← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

الإيثار عند الحاجة إليه أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وهو ما لا يعلمونه من أنفسهم وَنَجْواهُمْ أي ما يعلمونه منها دون الناس، وقيل: السر ما لا يطلع عليه إلا عالم الأسرار والنجوى ما يطلع عليه الحفظة وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا أرادوا التثبيط على المؤمنين ببيان بعض شدائد الغزو وما دروا أن المحب يستعذب المر في طلب وصال محبوبه ويرى الحزن سهلا والشدائد لذائذ في ذلك، ولا خير فيمن عاقه الحر والبرد، ورد عليهم بأنهم آثروا بمخالفتهم النار التي هي أشد حرا ويشبه هؤلاء المنافقين في هذا التثبيط أهل البطالة الذين يثبطون السالكين عن السلوك ببيان شدائد السلوك وفوات اللذائذ الدنيوية لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فأفنوا كل ذلك في طلب مولاهم ﷻ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ المشاهدات والمكاشفات والقربات وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الفائزون بالبغية. لَيْسَ عَلَى الضُّعَفاءِ أي الذين أضعفهم حمل المحبة وَلا عَلَى الْمَرْضى بداء الصبابة حتى ذابت أجسامهم بحرارة الفكر وشدائد الرياضة وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ وهم المتجردون من الأكوان حَرَجٌ إثم في التخلف عن الجهاد الأصغر إِذا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ بأن أرشدوا الخلق إلى الحق وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً غرامة وخسرانا، قيل: كل من يرى الملك لنفسه يكون ما ينفق غرامة عنده وكل من يرى الأشياء لله تعالى وهي عارية عنده يكون ما ينفق غنما عنده وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ أي الذين سبقوا إلى الوحدة من أهل الصنف الأول مِنَ الْمُهاجِرِينَ وهم الذين هجروا مواطن النفس وَالْأَنْصارِ وهم الذين نصروا القلب بالعلوم الحقيقية على النفس وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ في الاتصاف بصفات الحق بِإِحْسانٍ أي بمشاهدة من مشاهدات الجمال والجلال ﵃ بما أعطاهم من عنايته وتوفيقه وَرَضُوا عَنْهُ بقبول ما أمر به سبحانه وبذل أموالهم ومهجهم في سبيله عز شأنه وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ من جنات الأفعال والصفات تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ وهي أنهار علوم التوكل والرضا ونحوهما ووراء هذه الجنات المشتركة بين المتعاطفات جنة الذات وهي مختصة بالسابقين وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ وهم الذين لم ترسخ فيهم ملكة الذنب وبقي منهم فيهم نور الاستعداد ولهذا لانت شكيمتهم واعترفوا بذنوبهم ورأوا قبحها وأما من رسخت فيه ملكة الذنب واستولت عليه الظلمة فلا يرى ما يفعل من القبائح إلا حسنا خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً حيث كانوا في رتبة النفس اللوامة التي لم يصر اتصالها بالقلب وتنورها بنوره ملكة لها ولهذا تنقاد له تارة وتعمل أعمالا صالحة وذلك إذا استولى القلب عليها وتنفر عنه أخرى وتفعل أفعالا سيئة إذا احتجبت عنه بظلمتها وهي دائما بين هذا وذاك حتى يقوى اتصالها بالقلب ويصير ذلك ملكة لها وحينئذ يصلح أمرها وتنجو من المخالفات، ولعل قوله سبحانه: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إشارة إلى ذلك وقد تتراكم عليها الهيئات المظلمة فترجع القهقرى ويزول استعدادها وتحجب عن أنوار القلب وتهوي إلى سجين الطبيعة فتهلك مع الهالكين، وترجح أحد الجانبين على الآخر يكون بالصحبة فإن أدركها التوفيق صحبت الصالحين فتحلت بأخلاقهم وعملت أعمالهم فكانت منهم، وإن لحقها الخذلان صحبت المفسدين واختلطت بهم فتدنست بخلالهم وفعلت أفاعيلهم فصارت من الخاسرين أعاذنا الله تعالى من ذلك، ولله در من قال: عليك بأرباب الصدور فمن غدا ... مضافا لأرباب الصدور تصدرا وإياك أن ترضى صحابة ناقص ... فتنحط قدرا عن علاك وتحقرا فرفع أبو من ثم خفض مزمل ... يبين قولي مغريا ومحذرا وقد يكون ترجح جانب الاتصال بأسباب أخر كما يشير إليه قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً

стр. 2172

تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها لأن المادة مادة الشهوات فأمر النبي ﷺ بالأخذ من ذلك ليكون أول حالهم التجرد لتنكسر قوى النفس وتضعف أهواؤها وصفاتها فتتزكى من الهيئات المظلمة وتتطهر من خبث الذنوب ورجس دواعي الشيطان وَصَلِّ عَلَيْهِمْ بإمداد الهمة وإفاضة أنوار الصحبة إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ أي سبب لنزول السكينة فيهم، وفسروا السكينة بنور يستقر في القلب وبه يثبت على التوجه إلى الحق ويتخلص عن الطيش لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ لأن النفس تتأثر فيه بصفاء الوقت وطيب الحال وذوق الوجدان بخلاف ما إذا كان مبنيا على ضد ذلك فإنها تتأثر فيه بالكدورة والتفرقة والقبض. وأصل ذلك أن عالم الملك تحت قهر عالم الملكوت وتسخيره فيلزم أن يكون لنيات النفوس وهيئاتها تأثير فيما تباشره من الأعمال، ألا ترى الكعبة كيف شرفت وعظمت وجعلت محلا للتبرك لما أنها كانت مبنية بيد خليل الله تعالى ﵊ بنية صادقة ونفس شريفة، ونحن نجد أيضا أثر الصفاء والجمعية في بعض المواضع والبقاع وضد ذلك في بعضها، ولست أعني إلا وجود ذوي النفوس الحساسة الصافية لذلك وإلا فالنفوس الخبيثة تجد الأمر على عكس ما تجده أرباب تلك النفوس، والصفراوي يجد السكر مرا، والجعل يستخبث رائحة الورد: ومن هنا كان المنافق في المسجد كالسمك في اليبس والمخلص فيه كالسمكة في الماء فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا أي أهل إرادة وسعي في التطهر عن الذنوب، وهو إشارة إلى أن صحبة الصالحين لها أثر عظيم، ويتحصل من هذا وما قبله الإشارة إلى أنه ينبغي رعاية المكان والإخوان في حصول الجمعية، وجاء عن القوم أنه يجب مراعاة ذلك مع مراعاة الزمان في حصول ما ذكر وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ولولا محبته إياهم لما أحبوا ذلك. وعن سهل: الطهارة على ثلاثة أوجه: طهارة العلم من الجهل، وطهارة الذكر من النسيان، وطهارة الطاعة من المعصية. وقال بعضهم: الطهارة على أقسام كثيرة: فطهارة الأسرار من الخطرات، وطهارة الأرواح من الغفلات، وطهارة القلوب من الشهوات وطهارة العقول من الجهالات، وطهارة النفوس من الكفريات، وطهارة الأبدان من الزلات. وقال آخر: الطهارة الكاملة طهارة الأسرار من دنس الأغيار والله تعالى هو الهادي إلى سواء السبيل.

стр. 2173

إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ إلخ ترغيب للمؤمنين في الجهاد ببيان حال المتخلفين عنه، ولا ترى كما نقل الشهاب ترغيبا في الجهاد أحسن ولا أبلغ مما في هذه الآية لأنه أبرز في صورة عقد عاقده رب العزة ﷻ ، وثمنه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ولم يجعل المعقود عليه كونهم مقتولين فقط بل كونهم قاتلين أيضا لإعلاء كلمة الله تعالى ونصرة دينه سبحانه، وجعله مسجلا في الكتب السماوية وناهيك به من صك، وجعل وعده حقا ولا أحد أوفى من واعده فنسيئته أقوى من نقد غيره، وأشار

стр. 2174

إلى ما فيه من الرحب والفوز العظيم وهو استعارة تمثيلة. صور جهاد المؤمنين وبذل أموالهم وأنفسهم فيه وإثابة الله تعالى لهم على ذلك الجنة بالبيع والشراء، وأتى بقوله سبحانه: يُقاتِلُونَ إلخ بيانا لمكان التسليم وهو المعركة، وإليه الإشارة بقوله ﷺ : «الجنة تحت ظلال السيوف» ثم أمضاه جل شأنه بقوله ذلك الفوز العظيم، ومن هنا أعظم الصحابة رضي الله تعالى عنهم أمر هذه الآية. فقد أخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال: نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ وهو في المسجد إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى إلخ فكثر الناس في المسجد فأقبل رجل من الأنصار ثانيا طرفي ردائه على عاتقه فقال: يا رسول الله أنزلت هذه الآية؟ قال: نعم. فقال الأنصاري: بيع ربيح لا نقيل ولا نستقيل. ومن الناس من قرر وجه المبالغة بأنه سبحانه عبر عن قبوله من المؤمنين أنفسهم وأموالهم التي بذلوها في سبيله تعالى وإثابته إياهم بمقابلتها الجنة بالشراء على طريقة الاستعارة التبعية ثم جعل المبيع الذي هو العمدة والمقصد في العقد أنفس المؤمنين وأموالهم والثمن الذي هو الوسيلة في الصفقة الجنة، ولم يعكس بأن يقال: إن الله باع الجنة من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن المقصد بالعقد هو الجنة وما بذله المؤمنون في مقابلتها وسيلة إليها بكمال العناية بهم وبأموالهم ثم إنه تعالى لم يقل بالجنة بل قال عز شأنه: بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ مبالغة في تقرير وصول الثمن إليهم واختصاصه بهم كأنه قيل: بالجنة الثابتة لهم المختصة بهم، ومن هنا يعلم أن هذه القراءة أبلغ من قراءة الأعمش ونسبت أيضا إلى عبد الله رضي الله تعالى عنه بالجنة على أنها أوفق بسبب النزول. فقد أخرج ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي وغيره أنهم قالوا: «قال عبد الله بن رواحة لرسول الله ﷺ : اشترط لربك ولنفسك ما شئت. قال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم قالوا: فما لنا؟ قال: الجنة قالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل فنزلت إن الله اشترى الآية» . وقيل: عبر بذلك مدحا للمؤمنين بأنهم بذلوا أنفسهم وأموالهم بمجرد الوعد لكمال ثقتهم بوعده تعالى مع أن تمام الاستعارة موقوف على ذلك إذ لو قيل بالجنة لاحتمل كون الشراء على حقيقته لأنها صالحة للعوضية بخلاف الوعد بها، واعترض بأن مناط دلالة ما عليه النظم الجليل على الوعد ليس كونه جملة ظرفية مصدرة بأن فإن ذلك بمعزل من الدلالة على الاستقبال بل هو الجنة التي يستحيل وجودها في عالم الدنيا ولو سلم ذلك بكون العوض الجنة الموعود بها لأنفس الوعد بها، على أن حديث احتمال كون الشراء حقيقة لو قيل بالجنة لا يخلو عن نظر كما قيل لأن حقيقة الشراء مما لا يصح منه تعالى لأنه جل شأنه مالك الكل والشراء إنما يكون ممن لا يملك، ولهذا قال الفقهاء: طلب الشراء يبطل دعوى الملكية، نعم قد لا يبطل في بعض الصور كما إذا اشترى الأب دارا لطفله من نفسه فكبر الطفل ولم يعلم ثم باعها الأب وسلمها للمشتري ثم طلب الابن شراءها منه ثم علم بما صنع أبوه فادعى الدار فإنه تقبل دعواه ولا يبطلها ذلك الطلب كما يقتضيه كلام الأستروشني لكن هذا لا يضرنا فيما نحن فيه، ومن المحققين من وجه دلالة ما في النظم الكريم على الوعد بأنه يقتضي بصريحه عدم التسليم وهو عين الوعد لأنك إذا قلت: اشتريت منك كذا بكذا احتمل النقد بخلاف ما إذا قلت: بأن لك كذا فإنه في معنى لك على كذا وفي ذمتي، واللام هنا ليست للملك إذ لا يناسب شراء ملكه بملكه كالممهورة إحدى خدمتيها فهي للاستحقاق وفيه إشعار بعدم القبض، وأما كون تمام الاستعارة موقوفا على ذلك فله وجه أيضا حيث كان المراد بالاستعارة الاستعارة التمثيلية إذ لولاه لصح جعل الشراء مجازا عن الاستبدال مثلا وهو مما لا ينبغي الالتفات إليه مع تأتّي التمثيل المشتمل من البلاغة واللطائف على ما لا يخفى، لكن أنت خبير بأن الكلام بعد لا يخلو عن بحث، ومما أشرنا إليه من فضيلة التمثيل يعلم انحطاط

стр. 2175

القول باعتبار الاستعارة أو المجاز المرسل في اشْتَرى وحده كما ذهب إليه البعض، وقوله تعالى: يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قيل بيان لمكان التسليم كما أشير إليه فيما تقدم، وذلك لأن البيع سلم كما قال الطيبي، وغيره، وقيل: بيان لما لأجله الشراء كأنه لما قال سبحانه: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى إلخ، قيل: لماذا فعل ذلك؟ فقيل: ليقاتلوا في سبيله تعالى وقيل: بيان للبيع الذي يستدعيه الاشتراء المذكور كأنه قيل: كيف يبيعون أنفسهم وأموالهم بالجنة، فقيل: يقاتلون في سبيله عز شأنه وذلك بذل منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهته تعالى وتعريض لهما للهلاك، وقيل: بيان لنفس الاشتراء وقيل: ذكر لبعض ما شمله الكلام السابق اهتماما به على أن معنى ذلك أنه تعالى اشترى من المؤمنين أنفسهم بصرفها في العمل الصالح وأموالهم ببذلها فيما يرضيه وهو في جميع ذلك خبر لفظا ومعنى ولا محل له من الإعراب، وقيل: إنه في معنى الأمر كقوله سبحانه: تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ [الصف: ١١] ووجه ذلك بأنه أتى بالمضارع بعد الماضي لإفادة الاستمرار كأنه قيل: اشتريت منكم أنفسكم في الأزل وأعطيت ثمنها الجنة فسلموا المبيع واستمروا على القتال، ولا يخفى ما في بعض هذه الأقوال من النظر. وانظر هل ثم مانع من جعل الجملة في موضع الحال كأنه قيل: اشترى منهم ذلك حال كونهم مقاتلين في سبيله فإني لم أقف على من صرح بذلك مع أنه أوفق الأوجه بالاستعارة التمثيلية تأمل. وقوله سبحانه: فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ بيان لكون القتال في سبيل الله تعالى بذلا للنفس وأن المقاتل في سبيله تعالى باذل لها وإن كانت سالمة غانمة، فإن الإسناد في الفعلين ليس بطريق اشتراط الجمع بينهما ولا اشتراط الاتصاف بأحدهما البتة بل بطريق وصف الكل بحال البعض، فإنه يتحقق القتال من الكل سواء وجد الفعلان أو أحدهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم يصدر منهم أحدهما أيضا كما إذا وجد المضاربة ولم يوجد القتل في أحد الجانبين، ويفهم كلام بعضهم أنه يتحقق الجهاد بمجرد العزيمة والنفير وتكثير السواد وإن لم توجد مضاربة وليس بالبعيد لما أن في ذلك تعريض النفس للهلاك أيضا، والظاهر أن أجور المجاهدين مختلفة قلة وكثرة وإن كان هناك قدر مشترك بينهم. ففي صحيح مسلم قال رسول الله ﷺ : «ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة ألا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم» . وفي رواية أخرى «ما من غازية أو سرية تغزو فتغنم وتسلم إلا كانوا قد تعجلوا ثلثي أجورهم وما من غازية أو سرية تحنق وتصاب إلا أتم أجورهم» . وزعم بعضهم أنهم في الأجر سواء ولا ينقص أجرهم بالغنيمة، واستدلوا عليه بما في الصحيحين من أن المجاهد يرجع بما نال من أجر وغنيمة، وبأن أهل بدر غنموا وهم- هم- ويرد عليه أن خبر الصحيحين مطلق وخبر مسلم مقيد فيجب حمله عليه، وبأنه لم يجىء نص في أهل بدر أنهم لو لم يغنموا لكان أجرهم على قدر أجرهم وقد غنموا فقط، وكونهم هم- هم- لا يلزم منه أن لا يكون وراء مرتبتهم مرتبة أفضل منها، والقول بأن في السند أبا هانىء وهو مجهول فلا يعول على خبره غلط فاحش فإنه ثقة مشهور روى عنه الليث بن سعد، وحيوة، وابن وهب. وخلائق من الأئمة، ويكفي في توثيقه احتجاج مسلم به في صحيحه، ومثل هذا ما حكاه القاضي عن بعضهم من أن تعجل ثلثي الأجر إنما هو في غنيمة أخذت على غير وجهها إذ لو كانت كذلك لم يكن ثلث الأجر، وكذا ما قيل: من أن الحديث محمول على من خرج بنية الغزو والغنيمة معا فإن ذلك ينقص ثوابه لا محالة، فالصواب أن أجر من لم يغنم أكثر من أجر من غنم لصريح ما ذكرناه الموافق لصرائح الأحاديث الصحيحة المشهورة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ويعلم من ذلك أن أجر من قتل أكثر من أجر من قتل لكون الأول من الشهداء دون الثاني، وظاهر ما أخرجه مسلم من رواية أبي هريرة «من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد ومن مات في سبيل الله تعالى فهو شهيد» أن القتل في سبيل الله تعالى والموت فيها سواء

стр. 2176

في الأجر وهو الموافق لمعنى قوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [النساء: ١٠٠] واستدل له أيضا بعض العلماء بغير ذلك مما لا دلالة فيه عليه كما نص عليه النووي رحمه الله تعالى، وتقديم حالة القاتلية في الآية على حالة المقتولية للإيذان بعدم الفرق بينهما في كونهما مصداقا لكون القتال بذلا للنفس، وقرأ حمزة. والكسائي بتقديم المبني للمفعول رعاية لكون الشهادة عريقة في هذا الباب إيذانا بعدم مبالاتهم بالموت في سبيل الله تعالى بل بكونه أحب إليهم من السلامة كما قال كعب بن زهير في حقهم: لا يفرحون إذا نالت رماحهم ... قوما وليسوا مجازيعا إذا نيلوا لا يقع الطعن إلا في نحورهم ... وما لهم عن حياض الموت تهليل وفيه على ما قيل دلالة على جراءتهم حيث لم ينكسروا لأن قتل بعضهم، ومن الناس من دفع السؤال بعدم مراعاة الترتيب في هذه القراءة بأن الواو لا تقتضيه، وتعقب بأن ذلك لا يجدي لأن تقديم ما حقه التأخير في أبلغ الكلام لا يكون بسلامة الأمير كما لا يخفى وَعْداً عَلَيْهِ مصدر مؤكد لمضمون الجملة لأن معنى الشراء بأن لهم الجنة وعد لهم بها على الجهاد في سبيله سبحانه، وقوله تعالى: حَقًّا نعت له وعَلَيْهِ في موضع الحال من حَقًّا لتقدمه عليه، وقوله سبحانه: فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ متعلق بمحذوف وقع نعتا لوعدا أيضا أي وعدا مثبتا في التوراة والإنجيل كما هو مثبت في القرآن فالمراد إلحاق ما لا يعرف مما يعرف إذ من المعلوم ثبوت هذا الحكم في القرآن، ثم إن ما في الكتابين إما أن يكون أن أمة محمد ﷺ اشترى الله تعالى منهم أنفسهم وأموالهم بذلك أو أن من جاهد بنفسه وماله له ذلك، وفي كلا الأمرين ثبوت موافق لما في القرآن، وجوز تعلق الجار باشترى ووعدا وحقا وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من حقية الوعد، والمقصود من مثل هذا التركيب عرفا نفي المساواة أي لا أحد مثله تعالى في الوفاء بعهده، وهذا كما يقال: ليس في المدينة أفقه من فلان فإنه يفيد عرفا أنه أفقه أهلها، ولا يخفى ما في جعل الوعد عهدا وميثاقا من الاعتناء بشأنه فَاسْتَبْشِرُوا التفات إلى خطابهم لزيادة التشريف والاستبشار إظهارا لسرورهم، وليست السين فيه للطلب، والفاء لترتيبه أو ترتيب الأمر به على ما قبله أي فإذا كان كذلك فاظهروا السرور بما فزتم من الجنة، وإنما قال سبحانه: بِبَيْعِكُمُ مع أن الابتهاج به باعتبار أدائه إلى الجنة لأن المراد ترغيبهم في الجهاد الذي عبر عنه بالبيع، ولم يذكر العقد بعنوان الشراء لأن ذلك من قبله سبحانه لا من قبلهم والترغيب على ما قيل إنما يتم فيما هو من قبلهم، وقوله تعالى: الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ لزيادة تقرير بيعهم وللإشعار بتميزه على غيره فإنه بيع الفاني بالباقي ولأن كلا البدلين له ، ومن هنا كان الحسن إذا قرأ الآية يقول: أنفس هو خلقها وأموال هو رزقها وَذلِكَ أي البيع الذي أمرتم به هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي لا فوز أعظم منه، وما في ذلك من البعد إشارة إلى بعد منزلة المشار إليه وسمو رتبته في الكمال والجملة تذييل مقرر لمضمون الأمر السابق، ويجوز أن يكون تذييلا للآية الكريمة والإشارة إلى الجنة التي جعلت ثمنا بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم وأموالهم، وفي ذلك إعظام للثمن ومنه يعلم حال المثمن، ونقل عن الأصمعي أنه أنشد للصادق رضي الله تعالى عنه: أثامن بالنفس النفيسة ربها ... فليس لها في الخلق كلهم ثمن بها أشتري الجنات إن أنا بعتها ... بشيء سواها إن ذلكم غبن إذا ذهبت نفسي بدنيا أصبتها ... فقد ذهبت مني وقد ذهب الثمن والمشهور عنه رضي الله تعالى عنه أنه قال: ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا بها، وهو ظاهر في أن المبيع هو الأبدان، وبذلك صرح بعض الفضلاء في حواشيه على تفسير البيضاوي حيث قال: إن الله تعالى اشترى من

