجلا من بني سلمة يأخذان الصدقات وكتب لهما أسنان الإبل والغنم وكيف يأخذانها وأمرهما أن يمرا على ثعلبة ورجل من بني سليم فخرجا فمرا بثعلبة فسألاه الصدقة فقال: أرياني كتابكما؟ فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية انطلقا حتى تفرغا ثم مرا بي فانطلقا وسمع بهما السليمي فاستقبلهما بخيار إبله فقالا: إنما عليك دون هذا فقال: ما كنت أتقرب إلى الله تعالى إلا بخير مالي فقبلا فلما فرغا مرا بثعلبة فقال: أرياني كتابكما؟ فنظر فيه فقال: ما هذا إلا جزية انطلقا حتى أرى رأيي فانطلقا حتى قدما المدينة فلما رآهما رسول الله ﷺ قال قبل أن يكلمهما: ويح ثعلبة بن حاطب ودعا للسليمي بالبركة وأنزل الله تعالى وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآيات الثلاث فسمع بعض من أقاربه فأتاه فقال: ويحك يا ثعلبة أنزل فيك كذا وكذا فقدم على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هذه صدقة مالي. فقال ﵊: إن الله قد منعني أن أقبل منك فجعل يبكي ويحثو التراب على رأسه فقال رسول الله ﷺ : هذا عملك بنفسك أمرتك فلم تطعني فلم يقبل منه رسول الله ﷺ حتى مضى، ثم أتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا بكر اقبل مني صدقتي فقد عرفت منزلتي من الأنصار. فقال أبو بكر: لم يقبلها رسول الله ﷺ وأقبلها فلم يقبلها أبو بكر، ثم ولي عمر رضي الله تعالى

стр. 2135

عنه فأتاه فقال: يا أبا حفص يا أمير المؤمنين اقبل من صدقتي فقال: لم يقبلها رسول الله ﷺ ولا أبو بكر أقبلها أنا فأبى أن يقبلها، ثم ولي عثمان رضي الله تعالى عنه فلم يقبلها منه وهلك في خلافته. وفي بعض الروايات أن ثعلبة هذا كان قبل ذلك ملازما لمسجد النبي ﷺ حتى لقب حمامة المسجد ثم رآه النبي ﷺ يسرع الخروج منه عقيب الصلاة فقال ﵊ له: ما لك تعمل عمل المنافقين؟ فقال: إني افتقرت ولي ولامرأتي ثوب واحد أجيء به للصلاة ثم أذهب فأنزعه لتلبسه وتصلي به فادع الله تعالى أن يوسع علي رزقي إلى آخر ما في الخبر. والظاهر أن منع الله تعالى رسوله ﵊ عن القبول منه كان بوحي منه تعالى له بأنه منافق والصدقة لا تؤخذ منهم وإن لم يقتلوا لعدم الإظهار، وحثوه للتراب ليس للتوبة من نفاقه بل للعار من عدم قبول زكاته مع المسلمين. ومعنى هذا عملك هذا جزاء عملك وما قلته، وقيل: المراد بعمله طلبه زيادة رزقه وهذا إشارة إلى المنع أي هو عاقبة عملك، وقيل: المراد بالعمل عدم إعطائه للمصدقين. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ثعلبة أتى مجلسا من مجالس الأنصار فأشهدهم لئن آتاني الله تعالى من فضله تصدقت منه وآتيت كل ذي حق حقه فمات ابن عم له فورث منه مالا فلم يف بما عاهد الله تعالى عليه فأنزل الله تعالى فيه هذه الآيات. وقال الحسن: إنها نزلت في ثعلبة ومعتب بن قشير خرجا على ملأ قعود فحلفا بالله تعالى لئن آتانا من فضله لنصدقن فلما آتاهما بخلا. وقال السائب: إن حاطب بن أبي بلتعة كان له مال بالشام فأبطأ عليه فجهد لذلك جهدا شديدا فحلف بالله لئن آتانا الله من فضله- يعني ذلك المال- لأصدقن ولأصلن فلما آتاه ذلك لم يف بما عاهد الله تعالى عليه وحكي ذلك عن الكلبي، والأول أشهر وهو الصحيح في سبب النزول، والمراد بالتصديق قيل: إعطاء الزكاة الواجبة وما بعده إشارة إلى فعل سائر أعمال البر من صلة الأرحام ونحوها. وقيل: المراد بالتصديق إعطاء الزكاة وغيرها من الصدقات وما بعده إشارة إلى الحج على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أو إلى ما يعمه والنفقة في الغزو كما قيل. وقرىء «لنصدقن ولنكونن» بالنون الخفيفة فيهما. