← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

ويكون بمعنى الاشتباه إما بالاشتراك أو الحقيقة والمجاز: والباء إما للتعدية أو للاستعانة واللام في- الحق والباطل- للعهد أي لا تخلطوا الحق المنزل في التوراة بالباطل الذي اخترعتموه وكتبتموه أو لا تجعلوا ذلك ملتبسا مشتبها غير واضح لا يدركه الناس بسبب الباطل وذكره، ولعل الأول أرجح لأنه أظهر وأكثر لا لأن جعل وجود الباطل سببا لالتباس الحق ليس أولى من العكس لما أنه لما كان المذموم هو التباس الحق بالباطل- وإن لزمه العكس وكان هذا طارئا على ذلك- استحق الأولوية التي نفيت وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ مجزوم بالعطف على تَلْبِسُوا فالنهي عن كل واحد من الفعلين، وجوزوا أن يكون منصوبا على إضمار- أن- وهو عند البصريين عطف على مصدر متوهم. وروى الجرمي إن النصب بنفس الواو- وهي عندهم بمعنى مع- وتسمى واو الجمع وواو الصرف لأنها مصروف بها الفعل عن العطف، والمراد لا يكن منكم لبس الحق على من سمعه وكتمان الحق وإخفاؤه عمن لم يسمعه، والقصد أن ينعى عليهم سوء فعلهم الذي هو الجمع بين أمرين كل منهما مستقل بالقبح، ووجوب الانتهاء وطريق واسع إلى الإضلال والإغواء، وحيث كان التلبيس بالنسبة إلى من سمع، والكتمان إلى من لم يسمع اندفع السؤال بأن النهي عن الجمع بين شيئين إنما يتحقق إذا أمكن افتراقهما في الجملة وليس- لبس الحق بالباطل مع كتمان الحق كذلك- ضرورة أن لبس الحق بالباطل كتمان له، وكرر الحق إما لأن المراد بالأخير ليس عين الأول بل هو نعت النبي ﷺ خاصة وإما لزيادة تقبيح المنهي عنه إذ في التصريح باسم الحق ما ليس في ضميره، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه- وتكتمون- وخرجت على أن الجملة في موضع الحال- أي وأنتم تكتمون أو كاتمين- وفي جواز اقتران الحال المصدرة بالمضارع بالواو قولان، وليس للمانع دليل يعتمد عليه، وهذه الحال عند بعض المحققين لازمة والتقييد لإفادة التعليل كما في- لا تضرب زيدا وهو أخوك- وعليه يكون المراد بكتمان الحق ما يلزم من لبس الحق بالباطل لا إخفائه عمن لا يسمع، وجوز أن تكون معطوفة على جملة النهي على مذهب من يرى جواز ذلك- وهو سيبويه وجماعة- ولا يشترط التناسب في عطف الجمل وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ جملة حالية ومفعول تَعْلَمُونَ محذوف اقتصارا- أي وأنتم من ذوي العلم- ولا يناسب من كان عالما أن يتصف بالحال الذي أنتم عليه، ولا يبعد أن يكون الحذف للاختصار- أي وأنتم تعلمون أنكم لابسون كاتمون- أو تعلمون صفته ﷺ أو البعث والجزاء، والمقصود من تقييد النهي بالعلم زيادة تقبيح حالهم لأن الإقدام على هاتيك الأشياء القبيحة مع العلم بما ذكر أفحش من الإقدام عليها مع الجهل- وليس من يعلم كمن لا يعلم- وجوز ابن عطية أن تكون هذه الجملة معطوفة وإن كانت ثبوتية على ما قبلها من جملة النهي، وإن لم تكن مناسبة في الاخبار، وهي عنده شهادة عليهم بعلم حق مخصوص في أمر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وليست شاهدة بالعلم على الإطلاق إذ هم بمراحل عنه، واستدل بالآية على أن العالم بالحق يجب عليه إظهاره ويحرم عليه كتمانه بالشروط المعروفة لدى العلماء وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ المراد بهما- سواء كانت اللام للعهد أو للجنس- صلاة المسلمين وزكاتهم لأن غيرهما مما نسخه القرآن ملتحق بالعدم، والزكاة في الأصل النماء والطهارة، ونقلت شرعا لإخراج معروف فإن نقلت من الأول فلأنها تزيد بركة المال وتفيد النفس فضيلة الكرم، أو لأنها تكون في المال النامي وإن نقلت من الثاني فلأنها تطهر المال من الخبث والنفس من البخل. واستدل بالآية حيث كانت خطابا لليهود من قال: إن الكفار مخاطبون بالفروع واحتمال أن يكون الأمر فيها بقبول الصلاة المعروفة والزكاة والإيمان بهما، أو أن يكون أمرا للمسلمين- كما قاله الشيخ أبو منصور- خلاف الظاهر فلا ينافي الاستدلال بالظاهر، وقدم الأمر بالصلاة لشمول وجوبها ولما فيها من الإخلاص والتضرع للحضرة، وهي أفضل العبادات البدنية وقرنها بالزكاة لأنها أفضل العبادات المالية، ثم من قال: لا يجوز تأخير بيان المجمل عن وقت الخطاب قال إنما جاء هذا بعد أن بين ﷺ أركان ذلك وشرائطه، ومن قال بجوازه قال بجواز أن يكون الأمر لقصد أن يوطن السامع نفسه- كما يقول السيد لعبده