стр. 2177

المؤمن الذي هو عبارة عن الجوهر الباقي بدنه الذي هو مركبه وآلته، والظاهر أنه أراد بالجوهر الباقي الجوهر المجرد المخصوص وهو النفس الناطقة، ولا يخفى أن جمهور المتكلمين على نفي المجردات وإنكار النفس الناطقة وأن الإنسان هو هذا الهيكل المحسوس، وبذلك أبطل بعض أجلّة المتأخرين من أفاضل المعاصرين القول بخلق الأفعال لما يلزم عليه من كون الفاعل والقابل واحدا، وقد قالوا: بامتناع اتحادهما، والإنصاف إثبات شيء مغاير للبدن والهيكل المحسوس في الإنسان، والمبيع أما ذاك ومعنى بيعه تعريضه للمهالك والخروج عن التعلق الخاص بالبدن وإما البدن ومعنى بيعه ظاهر إلا أنه ربما يدعي أن المتبادر من النفس غير ذلك كما لا يخفى على ذوي النفوس الزكية النبيون نعت للمؤمنين، وقطع لأجل المدح أي هم التائبون ويدل على ذلك قراءة عبد الله. وأبي «التائبين» بالياء على أنه منصوب على المدح أو مجرور على أنه صفة للمؤمنين. وجوز أن يكون التَّائِبُونَ مبتدأ والخبر محذوف أي من أهل الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا لقوله تعالى: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى فإن كلا فيه عام، والحسنى بمعنى الجنة. وقيل: الخبر قوله تعالى: الْعابِدُونَ وما بعده خبر بعد خبر، وقيل: خبره الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وقيل: إنه بدل من ضمير يُقاتِلُونَ والأول أظهر إلا أن يكون الموعود بالجنة عليه هو المجاهد المتصف بهذه الصفات لا كل مجاهد وبذلك يشعر ما أخرجه ابن أبي شيبة. وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: الشهيد من كان فيه الخصال التسع وتلا هذه الآية. وأورد عليه أنه ينافي ذلك ما صح من حديث مسلم من أن من قتل في سبيل الله تعالى وهو صابر محتسب مقبل غير مدبر كفرت خطاياه إلا الدين فإنه ظاهر في أن المجاهد قد لا يكون متصفا بجميع ما في الآية من الصفات وإلا لا يبقى لتكفير الخطايا وجه، وكأنه من هنا اختار الزجاج كونه مبتدأ والخبر محذوف كما سمعت إذ في الآية عليه تبشير مطلق المجاهدين بما ذكر وهو المفهوم من ظواهر الأخبار. نعم دل كثير منها على أن الفضل الوارد في المجاهدين مختص بمن قاتل لتكون كلمة الله تعالى هي العليا وأن من قاتل للدنيا والسمعة استحق النار. وفي صحيح مسلم ما يقتضي ذلك فليفهم، والمراد من التائبين على ما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وغيرهما عن الحسن وقتادة الذين تابوا عن الشرك ولم ينافقوا. وأخرج ابن أبي حاتم. وأبو الشيخ عن الضحاك أنهم الذين تابوا عن الشرك والذنوب، وأيد ذلك بأن التائبين في تقدير الذين تابوا وهو من ألفاظ العموم يتناول كل تائب فتخصيصه بالتائب عن بعض المعاصي تحكم. وأجيب بأن ذكرهم بعد ذكر المنافقين ظاهر في حمل التوبة على التوبة عن الكفر والنفاق، وأيضا لو حملت التوبة على التوبة عن المعاصي يكون ما ذكر بعد من الصفات غير تام الفائدة مع أن من اتصف بهذه الصفات الظاهر اجتنابه للمعاصي، والمراد من العابدين الذين أتوا بالعبادة على وجهها، وقال الحسن: هم الذين عبدوا الله تعالى في أحايينهم كلها أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين ولكن كما قال العبد الصالح: وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا [مريم: ٣١] وقال قتادة: هم قوم أخذوا من أبدانهم في ليلهم ونهارهم، الْحامِدُونَ أي الذين يحمدون الله تعالى على كل حال كما روي عن غير واحد من السلف، فالحمد بمعنى الوصف بالجميل مطلقا، وقيل: هو بمعنى الشكر فيكون في مقابلة النعمة أي الحامدون لنعمائه تعالى وأنت تعلم أن الحمد في كل حال أولى وفيه تأس برسول الله ﷺ : فقد أخرج ابن مردويه وأبو الشيخ والبيهقي في الشعب عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله ﷺ أول من يدعى إلى الجنة الحمادون الذين يحمدون على السراء والضراء» وجاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان النبي ﷺ إذا أتاه الأمر يسره قال: الحمد لله الذي بنعمته

стр. 2178

تتم الصالحات وإذا أتاه الأمر يكرهه قال: الحمد لله على كل حال» السَّائِحُونَ أي الصائمون، فقد أخرج ابن مردويه عن ابن مسعود وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم «أن النبي ﷺ سئل عن ذلك فأجاب بما ذكر» وإليه ذهب جلة من الصحابة والتابعين. وجاء عن عائشة «سياحة هذه الأمة الصيام» ، وهو من باب الاستعارة لأن الصوم يعوق عن الشهوات كما إن السياحة تمنع منها في الأكثر، أو لأنه رياضة روحانية ينكشف بها كثير من أحوال الملك والملكوت فشبه الاطلاع عليها بالاطلاع على البلدان والأماكن النائية إذ لا يزال المرتاض يتوصل من مقام إلى مقام ويدخل من مدائن المعارف إلى مدينة بعد أخرى على مطايا الفكر. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن زيد أن السائحين هم المهاجرون وليس في أمة محمد ﷺ سياحة إلا الهجرة. وأخرج هو وأبو الشيخ عن عكرمة أنهم طلبة العلم لأنهم يسيحون في الأرض لطلبه، وقيل: هم المجاهدون لما أخرج الحاكم وصححه والطبراني وغيرهما «عن أبي أمامة أن رجلا استأذن رسول الله ﷺ في السياحة فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله تعالى» والمختار ما تقدم كما أشرنا إليه، وإنما لم تحمل السياحة على المعنى المشهور لأنها نوع من الرهبانية، وقد نهى عنها وكانت كما أخرج ابن جرير عن وهب بن منبه في بني إسرائيل الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ أي في الصلوات المفروضات كما روي عن الحسن، فالركوع والسجود على معناهما الحقيقي، وجعلهما بعضهم عبارة عن الصلاة لأنهما أعظم أركانها فكأنه قيل: المصلون الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي الإيمان وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي الشرك كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الأمرين، ولو أبقى لفظ النظم الجليل على عمومه لكان له وجه بل قيل إنه الأولى، والعطف هنا على ما في المغني إنما كان من جهة إن الأمر والنهي من حيث هما أمر ونهي متقابلان بخلاف بقية الصفات لأن الآمر بالمعروف ناه عن المنكر وهو ترك المعروف والناهي عن المنكر آمر بالمعروف فأشير إلى الاعتداد بكل من الوصفين وأنه لا يكفي فيه ما يحصل في ضمن الآخر، وحاصله على ما قيل: إن العطف لما بينهما من التقابل أو لدفع الإيهام. ووجه بعض المحققين ذلك بأن بينهما تلازما في الذهن والخارج لأن الأوامر تتضمن النواهي ومنافاة بحسب الظاهر لأن أحدهما طلب فعل والآخر طلب ترك فكانا بين كمال الاتصال والانقطاع المقتضي للعطف بخلاف ما قبلهما، وقيل: إن العطف للدلالة على أنهما في حكم خصلة واحدة كأنه قيل: الجامعون بين الوصفين، ويرد على ظاهره أن الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ في حكم خصلة واحدة أيضا فكان ينبغي فيهما العطف على ما ذكر إذ معناه الجامعون بين الركوع والسجود ويدفع بأدنى التفات، وأما العطف في قوله سبحانه: وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ أي فيما بينه وعينه من الحقائق والشرائع فقيل للإيذان بأن العدد قد تم بالسابع من حيث إن السبعة هو العدد التام والثامن ابتداء تعداد آخر معطوف عليه ولذلك يسمى واو الثمانية، وإليه مال أبو البقاء وغيره ممن أثبت واو الثمانية وهو قول ضعيف لم يرضه النحاة كما فصله ابن هشام وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، وقيل: إنه للتنبيه على أن ما قبله مفصل الفضائل وهذا مجملها، يعني أنه من ذكر أمر عام شامل لما قبله وغيره، ومثله يؤتى به معطوفا نحو زيد وعمرو وسائر قبيلته كرماء فلمغايرته بالإجمال والتفصيل والعموم والخصوص عطف عليه، وقيل: هو عطف عليه، وقيل: هو عطف على ما قبله من الأمر والنهي لأن من لم يصدق فعله قوله لا يجدي أمره نفعا ولا يفيد نهيه منعا. وقال بعض المحققين: إن المراد بحفظ الحدود ظاهره وهي إقامة الحد كالقصاص على من استحقه والصفات الأول إلى قوله سبحانه: والْآمِرُونَ صفات محمودة للشخص في نفسه وهذه له باعتبار غيره فلذا تغاير

стр. 2179

تعبير الصنفين فترك العاطف في القسم الأول وعطف في الثاني، ولما كان لا بد من اجتماع الأول في شيء واحد ترك فيها العطف لشدة الاتصال بخلاف هذه فإنه يجوز اختلاف فاعلها ومن تعلقت به، وهذا هو الداعي لإعراب التَّائِبُونَ مبتدأ موصوفا بما بعده والْآمِرُونَ خبره فكأنه قيل: الكاملون في أنفسهم المكملون لغيرهم وقدم الأول لأن المكمل لا يكون مكملا حتى يكون كاملا في نفسه، وبهذا يتسق النظم أحسن اتساق من غير تكلف وهو وجه وجيه للعطف في البعض وترك العطف في الآخر، خلا أن المأثور عن السلف كابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وغيره تفسير الحافظين لحدود الله بالقائمين على طاعته سبحانه وهو مخالف لما في هذا التوجيه لعل الأمر فيه سهل والله تعالى أعلم بمراده وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ أي هؤلاء الموصوفين بتلك الصفات الجليلة، ووضع المؤمنين موضع ضمير هم للتنبيه على أن ملاك الأمر هو الإيمان وأن المؤمن الكامل من كان كذلك، وحذف المبشر به إشارة إلى أنه أمر جليل لا يحيط به نطاق البيان ما كانَ أي ما صح في حكم الله وحكمته وما استقام لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا بالله تعالى على الوجه المأمور به أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ به سبحانه وَلَوْ كانُوا أي المشركون أُولِي قُرْبى أي ذوي قرابة لهم، وجواب لَوْ محذوف لدلالة ما قبله عليه، والجملة معطوفة على جملة أخرى قبلها محذوفة حذفا مطردا أي لو لم يكونوا أولى قربى ولو كانوا كذلك مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أي للنبي ﷺ والمؤمنين أَنَّهُمْ أي المشركين أَصْحابُ الْجَحِيمِ بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحي بأنهم مطبوع على قلوبهم لا يؤمنون أصلا، وفيه دليل على صحة الاستغفار لأحيائهم الذين لا قطع بالطبع على قلوبهم، والمراد منه في حقهم طلب توفيقهم للإيمان، وقيل: إنه يستلزم ذلك بطريق الاقتضاء فلا يقال: إنه لا فائدة في طلب المغفرة للكافر، والآية على الصحيح نزلت في أبي طالب، فقد أخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل. وآخرون عن المسيب بن حزن قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي ﷺ وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال النبي ﵊: أي عم قل: لا إله إلا الله أحاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب فجعل رسول الله ﷺ يعرضها عليه وأبو جهل وعبد الله يعاودانه بتلك المقالة فقال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول: لا إله إلا الله فقال النبي ﷺ : لأستغفرن لك ما لم أنه عنك فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ الآية. واستبعد ذلك الحسين بن الفضل بأن موت أبي طالب قبل الهجرة بنحو ثلاث سنين وهذه السورة من أواخر ما نزل بالمدينة. قال الواحدي: وهذا الاستبعاد مستبعد فأي بأس أن يقال: كان ﵊ يستغفر لأبي طالب من ذلك الوقت إلى وقت نزول الآية فإن التشديد مع الكفار إنما ظهر في هذه السورة، وذكر نحوا من هذا صاحب التقريب، وعليه لا يراد بقوله: فنزلت في الخبر أن النزول كان عقيب القول بل يراد أن ذلك سبب النزول، فالفاء فيه للسببية لا للتعقيب. واعتمد على هذا التوجيه كثير من جلة العلماء وهو توجيه وجيه، خلا أنه يعكر عليه ما أخرجه ابن سعد وابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه قال: أخبرت رسول الله ﷺ بموت أبي طالب فبكى فقال: «اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه ففعلت وجعل رسول الله ﷺ يستغفر له أياما ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه جبريل ﵊ بهذه الآية ما كانَ لِلنَّبِيِّ إلخ» فإنه ظاهر في أن النزول قبل الهجرة لأن عدم الخروج من البيت فيه مغيا به، اللهم إلا أن يقال بضعف الحديث لكن لم نر من تعرض له، والأولى في الجواب عن أصل الاستبعاد أن يقال: إن كون هذه السورة من أواخر ما نزل باعتبار الغالب كما تقدم فلا ينافي نزول شيء منها في المدينة. والآية على هذا دليل على أن أبا طالب مات كافرا وهو المعروف من مذهب أهل السنة والجماعة.

стр. 2180

وروى ابن إسحاق في سيرته عن العباس بن عبد الله بن معبد عن بعض أهله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من خبر طويل «أن النبي ﷺ قال لأبي طالب في مرض موته وقد طمع فيه: أي عم فأنت فقلها يعني لا إله إلا الله أستحل بها لك الشفاعة يوم القيامة- وحرض عليه ﵊ بذلك- فقال: والله يا ابن أخي لولا مخافة السبة عليك وعلى بني أبيك من بعدي وأن تظن قريش أني إنما قلتها جزعا من الموت لقلتها ولا أقولها إلا لأسرك بها فلما تقارب من أبي طالب الموت نظر العباس إليه يحرك شفتيه فأصغى إليه بإذنه فقال: يا ابن أخي لقد قال أخي الكلمة التي أمرته أن يقولها فقال له ﷺ لم أسمع» واحتج بهذا ونحوه من أبياته المتضمنة للإقرار بحقية ما جاء به ﷺ وشدة حنوه عليه ونصرته له ﷺ الشيعة الذاهبون إلى موته مؤمنا وقالوا: إنه المروي عن أهل البيت وأهل البيت أدرى، وأنت تعلم قوة دليل الجماعة فالاعتماد على ما روي عن العباس دونه مما تضحك منه الثكلى، والأبيات على انقطاع أسانيدها ليس فيها النطق بالشهادتين وهو مدار فلك الإيمان، وشدة الحنو والنصرة مما لا ينكره أحد إلا أنها بمعزل عما نحن فيه، وأخبار الشيعة عن أهل البيت أوهن من بيت العنكبوت وإنه لأوهن البيوت. نعم لا ينبغي للمؤمن الخوض فيه كالخوض في سائر كفار قريش من أبي جهل وأضرابه فإن له مزية عليهم بما كان يصنعه مع رسول الله ﷺ من محاسن الأفعال، وقد روي نفع ذلك له في الآخرة أفلا ينفعه في الدنيا في الكف عنه وعدم معاملته معاملة غيره من الكفار. فعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله ﷺ قال وقد ذكر عنده عمه: «لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من نار» وجاء في رواية أنه قيل لرسول الله ﷺ : إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك فهل ينفعه ذلك؟ فقال: نعم وجدته في غمرات النار فأخرجته إلى ضحضاح من نار. وسبه عندي مذموم جدا ولا سيما إذا كان فيه إيذاء لبعض العلويين إذ قد ورد «لا تؤذوا الأحياء بسب الأموات- ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» . وزعم بعضهم أن الآية نزلت في غير ذلك. فقد أخرج البيهقي في الدلائل وغيره عن ابن مسعود قال: «خرج النبي ﷺ يوما إلى المقابر فجاء حتى جلس إلى قبر منها فناجاه طويلا ثم بكى فبكينا لبكائه ثم قام فصلى ركعتين فقام إليه عمر فدعاه ثم دعانا فقال: ما أبكاكم؟ قلنا: بكينا لبكائك قال: إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي وأنزل على ما كانَ لِلنَّبِيِّ إلخ فأخذني ما يأخذ الولد للوالدة من الرقة فذاك الذي أبكاني» ولا يخفى أن الصحيح في سبب النزول هو الأول. نعم خبر الاستئذان في الاستغفار لأمه ﵊ وعدم الإذن جاء في رواية صحيحة لكن ليس فيها أن ذلك سبب النزول. فقد أخرج مسلم، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والنسائي عن أبي هريرة قال: «أتى رسول الله ﷺ قبر أمه فبكى وأبكى من حوله فقال ﵊: استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي واستأذنت أن أزور قبرها فأذن لي فزوروا القبور فإنها تذكركم الموت» واستدل بعضهم بهذا الخبر ونحوه على أن أمه ﵊ ممن لا يستغفر له، وفي ذلك نزاع شهير بين العلماء، ولعل النوبة تفضي إلى تحقيق الحق فيه إن شاء الله تعالى: وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ آزر بقوله وَاغْفِرْ لِأَبِي [الشعراء: ٨٦] أي بأن توفقه للإيمان وتهديه إليه كما يلوح به تعليله بقوله: إِنَّهُ كانَ مِنَ الضَّالِّينَ [الشعراء: ٨٦] والجملة استئناف لتقرير ما سبق ودفع ما يتراءى بحسب الظاهر من المخالفة، وأخرج أبو الشيخ وابن عساكر من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: لما مات أبو طالب قال له رسول الله ﷺ : رحمك الله وغفر لك لا أزال أستغفر لك حتى ينهاني الله تعالى فأخذ المسلمون يستغفرون لموتاهم الذين ماتوا وهم مشركون فأنزل الله تعالى ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية فقالوا: قد استغفر إبراهيم لأبيه فأنزل سبحانه وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وقرأ طلحة «وما استغفر»

