تعالى ورسوله ﷺ وخلف وعده كما قيل لا يقتضي الأرجحية بل الصحة ولعلها لا تنكر، واختيار الزمخشري كان لنزعة اعتزالية هي أنه تعالى لا يقضي بالنفاق ولا يخلقه لقاعدة التحسين والتقبيح، وجوز أن يكون الضمير المنصوب للبخل أيضا، والمراد باليوم يوم القيامة، وهناك مضاف محذوف أي يلقون جزاءه وما مصدرية.
والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للإيذان بالاستمرار أي بسبب اخلافهم ما وعدوه تعالى من التصدق والصلاح وبسبب كونهم مستمرين على الكذب في جميع المقالات التي من جملتها وعدهم المذكور، وقيل: المراد كذبهم فيما تضمنه خلف الوعد فإن الوعد وإن كان إنشاء لكنه متضمن للخبر فإذا تخلف كان قبيحا من وجهين الخلف والكذب الضمني، وفيه نظر لأن تخصيص الكذب بذلك يؤدي إلى تخلية الجمع بين الصيغتين عن المزية، وقد اشتملت الآية على خصلتين من خصال المنافقين،
فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان»
ويستفاد من الصحاح آية أخرى له «إذا خاصم فجر» . واستشكل ذلك بأن الخصال قد توجد في المسلم الذي لا شك فيه ولا شبهة تعتريه بل كثير من علمائنا اليوم متصفون بأكثرها أو بها كلها، وأجيب بأن المعنى أن هذه الخصال خصال نفاق وصاحبها يشبه المنافقين في التخلق بها، والمراد
بقوله ﵊ على ما في بعض الروايات الصحيحة «أربع من كن فيه منافقا خالصا»
أنه كان شديد الشبه بالمنافقين لا أنه كان منافقا حقيقة.
وقيل: إن الأخبار الواردة في هذا الباب إنما هي فيمن كانت تلك الخصال غالبة عليه غير مكترث بها ولا نادم على ارتكابها ومثله لا يبعد أن يكون منافقا حقيقة، وقيل: هي في المنافقين الذين كانوا في زمنه ﵊ فإنهم حدثوا في أيمانهم فكذبوا واؤتمنوا على دينهم فخانوا ووعدوا في النصرة للحق فأخلفوا أو خاصموا ففجروا، وروي هذا عن ابن عباس وابن عمر، وهو قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح، وإليه رجع الحسن بعد أن كان على خلافه، قال القاضي عياض: وإليه مال أكثر أئمتنا، وقيل: كان ذلك في رجل بعينه وهو خارج مخرج
قوله ﷺ : «ما بال أقوام يفعلون كذا»
لأناس مخصوصين منعه كرمه ﵊ أن يواجههم بصريح القول، وحكى الخطابي عن بعضهم أن المقصود من الإخبار تحذير المسلم أن يعتاد هذه الخصال ولعله راجع إلى ما أجيب به أولا، وبالجملة يجب على المؤمن اجتناب هذه الخصال فإنها في غاية القبح عند ذوي الكمال.
مساو لو قسمن على الغواني ... لما أمهرن إلا بالطلاق
وقرىء «يكذّبون» بتشديد الذال أَلَمْ يَعْلَمُوا أي المنافقون أو من عاهد الله تعالى،
وعن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قرأ بالتاء على أنه خطاب للمؤمنين،
وقيل: للأولين على الالتفات ويأباه قوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْواهُمْ وجعله التفاتا آخر تكلف، والمراد من السر على تقدير أن يكون الضمير للمنافقين ما أسروه في أنفسهم من النفاق ومن النجوى ما يتناجون به من المطاعن، وعلى التقدير الآخر المراد من الأول العزم على الإخلاف ومن الثاني تسمية الزكاة جزية، وتقديم السر على النجوى لأن العلم به أعظم في الشاهد من العلم بها مع ما في تقديمه وتعليق العلم به من تعجيل إدخال الروعة أو السرور على اختلاف القراءتين وسيأتي إن شاء الله تعالى ما ينفعك هنا أيضا وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ فلا يخفى عليه سبحانه شيء من الأشياء. والهمزة إما للإنكار والتوبيخ والتهديد أي ألم يعلموا ذلك حتى اجترءوا على ما اجترءوا عليه من العظائم أو للتقرير والتنبيه على أن الله سبحانه مؤاخذهم ومجازيهم بما علم من أعمالهم، وإظهار الاسم الجليل لإلقاء الروعة وتربية المهابة أو لتعظيم أمر المؤاخذة والمجازاة، وفي إيراد العلم المتعلق بسرهم ونجواهم الحادثين شيئا فشيئا بصيغة الفعل الدال على الحدوث والتجدد والعلم المتعلق بالغيوب
стр. 2137
الكثيرة بصيغة الاسم الدال على الدوام والمبالغة من الفخامة والجزالة ما لا يخفى الَّذِينَ يَلْمِزُونَ مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين وقيل: أي منهم الذين، وقيل: مبتدأ خبره فَيَسْخَرُونَ والفاء لما في الموصول من شبه الشرط أو سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ أو منصوب بفعل محذوف أعني- أعني- أو أذم أو مجرور على البدلية من ضمير سِرَّهُمْ على أنه للمنافقين مطلقا. وقرىء بضم الميم وهو لغة كما علمت أي يعيبون الْمُطَّوِّعِينَ أي المتطوعين، والمراد بهم من يعطي تطوعا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ حال من الضمير، وقوله سبحانه: فِي الصَّدَقاتِ متعلق بيلمزون، ولا يجوز كما قال أبو البقاء تعلقه بالمطوعين للفصل،
أخرج البغوي في معجمه وأبو الشيخ عن الحسن قال «قام رسول الله ﷺ مقاما للناس فقال: يا أيها الناس تصدقوا يا أيها الناس تصدقوا أشهد لكم بها يوم القيامة ألا لعل أحدكم أن يبيت فصاله رواء وابن له طاو إلى جنبه ألا لعل أحدكم أن يثمر ماله وجاره مسكين لا يقدر على شيء ألا رجل منح ناقة من إبله يغدو برفد ويروح برفد يغدو بصبوح أهل بيته ويروح بغبوقهم ألا إن أجرها لعظيم فقام رجل فقال:
يا رسول الله عندي أبعرة عندي أربعة ذود فقام آخر قصير القامة قبيح الشبه يقود ناقة له حسناء جملاء فقال له رجل من المنافقين كلمة خفية لا يرى أن النبي ﷺ سمعها ناقته خير منه فسمعها ﵊ فقال: كذبت هو خير منك ومنها، ثم قام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله عندي ثمانية آلاف تركت منها أربعة لعيالي وجئت بأربعة أقدمها إلى الله تعالى فتكاثر المنافقون ما جاء به ثم قام عاصم بن عدي الأنصاري فقال: يا رسول الله عندي سبعون وسقا من تمر فتكاثر المنافقون ما جاء به وقالوا: جاء هذا بأربعة آلاف وجاء هذا بسبعين وسقا للرياء والسمعة فهلا أخفياها فهلا فرقاها، ثم قام رجل من الأنصار اسمه الحبحاب يكنى أبا عقيل فقال: يا رسول الله ما لي من مال غير أني آجرت نفسي البارحة من بني فلان أجر الجرير في عنقي على صاعين من تمر فتركت صاعا لعيالي وجئت بصاع أقربه إلى الله تعالى فلمزه المنافقون وقالوا: جاء أهل الإبل بالإبل وجاء أهل الفضة بالفضة وجاء هذا بتميرات يحملها فأنزل الله تعالى الآية،
ولم يبين الآلاف التي ذكرها عبد الرحمن في هذه الرواية وكانت على ما
أخرجه ابن المنذر عن مجاهد- دنانير- وفي رواية أنها دراهم، وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس أن عبد الرحمن جاء بأربعمائة أوقية من ذهب وهي نصف ما كان عنده وأن النبي ﷺ قال: اللهم بارك له فيما أعطى وبارك له فيما أمسك، وجاء في رواية الطبراني أن الله بارك حتى صولحت إحدى امرأتيه عن نصف الثمن على ثمانين ألف درهم،
وفي الكشاف وعزاه الطيبي للاستيعاب أن زوجته تماضر صولحت عن ربع الثمن على ثمانين ألفا، فعلى الأول يكون له زوجتان وعلى الثاني يكون له أربع زوجات، ويختلف مجموع المالين على الروايتين اختلافا كثيرا، وفي رواية ابن أبي حاتم عن ابن زيد أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان أحد المطوعين وأنه جاء بمال كثير يحمله فقال له رجل من المنافقين: أترائي يا عمر؟ فقال: نعم أرائي الله تعالى ورسوله ﷺ فأما غيرهما فلا. وقوله سبحانه: وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ عطف على الْمُطَّوِّعِينَ وهو من عطف الخاص على العام، وقيل: عطف على المؤمنين. وتعقبه الأجهوري بأن فيه إيهام أن المعطوف ليس من المؤمنين.
وقال أبو البقاء: هو عطف على الَّذِينَ يَلْمِزُونَ وأراه خطأ صرفا. والجهد بالضم الطاقة أي ويلمزون الذين لا يجدون إلا طاقتهم وما تبلغه قوتهم وهم الفقراء كأبي عقيل واسمه مر آنفا، وعن ابن إسحاق أن اسمه سهل بن رافع، وعن مجاهد أنه فسر الموصول برفاعة بن سعد، ولعل الجمع حينئذ للتعظيم، ويحتمل أن يكون على ظاهره والمذكور سبب النزول، وقرأ ابن هرمز جُهْدَهُمْ بالفتح وهو إحدى لغتين في الجهد فمعنى المضموم والمفتوح واحد، وقيل: المفتوح بمعنى المشقة والمضموم بمعنى الطاقة قاله القتبي، وقيل: المضموم شيء قليل يعاش به والمفتوح
стр. 2138
العمل، وقوله تعالى: فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ عطف على يَلْمِزُونَ أو خبر على ما علمت أي يستهزئون بهم، والمراد بهم على ما قيل الفريق الأخير سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ أي جازاهم على سخريتهم، فالجملة خبرية والتعبير بذلك للمشاكلة وليست انشائية للدعاء عليهم لأن يصيروا ضحكة لأن قوله تعالى جده:
وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ جملة خبرية معطوفة عليها فلو كانت دعاء لزم عطف الاخبارية على الإنشائية في ذلك كلام، وإنما اختلفتا فعلية واسمية لأن السخرية في الدنيا وهي متجددة والعذاب في الآخرة وهو دائم ثابت، والتنوين في العذاب للتهويل والتفخيم اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ الظاهر أن المراد به وبمثله التخيير، ويؤيد إرادته هنا فهم رسول الله ﷺ كما ستعلم إن شاء الله تعالى ذلك منه فكأنه قال سبحانه له ﵊: إن شئت فاستغفر لهم وإن شئت فلا، وكلام النسفي تنسفه صحة الأخبار نسفا. واختار غير واحد أن المراد التسوية بين الأمرين كما في قوله تعالى: أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً [التوبة: ٥٣] والبيت المار:
أسيئي بنا أو أحسني إلخ، والمقصود الإخبار بعدم الفائدة في ذلك وفيه من المبالغة ما فيه، وقال بعض المحققين بعد اختياره للتسوية في مثل ذلك: إنها لا تنافي التخيير فإن ثبت فهو بطريق الاقتضاء لوقوعها بين ضدين لا يجوز تركهما ولا فعلهما فلا بد من أحدهما ويختلف الحال فتارة يكون الإثبات كما في قوله تعالى: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [البقرة: ٦، يس: ١٠] وأخرى النفي كما هنا وفي قوله سبحانه: سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ [المنافقون: ٦] إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ بيان لعدم المغفرة وإن استغفر لهم حسبما أريد إثر التخيير أو بيان لاستحالة المغفرة بعد المبالغة في الاستغفار إثر بيان الاستواء بين الاستغفار وعدمه.
وسبب النزول على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما نزل قوله سبحانه: سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ إلخ سأله ﵊ اللامزون الاستغفار لهم فهم أن يفعل فنزلت فلم يفعل. وقيل: نزلت بعد أن فعل، واختار الإمام عدمه وقال: إنه لا يجوز الاستغفار للكافر فكيف يصدر عنه ﷺ . ورد بأنه يجوز لأحيائهم بمعنى طلب سبب الغفران، والقول بأن الاستغفار للمصر لا ينفع لا ينفع لأنه لا قطع بعدم نفعه إلا أن يوحى إليه ﵊ بأنه لا يؤمن كأبي لهب، والقول بأن الاستغفار للمنافق إغراء له على النفاق لا نفاق له أصلا وإلا لامتناع الاستغفار لعصاة المؤمنين ولا قائل به، وقال بعضهم: إنه على تقدير وقوع الاستغفار منه ﵊ والقول بتقديم النهي المفاد بقوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] لا إشكال فيه إذ النهي ليس للتحريم بل لبيان عدم الفائدة وهو كلام واه لأن قصارى ما تدل عليه الآية المنع من الاستغفار للكفار وهو لا يقتضي المنع عن الاستغفار لمن ظاهر حاله الإسلام، والقول بأنه حيث لم يستجب يكون نقصا في منصب النبوة ممنوع لأنه ﵊ قد لا يجاب دعاؤه لحكمة كما لم يجب دعاء بعض إخوانه الأنبياء ﵈ ولا يعد ذلك نقصا كما لا يخفى، ومناسبة الآية لما قبلها على هذه الرواية في غاية الوضوح إلا أنه قيل: إن الصحيح المعول عليه في ذلك
أن عبد الله وكان اسمه الحباب وكان من المخلصين ابن عبد الله بن أبي سأل رسول الله ﷺ في مرض أبيه أن يستغفر له ففعل فنزلت فقال ﵊: لأزيدن على السبعين فنزلت سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ [المنافقون: ٦] إلخ،
وفيه رد على الإمام أيضا في اختياره عدم الاستغفار وكذا في إنكاره كون مفهوم العدد حجة كما نقله عنه الأسنوي في التمهيد مخالفا في ذلك الشافعي رضي الله تعالى عنه فإنه قائل بحجيته كما نقله الغزالي عنه في المنخول وشيخه إمام الحرمين في البرهان وصرح بأن ذلك قول الجمهور.
стр. 2139
وفي المطلب لابن الرفعة أن مفهوم العدد هو العمدة عندنا في عدم تنقيص الحجارة في الاستنجاء على الثلاثة والزيادة على ثلاثة أيام في الخيار، وما نقل عن النووي من أن مفهوم العدد باطل عند الأصوليين محمول على أن المراد باطل عند جمع من الأصوليين كما يدل عليه كلامه في شرح مسلم في باب الجنائز وإلا فهو عجيب منه.
وكلام العلامة البيضاوي مضطرب، ففي المنهاج التخصيص بالعدد لا يدل على الزائد والناقص أي إنه نص في مدلوله لا يحتمل الزيادة والنقصان، وفي التفسير عند هذه الآية بعد سوق خبر سبب النزول أنه ﵊ فهم من السبعين العدد المخصوص لأنه الأصل فجاز أن يكون ذلك حدا يخالفه حكم ما وراءه فبين له ﵊ أن المراد به التكثير لا التحديد، وذكر في تفسير سورة البقرة عند قوله سبحانه: فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ [البقرة:
٢٩] أنه ليس في الآية نفي الزائد، وإرادة التكثير من السبعين شائع في كلامهم وكذا إرادته من السبعة والسبعمائة، وعلل في شرح المصابيح ذلك بأن السبعة مشتملة على جملة أقسام العدد فإنه ينقسم إلى فرد وزوج وكل منهما إلى أول ومركب فالفرد الأول ثلاثة والمركب من خمسة والزوج الأول اثنان والمركب أربعة، وينقسم أيضا إلى منطق كالأربعة وأصم كالستة والسبعة تشتمل على جميع هذه الأقسام، ثم إن أريد المبالغة جعلت آحادها أعشارا وأعشارها مئات، وأريد بالفرد الأول الذي لا يكون مسبوقا بفرد آخر عددي كالثلاثة إذ الواحد ليس بعدد بناء على أنه ما ساوى نصف مجموع حاشيتيه الصحيحتين، وبالفرد المركب الذي يكون مسبوقا بفرد آخر فإن الخمسة مسبوقة بثلاثة، وأريد بالزوج الأول الغير مسبوق بزوج آخر كالاثنين وبالمركب ما يكون مسبوقا به كالأربعة المسبوقة بالاثنين، وقد يقسم العدد ابتداء إلى أول ومركب ويراد بالأول ما لا يعده إلا الواحد كالثلاثة والخمسة والسبعة وبالمركب ما يعده غير الواحد كالأربعة فإنه يعدها الاثنان والتسعة فإنه يعدها الثلاثة، وللمنطق إطلاقان فيطلق ويراد به ما له كسر صحيح من الكسور التسعة، والأصم الذي يقابله ما لا يكون كذلك كأحد عشر، ويطلق ويراد به المجذور وهو ما يكون حاصلا من ضرب عدد في نفسه كالأربعة الحاصلة من ضرب الاثنين في نفسها والتسعة الحاصلة من ضرب الثلاثة في نفسها والأصم الذي يقابله ما لا يكون كذلك كالاثنين والثلاثة وهذا مراد شارح المصابيح حيث مثل الأصم بالستة مع أن لها كسرا صحيحا بل كسران النصف والسدس لكنها ليست حاصلة من ضرب عدد في نفسه، ومعنى اشتمال السبعة على هذه الأقسام أنه إذا جمع الفرد الأول مع الزوج المركب أو الفرد المركب مع الزوج الأول كان سبعة، وكذا إذا جمع المنطق كالأربعة مع الأصم كالثلاثة كان الحاصل سبعة وهذه الخاصة لا توجد في العدد قبل السبعة، فمن ظن أن الأنسب بالاعتبار بحسب هذا الاشتمال هو الستة لا السبعة لأنها المشتملة على ما ذكر فهو لم يحصل معنى الاشتمال أو لم يعرف هذه الاصطلاحات لكونها من وظيفة علم الارتماطيقي.
ومما ذكرنا من معنى الاشتمال يندفع أيضا ما يتوهم من أن التحقيق أن كل عدد مركب من الوحدات لا من الأعداد التي تحته إذ ليس المراد من الاشتمال التركيب على أن في هذا التحقيق مقالا مذكورا في محله.
وقال ابن عيسى الربعي: إن السبعة أكمل الأعداد لأن الستة أول عدد تام وهي مع الواحد سبعة فكانت كاملة إذ ليس بعد التمام إلا الكمال، ولذا سمي الأسد سبعا لكمال قوته، وفسر العدد التام بما يساوي مجموع كسوره وكون الستة كذلك ظاهر فإن كسورها سدس وهو واحد وثلث وهو اثنان ونصف وهو ثلاثة ومجموعها ستة، لكن استبعد عدم فهم من هو أفصح الناس وأعرفهم باللسان ﷺ إرادة التكثير من السبعين هنا، ولذا قال البعض: إنه ﵊ لم يخف عليه ذلك لكنه خيل بما قال إظهارا لغاية رأفته ورحمته لمن بعث إليه كقول إبراهيم ﵇:
وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [إبراهيم: ٣٦] يعني أنه ﷺ أوقع في خيال السامع أنه فهم العدد المخصوص
стр. 2140
دون التكثير فجوز الإجابة بالزيادة قصدا إلى إظهار الرأفة والرحمة كما جعل إبراهيم ﵇ جزاء من عصاني أي لم يمتثل أمر ترك عبادة الأصنام قوله: فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ دون إنك شديد العقاب مثلا فخيل أنه سبحانه يرحمهم ويغفر لهم رأفة بهم وحثا على الاتباع، وتعقب بأن ذكره للتمويه والتخييل بعد ما فهم ﵊ منه التكثير لا يليق بمقامه الرفيع، وفهم المعنى الحقيقي من لفظ اشتهر مجازه لا ينافي الفصاحة والمعرفة باللسان فإنه لا خطأ فيه ولا بعد إذ هو الأصل، ورجحه عنده ﵊ شغفه بهدايتهم ورأفته بهم واستعطاف من عداهم، ولعل هذا أولى من القول بالتمويه بلا تمويه، وأنكر إمام الحرمين صحة ما يدل على أنه ﵊ فهم على أن حكم ما زاد على السبعين بخلافه وهو غريب منه، فقد جاء ذلك من رواية البخاري ومسلم وابن ماجة والنسائي وكفى بهم، وقول الطبرسي: «إن خبر «لأزيدن» إلخ خبر واحد لا يعول عليه» لا يعول عليه، وتمسك في ذلك بما هو كحبل الشمس وهو عند القائلين بالمفهوم كجبال القمر، وأجاب المنكرون له بمنع فهم ذلك لأن ذكر السبعين للمبالغة وما زاد عليه مثله في الحكم وهو مبادرة عدم المغفرة فكيف يفهم منه المخالفة، ولعله علم ﷺ أنه غير مراد هاهنا بخصوصه سلمناه لكن لا نسلم فهمه منه، ولعله باق على أصله في الجواز إذ لم يتعرض له بنفي ولا إثبات والأصل جواز الاستغفار للرسول ﵊ وكونه مظنة الإجابة ففهم من حيث إنه الأصل لا من التخصيص بالذكر، وحاصل الأول منع فهمه منه مطلقا بل إنما فهم من الخارج، وحاصل الثاني تسليم فهمه منه في الجملة لكن لا بطريق المفهوم بل من جهة الأصل.