стр. 247

إني أريد أن آمرك بشيء فلا بد أن تفعله وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ أي صلوا مع المصلين وعبر بالركوع عن الصلاة احترازا عن صلاة اليهود فإنها لا ركوع فيها وإنما قيد ذلك بكونه مع الراكعين لأن اليهود كانوا يصلون وحدانا فأمروا بالصلاة جماعة لما فيها من الفوائد ما فيها، واستدل به بعضهم على وجوبها ومن لم يقل به حمل الأمر على الندب أو المعية على الموافقة وإن لم يكونوا معهم وقيل: الركوع- الخضوع والانقياد لما يلزمهم من الشرع قال الأضبط السعدي: لا تذل الفقير علّك أن ... «تركع» يوما والدهر قد رفعه ولعل الأمر به حينئذ بعد الأمر بالزكاة لما أنها مظنة ترفع فأمروا بالخضوع لينتهوا عن ذلك إلا أن الأصل في إطلاق الشرع المعاني الشرعية: وفي المراد بالراكعين قولان: فقيل، النبي ﷺ وأصحابه، وقيل: الجنس وهو الظاهر «ومن باب الإشارة» في قوله تعالى: وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ إلخ أي لا تقطعوا على أنفسكم طريق الوصول إلى الحق بالباطل الذي هو تعلق القلب بالسوي- فإن أصدق كلمة قالها شاعر- لكمة لبيد. ألا كل شيء ما خلا الله باطل ولا تَكْتُمُوا الْحَقَّ بالتفاتكم إلى غيره سبحانه وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنه ليس لغيره وجود حقيقي أو لا تخلطوا صفاته تعالى الثابتة الحقة بالباطل الذي هو صفات نفوسكم ولا تكتموها بحجاب صفات النفس وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ من علم توحيد الأفعال أن مصدر الفعل هو الصفة فكما لم تسندوا الفعل إلى غيره لا تثبتوا صفته لغيره وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ بمراقبة القلوب وَآتُوا الزَّكاةَ أي بالغوا في تزكية النفس عن الصفات الذميمة لتحصل لكم التحلية بعد التخلية. أو أدوا زكاة الهمم فإن لها زكاة كزكاة النعم بل إن لكل شيء زكاة كما قيل: كل شيء له «زكاة» تؤدى ... وزكاة- الجمال رحمة مثلي وَارْكَعُوا أي اخضعوا لما يفعل بكم المحبوب، فالخضوع علامة الرضا الذي هو ميراث تجلي الصفات العلى، وحاصله ارضوا بقضائي عند مطالعة صفاتي فإن لي أحبابا لسان حال كل منهم يقول: وتعذيبكم عذب لديّ وجوركم ... عليّ بما يقضي الهوى لكم عدل ثم إنه تعالى لما أمرهم بفعل الخير شكرا لما خصهم به من النعم حرضهم على ذلك من مأخذ آخر بقوله سبحانه: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ والهمزة فيه للتقرير مع توبيخ وتعجيب والبر- سعة المعروف والخير، ومنه البر، والبرية للسعة، ويتناول كل خير، والنسيان- كما في البحر- السهو الحادث بعد العلم. والمراد به هنا الترك لأن أحدا لا ينسى نفسه بل يحرمها ويتركها كما يترك الشيء المنسي مبالغة في عدم المبالاة والغفلة فيما ينبغي أن يفعله، وقد نزلت هذه الآية- على ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- في أحبار المدينة كانوا يأمرون سرا من نصحوه باتباع محمد ﷺ ولا يتبعونه وقيل: إنهم كانوا يأمرون بالصدقة ولا يتصدقون فالمراد بالبر هنا إما الإيمان أو الإحسان، وتركه بعضهم على ظاهره متناولا كل خير على ما قال السدي: إنهم كانوا يأمرون الناس بطاعة الله تعالى وينهونهم عن معصيته وهم كانوا يتركون الطاعة ويقدمون على المعصية، والتوبيخ ليس على أمر الناس بِالْبِرِّ نفسه بل لمقارنته بالنسيان المذكور وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أي التوراة، والجملة حال من فاعل أَتَأْمُرُونَ، والمراد التبكيت وزيادة التقبيح أَفَلا تَعْقِلُونَ أصل هذا الكلام ونحوه عند الجمهور كان بتقديم حرف العطف على الهمزة لكن لما كان للهمزة صدر الكلام قدمت على حرف العطف، وبعضهم ذهب إلى أنه لا تقديم ولا تأخير ويقدر بين الهمزة وحرف العطف ما يصح العطف عليه، والعقل- في الأصل المنع والإمساك، ومنه- عقال البعير- سمي به النور الروحاني الذي به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية لأنه يحبس عن تعاطي ما يقبح ويعقل