стр. 2181

وعنه «وما يستغفر» على حكاية الحال الماضية لا أن الاستغفار سوف يقع بعد يوم القيامة كما يتوهم مما سيأتي إن شاء الله تعالى، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي لم يكن استغفاره ﵇ لأبيه ناشئا عن شيء من الأشياء إلا عن موعدة وَعَدَها أي إبراهيم ﵇ إِيَّاهُ أي أباه بقوله: لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة: ٤] ، وقوله: سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي [مريم: ٤٧] فالوعد كان من إبراهيم ﵇. ويدل على ذلك ما روي عن الحسن، وحماد الراوية، وابن السميفع، وابن نهيك، ومعاذ القارئ أنهم قرؤوا «وعدها أباه» بالموحدة، وعد ذلك أحد الأحرف الثلاث (١) التي صحفها ابن المقفع في القرآن مما لا يلتفت إليه بعد قراءة غير واحد من السلف به وإن كانت شاذة. وحاصل معنى الآية ما كان لكم الاستغفار بعد التبين واستغفار إبراهيم ﵊ إنما كان عن موعدة قبل التبين، ومآله أن استغفار إبراهيم ﵇ كان قبل التبين وينبىء عن ذلك قوله تعالى: فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أي لإبراهيم ﵇ أَنَّهُ أي إن أباه عَدُوٌّ لِلَّهِ أي مستمر على عداوته تعالى وعدم الإيمان به وذلك بأن أوحى إليه ﵇ أنه مصرّ على الكفر. وأخرج ابن جرير وابن المنذر وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن ذلك التبين كان بموته كافرا وإليه ذهب قتادة، وقيل: والأنسب بوصف العداوة هو الأول والأمر فيه هين. تَبَرَّأَ مِنْهُ أي قطع الوصلة بينه وبينه، والمراد تنزه عن الاستغفار له وتجانب كل التجانب، وفيه من المبالغة ما ليس في تركه ونظائره إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ أي لكثير التأوه، وهو عند جماعة كناية عن كمال الرأفة ورقة القلب. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم، وغيرهما عن عبد الله بن شداد قال: قال رجل: يا رسول الله ما الأوّاه؟ قال: الخاشع المتضرع الدعاء. وأخرج أبو الشيخ عن زيد بن أسلم أنه الدعاء المستكن إلى الله تعالى كهيئة المريض المتأوه من مرضه وهو قريب مما قبله: وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ومجاهد، وقتادة، وعطاء، والضحاك، وعكرمة إنه الموقن بلغة الحبشة، وعن عمرو بن شرحبيل أنه الرحيم بتلك اللغة وأطلق ابن مسعود تفسيره بذلك، وعن الشعبي أنه المسبح. وأخرج البخاري في تاريخه أنه الذي قلبه معلق عند الله تعالى. وأخرج البيهقي في شعب الإيمان وغيره عن كعب أن إبراهيم وصف بالأواه لأنه كان إذا ذكر النار قال أوه من النار أوه. وأخرج أبو الشيخ عن أبي الجوزاء مثله، وإذا صح تفسير رسول الله ﷺ له لا ينبغي العدول عنه. نعم ما ذهب إليه الجماعة غير مناف له ومناسبته لما نحن فيه ظاهرة كما لا يخفى، وقد صرح غير واحد أنه فعال للمبالغة من التأوه، وقياس فعله أن يكون ثلاثيا لأن أمثلة المبالغة إنما يطرد أخذها منه، وحكى قطرب له فعلا ثلاثيا فقال: يقال آه يؤوه كقام يقوم أوها وأنكره عليه غيره وقال: لا يقال إلا أوه وتأوه قال المثقب العبدي: إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين وأصل التأوه قوله آه ونحوه مما يقوله الحزين. وفي الدرة للحريري أن الأفصح أن يقال في التأوه أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها والكسر أغلب، وعليه قول الشاعر: فأوه لذكراها إذا ما ذكرتها ... ومن بعد أرض بيننا وسماء وقد شدد بعضهم الواو وأسكن الهاء فقال أوه، وقلب بعضهم الواو ألفا فقال آه، ومنهم من حذف الهاء وكسر الواو فقال أو ثم ذكر أن تصريف الفعل من ذلك أوه وتأوه وأن المصدر الآهة والأهة وإن من ذلك قول المثقب السابق

стр. 2182

حَلِيمٌ أي صبور على الأذى صفوح عن الجناية، أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان من حلمه ﵇ أنه إذا آذاه الرجل من قومه قال له: هداك الله تعالى، ولعل تفسيره بالسيد على ما روي عن الحبر مجاز، والجملة استئناف لبيان ما جملة ﵊ على الموعدة بالاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه وسوء خلقه معه كما يؤذن بذلك قوله ﵊: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [مريم: ٦٤] ، وقيل: استئناف لبيان ما حمله على الاستغفار. وأورد عليه أنه يشعر بظاهره أن استغفار إبراهيم ﵇ لأبيه كان عن وفور الرحمة وزيادة الحلم وهو يخالف صدر الآية حيث دل على أنه كان عن موعدة ليس إلا، ولعل المراد أن سبب الاستغفار ليس إلا الموعدة الناشئة عما ذكر فلا إشكال. وفيها تأكيد لوجوب الاجتناب بعد التبين كأنه قيل: إنه ﵊ تبرأ منه بعد التبين وهو في كمال رقة القلب والحلم فلا بد أن يكون غيره أكثر منه اجتنابا وتبرؤا، وجوز بعضهم أن يكون فاعل وعد ضمير الأب وإِيَّاهُ ضمير إبراهيم ﵊ أي إلا عن موعدة وعدها إبراهيم أبوه وهي الوعد بالإيمان. قال شيخ مشايخنا صبغة الله أفندي الحيدري: لعل هذا هو الأظهر في التفسير فإن ظاهر هذا السياق أن هذه الآية دفع لما يرد على الآية الأولى من النقض باستغفار إبراهيم لأبيه الكافر ويكفي فيه مجرد كونه في حياة أبيه حيث يحمل ذلك على طلب المغفرة له بالتوفيق للإيمان كما قرر سابقا من غير حاجة إلى حديث الموعدة فيصير إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ كالحشو على التوجيه الأول للضميرين بخلاف هذا التوجيه فإن محصله عليه هو أنه لا يرد استغفار إبراهيم لأبيه نقضا على ما ذكرنا إذ هو إنما صدر عن ظن منه ﵊ بإيمانه حيث سبق وعده به معه ﵊ فظن أنه وفى بالوعد وجرى على مقتضى العهد فاستغفر له فلما تبين له أنه لن يفي ولن يؤمن قط أو لم يف ولم يؤمن تبرأ منه. ويمكن أن يوجه ذكر الموعدة على التوجيه الأول أيضا بأن يقال: أراد تضمين الجواب بكون ذلك الاستغفار في حال حياة المستغفر له وحمله على الطلب المذكور فائدة أخرى هي أنه ﷺ لغاية تصلبه في الدين وفرط تعصبه على اليقين ما كان يستغفر له وإن كان جائزا لكن تأوه وتحلم فاستغفر له وفاء بالموعدة التي وعدها إياه فتفطن انتهى، وأنت تعلم أنه على التوجيه الثاني لا يستقيم ما قالوه في استئناف الجملة من أنه لبيان الحامل وكان عليه أن يذكر وجه ذلك عليه، وأيضا قوله رحمه الله تعالى في بيان الفائدة: لكنه تأوه وتحلم حيث نسب فيه الحلم إلى إبراهيم ﵊ بصيغة التفعل مع وصفه تعالى له ﵊ بالحليم عثرة لا يقال لصاحبها لعا، وحمل ذلك على المشاكلة مع إرادة فعل مما لا يوافق غرضه وسوق كلامه، فالحق الذي ينبغي أن يعول عليه التفسير الأول للآية وهو الذي يقتضيه ما روي عن الحسن، وغيره من سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم. وذكر حديث الموعدة لبيان الواقع في نفس الأمر مع ما فيه من الإشارة إلى تأكيد الاجتناب وتقوية الفرق كأنه قيل: فرق بين بين الاستغفار الذي نهيتم عنه واستغفار إبراهيم ﵇ فإن استغفاره كان قبل التبين وكان عن موعدة دعاه إليها فرط رأفته وحلمه وما نهيت عنه ليس كذلك. بقي أن هذه الآية يخالفها ظاهر ما رواه البخاري في الصحيح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: يلقى إبراهيم ﵇ أباه يوم القيامة وعلى وجهه قترة وغبرة فيقول إبراهيم ﵊: ألم أقل لك لا تعصني فيقول أبوه: اليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم ﵊: يا رب إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون فأي خزي أخزى من أبي الأبعد فيقول الله تعالى إني حرمت الجنة على الكافرين ثم يقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار. ورواه غيره بزيادة فيتبرأ منه فإن

стр. 2183

الآية ظاهرة في انقطاع رجاء إبراهيم ﵇ اتصاف أبيه بالإيمان وجزمه بأنه لا يغفر له ولذلك تبرأ منه وترك الاستغفار له فإن الاستغفار له مع الجزم بأنه لا يغفر له مما لا يتصور وقوعه من العارف لا سيما مثل الخليل ﵊، وقد صرحوا بأن طلب المغفرة للمشرك طلب للتكذيب الله سبحانه نفسه، والحديث ظاهر في أنه ﵊ يطلب ذلك له يوم القيامة ولا ييأس من نجاته إلا بعد المسخ فإذا مسخ يئس منه وتبرأ. وأجاب الحافظ ابن حجر عن المخالفة بجوابين بحث فيهما بعض فضلاء الروم، ومن الغريب قوله في الجواب الثاني: إن إبراهيم ﵊ لم يتيقن موت أبيه على الكفر لجواز أن يكون آمن في نفسه ولم يطلع ﵊ على ذلك ويكون وقت تبريه منه بعد الحالة التي وقعت في الحديث فإنه مخالف مخالفة ظاهرة لما يفهم من الآية من أن التبين والتبري كان كل منهما في الدنيا، وأجاب ذلك البعض بأنا لا نسلم التخالف بين الآية والحديث، وإنما يكون بينهما ذلك لو كان في الحديث دلالة على وقوع الاستغفار من إبراهيم لأبيه وطلب الشفاعة له وليس فليس، وقوله: يا رب إنك وعدتني إلخ أراد به ﵊ محض الاستفسار عن حقيقة الحال فإنه اختلج في صدره الشريف أن هذه الحال الواقعة على أبيه خزي له وأن خزي الأب خزي الابن فيؤدي ذلك إلى خلف الوعد المشار إليه بقوله: إنك وعدتني أن لا تخزيني يوم يبعثون، وأنت خبير بأن الخبر ظاهر في الشفاعة، وهي استغفار كما يدل عليه كلام المتكلمين في ذلك المقام. ويزيد ذلك وضوحا أن الحاكم أخرج عن أبي هريرة أيضا وصححه، وقال على شرط مسلم: إن النبي ﷺ قال: «يلقى رجل أباه يوم القيامة فيقول: يا أبت أي ابن كنت لك؟ فيقول: خير ابن. فيقول: هل أنت مطيعي اليوم؟ فيقول: نعم. فيقول خذ بإزرتي فيأخذ بإزرته ثم ينطلق حتى يأتي الله تعالى وهو يفصل بين الخلق فيقول: يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت فيقول: أي رب وأبي معي فإنك وعدتني أن لا تخزيني قال فيمسخ أباه ضبعا فيهوى في النار فيأخذ بأنفه فيقول سبحانه: يا عبدي هذا أبوك فيقول: لا وعزتك» ، وقال الحافظ المنذري: إنه في صحيح البخاري إلا أنه قال: «يلقى إبراهيم أباه» وذكر القصة إذ يفهم من ذلك أن الرجل في حديث الحاكم هو إبراهيم ﵊ وطلبه المغفرة لأبيه فيه وإدخاله الجنة أظهر منهما في حديث البخاري وما ذكره الزمخشري مخالفا على ما قيل: لما شاع عن المعتزلة أن امتناع جواز الاستغفار للكافر إنما علم بالوحي لا بالعقل لأن العقل يجوز أن يغفر الله تعالى للكافر، ألا ترى إلى قوله ﷺ لأبي طالب: لأستغفرن لك ما لم أنه لا ينفع في هذا الغرض إلا إذا ضم إليه عدم علم إبراهيم ﵊ ذلك بالوحي إلى يوم القيامة وهو مما لا يكاد يقدم عليه عاقل فضلا عن فاضل. وأجاب بعض المعاصرين أن إبراهيم ﵊ كان عالما بكفر أبيه ومتيقنا بأن الله تعالى لا يغفر أن يشرك به إلا أن الشفقة والرأفة الطبيعية غلبت عليه حين رأى أباه في عرصات يوم القيامة وعلى وجهه قترة فلم يملك نفسه أن طلب ما طلب، ونظير ذلك من وجه قول نوح ﵊ لربه سبحانه: رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ [هود: ٤٥] ولا يخفى أنه من الفساد بمكان ومثله ما قيل: إنه ظن استثناء أبيه من عموم إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ [النساء: ٤٨، ١١٦] لأن الله وعده أن لا يخزيه فقدم على الشفاعة له، ولعمري لا يقدم عليه إلا جاهل بجهله. أما الأول فلأن الأنبياء ﵈ أجل قدرا من أن تغلبهم أنفسهم على الإقدام على ما فيه تكذيب الله تعالى نفسه، وأما الثاني فلأنه لو كان لذلك الظن أصل ما كان يتبرأ منه ﵇ في الدنيا بعد أن تبين له أنه عدو لله وهو الأواه الحليم.

стр. 2184

وقيل: إن الأحسن في الجواب التزام أن ما في الخبرين ليس من الشفاعة في شيء ويقال: إن إبراهيم ﵊ ظن أن خزي أبيه في معنى الخزي له فطلب بحكم وعد الله سبحانه إياه أن لا يخزيه تخليصه من ذلك حسبما يمكن فخلصه منه بمسخ ذيخا، ولعل ذلك مما يعده إبراهيم ﵇ تخليصا له من الخزي لاختلاف النوع وعدم معرفة العارفين لأبيه بعد أنه أبوه فكأن الأبوة انقطعت من البين ويؤذن بذلك أنه بعد المسخ يأخذ سبحانه بأنفه فيقول له ﵇: يا عبدي هذا أبوك؟ فيقول: لا وعزتك، ولعل المراد من التبري في الرواية السابقة في الخبر الأول هو هذا القول، وتوسيط حديث تحريم الجنة على الكافرين ليس لأن إبراهيم ﵇ كان طالبا إدخال أبيه فيها بل لإظهار عدم إمكان هذا الوجه من التخليص إقناطا لأبيه وإعلاما له بعظم ما أتى به، ويحمل قوله ﵇ في خبر الحاكم حين يقال له: يا عبدي ادخل من أي أبواب الجنة شئت أي رب وأبي معي على معنى أأدخل وأبي واقف معي، والمراد لا أدخل وأبي في هذه الحال وإنما أدخل إذا تغيرت، ويكون قوله ﵇: فإنك وعدتني أن لا تخزيني تعليلا للنفي المدلول عليه بالاستفهام المقدر وحينئذ يرجع الأمر إلى طلب التخليص عما ظنه خزيا له أيضا فيمسخ ضبعا لذلك. ولا يرد أن التخليص ممكن بغير المسخ المذكور لأنا نقول: لعل اختيار ذلك المسخ دون غيره من الأمور الممكنة ما عدا دخول الجنة لحكمة لا يعلمها إلا هو سبحانه، وقد ذكروا أن حكمة مسخه ضبعا دون غيره من الحيوانات أن الضبع أحمق الحيوانات ومن حمقه أنه يغفل عما يجب له التيقظ ولذلك قال علي كرم الله تعالى وجهه: لا أكون كالضبع يسمع الكدم فيخرج له حتى يصاد وآزر لما لم يقبل النصيحة من أشفق الناس عليه زمان إمكان نفعها له وأخذ بإزرته حين لا ينفعه ذلك شيئا كان أشبه الخلق بالضبع فمسخ ضبعا دون غيره لذلك، ولم يذكروا حكمة اختيار المسخ دون غيره وهو لا يخلو عن حكمة والجهل بها لا يضر انتهى. ولا يخفى ما في هذا الجواب من التكلف، وأولى منه التزام كون فاعل وعد ضمير الأب وضمير إِيَّاهُ راجعا إلى إبراهيم ﵊ وكون التبين والتبري واقعين في الآخرة حسبما تضمنه الخبران السابقان، فحينئذ لا يبعد أن يكون إبراهيم مستغفرا لأبيه بعد وعده إياه بالإيمان طالبا له الجنة لظن أنه وفى بوعده حتى يمسخ ذيخا، لكن لا يساعد عليه ظاهر الآية ولا المأثور عن سلف الأمة وإن صح كون الآية عليه دفعا لما يرد على الآية الأولى من النقض أيضا بالعناية، ولعل أخف الأجوبة مؤنة كون مراد إبراهيم ﵊ من تلك المحاورة التي تصدر منه في ذلك الموقف إظهار العذر فيه لأبيه وغيره على أتم وجه لا طلب المغفرة حقيقة، وهذا كما قال المعتزلة في سؤال موسى ﵇ رؤية الله تعالى مع العلم بامتناعها في زعمهم، والقول بأن أهل الموقف الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وغيرهم من سائر المؤمنين والكفار سواء في العلم بامتناع المغفرة للمشرك مثلا في حيز المنع، وربما يدعى عدم المساواة لظاهر طلب الكفار العفو والإخراج من النار ونحو ذلك بل في الخبرين السابقين ما يدل على عدم علم الأب بحقيقة الحال وأنه لا يغفر له فتأمل ذاك والله سبحانه يتولى هداك «وبقي أيضا» أنه استشكل القول بأن استغفار إبراهيم ﵊ لأبيه حتى تبين له أنه عدو لله كان في حياته بما في سورة الممتحنة من قوله سبحانه: قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ [الممتحنة: ٤] إلى قوله سبحانه: إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ [الممتحنة: ٤] حيث منع من الاقتداء به فيه ولو كان في حياته لم يمنع منه لأنه يجوز الاستغفار بمعنى طلب الإيمان لأحياء المشركين. وأجيب بأنه إنما منع من الاقتداء بظاهره وظن أنه جائز مطلقا كما وقع لبعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك بإذن الله تعالى الهادي. وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً أي ما يستقيم من لطف الله تعالى وأفضاله أن يصف قوما بالضلال عن طريق

стр. 2185

الحق ويذمهم ويجري عليهم أحكامه بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ للإسلام حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ بالوحي صريحا أو دلالة ما يَتَّقُونَ أي ما يجب اتقاؤه من محذورات الدين فلا ينزجروا عما نهوا عنه، وكأنه تسلية للذين استغفروا للمشركين قبل البيان حيث أفاد أنه ليس من لطفه تعالى أن يذم المؤمنين ويؤاخذهم في الاستغفار قبل أن يبين أنه غير جائز لمن تحقق شركه لكنه سبحانه يذم ويؤاخذ من استغفر لهم بعد ذلك. والآية على ما روي عن الحسن نزلت حين مات بعض المسلمين قبل أن تنزل الفرائض فقال إخوانهم: يا رسول الله إخواننا الذين ماتوا قبل نزول الفرائض ما منزلتهم وكيف حالهم؟ وعن مقاتل والكلبي أن قوما قدموا على النبي ﷺ قبل تحريم الخمر وصرف القبلة إلى الكعبة ثم رجعوا إلى قومهم فحرمت الخمر وصرفت القبلة ولم يعلموا ذلك حتى قدموا بعد زمان إلى المدينة فعلموا ذلك فقالوا: يا رسول الله قد كنت على دين ونحن على غيره فنحن في ضلال فأنزل الله تعالى الآية، وحمل الإضلال فيها على ما ذكرنا هو الظاهر وليس من الاعتزال في شيء كما توهم وكأنه لذلك عدل عنه الواحدي حيث زعم أن المعنى ما كان الله لوقع في قلوبهم الضلالة: واستدل بها على أن الغافل وهو من لم يسمع النص والدليل السمعي غير مكلف، وخص ذلك المعتزلة بما لم يعلم بالعقل كالصدق في الخبر ورد الوديعة فإنه غير موقوف على التوقيف عندهم وهو تفريع على قاعدة الحسن والقبح العقليين ولأهل السنة فيها مقال إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعليل لما سبق أي إن الله تعالى عليم بجميع الأشياء التي من جملتها حاجتهم إلى البيان فيبين لهم، وقيل: إنه استئناف لتأكيد الوعيد المفهوم مما قبله، وكذا قوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ من غير شريك له فيه. يُحْيِي وَيُمِيتُ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ وقال غير واحد: إنه سبحانه لما منعهم عن الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربى وتضمن ذلك وجوب التبري عنهم رأسا بين لهم أن الله سبحانه مالك كل موجود ومتولي أمره والغالب عليه ولا يتأتى لهم ولاية ولا نصر إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه جل شأنه بشراشرهم متبرئين عما سواه غير قاصدين إلا إياه لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ قال أصحاب المعاني المراد ذكر التوبة على المهاجرين والأنصار إلا أنه جيء في ذلك بالنبي ﷺ تشريفا لهم وتعظيما لقدرهم، وهذا كما قالوا في ذكره تعالى في قوله سبحانه: فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ [الأنفال: ٤١] إلخ أي عفا سبحانه عن زلات سبقت منهم يوم أحد ويوم حنين، وقيل: المراد ذكر التوبة عليه ﵊ وعليهم، والذنب بالنسبة إليه ﷺ من باب خلاف الأولى نظرا إلى مقامه الجليل، وفسر هنا على ما روي عن ابن عباس بالإذن للمنافقين في التخلف، وبالنسبة إليهم رضي الله تعالى عنهم لا مانع من أن يكون حقيقيا إذ لا عصمة عندنا لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ويفسر بما فسر أولا. وجوز أيضا أن يكون من باب خلاف الأولى بناء على ما قيل: إن ذنبهم كان الميل إلى القعود عن غزوة تبوك حيث وقعت في وقت شديد، وقد تفسر التوبة بالبراءة عن الذنب والصون عنه مجازا حيث إنه لا مؤاخذة في كل وظاهر الإطلاق الحقيقة، وفي الآية ما لا يخفى من التحريض والبعث على التوبة للناس كلهم الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ ولم يتخلفوا عنه ﷺ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ أي في وقت الشدة والضيق، والتعبير عنه بالساعة لزيادة تعيينه وكانت تلك الشدة حالهم في غزوة تبوك فإنهم كانوا في شدة من الظهر يعتقب العشرة على بعير واحد وفي شدة من الزاد تزودوا التمر المدود والشعير المسوس والإهالة الزنخة وبلغت بهم الشدة أن قسم التمرة اثنان، وربما مصها الجماعة ليشربوا عليها الماء كما روي عن قتادة، وفي شدة من الماء حتى نحروا الإبل واعتصروا فروثها كما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وفي شدة زمان من حمارة القيظ ومن الجدب والقحط، ومن هنا قيل لتلك الغزوة غزوة العسرة ولجيشها جيش العسرة.