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ أي منعوا حق الله تعالى منه وَتَوَلَّوْا أي أعرضوا عن طاعة الله سبحانه وَهُمْ مُعْرِضُونَ أي وهم قوم عادتهم الإعراض عن الطاعات فلا ينكر منهم هذا، والجملة مستأنفة أو حالية والاستمرار المقتضي للتقدم لا ينافي ذلك، والمراد على ما قيل: تولوا بإجرامهم وهم معرضون بقلوبهم فَأَعْقَبَهُمْ أي جعل الله تعالى عاقبة فعلهم ذلك نِفاقاً أي سوء عقيدة وكفرا مضمرا. فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ أي الله تعالى، والمراد بذلك اليوم وقت الموت، فالضمير المستتر في أعقب لله تعالى وكذا الضمير المنصوب في يَلْقَوْنَهُ، والكلام على حذف مضاف، والمراد بالنفاق بعض معناه وتمامه إظهار الإسلام وإضمار الكفر، وليس بمراد كما أشرنا إلى ذلك كله، ونقل الزمخشري عن الحسن وقتادة أن الضمير الأول للبخل وهو خلاف الظاهر بل قال بعض المحققين: إنه يأباه قوله تعالى: بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ إذ ليس لقولنا أعقبهم البخل نفاقا بسبب إخلافهم إلخ كثير معنى، ولا يتصور على ما قيل أن يعلل النفاق بالبخل أولا ثم يعلل بأمرين غيره بغير عطف، ألا ترى لو قلت: حملني على إكرام زيد علمه لأجل أنه شجاع وجواد كان خلفا حتى تقول حملني على إكرام زيد علمه وشجاعته وجوده. وقال الإمام: ولأن غاية البخل ترك بعض الواجبات وهو لا يوجب حصول النفاق الذي هو كفر وجهل في القلب كما في حق كثير من الفساق، وكون هذا البخل بخصوصه يعقب النفاق والكفر لما فيه من عدم إطاعة الله

стр. 2136

تعالى ورسوله ﷺ وخلف وعده كما قيل لا يقتضي الأرجحية بل الصحة ولعلها لا تنكر، واختيار الزمخشري كان لنزعة اعتزالية هي أنه تعالى لا يقضي بالنفاق ولا يخلقه لقاعدة التحسين والتقبيح، وجوز أن يكون الضمير المنصوب للبخل أيضا، والمراد باليوم يوم القيامة، وهناك مضاف محذوف أي يلقون جزاءه وما مصدرية. والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للإيذان بالاستمرار أي بسبب اخلافهم ما وعدوه تعالى من التصدق والصلاح وبسبب كونهم مستمرين على الكذب في جميع المقالات التي من جملتها وعدهم المذكور، وقيل: المراد كذبهم فيما تضمنه خلف الوعد فإن الوعد وإن كان إنشاء لكنه متضمن للخبر فإذا تخلف كان قبيحا من وجهين الخلف والكذب الضمني، وفيه نظر لأن تخصيص الكذب بذلك يؤدي إلى تخلية الجمع بين الصيغتين عن المزية، وقد اشتملت الآية على خصلتين من خصال المنافقين، فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» ويستفاد من الصحاح آية أخرى له «إذا خاصم فجر» . واستشكل ذلك بأن الخصال قد توجد في المسلم الذي لا شك فيه ولا شبهة تعتريه بل كثير من علمائنا اليوم متصفون بأكثرها أو بها كلها، وأجيب بأن المعنى أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها يشبه المنافقين في التخلق بها، والمراد بقوله ﵊ على ما في بعض الروايات الصحيحة «أربع من كن فيه منافقا خالصا» أنه كان شديد الشبه بالمنافقين لا أنه كان منافقا حقيقة. وقيل: إن الأخبار الواردة في هذا الباب إنما هي فيمن كانت تلك الخصال غالبة عليه غير مكترث بها ولا نادم على ارتكابها ومثله لا يبعد أن يكون منافقا حقيقة، وقيل: هي في المنافقين الذين كانوا في زمنه ﵊ فإنهم حدثوا في أيمانهم فكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في النصرة للحق فأخلفوا أو خاصموا ففجروا، وروي هذا عن ابن عباس وابن عمر، وهو قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، وإليه رجع الحسن بعد أن كان على خلافه، قال القاضي عياض: وإليه مال أكثر أئمتنا، وقيل: كان ذلك في رجل بعينه