وأنت تعلم أن ظاهر الخبر مع القائلين بالمفهوم غاية الأمر أن الله سبحانه أعلم نبيه ﵊ بآية المنافقين أن المراد بالعدد هنا التكثير دون التحديد ليكون حكم الزائد مخالفا لحكم المذكور فيكون المراد بالآيتين عند الله تعالى واحدا وهو عدم المغفرة لهم مطلقا، لكن في دعوى نزول آية المنافقين بعد هذه الآية إشكال، أما على القول بأن براءة آخر ما نزل فظاهر وأما على القول بأن أكثرها أو صدرها كذلك وحينئذ لا مانع من تأخر نزول بعض الآيات منها عن نزول بعض من غيرها فلأن صدر ما في سورة المنافقين يقتضي أنها نزلت في غير قصة هذه التي سلفت آنفا، وظاهر الأخبار كما ستعلم إن شاء الله تعالى يقتضي أنها نزلت في ابن أبي ولم يكن مريضا، وما تقدم في سبب نزول ما هنا نص في أنه نزل وهو مريض، والقول بأن تلك نزلت مرتين يحتاج إلى النقل ولا يكتفي في مثله بالرأي وأنى به، على أنه يشكل حينئذ قوله ﵊ «لأزيدن على السبعين» مع تقدم نزول المبين للمراد منه، والقول بالغفلة لا أراه إلّا ناشئا من الغفلة عن قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى بل الجهل بمقامه الرفيع ﵊ ومزيد اعتنائه بكلام ربه سبحانه، ولم أر من تعرض لدفع هذا الإشكال، ولا سبيل إلى دفعه إلا بمنع نزول ما في سورة المنافقين في قصة أخرى ومنع دلالة الصدر على ذلك. نعم ذكروا أن الصدر نزل في ابن أبي ولم يكن مريضا إذ ذاك ولم نقف على نص في أن العجز نزل فيه كذلك، والظاهر نزوله بعد قوله سبحانه: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ إلخ وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يؤيد ذلك عند تفسير الآية فافهم ذلِكَ أي امتناع المغفرة لهم ولو بعد ذلك الاستغفار بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يعني ليس الامتناع لعدم الاعتداد باستغفارك بل بسبب عدم قابليتهم لأنهم كفروا كفرا متجاوزا للحد كما يشير إليه وصفهم بالفسق في قوله سبحانه:
وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ فإن الفسق في كل شيء عبارة عن التمرد والتجاوز عن حدوده، والمراد بالهداية الدلالة الموصلة لا الدلالة على ما يوصل لأنها واقعة لكن لم يقبلوها لسوء اختيارهم، والجملة تذييل مؤكد لما قبله من الحكم فإن مغفرة الكفار بالإقلاع عن الكفر والإقبال إلى الحق والمنهمك فيه المطبوع عليه بمعزل من ذلك، وفيه تنبيه
стр. 2141
على عذر النبي ﷺ في الاستغفار لهم وهو عدم يأسه من إيمانهم حيث لم يعلم إذ ذاك أنهم مطبوعون على الغي لا ينجع فيهم العلاج ولا يفيدهم الإرشاد، والممنوع هو الاستغفار بعد العلم بموتهم كفارا كما يشهد له قوله سبحانه:
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ [التوبة: ١١٣] ولعل نزول قوله سبحانه: بِأَنَّهُمْ إلخ متراخ عن نزول قوله سبحانه: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ إلخ كما قيل وإلا لم يكن له ﷺ عذر في الاستغفار بعد النزول.
والقول بأن هذا العذر إنما يصح لو كان الاستغفار للحي كما مر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فيه نظر فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ أي الذين خلفهم النبي ﷺ وأذن لهم في التخلف أو خلفهم الله تعالى بتثبيطه إياهم لحكمة علمها أو خلفهم الشيطان بإغرائه أو خلفهم الكسل والنفاق بِمَقْعَدِهِمْ متعلق بفرح وهو مصدر ميمي بمعنى القعود.
وقيل: اسم مكان، والمراد منه المدينة، والأكثرون على الأول أي فرحوا بقعودهم عن الغزو خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ أي خلفه ﵊ وبعد خروجه حيث خرج ولم يخرجوا فهو نصب على الظرفية بمعنى بعد وخلف وقد استعملته العرب في ذلك، والعامل فيه كما قال أبو البقاء «مقعد» وجوز أن يكون فَرِحَ. وقيل: هو بمعنى المخالفة فيكون مصدر خالف كالقتال وحينئذ يصح أن يكون حالا بمعنى مخالفين لرسول الله ﷺ وأن يكون مفعولا له والعامل إما فَرِحَ أي فرحوا لأجل مخالفته ﷺ بالقعود وإما «مقعدهم» أي فرحوا بقعودهم لأجل المخالفة، وجعل المخالفة علة باعتبار أن قصدهم ذلك لنفاقهم ولا حاجة إلى أن يقال قصدهم الاستراحة ولكن لما آل أمرهم إلى ذلك جعل علة كما قالوا في لام العاقبة وجوز أن يكون نصبا على المصدر بفعل دل عليه الكلام.
وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إيثارا للراحة والتنعم بالمآكل والمشارب مع ما في قلوبهم من الكفر والنفاق، وبين الفرح والكراهة مقابلة معنوية لأن الفرح بما يحب.
وإيثار ما في النظم على أن يقال وكرهوا أن يخرجوا مع رسول الله ﷺ إيذان بأن الجهاد في سبيل الله تعالى مع كونه من أجل الرغائب التي ينبغي أن يتنافس فيها المتنافسون قد كرهوه كما فرحوا بأقبح القبائح وهو القعود خلاف رسول الله ﷺ ، وفي الكلام تعريض بالمؤمنين الذين آثروا ذلك وأحبوه ابتغاء لرضا الله تعالى ورسوله وَقالُوا أي لإخوانهم تثبيتا لهم على القعود وتواصيا بينهم بالفساد أو للمؤمنين تثبيتا لهم على الجهاد ونهيا عن المعروف وإظهارا لبعض العلل الداعية لهم إلى ما فرحوا به، والقائل رجال من المنافقين كما روي عن جابر بن عبد الله وهو الذي يقتضيه الظاهر.
وأخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي أن القائل رجل من بني سلمة، ووجه ضمير الجمع على هذا يعلم بما مر غير مرة لا تَنْفِرُوا لا تخرجوا إلى الغزو فِي الْحَرِّ فإنه لا يستطاع شدته قُلْ يا محمد ردا عليهم وتجهيلا لهم نارُ جَهَنَّمَ التي هي مصيركم بما فعلتم أَشَدُّ حَرًّا من هذا الحر الذي ترونه مانعا من النفير فما لكم لا تحذرونها وتعرضون أنفسكم لها بإيثار القعود والمخالفة لله تعالى ورسوله ﵊ لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ تذييل من جهته تعالى غير داخل على القول المأمور به مؤكد لمضمونه، وجواب لَوْ مقدر وكذا مفعول يَفْقَهُونَ أي لو كانوا يعلمون أنها كذلك أو أحوالها وأهوالها أو أن مرجعهم إليها لما آثروا راحة زمن قليل على عذاب الأبد، وأجهل الناس من صان نفسه عن أمر يسير يوقعه في ورطة عظيمة، وأنشد الزمخشري لابن أخت خالته:
مسرة أحقاب تلقيت بعدها ... مساءة يوم أريها شبه الصاب
стр. 2142
فكيف بأن تلقى مسرة ساعة ... وراء تقضيها مساءة أحقاب (١)
وقدر بعضهم الجواب لتأثروا بهذا الإلزام وهو خلاف الظاهر، وجوز أن تكون لَوْ لمجرد التمني المنبئ عن امتناع تحقق مدخولها، وينزل الفعل المتعدي منزلة اللازم فلا جواب ولا مفعول ويؤول المعنى إلى أنهم ما كانوا من أهل الفطانة والفقه، ويكون الكلام نظير قوله تعالى: قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ [يونس: ١٠١] وهو خلاف الظاهر أيضا.
فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً اخبار عن عاجل أمرهم وآجله من الضحك القليل في الدنيا والبكاء الكثير في الأخرى، وإخراجه في صورة الأمر للدلالة على تحتم وقوع المخبر به وذلك لأن صيغة الأمر للوجوب في الأصل والأكثر فاستعمل في لازم معناه أو لأنه لا يحتمل الصدق والكذب بخلاف الخبر كذا قرره الشهاب ثم قال:
فإن قلت: الوجوب لا يقتضي الوجود وقد قالوا: إنه يعبر عن الأمر بالخبر للمبالغة لاقتضائه تحقق المأمور به فالخبر آكد وقد مر مثله فما باله عكس. قلت: لا منافاة بينهما كما قيل لأن لكل مقام مقالا والنكت لا تتزاحم فإذا عبر عن الأمر بالخبر لإفادة أن المأمور لشدة امتثاله كأنه وقع منه ذلك وتحقق قبل الأمر كان أبلغ، وإذا عبر عن الخبر بالأمر لإفادة لزومه ووجوبه كأنه مأمور به أفاد ذلك مبالغة من جهة أخرى، وقيل: الأمر هنا تكويني كما في قوله تعالى: إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس: ٨٢] ولا يخفى ما فيه.
والفاء لسببية ما سبق للإخبار بما ذكر من الضحك والبكاء لا لنفسهما إذ لا يتصور في الأول أصلا، وجعل ذلك سببا لاجتماع الأمرين بعيد، ونصب قَلِيلًا وكَثِيراً على المصدرية أو الظرفية أي ضحكا أو زمانا قليلا وبكاء أو زمانا كثيرا، والمقصود بإفادته في الأول على ما قيل هو وصف القلة فقط وفي الثاني هو وصف الكثرة مع الموصوف،
فيروى أن أهل النفاق يبكون في النار عمر الدنيا لا يرقأ لهم دمع ولا يكتحلون بنوم.
وجوز أن يكون الضحك كناية عن الفرح والبكاء كناية عن الغم والأول في الدنيا والثاني في الأخرى أيضا، والقلة على ما يتبادر منها، ولا حاجة إلى حملها على العدم كما حملت الكثرة على الدوام. نعم إذا اعتبر كل من الأمرين في الآخرة احتجنا إلى ذلك إذ لا سرور فيها لهم أصلا، ويفهم من كلام ابن عطية أن البكاء والضحك في الدنيا كما
في حديث الشيخين وغيرهما «لو تعلمون لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا»
أي إنهم بلغوا في سوء الحال والخطر مع الله تعالى إلى حيث ينبغي أن يكون ضحكهم قليلا وبكاؤهم من أجل ذلك كثيرا.
جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي من فنون المعاصي، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار التجددي، وجَزاءً مفعول له للفعل الثاني ولك أن تجعله مفعولا له للفعلين أو مصدر من المبني للمفعول حذف ناصبه أي يجزون مما ذكر من البكاء الكثير أو منه ومن الضحك القليل جزاء بما استمروا عليه من المعاصي فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ أي من سفرك، والفاء لتفريع الأمر الآتي على ما بين من أمرهم ورجع هنا متعد بمعنى رد ومصدره الرجع وقد يكون لازما ومصدره الرجوع، وأوثر استعمال المتعدي وإن كان استعمال اللازم كثيرا إشارة إلى أن ذلك السفر لما فيه من الخطر يحتاج الرجوع منه لتأييد إلهي ولذا أوثرت كلمة إن على إذا أي فإن ردك الله سبحانه إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ أي إلى المنافقين من المتخلفين بناء على أن منهم من لم يكن منافقا أو إلى من
стр. 2143
بقي من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضهم بالموت أو بالغيبة عن البلد أو بأن لم يستأذنك البعض، وقيل: المراد بتلك الطائفة من بقي من المنافقين على نفاقه ولم يتب وليس بذاك.
أخرج ابن المنذر وغيره عن قتادة أنه قال في الآية: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر رجلا من المنافقين وفيهم قيل ما قيل.
فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتك هذه التي ردك الله منها بتأييده فَقُلْ لهم إهانة لهم على أتم وجه لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً ما دمت ودمتم وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا من الأعداء، وهو اخبار في معنى النهي للمبالغة.
وذكر القتال كما قال بعض المحققين لأنه المقصود من الخروج فلو اقتصر على أحدهما لكفى إسقاطا لهم عن مقام الصحبة ومقام الجهاد أو عن ديوان الغزاة وديوان المجاهدين وإظهارا لكراهة صحبتهم وعدم الحاجة إلى عدهم من الجند أو ذكر الثاني للتأكيد لأنه أصرح في المراد والأول لمطابقته للسؤال، ونظير ذلك:
أقول له ارحل لا تقيمن عندنا فإن الثاني أدل على الكراهة إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ عن الخروج معي وفرحتم به أَوَّلَ مَرَّةٍ أي من الخروج فنصب أفعل المضاف على المصدرية، وقيل: على الظرفية الزمانية واستبعده أبو حيان، والظاهر أن هذا الاختلاف للاختلاف في مَرَّةٍ ونقل عن أبي البقاء أنها في الأصل مصدر مر يمر ثم استعملت ظرفا، واختار القاضي البيضاوي بيض الله غرة أحواله النصب على المصدرية وأشار إلى تأنيث الموصوف حيث قال: وأول مرة هي الخرجة إلى غزوة تبوك وذكر أفعل لأن التذكير هو الأكثر في مثل ذلك. وفي الكشاف أن مَرَّةٍ نكرة وضعت موضع المرات للتفضيل، وذكر اسم التفضيل المضاف إليها وهو دال على واحدة من المرات لأن أكثر اللغتين- هند أكبر النساء وهي أكبرهن، وهي كبرى مرأة لا تكاد تعثر عليه ولكن هي أكبر امرأة وأول مرة وآخر مرة، وعلل في الكشف عدم العثور على نحو هي كبرى امرأة بأن أفعل فيه مضاف إلى غير المفضل عليه بل إلى العدد المتلبس هو به بيانا له فكأنه قيل: هي امرأة أكبر من كل واحدة من النساء، وفي مثله لا يختلف أفعل التفضيل، فالتحقيق أنه لا يشبه ما فيه اللام وإنما المطابقة بين موصوفه وما أضيف إليه ولا مدخل لطباقه في اللفظ والمعنى فتدبر، والجملة في موضع التعليل لما سلف فهي مستأنفة استئنافا بيانيا أي لأنكم رضيتم فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ أي المتخلفين لعدم لياقتهم كالنساء والصبيان والرجال العاجزين، وجمع المذكر للتغليب، واقتصر ابن عباس على الأخير، وتفسير الخالف بالمتخلف هو المأثور عن أكثر المفسرين السلف، وقيل: إنه من خلف بمعنى فسد. ومنه خلوف فم الصائم لتغير رائحته، والظرف متعلق بما عنده أو بمحذوف وقع حالا من ضمير الجمع، والفاء لتفريع الأمر بالقعود بطريق العقوبة على ما صدر منهم من الرضا بالقعود أي إذا رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا من بعد.
وقرأ عكرمة «الخلفين» بوزن حذرين ولعله صفة مشبهة مثله، وقيل: هو مقصور من الخالفين إذا لم يثبت استعماله كذلك على أنه صفة مشبهة وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً إشارة إلى إهانتهم بعد الموت.
أخرج البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لما توفي عبد الله بن أبي ابن سلول جاء ابنه عبد الله بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه فأعطاه ثم سأله أن يصلي عليه فقام رسول الله ﷺ ليصلي فقام عمر فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه فقال رسول الله ﷺ : إنما خيرني الله فقال: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً [المنافقين: ٦] وسأزيده
стр. 2144
على السبعين قال: إنه منافق قال فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله سبحانه: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ الآية.
وفي رواية أخرى له عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب أنه لما مات عبد الله بن أبي ابن سلول دعي له رسول الله ﷺ ليصلي عليه فلما قام وثبت إليه فقلت: يا رسول الله أتصلي على ابن أبي وقد قال يوم كذا كذا وكذا أعدد عليه قوله فتبسم رسول الله ﷺ وقال: «أخر عني يا عمر» فلما أكثرت عليه قال: «أخر عني لو أعلم أني لو زدت على السبعين يغفر له لزدت عليها» قال فصلى عليه ﵊ ثم انصرف فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت الآيتان من براءة وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ إلى قوله: وَهُمْ فاسِقُونَ فعجبت من جراءتي على رسول الله ﷺ ،
وظاهر هذين الخبرين أنه لم ينزل بين اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ، وقوله تعالى: وَلا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ شيء ينفع عمر رضي الله تعالى عنه وإلا لذكر، والظاهر أن مراده بالنهي في الخبر الأول ما فهمه من الآية الأولى لا ما يفهم كما قيل من قوله تعالى: ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] لعدم مطابقة الجواب حينئذ كما لا يخفى،
وأخرج أبو يعلي وغيره عن أنس أن رسول الله ﷺ أراد أن يصلي على ابن أبي فأخذ جبريل ﵇ بثوبه فقال: وَلا تُصَلِّ الآية،
وأكثر الروايات أنه ﷺ صلى عليه وأن عمر رضي الله تعالى عنه أحب عدم الصلاة عليه وعد ذلك أحد موافقاته للوحي وإنما لم ينه ﷺ عن التكفين بقميصه ونهى عن الصلاة عليه لأن الضنة بالقميص كانت مظنة الإخلال بالكرم على أنه كان مكافأة لقميصه الذي ألبسه العباس رضي الله تعالى عنه حين أسر ببدر فإنه جيء به رضي الله تعالى عنه ولا ثوب عليه وكان طويلا جسيما فلم يكن ثوب بقدر قامته غير ثوب ابن أبي فكساه إياه،
وأخرج أبو الشيخ عن قتادة أنهم ذكروا القميص بعد نزول الآية فقال ﵊: «وما يغني عنه قميصي والله إني لأرجو أن يسلم به أكثر من ألف من بني الخزرج»
وقد حقق الله تعالى رجاء نبيه كما في بعض الآثار والاخبار فيما كان منه ﵊ مع ابن أبي من الصلاة عليه وغيرها لا تخلو عن التعارض، وقد جمع بينهما حسبما أمكن علماء الحديث، وفي لباب التأويل نبذة من ذلك فليراجع.
والمراد من الصلاة المنهي عنها صلاة الميت المعروفة وهي متضمنة للدعاء والاستغفار والاستشفاع له قيل:
والمنع عنها لمنعه ﵊ من الدعاء للمنافقين المفهوم من الآية السابقة أو من قوله سبحانه: ما كانَ لِلنَّبِيِّ إلخ، وقيل: هي هنا بمعنى الدعاء، وليس بذاك، وأَبَداً ظرف متعلق بالنهي، وقيل: متعلق بمات، والموت الأبدي كناية عن الموت على الكفر لأن المسلم يبعث ويحيا حياة طيبة، والكافر وإن بعث لكنه للتعذيب فكأنه لم يحي، وزعم بعضهم أنه لو تعلق بالنهي لزم أن لا تجوز الصلاة على من تاب منهم ومات على الإيمان مع أنه لا حاجة للنهي عن الصلاة عليهم إلى قيد التأييد، ولا يخفى أنه أخطأ ولم يشعر أن مِنْهُمْ حال من الضمير في مات أي مات حال كونه منهم أي متصفا بصفتهم وهي النفاق كقولهم: أنت مني يعني على طريقتي وصفتي كما صرحوا به على أنه لو جعل الجار والمجرور صفة لأحد لا يكاد يتوهم ما ذكر وكيف يتوهم مع قوله تعالى الآتي إِنَّهُمْ كَفَرُوا إلخ، وقوله: مع أنه لا حاجة إلى النهي إلخ لظهور ما فيه لا حاجة إلى ذكره، وماتَ ماض باعتبار سبب النزول وزمان النهي ولا ينافي عمومه وشموله لمن سيموت، وقيل: إنه بمعنى المستقبل وعبر به لتحققه، والجملة في موضع الصفة لأحد وَلا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ أي لا تقف عليه ولا تتول دفنه من قولهم: قام فلان بأمر فلان إذا كفاه إياه وناب عنه فيه، ويفهم من كلام بعضهم أن عَلى بمعنى عند، والمراد لا تقف عند قبره للدفن أو للزيارة، والقبر في المشهور مدفن الميت ويكون بمعنى الدفن وجوزوا إرادته هنا أيضا.
وفي فتاوى الجلال السيوطي هل يفسر القيام هنا بزيارة القبور وهل يستدل بذلك على أن الحكمة في زيارته
стр. 2145
صلّى الله عليه وسلّم قبر أمه أنه لإحيائها لتؤمن به بدليل أن تاريخ الزيارة كان بعد النهي؟
الجواب المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعة، ويحتمل أن يعم الزيارة أيضا أخذا من الإطلاق وتاريخ الزيارة كان قبل النهي لا بعده فإن الذي صح في الأحاديث أنه ﷺ زارها عام الحديبية والآية نازلة بعد غزوة تبوك، ثم الضمير في مِنْهُمْ خاص بالمنافقين وإن كان بقية المشركين يلحقون بهم قياسا، وقد صح في حديث الزيارة أنه استأذن ربه في ذلك فأذن له وهذا الإذن عندي يستدل به على أنها من الموحدين لا من المشركين كما هو اختياري، ووجه الاستدلال به أنه نهاه عن القيام على قبور الكفار وأذن له في القيام على قبر أمه فدل على أنها ليست منهم وإلا لما كان يأذن له فيه، واحتمال التخصيص خلاف الظاهر ويحتاج إلى دليل صريح، ولعله ﵊ كان عنده وقفة في صحة توحيد من كان في الجاهلية حتى أوحي إليه ﷺ بصحة ذلك، فلا يرد أن استئذانه يدل على خلاف ذلك وإلا لزارها من غير استئذان اهـ وفي كون المراد بالقيام على القبر الوقوف عليه حالة الدفن وبعده ساعة خفاء إذ المتبادر من القيام على القبر ما هو أعم من ذلك. نعم كان الوقوف بعد الدفن قدر نحر جزور مندوبا ولعله لشيوع ذلك إذ ذاك أخذ في مفهوم القيام على القبر ما أخذ.