стр. 2186

ووصف المهاجرين والأنصار بالاتباع في هذه الساعة للإشارة إلى أنهم حريون بأن يتوب الله عليهم لذلك وفيه أيضا تأكيد لأمر التحريض السابق مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بيان لتناهي الشدة وبلوغها الغاية القصوى وهو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا إلى التخلف عن النبي ﷺ ، وقيل: هو إشراف بعضهم إلى أن يميلوا عن الثبات على الإيمان وحمل ذلك على مجرد الهم والوسوسة، وقيل: كان ميلا من ضعفائهم وحديثي عهدهم بالإسلام. وفي كادَ ضمير الشأن وقُلُوبُ فاعل يَزِيغُ والجملة في موضع الخبر لكاد ولا تحتاج إلى رابط لكونها خبرا عن ضمير الشأن وهو المنقول عن سيبويه وإضمار الشأن على ما نقل عن الرضى ليس بمشهور في أفعال المقاربة إلا في كاد وفي الناقصة إلا في كان وليس، وجوز أن يكون اسم كاد ضمير القوم والجملة في موضع الخبر أيضا والرابط عليه الضمير في مِنْهُمْ وهذا على قراءة يَزِيغُ بالياء التحتانية وهي قراءة حمزة، وحفص، والأعمش وأما على قراءة «تزيغ» بالتاء الفوقانية وهي قراءة الباقين فيحتمل أن يكون قُلُوبُ اسم كاد و «تزيغ» خبرها وفيه ضمير يعود على اسمها ولا يصح هذا على القراءة الأولى لتذكير ضمير يزيغ، وتأنيث ما يعود إليه وقد ذكر هذا الوجه منتخب الدين الهمداني وأبو طالب المكي وغيرهما. وتعقبه في الكشف بأن في جعل القلوب اسم كاد خلاف وضعه من وجوب تقديم اسمه على خبره كما ذكره الشيخ ابن الحاجب في شرح المفصل. وفي البحر أن تقديم خبر كاد على اسمها مبني على جواز تركيب كان يقوم زيد وفيه خلاف والأصح المنع، وأجاب بعض فضلاء الروح بأن أبا علي جوز ذلك وكفى به حجة، وبأن عليه كلام ابن مالك في التسهيل وكذا كلام شراحه ومنهم أبو حيان وجرى عليه في ارتشافه أيضا، ولا يعبأ بمخالفته في البحر إذ مبني ذلك القياس على باب كان وهو لا يصادم النص عن أي علي، على أن في كون أبي حيان من أهل القياس منعا ظاهرا فألحق الجواز، ويحتمل أن يكون اسم كاد ضميرا يعود على جمع المهاجرين والأنصار أي من بعد ما كاد الجمع، وقدر ابن عطية مرجع الضمير القوم أي من بعد ما كاد القوم. وضعف بأنه أضمر في كاد ضمير لا يعود إلا على متوهم، وبأن خبرها يكون قد رفع سببيا وقد قالوا: إنه لا يرفع إلا ضميرا عائدا على اسمها وكذا خبر سائر أخواتها ما عدا عسى في رأى، ولا يخفى ورود هذا أيضا على توجيهي القراءة الأولى لكن الأمر على التوجيه الأول سهل. وجوز الرضى تخريج الآية على التنازع وهو ظاهر على القراءة الثانية ويتعين حينئذ إعمال الأول إذ لو أعمل الثاني لوجب أن يقال في الأول «كادت» كما قرأ به أبي رضي الله تعالى عنه. ولا يجوز كاد إلا عند الكسائي فإنه يحذف الفاعل، وكأن الرضي لم يبال بما لزم على هذا التخريج من تقديم خبر كاد على اسمه لما عرفت من أنه ليس بمحذور على ما هو الحق. وذهب أبو حيان إلى أن كادَ زائدة ومعناها مراد ككان ولا عمل لها في اسم ولا خبر ليخلص من القيل والقال، ويؤيده قراءة ابن مسعود «من بعد ما زاغت» بإسقاط كاد، وقد ذهب الكوفيون إلى زيادتها في نحو لم يكد مع أنها عاملة معمولة فهذا أولى. وقرأ الأعمش «تزيغ» بضم التاء، وجعلوا الضمير على قراءة ابن مسعود للمتخلفين سواء كانوا من المنافقين أم لا كأبي لبابة ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ تكرير للتأكيد بناء على أن الضمير للنبي ﷺ والمهاجرين والأنصار رضي الله تعالى عنهم، والتأكيد يجوز عطفه بثم كما صرح به النحاة وإن كان كلام أهل المعاني يخالفه ظاهرا، وفيه تنبيه على أن توبته سبحانه في مقابلة ما قاسوه من الشدائد كما دل عليه التعليق بالموصول، ويحتمل أن يكون الضمير للفريق، والمراد أنه تاب عليهم لكيدودتهم وقربهم من الزيغ لأنه جرم محتاج إلى التوبة عليه فلا تكرار لما سبق، وقوله: إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ استئناف تعليلي فإن صفة الرأفة والرحمة من دواعي التوبة والعفو، وجوز كون الأول عبارة عن إزالة الضرر والثاني عن إيصال النفع، وأن يكون أحدهما للسوابق والآخر للواحق وَعَلَى الثَّلاثَةِ عطف على النَّبِيِّ، وقيل:

стр. 2187

إن تابَ مقدر في نظم الكلام لتغاير هذه التوبة والتوبة السابقة وفيه نظر، أي وتاب على الثلاثة الَّذِينَ خُلِّفُوا أي خلف أمرهم وأخر عن أمر أبي لبابة وأصحابه حيث لم يقبل منهم معذرة مثل أولئك ولا ردت ولم يقطع في شأنهم بشيء إلى أن نزل الوحي بهم، فالإسناد إليهم إما مجاز أو بتقدير مضاف في النظم الجليل، وقد يفسر المتعدي باللازم أي الذين تخلفوا عن الغزو وهم: كعب بن مالك من بني سلمة، وهلال بن أمية من بني واقف، ومرارة بن الربيع من بني عمرو بن عوف، ويقال فيه ابن ربيعة، وفي مسلم، وغيره وصفه بالعامري وصوب كثير من المحدثين العمري بدله. وقرأ عكرمة، وزر بن حبيش وعمرو بن عبيد «خلفوا» بفتح الخاء واللام خفيفة أي خلفوا الغازين بالمدينة أو فسدوا من الخالفة وخلوف الفم، وقرأ علي بن الحسين ومحمد الباقر وجعفر الصادق رضي الله تعالى عنهم وأبو عبد الرحمن السلمي «خالفوا» ، وقرأ الأعمش: «وعلى المخلفين» وظاهر قوله تعالى: حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ أنه غاية للتخليف بمعنى تأخير الأمر أي أخر أمرهم إلى أن ضاقت عليهم الأرض بِما رَحُبَتْ أي برحبها وسعتها لإعراض الناس عنهم وعدم مجالستهم ومحادثتهم لهم لأمر النبي ﷺ لهم بذلك وهو مثل لشدة الحيرة، والمراد أنهم لم يقروا في الدنيا مع سعتها وهو كما قيل: كأن بلاد الله وهي فسيحة ... على الخائف المطلوب كفة حابل وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ أي قلوبهم وعبر عنها بذلك مجازا لأن قيام الذوات بها، ومعنى ضيقها غمها وحزنها كأنها لا تسع السرور لضيقها، وفي هذا ترق من ضيق الأرض عليهم إلى ضيقهم في أنفسهم وهو في غاية البلاغة وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ أي علموا أن لا ملجأ من سخطه إلا إلى استغفاره والتوبة إليه سبحانه، وحمل الظن على العلم لأنه المناسب لهم ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ أي وفقهم للتوبة لِيَتُوبُوا أو أنزل قبول توبتهم في القرآن وأعلمهم بها ليعدهم المؤمنون في جملة التائبين أو رجع عليهم بالقبول والرحمة مرة بعد أخرى ليستقيموا على التوبة ويستمروا عليها، وقيل: التوبة ليست هي المقبولة، والمعنى قبل توبتهم من التخلف ليتوبوا في المستقبل إذ صدرت منهم هفوة ولا يقنطوا من كرمه سبحانه إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ المبالغ في قبول التوبة لمن تاب ولو عاد في اليوم مائة مرة الرَّحِيمُ المتفضل عليهم بفنون الآلاء مع استحقاقهم لأفانين العقاب. أخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأحمد، والبخاري، ومسلم، والبيهقي من طريق الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال: «سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة تبوك قال كعب: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غزاها قط إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر ولم يعاتب أحدا تخلف عنها إنما خرج رسول الله ﷺ يريد عير قريش حتى جمع الله تعالى بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أذكر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قلما يريد غزاة إلا ورى بغيرها حتى كانت الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حر شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفاوز، واستقبل عدوا كثيرا فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم وأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير لا يجمعهم كتاب حافظ- يريد الديوان- قال كعب فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما

стр. 2188

لم ينزل فيه وحي من الله وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأنا إليها أصغرهم فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم فأرجع ولا أقضي شيئا فأقول لنفسي أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئا وقلت أتجهز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت يوم ما فصلوا لا تجهز فرجعت ولم أقض من جهازي شيئا ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى انتهوا وتفارط الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي وطفقت إذا خرجت في الناس بعد رسول الله ﷺ يحزنني أن لا أرى إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق أو رجلا ممن عذره الله تعالى ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك قال رجل من بني سلمة: حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا فسكت رسول الله ﷺ فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد توجه قافلا من تبوك حضرني شيء فطفقت أتفكر الكذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا أستعين على ذلك بكل ذي رأي من أهلي فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظل قادما زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا فأجمعت صدقة فأصبح رسول الله ﷺ قادما، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا فقبل رسول الله ﷺ علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما سلمت عليه ﵊ تبسم تبسم المغضب ثم قال لي: تعال فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي: ما خلفك ألم تكن قد اشتريت ظهرك؟ فقلت: يا رسول الله لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سخطه بعذر لقد أعطيت جدلا ولكن والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بحديث كذب ترضى عني به ليوشكن الله تعالى بسخطك علي ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه أني لأرجو فيه عقبى من الله تعالى، والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك فقال رسول الله ﷺ : أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تعالى فيك فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون ولقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله ﷺ قال: فو الله ما زالوا يرايبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي، ثم قلت: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع وهلال بن أمية فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة فمضيت حين ذكروهما لي قال: ونهى رسول الله ﷺ عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم وأقول في نفسي هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إلي فإذا التفت نحوه أعرض حتى إذا طال عليّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة- وهو ابن عمي وأحب الناس إلي- فسلمت عليه فو الله ما رد السلام علي فقلت له: أبا قتادة أنشدك الله تعالى هل تعلم أني أحب الله تعالى ورسوله ﷺ ؟ فسكت فعدت فنشدته فسكت فعدت فنشدته فقال: الله تعالى ورسوله أعلم ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار، فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نبطي من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان وكنت كاتبا فإذا فيه: أما بعد

стр. 2189

فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله تعالى بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسيك. فقلت حين قرأتها: وهذه أيضا من البلاء فتيممت بها التنور فسجرته فيها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك قلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها وأرسل إلي صاحبي مثل ذلك فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك لتكوني عندهم حتى يقضي الله تعالى في هذا الأمر، فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن هلالا شيخ ضائع، وليس له خادم فهل تكره أن أخدمه؟ فقال: لا ولكن لا يقربنك قالت: وإنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما زال يبكي من لدن أن كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال أن تخدمه فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ وما أدري ماذا يقول إذا استأذنته وأنا رجل شاب قال: فلبثت عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى عنا قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك أبشر فخررت ساجدا وعرفت أن قد جاء فرج فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله تعالى علينا حين صلى الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي مبشرون وركض إليّ رجل فرسا وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي وكسوتهما إياه ببشارته والله ما أملك غيرهما يومئذ فاستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله ﷺ فتلقاني الناس فوجا بعد فوج يهنئونني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله تعالى عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس فقام إلى طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلى رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرق وجهه من السرور: ابشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا بل من عند الله تعالى، وكان رسول الله ﷺ إذا سر استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى ورسوله ﷺ قال: أمسك بعض مالك فهو خير لك قلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر وقلت: يا رسول الله إنما نجاني الله تعالى بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله تعالى في الصدق بالحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله تعالى فيما بقي قال: وأنزل الله تعالى لَقَدْ تابَ الآية فو الله ما أنعم الله تعالى عليّ من نعمة قط بعد أن هداني الله سبحانه للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله ﵊ يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه فإن الله تعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد فقال: سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إلى قوله سبحانه: الْفاسِقِينَ [التوبة: ٩٥، ٩٦] » . وجاء في رواية عن كعب رضي الله تعالى عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن كلامي وكلام صاحبي فلبثت كذلك حتى طال علي الأمر وما من شيء أهم إلي من أن أموت فلا يصلي علي رسول الله ﷺ أو يموت رسول الله ﷺ فأكون من الناس بتلك المنزلة فلا يكلمني أحد منهم ولا يصلى علي فأنزل الله تعالى توبتنا على نبيه ﷺ حين بقي الثلث الأخير من الليل ورسول الله ﷺ عند أم سلمة، وكانت محسنة في شأني معينة في أمري، فقال رسول الله ﷺ : يا أم سلمة تيب على كعب بن مالك قالت: أفلا أرسل إليه أبشره؟ قال إذا تحطمكم الناس فيمنعونكم النوم

стр. 2190

سائر الليل حتى إذا صلى ﷺ صلاة الفجر آذن بتوبة الله تعالى علينا» . هذا وفي وصفه سبحانه هؤلاء بما وصفهم به دلالة وأية دلالة على قوة إيمانهم وصدق توبتهم، وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النصوح فقال: أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ فيما لا يرضاه وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ أي مثلهم في صدقهم: وأخرج ابن الأنباري عن ابن عباس أنه كان يقرأ «وكونوا من الصادقين» وكذا روى البيهقي وغيره عن ابن مسعود أنه كان يقرأ كذلك، والخطاب قيل: لمن آمن من أهل الكتاب وروي ذلك عن ابن عباس فيكون المراد بالصادقين الذين صدقوا في إيمانهم ومعاهدتهم الله تعالى ورسوله ﷺ على الطاعة: وجوز أن يكون عاما لهم ولغيرهم فيكون المراد بالصادقين الذين صدقوا في الدين نية وقولا وعملا، وأن يكون خاصا بمن تخلف وربط نفسه بالسواري، فالمناسب أن يراد بالصادقين الثلاثة أي كونوا مثلهم في الصدق وخلوص النية. وأخرج ابن المنذر وابن جرير عن نافع أن الآية نزلت في الثلاثة الذين خلفوا، والمراد بالصادقين محمد ﷺ وأصحابه، وبذلك فسره ابن عمر كما أخرجه ابن أبي حاتم وغيره، وعن سعيد بن جبير أن المراد كونوا مع أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما. وأخرج ابن عساكر وآخرون عن الضحاك أنه قال: أمروا أن يكونوا مع أبي بكر، وعمر، وأصحابهما. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن عساكر عن أبي جعفر أن المراد كونوا مع علي كرم الله تعالى وجهه. وبهذا استدل بعض الشيعة على أحقيته كرم الله تعالى وجهه بالخلافة، وفساده على فرض صحة الرواية ظاهر. وعن السدي أنه فسر ذلك بالثلاثة ولم يتعرض للخطاب، والظاهر عموم الخطاب ويندرج فيه التائبون اندراجا أوليا، وكذا عموم مفعول اتَّقُوا ويدخل فيه المعاملة مع رسول الله ﷺ في أمر المغازي دخولا أوليا أيضا، وكذا عموم الصَّادِقِينَ ويراد بهم ما تقدم على احتمال عموم الخطاب. وفي الآية ما لا يخفى من مدح الصدق، واستدل بها كما قال الجلال السيوطي من لم يبح الكذب في موضع من المواضع لا تصريحا ولا تعريضا. وأخرج غير واحد عن ابن مسعود أنه قال: لا يصلح الكذب في جد ولا هزل ولا أن يعد أحدكم صبيته شيئا ثم لا ينجزه وتلا الآية، والأحاديث في ذمه أكثر من أن تحصى، والحق إباحته في مواضع، فقد أخرج ابن أبي شيبه وأحمد عن أسماء بنت يزيد عن النبي ﷺ قال: «كل الكذب يكتب على ابن آدم إلا رجل كذب في خديعة حرب أو إصلاح بين اثنين أو رجل يحدث امرأته ليرضيها» ، وكذا إباحة المعاريض. فقد أخرج ابن عدي عن عمران بن حصين قال: «قال رسول الله ﷺ إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب» ما كانَ أي ما صح ولا استقام لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ كمزينة، وجهينة، وأشجع، وغفار، وأسلم. وإضرابهم أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ عند توجهه ﵊ إلى الغزو وَلا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ أي لا يصرفوها عن نفسه الكريمة ولا يصونوها عما لم يصنها عنه بل يكابدون ما يكابده من الشدائد، وأصله لا يترفعوا بأنفسهم عن نفسه بأن يكرهوا لأنفسهم المكاره ولا يكرهوها له ﵊ بل عليهم أن يعكسوا القضية، وإلى هذا يشير كلام الواحدي حيث قال: يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر أي ترفعت عنه. وفي النهاية يقال: رغبت بفلان عن هذا الأمر أي كرهت له ذلك. وجوز في يَرْغَبُوا النصب بعطفه على يَتَخَلَّفُوا المنصوب بأن وإعادة لا لتذكير النفي وتأكيده وهو الظاهر والجزم على النهي وهو المراد من الكلام إلا أنه عبر عنه بصيغة النفي للمبالغة، وخص أهل المدينة بالذكر لقربهم منه عليه ﵊ وعلمهم بخروجه، وظاهر الآية وجوب النفير إذا خرج رسول الله ﷺ إلى الغزو بنفسه.