وهو خارج مخرج قوله ﷺ : «ما بال أقوام يفعلون كذا» لأناس مخصوصين منعه كرمه ﵊ أن يواجههم بصريح القول، وحكى الخطابي عن بعضهم أن المقصود من الإخبار تحذير المسلم أن يعتاد هذه الخصال ولعله راجع إلى ما أجيب به أولا، وبالجملة يجب على المؤمن اجتناب هذه الخصال فإنها في غاية القبح عند ذوي الكمال. مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق وقرىء «يكذّبون» بتشديد الذال أَلَمْ يَعْلَمُوا أي المنافقون أو من عاهد الله تعالى، وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ بالتاء على أنه خطاب للمؤمنين، وقيل: للأولين على الالتفات ويأباه قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وجعله التفاتا آخر تكلف، والمراد من السر على تقدير أن يكون الضمير للمنافقين ما أسروه في أنفسهم من النفاق ومن النجوى ما يتناجون به من المطاعن، وعلى التقدير الآخر المراد من الأول العزم على الإخلاف ومن الثاني تسمية الزكاة جزية، وتقديم السر على النجوى لأن العلم به أعظم في الشاهد من العلم بها مع ما في تقديمه وتعليق العلم به من تعجيل إدخال الروعة أو السرور على اختلاف القراءتين وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ينفعك هنا أيضا وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ فلا يخفى عليه سبحانه شيء من الأشياء. والهمزة إما للإنكار والتوبيخ والتهديد أي ألم يعلموا ذلك حتى اجترءوا على ما اجترءوا عليه من العظائم أو للتقرير والتنبيه على أن الله سبحانه مؤاخذهم ومجازيهم بما علم من أعمالهم، وإظهار الاسم الجليل لإلقاء الروعة وتربية المهابة أو لتعظيم أمر المؤاخذة والمجازاة، وفي إيراد العلم المتعلق بسرهم ونجواهم الحادثين شيئا فشيئا بصيغة الفعل الدال على الحدوث والتجدد والعلم المتعلق بالغيوب

стр. 2137

الكثيرة بصيغة الاسم الدال على الدوام والمبالغة من الفخامة والجزالة ما لا يخفى الَّذِينَ يَلْمِزُونَ مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين وقيل: أي منهم الذين، وقيل: مبتدأ خبره فَيَسْخَرُونَ والفاء لما في الموصول من شبه الشرط أو سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ أو منصوب بفعل محذوف أعني- أعني- أو أذم أو مجرور على البدلية من ضمير سِرَّهُمْ على أنه للمنافقين مطلقا. وقرىء بضم الميم وهو لغة كما علمت أي يعيبون الْمُطَّوِّعِينَ أي المتطوعين، والمراد بهم من يعطي تطوعا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حال من الضمير، وقوله سبحانه: فِي الصَّدَقاتِ متعلق بيلمزون، ولا يجوز كما قال أبو البقاء تعلقه بالمطوعين للفصل، أخرج البغوي في معجمه وأبو الشيخ عن الحسن قال «قام رسول الله ﷺ مقاما للناس فقال: يا أيها الناس تصدقوا يا أيها الناس تصدقوا أشهد لكم بها يوم القيامة ألا لعل أحدكم أن يبيت فصاله رواء وابن له طاو إلى جنبه ألا لعل أحدكم أن يثمر ماله وجاره مسكين لا يقدر على شيء ألا رجل منح ناقة من إبله يغدو برفد ويروح برفد يغدو بصبوح أهل بيته ويروح بغبوقهم ألا إن أجرها لعظيم فقام رجل فقال: يا رسول الله عندي أبعرة عندي أربعة ذود فقام آخر قصير القامة قبيح الشبه يقود ناقة له حسناء جملاء فقال له رجل من المنافقين كلمة خفية لا يرى أن النبي ﷺ سمعها ناقته خير منه فسمعها ﵊ فقال: كذبت هو خير منك ومنها، ثم قام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله عندي ثمانية آلاف تركت منها أربعة لعيالي وجئت بأربعة أقدمها إلى الله تعالى فتكاثر المنافقون ما جاء به ثم قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: يا