وفي جواز زيارة قبر الكفار خلاف وكثير من القائلين بعدم الجواز حمل القيام على ما يعم الزيارة ومن أجاز استدل
بقوله ﷺ : «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكركم الآخرة»
فإنه ﵊ علل الزيارة بتذكير الآخرة ولا فرق في ذلك بين زيارة قبور المسلمين وقبور غيرهم، وتمام البحث في موضعه والاحتياط عندي عدم زيارة قبور الكفار إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ جملة مستأنفة سيقت لتعليل النهي على معنى أن الصلاة على الميت والاحتفال به إنما يكون لحرمته وهم بمعزل عن ذلك لأنهم استمروا على الكفر بالله تعالى ورسوله ﷺ مدة حياتهم وَماتُوا وَهُمْ فاسِقُونَ أي متمردون في الكفر خارجون عن حدوده.
وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ تأكيد لما تقدم من نظيره والأمر حقيق بذلك لعموم البلوى بمحبة ما ذكر والاعجاب به، وقال الفارسي: إن ما تقدم في قوم وهذا في آخرين فلا تأكيد، وجيء بالواو هنا لمناسبة عطف نهي على نهي قبله أعني قوله سبحانه: وَلا تُصَلِّ إلخ، وبالفاء هناك لمناسبة التعقيب لقوله تعالى: قبل وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ [التوبة: ٥٤] فإن حاصله لا ينفقون إلا وهم كارهون للإنفاق فهم معجبون بكثرة الأموال والأولاد فنهى عن الإعجاب المتعقب له.
وقيل: هنا وَأَوْلادُهُمْ دون- لا- لأنه نهي عن الإعجاب بهما مجتمعين وهناك بزيادة لا لأنه نهي عن كل واحد واحد فدل مجموع الآيتين على النهي عن الاعجاب بهما مجتمعين ومنفردين وهنا أَنْ يُعَذِّبَهُمْ وهناك «ليعذبهم» للإشارة إلى أن إرادة شيء لشيء راجعة إلى إرادة ذلك الشيء بناء على أن متعلق الإرادة هناك الإعطاء واللام للتعليل أي إنما يريد اعطاءهم للتعذيب، وأما إذا قلنا: إن اللام فيما تقدم زائدة فالتغاير يحتمل أن يكون لأن التأكيد هناك لتقدم ما يصلح سببا للتعذيب بالأموال أوقع منه هنا لعدم تقدم ذلك وجاء هناك فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وهنا فِي الدُّنْيا تنبيها على أن حياتهم كلا حياة فيها ويشير ذلك هنا إلى أنهم بمنزلة الأموات.
وبين ابن الخازن سر تغاير النظمين الكريمين بما لا يخفى ما فيه، وتقديم الأموال على الأولاد مع أنهم أعز منها لعموم مساس الحاجة إليها دون الأولاد، وقيل: لأنها أقدم في الوجود منهم وَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من القرآن والمراد بها على ما قيل: سورة معينة وهي براءة، وقيل المراد كل سورة ذكر فيها الإيمان والجهاد وهو أولى وأفيد لأن استئذانهم عند نزول آيات براءة علم مما مر، وإِذا تفيد التكرار بقرينة المقام وإن لم تفده بالوضع كما نص عليه
стр. 2146
بعض المحققين، وجوز أن يراد بالسورة بعضها مجازا من باب إطلاق الجزء على الكل، ويوهم كلام الكشاف أن إطلاق السورة على بعضها بطريق الاشتراك كإطلاق القرآن على بعضه وليس بذاك، والتنوين للتفخيم أي سورة جليلة الشأن أَنْ آمِنُوا أي بأن آمنوا ف «أن» مصدرية حذف عنها الجار وجوز أن تكون مفسرة لتقدم الانزال وفيه معنى القول دون حروفه، والخطاب للمنافقين، والمراد أخلصوا الايمان بِاللَّهِ وَجاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ لإعزاز دينه وإعلاء كلمته، وأما التعميم أو إرادة المؤمنين بمعنى دوموا على الايمان بالله إلخ كما ذهب إليه الطبرسي وغيره فلا يناسب المقام ويحتاج فيه ارتباط الشرط والجزاء إلى تكلف ما لا حاجة إليه كاعتبار ما هو من حال المؤمنين الخلص في النظم الجليل اسْتَأْذَنَكَ أي طلب الإذن منك وفيه التفات أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ أي أصحاب الفضل والسعة من المنافقين وهم من له قدرة مالية ويعلم من ذلك البدنية بالقياس وخصوا بالذكر لأنهم الملومون وَقالُوا ذَرْنا أي دعنا نَكُنْ مَعَ الْقاعِدِينَ أي الذين لم يجاهدوا لعذر من الرجال والنساء ففيه تغليب، والعطف على استأذنك للتفسير مغن عن ذكر ما استأذنوا فيه وهو القعود.
رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ أي النساء كما روي عن ابن عباس وقتادة وهو جمع خالفة وأطلق على المرأة لتخلفها عن أعمال الرجال كالجهاد وغيره، والمراد ذمهم وإلحاقهم بالنساء في التخلف عن الجهاد، ويطلق الخالفة على من لا خير فيه، والتاء فيه للنقل للاسمية، وحمل بعضهم الآية على ذلك فالمقصود حينئذ من لا فائدة فيه للجهاد وجمعه على فواعل على الأول ظاهر وأما على الثاني فلتأنيث لفظه لأن فاعلا لا يجمع على فواعل في العقلاء الذكور إلا شذوذا وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ بسبب ذلك لا يَفْقَهُونَ ما ينفعهم وما يضرهم في الدارين لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ استدراك لما فهم من الكلام، والمعنى إن تخلف هؤلاء ولم يجاهدوا فلا ضير لأنه قد نهض على أتم وجه من هو خير منهم فهو على حد قوله تعالى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ [الأنعام: ٨٩] وفي الآية تعريض بأن القوم ليسوا من الايمان بالله تعالى في شيء وإن لم يعرضوا عنه صريحا اعراضهم عن الجهاد باستئذانهم في القعود وَأُولئِكَ أي المنعوتون بالنعوت الجليلة لَهُمُ بواسطة ذلك الْخَيْراتُ أي المنافع التي تسكن النفس إليها وترتاح لها، وظاهر اللفظ عمومها هنا لمنافع الدارين كالنصر والغنيمة في الدنيا والجنة ونعيمها في الأخرى، وقيل. المراد بها الحور لقوله تعالى: فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ [الرحمن: ٧] فإنها فيه بمعنى الحور فتحمل عليه هنا أيضا. ونص المبرد على أن الخيرات تطلق على الجواري الفاضلات وهي جمع خيرة بسكون الياء مخفف خيرة المشددة تأنيث خير وهو الفاضل من كل شيء المستحسن منه وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي الفائزون بالمطالب دون من حاز بعضا بفني عما قليل، وكرر اسم الإشارة تنويها بشأنهم أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ استئناف لبيان كونهم مفلحين، وقيل: يجوز أن يكون بيانا لما لهم من المنافع الأخروية ويخص ما قبل بمنافع الدنيا بقرينة المقابلة، والاعداد التهيئة أي هيأ لهم جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من الضمير في لَهُمْ والعامل أَعَدَّ ذلِكَ إشارة إلى ما فهم من الكلام من نيل الكرامة العظمى الْفَوْزُ أي الظفر الْعَظِيمُ الذي لا فوز وراءه وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ شروع في بيان أحوال منافقي الاعراب إثر بيان أحوال منافقي أهل المدينة، والمعذرون من عذر في الأمر إذا قصر فيه وتوانى ولم يجد، وحقيقته أن يوهم أن له عذرا فيما يفعل ولا عذر له، ويحتمل أن يكون من اعتذر والأصل المعتذرون فأدغمت التاء في الذال بعد نقل حركتها إلى العين، ويجوز كسرها لالتقاء الساكنين وضمها اتباعا للميم لكن لم يقرأ بهما، وقرأ يعقوب «المعذرون» بالتخفيف وروي ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فهو من أعذر إذا كان له
стр. 2147
عذر. وعن مسلمة أنه قرأ «المعذرون» بتشديد العين والذال من تعذر بمعنى اعتذر.
وتعقب ذلك أبو حيان فقال: هذه القراءة إما غلط من القارئ أو عليه لأن التاء لا يجوز إدغامها في العين لتضادهما، وأما تنزيل التضاد منزلة التناسب فلم يقله أحد من النحاة ولا القراء فالاشتغال بمثله عيب، ثم إن هؤلاء الجائين كاذبون على أول احتمالي القراءة الأولى، ويحتمل أن يكونوا كاذبين وأن يكونوا صادقين على الثاني منهما وكذا على القراءة الأخيرة، وصادقون على القراءة الثانية. واختلفوا في المراد بهم
فعن الضحاك أنهم رهط عامر بن الطفيل جاؤوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا نبي الله إنا غزونا معك أغارت طيىء على أهالينا ومواشينا فقال رسول الله ﷺ : فقد أنبأني الله من أخباركم وسيغني الله سبحانه عنكم.
وقيل: هم أسد وغطفان استأذنوا في التخلف معتذرين بالجهد وكثرة العيال. وأخرج أبو الشيخ عن ابن إسحاق أنه قال: ذكر لي أنهم نفر من بني غفار. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أهل العذر ولم يبين من هم ومما ذكرنا يعلم وقوع الاختلاف في أن هؤلاء الجائين هل كانوا صادقين في الاعتذار أم لا، وعلى القول بصدقهم يكون المراد بالموصول في قوله سبحانه: وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ غيرهم وهم أناس من الأعراب أيضا منافقون والأولون لانفاق فيهم، وعلى القول بكذبهم يكون المراد به الأولين، والعدول عن الإضمار إلى الإظهار لذمهم بعنوان الصلة والكذب على الأول بادعاء الايمان وعلى الثاني بالاعتذار، ولعل القعود مختلف أيضا. وقرأ أبي «كذّبوا» بالتشديد سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ أي من الاعراب مطلقا وهم منافقوهم أو من المعتذرين، ووجه التبعيض أن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره أي سيصيب المعتذرين لكفرهم عَذابٌ أَلِيمٌ وهو عذاب النار في الآخرة ولا ينافي استحقاق من تخلف لكسل، ذلك عندنا لعدم قولنا بالمفهوم ومن قال به فسر العذاب الأليم بمجموع القتل والنار والأول منتف في المؤمن المتخلف للكسل فينتفي المجموع، وقيل: المراد بالموصول المصرون على الكفر.
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ كالشيوخ ومن فيه نحافة خلقية لا يقوى على الخروج معها وهو جمع ضعيف ويقال: ضعوف وضعفان وجاء في الجمع ضعاف وضعفة وضعفي وضعافي وَلا عَلَى الْمَرْضى جمع مريض ويجمع أيضا على مراض ومراضى وهو من عراة سقم واضطراب طبيعة سواء كان مما يزول بسرعة ككثير من الأمراض أولا كالزمانة وعدوا منه ما لا يزول كالعمى والعرج الخلقيين فالأعمى والأعرج داخلان في المرضى وإن أبيت فلا يبعد دخولهما في الضعفاء، ويدل لدخول الأعمى في أحد المتعاطفين ما
أخرجه ابن أبي حاتم والدارقطني في الأفراد عن زيد بن ثابت قال: كنت أكتب لرسول الله ﷺ فنزلت براءة فإني لواضع القلم على أذني إذ أمرنا بالقتال فجعل رسول الله ﷺ ينظر ما عليه إذ جاءه أعمى فقال: كيف بي يا رسول الله وأنا أعمى؟ فنزلت لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضى.
وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ أي الفقراء العاجزين عن أهبة السفر والجهاد قيل هم مزينة وجهينة وبنو عذرة حَرَجٌ أي ذنب في التخلف وأصله الضيق وقد تقدم الكلام فيه إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بالايمان والطاعة ظاهرا وباطنا كما يفعل الموالي الناصح فالنصح مستعار لذلك، وقد يراد بنصحهم المذكور بذل جهدهم لنفع الإسلام والمسلمين بأن يتعهدوا أمورهم وأهلهم وإيصال خبرهم إليهم ولا يكونوا كالمنافقين الذين يشيعون الأراجيف إذا تخلفوا، وأصل النصح في اللغة الخلوص يقال: نصحته ونصحت له، وفي النهاية النصيحة يعبر بها عن جملة هي
стр. 2148
إرادة الخير للمنصوح له وليس يمكن أن يعبر عن هذا المعنى بكلمة واحدة يجمعه غيرها، والعامل في الظرف على ما قال أبو البقاء معنى الكلام أي لا يخرجون حينئذ.
ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ أي ما عليهم سبيل فالإحسان النصح لله تعالى ورسوله ﷺ ، ووضع الظاهر موضع ضميرهم اعتناء بشأنهم ووصفا لهم بهذا العنوان الجليل، وزيدت «من» للتأكيد، والجملة استئناف مقرر لمضمون ما سبق على أبلغ وجه وألطف سبك وهو من بليغ الكلام لأن معناه لا سبيل لعاتب عليهم أي لا يمر بهم العاتب ولا يجوز في أرضهم فما أبعد العتاب عنهم وهو جار مجرى المثل، ويحتمل أن يكون تعليلا لنفي الحرج عنهم والْمُحْسِنِينَ على عمومه أي ليس عليهم حرج لأنه ما على جنس المحسنين سبيل وهم من جملتهم، قال ابن الفرس: ويستدل بالآية على أن قاتل البهيمة الصائلة لا يضمنها وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذييل مؤيد لمضمون ما ذكر وفيه إشارة إلى أن كل أحد عاجز محتاج للمغفرة والرحمة إذ الإنسان لا يخلو من تفريط ما فلا يقال: إنه نفى عنهم الإثم أولا فما الاحتياج إلى المغفرة المقتضية للذنب فإن أريد ما تقدم من ذنوبهم دخلوا بذلك الاعتبار في المسيء وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ عطف على المحسنين كما يؤذن به قوله تعالى الآتي إن شاء الله تعالى إِنَّمَا السَّبِيلُ إلخ، وهو من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنهم وجعلهم كأنهم لتميزهم جنس آخر. وقيل:
عطف على الضعفاء وهم- كما قال ابن إسحاق وغيره- البكاءون وكانوا سبعة نفر من الأنصار وغيرهم من بني عمرو بن عوف: سالم بن عمير وعلية بن زيد أخو بني حارث وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب أخو بني مازن بن النجار.
وعمرو بن الحمام بن الجموح أخو بني سلمة وعبد الله بن معقل المزني وهرمي بن عبد الله أخو بني واقف. وعرباض بن سارية الفزاري أتوا رسول الله ﷺ فاستحملوه وكانوا أهل حاجة فقال لهم ﵊ ما قصه الله تعالى بقوله سبحانه: قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فتولوا وهم يبكون كما أخبر سبحانه، والظاهر أنه لم يخرج منهم أحد للغزو مع رسول الله ﷺ لكن قال ابن إسحاق: أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى وابن معقل وهم يبكيان فقال: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ﷺ ليحملنا فلم نجد عنده ما يحملنا عليه وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه فأعطاهما ناضحا له فارتحلا وزودهما شيئا من تمر فخرجا مع رسول الله ﷺ ، وفي بعض الروايات أن الباقين أعينوا على الخروج فخرجوا. وعن مجاهد انهم بنو مقرن: معقل وسويد والنعمان، وقيل: هم أبو موسى الأشعري وأصحابه من أهل اليمن وقيل وقيل: وظاهر الآية يقتضي أنهم طلبوا ما يركبون من الدواب وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن المنذر عن علي بن صالح قال: حدثني مشيخة من جهينة قالول: أدركنا الذين سألوا رسول الله ﷺ الحملان فقالوا: ما سألناه إلا الحملان على النعال، ومثل هذا ما أخرجه ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن إبراهيم بن أدهم عمن حدثه أنه قال: ما سألوه الدواب ما سألوه إلا النعال، وجاء في بعض الروايات أنهم قالوا: احملنا على الخفاف المرقوعة والنعال المخصوفة نغزو معك فقال رسول الله ﷺ ما قال، ومن مال إلى الظاهر المؤيد بما روي عن الحبر قال: تجوز بالجفاف المرقوعة والنعال المخصوفة عن ذي الخف والحافر فكأنهم قالوا:
احملنا على ما يتيسر أو المراد احملنا ولو على نعالنا وأخفافنا مبالغة في القناعة ومحبة للذهاب معه ﵊.
وأنت تعلم أن ظاهر الخبرين السابقين يبعد ذلك على أنه في نفسه خلاف الظاهر نعم الاخبار المخالفة لظاهر الآية لا يخفى ما فيها من له اطلاع على مصطلح الحديث ومغايرة هذا الصنف بناء على ما يقتضيه الظاهر من أنهم واجدون لما عدا المركب للذين لا يجدون ما ينفقون إذا كان المراد بهم الفقراء الفاقدين للزاد والمركب وغيره ظاهرة
стр. 2149
وبينهما عموم وخصوص إذا أريد بمن لا يجد النفقة من عدم شيئا لا يطيق السفر لفقده وإلى الأول ذهب الإمام واختاره كثير من المحققين، واختلف في جواب إِذا فاختار بعض المحققين أنه قُلْتَ إلخ فيكون قوله سبحانه:
تَوَلَّوْا إلخ مستأنفا استئنافا بيانيا، وقيل: هو الجواب وقُلْتَ مستأنف أو على حذف حرف العطف أي وقلت أو فقلت وهو معطوف على أَتَوْكَ أو في موضع الحال من الكاف في أَتَوْكَ- وقد- مضمرة كما في جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [النساء: ٩٠] وزمان الإتيان يعتبر واسعا كيومه وشهره فيكون مع التولي في زمان واحد ويكفي تسببه له وإن اختلف زمانهما كما ذكره الرضي في قولك: إذا جئتني اليوم أكرمتك غدا أي كان مجيئك سببا لإكرامك غدا، وفي إيثار «لا أجد» على ليس عندي من تلطيف الكلام وتطييب قول السائلين ما لا يخفى كأنه ﵊ يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده وذلك هو اللائق بمن هو بالمؤمنين رؤوف رحيم ﷺ وقوله سبحانه: وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ في موضع الحال من ضمير تَوَلَّوْا والفيض انصباب عن امتلاء وهو هنا مجاز عن الامتلاء بعلاقة السببية، والدمع الماء المخصوص ويجوز إبقاء الفيض على حقيقته ويكون إسناده إلى العين مجازا كجري النهر والدمع مصدر دمعت العين دمعا ومِنَ للأجل والسبب، وقيل: إنها للبيان وهي مع المجرور في محل نصب على التمييز وهو محول عن الفاعل. وتعقبه أبو حيان بأن التمييز الذي أصله فاعل لا يجوز جره بمن وأيضا لا يجيز تعريف التمييز إلا الكوفيون. وأجيب عن الأول بأنه منقوض بنحو قوله: عز من قائل وعن الثاني بأنه كفى إجازة الكوفيين، وذكر القطب أن أصل الكلام أعينهم يفيض دمعها ثم أعينهم تفيض دمعا وهو أبلغ لإسناد الفعل إلى غير الفاعل وجعله تمييزا سلوكا لطريق التبيين بعد الإبهام ولأن العين جعلت كأنها دمع فائض ثم أَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ أبلغ مما قبله بواسطة- من- التجريدية فإنه جعل أعينهم فائضة ثم جرد الأعين الفائضة من الدمع باعتبار الفيض. وتعقب بأن مِنَ هنا للبيان لما قد أبهم مما قد يبين بمجرد التمييز لأن معنى تفيض العين يفيض شيء من أشياء العين كما أن معنى قولك: طاب زيد طاب شيء من أشياء زيد والتمييز رفع إبهام ذلك الشيء فكذا من الدمع فهو في محل نصب على التمييز وحديث التجريد لا ينبغي أن يصدر ممن له معرفة بأساليب الكلام وقد مر بعض الكلام في المائدة على هذه الجملة فتذكر.
وقوله تعالى: حَزَناً نصب على العلية والحزن يستند إلى العين كالفيض فلا يقال: كيف ذاك وفاعل الفيض مغاير لفاعل الحزن ومع مغايرة الفاعل لا نصب، وقيل: جاز ذلك نظرا إلى المعنى إذ حاصله تولوا وهم يبكون حزنا وجوز نصبه على الحال من ضمير تَفِيضُ أي حزينة وعلى المصدرية لفعل دال عليه ما قبله أي لا تحزن حزنا والجملة حال أيضا من الضمير المشار إليه وقد يكون تعلق ذلك على احتمالات بتولوا أي تولوا للحزن أو حزنين أو يحزنون حزنا أَلَّا يَجِدُوا على حذف اللام وحذف الجار في مثل ذلك مطرد وهو متعلق بحزنا كيفما كان، وقيل:
لا يجوز تعلقه به إذا كان نصبا على المصدرية لأن المصدر المؤكد لا يعمل ولعل من قال بالأول يمنع ذلك ويقول:
يتوسع في الظرف ما لا يتوسع في غيره وجوز تعلقه بتفيض وقيل: وهذا إذا لم يكن حَزَناً علة له وإلا فلا يجوز لأنه لا يكون لفعل واحد مفعولان لأجله والإبدال خلاف الظاهر أي لئلا يجدوا ما يُنْفِقُونَ في شراء ما يحتاجون إليه في الخروج معك إذا لم يجدوه عندك وهذا بحسب الظاهر يؤيد كون هذا الصنف مندرجا تحت قوله سبحانه:
وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ.