стр. 2191

وذكر بعضهم أنه استدل بها على أن الجهاد كان فرض عين في عهده ﵊ وبه قال ابن بطال: وعلله بأنهم بايعوه عليه ﵊ فلا يجب النفير مع أحد من الخلفاء ما لم يلم العدو ولم يمكن دفعه بدونه، وقدر بعضهم في الآية مضافا إلى رسول الله أي أن يتخلفوا عن حكم رسول الله ﷺ وهو خلاف الظاهر وعليه يكون الحكم عاما وفيه بحث. وأخرج ابن جرير وغيره عن ابن زيد أن حكم الآية حين كان الإسلام قليلا فلما كثر وفشا قال الله تعالى: وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً، وأنت تعلم أن الإسلام كان فاشيا عند نزول هذه السورة، ولا يخفى ما في الآية من التعريض بالمتخلفين رغبة باللذائذ وسكونا إلى الشهوات غير مكثرين بما يكابد ﵊، وقد كان تخلف جماعة عنه ﷺ كما علمت لذلك، وجاء أن أناسا من المسلمين تخلفوا ثم إن منهم من ندم وكره مكانه فلحق برسول الله ﷺ غير مبال بالشدائد كأبي خيثمة فقد روي «أنه رضي الله تعالى عنه بلغ بستانه وكانت له امرأة حسناء فرشت له في الظل وبسطت له الحصير وقربت إليه الرطب والماء البارد فنظر فقال: ظل ظليل ورطب يانع وماء بارد وامرأة حسناء ورسول الله ﷺ في الضح والريح ما هذا بخير مقام فرحل ناقته وأخذ سيفه ورمحه ومر كالريح فمد رسول الله ﷺ طرفه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السراب فقال ﵊: كن أبا خيثمة فكانه ففرح به رسول الله ﷺ واستغفر له» ذلِكَ إشارة إلى ما دل عليه الكلام من وجوب المشايعة بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ أي شيء من العطش. وقرىء بالمد والقصر وَلا نَصَبٌ ولا تعب ما وَلا مَخْمَصَةٌ ولا مجاعة ما فِي سَبِيلِ اللَّهِ في جهاد أعدائه أو في طاعته سبحانه مطلقا وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الْكُفَّارَ أي يغضبهم ويضيق صدورهم والوطء والدوس بالأقدام ونحوها كحوافر الخيل وقد يفسر بالإيقاع والمحاربة. ومنه قوله ﷺ «آخر وطأة وطأها الله تعالى بوج» والموطئ اسم مكان على الأشهر الأظهر، وفاعل يَغِيظُ ضميره بتقدير مضاف أي يغيظ وطؤه لأن المكان نفسه لا يغيظ، ويحتمل أن يكون ضميرا عائدا إلى الوطء الذي في ضمنه، وإذا جعل الموطئ مصدرا كالمورد فالأمر ظاهر وَلا يَنالُونَ أي ولا يأخذون مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا أي شيئا من الأخذ فهو مصدر كالقتل والأسر والفعل نال ينيل. وقيل: نال ينول فأصل نيلا نولا فأبدلت الواو ياء على غير القياس، ويجوز أن يكون بمعنى المأخوذ فهو مفعول به لينالون أي لا ينالون شيئا من الأشياء إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ أي بالمذكور وهو جميع ما تقدم ولذا وحد الضمير، ويجوز أن يكون عائدا على كل واحد من ذلك على البدل: قال النسفي: وحد الضمير لأنه لما تكررت لا صار كل واحد منها على البدل مفردا بالذكر مقصودا بالوعد، ولذا قال فقهاؤنا: لو حلف لا يأكل خبزا ولا لحما حنث بواحد منهما ولو حلف لا يأكل لحما وخبزا لم يحنث إلا بالجمع بينهما، والجملة في محل نصب على الحال من ظَمَأٌ وما عطف عليه أي لا يصيبهم ظمأ ولا كذا إلا مكتوبا لهم به عَمَلٌ صالِحٌ أي ثواب ذلك فالكلام بتقدير مضاف، وقد يجعل كناية عن الثواب وأول به لأنه المقصود من كتابة الأعمال، والتنوين للتفخيم، والمراد أنهم يستحقون ذلك استحقاقا لازما بمقتضى وعده تعالى لا بالوجوب عليه سبحانه. واستدل بالآية على أن من قصد خيرا كان سعيه فيه مشكورا من قيام وقعود ومشي وكلام وغير ذلك، وعلى أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم. ولقد أسهم النبي ﷺ لا بني عامر وقد قدما بعض تقضي الحرب، واستدل بها- على ما نقل الجلال السيوطي- أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه على جواز الزنا بنساء أهل الحرب في دار الحرب إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ على إحسانهم، والجملة في موضع التعليل للكتب، والمراد بالمحسنين إما المبحوث عنهم ووضع المظهر موضع المضمر لمدحهم والشهادة

стр. 2192

لهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن أعمالهم من قبيل الإحسان وللإشعار بعلية المأخذ للحكم وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا وَلا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولو تمرة أو علاقة سوط وَلا كَبِيرَةً كما أنفق عثمان رضي الله تعالى عنه في جيش العسرة، وذكر الكبيرة بعد الصغيرة وإن علم من الثواب على الأولى الثواب على الثانية لأن المقصود التعميم لا خصوص المذكور إذ المعنى ولا ينفقون شيئا ما فلا يتوهم أن الظاهر العكس، وفي إرشاد العقل السليم أن الترتيب باعتبار كثرة الوقوع وقلته، وتوسيط لا للتنصيص على استبداد كل منهما بالكتب والجزاء لا لتأكيد النفي كما في قوله تعالى شأنه: وَلا يَقْطَعُونَ أي ولا يتجاوزون في سيرهم لغزو وادِياً وهو في الأصل اسم فاعل من ودى إذا سال فهو بمعنى السيل نفسه ثم شاع في محله وهو المنعرج من الجبال والآكام التي يسيل فيها الماء ثم صار حقيقة في مطلق الأرض ويجمع على أودية كناد على أندية وناج على أنجية ولا رابع لهذه على ما قيل في كلام العرب إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ أي أثبت لهم أو كتب في الصحف أو اللوح ولا يفسر الكتب بالاستحقاق لمكان التعليل بعد، وضمير كُتِبَ على طرز ما سبق أي المذكور أو كل واحد، وقيل: هو للعمل وليس بذاك، وفصل هذا وآخر لأنه أهون مما قبله لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ بذلك أَحْسَنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ أي أحسن جزاء أعمالهم على معنى أن لأعمالهم جزاء حسنا وأحسن وهو سبحانه اختار لهم أحسن جزاء فانتصاب أَحْسَنَ على المصدرية لإضافته إلى مصدر محذوف. وقال الإمام: فيه وجهان: الأول أن الأحسن صفة عملهم وفيه الواجب، والمندوب، والمباح فهو يجزيهم على الأولين دون الأخير، والظاهر أن نصب أَحْسَنَ حينئذ على أنه بدل اشتمال من ضمير يجزيهم كما قيل. وأورد عليه أنه ناء عن المقام مع قلة فائدته لأن حاصله أنه تعالى يجزيهم على الواجب والمندوب وأن ما ذكر منه ولا يخفى ركاكته وأنه غير خفي على أحد وكونه كناية عن العفو عما فرط منهم في خلاله أن وقع لأن تخصيص الجزاء به يشعر بأنه لا يجازى على غيره خلاف الظاهر، ثم قال: الثاني أن الأحسن صفة للجزاء أي ليجزيهم جزاء هو أحسن من أعمالهم وأفضل وهو الثواب. واعترضه أبو حيان بأنه إذا كان الأحسن صفة الجزاء كيف يضاف إلى الأعمال وليس بعضا منها وكيف يفضل عليهم بدون من، ولا وجه لدفعه بأن أصله مما كانوا إلخ فحذف من مع بقاء المعنى على حاله كما قيل لأنه لا محصل له. هذا ووصف النفقة بالصغيرة والكبيرة دون القليلة والكثيرة مع أن المراد ذلك قيل حملا للطاعة على المعصية فإنها إنما توصف بالصغيرة والكبيرة في كلامهم دون القليلة والكثيرة فتأمل وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً أي ما استقام لهم أن يخرجوا إلى الغزو جميعا. روى الكلبي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه تعالى لما شدد على المتخلفين قالوا: لا يتخلف منا أحد عن جيش أو سرية أبدا ففعلوا ذلك وبقي رسول الله ﷺ وحده فنزل وَما كانَ إلخ والمراد نهيهم عن النفير جميعا لما فيه من الإخلال بالتعلم فَلَوْلا نَفَرَ لولا هنا تحضيضية، وهي مع الماضي تفيد التوبيخ على ترك الفعل ومع المضارع تفيد طلبه والأمر به لكن اللوم على الترك فيما يمكن تلافيه قد يفيد الأمر به في المستقبل أي فهلا نفر مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ أي جماعة كثيرة مِنْهُمْ كأهل بلدة أو قبيلة عظيمة طائِفَةٌ أي جماعة قليلة، وحمل الفرقة والطائفة على ذلك مأخوذ من السياق ومن التبعيضية لأن البعض في الغالب أقل من الباقي وإلا فالجوهري لم يفرق بينهما، وذكر بعضهم أن الطائفة قد تقع على الواحد، وآخرون أنها لا تقع وأن أقلها اثنان، وقيل: ثلاثة لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ أي ليتكلفوا الفقاهة فيه فصيغة التفعل للتكلف، وليس المراد به معناه المتبادر بل مقاساة الشدة في طلب ذلك لصعوبته فهو لا يحصل بدون جد وجهد وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ أي عما ينذرون منه وضمير يتفقوا وينذروا عائد إلى الفرقة

стр. 2193

الباقية المفهومة من الكلام، وقيل: لا بد من إضمار وتقدير، أي فلولا نفر من كل فرقة طائفة وأقام طائفة ليتفقهوا إلخ. وكان الظاهر أن يقال: ليعلموا بدل لِيُنْذِرُوا ويفقهون بدل يَحْذَرُونَ لكنه اختير ما في النظم الجليل للإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المعلم الإرشاد والإنذار وغرض المتعلم اكتساب الخشية لا التبسط والاستكبار. قال حجة الإسلام الغزالي عليه الرحمة: كان اسم الفقه في العصر الأول اسما لعلم الآخرة ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة واستيلاء الخوف على القلب وتدل عليه هذه الآية فما به الإنذار والتخويف هو الفقه دون تعريفات الطلاق واللعان والسلم والإجارات، وسأل فرقد السنجي الحسن عن شيء فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك فقال الحسن: ثكلتك أمك هل رأيت فقيها بعينك؟ إنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير بدينه المداوم على عبادة ربه الورع الكاف عن أعراض المسلمين العفيف عن أموالهم الناصح لجماعتهم، ولم يقل في جميع ذلك الحافظ لفروع الفتاوى اه وهو من الحسن بمكان، لكن الشائع إطلاق الفقيه على من يحفظ الفروع مطلقا سواء كانت بدلائلها أم لا كما في التحرير. وفي البحر عن المنتقى ما يوافقه، واعتبر في القنية الحفظ مع الأدلة فلا يدخل في الوصية للفقهاء من حفظ بلا دليل. وعن أبي جعفر أنه قال: الفقيه عندنا من بلغ في الفقه الغاية القصوى، وليس المتفقه بفقيه وليس له من الوصية نصيب، والظاهر أن المعتبر في الوصية ونحوها العرف وهو الذي يقتضيه كلام كثير من أصحابنا، وذكر غير واحد أن تخصيص الإنذار بالذكر لأنه الأهم وإلا فالمقصود والإرشاد الشامل لتعليم السنن والآداب والواجبات والمباحات والإنذار أخص منه، ودعوى أنهما متلازمان وذكر أحدهما مغن عن الآخر غفلة أو تغافل، وذهب كثير من الناس إلى أن المراد من النفر النفر والخروج لطلب العلم فالآية ليست متعلقة بما قبلها من أمر الجهاد بل لما بين سبحانه وجوب الهجرة والجهاد وكل منهما سفر لعبادة فبعد ما فضل الجهاد ذكر السفر الآخر وهو الهجرة لطلب العلم فضمير يتفقهوا وينذروا للطائفة المذكورة وهي النافرة وهو الذي يقتضيه كلام مجاهد. فقد أخرج عنه ابن جرير. وابن المنذر. وغيرهما أنه قال: إن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ خرجوا في البوادي فأصابوا من الناس معروفا ومن الخصب ما ينتفعون به ودعوا من وجدوا من الناس إلى الهدى فقال لهم الناس: ما نراكم إلا قد تركتم أصحابكم وجئتمونا فوجدوا في أنفسهم من ذلك تحرجا وأقبلوا من البادية كلهم حتى دخلوا على النبي ﷺ فنزلت هذه الآية وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ إلخ أي لولا خرج بعض وقعد بعض يبتغون الخير ليتفقهوا في الدين وليسمعوا ما أنزل ولينذروا الناس إذا رجعوا إليهم. واستدل بذلك على أن التفقه في الدين من فروض الكفاية. وما في كشف الحجاب عن أبي سعيد «طلب العلم فريضة على كل مسلم» على تضعيف الصغاني له ليس المراد من العلم فيه إلا ما يتوقف عليه أداء الفرائض ولا شك في أن تعلمه فرض على كل مسلم. وذكر بعضهم أن في الآية دلالة على أن خبر الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر قومها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم يعتبر الأخبار ما لم تتواتر لم يفد ذلك، وقرر بعضهم وجه الدلالة بأمرين: الأول أنه تعالى أمر الطائفة بالإنذار وهو يقتضي فعل المأمور به وإلا لم يكن إنذارا. والثاني أمره سبحانه القوم بالحذر عند الإنذار لأن معنى قوله تعالى: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ليحذروا وذلك أيضا يتضمن لزوم العمل بخبر الواحد، وهذه الدلالة قائمة على أي تفسير شئت من التفسيرين، ولا يتوقف الاستدلال بالآية على ما ذكر على صدق الطائفة على الواحد الذي هو مبدأ الإعداد بل يكفي فيه صدقها على ما لم يبلغ حد التواتر وإن كان ثلاثة فأكثر، وكذا لا يتوقف على أن لا يكون الترجي من المنذرين بل يكون من الله سبحانه ويراد منه الطلب مجازا كما لا يخفى.

стр. 2194

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ أي الذين يقربون منكم قربا مكانيا وخص الأمر به مع قوله سبحانه في أول السورة: فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التوبة: ٥] ونحوه قيل: لأنه من المعلوم أنه لا يمكن قتال جميع الكفار وغزو جميع البلاد في زمان واحد فكان من قرب أولى ممن بعد، ولأن ترك الأقرب والاشتغال بقتال الأبعد لا يؤمن معه من الهجوم على الذراري والضعفاء، وأيضا الأبعد لا حد له بخلاف الأقرب فلا يؤمر به، وقد لا يمكن قتال الأبعد قبل قتال الأقرب، وقال بعضهم: المراد قاتلوا الأقرب فالأقرب حتى تصلوا إلى الأبعد فالأبعد وذلك يحصل الغرض من قتال المشركين كافة، فهذا إرشاد إلى طريق تحصيله على الوجه الأصلح. ومن هنا قاتل ﷺ أولا قومه ثم انتقل إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال قريظة، والنضير، وخيبر. وأضرابهم ثم إلى قتال الروم فبدأ ﵊ بقتال الأقرب فالأقرب وجرى أصحابه على سننه ﷺ إلى أن وصلت سراياهم وجيوشهم إلى ما شاء الله تعالى وعلى هذا فلا نسخ، وروي عن الحسن أن الآية منسوخة بما تقدم والمحققون على أنه لا وجه له، وزعم الخازن تبعا لغيره أن المراد من الولي ما يعم القرب المكاني والنسبي وهو خلاف الظاهر، وقيل: إنه خاص بالنسبي لأنها نزلت لما تحرج الناس من قتل أقربائهم، ولا يخفى ضعفه. وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي شدة كما قال ابن عباس وهي مثلثة الغين، وقرىء بذلك لكن السبعة على الكسر، والمراد من الشدة ما يشمل الجزاءة والصبر على القتال والعنف في القتل والأسر ونحو ذلك، ومن هنا قالوا: إنها كلمة جامعة والأمر على حد- لا أرينك هاهنا- فليس المقصود أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين ذلك بل أمر المؤمنين بالاتصاف بما ذكر حتى يجدهم الكفار متصفين به وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالعصمة والنصرة، والمراد بهم إما المخاطبون والإظهار للتنصيص على أن الإيمان والقتال على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادة بكونهم من زمرة المتقين، وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا، وأيا ما كان فالكلام تعليل وتأكيد لما قبله وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ من سور القرآن فَمِنْهُمْ أي من المنافقين كما روي عن قتادة وغيره مَنْ يَقُولُ على سبيل الإنكار والاستهزاء لإخوانه ليثبتهم على النفاق أو لضعفة المؤمنين ليصدهم عن الإيمان أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ السورة إِيماناً وقرأ عبيد بن عمير «أيكم» بالنصب على تقدير فعل يفسره المذكور ويقدر مؤخرا لأن الاستفهام له الصدر أي أيكم زادت زادته إلخ. واعتبار الزيادة على أول الاحتمالين في المخاطبين باعتبار اعتقاد المؤمنين فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا جواب من جهته تعالى شأنه وتحقيق للحق وتعيين لحالهم عاجلا وآجلا. وقال بعض المدققين: إن الآية دلت على أنهم مستهزئون وأن استهزاءهم منكر فجاء قوله تعالى: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ إلخ تفصيلا لهذين القسمين، وجعل ذلك الطيبي تفصيلا لمحذوف وبينه بما لا يميل القلب إليه، وأيا ما كان فجواب إِذا جملة فَمِنْهُمْ إلخ، وليس هذا وما بعده عطفا عليه أي فأما الذين آمنوا بالله سبحانه وبما جاء من عنده فَزادَتْهُمْ إِيماناً أي تصديقا لأن ذلك هو المتبادر من الإيمان كما قرر في محله. وقبول التصديق نفسه الزيادة والنقص والشدة والضعف مما قال به جمع من المحققين وبه أقول لظواهر الآيات والأخبار ولو كشف لي الغطاء ما ازددت يقينا، ومن لم يقبل قبوله للزيادة ولم يدخل الأعمال في الإيمان قال: إن زيادته بزيادة متعلقة والمؤمن به، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قيل: ويلزمه أن لا زيادته بزيادة متعلقة والمؤمن به، وإليه يشير كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قيل: ويلزمه أن لا يزيد اليوم لإكمال الدين وعدم تجدد متعلق وفيه نظر وإن قاله من تعقد عليه الخناصر وتعتقد بكلامه الضمائر، ومن لم يقبل وأدخل الأعمال فالزيادة وكذا مقابلها ظاهرة عنده وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بنزولها لأنه سبب لزيادة كما لهم ورفع درجاتهم بل هو لعمري أجدى من تفاريق العصا.

стр. 2195

وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أي نفاق فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ أي نفاقا مضموما إلى نفاقهم فالزيادة متضمنة معنى الضم ولذا عديت بإلى، وقيل: إلى بمعنى مع ولا حاجة إليه وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ واستحكم ذلك فيهم إلى أن يموتوا عليه أَوَلا يَرَوْنَ يعني المنافقين، والهمزة للإنكار والتوبيخ، والكلام في العطف شهير. وقرأ حمزة، ويعقوب، وأبي بن كعب بالتاء الفوقانية على أن الخطاب للمؤمنين والهمزة للتعجيب أي أو لا يعلمون وقيل أو لا يبصرون أَنَّهُمْ أي المنافقين يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ من الأعوام مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ بأفانين البليات من المرض والشدة مما يذكر الذنوب والوقوف بين يدي علام الغيوب فيؤدي إلى الإيمان به تعالى والكف عما هم عليه، وفي الخبر «إذا مرض العبد ثم عوفي ولم يزدد خيرا قالت الملائكة: هو الذي داويناه فلم ينفعه الدواء» فالفتنة هنا بمعنى البلية والعذاب، وقيل: هي بمعنى الاختبار، والمعنى أولا يرون أنهم يختبرون بالجهاد مع رسول الله ﷺ فيعاينون ما ينزل عليه من الآيات لا سيما الآيات الناعية عليهم قبائحهم ثُمَّ لا يَتُوبُونَ عما هم فيه وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ولا يعتبرون. والجملة على قراءة الجمهور عطف على يَرَوْنَ داخل تحت الإنكار والتوبيخ، وعلى القراءة الأخرى عطف على يُفْتَنُونَ والمراد من المرة والمرتين على ما صرح به بعضهم مجرد التكثير لا بيان الوقوع على حسب العدد المزبور. وقرأ عبد الله «أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين وما يتذكرون» . وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ بيان لأحوالهم عند نزولها وهم في محفل تبليغ الوحي كما أن الأول بيان لمقالاتهم وهم غائبون عنه نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ ليتواطؤوا على الهرب كراهة سماعها قائلين إشارة: هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ أي هل يراكم أحد من المسلمين إذا قمتم من المجلس أو تغامزوا بالعيون إنكارا وسخرية بها قائلين هل يراكم أحد لننصرف مظهرين أنهم لا يصطبرون على استماعها ويغلب عليهم الضحك فيفتضحون، والسورة على هذا مطلقة، وقيل: إن نظر بعضهم إلى بعض وتغامزهم كان غيظا لما في السورة من مخازيهم وبيان قبائحهم، فالمراد بالسورة سورة مشتملة على ذلك، والإطلاق هو الظاهر، وأيا ما كان فلا بد من تقدير القول قبل الاستفهام ليرتبط الكلام، فإن قدر اسما كان نصبا على الحال كما أشرنا إليه، وإن قدر فعلا كانت الجملة في موضع الحال أيضا، ويجوز جعلها مستأنفة، وإيراد ضمير الخطاب لبعض المخاطبين على الجزم فإن المرء بشأنه أكثر اهتماما منه في شأن أصحابه كما في قوله تعالى: وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً [الكهف: ١٩] ثُمَّ انْصَرَفُوا عطف على نَظَرَ بَعْضُهُمْ والتراخي باعتبار وجود الفرصة والوقوف على عدم رؤية أحد من المؤمنين، أي ثم انصرفوا جميعا عن محفل الوحي لعدم تحملهم سماع ذلك لشدة كراهتهم أو مخافة الفضيحة بغلبة الضحك أو الاطلاع على تغامزهم. أو انصرفوا عن المجلس بسبب الغيظ، وقيل: المراد انصرافهم عن الهداية والأول أظهر. صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ عن الإيمان حسب انصرافهم عن ذلك المجلس، والجملة تحتمل الأخبار والدعاء، واختار الثاني أبو مسلم وغيره من المعتزلة، ودعاؤه تعالى على عباده وعيد لهم وإعلام بلحوق العذاب بهم وقوله سبحانه: بِأَنَّهُمْ قيل متعلق بصرف على الاحتمال الأول وبانصرفوا على الثاني، والباء للسببية أي بسبب أنهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ لسوء فهمهم أو لعدم تدبرهم فهم إما حمقى أو غافلون لَقَدْ جاءَكُمْ الخطاب للعرب رَسُولٌ أي رسول عظيم القدر مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسكم ومن نسبكم عربي مثلكم، أخرج عبد بن حميد وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ليس من العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي ﷺ مضريها وربيعتها ويمانيها، وقيل: الخطاب للبشر على الإطلاق ومعنى كونه ﵊ من أنفسهم أنه من جنس البشر، وقرأ ابن عباس رضي