رسول الله عندي سبعون وسقا من تمر فتكاثر المنافقون ما جاء به وقالوا: جاء هذا بأربعة آلاف وجاء هذا بسبعين وسقا للرياء والسمعة فهلا أخفياها فهلا فرقاها، ثم قام رجل من الأنصار اسمه الحبحاب يكنى أبا عقيل فقال: يا رسول الله ما لي من مال غير أني آجرت نفسي البارحة من بني فلان أجر الجرير في عنقي على صاعين من تمر فتركت صاعا لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى فلمزه المنافقون وقالوا: جاء أهل الإبل بالإبل وجاء أهل الفضة بالفضة وجاء هذا بتميرات يحملها فأنزل الله تعالى الآية، ولم يبين الآلاف التي ذكرها عبد الرحمن في هذه الرواية وكانت على ما أخرجه ابن المنذر عن مجاهد- دنانير- وفي رواية أنها دراهم، وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس أن عبد الرحمن جاء بأربعمائة أوقية من ذهب وهي نصف ما كان عنده وأن النبي ﷺ قال: اللهم بارك له فيما أعطى وبارك له فيما أمسك، وجاء في رواية الطبراني أن الله بارك حتى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم، وفي الكشاف وعزاه الطيبي للاستيعاب أن زوجته تماضر صولحت عن ربع الثمن على ثمانين ألفا، فعلى الأول يكون له زوجتان وعلى الثاني يكون له أربع زوجات، ويختلف مجموع المالين على الروايتين اختلافا كثيرا، وفي رواية ابن أبي حاتم عن ابن زيد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان أحد المطوعين وأنه جاء بمال كثير يحمله فقال له رجل من المنافقين: أترائي يا عمر؟ فقال: نعم أرائي الله تعالى ورسوله ﷺ فأما غيرهما فلا. وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ عطف على الْمُطَّوِّعِينَ وهو من عطف الخاص على العام، وقيل: عطف على المؤمنين. وتعقبه الأجهوري بأن فيه إيهام أن المعطوف ليس من المؤمنين. وقال أبو البقاء: هو عطف على الَّذِينَ يَلْمِزُونَ وأراه خطأ صرفا. والجهد بالضم الطاقة أي ويلمزون الذين لا يجدون إلا طاقتهم وما تبلغه قوتهم وهم الفقراء كأبي عقيل واسمه مر آنفا، وعن ابن إسحاق أن اسمه سهل بن رافع، وعن مجاهد أنه فسر الموصول برفاعة بن سعد، ولعل الجمع حينئذ للتعظيم، ويحتمل أن يكون على ظاهره والمذكور سبب النزول، وقرأ ابن هرمز جُهْدَهُمْ بالفتح وهو إحدى لغتين في الجهد فمعنى المضموم والمفتوح واحد، وقيل: المفتوح بمعنى المشقة والمضموم بمعنى الطاقة قاله القتبي، وقيل: المضموم شيء قليل يعاش به والمفتوح

стр. 2138

العمل، وقوله تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ عطف على يَلْمِزُونَ أو خبر على ما علمت أي يستهزئون بهم، والمراد بهم على ما قيل الفريق الأخير سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ أي جازاهم على سخريتهم، فالجملة خبرية والتعبير بذلك للمشاكلة وليست انشائية للدعاء عليهم لأن يصيروا ضحكة لأن قوله تعالى جده: وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ جملة خبرية معطوفة عليها فلو كانت دعاء لزم عطف الاخبارية على الإنشائية في ذلك كلام، وإنما اختلفتا فعلية واسمية لأن السخرية في الدنيا وهي متجددة والعذاب في الآخرة وهو دائم ثابت، والتنوين في العذاب للتهويل والتفخيم اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الظاهر أن المراد به وبمثله التخيير، ويؤيد إرادته هنا فهم رسول الله ﷺ كما ستعلم إن شاء الله تعالى ذلك منه فكأنه قال سبحانه له ﵊: إن شئت فاستغفر لهم وإن شئت فلا، وكلام النسفي تنسفه صحة الأخبار نسفا. واختار غير واحد أن المراد التسوية بين الأمرين كما في قوله تعالى: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [التوبة: ٥٣] والبيت المار: أسيئي بنا أو أحسني إلخ، والمقصود الإخبار بعدم الفائدة في ذلك وفيه من المبالغة ما فيه، وقال بعض المحققين بعد اختياره للتسوية في مثل ذلك: إنها لا تنافي التخيير فإن ثبت فهو بطريق الاقتضاء لوقوعها بين ضدين لا يجوز تركهما ولا فعلهما فلا بد من أحدهما ويختلف الحال فتارة يكون الإثبات كما في قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦، يس: ١٠] وأخرى النفي كما هنا وفي قوله سبحانه: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون: ٦] إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ بيان لعدم المغفرة وإن استغفر لهم حسبما أريد إثر التخيير أو بيان لاستحالة المغفرة بعد المبالغة في الاستغفار إثر بيان الاستواء بين الاستغفار وعدمه. وسبب النزول على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزل قوله سبحانه: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ إلخ سأله ﵊ اللامزون الاستغفار لهم فهم أن يفعل فنزلت فلم يفعل. وقيل: نزلت بعد أن فعل، واختار الإمام عدمه وقال: إنه لا يجوز الاستغفار للكافر فكيف يصدر عنه ﷺ . ورد بأنه يجوز لأحيائهم بمعنى طلب سبب الغفران، والقول بأن الاستغفار للمصر لا ينفع لا ينفع لأنه لا قطع بعدم نفعه إلا أن يوحى إليه ﵊ بأنه لا يؤمن كأبي لهب، والقول بأن الاستغفار للمنافق إغراء له على النفاق لا نفاق له أصلا وإلا لامتناع الاستغفار لعصاة المؤمنين ولا قائل به، وقال بعضهم: إنه على تقدير وقوع الاستغفار منه ﵊ والقول بتقديم النهي المفاد بقوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] لا إشكال فيه إذ النهي ليس للتحريم بل لبيان عدم الفائدة وهو كلام واه لأن قصارى ما تدل عليه الآية المنع من الاستغفار للكفار وهو لا يقتضي المنع عن الاستغفار لمن ظاهر حاله الإسلام، والقول بأنه حيث لم يستجب يكون نقصا في منصب النبوة ممنوع لأنه ﵊ قد لا يجاب دعاؤه لحكمة كما لم يجب دعاء بعض إخوانه الأنبياء ﵈ ولا يعد ذلك نقصا كما لا يخفى، ومناسبة الآية لما قبلها على هذه الرواية في غاية الوضوح إلا أنه قيل: إن الصحيح المعول عليه في ذلك أن عبد الله وكان اسمه الحباب وكان من المخلصين ابن عبد الله بن أبي سأل رسول الله ﷺ في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل فنزلت فقال ﵊: لأزيدن على السبعين فنزلت سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ [المنافقون: ٦] إلخ، وفيه رد على الإمام أيضا في اختياره عدم الاستغفار وكذا في إنكاره كون مفهوم العدد حجة كما نقله عنه الأسنوي في التمهيد مخالفا في ذلك الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه قائل بحجيته كما نقله الغزالي عنه في المنخول وشيخه إمام الحرمين في البرهان وصرح بأن ذلك قول الجمهور.

стр. 2139

وفي المطلب لابن الرفعة أن مفهوم العدد هو العمدة عندنا في عدم تنقيص الحجارة في الاستنجاء على الثلاثة والزيادة على ثلاثة أيام في الخيار، وما نقل عن النووي من أن مفهوم العدد باطل عند الأصوليين محمول على أن المراد باطل عند جمع من الأصوليين كما يدل عليه كلامه في شرح مسلم في باب الجنائز وإلا فهو عجيب منه. وكلام العلامة البيضاوي مضطرب، ففي المنهاج التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص أي إنه نص في مدلوله لا يحتمل الزيادة والنقصان، وفي التفسير عند هذه الآية بعد سوق خبر سبب النزول أنه ﵊ فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل فجاز أن يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما وراءه فبين له ﵊ أن المراد به