стр. 2150
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 2151
إِنَّمَا السَّبِيلُ أي بالمعاتبة والمعاقبة عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ في التخلف وَهُمْ أَغْنِياءُ واجدون للأهبة قادرون على الخروج معك رَضُوا استئناف بياني كأنه قيل: لم استأذنوا أو لم استحقوا ما استحقوا؟
فأجيب بأنهم رضوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ تقدم معناه وَطَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ خذلهم فغفلوا عن سوء العاقبة فَهُمْ بسبب ذلك لا يَعْلَمُونَ أبدا وخامة ما رضوا به وما يستتبعه عاجلا كما لم يعلموا نجاسة شأنه آجلا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ بيان لما يتصدون له عند الرجوع إليهم، والخطاب قيل للنبي ﷺ ، والجمع للتعظيم، والأولى أن يكون له ﵊ ولأصحابه لأنهم كانوا يعتذرون للجميع أي يعتذرون إليكم في التخلف إِذا رَجَعْتُمْ من الغزو منتهين إِلَيْهِمْ وإنما لم يقل سبحانه إلى المدينة إيذانا بأن مدار الاعتذار هو الرجوع إليهم لا الرجوع إلى المدينة فلعل منهم من بادر إلى الاعتذار قبل الرجوع إليها قُلْ خطاب له ﷺ ، وخص بذلك لما أن الجواب وظيفته ﵊ لا تَعْتَذِرُوا أي لا تفعلوا الاعتذار أو لا تعتذروا بما عندكم من المعاذير لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ استئناف لبيان موجب النهي، وقوله: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ استئناف لبيان موجب النفي كأنه قيل: لم نهيتمونا عن الاعتذار؟ فقيل: لأنا لم نصدقكم في عذركم فيكون عبثا فقيل: لم لن تصدقونا؟ فقيل: لأن الله تعالى قد أنبأنا بالوحي بما في ضمائركم من الشر والفساد. ونبأ عند جمع متعدية إلى مفعولين الأول الضمير والثاني مِنْ أَخْبارِكُمْ إما لأنه صفة المفعول الثاني، والتقدير جملة من أخباركم أو لأنه بمعنى بعض أخباركم، وليست مِنْ زائدة على مذهب الأخفش من زيادتها في الإيجاب.
وقال بعضهم: إنها متعدية لثلاثة ومِنْ أَخْبارِكُمْ ساد مسد مفعولين لأنه بمعنى إنكم كذا وكذا أو المفعول الثالث محذوف أي واقعا مثلا، وتعقب بأن السد المذكور بعيد، وحذف المفعول الثالث إذا ذكر المفعول الثاني في هذا الباب خطأ أو ضعيف، ومعنى نَبَّأَنَا على الأول عرفنا كما قيل وعلى الثاني أعلمنا، وقيل: معناه خبرنا، ومِنْ بمعنى عن وليس بشيء، وجمع ضمير المتكلم في الموضعين للمبالغة في حسم أطماع المنافقين المعتذرين رأسا ببيان عدم رواح اعتذارهم عند أحد من المؤمنين أصلا فإن تصديق البعض لهم ربما يطمعهم في تصديق الرسول ﵊ أيضا وللإيذان بافتضاحهم بين المؤمنين كافة وتعدية نُؤْمِنَ باللام مر بيانها: وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ. أي سيعلمه سبحانه علما يتعلق به الجزاء فالرؤية علمية، والمفعول الثاني محذوف أي أتنيبون عما أنتم فيه
стр. 2152
من النفاق أم تثبتون عليه، وكأنه لمكان السين المفيدة للتنفيس استتابة وإمهال للتوبة، وتقديم مفعول الرؤية على الفاعل من قوله سبحانه: وَرَسُولُهُ. للإيذان باختلاف حال الرؤيتين وتفاوتهما وللإشعار بأن مدار الوعيد هو علمه بأعمالهم: ثُمَّ تُرَدُّونَ يوم القيامة إِلى عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ للجزاء بما ظهر منكم من الأعمال، ووضع الوصف موضع الضمير لتشديد الوعيد فإن علمه سبحانه بجميع أعمالهم الظاهرة والباطنة وإحاطته بأحوالهم البارزة والكامنة مما يوجب الزجر العظيم، وتقديم الغيب على الشهادة قيل: لتحقيق أن نسبة علمه تعالى المحيط إلى سائر الأشياء السر والعلن واحدة على أبلغ وجه وآكده، كيف لا وعلمه تعالى بمعلوماته منزه عن أن يكون بطريق حصول الصورة بل وجود كل شيء وتحققه في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأمور البارزة والكامنة انتهى.
ولا يخفى عليك أن هذا قول يكون علمه سبحانه بالأشياء حضوريا لا حصوليا. وقد اعترضوا عليه بشمول علمه جل وعلا الممتنعات والمعدومات الممكنة والعلم الحضوري يختص بالموجودات العينية لأنه حضور المعلوم بصورته العينية عند العالم في كيف لا يختلف الحال فيه بين الأمور البارزة والكامنة مع أن الكامنة تشمل المعدومات الممكنة والممتنعة، ولا يتصور فيها التحقق في نفسها حتى يكون علما له تعالى كذا قيل وفيه نظر، وتحقيق علم الواجب سبحانه بالأشياء من المباحث المشكلة والمسائل المعضلة التي كم تحيرت فيها أفهام وزلت من العلماء الأعلام أقدام، ولعل النوبة إن شاء الله تعالى تفضي إلى تحقيق ذلك فَيُنَبِّئُكُمْ عند ردكم إليه سبحانه ووقوفكم بين يديه بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ أي بما تعملونه على الاستمرار في الدنيا من الأعمال السيئة السابقة واللاحقة على أن «ما» موصولة أو بعملكم المستمر على أن «ما» مصدرية، والمراد من التنبئة بذلك المجازاة عليه، وإيثارها عليها لمراعاة ما سبق من قوله تعالى: قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ إلخ وللإيذان بأنهم ما كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة أعمالهم وإنما يعلمونها يومئذ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ تأكيدا لمعاذيرهم الكاذبة وترويجا لها.
والسين للتأكيد على ما مر، والمحلوف عليه ما يفهم من الكلام وهو ما اعتذر به من الأكاذيب، والجملة بدل من يعتذرون أو بيان له إِذَا انْقَلَبْتُمْ من سفركم إِلَيْهِمْ والانقلاب هو الرجوع والانصراف مع زيادة معنى الوصول والاستيلاء، وفائدة تقييد حلفهم كما قال بعض المحققين به الإيذان بأنه ليس لرفع ما خاطبهم النبي ﷺ به من قوله تعالى: لا تَعْتَذِرُوا إلخ بل هو أمر مبتدأ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فلا تعاتبوهم وتصفحوا عما فرط منهم صفح رضا كما يفصح عنه قوله تعالى: لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ لكن لا إعراض رضا كما طلبوا بل إعراض اجتناب ومقت كما ينبىء عنه التعليل بقوله سبحانه: إِنَّهُمْ رِجْسٌ فإنه صريح في أن المراد بالإعراض إما الاجتناب عنهم لما يفهم من القذارة الروحانية وإما ترك استصلاحهم بترك المعاملة المقصود منها التطهير بالحمل على التوبة وهؤلاء أرجاس لا تقبل التطهير، وقيل: إن لِتُعْرِضُوا بتقدير للحذر عن أن تعرضوا على أن الإعراض فيه إعراض مقت أيضا ولا يخفى أنه تكلف لا يحتاج إليه، وقوله تعالى: وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ إما من تمام التعليل فإن كونهم من أهل النار من دواعي الاجتناب عنهم وموجبات ترك استصلاحهم باللوم والعتاب وإما تعليل مستقل أي وكفتهم النار عتابا على حد- عتابه السيف ووعظه الصفع- فلا تتكلفوا أنتم بذلك جَزاءً نصب على أنه مفعول مطلق مؤكد لفعل مقدر من لفظه وقع حالا أي يجزون جزاء أو لمضمون ما قبله فإنه مفيد لمعنى المجازاة كأنه قيل: مجزيون جزاء بِما كانُوا يَكْسِبُونَ أي بما يكسبونه على سبيل الاستمرار من فنون السيئات في الدنيا أو بكسبهم المستمر لذلك.
وجوز أن يكون مفعولا له وحالا من الخبر عند من يرى ذلك: يَحْلِفُونَ لَكُمْ بدل مما سبق، والمحلوف
стр. 2153
عليه محذوف لظهوره كما تقدم أي يحلفون به تعالى على ما اعتذروا لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ بحلفهم وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ حسبما طلبوا فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ أي فرضاكم لا ينتج لهم نفعا لأن الله تعالى ساخط عليهم ولا أثر لرضا أحد مع سخطه تعالى، وجوز بعضهم كون الرضا كناية عن التلبيس أي إن أمكنهم أن يلبسوا عليكم بالأيمان الكاذبة حتى يرضوكم لا يمكنهم أن يلبسوا على الله تعالى بذلك حتى يرضى عنهم فلا يهتك أستارهم ولا يهينهم وهو خلاف الظاهر، ووضع الفاسقين موضع ضميرهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجبة لما حل بهم، والمراد من الآية نهي المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترار بمعاذيرهم الكاذبة على أبلغ وجه وآكده فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدر عن المؤمن،
والآية نزلت على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في جد بن قيس، ومعتب بن قشير، وأصحابهما من المنافقين وكانوا ثمانين رجلا أمر النبي ﷺ المؤمنين لما رجعوا إلى المدينة أن لا يجالسوهم ولا يكلموهم فامتثلوا،
وعن مقاتل أنها نزلت في عبد الله ابن أبي حلف للنبي ﷺ أن لا يتخلف عنه أبدا وطلب أن يرضى فلم يفعل ﷺ : الْأَعْرابُ هي صيغة جمع وليست بجمع للعرب على ما روي عن سيبويه لئلا يلزم كون الجمع أخص من الواحد، فإن العرب هذا الجيل المعروف مطلقا والأعراب سكان البادية منهم، ولذا نسب إلى الأعراب على لفظه فقيل أعرابي، وقيل: العرب سكان المدن والقرى والأعراب سكان البادية من هذا الجيل أو مواليهم فهما متباينان، ويفرق بين الجمع والواحد بالياء فيهما فيقال للواحد عربي وأعرابي وللجماعة عرب وأعراب وكذا أعاريب وذلك كما يقال الواحد: مجوسي ويهودي ثم تحذف الياء في الجمع فيقال المجوس واليهود، أي أصحاب البدو أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً من أهل الحضر الكفار والمنافقين لتوحشهم وقساوة قلوبهم وعدم مخالطتهم أهل الحكمة وحرمانهم استماع الكتاب والسنة وهم أشبه شيء بالبهائم،
وفي الحديث عن الحسن عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال: «من سكن البادية جفا ومن اتبع الصيد غفل ومن أتى السلطان افتتن»
وجاء «ثلاثة من الكبائر»
وعد منها التعرب بعد الهجرة وهو أن يعود إلى البادية ويقيم مع الأعراب بعد أن كان مهاجرا، وكان من رجع بعد الهجرة إلى موضعه من غير عذر يعدونه كالمرتد، وكان ذلك لغلبة الشر في أهل البادية والطبع سراق أو للبعد عن مجالس العلم وأهل الخير وإنه ليفضي إلى شر كثير، والحكم على الأعراب بما ذكر من باب وصف الجنس بوصف بعض أفراده كما في قوله تعالى: وَكانَ الْإِنْسانُ كَفُوراً [الإسراء: ٦٧] إذ ليس كلهم كما ذكر، ويدل عليه قوله تعالى الآتي: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ إلخ، وكان ابن سيرين كما أخرج أبو الشيخ عنه يقول: إذا تلا أحدكم هذه الآية فليتل الآية الأخرى يعني بها ما أشرنا إليه، والآية المذكورة كما روي عن الكلبي نزلت في أسد، وغطفان، والعبرة بعموم اللفظ لا لخصوص السبب وَأَجْدَرُ أي أحق وأخلق، وهو على ما قال الطبرسي مأخوذ من جدر الحائط بسكون الدال وهو أصله وأساسه ويتعدى بالباء فقوله تعالى: أَلَّا يَعْلَمُوا بتقدير بأن لا يعلموا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وهي كما أخرج أبو الشيخ عن الضحاك الفرائض وما أمروا به من الجهاد، وأدرج بعضهم السنن في الحدود، والمشهور أنها تخص الفرائض، أو الأوامر والنواهي لقوله تعالى: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها [البقرة: ٢٢٩] وتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [البقرة:
١٨٧] ، ولعل ذلك من باب التغليب ولا بعد فيه فإن الأعراب أجدر أن لا يعلموا كل ذلك لبعدهم عمن يقتبس منه، وقيل: المراد منها بقرينة المقام وعيده تعالى على مخالفة الرسول ﷺ في الجهاد، وقيل: مقادير التكاليف وَاللَّهُ عَلِيمٌ يعلم أحوال كل من أهل الوبر والمدر حَكِيمٌ بما سيصيب به مسيئهم ومحسنهم من العقاب والثواب.
وَمِنَ الْأَعْرابِ أي من جنسهم الذي نعت بنعت بعض أفراده. وقيل: من الفريق المذكور مَنْ يَتَّخِذُ
стр. 2154
أي بعد ما يُنْفِقُ أي يصرفه في سبيل الله تعالى ويتصدق به كما يقتضيه المقام مَغْرَماً أي غرامة وخسرانا من الغرام بمعنى الهلاك، وقيل: من الغرم وهو نزول نائبة بالمال من غير جناية، وأصله من الملازمة ومنه قيل لكل من المتداينين غريم، وإنما أعدوه كذلك لأنهم لا ينفقونه احتسابا ورجاء لثواب الله تعالى ليكون لهم مغنما وإنما ينفقونه تقية ورئاء الناس فيكون غرامة محضة، وما في صيغة اتخاذ من معنى الاختيار والانتفاع بما يتخذ إنما هو باعتبار غرض المنفق من الرياء والتقية لا باعتبار ذات النفقة أعني كونها غرامة وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ أي ينتظر بكم نوب الدهر ومصائبه التي تحيط بالمرء لينقلب بها أمركم ويتبدل بها حالكم فيتخلص مما ابتلي به عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ دعاء عليهم بنحو ما يتربصون به، وهو اعتراض بين كلامين كما في قوله تعالى: وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِما قالُوا [المائدة: ٦٤] إلخ، وجوز أن تكون الجملة إخبارا عن وقوع ما يتربصون به عليهم، والدائرة اسم للنائبة وهي في الأصل مصدر كالعافية والكاذبة أو اسم فاعل من دار يدور وقد تقدم تمام الكلام عليها، والسَّوْءِ في الأصل مصدر أيضا ثم أطلق على كل ضرر وشر وقد كان وصفا للدائرة ثم أضيفت إليه فالإضافة من باب إضافة الموصوف إلى صفته كما في قولك: رجل صدق وفيه من المبالغة ما فيه، وعلى ذلك قوله تعالى: ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ [مريم: ٢٨] وقيل: معنى الدائرة يقتضي معنى السوء فالإضافة للبيان والتأكيد كما قالوا: شمس النهار ولحيا رأسه. وقرأ ابن كثير. وأبو عمرو «السّوء» هنا وفي ثانية الفتح بالضم وهو حينئذ اسم بمعنى العذاب وليس بمصدر كالمفتوح وبذلك فرق الفراء بينهما: وقال أبو البقاء: السوء بالضم الضرر وهو مصدر في الحقيقة يقال: سؤته سوءا وسماءة ومسائية وبالفتح الفساد والرداءة، وكأنه يقول بمصدرية كل منهما في الحقيقة كما فهمه الشهاب من كلامه، وقال مكي: المفتوح معناه الفساد والمضموم معناه الهزيمة والضرر وظاهره كما قيل إنهما اسمان وَاللَّهُ سَمِيعٌ بمقالاتهم الشنيعة عند الانفاق عَلِيمٌ بنياتهم الفاسدة التي من جملتها أن يتربصوا بكم الدوائر، وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى وَمِنَ الْأَعْرابِ أي من جنسهم على الإطلاق مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ على الوجه المأمور به وَيَتَّخِذُ على وجه الاصطفاء والاختيار ما يُنْفِقُ في سبيل الله تعالى قُرُباتٍ جمع قربة بمعنى التقرب، وهو مفعول ثان ليتخذ، والمراد اتخاذ ذلك سببا للتقرب على التجوز في النسبة أو التقدير، وقد تطلق القربة على ما يتقرب به والأول اختيار الجمهور، والجمع باعتبار الأنواع والأفراد، وقوله سبحانه: عِنْدَ اللَّهِ صفة قُرُباتٍ أو ظرف ليتخذ.
وجوز أبو البقاء كونه ظرفا لقربات على معنى مقربات عند الله تعالى، وقوله تعالى: وَصَلَواتِ الرَّسُولِ عطف على قُرُباتٍ أي وسببا لدعائه ﵊ فإنه ﷺ كان يدعو للمتصدقين بالخير والبركة ويستغفر لهم، ولذلك يسن للمتصدق عليه أن يدعو للمتصدق عنه أخذ صدقته لكن ليس له أن يصلي عليه، فقد قالوا: لا يصلى على غير الأنبياء والملائكة عليهم الصلاة والسلام إلا بالتبع لأن في الصلاة من التعظيم ما ليس في غيرها من الدعوات وهي لزيادة الرحمة والقرب من الله تعالى فلا تليق بمن يتصور منه الخطايا والذنوب ولاقت عليه تبعا لما في ذلك من تعظيم المتبوع، واختلف هل هي مكروهة تحريما أو تنزيها أو خلاف الأولى؟ صحح النووي في الأذكار الثاني، لكن في خطبة شرح الأشباه للبيري من صلى على غيرهم أثم وكره وهو الصحيح. وما
رواه الستة غير الترمذي من قوله ﷺ : «اللهم صل على آل أبي أوفى»
لا يقوم حجة على المانع لأن ذلك كما في المستصفى حقه ﵊ فله أن يتفضل به على من يشاء ابتداء وليس الغير كذلك. وأما السلام فنقل اللقاني في شرح جوهرة التوحيد عن الإمام الجويني أنه في معنى الصلاة فلا يستعمل في الغائب، ولا يفرد به غير الأنبياء والملائكة ﵈ فلا يقال: عليّ ﵇ بل يقال: رضي الله تعالى عنه، وسواء في هذا الأحياء والأموات إلا في الحاضر
стр. 2155
فيقال: السلام أو سلام عليك أو عليكم، وهذا مجمع عليه انتهى. أقول: ولعل من الحاضر «السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين» و «سلام عليكم دار قوم مؤمنين» وإلا فهو مشكل، والظاهر أن العلة في منع السلام ما قاله النووي في علة منع الصلاة من أن ذلك شعار أهل البدع وأنه مخصوص في لسان السلف بالأنبياء والملائكة ﵈ كما أن قولنا: مخصوص بالله سبحانه فلا يقال محمد وإن كان عزيزا جليلا صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم قال اللقاني: وقال القاضي عياض: الذي ذهب إليه المحققون وأميل إليه ما قاله مالك، وسفيان، واختاره غير واحد من الفقهاء والمتكلمين أنه يجب تخصيص النبي ﷺ وسائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بالصلاة والتسليم كما يختص الله سبحانه عند ذكره بالتقديس والتنزيه ويذكر من سواهم بالغفران والرضا كما قال تعالى: رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ [المائدة: ١١٩، التوبة: ١٠٠، المجادلة: ٢٢، البينة: ٨] يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ [الحشر: ١٠] وأيضا أن ذلك في غير من ذكر لم يكن في الصدر الأول وإنما أحدثه الرافضة في بعض الأئمة والتشبيه بأهل البدع منهي عنه فتجب مخالفتهم انتهى، ولا يخفى أن مذهب الحنابلة جواز ذلك في غير الأنبياء والملائكة ﵈ استقلالا عملا بظاهر الحديث السابق، وكراهة التشبيه بأهل البدع مقررة عندنا أيضا لكن لا مطلقا بل في المذموم وفيما قصد به التشبه بهم كما ذكره الحصكفي في الدر المختار فافهم. ثم التعرض لوصف الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر في هذا الفريق مع أن مساق الكلام لبيان الفرق بين الفريقين في بيان شأن اتخاذ ما ينفقانه حالا ومآلا وأن ذكر اتخاذه سببا للقربات والصلوات مغن عن التصريح بذلك لكمال العناية بأيمانهم وبيان اتصافهم به وزيادة الاعتناء بتحقق الفرق من أول الأمر، وأما الفريق الأول فاتصافهم بالكفر والنفاق معلوم من سياق النظم الكريم صريحا.
وجوز عطف وَصَلَواتِ على ما يُنْفِقُ وعليه اقتصر أبو البقاء أي يتخذ ما ينفق وصلوات الرسول ﵊ قربات أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ شهادة لهم من جناب الله تعالى بصحة ما اعتقدوه وتصديق لرجائهم، والضمير إما للنفقة المعلومة مما تقدم أو- لما- التي هي بمعناها فهو راجع لذلك باعتبار المعنى فلذا أنث أو لمراعاة الخبر. وجوز ابن الخازن رجوعه للصلوات والأكثرون على الأول، وتنوين قُرْبَةٌ للتفخيم المغني عن الجمع أي قربة لا يكتنه كنهها، وفي إيراد الجملة اسمية بحرفي التنبيه والتحقيق من الجزالة ما لا يخفى.
والاقتصار على بيان كونها قربة لهم لأنها الغاية القصوى وصلوات الرسول ﵊ من ذرائعها وقرىء «قربة» بضم الراء للاتباع سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ وعد لهم بإحاطة رحمته سبحانه بهم كما يشعر بذلك «في» الدالة على الظرفية وهو في مقابلة الوعيد للفرقة السابقة المشار إليه بقوله تعالى: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وفيه تفسير للقربة أيضا، والسين للتحقيق والتأكيد لما تقدم أنها في الإثبات في مقابلة لن في النفي، وقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تقرير لما تقدم كالدليل عليه، والآية كما أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، وغيرهم عن مجاهد نزلت في بني مقرن من مزينة. وقال الكلبي: في أسلم، وغفار، وجهينة وقيل: نزلت التي قبلها في أسد، وغطفان، وبني تميم وهذه في عبد الله ذي البجادين بن نهم المزني رضي الله تعالى عنه.
وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ بيان لفضائل أشراف المسلمين إثر بيان طائفة منهم، والمراد بهم كما روي عن سعيد، وقتادة، وابن سيرين، وجماعة الذين صلوا إلى القبلتين، وقال عطاء بن رباح: هم أهل بدر، وقال الشعبي: هم أهل بيعة الرضوان وكانت بالحديبية، وقيل: هم الذين أسلموا قبل الهجرة وَالْأَنْصارِ أهل بيعة العقبة الأولى وكانت في سنة إحدى عشرة من البيعة وكانوا على ما في بعض الروايات سبعة نفر وأهل بيعة العقبة الثانية
стр. 2156
وكانت في سنة اثنتي عشرة وكانوا سبعين رجلا وامرأتين. والذين أسلموا حين جاءهم من قبل رسول الله ﷺ أبو زرارة مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف وكان قد أرسله ﵊ مع أهل العقبة الثانية يقرئهم القرآن ويفقههم في الدين وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ أي متلبسين به، والمراد كل خصلة حسنة، وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين على أن مِنَ تبعيضية أو الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعة إلى يوم القيامة فالمراد بالسابقين جميع المهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم، ومعنى كونهم سابقين أنهم أولون بالنسبة إلى سائر المسلمين وكثير من الناس ذهب إلى هذا. روي عن حميد بن زياد أنه قال: قلت يوما لمحمد بن كعب القرظي ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله ﷺ فيما كان بينهم من الفتن فقال لي: إن الله تعالى قد غفر لجميعهم وأوجب لهم الجنة في كتابه محسنهم ومسيئهم فقلت له: في أي موضع أوجب لهم الجنة؟ فقال: سبحان الله ألا تقرأ قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ الآية فتعلم أنه تعالى أوجب لجميع أصحاب النبي ﷺ الجنة والرضوان وشرط على التابعين شرطا قلت:
وما ذلك الشرط؟ قال: شرط عليهم أن يتبعوهم بإحسان وهو أن يقتدوا بهم في أعمالهم الحسنة ولا يقتدوا بهم في غير ذلك أو يقال: هو أن يتبعوهم بإحسان في القول وأن لا يقولوا فيهم سوءا وأن لا يوجهوا الطعن فيما أقدموا عليه، قال حميد بن زياد: فكأني ما قرأت هذه الآية قط، وعلى هذا تكون الآية متضمنة من فضل الصحابة رضي الله تعالى عنهم ما لم تتضمنه على التقدير الأول.
واعترض القطب على التفاسير للسابقين من المهاجرين بأن الصلاة إلى القبلتين وشهود بدر وبيعة الرضوان مشتركة بين المهاجرين والأنصار. وأجيب بأن مراد من فسر تعيين سبقهم لصحبتهم ومهاجرتهم له ﷺ على من عداهم من ذلك القبيل. واختار الإمام أن المراد بالسابقين من المهاجرين السابقون في الهجرة ومن السابقين من الأنصار السابقون في النصرة وادعى أن ذلك هو الصحيح عنده، واستدل عليه بأنه سبحانه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون في ماذا فبقي اللفظ مجملا إلا أنه تعالى لما وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارا علم أن المراد من السبق في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ، وأيضا كل واحدة من الهجرة والنصرة لكونه فعلا شاقا على النفس طاعة عظيمة فمن أقدم عليه أولا صار قدوة لغيره في هذه الطاعة وكان ذلك مقويا لقلب الرسول ﷺ وسببا لزوال الوحشة عن خاطره الشريف ﵊ فلذلك أثنى الله تعالى على كل من كان سابقا إليهما وأثبت لهما ما أثبت، وكيف لا وهم آمنوا وفي عدد المسلمين في مكة والمدينة قلة وضعف فقوي الإسلام بسببهم وكثر عدد المسلمين بإسلامهم وقوي قلبه ﷺ بسبب دخولهم في الإسلام واقتداء غيرهم بهم فكان حالهم في ذلك كحال من سن سنة حسنة
وفي الخبر «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة»
ولا يخفى أنه حسن.
ويجوز عندي أن يراد بالسابقين الذين سبقوا إلى الإيمان بالله واليوم الآخر واتخاذ ما ينفقون قربات والقرينة على ذلك ظاهرة، وأيا ما كان فالسابقون مبتدأ خبره قوله تعالى: ﵃ أي بقبول طاعتهم وارتضاء أعمالهم وَرَضُوا عَنْهُ بما نالوه من النعم الجليلة الشأن. وجوز أبو البقاء أن يكون الخبر الْأَوَّلُونَ أو مِنَ الْمُهاجِرِينَ وأن يكون السَّابِقُونَ معطوفا على مَنْ يُؤْمِنُ أي ومنهم السابقون وما ذكرناه أظهر الوجوه. وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قرأ وَالْأَنْصارِ بالرفع على أنه معطوف على السابقون.
وأخرج أبو عبيدة، وابن جرير، وابن المنذر، وغيرهم عن عمرو بن عامر الأنصاري أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقرأ بإسقاط الواو من «والذين اتبعوهم» فيكون الموصول صفة الأنصار حتى قال له زيد: إنه بالواو فقال: ائتوني بأبيّ بن كعب فأتاه فسأله عن ذلك فقال: هي بالواو فتابعه. وأخرج أبو الشيخ عن أبي أسامة ومحمد بن إبراهيم التيمي
стр. 2157
قالا: مر عمر بن الخطاب برجل يقرأ «والذين» بالواو فقال: من أقرأك هذه؟ فقال: أبي فأخذ به إليه فقال: يا أبا المنذر أخبرني هذا أنك أقرأته هكذا قال أبي: صدق وقد تلقنتها كذلك من في رسول الله ﷺ فقال عمر: أنت تلقنتها كذلك من رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم فأعاد عليه فقال في الثالثة وهو غضبان: نعم والله لقد أنزلها الله على جبريل ﵇ وأنزلها جبريل على قلب محمد ﷺ ولم يستأمر فيها الخطاب ولا ابنه فخرج عمر رافعا يديه وهو يقول الله أكبر الله أكبر.
وفي رواية أخرجها أبو الشيخ أيضا عن محمد بن كعب أن أبيّا رضي الله تعالى عنه: تصديق هذه الآية في أول وَآخَرِينَ مِنْهُمْ [الجمعة: ٣٠] وفي أوسط وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [الحشر:
١٠] وفي آخر وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ [الأنفال: ٧٥] إلخ، ومراده رضي الله تعالى عنه أن هذه الآيات تدل على أن التابعين غير الأنصار، وفيها أن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لقد كنت أرى أنا رفعنا رفعة لا يبلغها أحد بعدنا وأراد اختصاص السبق بالمهاجرين، وظاهر تقديم المهاجرين على الأنصار مشعر بأنهم أفضل منهم وهو الذي تدل عليه قصة السقيفة، وقد جاء في فضل الأنصار ما لا يحصى من الأخبار. ومن ذلك ما
أخرجه الشيخان. وغيرهما عن أنس قال:
«قال رسول الله ﷺ :» آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار» .
وأخرج الطبراني عن السائب بن يزيد أن رسول الله ﷺ قسم الفيء الذي أفاء الله تعالى بحنين في أهل مكة من قريش وغيرهم فغضب الأنصار فأتاهم فقال: «يا معشر الأنصار قد بلغني من حديثكم في هذه المغانم التي آثرت بها أناسا أتألفهم على الإسلام لعلهم أن يشهدوا بعد اليوم وقد أدخل الله تعالى قلوبهم الإسلام ثم قال: يا معشر الإسلام ألم يمن الله تعالى عليكم بالإيمان وخصكم بالكرامة وسماكم بأحسن الأسماء أنصار الله تعالى وأنصار رسوله ﵊ ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ولو سلك الناس واديا وسلكتم واديا لسلكت واديكم أفلا ترضون أن يذهب الناس بهذه الغنائم البعير والشاء وتذهبون برسول الله؟ فقالوا: رضينا فقال رسول الله ﷺ : أجيبوني فيما قلت.
قالوا: يا رسول الله وجدتنا في ظلمة فأخرجنا الله بك إلى النور، وجدتنا على شفا حفرة من النار فأنقذنا الله بك، وجدتنا ضلالا فهدانا الله تعالى بك فرضينا بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا، فقال ﵊:
لو أجبتموني بغير هذا القول لقلت: صدقتم لو قلتم ألم تأتنا طريدا فآويناك؟ ومكذبا فصدقناك؟ ومخذولا فنصرناك وقبلنا ما رد الناس عليك لصدقتم، قالوا: بل لله تعالى ولرسوله المن والفضل علينا وعلى غيرنا»
فانظر كيف قال لهم رسول الله ﷺ وكيف أجابوه رضي الله تعالى عنهم وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ أي هيأ لهم ذلك في الآخرة. وقرأ ابن كثير من تحتها وأكثر ما جاء في القرآن موافق لهذه القراءة خالِدِينَ فِيها أَبَداً من غير انتهاء ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي الذي لا فوز وراءه، وما في ذلك من معنى البعد قيل لبيان بعد منزلتهم في الفضل وعظم الدرجة من مؤمني الأعراب، ولا يخفى أن هذا لا يكاد يصح إلا بتكلف ما إذا أريد من الذين اتبعوهم صنف آخر غير الصحابة لأن الظاهر أن مؤمني الأعراب صحابة ولا يفضل غير صحابي صحابيا كما يدل عليه
قوله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» ،
وقوله ﷺ : «أمتي كالمطر لا يدرى أوله خير أم آخره»
من باب المبالغة.
وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ شروع في بيان منافقي أهل المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيان حال أهل البادية منهم أي وممن حول بلدكم مُنافِقُونَ والمراد بالموصول كما أخرج ابن المنذر عن عكرمة: جهينة، ومزينة، وأشجع، وأسلم، وغفار، وكانت منازلهم حول المدينة، وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين كالبغوي،
стр. 2158
والواحدي، وابن الجوزي، وغيرهم. واستشكل ذلك بأن النبي ﷺ مدح هذه القبائل ودعا لبعضها.
فقد أخرج الشيخان، وغيرهما عن أبي هريرة عنه ﵊ أنه قال: «قريش، والأنصار، وجهينة، ومزينة، وأشجع، وأسلم، وغفار موالي الله تعالى ورسوله لا موالي لهم غيره» وجاء عنه أيضا أنه ﷺ قال: «أسلم سالمها الله تعالى وغفار غفر الله لها أما إني لم أقلها لكن قالها الله تعالى» .
وأجيب بأن ذلك باعتبار الأغلب منهم وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عطف على مِمَّنْ حَوْلَكُمْ فيكون كالمعطوف عليه خبرا عن- المنافقون- كأنه قيل: المنافقون من قوم حولكم ومن أهل المدينة، وهو من عطف مفرد على مفرد ويكون قوله سبحانه: مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب مسوقة لبيان غلوهم في النفاق إثر بيان اتصافهم به أو صفة لمنافقون، واستبعده أبو حيان بأن فيه الفصل بين الصفة وموصوفها، وجوز أن يكون مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خبر مقدم والمبتدأ بعده محذوف قامت صفته مقامه والتقدير ومن أهل المدينة قوم مردوا، وحذف الموصوف وإقامة صفته مقامه إذا كان بعض اسم مجرور بمن أوفى مقدم عليه مقيس شائع نحو- منا أقام ومنا ظعن. وفي غير ذلك ضرورة أو نادر، ومنه قول سحيم:
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... متى أضع العمامة تعرفوني
على أحد التأويلات فيه، وأصل المرود على ما ذكره علي بن عيسى الملاسة ومنه صرح ممرد، والأمرد الذي لا شعر على وجهه، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئا، وقال ابن عرفة: أصله الظهور ومنه قولهم: شجرة مرداء إذا تساقط ورقها وأظهرت عيدانها، وفي القاموس مرد كنصر وكرم مرودا ومرودة ومرادة فهو مارد ومريد ومتمرد أقدم وعتا أو هو أن يبلغ الغاية التي يخرج بها من جملة ما عليه ذلك الصنف، وفسروه بالاعتياد والتدرب في الأمر حتى يصير ماهرا فيه وهو قريب مما ذكره في القاموس من بلوغ الغاية، ولا يكاد يستعمل إلا في الشر.
وهو على الوجهين الأولين شامل للفريقين حسب شمول النفاق وعلى الوجه الأخير خاص بمنافقي أهل المدينة واستظهر ذلك، وقيل: إنه الأنسب بذكر منافقي أهل البادية أولا ثم ذكر منافقي الأعراب المجاورين ثم ذكر منافقي أهل المدينة ويبقى على هذا أنه لم يبين مرتبة المجاورين في النفاق بخلافه على تقدير شموله للفريقين ثم لا يخفى أن التمرد على النفاق إذا اقتضى الأشدية فيه أشكل عليه تفسيرهم المفضل في قوله سبحانه: الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً بأهل الحضر، ولعل المراد تفضيل المجموع على المجموع أو يلتزم عدم الاقتضاء.
وقوله تعالى: لا تَعْلَمُهُمْ بيان لتمردهم أي لا تعرفهم أنت بعنوان نفاقهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوق في مراعاة التقية والتحامي عن مواقع التهم إلى حيث يخفى عليك مع كمال فطنتك وصدق فراستك حالهم، وفي تعليق نفي العلم بهم مع أنه متعلق بحالهم مبالغة في ذلك وإيماء إلى أن ما هم عليه من صفة النفاق لعراقتهم ورسوخهم فيها صارت بمنزلة ذاتياتهم أو مشخصاتهم بحيث لا يعد من لا يعرفهم بتلك الصفة عالما بهم، ولا حاجة في هذا المعنى إلى حمل العلم على المتعدي لمفعولين وتقدير المفعول الثاني أي لا تعلمهم منافقين، وقيل:
المراد لا تعرفهم بأعيانهم وإن عرفتهم إجمالا، وما ذكرناه لما فيه من المبالغة ما فيه أولى وحاصله لا تعرف نفاقهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ أي نعرفهم بذلك العنوان وإسناد العلم بمعنى المعرفة إليه تعالى مما لا ينبغي أن يتوقف فيه وإن وهم فيه من وهم لا سيما إذا خرج ذلك مخرج المشاكلة، وقد فسر العلم هنا بالمعرفة ابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه عنه أبو الشيخ. نعم لا يمتنع حمله على معناه المتبادر كما لا يمتنع حمله على ذلك فيما تقدم لكنه محوج إلى التقدير وعدم التقدير أولى من التقدير.
والجملة تقرير لما سبق من مهارتهم في النفاق أي لا يقف على سرائرهم المركوزة فيهم إلا ما لا تخفى عليه
стр. 2159
خافية لما هم عليه من شدة الاهتمام بإبطال الكفر وإظهار الإخلاص، وأمر تعليق العلم هنا كأمر تعليق نفيه فيما مر.
واستدل بالآية على أنه لا ينبغي الإقدام على دعوى الأمور الخفية من أعمال القلب ونحوها. وقد أخرج عبد الرزاق وابن المنذر وغيرهما عن قتادة أنه قال: ما بال أقوام يتكلفون على الناس يقولون: فلان في الجنة وفلان في النار فإذا سألت أحدهم عن نفسه قال: لا أدري لعمري أنت بنفسك أعلم منك بأعمال الناس ولقد تكلفت شيئا ما تكلفه نبي، قال نوح ﵇: وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [الشعراء: ١١٢] وقال شعيب ﵇: وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ [الأنعام: ١٠٤، هود: ٨٦] وقال الله تعالى لمحمد ﷺ : لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ وهذه الآيات ونحوها أقوى دليل على الرد على من يزعم الكشف والاطلاع على المغيبات بمجرد صفاء القلب وتجرد النفس عن الشواغل وبعضهم يتساهلون في هذا الباب جدا سَنُعَذِّبُهُمْ ولا بد لتحقيق المقتضى فيهم عادة مَرَّتَيْنِ
أخرج ابن أبي حاتم والطبراني في الأوسط وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «قام رسول الله ﷺ يوم جمعة خطيبا فقال قم يا فلان فاخرج فإنك منافق اخرج يا فلان فإنك منافق فأخرجهم بأسمائهم ففضحهم ولم يك عمر بن الخطاب شهد تلك الجمعة لحاجة كانت له فلقيهم وهم يخرجون من المسجد فاختبأ منهم استحياء أنه لم يشهد الجمعة وظن أن الناس قد انصرفوا واختبؤوا هم منه وظنوا أنه قد علم بأمرهم فدخل المسجد فإذا الناس لم ينصرف فقال له رجل: أبشر يا عمر فقد فضح الله تعالى المنافقين اليوم فهذا العذاب الأول والعذاب الثاني عذاب القبر» . وفي رواية ابن مردويه عن ابن مسعود الأنصاري أنه ﷺ أقام في ذلك اليوم وهو على المنبر ستة وثلاثين رجلا.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد أنه فسر العذاب مرتين بالجوع والقتل، ولعل المراد به خوفه وتوقعه، وقيل: هو فرضي إذا أظهروا النفاق وفي رواية أخرى عنهم أنهم عذبوا بالجوع مرتين، وعن الحسن أن العذاب الأول أخذ الزكاة والثاني عذاب القبر، وعن ابن إسحاق أن الأول غيظهم من أهل الإسلام والثاني عذاب القبر. وعن ابن إسحاق أن الأول غيظهم من أهل الإسلام والثاني عذاب القبر، ولعل تكرير عذابهم لما فيهم من الكفر المشفوع بالنفاق المؤكد بالتمرد فيه.
وجوز أن يراد بالمرتين التكثير كما في قوله تعالى: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [الملك: ٤] لقوله سبحانه:
أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ [التوبة: ١٢٦] ثُمَّ يُرَدُّونَ يوم القيامة الكبرى إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ وهو عذاب النار، وتغيير الأسلوب على ما قيل بإسناد عذابهم السابق إلى نون العظمة حسب إسناد ما قبله من العلم وإسناد ردهم إلى العذاب اللاحق إلى أنفسهم إيذان باختلافهما حالا وأن الأول خاص بهم وقوعا وزمانا يتولاه الله والثاني شامل لعامة الكفرة وقوعا وزمانا وإن اختلفت طبقات عذابهم، ولا يخفى أنه إذا فسر العذاب العظيم بعذاب الدرك الأسفل من النار لم يكن شاملا لعامة الكفرة نعم هو شامل لعامة المنافقين فقط. وقد يقال: إن في بناء «يردون» لما لم يسم فاعله من التعظيم ما فيه فيناسب العذاب العظيم فلذا غير السبك إليه والله تعالى أعلم وَآخَرُونَ بيان لحال طائفة من المسلمين ضعيفة الهمم في أمر الدين ولم يكونوا منافقين على الصحيح.
وقيل: هم طائفة من المنافقين إلا أنهم وفقوا للتوبة فتاب الله عليهم. قيل: وهو مبتدأ خبره جملة خَلَطُوا وهي حال بتقدير- قد- والخبر جملة عَسَى اللَّهُ إلخ، والمحققون على أنه معطوف على مُنافِقُونَ أي ومنهم يعني ممن حولكم أو من أهل المدينة قوم آخرون اعْتَرَفُوا أي أقروا عن معرفة بِذُنُوبِهِمْ التي هي تخلفهم عن الغزو وإيثار الدعة عليه والرضا بسوء جوار المنافقين ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبة المؤكدة بالإيمان الفاجرة وكانوا على ما
أخرج البيهقي في الدلائل. وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عشرة تخلفوا عن رسول الله ﷺ في غزوة
стр. 2160
تبوك فلما حضر رجوع رسول الله ﷺ أوثق سبعة منهم أنفسهم بسواري المسجد وكان ممر النبي ﵊ إذا رجع في المسجد عليهم فلما رآهم قال: من هؤلاء الموثقون أنفسهم؟ قالوا: هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله وقد أقسموا أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم فقال رسول الله ﷺ : وأنا أقسم بالله تعالى لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم فأنزل الله تعالى الآية فأرسل ﵊ إليهم فأطلقهم وعذرهم.
وفي رواية أخرى عنه أنهم كانوا ثلاثة، وأخرج ابن أبي حاتم عن زيد أنهم كانوا ثمانية، وروي أنهم كانوا خمسة،
والروايات متفقة على أن أبا لبابة بن عبد المنذر منهم خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً خروجا إلى الجهاد مع رسول الله ﷺ وَآخَرَ سَيِّئاً تخلفا عنه ﵊ روي هذا عن الحسن، والسدي، وعن الكلبي أن الأول التوبة والثاني الإثم، وقيل: العمل الصالح يعم جميع البر والطاعة والسيّء ما كان ضده، والخلط المزج وهو يستدعي مخلوطا به والأول هنا هو الأول والثاني هو الثاني عند بعض، والواو بمعنى الباء كما نقل عن سيبويه في قولهم: بعت الشاء شاة ودرهما، وهو من باب الاستعارة لأن الباء للإلصاق والواو للجمع وهما من واد واحد، ونقل شارح اللباب عن ابن الحاجب أن أصل المثال بعت الشاء شاة بدرهم أي مع درهم ثم كثر ذلك فأبدلوا من باء المصاحبة واوا فوجب أن يعرب ما بعدها بإعراب ما قبلها كما في قولهم: كل رجل وضيعته، ولا يخفى ما فيه من التكلف. وذكر الزمخشري أن كل واحد من المتعاطفين مخلوط ومخلوط به لأن المعنى خلط كل واحد منهما بالآخر كقولك: خلطت الماء واللبن تريد خلطت كل واحد منهما بصاحبه، وفيه ما ليس في قولك: خلطت الماء باللبن لأنك جعلت الماء مخلوطا واللبن مخلوطا به وإذا قلته بالواو جعلت الماء واللبن مخلوطين ومخلوطا بهما كأنك قلت خلطت الماء واللبن بالماء، وحاصله أن المخلوط به في كل واحد من الخلطين هو المخلوط في الآخر لأن الخلط لما اقتضى مخلوطا به فهو أما الآخر أو غيره والثاني منتف بالأصل والقرينة لدلالة سياق الكلام إذا قيل: خلطت هذا وذاك على أن كلّا منهما مخلوط ومخلوط به وهو أبلغ من أن يقال خلطت أحدهما بالآخر إذ فيه خلط واحد وفي الواو خلطان.