стр. 2196

الله تعالى عنهما وابن محيصن والزهري «أنفسكم» أفعل تفضيل من النفاسة، والمراد الشرف فهو ﷺ من أشرف العرب، أخرج الترمذي وصححه والنسائي عن المطلب بن ربيعة قال: «قال رسول الله ﷺ وقد بلغه بعض ما يقول الناس فصعد المنبر فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: «من أنا» ؟ قالوا: أنت رسول الله قال: «أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب إن الله تعالى خلق الخلق فجعلني في خير خلقه، وجعلهم فرقتين فجعلني في خير فرقة، وجعلهم قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة، وجعلهم بيوتا فجعلني في خيرهم بيتا فأنا خيركم بيتا وخيركم نفسا» وأخرج البخاري والبيهقي في الدلائل عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا حتى كنت من القرن الذي كنت فيه» وأخرج مسلم وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: «قال رسول الله ﷺ إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم- إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» . وروى البيهقي عن أنس «أن رسول الله ﷺ قال: ما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله تعالى في خيرهما فأخرجت من بين أبوي فلم يصبني شيء من عهر الجاهلية وخرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفسا وخيركم أبا» عَزِيزٌ عَلَيْهِ أي شديد شاق من عز عليه بمعنى صعب وشق ما عَنِتُّمْ أي عنتكم، وهو بالتحريك ما يكره، أي شديد عليه ما يلحقكم من المكروه كسوء العاقبة والوقوع في العذاب، ورفع عَزِيزٌ على أنه صفة سببية لرسول وبه يتعلق عَلَيْهِ، وفاعله المصدر وهو الذي يقتضيه ظاهر النظم الجليل، وقيل: إن عَزِيزٌ عَلَيْهِ خبر مقدم وما عَنِتُّمْ مبتدأ مؤخر والجملة في موضع الصفة، وقيل: إن عَزِيزٌ نعت حقيقي لرسول وعنده تم الكلام وعَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ ابتداء كلام أي يهمه ويشق عليه عنتكم حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي على إيمانكم وصلاح شأنكم لأن الحرص لا يتعلق بذواتهم بِالْمُؤْمِنِينَ منكم ومن غيركم رَؤُفٌ رَحِيمٌ قيل: قدم الأبلغ منهما وهو الرأفة التي هي عبارة عن شدة الرحمة رعاية للفواصل وهو أمر مرعي في القرآن، وهو مبني على ما فسر به الرأفة، وصحح أن الرأفة الشفقة، والرحمة الإحسان، وقد يقال: تقديم الرأفة باعتبار أن آثارها دفع المضار وتأخير الرحمة باعتبار أن آثارها جلب المنافع والأول أهم من الثاني ولهذا قدمت في قوله سبحانه: رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها [الحديد: ٢٧] ولا يجري هنا أمر الرعاية كما لا يخفى، وكأن الرأفة على هذا مأخوذة من رفو الثوب لإصلاح شقه، فيكون في وصفه ﷺ بما ذكر وصف له بدفع الضرر عنهم وجلب المصلحة لهم، ولم يجمع هذان الاسمان لغيره ﵊، وزعم بعضهم أن المراد رؤوف بالمطيعين منهم رحيم بالمذنبين، وقيل: رؤوف بأقربائه رحيم بأوليائه، وقيل: رؤوف بمن يراه رحيم بمن لم يره ولا مستند لشيء من ذلك فَإِنْ تَوَلَّوْا تلوين للخطاب وتوجيه له إليه ﷺ تسلية له، أي فإن أعرضوا عن الإيمان بك فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ فإنه يكفيك معرتهم ويعينك عليهم لا إِلهَ إِلَّا هُوَ استئناف كالدليل لما قبله لأن المتوحد بالألوهية هو الكافي المعين عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ فلا أرجو ولا أخاف إلا منه سبحانه وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ أي الجسم المحيط بسائر الأجسام ويسمى بفلك الأفلاك وهو محدد الجهات الْعَظِيمِ الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا الله تعالى. وفي الخبر «أن الأرض بالنسبة إلى السماء الدنيا كحلقة في فلاة وكذا السماء الدنيا بالنسبة إلى السماء التي فوقها وهكذا إلى السماء السابعة وهي بالنسبة إلى الكرسي كحلقة في فلاة وهو بالنسبة إلى العرش كذلك» وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لا يقدر قدره أحد، وذكر أهل الأرصاد أن بعد مقعر الفلك الأعظم من مركز العالم ثلاثة وثلاثون ألف ألف وخمسمائة وأربعة وعشرون ألفا وستمائة وتسعة فراسخ، وأن بعد محدبه منه قد بلغ مرتبة لا يعلمها إلا الله الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء وهو بكل شيء عليم، وقد يفسر العرش هنا بالملك وهو أحد معانيه كما في القاموس، وقرىء «العظيم» بالرفع على أنه صفة الرب، وختم سبحانه هذه السورة بما

стр. 2197

ذكر لأنه تعالى ذكر فيها التكاليف الشاقة والزواجر الصعبة فأراد جل شأنه أن يسهل عليهم ذلك ويشجع النبي ﷺ على تبليغه، وقد تضمن من أوصافه ﷺ الكريمة ما تضمن، وقد بدأ سبحانه من ذلك بكونه من أنفسهم لأنه كالأم في هذا الباب، ولا ينافي وصفه ﷺ بالرأفة والرحمة بالمؤمنين تكليفه إياهم في هذه السورة بأنواع من التكاليف الشاقة لأن هذا التكليف أيضا من كمال ذلك الوصف من حيث إنه سبب للتخلص من العقاب المؤبد والفوز بالثواب المخلد، ومن هذا القبيل معاملته ﷺ للثلاثة الذين خلفوا كما علمت، وما أحسن ما قيل: فقسا ليزدجروا ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم وهاتان الآيتان على ما روي عن أبي بن كعب آخر ما نزل من القرآن. لكن روى الشيخان عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أنه قال: آخر آية نزلت يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ [النساء: ١٧٦] وآخر سورة نزلت براءة. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما آخر آية نزلت: وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ [البقرة: ٢٨١] وكان بين نزولها وموته ﷺ ثمانون يوما، وقيل: تسع ليال، وحاول بعضهم التوفيق بين الروايات في هذا الشأن بما لا يخلو عن كدر. ويبعد ما روي عن أبي ما أخرجه ابن مردويه عن سعد بن أبي وقاص قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جاءته جهينة فقالوا له: إنك قد نزلت بين أظهرنا فأوثق لنا نأمنك وتأمنا قال: ولم سألتم هذا؟ قالوا: نطلب الأمن فأنزل الله تعالى هذه الآية لَقَدْ جاءَكُمْ إلخ والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وقد ذكروا لقوله سبحانه: فَإِنْ تَوَلَّوْا الآية ما ذكروا من الخواص، وقد أخرج أبو داود عن أبي الدرداء موقوفا وابن السني عنه قال: «قال رسول الله ﷺ : من قال حين يصبح وحين يمسي حسبي الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم سبع مرات كفاه الله تعالى ما أهمه من أمر الدنيا والآخرة، وأخرج ابن النجار في تاريخه عن الحسين رضي الله تعالى عنه قال: من قال حين يصبح سبع مرات حسبي الله لا إله إلا هو إلخ لم يصبه في ذلك اليوم ولا تلك الليلة كرب ولا نكب ولا غرق، وأخرج أبو الشيخ عن محمد بن كعب قال: خرجت سرية إلى أرض الروم فسقط رجل منهم فانكسرت فخذه فلم يستطيعوا أن يحملوه فربطوا فرسه عنده ووضعوا عنده شيئا من ماء وزاد فلما ولوا أتاه آت فقال: ما لك هاهنا؟ قال: انكسرت فخذي فتركني أصحابي فقال: ضع يدك حيث تجد الألم وقل: فَإِنْ تَوَلَّوْا الآية فوضع يده فقرأها فصح وركب فرسه وأدرك أصحابه، وهذه الآية ورد هذا الفقير ولله الحمد منذ سنين نسأل الله تعالى أن يوفق لنا الخير ببركتها إنه خير الموفقين. هذا ومن باب الإشارة في الآيات: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ لما هداهم سبحانه إلى الإيمان العلمي وهم مفتونون بمحبة الأنفس والأموال استنزلهم لغاية عنايته سبحانه بهم عن ذلك بالمعاملة الرابحة بأن أعطاهم بدل ذلك الجنة، ولعل المراد بها جنة النفس ليكون الثمن من جنس المثمن الذي هو مألوفهم ولكن الفرق بين الأمرين، قال ابن عطاء: نفسك موضع كل شهوة وبلية ومالك محل كل إثم ومعصية فاشترى مولاك ذلك منك ليزيل ما يضرك ويعوضك عليه ما ينفعك ولهذا اشترى سبحانه النفس ولم يشتر القلب، وقد ذكر بعض الأكابر في ذلك أيضا أن النفس محل العيب والكريم يرغب في شراء ما يزهد فيه غيره فشراء الله تعالى ذلك مع اطلاعه سبحانه على العيب بالجنة التي لا عيب فيها نهاية الكرم ويرشد إلى ذلك قول القائل: ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح أباها جميع الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح

стр. 2198

وعن الجنيد قدس سره قال: إنه سبحانه اشترى منك ما هو صفتك وتحت تصرفك والقلب تحت صفته وتصرفه لم تقع المبايعة عليه، ويشير إلى ذلك قوله ﷺ : «قلب ابن آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن» ، وذكر بعض أرباب التأويل أنه تعالى لما اشترى الأنفس منهم فذاقوا بالتجرد عنها حلاوة اليقين ولذة الترك ورجعوا عن مقام لذة النفس وتابوا عن هواها ولم يبق عندهم لجنّة النفس التي كانت ثمنا قدر وصفهم بالتائبين فقال سبحانه: التَّائِبُونَ أي الراجعون عن طلب ملاذ النفس وتوقع الأجر إليه تعالى وبلفظ آخرهم قوم رجعوا من غير الله إلى الله واستقاموا بالله تعالى مع الله تعالى. الْعابِدُونَ أي الخاضعون المتذللون لعظمته وكبريائه تعالى تعظيما وإجلالا له جل شأنه لا رغبة في ثواب ولا رهبة من عقاب وهذه أقصى درجات العبادة ويسميها بعضهم عبودة الْحامِدُونَ بإظهار الكمالات العملية والعلمية حمدا فعليا حاليا وأقصى مراتب الحمد إظهار العجز عنه. يروى أن داود ﵇ قال: يا رب كيف أحمدك والحمد من آلائك فأوحى الله تعالى إليه الآن حمدتني يا داود. وما أعلى كلمة نبينا ﷺ «اللهم لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك» السَّائِحُونَ إليه تعالى بالهجرة عن مقام الفطرة ورؤية الكمالات الثابتة لهم في مفاوز الصفات ومنازل السبحات، وقال بعض العارفين: السائحون هم السيارون بقلوبهم في الملكوت الطائرون بأجنحة المحبة في هواء الجبروت، وقد يقال: هم الذين صاموا عن المألوفات حين عاينوا هلال جماله تعالى في هذه النشأة ولا يفطرون حتى يعاينوه مرة أخرى في النشأة الأخرى، وقد امتثلوا ما أشار إليه ﷺ بقوله: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» الرَّاكِعُونَ في مقام محو الصفات السَّاجِدُونَ بفناء الذات، وقال بعض العارفين: الراكعون هم العاشقون المنحنون من ثقل أوقار المعرفة على باب العظمة ورؤية الهيبة، والساجدون هم الطالبون لقربه سبحانه. فقد جاء في الخبر «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد» وقد يقال: الراكعون الساجدون هم المشاهدون للحبيب السامعون منه، وما أحسن ما قيل: لو يسمعون كما سمعت كلامها ... خروا لعزة ركعا وسجودا الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي الداعون الخلق إلى الحق والدافعون لهم عما سواه، فإن المعروف على الإطلاق هو الحق سبحانه والكل بالنسبة إليه عز شأنه منكر وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ أي المراعون أوامره ونواهيه سبحانه في جوارحهم وأسرارهم وأرواحهم أو الذين حفظوا حدود الله المعلومة فأقاموها على أنفسهم وعلى غيرهم، وقيل: هم القائمون في مقام العبودية بعد كشف صفات الربوبية لهم فلا يتجاوزون ذلك وإن حصل لهم ما حصل فهم في مقام التمكين والصحو لا يقولون ما يقوله سكارى المحبة ولا يهيمون في أودية الشطحات. وفي الآية نعي على أناس ادعوا الانتظام في سلك حزب الله تعالى وزمرة أوليائه وهم قد ضيعوا الحدود وخرقوا سفينة الشريعة وتكلموا بالكلمات الباطلة عند المسلمين على اختلاف فرقهم حتى عند السادة الصوفية فإنهم أوجبوا حفظ المراتب، وقالوا: إن تضييعها زندقة. وقد خالطتهم فرأيت منهم ... خبائث بالمهيمن نستجير ولعمري إن المؤمن من ينكر على أمثالهم فإياك أن تغتر بهم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالإيمان الحقّ المقيمين في مقام الاستقامة واتباع الشريعة ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ أي ما صح منهم ذلك ولا استقام فإن الوقوف عند القدر من شأن الكاملين. ومن هنا قيل: لا تؤثر همة العارف بعد كمال عرفانه أي إذا تيقن وقوع كل شيء بقدره تعالى الموافق للحكمة البالغة وأن ما شاء الله ما كان ولم يشأ لم يكن ولم يتهم الله سبحانه في شيء من الفعل والترك سكن تحت كهف

стр. 2199

الأقدار وسلم لمدعي الإرادة وأنصت لمنادي الحكمة وترك مراده لمراد الحبيب بل لا يريد إلا ما يريده، وهو الذي يقتضيه مقام العبودية المحضة الذي هو أعلى المقامات ودون ذلك مقام الإدلال، ولقد كان حضرة مولانا القطب الرباني الشيخ عبد القادر الكيلاني قدس سره في هذا المقام وله كلمات تشعر بذلك لكن لم يتوف قدس سره حتى انتقل منه إلى مقام العبودية المحضة كما نقل مولانا عبد الوهاب الشعراني في الدرر واليواقيت، وقد ذكر أن هذا المقام كان مقام تلميذه حضرة مولانا أبي السعود الشبلي قدس سره وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً أي ليصفهم بالضلال عن طريق التسليم والانقياد لأمره والرضا بحكمه بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ إلى التوحيد العلمي ورؤية وقوع كل شيء بقضائه وقدره حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ أي ما يجب عليهم اتقاؤه في كل مقام من مقامات سلوكهم وكل مرتبة من مراتب وصولهم فإذا بين لهم ذلك فإن أقدموا في بعض المقامات على ما تبين لهم وجوب اتقائه أضلهم لارتكابهم ما هو ضلال في دينهم وإلا فلا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ فيعلم دقائق ذنوبهم وإن لم يتفطن لها أحد. لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ لا يخفى أن توبة الله سبحانه على كل من النبي ﵊ ومن معه بحسب مقامه، وذكر بعضهم أن التوبة إذا نسبت إلى العبد كانت بمعنى الرجوع من الزلات إلى الطاعات وإذا نسبت إلى الله سبحانه كانت بمعنى رجوعه إلى العباد بنعت الوصال وفتح الباب ورفع الحجاب وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وذلك لاستشعار سخط المحبوب وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ أي تحققوا ذلك فانقطعوا إليه سبحانه ورفعوا الوسائط ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ حيث رأى سبحانه انقطاعهم إليه وتضرعهم بين يديه، وقد جرت عادته تعالى مع أهل محبته إذا صدر منهم ما ينافي مقامهم بأدبهم بنوع من الحجاب حتى إذا ذاقوا طعم الجناية واحتجبوا عن المشاهدة وعراهم ما عراهم مما أنساهم دنياهم وأخراهم أمطر عليهم وابل سحاب الكرم وأشرق على آفاق أسرارهم أنوار القدم فيؤنسهم بعد يأسهم ويمن عليهم بعد قنوطهم وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا، وما أحلى قوله: هجروا والهوى وصال وهجر ... هكذا سنّت الغرام الملاح يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ في جميع الرذائل بالاجتناب عنها وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ نية وقولا وفعلا أي اتصفوا بما اتصفوا به من الصدق وقيل: خالطوهم لتكونوا مثلهم فكل قرين بالمقارن يقتدي. وفسر بعضهم الصادقين بالذين لم يخلفوا الميثاق الأول فإنه أصدق كلمة، وقد يقال: الأصل الصدق في عهد الله كما قال تعالى: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ [الأحزاب: ٢٣] ثم في عقد العزيمة ووعد الخليقة كما قال سبحانه في إسماعيل: إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [مريم: ٥٤] وإذا روعي الصدق في المواطن كلها كالخاطر والفكر والنية والقول والعمل صدقت المنامات والواردات والأحوال والمقامات والمواهب والمشاهدات فهو أصل شجرة الكمال وبذر ثمرة الأحوال وملاك كل خير وسعادة وضده الكذب فهو أسوأ الرذائل وأقبحها وهو منافي المروءة كما قالوا: لا مروءة لكذوب وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ إشارة إلى أنه يجب على كل مستعد من جماعة سلوك طريق طلب العلم إذ لا يمكن لجميعهم أما ظاهرا فلفوات المصالح وأما باطنا فلعدم الاستعداد للجميع. والفقه من علوم القلب وهي إنما تحصل بالتزكية والتصفية وترك المألوفات واتباع الشريعة. فالمراد من النفر السفر المعنوي وهذا هو العلم النافع، وعلامة حصوله عدم خشية أحد سوى الله تعالى، ألا ترى كيف نفي الله عمن

стр. 2200

خشي غيره سبحانه الفقه فقال: لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ [الحشر: ١٣] وعلى هذا فحق لمثلي أن ينوح على نفسه، وقد صرح بعض الأكابر أن الفقه علم راسخ في القلب، ضاربة عروقه في النفس، ظاهر أثره على الجوارح لا يمكن لصاحبه أن يرتكب خلاف ما يقتضيه إلا إذا غلب القضاء والقدر، وقد أنزل الله تعالى كما قيل على بعض أنبياء بني إسرائيل ﵈: لا تقولوا العلم بالسماء من ينزل به ولا في تخوم الأرض من يصعد به ولا من وراء البحر من يعبر ويأتي به، العلم مجعول في قلوبكم تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين وتخلقوا بأخلاق الصديقين، أظهر العلم من قلوبكم حتى يغمركم ويغطيكم. وجاء «من اتقى الله أربعين صباحا تفجرت ينابع الحكمة من قلبه» وإذا تحققت ذلك علمت أن دعوى قوم اليوم الفقه بالمعنى الذي ذكرناه مع تهافتهم على المعاصي تهافت الفراش على النار وعقدهم الحلقات عليها دعوى كاذبة مصادمة للعقل والنقل وهيهات أن يحصل لهم ذلك الفقه ما داموا على تلك الحال ولو ضربوا رؤوسهم بألف صخرة صماء، وعطف سبحانه قوله: وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ على قوله تعالى: لِيَتَفَقَّهُوا إشارة إلى أن الإنذار بعد التفقه والتحلي بالفضائل إذ هو الذي يرجى نفعه: ابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك يسمع ما تقول ويقتدى ... بالقول منك وينفع التعليم ولذا قال جل وعلا: لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ إشارة إلى الجهاد الأكبر ولعله تعليم لكيفية النفر المطلوب وبيان لطريق تحصيل الفقه أي قاتلوا كفار قوى نفوسكم بمخالفة هواها. وفي الخبر «أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً أي قهرا وشدة حتى تبلغوا درجة التقوى وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ بالولاية والنصر أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أي يصيبهم بالبلاء ليتوبوا ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ وفي الأثر البلاء سوط من سياط الله تعالى يسوق به عباده إليه ويرشد إلى ذلك قوله تعالى: وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [لقمان: ٣٢] وقوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً [يونس: ١٢] وبالجملة إن البلاء يكسر سورة النفس فيلين القلب فيتوجه إلى مولاه إلا أن من غلبت عليه الشقاوة ذهب منه ذلك الحال إذا صرف عنه البلاء كما يشير إليه قوله تعالى: فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: ٦٥] وقوله سبحانه: فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس: ١٢] لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أي من جنسكم لتقع الإلفة بينكم وبينه فإن الجنس إلى الجنس يميل وحينئذ يسهل عليكم الاقتباس من أنواره ﷺ . وقرىء كما قدمنا «من أنفسكم» أي أشرافكم في كل شيء ويكفيه شرفا أنه ﵊ أول التعينات وأنه كما وصفه الله تعالى على خلق عظيم: وعلى تفنن واصفيه بوصفه ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ أي يشق عليه ﵊ مشقتكم فيتألم ﷺ لما يؤلمكم كأن يتألم الشخص إذا عرا بعض أعضائه مكروه، وعن سهل أنه قال: المعنى شديد عليه غفلتكم عن الله تعالى ولو طرفة عين فإن العنت ما يشق ولا شيء أشق في الحقيقة من الغفلة عن المحبوب حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ أي على صلاح شأنكم أو على حضوركم وعدم غفلتكم عن مولاكم جل شأنه بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ يدفع عنهم ما يؤذيهم رَحِيمٌ يجلب لهم ما ينفعهم، ومن آثار الرأفة تحذيرهم من الذنوب والمعاصي ومن آثار الرحمة إضافته ﷺ عليهم العلوم والمعارف