التكثير لا التحديد، وذكر في تفسير سورة البقرة عند قوله سبحانه: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [البقرة: ٢٩] أنه ليس في الآية نفي الزائد، وإرادة التكثير من السبعين شائع في كلامهم وكذا إرادته من السبعة والسبعمائة، وعلل في شرح المصابيح ذلك بأن السبعة مشتملة على جملة أقسام العدد فإنه ينقسم إلى فرد وزوج وكل منهما إلى أول ومركب فالفرد الأول ثلاثة والمركب من خمسة والزوج الأول اثنان والمركب أربعة، وينقسم أيضا إلى منطق كالأربعة وأصم كالستة والسبعة تشتمل على جميع هذه الأقسام، ثم إن أريد المبالغة جعلت آحادها أعشارا وأعشارها مئات، وأريد بالفرد الأول الذي لا يكون مسبوقا بفرد آخر عددي كالثلاثة إذ الواحد ليس بعدد بناء على أنه ما ساوى نصف مجموع حاشيتيه الصحيحتين، وبالفرد المركب الذي يكون مسبوقا بفرد آخر فإن الخمسة مسبوقة بثلاثة، وأريد بالزوج الأول الغير مسبوق بزوج آخر كالاثنين وبالمركب ما يكون مسبوقا به كالأربعة المسبوقة بالاثنين، وقد يقسم العدد ابتداء إلى أول ومركب ويراد بالأول ما لا يعده إلا الواحد كالثلاثة والخمسة والسبعة وبالمركب ما يعده غير الواحد كالأربعة فإنه يعدها الاثنان والتسعة فإنه يعدها الثلاثة، وللمنطق إطلاقان فيطلق ويراد به ما له كسر صحيح من الكسور التسعة، والأصم الذي يقابله ما لا يكون كذلك كأحد عشر، ويطلق ويراد به المجذور وهو ما يكون حاصلا من ضرب عدد في نفسه كالأربعة الحاصلة من ضرب الاثنين في نفسها والتسعة الحاصلة من ضرب الثلاثة في نفسها والأصم الذي يقابله ما لا يكون كذلك كالاثنين والثلاثة وهذا مراد شارح المصابيح حيث مثل الأصم بالستة مع أن لها كسرا صحيحا بل كسران النصف والسدس لكنها ليست حاصلة من ضرب عدد في نفسه، ومعنى اشتمال السبعة على هذه الأقسام أنه إذا جمع الفرد الأول مع الزوج المركب أو الفرد المركب مع الزوج الأول كان سبعة، وكذا إذا جمع المنطق كالأربعة مع الأصم كالثلاثة كان الحاصل سبعة وهذه الخاصة لا توجد في العدد قبل السبعة، فمن ظن أن الأنسب بالاعتبار بحسب هذا الاشتمال هو الستة لا السبعة لأنها المشتملة على ما ذكر فهو لم يحصل معنى الاشتمال أو لم يعرف هذه الاصطلاحات لكونها من وظيفة علم الارتماطيقي. ومما ذكرنا من معنى الاشتمال يندفع أيضا ما يتوهم من أن التحقيق أن كل عدد مركب من الوحدات لا من الأعداد التي تحته إذ ليس المراد من الاشتمال التركيب على أن في هذا التحقيق مقالا مذكورا في محله. وقال ابن عيسى الربعي: إن السبعة أكمل الأعداد لأن الستة أول عدد تام وهي مع الواحد سبعة فكانت كاملة إذ ليس بعد التمام إلا الكمال، ولذا سمي الأسد سبعا لكمال قوته، وفسر العدد التام بما يساوي مجموع كسوره وكون الستة كذلك ظاهر فإن كسورها سدس وهو واحد وثلث وهو اثنان ونصف وهو ثلاثة ومجموعها ستة، لكن استبعد عدم فهم من هو أفصح الناس وأعرفهم باللسان ﷺ إرادة التكثير من السبعين هنا، ولذا قال البعض: إنه ﵊ لم يخف عليه ذلك لكنه خيل بما قال إظهارا لغاية رأفته ورحمته لمن بعث إليه كقول إبراهيم ﵇: وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] يعني أنه ﷺ أوقع في خيال السامع أنه فهم العدد المخصوص

стр. 2140