واعترض بأن خلط أحدهما بالآخر يستلزم خلط الآخر به ففي كل من الواو والباء خلطان فلا فرق، وأجيب بأن الواو تفيد الخلطين صريحا بخلاف الباء فالفرق متحقق، وفيه تسليم حديث الاستلزام ولا يخفى أن فيه خلطا حيث لم يفرق فيه بين الخلط والاختلاط، والحق أن اختلاط أحد الشيئين بالآخر مستلزم لاختلاط الآخر به وأما خلط أحدهما بالآخر فلا يستلزم خلط الآخر به لأن خلط الماء باللبن مثلا معناه أن يقصد الماء أولا أو يجعل مخلوطا باللبن وظاهر أنه لا يستلزم أن يقصد اللبن أولا بل ينافيه، فعلى هذا معنى خلط العمل الصالح بالسيىء أنهم أتوا أولا بالصالح ثم استعقبوه سيئا ومعنى خلط السيّء بالصالح أنهم أتوا أولا بالسيىء ثم أردفوه بالصالح، وإلى هذا يشير كلام السكاكي حيث جعل تقدير الآية خلطوا عملا صالحا بسيىء وآخر سيئا بصالح أي تارة أطاعوا وأحبطوا الطاعة بكبيرة وأخرى عصوا وتداركوا المعصية بالتوبة وهو ظاهر في أن العمل الصالح والسيّء في أحد الخلطين غيرهما في الخلط الآخر، وكلام الزمخشري ظاهر في اتحادهما وفيه ما فيه، ولذلك رجح ما ذهب إليه السكاكي لكن ما ذكره من الإحباط ميل إلى مذهب المعتزلة، وادعى بعضهم أن ما في الآية نوع من البديع يسمى الاحتباك والأصل خلطوا عملا صالحا بآخر سيىء وخلطوا آخر سيئا بعمل صالح هو خلاف الظاهر.
واستظهر ابن المنير كون الخلط مضمنا معنى العمل والعدول عن الباء لذلك كأنه قيل: عملوا عملا صالحا وآخر سيئا، وأنا أختار أن الخلط بمعنى الجمع هنا وإذا اعتبر السياق وسبب النزول يكون المراد من العمل الصالح
стр. 2161
الاعتراف بالذنوب من التخلف عن الغزو وما معه ومن السيّء تلك الذنوب أنفسها ويكون المقصود بالجمع المتوجه إليه أولا بالضم هو الاعتراف، والتعبير عن ذلك بالخلط للإشارة إلى وقوع ذلك الاعتراف على الوجه الكامل حتى كأنه تخلل الذنوب وغير صفتها، وإذا لم يعتبر سبب النزول يجوز أن يراد من العمل الصالح الاعتراف بالذنوب مطلقا ومن السيّء الذنوب كذلك وتمام الكلام بحاله، ويجوز أن يراد من العمل الصالح والسيّء ما صدر من الأعمال الحسنة والسيئة مطلقا، ولعل المتوجه إليه أولى على هذا أيضا ليجمع العمل الصالح إذ بضمه يفتح باب الخير
ففي الخبر «أتبع السيئة بالحسنة تمحها» ،
وقد حمل بعضهم الحسنة فيه على مطلقها،
وأخرج ابن سعد عن الأسود بن قيس قال: لقي الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما يوما حبيب ابن مسلمة فقال: يا حبيب رب مسير لك في غير طاعة الله تعالى فقال: أما مسيري إلى أبيك فليس من ذلك قال: بلى ولكنك أطعت معاوية على دنيا قليلة زائدة فلئن قام بك في دنياك فلقد قعد بك في دينك ولو كنت إذ فعلت شرا فعلت خيرا كان ذلك كما قال الله تعالى: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً ولكنك كما قال الله تعالى: كَلَّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٤]
والتعبير بالخلط حينئذ يمكن أن يكون لما في ذلك من التغيير أيضا، وربما يراد بالخلط مطلق الجمع من غير اعتبار أولية في البين والتعبير بالخلط لعله لمجرد الإيذان بالتخلل فإن الجمع لا يقتضيه، ويشعر بهذا الحمل ما أخرجه أبو الشيخ والبيهقي عن مطرف قال: إني لأستلقي من الليل على فراشي وأتدبر القرآن فأعرض أعمالي على أعمال أهل الجنة فإذا أعمالهم شديدة كانوا قليلا من الليل ما يهجعون يبيتون لربهم سجّدا وقياما أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما فلا أراني منهم فأعرض نفسي على هذه الآية ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ [المدثر: ٤٢، ٤٣] إلى قوله سبحانه: نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ [المدثر: ٤٦] فأرى القوم مكذبين فلا أراني فيهم فأمر بهذه الآية وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ إلخ وأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم، وكذا ما أخرجاه وغيرهما عن أبي عثمان النهدي قال:
ما في القرآن آية أرجى عندي لهذه الأمة من قوله سبحانه: وَآخَرُونَ إلخ والظاهر أنه لم يفهم منها صدور التوبة من هؤلاء الآخرين بل ثبت لهم الحكم المفهوم من قوله سبحانه: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ مطلقا وإلا فهي وكثير من الآيات التي في هذا الباب سواء وأرجى منها عندي قوله تعالى: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر: ٥٣] والمشهور أن الآية يفهم منها ذلك لأن التوبة من الله سبحانه بمعنى قبول التوبة وهو يقتضي صدورها عنهم فكأنه قيل: وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا فتابوا عسى إلخ.
وجعل غير واحد الاعتراف دالا على التوبة ولعل ذلك لما بينهما من اللزوم عرفا، وقال الشهاب: لأنه توبة إذا اقترن بالندم والعزم على عدم العود، وفيه أن هذا قول بالعموم والخصوص وقد ذكروا أن العام لا يدل على الخاص بإحدى الدلالات الثلاث، وكلمة عَسَى للأطماع وهو من أكرم الأكرمين إيجاب وأي إيجاب، وقوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تعليل لما أفادته من وجوب القبول، وليس هو الوجوب الذي يقوله المعتزلة كما لا يخفى أي إنه تعالى كثير المغفرة والرحمة يتجاوز عن التائب ويتفضل عليه خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
أخرج غير واحد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم لما انطلقوا أطلقوا فجاؤوا بأموالهم فقالوا: يا رسول الله هذه أموالنا فتصدق بها عنا واستغفر لنا فقال ﵊: ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئا فنزلت الآية فأخذ ﷺ منها الثلث
كما جاء في بعض الروايات، فليس المراد من الصدقة الصدقة المفروضة أعني الزكاة لكونها مأمورا بها وإنما هي على ما قيل كفارة لذنوبهم حسبما ينبىء عنه قوله : تُطَهِّرُهُمْ أي عما تلطخوا به من أوضار التخلف. وعن الجبائي أن
стр. 2162
المراد بها الزكاة وأمر ﷺ بأخذها هنا دفعا لتوهم إلحاقهم ببعض المنافقين فإنها لم تكن تقبل منه كما علمت وأمر التطهير سهل، وأيا ما كان فضمير أموالهم لهؤلاء المعترفين، وقيل: إنه على الثاني راجع لأرباب الأموال مطلقا، وجمع الأموال للإشارة إلى أن الأخذ من سائر أجناس المال، والجار والمجرور متعلق بخذ ويجوز أن يتعلق بمحذوف وقع حالا من صَدَقَةً والتاء في تُطَهِّرُهُمْ للخطاب. وقرىء بالجزم على أنه جواب الأمر والرفع على أن الجملة حال من فاعل خُذْ أو صفة لصدقة بتقدير بها لدلالة ما بعده عليه أو مستأنفة كما قال أبو البقاء، وجوز على احتمال الوصفية أن تكون التاء للغيبة وضمير المؤنث للصدقة فلا حاجة بنا إلى بها. وقرىء تطهرهم من أطهره بمعنى طهره وَتُزَكِّيهِمْ بِها بإثبات الياء وهو خبر مبتدأ محذوف والجملة حال من الضمير في الأمر أو في جوابه وقيل استئناف أي وأنت تزكيهم بها أي تنمي بتلك الصدقة حسناتهم وأموالهم أو تبالغ في تطهيرهم، وكون المراد ترفع منازلهم من منازل المنافقين إلى منازل الأبرار المخلصين ظاهر في أن القوم كانوا منافقين والمصحح خلافه، هذا على قراءة الجزم في تُطَهِّرُهُمْ وأما على قراءة الرفع فتزكيهم عطف عليه، وظاهر ما في الكشاف يدل على أن التاء هنا للخطاب لا غير لقوله سبحانه: بِها والحمل على أن الصدقة تزكيهم بنفسها بعيد عن فصاحة التنزيل. وقرأ مسلمة ابن محارب «تزكهم» بدون الياء وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أي ادع لهم واستغفر، وعدي الفعل بعلى لما فيه من معنى العطف لأنه من الصلوين، وإرادة المعنى اللغوي هنا هو المتبادر، والحمل على صلاة الميت بعيد وإن روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولذا استدل بالآية على استحباب الدعاء لمن يتصدق، واستحب الشافعي في صفته أن يقول للمتصدق آجرك الله فيما أعطيت وجعله لك طهورا وبارك لك فيما أبقيت. وقال بعضهم: يجب على الإمام الدعاء إذا أخذ، وقيل: يجب في صدقة الفرض ويستجب في صدقة التطوع، وقيل: يجب على الإمام ويستحب للفقير وألحق الاستحباب مطلقا إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ تعليل للأمر بالصلاة، والسكن السكون وما تسكن النفس إليه من الأهل والوطن مثلا وعلى الأول جعل الصلاة نفس السكن، والاطمئنان مبالغة وعلى الثاني يكون المراد تشبيه صلاته ﵊ في الالتجاء إليها بالسكن والأول أولى أي إن دعاءك تسكن نفوسهم إليه وتطمئن قلوبهم به إلى الغاية ويثقون بأنه سبحانه قبلهم.
وقرأ غير واحد من السبعة «صلواتك» بالجمع مراعاة لتعدد المدعو لهم وَاللَّهُ سَمِيعٌ يسمع الاعتراف بالذنب والتوبة والدعاء عَلِيمٌ بما في الضمائر من الندم والغم لما فرط وبالإخلاص في التوبة والدعاء أو سميع يجيب دعاءك لهم عليم بما تقتضيه الحكمة، والجملة حينئذ تذييل للتعليل مقرر لمضمونه وعلى الأول تذييل لما سبق من الآيتين وحقق لما فيهما أَلَمْ يَعْلَمُوا الضمير إما للمتوب عليهم والمراد تمكين قبول توبتهم في قلوبهم والاعتداد بصدقاتهم وإما لغيرهم والمراد التحضيض على التوبة والصدقة والترغيب فيهما.
وقرىء تعلموا بالتاء وهو على الأول التفات وعلى الثاني بتقدير قل، وجوز أن يكون الضمير للتائبين وغيرهم على أن يكون المقصود التمكين والتحضيض لا غير، واختار بعضهم كونه للغير لا غير لما روي أنه لما نزلت توبة هؤلاء التائبين قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين هؤلاء كانوا معنا بالأمس لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم اليوم فنزلت، ويشعر صنيع الجمهور باختيار الأول وهو الذي يقتضيه سياق الآية، والخبر لم نقف على سند له يعول عليه أي ألم يعلم هؤلاء التائبون أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ الصحيحة الخالصة عَنْ عِبادِهِ المخلصين فيها، وتعدية القبول بعن لتضمنه معنى التجاوز والعفو أي يقبل ذلك متجاوزا عن ذنوبهم التي تابوا عنها، وقيل: عن بمعنى من والضمير إما للتأكيد أوله مع التخصيص بمعنى أن الله سبحانه يقبل التوبة لا غيره أي أنه تعالى يفعل ذلك البتة لما قرر أن ضمير
стр. 2163
الفصل يفيد ذلك والخبر المضارع من مواقعه، وجعل بعضهم التخصيص بالنسبة إلى الرسول ﷺ أي إنه جل وعلا يقبل التوبة لا رسوله ﵊ لأن كثرة رجوعهم إليه مظنة لتوهم ذلك، والمراد بالعباد إما أولئك التائبون ووضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بعلية ما يشير إليه القبول وإما كافة العباد وهم داخلون في ذلك دخولا أوليا وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ أي يقبلها قبول من يأخذ شيئا ليؤدي بدله فالأخذ هنا استعارة للقبول، وجوز أن يكون إسناد الأخذ إلى الله تعالى مجازا مرسلا، وقيل: نسبة الأخذ إلى الرسول في قوله سبحانه: خُذْ ثم نسبته إلى ذاته تعالى إشارة إلى أن أخذ الرسول ﵊ قائم مقام أخذ الله تعالى تعظيما لشأن نبيه ﷺ كما في قوله تعالى:
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ [الفتح: ١٠] فهو على حقيقته وهو معنى حسن إلا أن في دعوى الحقيقة ما لا يخفى، والمختار عندي أن المراد بأخذ الصدقات الاعتناء بأمرها ووقوعها عنده سبحانه موقعا حسنا، وفي التعبير به ما لا يخفى من الترغيب.
وقد أخرج عبد الرزاق عن أبي هريرة أن الله تعالى يقبل الصدقة إذا كانت من طيب ويأخذها بيمينه وأن الرجل ليتصدق بمثل اللقمة فيربيها له كما يربي أحدكم فصيله أو مهره فتربو في كف الله تعالى حتى تكون مثل أحد.
وأخرج الدارقطني في الافراد عن ابن عباس قال: «قال رسول الله ﷺ تصدقوا فإن أحدكم يعطي اللقمة أو الشيء فيقع في يد الله قبل أن يقع في يد السائل ثم تلا هذه الآية» .
وفي بعض الروايات ما يدل على أنه ليس هناك أخذ حقيقة،
فقد أخرج ابن المنذر وغيره عن أبي هريرة قال: «قال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده ما من عبد يتصدق بصدقة طيبة من كسب طيب ولا يقبل الله تعالى إلا طيبا ولا يصعد إلى السماء إلا طيب فيضعها في حق إلا كانت كأنما يضعها في يد الرحمن فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى إن اللقمة أو التمرة لتأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم» .
وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى ألم يعلموا أن الله يقبل التوبة الآية. و «أل» في الصدقات يحتمل أن تكون عوضا عن المضاف إليه أي صدقاتهم وأن تكون للجنس أي جنس الصدقات المندرج فيه صدقاتهم اندراجا أوليا وهو الذي يقتضيه ظاهر الأخبار وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ تأكيد لما عطف عليه وزيادة تقرير لما يقرره مع زيادة معنى ليس فيه أي ألم يعلموا أنه سبحانه المختص المتأثر ببلوغ الغاية القصوى من قبول التوبة والرحمة وذلك شأن من شؤونه وعادة من عوائده المستمرة، وقيل غير ذلك، والجملتان في حيز النصب بيعلموا يسد كل واحدة منهما مسد مفعولية وَقُلِ اعْمَلُوا ما تشاؤون من الأعمال فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ خيرا كان أو شرا، والجملة تعليل لما قبله أو تأكيد لما يستفاد منه من الترغيب والترهيب والسين للتأكيد كما قررنا أي يرى الله تعالى البتة وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ عطف على الاسم الجليل، والتأخير عن المفعول للإشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت، والمراد من رؤية العمل عند جمع الاطلاع عليه وعلمه علما جليا، ونسبة ذلك للرسول ﵊ والمؤمنين باعتبار أن الله تعالى لا يخفى ذلك عنهم ويطلعهم عليه إما بالوحي أو بغيره.
وأخرج أحمد وابن أبي الدنيا في الإخلاص عن أبي سعيد عن رسول الله ﷺ قال: «لو أن أحدكم يعمل في صخرة صماء ليس لها باب ولا كوة لأخرج الله تعالى عمله للناس كائنا ما كان»
وتخصيص الرسول ﵊ والمؤمنين بالذكر على هذا لأنهم الذين يعبأ المخاطبون باطلاعهم، وفسر بعضهم المؤمنين بالملائكة الذين يكتبون الأعمال وليس بشيء، ومثله بل أدهى وأمرّ ما زعمه بعض الإمامية أنهم الأئمة الطاهرون ورووا أن الأعمال تعرض عليهم في كل اثنين وخميس بعد أن تعرض على النبي ﷺ .
وجوز بعض المحققين أن يكون العلم هنا كناية عن المجازاة ويكون ذلك خاصا بالدنيوي من إظهار المدح
стр. 2164
والإعزاز مثلا وليس بالرديء، وقيل: يجوز إبقاء الرؤية على ما يتبادر منها، وتعقب بأن فيه التزام القول برؤية المعاني وهو تكلف وإن كان بالنسبة إليه تعالى غير بعيد، وأنت تعلم أن من الأعمال ما يرى عادة كالحركات ولا حاجة فيه إلى حديث الالتزام المذكور على أن ذلك الالتزام في جانب المعطوف لا يخفى ما فيه.
وأخرج ابن أبي شيبة، وغيره عن سلمة بن الأكوع أن رسول الله ﷺ قرأ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
أي فسيظهره وَسَتُرَدُّونَ أي بعد الموت إِلى عالِمِ الْغَيْبِ ومنه ما سترونه من الأعمال وَالشَّهادَةِ ومنها ما تظهرونه، وفي ذكر هذا العنوان من تهويل الأمر وتربية المهابة ما لا يخفى. فَيُنَبِّئُكُمْ بعد الرد الذي هو عبارة عن الأمر الممتد بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قبل ذلك في الدنيا والإنباء مجاز عن المجازاة أو كناية أي يجازيكم حسب ذلك إن خيرا فخير وإن شرا فشر ففي الآية وعد ووعيد. وَآخَرُونَ عطف على آخرون قبله أي ومنهم قوم آخرون غير المعترفين المذكورين مُرْجَوْنَ أي مؤخرون وموقوف أمرهم لِأَمْرِ اللَّهِ أي إلى أن يظهر أمر الله تعالى في شأنهم.
وقرأ أهل المدينة والكوفة غير أبي مُرْجَوْنَ بغير همز والباقون «مرجئون» بالهمز وهما لغتان يقال: أرجأته وأرجيته كأعطيته، ويحتمل أن تكون الياء بدلا من الهمزة كقولهم: قرأت وقريت وتوضأت وتوضيت وهو في كلامهم كثير، وعلى كونه لغة أصلية هو يائي، وقيل: إنه واوي، ومن هذه المادة المرجئة إحدى فرق أهل القبلة وقد جاء فيه الهمز وتركه، وسموا بذلك لتأخيرهم المعصية عن الاعتبار في استحقاق العذاب حيث قالوا: لا عذاب مع الإيمان فلم يبق للمعصية عندهم أثر، وفي المواقف سموا مرجئة لأنهم يرجون العمل عن النية أي يؤخرونه في الرتبة عنها وعن الاعتقاد، أو لأنهم يعطون الرجاء في قولهم: لا يضر مع الإيمان معصية انتهى.
وعلى التفسيرين الأولين يحتمل أن يكون بالهمز وتركه، وأما على الثالث فينبغي أن يقال مرجئة بفتح الراء وتشديد الجيم، والمراد بهؤلاء المرجون كما في الصحيحين هلال بن أمية وكعب بن مالك ومرارة بن الربيع وهو المروي عن ابن عباس وكبار الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وكانوا قد تخلفوا عن رسول الله ﷺ لأمر ما مع الهم باللحاق به ﵊ فلم يتيسر لهم ولم يكن تخلفهم عن نفاق وحاشاهم فقد كانوا من المخلصين فلما قدم النبي ﷺ وكان ما كان من المتخلفين قالوا: لا عذر لنا إلا الخطيئة ولم يعتذروا له ﷺ ولم يفعلوا كما فعل أهل السواري وأمر رسول الله ﷺ باجتنابهم وشدد الأمر عليهم كما ستعلمه إن شاء الله تعالى إلى أن نزل قوله سبحانه:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ [التوبة: ١١٧] إلخ، وقد وقف أمرهم خمسين ليلة لا يدرون ما الله تعالى فاعل بهم إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ في موضع الحال أي منهم هؤلاء إما معذبين وأما متوبا عليهم.
وقيل: خبر آخَرُونَ على أنه مبتدأ ومُرْجَوْنَ صفته، والأول أظهر، وإما للتنويع على معنى أن أمرهم دائر بين هذين الأمرين، وقيل: للترديد بالنظر للفساد والمعنى ليكن أمرهم عندكم بين الرجاء والخوف، والمقصود تفويض ذلك إلى إرادة الله تعالى ومشيئته إذ لا يجب عليه سبحانه تعذيب العاصي ولا مغفرة التائب وإنما شدد عليهم مع إخلاصهم، والجهاد فرض كفاية لما نقل عن ابن بطال في الروض الآنف وارتضاه أن الجهاد كان على الأنصار خاصة فرض عين لأنهم بايعوا النبي ﷺ ، ألا ترى قول راجزهم في الخندق:
نحن الذين بايعوا محمدا ... على الجهاد ما بقينا أبدا
وهؤلاء من أجلّتهم فكان تخلفهم كبيرة، وروي عن الحسن أن هذه الآية في المنافقين وحينئذ لا يراد بالآخرين من ذكرنا لأنهم من علمت بل يراد به آخرون منافقون، وعلى هذا ينبغي أن يكون قول من قال في إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ أي
стр. 2165
إن أصروا على النفاق. وقد علمت أن ذلك خلاف ما في الصحيحين. وحمل النفاق في كلام القائل على ما يشبهه بعيد ودعوى بلا دليل وَاللَّهُ عَلِيمٌ بأحوالهم حَكِيمٌ فيما فعل بهم من الإرجاء وفي قراءة عبد الله «غفور رحيم» وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً عطف على ما سبق أي ومنهم الذين، وجوز أن يكون مبتدأ خبره أَفَمَنْ أَسَّسَ والعائد محذوف للعلم به أي منهم أو الخبر محذوف أي فيمن وصفنا، وأن يكون منصوبا بمقدار كأذم وأعني.