стр. 2201

والكمالات، قال جعفر الصادق رضي الله تعالى عنه: علم الله تعالى عجز خلقه عن طاعته فعرفهم ذلك لكي يعلموا أنهم لا ينالون الصفو من خدمته فأقام سبحانه بينه وبينهم مخلوقا من جنسهم في الصورة فقال: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ وألبسه من نعته الرأفة والرحمة وأخرجه إلى الخلق سفيرا صادقا وجعل طاعته طاعته وموافقته موافقته فقال سبحانه: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ [النساء: ٨٠] ثم أفرده لنفسه خاصة وآواه إليه بشهوده عليه في جميع أنفاسه وسلى قلبه عن إعراضهم عن متابعته بقوله جل شأنه: فَإِنْ تَوَلَّوْا وأعرضوا عن قبول ما أنت عليه لعدم الاستعداد وزواله فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا حاجة لي بكم كما لا حاجة للإنسان إلى العضو المتعفن الذي يجب قطعه عقلا فالله تعالى كما في لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فلا مؤثر غيره ولا ناصر سواه عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ لا على غيره من جميع المخلوقات إذ لا أرى لأحد منهم فعلا ولا حول ولا قوة إلا بالله وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ المحيط بكل شيء، وقد ألبسه سبحانه أنوار عظمته وقواه على حمل تجلياته ولولا ذلك لذاب بأقل من لمحة عين، وإذا قرىء «العظيم» بالرفع فهو صفة للرب سبحانه، وعظمته ﷻ مما لا نهاية لها وما قدروا الله حق قدره نسأله بجلاله وعظمته أن يوفقنا لإتمام تفسير كتابه حسبما يحب ويرضى فلا إله غيره ولا يرجى الا خيره.

стр. 2202

سورة يونس مكية على المشهور واستثنى منها بعضهم ثلاث آيات (١) فَلَعَلَّكَ تارِكٌ أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ قال: إنها نزلت في المدينة، وحكى ابن الفرس والسخاوي أن من أولها إلى رأس أربعين آية مكي والباقي مدني، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما روايتان، فأخرج ابن مردويه من طريق العوفي عنه ومن طريق ابن جريج عن عطاء عنه أنها مكية، وأخرج من طريق عثمان بن عطاء عن أبيه عنه أنها مدنية، والمعول عليه عند الجمهور الرواية الأولى، وآياتها مائة وتسع عند الجميع غير الشامي فإنها عنده مائة وعشر آيات. ووجه مناسبتها لسورة براءة أن الأولى ختمت بذكر الرسول ﷺ وهذه ابتدأت به، وأيضا أن في الأول بيانا لما يقوله المنافقون عند نزول سورة من القرآن وفي هذه بيان لما يقوله الكفار في القرآن حيث قال سبحانه: أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ [يونس: ٣٨] الآية، وقال جل وعلا: وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس: ١٥] وأيضا في الأولى ذم المنافقين بعدم التوبة والتذكر إذا أصابهم البلاء في قوله سبحانه: أَوَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ [التوبة: ١٢٦] على أحد الأقوال وفي هذه ذم لمن يصيبه البلاء فيرعوي ثم يعود وذلك في قوله تعالى: وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ [يونس: ١٢] وفي قوله سبحانه: حَتَّى إِذا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِها جاءَتْها رِيحٌ عاصِفٌ وَجاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [يونس: ٢٢] إلى أن قال سبحانه: فَلَمَّا أَنْجاهُمْ إِذا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [يونس: ٢٣] وأيضا في الأولى براءة الرسول ﷺ من المشركين مع الأمر بقتالهم على أتم وجه وفي هذه براءته ﷺ من عملهم لكن من دون أمر بقتال بل أمر فيها ﵊ أن يظهر البراءة فيها على وجه يشعر بالإعراض وتخلية السبيل كما قيل على ضد ما في الأولى وهذا نوع من المناسبة أيضا وذلك في قوله تعالى: وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [يونس: ٤١] إلى غير ذلك، والعجب من الجلال السيوطي عليه الرحمة كيف لم يلح له في تناسق الدرر وجه المناسبة بين السورتين وذكر وجه المناسبة بين هذه السورة وسورة الأعراف وقد يوجد في الإسقاط ما لا يوجد في الإسقاط

стр. 2203

الر بتفخيم الراء المفتوحة وهو الأصل وأمال أبو عمرو وبعض القراء إجراء لألف الراء مجرى الألف المنقلبة عن الياء فإنهم يميلونها تنبيها على أصلها، وفي الإمالة هنا دفع توهم أن- را- حرف كما ولا فقد صرحوا أن الحروف يمتنع فيها الإمالة، وقرأ ورش بين بين، والمراد من الر على ما روى جماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنا الله آرى، وفي رواية أخرى أنها بعض الرحمن وتمامه حم ون، وعن قتادة أنها بعض الراحم وهو من أسماء القرآن، وقيل: هي أسماء للأحرف المعلومة من حروف التهجي أتي بها مسرودة على نمط التعديد بطريق التحدي وعليه فلا محل لها من الإعراب، والكلام فيها وفي نظائرها شهير. والأكثرون على أنها اسم للسورة فمحلها الرفع على أنها خبر لمبتدأ محذوف أي هذه السورة مسماة بكذا وهو أظهر من الرفع على الابتداء لعدم سبق العلم بالتسمية بعد فحقها الإخبار بها لا جعلها عنوان الموضوع لتوقفه على علم المخاطب بالانتساب، والإشارة إليها قبل جريان ذكرها لصيرورتها في حكم الحاضر لاعتبار كونها على جناح الذكر كما يقال في الصكوك: هذا ما اشترى فلان، وجوز النصب بتقدير فعل لائق بالمقام كاذكر واقرأ وكلمة تِلْكَ إشارة إليها إما على تقدير كون الر مسرودا على نمط التعديد فقد نزل حضور مادتها منزلة ذكرها فأشير إليها كأنه قيل: هذه الكلمات المؤلفة من جنس هذه الحروف المبسوطة إلخ، وإما على تقدير كونها اسما للسورة فقد نوهت بالإشارة إليها بعد تنويهها بتعيين اسمها أو الأمر بذكرها أو بقراءتها. وما في اسم الإشارة من معنى البعد للتنبيه على بعد منزلتها في الفخامة ومحله الرفع على أنه مبتدأ خبره قوله : آياتُ الْكِتابِ وعلى تقدير كون الر مبتدأ فهو إما مبتدأ ثان أو بدل من الأول، والمعنى هي آيات مخصوصة منه مترجمة باسم مستقل، والمقصود ببيان بعضيتها منه وصفيتها بما أشير إلى اتصافه به من النعوت الفاضلة والصفات الكاملة، والمراد بالكتاب إما جميع القرآن العظيم وإن لم ينزل بعد إما باعتبار تعينه وتحققه في العلم أو في اللوح أو باعتبار نزوله جملة إلى بيت العزة من السماء الدنيا وإما جميع القرآن النازل وقتئذ المتفاهم بين الناس إذ ذاك فإنه كما يطلق على المجموع الشخصي يطلق على مجموع ما نزل في كل كذا قال شيخ الإسلام. وأنت تعلم أن المشهور عن السلف تفويض معنى الر وأمثاله إلى الله تعالى وحيث لم يظهر المراد منها لا معنى للتعرض لإعرابها، وقد ذكروا أنه يجوز في الإشارة أن تكون لآيات هذه السورة وأن تكون لآيات القرآن ويجوز

стр. 2204

في الكتاب أن يراد به السورة وأن يراد القرآن فتكون الصور أربعا. إحداها الإشارة إلى آيات القرآن والكتاب بمعنى السورة ولا يصح إلا بتخصيص آيات أو تأويل بعيد. وثانيها عكسه ولا محذور فيه. وثالثها الإشارة إلى آيات السورة والكتاب بمعنى السورة. ورابعها الإشارة إلى آيات القرآن والكتاب بمعنى القرآن، ومرجع إفادة الكلام عليهما باعتبار صفة الكتاب الآتية، وجوز الإشارة إلى الآيات لكونها في حكم الحاضر وإن لم تذكر كما في المثال المذكور آنفا. وفي أمالي ابن الحاجب أن المشار إليه لا يشترط أن يكون موجودا حاضرا بل يكفي أن يكون موجودا ذهنا. وفي الكشاف في تفسير قوله تعالى: هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ [الكهف: ٧٨] ما يؤيده، وأوثر لفظ تلك لما أشار إليه الشيخ ولكونه في حكم الغائب من وجه ولا يخلو ما ذكروه عن دغدغة، وأما حمل الكتاب على الكتب التي خلت قبل القرآن من التوراة والإنجيل وغيرهما كما أخرجه ابن أبي حاتم عن قتادة فهو في غاية البعد فتأمل، وقوله تعالى: الْحَكِيمِ صفة للكتاب ووصف بذلك لاشتماله على الحكم فيراد بالحكيم ذو الحكمة على أنه للنسبة كلابن وتامر، وقد يعتبر تشبيه الكتاب بإنسان ناطق بالحكمة على طريق الاستعارة بالكناية وإثبات الحكمة قرينة لها، وجوز أن يكون وصفه بذلك لأنه كلام حكيم فالمعنى حكيم قائله فالتجوز في الإسناد كليله قائم ونهاره صائم، وقيل: لأن آياته محكمة لم ينسخ منها شيء أي بكتاب آخر ففعيل بمعنى مفعل وقد تقدم ما له وما عليه أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً الهمزة لإنكار تعجبهم ولتعجيب السامعين منه لوقوعه في غير محله، والمراد بالناس كفار العرب، والتعبير عنهم باسم الجنس من غير تعرض لكفرهم الذي هو المدار لتعجبهم كما تعرض له فيما بعد لتحقيق ما فيه من الشركة بين رسول الله ﷺ وبينهم وتعيين مدار التعجيب في زعمهم ثم تبيين خطئهم وإظهار بطلان زعمهم بإيراد الإنكار، واللام متعلقة بمحذوف وقع حالا من عَجَباً كما هو القاعدة في نعت النكرة إذا تقدم عليها، وقيل: متعلقة بعجبا بناء على التوسع المشهور في الظروف، وبعضهم جعلها متعلقة به لا على طريق المفعولية كما في قوله: عجبت لسعي الدهر بيني وبينها بل على طريق التبيين كما في هَيْتَ لَكَ [يوسف: ٢٣] وسقيا لك ومثل ذلك يجوز تقديمه على المصدر. وأنت تعلم أن هذا قول بالتعلق بمقدر في التحقيق، وقيل: إنها متعلقة به لأنه بمعنى المعجب والمصدر إذا كان بمعنى مفعول أو فاعل يجوز تقديم معموله عليه، وجوز أيضا تعلقه بكان وإن كانت ناقصة بناء على جوازه، وعَجَباً خبر كان قدم على اسمها وهو قوله سبحانه: أَنْ أَوْحَيْنا لكونه مصب الإنكار والتعجيب وتشويقا إلى المؤخر ولأن في الاسم ضرب تفصيل ففي تقديمه رعاية للأصل نوع إخلال بتجاوب أطراف النظم الكريم. وقرأ ابن مسعود «عجب» بالرفع على أنه اسم كان وهو نكرة والخبر أَنْ أَوْحَيْنا وهو معرفة لأن أن مع الفعل في تأويل المصدر المضاف إلى المعرفة فهو كقول حسان: كأن سبيئة من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء وحمله بعضهم على القلب، وفي قبوله مطلقا أو إذا تضمن لطيفة خلاف والمعول عليه اشتراط التضمن وهو غير ظاهر هنا، وحكي عن ابن جني أنه قال: إنما جاز ذلك في البيت من حيث كان عسل وماء جنسين فكأنه قال: يكون مزاجها العسل والماء، ونكرة الجنس تفيد مفاد معرفته، ألا ترى أنك تقول: خرجت فإذا أسد بالباب أي فإذا الأسد بالباب لا فرق بينهما لأنك في الموضعين لا تريد أسدا معينا، ولهذا لم يجز هذا في قولك: كان قائم أخاك وكان جالس أباك لأنه ليس في جالس وقائم معنى الجنسية التي تتلاقى معنى نكرتها ومعرفتها. ومعنى الآية على هذا كان الوحي للناس هذا الجنس من الفعل وهو التعجب، ولا يخفى أن المصدر المتحصل

стр. 2205

هو المصدر المضاف إلى المعرفة كما سمعت فاعتباره محلى بأل الجنسية خلاف الظاهر. وأجاز بعضهم الإخبار عن المعرفة بالنكرة في باب النواسخ خاصة سواء كان هناك نفي أو ما في حكمه أم لا. وابن جني يجوز ذلك إذا كان نفي أو ما في حكمه ولا يجوز إذا لم يكن، وفي الآية قد تقدم الاستفهام الإنكاري على الناسخ وهو في حكم النفي. واختار غير واحد كون كان تامة. و «عجب» فاعل لها وأَنْ أَوْحَيْنا بتقدير حرف جر متعلق بعجب أي لأن أوحينا أو من أن أوحينا أو هو بدل منه بدل كل من كل أو بدل اشتمال، والإنكار متوجه إلى كونه عجبا لا إلى حدوثه وكون الأبدال في حكم تنحية المبدل منه ليس معناه إهداره بالمرة كما تقرر في موضعه، واقتصر في اللوامح على أن لِلنَّاسِ خبر كان، وتعقب بأن ركيك معنى لأنه يفيد إنكار صدوره من الناس لا مطلقا وفيه ركاكة ظاهرة فافهم، وإنما قيل: للناس لا عند الناس للدلالة على أنهم اتخذوه أعجوبة لهم وفيه من زيادة تقبيح حالهم ما لا يخفى إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ أي إلى بشر من جنسهم كقوله تعالى حكاية: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا [الإسراء: ٩٤] وقوله سبحانه: لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون: ٢٤] أو إلى رجل من أفناء رجالهم من حيث المال لا من حيث النسب لأنه ﷺ كان من مشاهيرهم فيه وكان منه بمكان لا يدفع فهو كقولهم: لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [الزخرف: ٣١] وفي بعض الآثار أنهم كانوا يقولون: العجب أن الله تعالى لم يجد رسولا يرسله إلى الناس إلا يتيم أبي طالب والعجب من فرط جهلهم أما في قولهم الأول فحيث لم يعلموا أن بعث الملك إنما يكون عند كون المبعوث إليهم ملائكة كما قال تعالى: قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا [الإسراء: ٩٥] وأما عامة البشر فبمعزل عن استحقاق مفاوضة الملائكة لأنها منوطة بالتناسب فبعث الملك إليهم مزاحم للحكمة التي عليها يدور فلك التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمة بعث الملك من بينهم إلى الخواص المختصين بالنفوس الزكية المؤيدين بالقوة القدسية المتعلقين بكلا العالمين الروحاني والجسماني ليتأتى لهم الاستفاضة والإفاضة وهذا تابع للاستعداد الأزلي كما لا يخفى، وأما في قولهم الثاني فلأن مناط الاصطفاء للإيحاء إلى شخص هو التقدم في الاتصاف بما علمت والسبق في إحراز الفضائل وحيازة الملكات السنية جبلة واكتسابا، ولا ريب لأحد في أن للنبي ﷺ القدح المعلى من ذلك بل له ﵊ فيه غاية الغايات القاصية ونهاية النهايات النائية يقول رائيه: وأحسن منك لم تر قط عيني ... ومثلك قط لم تلد النساء خلقت مبرأ من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء وكذا يقول: ولو صورت نفسك لم تزدها ... على ما فيك من كرم الطباع وأما التقدم في الرياسة الدنيوية والسبق في نيل الحظوظ الدنية فلا دخل له في ذلك قطعا بل له إخلال به غالبا، وما أحسن قول الشافعي رضي الله تعالى عنه من أبيات: لكن من رزق الحجى حرم الغنى ... ضدان مفترقان أيّ تفرق وما ذكروه من اليتم أن رجع إلى ما في الآية على التوجيه الثاني فبطلانه بطلانه وإن أرادوا أن أصل اليتم مانع من الإيحاء إليه ﷺ فهو أظهر بطلانا وأوضح هذيانا وما ألطف ما قيل إن أنفس الدر يتيمه، وقيل للحسن: لم جعل الله تعالى النبي ﷺ يتيما؟ فقال: لئلا يكون لمخلوق عليه منة فإن الله سبحانه هو الذي آواه وأدبه ورباه ﷺ هذا والوجه الثاني من الوجهين السابقين في قوله سبحانه: إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ على الوجه الذي ذكرناه هو الذي أراده

стр. 2206

صاحب الكشاف ولم يرتضه الجلال السيوطي وزعم أن التحامي عنه أولى، ثم قال: والذي عندي في تفسير ذلك أن المراد إلى مشهور بينهم يعرفون نسبه وجلالته وأمانته وعفته كما قال سبحانه: في آخر السورة التي قبل لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [التوبة: ١٢٨] فإن هذا هو محل إنكار العجب ويكون هذا وجه مناسبة وضع هذه السورة بعد تلك واعتلاق أول هذه بآخر تلك، ونظيره وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ [النحل: ١١٣] رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ [البقرة: ١٢٩] إلى آخر ما قال، وتعقب بأنه غير ظاهر لأنه وإن كان أعظم مما ذكر لكن السياق يقتضي بيان كفرهم وتذليلهم وتحقير من أعزه الله تعالى وعظمه والذي يقتضيه سبب النزول تعين الوجه الأول هنا. فقد أخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما بعث الله تعالى محمدا ﷺ أنكرت العرب ذلك أو من أنكر منهم فقالوا: الله تعالى أعظم من أن يكون رسوله بشرا مثل محمد ﵊ فأنزل سبحانه أَكانَ لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنا إِلى رَجُلٍ مِنْهُمْ الآية، وقوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا [يوسف: ١٠٩، النحل: ٤٣، الأنبياء: ٧] الآية. فلما كرر الله سبحانه عليهم الحجج قالوا: وإذا كان بشرا فغير محمد ﷺ كان أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم فأنزل الله تعالى ردا عليهم أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ [الزخرف: ٣٢] الآية ومنه يعلم أن ما حكي في الوجه الثاني سبب لنزول آية أخرى أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ أي أخبرهم بما فيه تخويف لهم مما يترتب على فعل ما لا ينبغي، والمراد به جميع الناس الذين يمكنه ﵊ تبليغهم ذلك لا ما أريد بالناس أولا وهو النكتة في إيثار الإظهار على الإضمار، وكون الثاني عين الأول عند إعادة المعرفة ليس على الإطلاق، وأَنْ هي المفسرة لمفعول الإيحاء المقدر وقد تقدم عليها ما فيه معنى القول دون حروفه وهو الإيحاء أو هي المخففة من المثقلة على أن اسمها ضمير الشأن، والجملة الأمرية خبرها وفي وقوعها خبر ضمير الشأن دون تأويل وتقدير قول اختلاف، فذهب صاحب الكشف إلى أنه لا يحتاج إلى ذلك لأن المقصود منها التفسير وخالفه غير واحد في ذلك وذهبوا إلى أنه لا فرق بين خبره وخبر غيره. وقال بعضهم: هي المصدرية الخفيفة في الوضع بناء على أنها توصل بالأمر والنهي والكثير على المنع، وذكر أبو حيان هذا الاحتمال هنا مع أنه نقل عنه في المغني أن مذهبه المنع لما أنه يفوت معنى الأمر إذا سبك بالمصدر. واعترض بأنه يفوت معنى المضي والحالية والاستقبال المقصود أيضا مع الاتفاق على جواز وصلها بما يدل على ذلك، وأجيب بأنه قد يقال: بأن بينهما فرقا فإن المصدر يدل على الزمان التزاما فقد تنصب عليه قرينة فلا يفوت معناه بالكلية بخلاف الأمر والنهي فإنه لا دلالة للمصدر عليهما أصلا. وقال بعض المدققين: إن المصدر كما يجوز أخذه من جوهر الكلمة يجوز أخذه من الهيئة وما يتبعها فيقدر في هذا ونحوه أوحينا إليه الأمر بالإنذار كما قدر في- أن لا تزني خير- عدم الزنا خير، ولا يخفى أن هذا البحث يجري في أن المخففة من الثقيلة لأنها مصدرية أيضا وإن أقل الاحتمالات مؤنة احتمال التفسير وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا بما أوحيناه إليك وصدقوه أَنَّ لَهُمْ أي بأن لهم قَدَمَ صِدْقٍ أي سابقة ومنزلة رفيعة عِنْدَ رَبِّهِمْ وأصل القدم العضو المخصوص، وأطلقت على السبق مجازا مرسلا لكونها سببه وآلته وأريد من السبق الفضل والشرف والتقدم المعنوي إلى المنازل الرفيعة مجازا أيضا فالمجاز هنا بمرتبتين، وقيل: المراد تقدمهم على غيرهم في دخول الجنة لقوله ﷺ : «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة» وقوله ﷺ : «إن الجنة محرمة على الأنبياء حتى أدخلها أنا وعلى الأمم حتى تدخلها أمتي» ، وقيل: تقدمهم في البعث وأصل الصدق ما يكون في الأقوال ويستعمل كما قال الراغب في الأفعال فيقال: صدق في القتال إذا وفاه حقه وكذا