دون التكثير فجوز الإجابة بالزيادة قصدا إلى إظهار الرأفة والرحمة كما جعل إبراهيم ﵇ جزاء من عصاني أي لم يمتثل أمر ترك عبادة الأصنام قوله: فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ دون إنك شديد العقاب مثلا فخيل أنه سبحانه يرحمهم ويغفر لهم رأفة بهم وحثا على الاتباع، وتعقب بأن ذكره للتمويه والتخييل بعد ما فهم ﵊ منه التكثير لا يليق بمقامه الرفيع، وفهم المعنى الحقيقي من لفظ اشتهر مجازه لا ينافي الفصاحة والمعرفة باللسان فإنه لا خطأ فيه ولا بعد إذ هو الأصل، ورجحه عنده ﵊ شغفه بهدايتهم ورأفته بهم واستعطاف من عداهم، ولعل هذا أولى من القول بالتمويه بلا تمويه، وأنكر إمام الحرمين صحة ما يدل على أنه ﵊ فهم على أن حكم ما زاد على السبعين بخلافه وهو غريب منه، فقد جاء ذلك من رواية البخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي وكفى بهم، وقول الطبرسي: «إن خبر «لأزيدن» إلخ خبر واحد لا يعول عليه» لا يعول عليه، وتمسك في ذلك بما هو كحبل الشمس وهو عند القائلين بالمفهوم كجبال القمر، وأجاب المنكرون له بمنع فهم ذلك لأن ذكر السبعين للمبالغة وما زاد عليه مثله في الحكم وهو مبادرة عدم المغفرة فكيف يفهم منه المخالفة، ولعله علم ﷺ أنه غير مراد هاهنا بخصوصه سلمناه لكن لا نسلم فهمه منه، ولعله باق على أصله في الجواز إذ لم يتعرض له بنفي ولا إثبات والأصل جواز الاستغفار للرسول ﵊ وكونه مظنة الإجابة ففهم من حيث إنه الأصل لا من التخصيص بالذكر، وحاصل الأول منع فهمه منه مطلقا بل إنما فهم من الخارج، وحاصل الثاني تسليم فهمه منه في الجملة لكن لا بطريق المفهوم بل من جهة الأصل. وأنت تعلم أن ظاهر الخبر مع القائلين بالمفهوم غاية الأمر أن الله سبحانه أعلم نبيه ﵊ بآية المنافقين أن المراد بالعدد هنا التكثير دون التحديد ليكون حكم الزائد مخالفا لحكم المذكور فيكون المراد بالآيتين عند الله تعالى واحدا وهو عدم المغفرة لهم مطلقا، لكن في دعوى نزول آية المنافقين بعد هذه الآية إشكال، أما على القول بأن براءة آخر ما نزل فظاهر وأما على القول بأن أكثرها أو صدرها كذلك وحينئذ لا مانع من تأخر نزول بعض الآيات منها عن نزول بعض من غيرها فلأن صدر ما في سورة المنافقين يقتضي أنها نزلت في غير قصة هذه التي سلفت آنفا، وظاهر الأخبار كما ستعلم إن شاء الله تعالى يقتضي أنها نزلت في ابن أبي ولم يكن مريضا، وما تقدم في سبب نزول ما هنا نص في أنه نزل وهو مريض، والقول بأن تلك نزلت مرتين يحتاج إلى النقل ولا يكتفي في مثله بالرأي وأنى به، على أنه يشكل حينئذ قوله ﵊ «لأزيدن على السبعين» مع تقدم نزول المبين للمراد منه، والقول بالغفلة لا أراه إلّا ناشئا من الغفلة عن قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى بل الجهل بمقامه الرفيع ﵊ ومزيد اعتنائه بكلام ربه سبحانه، ولم أر من تعرض لدفع هذا الإشكال، ولا سبيل إلى دفعه إلا بمنع نزول ما في سورة المنافقين في قصة أخرى ومنع دلالة الصدر على ذلك. نعم ذكروا أن الصدر نزل في ابن أبي ولم يكن مريضا إذ ذاك ولم نقف على نص في أن العجز نزل فيه كذلك، والظاهر نزوله بعد قوله سبحانه: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ إلخ وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يؤيد ذلك عند تفسير الآية فافهم ذلِكَ أي امتناع المغفرة لهم ولو بعد ذلك الاستغفار بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني ليس الامتناع لعدم الاعتداد باستغفارك بل بسبب عدم قابليتهم لأنهم كفروا كفرا متجاوزا للحد كما يشير إليه وصفهم بالفسق في قوله سبحانه: وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ فإن الفسق في كل شيء عبارة عن التمرد والتجاوز عن حدوده، والمراد بالهداية الدلالة الموصلة لا الدلالة على ما يوصل لأنها واقعة لكن لم يقبلوها لسوء اختيارهم، والجملة تذييل مؤكد لما قبله من الحكم فإن مغفرة الكفار بالإقلاع عن الكفر والإقبال إلى الحق والمنهمك فيه المطبوع عليه بمعزل من ذلك، وفيه تنبيه
следующие страницы →