стр. 248

على ما يحسن، والفعل يحتمل أن يكون مطلقا أجري مجرى اللازم، ويحتمل أن يكون متعديا مقدرا لمفعول، والمعنى- أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون سوء خاتمته ووخامة عاقبته- أو أَفَلا تَعْقِلُونَ قبح صنيعكم شرعا لمخالفة ما تتلونه في التوراة. وعقلا لكونه جمعا بين المتنافيين، فإن المقصود من الأمر بِالْبِرِّ الإحسان والامتثال، والزجر عن المعصية، ونسيانهم أنفسهم ينافي كل هذه الأغراض، ولا نزاع في كون قبح الجمع بين ذلك عقلا بمعنى كونه باطلا فعلى هذا لا حجة للمعتزلة في الآية على القبح العقلي الذي يزعمونه بل قد ادعى بعض المحققين أنها دليل على خلاف ما ذهبوا إليه لأنه سبحانه رتب التوبيخ على ما صدر منهم بعد تلاوة الكتاب وكذا لا حجة فيها لمن زعم أنه ليس للعاصي أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر لأن التوبيخ على جمع الأمرين بالنظر للثاني فقط لا منع الفاسق عن الوعظ فإن النهي عن المنكر لازم ولو لمرتكبه فإن ترك النهي ذنب وارتكابه ذنب آخر، وإخلاله بأحدهما لا يلزم منه الإخلال بالآخر، ثم إن هذا التوبيخ والتقريع- وإن كان خطابا لبني إسرائيل- إلا أنه عام- من حيث المعنى- لكل واعظ يأمر ولا يأتمر، ويزجر ولا ينزجر، ينادي الناس البدار البدار، ويرضى لنفسه التخلف والبوار، ويدعو الخلق إلى الحق، وينفر عنه، ويطالب العوام بالحقائق ولا يشم ريحها منه. وهذا هو الذي يبدأ بعذابه قبل عبدة الأوثان، ويعظم ما يلقى لوفور تقصيره يوم لا حاكم إلا الملك الديان. وعن محمد بن واسع قال: بلغني أن أناسا من أهل الجنة اطلعوا على ناس من أهل النار، فقالوا لهم: قد كنتم تأمروننا بأشياء عملناها فدخلنا الجنة، قالوا: كنا نأمركم بها، ونخالف إلى غيرها، هذا ومن الناس من جعل هذا الخطاب للمؤمنين، وحمل الكتاب على القرآن، فيكون ذلك من تلوين الخطاب- كما في- يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي [يوسف: ٢٩] والظاهر يبعده وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ لما أمرهم سبحانه بترك الضلال والإضلال والتزام الشرائع، وكان ذلك شاقا عليهم- لما فيه من فوات محبوبهم وذهاب مطلوبهم- عالج مرضهم بهذا الخطاب، و «الصبر» حبس النفس على ما تكره، وقدمه على الصلاة- لأنها لا تكمل إلا به- أو لمناسبته لحال المخاطبين، أو لأن تأثيره- كما قيل- في إزالة ما لا ينبغي، وتأثير الصلاة في حصول ما ينبغي، ودرء المفاسد مقدم على جلب المصالح- واللام- فيه للجنس، ويجوز أن يراد بالصبر نوع منه- وهو الصوم- بقرينة ذكره مع الصلاة- والاستعانة بالصبر- على المعنى الأول لما يلزمه من انتظار الفرج والنجح- توكلا على من لا يخيب المتوكلين عليه- ولذا قيل: الصبر مفتاح الفرج، وبه- على المعنى الثاني- لما فيه من كسر الشهوة وتصفية النفس الموجبين للانقطاع إلى الله تعالى- الموجب لإجابة الدعاء- وأما الاستعانة ب الصَّلاةِ فلما فيها من أنواع العبادة، مما يقرب إلى الله تعالى قربا يقتضي الفوز بالمطلوب والعروج إلى المحبوب، وناهيك من عبادة تكرر في اليوم والليلة خمس مرات يناجي فيها العبد علام الغيوب، ويغسل بها العاصي درن العيوب، وقد روى حذيفة أنه صلى الله تعالى عليه وسلم إذا حزنه أمر صلى، وروى أحمد أنه إذا حزنه أمر فزع إلى الصلاة، وحمل الصلاة على الدعاء في الآية وكذا في الحديث لا يخلو عن بعد، وأبعد منه كون المراد بالصبر الصبر على الصلاة. وَإِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الضمير للصلاة- كما يقتضيه الظاهر، وتخصيصها- برد الضمير إليها- لعظم شأنها واستجماعها ضروبا من الصبر، ومعنى- كبرها- ثقلها وصعوبتها على من يفعلها، على حد قوله تعالى: كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ [الشورى: ١٣] والاستثناء مفرغ أي لَكَبِيرَةٌ على كل أحد إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ وهم المتواضعون المستكينون، وأصل- الخشوع- الإخبات، ومنه الخشعة- بفتحات- الرمل المتطامن، وإنما لم تثقل عليهم، لأنهم عارفون بما يحصل لهم فيها متوقعون ما ادخر من ثوابها فتهون عليهم، ولذلك قيل: من