стр. 2207

في ضده يقال: كذب فيه فيعبر به عن كل فعل فاضل ظاهرا وباطنا ويضاف إليه كمقعد صدق ومدخل صدق ومخرج صدق إلى غير ذلك، وصرحوا هنا بأن الإضافة من إضافة الموصوف إلى صفته، والأصل قدم صدق أي محققة مقررة، وفيه مبالغة لجعلها عين الصدق ثم جعل الصدق كأنه صاحبها، ويحتمل أن تكون الإضافة من إضافة المسبب إلى السبب وفي ذلك تنبيه على أن ما نالوه من المنازل الرفيعة كان بسبب صدق القول والنية. وقال بعضهم: إن هذا التنبيه قد يحصل على الاعتبار الأول لأن الصدق قد تجوز به عن توفية الأمور الفاضلة حقها للزوم الصدق لها حتى كأنها لا توجد بدونه ويكفي مثله في ذلك التنبيه وهذا كما قالوا: أن أبا لهب يشير إلى أنه جهنمي وفيه خفاء كما لا يخفى ويجوز إلى يراد بالقدم المقام بإطلاق الحال وإرادة المحل، وعن الأزهري أن القدم الشيء الذي تقدمه قدامك ليكون عدة لك حين تقدم عليه ويشعر بأنه اسم مفعول وبه صرح بعضهم وقال إنه كالنقض، وقيل: إنه اسم للحسنى من العبد كما أن اليد اسم للحسنى من السيد وفعلوا ذلك للفرق بين العبد والسيد وهو من الغرابة بمكان، ولا يكاد يصح في قول ذي الرمة: لكم قدم لا ينكر الناس أنها ... مع الحسب العادي طمت على البحر وقوله: وأنت امرؤ من أهل بيت ذؤابة ... لهم قدم معروفة في المفاخر والسبق هو الأسبق إلى الذهن في ذلك وكذا في قول حسان: لنا القدم العليا إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع وقول الآخر: صل لذي العرش واتخذ قدما ... تنجيك يوم العثار والزلل محتمل لسائر المعاني وهل يطلق على سابقة السوء أولا الظاهر الأول وقد نص على ذلك أبو عبيدة والكسائي. وقال صاحب الانتصاف لم يسموا سابقة السوء قدما إما لكون المجاز لا يطرد، وإما لأنه غلب في العرف على سابقة الخير وفيه نظر، وتفسير ابن عباس رضي الله تعالى عنهما له بالأجر وابن مسعود بالعمل لا يخرج عما ذكرنا من معانيه، وكذا تفسير علي كرم الله تعالى وجهه وأبي سعيد الخدري والحسن وزيد بن أسلم له برأس الموجودات محمد ﷺ يرجع إلى تفسيره بالخير والسعادة كما قاله جمع، وكونه ﷺ خيرا وسعادة للمؤمنين مما لا يمتري فيه مؤمن. أو يقال: إن المراد شفاعته ﷺ والأمر في ذلك حينئذ في غاية الظهور وخص التبشير بالمؤمنين لأنه لا يتعلق بالكفار وتبشيرهم أن آمنوا راجع إلى تبشير المؤمنين وهذا بخلاف الإنذار فإنه يتعلق بالمؤمن والكافر ولذلك ذكره سبحانه ولم يذكر جل وعلا المنذر به للتعميم والتهويل، وذكر المبشر به على الوجه الذي ذكره لتقوى رغبة المؤمنين فيما يؤديهم إليه، وقدم الإنذار على التبشير لأن التخلية مقدمة على التخلية وإزالة ما لا ينبغي مقدمة في الرتبة على فعل ما ينبغي. قالَ الْكافِرُونَ هم المتعجبون وإيرادهم بهذا العنوان على بابه، وترك العاطف لجريانه مجرى البيان للجملة التي دخل عليها همزة الإنكار أو لكونه استئنافا مبنيا على السؤال كأنه قيل: ماذا صنعوا بعد التعجب هل بقوا على التردد والاستبعاد أو قطعوا فيه بشيء؟ فقيل: قال الكافرون على طريقة التأكيد إِنَّ هذا أي ما أوحي إليه ﷺ من الكتاب المنطوي على الإنذار والتبشير، وزعم الخازن أن في الكلام حذفا أي أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر وبشر فلما جاءهم بالوحي وأنذرهم قال الكافرون إن هذا لَسِحْرٌ مُبِينٌ أي ظاهر، وقرأ ابن كثير

стр. 2208

والكوفيون «لساحر» على أن الإشارة إلى رجل وعنوا به رسول الله ﷺ وفي قراءة أبي «ما هذا إلا سحر مبين» وأرادوا بالسحر الحاصل بالمصدر، وفي هذا اعتراف بأن ما عاينوه خارج عن طوق البشر نازل من حضرة خلاق القوى والقدر ولكنهم يسمونه بما قالوا تماديا في العناد كما هو شنشنة المكابر اللجوج ونشنشة المفحم المحجوج إِنَّ رَبَّكُمُ استئناف سيق لإظهار بطلان تعجبهم المذكور وما تبعه من تلك المقالة الباطلة غب الإشارة إليه بالإنكار والتعجيب وحقق فيه حقية ما تعجبوا منه وصحة ما أنكروه بالتنبيه الإجمالي على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلق والتقدير وأحوال التكوين والتدبير ويرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكير لاعترافهم به من غير نكير كما يعرب عنه غير ما آية في الكتاب الكريم، والتأكيد لمزيد الاعتناء بمضمون الجملة على ما هو الظاهر أي إن ربكم ومالك أمركم الذي تعجبون من أن يرسل إليكم رجلا منكم بالإنذار والتبشير وتعدون ما أوحي إليه من الكتاب سحرا هو اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ أي أوقات فالمراد من اليوم معناه اللغوي وهو مطلق الوقت. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن تلك الأيام من أيام الآخرة التي يوم منها كألف سنة مما تعدون، وقيل: هي مقدار ستة أيام من أيام الدنيا وهو الأنسب بالمقام لما فيه من الدلالة على القدرة الباهرة بخلق هذه الأجرام العظيمة في مثل تلك المدة اليسيرة ولأنه تعريف لنا بما نعرفه، ولا يمكن أن يراد باليوم اليوم المعروف لأنه كما قيل عبارة عن كون الشمس فوق الأرض وهو مما لا يتصور تحققه حين لا أرض ولا سماء، واليوم بهذا المعنى يسمى النهار المفرد، ويطلق اليوم أيضا على مجموع ذلك النهار وليلته ومقدار ذلك حينئذ ممكن الإرادة هنا أيضا. وقد صرح بعض الأكابر بأن المراد بالسماوات ما عدا المحدد وأن اليوم هنا عبارة عن مدة دورة تامة له، ولا يخفى أن اليوم اللغوي يتناول هذا أيضا إلا أن إرادته كإرادة مقدار مجموع النهار وليلته يحتاج إلى نقل وليس ذلك أمرا معروفا عند المخاطبين ليستغني عن النقل على أن القول به يدور على كون المحدد متحركا بالحركة الوضعية ويحتاج ذلك إلى النقل أيضا، وكذا يدور على كون المحدد خارجا عن السماوات المخلوقة في الأيام الست لكن ذلك لا يضر إذ الآيات والأخبار شاهدة بالخروج كما لا يخفى، وفي خلقها مدرجا مع القدرة التامة على إبداعها في طرفة عين اعتبار للنظار وحث لهم على التأني في الأحوال والأطوار، وفيه أيضا على ما صرح به بعض المحققين دليل على الاختيار، وأما تخصيص ذلك بالعدد المعين فقد قيل: إنه أمر قد استأثر بعلم ما يستدعيه علام الغيوب جلت قدرته ودقت حكمته. وقيل: إنه سبحانه جعل لكل من خلق مواد السماوات وصورها وربط بعضها ببعض وخلق مادة الأرض وصورتها وربط إحداهما بالأخرى وقتا فلذا صارت الأوقات ستا وفيه تأمل، وسيأتي إن شاء الله تعالى في الدخان تحقيق هذا المطلب على وجه ينكشف به الغبار عن بصائر الناظرين. وإيثار جمع السماوات لما هو المشهور من الإيذان بأنها أجرام مختلفة الطباع متباينة الآثار والأحكام، وتقديمها على الأرض إما لأنها أعظم منها خلقا أو لأنها جارية مجرى الفاعل والأرض جارية مجرى القابل على ما بين في موضعه، وتقديم الأرض عليها في آية طه لكونها أقرب إلى الحس وأظهر عنده وسيأتي أيضا تحقيقه هناك إن شاء الله تعالى ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ على المعنى الذي أراده سبحانه وكف الكيف مشلولة، وقيل: الاستواء على العرش مجاز عن الملك والسلطان متفرع عن الكناية فيمن يجوز عليه القعود على السرير يقال: استوى فلان على سرير الملك ويراد منه ملك وإن لم يقعد على السرير أصلا، وقيل: إن الاستواء بمعنى الاستيلاء وأرجعوه إلى صفة القدرة. وأنت تعلم أن هذا وأمثاله من المتشابه وللناس فيه مذاهب وما أشرنا إليه هو الذي عليه أكثر سلف الأمة رضي الله تعالى عنهم، وقد صرح بعض أن الاستواء صفة غير الثمانية لا يعلم ما هي إلا من هي له والعجز عن درك الإدراك إدراك، واختار كثير

стр. 2209

من الخلف أن المراد بذلك الملك والسلطان وذكره لبيان جلاله ملكه وسلطانه سبحانه بعد بيان عظمة شأنه وسعة قدرته بما مر من خلق هاتيك الأجرام العظيمة، وقوله تعالى: يُدَبِّرُ الْأَمْرَ استئناف لبيان حكمة استوائه جل وعلا على العرش وتقرير عظمته، والتدبير في اللغة النظر في أدبار الأمور وعواقبها لتقع على الوجه المحمود والمراد به هنا التقدير الجاري على وفق الحكمة والوجه الأتم الأكمل. وأخرج أبو الشيخ وغيره عن مجاهد أن المعنى يقضي الأمر والمراد بالأمر أمر الكائنات علويها وسفليها حتى العرش فأل فيه للعهد أي يقدر أمر ذلك كله على الوجه الفائق، والنمط اللائق حسبما تقتضيه المصلحة وتستدعيه الحكمة ويدخل فيما ذكر ما تعجبوا منه دخولا ظاهرا، وزعم بعضهم أن المعنى يدبر ذلك على ما اقتضته حكمته ويهيىء أسبابه بسبب تحريك العرش وهو فلك الأفلاك عندهم وبحركته يحرك غيره من الأفلاك الممثلة وغيرها لقوة نفسه، وقيل: لأن الكل في جوفه فيلزم من حركته حركته لزوم حركة المظروف لحركة الظرف وهو مبني على أن الظرف مكان طبيعي للمظروف وإلا ففيه نظر. وأنت تعلم أن مثل هذا الزعم على ما فيه مما لا يقبله المحدثون وسلف الأمة إذ لا يشهد له الكتاب ولا السنة وحينئذ فلا يفتى به وإن حكم القاضي، وجوز في الجملة أن تكون في محل النصب على أنها حال من ضمير اسْتَوى وأن تكون في محل الرفع على أنها خبر ثان لأن، وعلى كل حال فإيثار صيغة المضارع للدلالة على تجدد التدبير واستمراره منه تعالى، وقوله سبحانه: ما مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ بيان لاستبداده تعالى في التدبير والتقدير ونفي للشفاعة على أبلغ وجه فإن نفي جميع أفراد الشفيع بمن الاستغراقية يستلزم نفي الشفاعة على أتم الوجوه، فلا حاجة إلى أن يقال: التقدير ما من شفاعة لشفيع، وفي ذلك أيضا تقرير لعظمته سبحانه إثر تقرير، والاستثناء مفرغ من أعم الأوقات أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنه تعالى المبني على الحكمة الباهرة وذلك عند كون الشفيع من المصطفين الأخيار والمشفوع له ممن يليق بالشفاعة. وذهب القاضي إلى أن فيه ردا على من زعم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله تعالى. وتعقب بأنه غير تام لأنهم لما ادعوا شفاعتها فقد يدعون الإذن لها فكيف يتم هذا الرد ولا دلالة في الآية على أنهم لا يؤذن لهم، وما قيل: إنها دعوى غير مسلمة واحتمالها غير مجد لا فائدة فيه إلا أن يقال: مراده أن الأصنام لا تدرك ولا تنطق فكونها ليس من شأنها أن يؤذن لها بديهي، وقوله عز شأنه: ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ استئناف لزيادة التقرير والمبالغة في التذكير ولتفريع الأمر بالعبادة بقوله سبحانه: فَاعْبُدُوهُ والإشارة إلى الذات الموصوف بتلك الصفات المقتضية لاستحقاق ما أخبر به عنه وهو الله وربكم فإنهما خبران لذلكم، وحيث كان وجه ثبوت ذلك له ما ذكر مما لا يوجد في غيره اقتضى انحصاره فيه وأفاد أن لا رب غيره ولا معبود سواه، ويجوز أن يكون الاسم الجليل نعتا لاسم الإشارة ورَبَّكُمُ خبره وأن يكون هو الخبر ورَبَّكُمُ بيان له أو بدل منه ولا يخلو الكلام من إفادة الانحصار، وإذا فرع الأمر المذكور على ذلك أفاد الأمر بعبادته سبحانه وحده، أي فاعبدوه سبحانه من غير أن تشركوا به شيئا من ملك أو نبي فضلا عن جماد لا يبصر ولا يسمع ولا يضر ولا ينفع، وليس الداعي لهذا الحمل أن أصل العبادة ثابت لهم فيحمل الأمر بها على ذلك ليفيد لما قيل: من أن الخطاب للمشركين ولا عبادة مع الشرك أَفَلا تَذَكَّرُونَ أي أتعلمون أن الأمر كما فصل فلا تتذكرون ذلك حتى تقفوا على فساد ما أنتم عليه فترتدعوا عنه وتعبدوا الله تعالى وحده، وإيثار تَذَكَّرُونَ على تفكرون للإيذان بظهور الأمر وأنه كالمعلوم الذي لا يفتقر إلى فكر تام ونظر كامل بل إلى مجرد التفات وإخطار بالبال، وقوله سبحانه: إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً كالتعليل لوجوب العبادة، والجار والمجرور خبر مقدم ومَرْجِعُكُمْ مبتدأ مؤخر وهو مصدر ميمي لا اسم مكان خلافا لمن وهم فيه، وجَمِيعاً

стр. 2210

حال من الضمير المجرور لكونه فاعلا في المعنى أي إليه تعالى رجوعكم مجتمعين لا إلى غيره سبحانه بالبعث وَعْدَ اللَّهِ مصدر مؤكد لمضمون الجملة السابقة لأنها وعد منه تعالى بالبعث وحيث كانت لا تحتمل غير الوعد كان ذلك من أفراد المصدر المؤكد لنفسه عندهم كما في قولك: له على ألف عرفا، ويجوز أن يكون نصبا على المصدرية لفعل محذوف أي وعد الله وعدا، وأيا ما كان فهو دليل على أن المراد بالمرجوع الرجوع بالبعث لأن ما بالموت بمعزل عن الوعد كما أنه بمعزل عن الاجتماع فما وقع في بعض نسخ القاضي بالموت أو النشور ليس على ما ينبغي. وقرىء «وعد الله» بصيغة الفعل ورفع الاسم الجليل على الفاعلية حَقًّا مصدر مؤكد لما دل عليه الأول وهو من قسم المؤكد لغيره لأن الأول ليس نصا فيه فإن الوعد يحتمل الحقية والتخلف. وقيل: إنه منصوب بوعد على تقدير- في- وتشبيهه بالظرف كقوله: أفي الحق إني هائم بك مغرم والأول أظهر. وقوله سبحانه: إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ كالتعليل لما أفاده إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ فإن غاية البدء والإعادة هو الجزاء بما يليق. وقرأ أبو جعفر والأعمش «أنه» بفتح الهمزة على تقدير لأنه، وجوز أن يكون منصوبا بمثل ما نصب وَعْدَ أي وعد الله سبحانه بدء الخلق ثم إعادته أي إعادته بعد بدئه، ويكون الوعد واقعا على المجموع لكن باعتبار الجزء الأخير لأن البدء ليس موعودا، وأن يكون مرفوعا بمثل ما نصب حقا أي حق بدء الخلق ثم إعادته ويكون نظير قول الحماسي: أحقا عباد الله أن لست رائيا ... رفاعة طول الدهر إلا توهما وعن المرزوقي أنه خرجه على النصب على الظرفية وهو إما خبر مقدم أو ظرف معتمد وزعم أن ذلك مذهب سيبويه، وجوز أن يكون النصب بوعد الله على أنه مفعول له، والرفع بحقا على أنه فاعل له وظاهر كلام الكشاف يدل على أن الفعلين العاملين في المصدرين المذكورين هما اللذان يعملان فيما ذكر لا فعلان آخران مثلهما وحينئذ يفوت أمر التأكيد الذي ذكرناه لأن فاعل العامل بالمصدر المؤكد لا بد أن يكون عائدا على ما تقدمه مما أكده، وقرىء «حق أنه يبدأ الخلق» وهو كقولك: حق أن زيدا منطلق. وقرئ «يبدىء» من أبدأ، ولعل المراد من الخلق نحو المكلفين لا ما يعم ذلك والجمادات، ويؤيد ذلك ما أخرجه غير واحد عن مجاهد أن معنى الآية يحيي الخلق ثم يميته لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بِالْقِسْطِ أي بالعدل وهو حال من فاعل يجزي أي ملتبسا بالعدل أو متعلق بيجزي أي ليجزيهم بقسطه ويوفيهم أجورهم، وإنما أجمل ذلك إيذانا بأنه لا يفي به الحصر، ويرشح ذلك جعل ذاته الكريمة هي المجازية أو بقسطهم وعدلهم في أمورهم أو بإيمانهم ورجح هذا بأنه أوفق بقوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ فإن معناه ويجزي الذين كفروا بشراب من ماء حار وقد انتهى حره وعذاب أليم بسبب كفرهم فيظهر التقابل بين سببي جزاء المؤمنين وجزاء الكافرين، مع أنه لا وجه لتخصيص العدل بجزاء المؤمنين بل جزاء الآخرين أولى به كما لا يخفى، وتكرير الإسناد بجعل الجملة الظرفية خبرا للموصول لتقوية الحكم، والجمع بين صيغتي الماضي والمضارع للدلالة على مواظبتهم على الكفر، وتغيير النظم الكريم للمبالغة في استحقاقهم العقاب بجعله حقا مقررا لهم والإيذان بأن التعذيب بمعزل عن الانتظام في سلك العلة الغائية للإعادة بناء على تعلق ليجزي بها أولها للبدء بناء على تعلقه بهما على التنازع، وإنما المنتظم في ذلك السلك هو الإثابة فهي المقصودة بالذات والعقاب واقع بالعرض هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً تنبيه على الاستدلال على وجوده تعالى
следующие страницы →