وقرأ نافع وابن عامر بغير واو، وفيه الاحتمالات السابقة إلا العطف، وأن يكون بدلا من «آخرون» على التفسير المرجوح، وقوله سبحانه: ضِراراً مفعول له وكذا ما بعده وقيل: مصدر في موضع الحال أو مفعول ثان لاتخذوا على أنه بمعنى صيروا أو مفعول مطلق لفعل مقدر أي يضارون بذلك المؤمنين ضرارا، والضرار طلب الضرر ومحاولته، أخرج ابن جرير. وغيره عن ابن عباس أن جماعة من الأنصار قال لهم أبو عامر: ابنوا مسجدا واستمدوا ما استطعتم من قوة وسلاح فإني ذاهب إلى قيصر ملك الروم فآتي بجند من الروم فأخرج محمدا ﵊ وأصحابه فلما فرغوا من مسجدهم أتوا النبي ﷺ فقالوا: قد فرغنا من بناء مسجدنا فنحب أن تصلي فيه وتدعو بالبركة فنزلت.
وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال أتى أصحاب مسجد الضرار رسول الله ﷺ وهو يتجهز إلى تبوك فقالوا: يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وإنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال ﷺ : إني على جناح سفر وحال شغل أو كما قال ﵊ ولو قدمنا إن شاء الله تعالى لآتيناكم فصلينا لكم فيه فلما رجع إلى رسول الله ﷺ من سفره ونزل بذي أوان بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار أتاه خبر المسجد فدعا مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي وأخاه عاصم ابن عدي أحد بلعجان فقال: انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم ابن عوف وهم رهط مالك فقال مالك لصاحبه: أنظرني حتى أخرج لك بنار من أهلي فدخل إلى أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلاه وفيه أهله فأحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل وكان البانون له اثني عشر رجلا: خذام بن خالد من بني عبيد بن زيد أحد بني عمرو بن عوف ومن داره أخرج المسجد. وعباد بن حنيف من بني عمرو بن عوف أيضا وثعلبة بن حاطب، ووديعة بن ثابت وهما من بني أمية بن زيد رهط أبي لبابة بن عبد المنذر، ومعتب بن قشير، وأبو حبيبة بن الأزعر، وحارثة بن عامر، وابناه مجمع، وزيد، ونبيل بن الحارث، ونجاد بن عثمان، وبجدح من بني ضبيعة.
وذكر البغوي من حديث ذكره الثعلبي- كما قال العراقي- بدون سند «أن النبي ﷺ أمر بعد حرق المسجد وهدمه أن يتخذ كناسة يلقي فيها الجيف والنتن والقمامة إهانة لأهله لما أنهم اتخذوه ضرارا
وَكُفْراً أي وليكفروا فيه، وقدر بعضهم التقوية أي وتقوية الكفر الذي يضمرونه، وقيل عليه: إن الكفر يصلح علة فما الحاجة إلى التقدير. واعتذر بأنه يحتمل أن يكون ذلك لما أن اتخاذه ليس بكفر بل مقولة لما اشتمل عليه فتأمل وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وهم كما قال السدي أهل قباء فإنهم كانوا يصلون في مسجدهم جميعا فأراد هؤلاء حسدا أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم وَإِرْصاداً أي ترقبا وانتظارا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وهو أبو عامر والد حنظلة غسيل الملائكة رضي الله تعالى عنه، وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوح وتنصر
فلما قدم النبي ﷺ : المدينة قال له أبو عامر: ما هذا الدين الذي جئت به؟ فقال ﷺ : الحنيفية البيضاء دين إبراهيم ﵇ قال: فأنا عليها فقال له ﵊: إنك لست عليها فقال: بلى ولكنك أنت أدخلت فيها ما ليس منها فقال النبي ﷺ : ما فعلت ولكن جئت بها بيضاء نقية فقال أبو عامر: أمات الله تعالى الكاذب منا طريدا وحيدا فأمن النبي ﷺ فسماه الناس أبا عامر الكذاب وسماه النبي ﷺ الفاسق فلما كان يوم أحد قال للنبي ﷺ : لا أجد قوما يقاتلونك
стр. 2166
إلا قاتلتك معهم فلم يزل كذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازن يومئذ ولى هاربا إلى الشام وأرسل إلى المنافقين يحثهم على بناء مسجد كما ذكرنا آنفا عن الحبر فبنوه وبقوا منتظرين قدومه ليصلي فيه ويظهر على رسول الله ﷺ فهدم كما مر ومات أبو عامر وحيدا بقنسرين وبقي ما أضمروه حسرة في قلوبهم.
مِنْ قَبْلُ متعلق بحارب أي حارب الله ورسوله ﵊ قبل هذا الاتخاذ أو متعلق باتخذوا أي اتخذوه من قبل أن ينافقوا بالتخلف حيث كانوا بنوه قبل غزوة تبوك كما سمعت، والمراد المبالغة في الذم وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا أي ما أردنا ببناء هذا المسجد إِلَّا الْحُسْنى أي إلا الخصلة الحسنى وهي الصلاة وذكر الله تعالى والتوسعة على المصلين، فالحسنى تأنيث الأحسن وهو في الأصل صفة الخصلة وقد وقع مفعولا به لأردنا، وجوز أن يكون قائما مقام مصدر محذوف أي الإرادة الحسنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما حلفوا عليه لا تَقُمْ أي للصلاة فِيهِ أي في ذلك المسجد أَبَداً وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما تفسير لا تَقُمْ بلا تصل على أن القيام مجاز عن الصلاة كما في قولهم: فلان يقوم الليل،
وفي الحديث «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له»
لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ أي بني أساسه عَلَى التَّقْوى أي تقوى الله تعالى وطاعته، وعَلَى على ما يتبادر منها، ولا يخفى ما في جعل التقوى وهي- هي- أساسا من المبالغة، وقيل: إنها بمعنى مع، وقيل: للتعليل لاعتباره فيما تقدم من الاتخاذ، واللام إما للابتداء أو للقسم أي والله لمسجد. وعلى التقديرين فمسجد مبتدأ والجملة بعده صفته، وقوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ متعلق بأسس ومِنْ لابتداء الزمان على ما هو الظاهر، وفي ذلك دليل للكوفيين في أنها تكون للابتداء مطلقا ولا تتقيد بالمكان، وخالف في ذلك البصريون ومنعوا دخولها على الزمان وخصوه بمذ ومنذ وتأولوا الآية بأنها على حذف مضاف أي من تأسيس أول يوم. وتعقبه الزجاج وتبعه أبو البقاء بأن ذلك ضعيف لأن التأسيس المقدر ليس بمكان حتى تكون- من- لابتداء الغاية فيه. وأجيب بأن مرادهم من التأويل الفرار من كونها لابتداء الغاية في الزمان وقد حصل بذلك التقدير، وليس في كلامهم ما يدل على أنها لا تكون لابتداء الغاية إلا في المكان، وقال الرضي: لا أرى في الآية ونظائرها معنى الابتداء إذ المقصود منه أن يكون الفعل شيئا ممتدا كالسير والمشي ومجرور- من- منه الابتداء نحو سرت من البصرة أو يكون أصلا لشيء ممتد نحو خرجت من الدار إذ الخروج ليس ممتدا وليس التأسيس ممتدا ولا أصلا لممتد بل هما حدثان واقعان فيما بعد مِنْ وهذا معنى في، ومِنْ في الظروف كثيرا ما تقع بمعنى في انتهى. وفي كون التأسيس ليس أصلا لممتد منع ظاهر. نعم ذهب إلى احتمال الظرفية العلامة الثاني وله وجه وحينئذ يبطل الاستدلال ولا يكون في الآية شاهد للكوفيين، والحق أن كثيرا من الآيات، وكلام العرب يشهد لهم والتزام تأويل كل ذلك تكلف لا داعي إليه، وقوله تعالى: أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ خبر المبتدأ وأَحَقُّ أفعل تفضيل والمفضل عليه كل مسجد أو مسجد الضرار على الفرض والتقدير أو هو على زعمهم، وقيل: إنه بمعنى حقيق أي حقيق ذلك المسجد بأن تصلي فيه، واختلف في المراد منه. فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك أنه مسجد قباء وقد جاءت أخبار في فضل الصلاة فيه.
فأخرج ابن أبي شيبة والترمذي.
والحاكم وصححه وابن ماجة عن أسيد بن ظهير عن النبي ﷺ أنه قال: «صلاة في مسجد قباء كعمرة»
قال الترمذي:
لا نعرف لأسيد هذا شيئا يصح غير هذا الحديث، وفي معناه ما
أخرجه أحمد والنسائي عن سهل بن حنيف. وأخرج ابن سعد عن ظهير بن رافع الحارثي عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «من صلى في مسجد قباء يوم الاثنين والخميس انقلب بأجر عمرة»
وذهب جماعة إلى أنه مسجد المدينة مسجد رسول الله ﷺ ، واستدلوا بما
أخرجه مسلم، والترمذي، وابن جرير، والنسائي وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: اختلف رجلان في المسجد الذي أسس
стр. 2167
على التقوى. فقال أحدهما: هو مسجد قباء، وقال الآخر: هو مسجد رسول الله ﷺ فأتيا رسول الله ﷺ فسألاه عن ذلك فقال: هو هذا المسجد لمسجده ﷺ وقال: في ذلك خير كثير
يعني مسجد قباء.
وجاء في عدة روايات أنه ﵊ سئل عن ذلك فقال: هو مسجدي هذا،
وأيد القول الأول بأنه الأوفق بالسباق واللحاق وبأنه بني قبل مسجد المدينة، وجمع الشريف السمهودي بين الأخبار وسبقه إلى ذلك السهيلي وقال: كل من المسجدين مراد لأن كلا منهما أسس على التقوى من أول يوم تأسيسه، والسر في إجابته ﷺ السؤال عن ذلك بما في الحديث دفع ما توهمه السائل من اختصاص ذلك بمسجد قباء والتنويه بمزية هذا على ذلك، ولا يخفى بعد هذا الجمع فإن ظاهر الحديث الذي أخرجه الجماعة عن أبي سعيد الخدري بمراحل عنه، ولهذا اختار بعض المحققين القول الثاني وأيده بأن مسجد النبي ﷺ أحق بالوصف بالتأسيس على التقوى من أول يوم وبأن التعبير بالقيام عن الصلاة في قوله سبحانه: أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ يستدعي المداومة، ويعضده توكيد النهي بقوله تعالى: أَبَداً ومداومة الرسول ﵊ لم توجد إلا في مسجده الشريف ﵊.
وأما ما رواه الترمذي وأبو داود عن أبي هريرة من أن قوله جل وعلا: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا نزلت في أهل قباء وكانوا يستنجون بالماء فهو لا يعارض نص رسول الله ﷺ . وأما ما
رواه ابن ماجه عن أبي أيوب، وجابر، وأنس من أن هذه الآية لما نزلت قال رسول الله ﷺ : «يا معشر الأنصار إن الله تعالى قد أثنى عليكم خيرا في الطهور فما طهوركم هذا؟ قالوا: نتوضأ للصلاة ونغتسل من الجنابة قال: فهل مع ذلك غير؟ قالوا: لا غير إن أحدنا إذا خرج إلى الغائط أحب أن يستنجي بالماء. قال ﵊: هو ذاك فعليكموه»
فلا يدل على اختصاص أهل قباء ولا ينافي الحمل على أهل مسجده ﷺ من الأنصار، وأنا أقول: قد كثرت الأخبار في نزول هذه الآية في أهل قباء.
فقد أخرج أحمد، وابن خزيمة، والطبراني، وابن مردويه. والحاكم عن عويم بن ساعدة الأنصاري أن النبي ﷺ أتاهم في مسجد قباء فقال: «إن الله تعالى قد أحسن عليكم الثناء في الطهور في قصة مسجدكم فما هذا الطهور الذي تطهرون به؟ فذكروا أنهم كانوا يغسلون أدبارهم من الغائط» .
وأخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والبخاري في تاريخه، والبغوي في معجمه وابن جرير والطبراني عن محمد بن عبد الله بن سلام عن أبيه نحو ذلك،
وأخرج عبد الرزاق والطبراني عن أبي أمامة قال: «قال رسول الله ﷺ لأهل قباء: ما هذا الطهور الذي خصصتم به في هذه الآية فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا؟ قالوا: يا رسول الله ما منا أحد يخرج من الغائط إلا غسل مقعدته» .
وأخرج عبد الرزاق وابن مردويه عن عبد الله بن الحارث بن نوفل نحوه
إلى غير ذلك، وروي القول بنزولها في أهل قباء عن جماعة من الصحابة وغيرهم كابن عمر، وسهل الأنصاري، وعطاء، وغيرهم وأما الأخبار الدالة على كون المراد بالمسجد المذكور في الآية مسجد رسول الله ﷺ فكثيرة أيضا وكذا الذاهبون إلى ذلك كثيرون أيضا، والجمع فيما أرى بين الأخبار والأقوال متعذر، وليس عندي أحسن من التنقير عن حال تلك الروايات صحة وضعفا فمتى ظهر قوة إحداهما على الأخرى عول على الأقوى. وظاهر كلام البعض يشعر بأن الأقوى رواية ما يدل على أن المراد من المسجد مسجد الرسول ﵊، ومعنى تأسيسه على التقوى من أول يوم أن تأسيسه على ذلك كان مبتدأ من أول يوم من أيام وجوده لا حادثا بعده ولا يمكن أن يراد من أول الأيام مطلقا ضرورة. نعم قال الذاهبون إلى أن المراد بالمسجد مسجد قباء: إن المراد من أول أيام الهجرة ودخول المدينة.
قال السهيلي: ويستفاد من الآية صحة ما اتفق عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين مع عمر رضي الله
стр. 2168
تعالى عنه حين شاورهم في التاريخ فاتفق رأيهم على أن يكون من عام الهجرة لأنه الوقت الذي أعز الله فيه الإسلام والحين الذي أمن فيه النبي ﷺ ، وبنيت المساجد وعبد الله تعالى كما يجب فوافق رأيهم هذا ظاهر التنزيل، وفهمنا الآن بنقلهم أن قوله تعالى: مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أن ذلك اليوم هو أول أيام التاريخ الذي نؤرخ به الآن، فإن كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم أخذوه من هذه الآية فهو الظن بهم لأنهم أعلم الناس بتأويل كتاب الله تعالى وأفهمهم بما فيه من الإشارات، وإن كان ذلك عن رأي واجتهاد فقد علمه تعالى وأشار إلى صحته قبل أن يفعل إذ لا يعقل قول القائل فعلته أول يوم إلا بالإضافة إلى عام معلوم أو شهر معلوم أو تاريخ كذلك وليس هاهنا إضافة في المعنى إلا إلى هذا التاريخ المعلوم لعدم القرائن الدالة على غيره من قرينة لفظ أو حال فتدبره ففيه معتبر لمن اذكر وعلم لمن رأى بعين فؤاده واستبصر انتهى. ولا يخفى على المطلع على التاريخ أن ما وقع كان عن اجتهاد وأن قوله: وليس هاهنا إضافة إلخ محل نظر، ويستفاد من الآية أيضا على ما قيل النهي عن الصلاة في مساجد بنيت مباهاة أو رياء أو سمعة أو لغرض سوى ابتغاء وجه الله تعالى، وألحق بذلك كل مسجد بني بمال غير طيب.
وروي عن شقيق ما يؤيد ذلك. وروي عن عطاء لما فتح الله الأمصار على عمر رضي الله تعالى عنه أمر المسلمين أن يبنوا المساجد وأن لا يتخذوا في مدينة مسجدين يضار أحدهما صاحبه، ومن حمل التطهير فيها على ما نطقت به الأخبار السابقة قال: يستفاد منها سنية الاستنجاء بالماء، وجاء من حديث البزار تفسيره بالجمع بين الماء والحجر وهو أفضل من الاقتصار على أحدهما، وفسره بعضهم بالتخلص عن المعاصي والخصال المذمومة وهو معنى مجازي له، وإذا فسر بما يشمل التطهير من الحدث الأكبر والخبث والتنزه من المعاصي ونحوها كان فيه من المدح ما فيه، وجوز في جملة فِيهِ رِجالٌ ثلاثة أوجه أن تكون مستأنفة مبينة لأحقية القيام في ذلك المسجد من جهة الحال بعد بيان الأحقية من جهة المحل، وأن تكون صفة للمبتدأ جاءت بعد خبره، وأن تكون حالا من الضمير في فِيهِ وعلى كل حال ففيها تحقيق وتقرير لاستحقاق القيام فيه، وقرىء «أن يطهروا» بالإدغام.
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ أي يرضى عنهم ويكرمهم ويعظّم ثوابهم وهو المراد بمحبة الله تعالى عند الأشاعرة وأشياعهم وذكروا أن المحبة الحقيقية لا يوصف بها سبحانه، وحمل بعضهم التعبير بها هنا على المشاكلة، والمراد من المطهرين إما أولئك الرجال أو الجنس ويدخلون فيه أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ أي مبنيه فهو مصدر كالغفران واستعمل بمعنى المفعول، وعن أبي علي أن البنيان جمع واحده بنيانة ولعل مراده أنه اسم جنس جمعي واحده ما ذكر وإلا فليس بشيء، والتأسيس وضع الأساس وهو أصل البناء وأوله، ويستعمل بمعنى الإحكام وبه فسره بعضهم هنا، واختار آخرون التفسير الأول لتعديه بعلى في قوله سبحانه: عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٍ فإن المتبادر تعلقه به، وجوز تعلقه بمحذوف وقع حالا من الضمير المستكن في أسس وهو خلاف الظاهر كما لا يخفى، والمراد من الرضوان طلبه بالطاعة مجازا وإن شئت قدرت المضاف ليكون المتعاطفان من أعمال العبد، والهمزة للإنكار، والفاء للعطف على مقدر كما قالوا في نظائره أي أبعد ما علم حالهم فمن أسس بنيانه على تقوى وخوف من الله تعالى وطلب مرضاته بالطاعة خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ أي طرفه، ومنه أشفى على الهلاك أي صار على شفاء وشفي المريض لأنه صار على شفا البرء والسلامة ويثنى على شفوان والجرف بضمتين البئر التي لم تطو، وقيل:
هو الهوة وما يجرفه السيل من الأودية لجرف الماء له أي أكله وإذهابه. وقرأ أبو بكر وابن عامر وحمزة «جرف» بالتخفيف وهو لغة فيه هارٍ أي متصدع مشرف على السقوط وقيل ساقط، وهو نعت لجرف وأصله هاور أو هاير فهو مقلوب ووزنه فالع، وقيل: إنه حذفت عينه اعتباطا فوزنه فال، والإعراب على رائه كباب، وقيل: إنه لا قلب فيه ولا
стр. 2169
حذف وأصله هور أو هير على وزن فعل بكسر العين ككتف فلما تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله قلب ألفا، والظاهر أنه وضع شفا الجرف في مقابلة التقوى فيما سبق، وفيه استعارة تصريحية تحقيقية حيث شبه الباطل والنفاق بشفا جرف هار في قلة الثبات ثم استعير لذلك والقرينة المقابلة، وقوله تعالى: فَانْهارَ بِهِ فِي نارِ جَهَنَّمَ ترشيح، وباؤه إما للتعدية أو للمصاحبة، ووضع في مقابلة الرضوان تنبيها على أن تأسيس ذلك على أمر يحفظه مما يخاف ويوصله إلى ما أدنى مقتضياته الجنة، وتأسيس هذا على ما هو بصدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم المصير إليها لا محالة، والاستعارة فيما تقدم مكنية حيث شبهت فيه التقوى بقواعد البناء تشبيها مضمرا في النفس ودل عليه ما هو من روادفه ولوازمه وهو التأسيس والبنيان، واختار غير واحد أن معنى الآية أفمن أسس بنيان دينه على قاعدة محكمة هي التقوى وطلب الرضا بالطاعة خير أم من أسس على قاعدة هي أضعف القواعد وأرخاها فأدى به ذلك لخوره وقلة استمساكه إلى السقوط في النار، وإنما اختير ذلك على ما قيل لما أنه أنسب بتوصيف أهل مسجد الضرار بمضارة المسلمين والكفر والتفريق والإرصاد وتوصيف أهل مسجد التقوى بأنهم يحبون أن يتطهروا بناء على أن المراد التطهير عن المعاصي والخصال المذمومة لأنه المقتضي بزعم البعض لمحبة الله تعالى لا التطهير المذكور في الأخبار، وأمر الاستعارة على هذا التوجيه على طرز ما تقدم في التوجيه الأول، وجوز أن يكون في الجملة الأولى تمثيل لحال من أخلص لله تعالى وعمل الأعمال الصالحة بحال من بنى بناء محكما يستوطنه ويتحصن به، وأن يكون البنيان استعارة أصلية والتأسيس ترشيحا أو تبعية وكذا جوز التمثيل في الجملة الثانية وإجراء ذلك فيها ظاهر بعد اعتبار إجرائه في مقابلة، وفاعل «أنهار» إما ضمير البنيان وضمير بِهِ للمؤسس وإما للشفا وضمير- به- للبنيان وإليه يميل ظاهر التفسير المار آنفا.