стр. 249

عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف، جاد بالعطية، وجوّز رجوع الضمير إلى- الاستعانة- على حد اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [المائدة: ٨] ورجح بالشمول، وما يقال: إن الاستعانة ليست ب لَكَبِيرَةٌ لا طائل تحته، فإن الاستعانة ب الصَّلاةِ أخص من فعل الصلاة لأنها أداؤها- على وجه الاستعانة بها على الحوائج- أو على سائر الطاعات لاستجرارها ذلك، وقيل: يجوز أن يكون من أسلوب وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ [التوبة: ٨] وقوله: إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا والتأنيث مثله في قوله تعالى على رأي وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها [التوبة: ٣٤] أو المراد كل خصلة منها، وقيل: الضمير راجع إلى المذكورات المأمور بها والمنهي عنها، ومشقتها عليهم ظاهرة، وهو أقرب مما قاله الأخفش من رجوعه إلى إجابة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، والبعيد بل الأبعد عوده إلى الكعبة المفهومة من ذكر الصلاة الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ الظن في الأصل الحسبان- واللقاء- وصول أحد الجسمين إلى الآخر بحيث يماسه، والمراد من ملاقاة الرب سبحانه، إما ملاقاة ثوابه أو الرؤية عند من يجوزها، وكل منهما مظنون متوقع لأنه وإن علم الخاشع أنه لا بد من ثواب للعمل الصالح، وتحقق أن المؤمن يرى ربه يوم المآب- لكن من أين يعلم ما يختم به عمله- ففي وصف أولئك بالظن إشارة إلى خوفهم، وعدم أمنهم مكر ربهم فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ [الأعراف: ٩٩] . وفي تعقيب الخاشعين به حينئذ لطف لا يخفى، إلا أن عطف ... أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ على ما قبله- يمنع حمل الظن على ما ذكر- لأن الرجوع إليه تعالى- المفسر بالنشور- أو المصير إلى الجزاء مطلقا، مما لا يكفي فيه الظن والتوقع- بل يجب القطع به- اللهم إلا أن يقدر له عامل- أي ويعلمون- أو يقال: إن الظن متعلق بالمجموع من حيث هو مجموع، وهو كذلك غير مقطوع به- وإن كان أحد جزئيه مقطوعا- أو يقال: إن الرجوع إلى الرب هنا المصير إلى جزائه الخاص، أعني الثواب بدار السلام، والحلول بجواره جل شأنه- والكل خلاف الظاهر- ولهذا اختير تفسير الظن باليقين مجازا، ومعنى التوقع والانتظار في ضمنه، ولقاء الله تعالى بمعنى الحشر إليه، والرجوع بمعنى المجازاة- ثوابا أو عقابا- فكأنه عز شأنه قال: يعلمون أنهم يحشرون إليه فيجازيهم متوقعين لذلك، وكأن النكتة في استعمال الظن المبالغة في إيهام أن من ظن ذلك لا يشق عليه ما تقدم- فكيف من تيقنه- والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلية الربوبية- والمالكية للحكم- وجعل خبر «أن» في الموضعين اسما للدلالة على تحقق اللقاء والرجوع وتقررهما عنده، وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يعلمون وهي تؤيد هذا التفسير. «ومن باب الإشارة» أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ الذي هو الفعل الجميل الموجب لصفاء القلب وزكاء النفس ولا تفعلون ما ترتقون به من مقام تجلي الأفعال إلى تجلي الصفات وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ فطرتكم الذي يأمركم بالدين السالك بكم سبيل التوحيد أَفَلا تَعْقِلُونَ فتقيدون مطلقات صفاتكم الذميمة بعقال ما أفيض عليكم من الأنوار القديمة، واطلبوا المدد والعون ممن له القدرة الحقيقية بِالصَّبْرِ على ما يفعل بكم، لكي تصلوا إلى مقام الرضا وَالصَّلاةِ التي هي المراقبة وحضور القلب لتلقي تجليات الرب، وإن المراقبة لشاقة- إلا على- المنكسرة قلوبهم، اللينة أفئدتهم لقبول أنوار التجليات اللطيفة، واستيلاء سطواتها القهرية، فهم الذين يتيقنون أنهم بحضرة ربهم وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ بفناء صفاتهم ومحوها في صفاته فلا يجدون في الدار إلا شؤون الملك اللطيف القهار يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ كرر التذكير للتأكيد والإيذان بكمال غفلتهم عن القيام بحقوق النعمة، وليربط ما بعده من الوعد الشديد به لتتم الدعوة بالترغيب والترهيب، فكأنه قال سبحانه: إن لم تطيعوني لأجل سوابق