وظاهر الأخبار أن ذلك المسجد إذا وقع في النار فقد أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة أنه قال في الآية: والله ما تناهى أن وقع في النار. وذكر لنا أنه حفرت فيه بقعة فرئي منه الدخان.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج مثله. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي أنه قال فيها: مضى حين خسف به إلى النار. وعن سفيان بن عيينة يقال: إنه بقعة من نار جهنم. وأنت تعلم أني والحمد لله تعالى مؤمن بقدرته سبحانه على أتم وجه وأنه ﷻ فعال لما يريد لكني لا أؤمن بمثل هذه الظواهر ما لم يرد فيها خبر صحيح عن رسول الله ﷺ .
وقرأ نافع وابن عامر «أسّس» بالبناء للمفعول في الموضعين، وقرىء «أساس بنيانه وأس بنيانه» على الإضافة ونسب ذلك إلى علي بن نصر «وأسّس» بفتحات ونسبت إلى عاصم «وإساس» بالكسر، قيل: وثلاثتها جمع أس وفيه نظر، ففي الصحاح الأس أصل البناء وكذلك الأساس والأسس مقصور منه وجمع الأس مثل أساس عس وعساس وجمع الأساس أسس مثل قذال وقذل وجمع الأسس أساس مثل سبب وأسباب انتهى. وجوز في أسس أن يكون مصدرا. وقرأ عيسى بن عمرو «وتقوى» بالتنوين، وخرج ذلك ابن جني على أن الألف للإلحاق كما في أرطى ألحق بجعفر لا للتأنيث كألف تترى في رأى والألم يجوز تنوينه. وقرأ ابن مسعود «فانهار به قواعده في نار جهنم» وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ أي لأنفسهم أو الواضعين للأشياء في غير مواضعها أي لا يرشدهم إلى ما فيه صلاحهم إرشادا موجبا له لا محالة.
لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا أي بناؤهم الذي بنوه، فالبنيان مصدر أريد به المفعول كما مر، ووصفه بالمفرد مما يرد على مدعي الجمعية وكذا الإخبار عنه بقوله سبحانه: رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ واحتمال تقدير مضاف وجعل الصفة وكذا الخبر له خلاف الظاهر. نعم قيل: الإخبار بريبة لا دليل فيه على عدم الجمعية لأنه يقال: الحيطان منهدمة
стр. 2170
والجبال راسية وجوز بعضهم كون البنيان باقيا على المصدرية والَّذِي مفعوله، والريبة اسم من الريب بمعنى الشك وبذلك فسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والمراد به شكهم في نبوته ﷺ المضمر في قلوبهم وهو عين النفاق، وجعل بنيانهم نفس الريبة للمبالغة في كونه سببا لها. قال الإمام: وفي ذلك وجوه.
أحدها: أن المنافقين عظم فرحهم ببنيانه فلما أمر بتخريبه ثقل عليهم وازداد غيظهم وارتيابهم في نبوته ﷺ .
وثانيها: أنه لما أمر بتخريبه ظنوا أن ذلك للحسد فارتفع أمانهم عنه ﷺ وعظم خوفهم فارتابوا في أنهم هل يتركون على حالهم أو يؤمر بقتلهم ونهب أموالهم. وثالثها: أنهم اعتقدوا أنهم كانوا محسنين في البناء فلما أمر بتخريبه بقوا شاكين مرتابين في أنه لأي سبب أمر ذلك والصحيح هو الأول. ويمكن كما قال العلامة الطيبي أن يرجح الثاني بأن تحمل الريبة على أصل موضوعها ويراد منها قلق النفس واضطرابها.
وحاصل المعنى لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا سببا للقلق والاضطراب والوجل في القلوب ووصف بنيانهم بما وصف للإيذان بكيفية بنائهم له وتأسيسه على ما عليه تأسيسه مما علمت وللإشعار بعلة الحكم، وقيل: وصف بذلك للدلالة على أن المراد بالبنيان ما هو المبنى حقيقة لا ما دبروه من الأمور فإن البناء قد يطلق على تدبير الأمر وتقديره كما في قولهم كم أبني وتهدم وعليه قوله:
متى يبلغ البنيان يوما تمامه ... إذا كنت تبنيه وغيرك يهدم
وحاصله أن الوصف للتأكيد وفائدته دفع المجاز، وهذا نظير ما قالوا في قوله سبحانه: وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً [النساء: ١٦٤] وفيه بحث.
والاستثناء في قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ من أعم الأوقات أو أعم الأحوال وما بعد إلا في محل النصب على الظرفية أي لا يزال بنيانهم ريبة في كل وقت إلا وقت تقطع قلوبهم أو في كل حال إلا حال تقطعها أي تفرقها وخروجها عن قابلية الإدراك وهذا كناية عن تمكن الريبة في قلوبهم التي هي محل الإدراك وإضمار الشرك بحيث لا يزول منها ما داموا أحياء إلا إذا تقطعت وفرقت وحينئذ تخرج منها الريبة وتزول، وهو خارج مخرج التصوير والفرض، وقيل: المراد بالتقطع ما هو كائن بالموت من تفرق أجزاء البدن حقيقة وروي ذلك عن بعض السلف. وأخرج ابن المنذر وغيره عن أيوب قال: كان عكرمة يقرأ «إلا أن تقطع قلوبهم في القبور» وقيل: المراد إلا أن يتوبوا ويندموا ندامة عظيمة تفتت قلوبهم وأكبادهم فالتقطع كناية أو مجاز عن شدة الأسف. وروي ذلك عن ابن أبي حاتم عن سفيان، وتقطع من التفعل بإحدى التاءين والبناء للفاعل أي تتقطع. وقرىء «تقطّع» على بناء المجهول من التفعيل وعلى البناء للفاعل منه على أن الخطاب للرسول ﷺ أي إلا أن تقطع أنت قلوبهم بالقتل، وقرىء على البناء للمفعول من الثلاثي مذكرا ومؤنثا.
وقرأ الحسن «إلى أن تقطع» على الخطاب، وفي قراءة عبد الله «ولو قطعت قلوبهم» على إسناد الفعل مجهولا إلى قلوبهم. وعن طلحة ولو قطعت قلوبهم على خطاب رسول الله ﵊، ويصح أن يعني بالخطاب كل مخاطب، وكذا يصح أن يجعل ضمير تقطع مع نصب قلوبهم للريبة وَاللَّهُ عَلِيمٌ بجميع الأشياء التي من جملتها ما ذكر من أحوالهم حَكِيمٌ وفي جميع أفعاله التي من جملتها أمره سبحانه الوارد في حقهم. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ إشارة إلى وصف المغرورين الذين ما ذاقوا طعم المحبة ولا هب عليهم نسيم العرفان، ومن هنا صححوا لأنفسهم أفعالا فقالوا: لنصدقن فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ أي إنهم نقضوا العهد لما ظهر لهم ما سألوه، والبخل كما قال أبو حفص: ترك
стр. 2171
الإيثار عند الحاجة إليه أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وهو ما لا يعلمونه من أنفسهم وَنَجْواهُمْ أي ما يعلمونه منها دون الناس، وقيل: السر ما لا يطلع عليه إلا عالم الأسرار والنجوى ما يطلع عليه الحفظة وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا أرادوا التثبيط على المؤمنين ببيان بعض شدائد الغزو وما دروا أن المحب يستعذب المر في طلب وصال محبوبه ويرى الحزن سهلا والشدائد لذائذ في ذلك، ولا خير فيمن عاقه الحر والبرد، ورد عليهم بأنهم آثروا بمخالفتهم النار التي هي أشد حرا ويشبه هؤلاء المنافقين في هذا التثبيط أهل البطالة الذين يثبطون السالكين عن السلوك ببيان شدائد السلوك وفوات اللذائذ الدنيوية لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فأفنوا كل ذلك في طلب مولاهم ﷻ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ المشاهدات والمكاشفات والقربات وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالبغية.
لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ أي الذين أضعفهم حمل المحبة وَلا عَلَى الْمَرْضى بداء الصبابة حتى ذابت أجسامهم بحرارة الفكر وشدائد الرياضة وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ وهم المتجردون من الأكوان حَرَجٌ إثم في التخلف عن الجهاد الأصغر إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بأن أرشدوا الخلق إلى الحق وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً غرامة وخسرانا، قيل: كل من يرى الملك لنفسه يكون ما ينفق غرامة عنده وكل من يرى الأشياء لله تعالى وهي عارية عنده يكون ما ينفق غنما عنده وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ أي الذين سبقوا إلى الوحدة من أهل الصنف الأول مِنَ الْمُهاجِرِينَ وهم الذين هجروا مواطن النفس وَالْأَنْصارِ وهم الذين نصروا القلب بالعلوم الحقيقية على النفس وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ في الاتصاف بصفات الحق بِإِحْسانٍ أي بمشاهدة من مشاهدات الجمال والجلال ﵃ بما أعطاهم من عنايته وتوفيقه وَرَضُوا عَنْهُ بقبول ما أمر به سبحانه وبذل أموالهم ومهجهم في سبيله عز شأنه وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ من جنات الأفعال والصفات تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ وهي أنهار علوم التوكل والرضا ونحوهما ووراء هذه الجنات المشتركة بين المتعاطفات جنة الذات وهي مختصة بالسابقين وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وهم الذين لم ترسخ فيهم ملكة الذنب وبقي منهم فيهم نور الاستعداد ولهذا لانت شكيمتهم واعترفوا بذنوبهم ورأوا قبحها وأما من رسخت فيه ملكة الذنب واستولت عليه الظلمة فلا يرى ما يفعل من القبائح إلا حسنا خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً حيث كانوا في رتبة النفس اللوامة التي لم يصر اتصالها بالقلب وتنورها بنوره ملكة لها ولهذا تنقاد له تارة وتعمل أعمالا صالحة وذلك إذا استولى القلب عليها وتنفر عنه أخرى وتفعل أفعالا سيئة إذا احتجبت عنه بظلمتها وهي دائما بين هذا وذاك حتى يقوى اتصالها بالقلب ويصير ذلك ملكة لها وحينئذ يصلح أمرها وتنجو من المخالفات، ولعل قوله سبحانه: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إشارة إلى ذلك وقد تتراكم عليها الهيئات المظلمة فترجع القهقرى ويزول استعدادها وتحجب عن أنوار القلب وتهوي إلى سجين الطبيعة فتهلك مع الهالكين، وترجح أحد الجانبين على الآخر يكون بالصحبة فإن أدركها التوفيق صحبت الصالحين فتحلت بأخلاقهم وعملت أعمالهم فكانت منهم، وإن لحقها الخذلان صحبت المفسدين واختلطت بهم فتدنست بخلالهم وفعلت أفاعيلهم فصارت من الخاسرين أعاذنا الله تعالى من ذلك، ولله در من قال:
عليك بأرباب الصدور فمن غدا ... مضافا لأرباب الصدور تصدرا
وإياك أن ترضى صحابة ناقص ... فتنحط قدرا عن علاك وتحقرا
فرفع أبو من ثم خفض مزمل ... يبين قولي مغريا ومحذرا
وقد يكون ترجح جانب الاتصال بأسباب أخر كما يشير إليه قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً
стр. 2172
تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها لأن المادة مادة الشهوات فأمر النبي ﷺ بالأخذ من ذلك ليكون أول حالهم التجرد لتنكسر قوى النفس وتضعف أهواؤها وصفاتها فتتزكى من الهيئات المظلمة وتتطهر من خبث الذنوب ورجس دواعي الشيطان وَصَلِّ عَلَيْهِمْ بإمداد الهمة وإفاضة أنوار الصحبة إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ أي سبب لنزول السكينة فيهم، وفسروا السكينة بنور يستقر في القلب وبه يثبت على التوجه إلى الحق ويتخلص عن الطيش لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ لأن النفس تتأثر فيه بصفاء الوقت وطيب الحال وذوق الوجدان بخلاف ما إذا كان مبنيا على ضد ذلك فإنها تتأثر فيه بالكدورة والتفرقة والقبض.
وأصل ذلك أن عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره فيلزم أن يكون لنيات النفوس وهيئاتها تأثير فيما تباشره من الأعمال، ألا ترى الكعبة كيف شرفت وعظمت وجعلت محلا للتبرك لما أنها كانت مبنية بيد خليل الله تعالى ﵊ بنية صادقة ونفس شريفة، ونحن نجد أيضا أثر الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع وضد ذلك في بعضها، ولست أعني إلا وجود ذوي النفوس الحساسة الصافية لذلك وإلا فالنفوس الخبيثة تجد الأمر على عكس ما تجده أرباب تلك النفوس، والصفراوي يجد السكر مرا، والجعل يستخبث رائحة الورد: ومن هنا كان المنافق في المسجد كالسمك في اليبس والمخلص فيه كالسمكة في الماء فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا أي أهل إرادة وسعي في التطهر عن الذنوب، وهو إشارة إلى أن صحبة الصالحين لها أثر عظيم، ويتحصل من هذا وما قبله الإشارة إلى أنه ينبغي رعاية المكان والإخوان في حصول الجمعية، وجاء عن القوم أنه يجب مراعاة ذلك مع مراعاة الزمان في حصول ما ذكر وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ولولا محبته إياهم لما أحبوا ذلك. وعن سهل: الطهارة على ثلاثة أوجه: طهارة العلم من الجهل، وطهارة الذكر من النسيان، وطهارة الطاعة من المعصية. وقال بعضهم: الطهارة على أقسام كثيرة: فطهارة الأسرار من الخطرات، وطهارة الأرواح من الغفلات، وطهارة القلوب من الشهوات وطهارة العقول من الجهالات، وطهارة النفوس من الكفريات، وطهارة الأبدان من الزلات. وقال آخر: الطهارة الكاملة طهارة الأسرار من دنس الأغيار والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.
стр. 2173
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ إلخ ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان حال المتخلفين عنه، ولا ترى كما نقل الشهاب ترغيبا في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد عاقده رب العزة ﷻ ، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل كونهم قاتلين أيضا لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه، وجعله مسجلا في الكتب السماوية وناهيك به من صك، وجعل وعده حقا ولا أحد أوفى من واعده فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار
стр. 2174
إلى ما فيه من الرحب والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلة.
صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله تعالى لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله سبحانه: يُقاتِلُونَ إلخ بيانا لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة
بقوله ﷺ : «الجنة تحت ظلال السيوف»
ثم أمضاه جل شأنه بقوله ذلك الفوز العظيم، ومن هنا أعظم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أمر هذه الآية.
فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو في المسجد إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى إلخ فكثر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانيا طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ قال: نعم. فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل.
ومن الناس من قرر وجه المبالغة بأنه سبحانه عبر عن قبوله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين وأموالهم والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يعكس بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن المقصد بالعقد هو الجنة وما بذله المؤمنون في مقابلتها وسيلة إليها بكمال العناية بهم وبأموالهم ثم إنه تعالى لم يقل بالجنة بل قال عز شأنه: بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم كأنه قيل: بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم، ومن هنا يعلم أن هذه القراءة أبلغ من قراءة الأعمش ونسبت أيضا إلى عبد الله رضي الله تعالى عنه بالجنة على أنها أوفق بسبب النزول.
فقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره أنهم قالوا: «قال عبد الله بن رواحة لرسول الله ﷺ : اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا: فما لنا؟ قال: الجنة قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت إن الله اشترى الآية» .
وقيل: عبر بذلك مدحا للمؤمنين بأنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم بمجرد الوعد لكمال ثقتهم بوعده تعالى مع أن تمام الاستعارة موقوف على ذلك إذ لو قيل بالجنة لاحتمل كون الشراء على حقيقته لأنها صالحة للعوضية بخلاف الوعد بها، واعترض بأن مناط دلالة ما عليه النظم الجليل على الوعد ليس كونه جملة ظرفية مصدرة بأن فإن ذلك بمعزل من الدلالة على الاستقبال بل هو الجنة التي يستحيل وجودها في عالم الدنيا ولو سلم ذلك بكون العوض الجنة الموعود بها لأنفس الوعد بها، على أن حديث احتمال كون الشراء حقيقة لو قيل بالجنة لا يخلو عن نظر كما قيل لأن حقيقة الشراء مما لا يصح منه تعالى لأنه جل شأنه مالك الكل والشراء إنما يكون ممن لا يملك، ولهذا قال الفقهاء:
طلب الشراء يبطل دعوى الملكية، نعم قد لا يبطل في بعض الصور كما إذا اشترى الأب دارا لطفله من نفسه فكبر الطفل ولم يعلم ثم باعها الأب وسلمها للمشتري ثم طلب الابن شراءها منه ثم علم بما صنع أبوه فادعى الدار فإنه تقبل دعواه ولا يبطلها ذلك الطلب كما يقتضيه كلام الأستروشني لكن هذا لا يضرنا فيما نحن فيه، ومن المحققين من وجه دلالة ما في النظم الكريم على الوعد بأنه يقتضي بصريحه عدم التسليم وهو عين الوعد لأنك إذا قلت: اشتريت منك كذا بكذا احتمل النقد بخلاف ما إذا قلت: بأن لك كذا فإنه في معنى لك على كذا وفي ذمتي، واللام هنا ليست للملك إذ لا يناسب شراء ملكه بملكه كالممهورة إحدى خدمتيها فهي للاستحقاق وفيه إشعار بعدم القبض، وأما كون تمام الاستعارة موقوفا على ذلك فله وجه أيضا حيث كان المراد بالاستعارة الاستعارة التمثيلية إذ لولاه لصح جعل الشراء مجازا عن الاستبدال مثلا وهو مما لا ينبغي الالتفات إليه مع تأتّي التمثيل المشتمل من البلاغة واللطائف على ما لا يخفى، لكن أنت خبير بأن الكلام بعد لا يخلو عن بحث، ومما أشرنا إليه من فضيلة التمثيل يعلم انحطاط
стр. 2175
القول باعتبار الاستعارة أو المجاز المرسل في اشْتَرى وحده كما ذهب إليه البعض، وقوله تعالى: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قيل بيان لمكان التسليم كما أشير إليه فيما تقدم، وذلك لأن البيع سلم كما قال الطيبي، وغيره، وقيل:
بيان لما لأجله الشراء كأنه لما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى إلخ، قيل: لماذا فعل ذلك؟ فقيل: ليقاتلوا في سبيله تعالى وقيل: بيان للبيع الذي يستدعيه الاشتراء المذكور كأنه قيل: كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة، فقيل:
يقاتلون في سبيله عز شأنه وذلك بذل منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهته تعالى وتعريض لهما للهلاك، وقيل: بيان لنفس الاشتراء وقيل: ذكر لبعض ما شمله الكلام السابق اهتماما به على أن معنى ذلك أنه تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم بصرفها في العمل الصالح وأموالهم ببذلها فيما يرضيه وهو في جميع ذلك خبر لفظا ومعنى ولا محل له من الإعراب، وقيل: إنه في معنى الأمر كقوله سبحانه: تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [الصف: ١١] ووجه ذلك بأنه أتى بالمضارع بعد الماضي لإفادة الاستمرار كأنه قيل: اشتريت منكم أنفسكم في الأزل وأعطيت ثمنها الجنة فسلموا المبيع واستمروا على القتال، ولا يخفى ما في بعض هذه الأقوال من النظر. وانظر هل ثم مانع من جعل الجملة في موضع الحال كأنه قيل: اشترى منهم ذلك حال كونهم مقاتلين في سبيله فإني لم أقف على من صرح بذلك مع أنه أوفق الأوجه بالاستعارة التمثيلية تأمل.
وقوله سبحانه: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ بيان لكون القتال في سبيل الله تعالى بذلا للنفس وأن المقاتل في سبيله تعالى باذل لها وإن كانت سالمة غانمة، فإن الإسناد في الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما ولا اشتراط الاتصاف بأحدهما البتة بل بطريق وصف الكل بحال البعض، فإنه يتحقق القتال من الكل سواء وجد الفعلان أو أحدهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم يصدر منهم أحدهما أيضا كما إذا وجد المضاربة ولم يوجد القتل في أحد الجانبين، ويفهم كلام بعضهم أنه يتحقق الجهاد بمجرد العزيمة والنفير وتكثير السواد وإن لم توجد مضاربة وليس بالبعيد لما أن في ذلك تعريض النفس للهلاك أيضا، والظاهر أن أجور المجاهدين مختلفة قلة وكثرة وإن كان هناك قدر مشترك بينهم.
ففي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : «ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة ألا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم» . وفي رواية أخرى «ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تحنق وتصاب إلا أتم أجورهم» .
وزعم بعضهم أنهم في الأجر سواء ولا ينقص أجرهم بالغنيمة، واستدلوا عليه بما في الصحيحين من أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة، وبأن أهل بدر غنموا وهم- هم- ويرد عليه أن خبر الصحيحين مطلق وخبر مسلم مقيد فيجب حمله عليه، وبأنه لم يجىء نص في أهل بدر أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم هم- هم- لا يلزم منه أن لا يكون وراء مرتبتهم مرتبة أفضل منها، والقول بأن في السند أبا هانىء وهو مجهول فلا يعول على خبره غلط فاحش فإنه ثقة مشهور روى عنه الليث بن سعد، وحيوة، وابن وهب. وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه، ومثل هذا ما حكاه القاضي عن بعضهم من أن تعجل ثلثي الأجر إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها إذ لو كانت كذلك لم يكن ثلث الأجر، وكذا ما قيل: من أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معا فإن ذلك ينقص ثوابه لا محالة، فالصواب أن أجر من لم يغنم أكثر من أجر من غنم لصريح ما ذكرناه الموافق لصرائح الأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ويعلم من ذلك أن أجر من قتل أكثر من أجر من قتل لكون الأول من الشهداء دون الثاني، وظاهر ما
أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة «من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد ومن مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد»
أن القتل في سبيل الله تعالى والموت فيها سواء