стр. 250

نعمتي، فأطيعوني للخوف من لواحق عقابي، ولتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم، فإنه لذلك يستحق أن يتعلق به التذكير بخصوصه مع التنبيه على أجليته بتكرير النعمة التي هو فرد من أفرادها وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ عطف على نعمتي من عطف الخاص على العام، وهو مما انفردت به- الواو- كما في البحر، ويسمى هذا النحو من العطف- بالتجريد- كأنه جرد المعطوف من الجملة، وأفرد بالذكر اعتناء به، والكلام على حذف مضاف، أي فضلت آباءكم- وهم الذين كانوا قبل التغيير، أو باعتبار أن نعمة الآباء نعمة عليهم، قال الزجاج: والدليل على ذلك قوله تعالى: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ إلخ، والمخاطبون لم يروا فرعون ولا آله، ولكنه تعالى أذكرهم أنه لم يزل منعما عليهم، والمراد ب الْعالَمِينَ سائر الموجودين في وقت التفضيل، وتفضيلهم بما منحهم من النعم المشار إليها بقوله تعالى: وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً [المائدة: ٢٠] فلا يلزم من الآية تفضيلهم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا على أمته، الذين هم خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [آل عمران: ١١٠] وكذا لا يصح الاستدلال بها على أفضلية البشر على الملائكة من جميع الوجوه- ولو صح ذلك- يلزم تفضيل عوامهم على خواص الملائكة، ولا قائل به. «ومن اللطائف» أن الله أشهد بني إسرائيل فضل أنفسهم فقال: وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ إلخ، وأشهد المسلمين فضل نفسه فقل: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا [يونس: ٥٨] فشتان من مشهوده فضل ربه، ومن مشهوده فضل نفسه «فالأول» يقتضي الفناء «والثاني» يقتضي الإعجاب، والحمد لله الذي فضلنا على كثير ممن خلق تفضيلا وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً اليوم الوقت، وانتصابه إما على الظرف والمتقى محذوف- أي واتقوا العذاب يَوْماً- وإما مفعول به- واتقاؤه- بمعنى- اتقاء ما فيه- إما مجازا بجعل الظرف عبارة عن المظروف أو كناية عنه للزومه له، وإلا- فالاتقاء- من نفس- اليوم- مما لا يمكن، لأنه آت لا محالة، ولا بد أن يراه أهل الجنة والنار جميعا، والممكن المقدور- اتقاء- ما فيه بالعمل الصالح، وتَجْزِي من جزى بمعنى قضى، وهو متعد بنفسه لمفعوله الأول، وبعن للثاني- وقد ينزل منزلة اللازم للمبالغة- والمعنى لا تقضي يوم القيامة نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً مما وجب عليها، ولا تنوب عنها، ولا تحتمل مما أصابها، أو لا تقضي عنها شيئا من الجزاء، فنصب شَيْئاً إما على أنه- مفعول به- أو على أنه- مفعول مطلق- قائم مقام المصدر، أي جزاء ما. وقرأ أبو السماك «ولا تجزىء» من أجزأ عنه إذا أغنى، فهو لازم، وشَيْئاً مفعول مطلق لا غير، والمعنى لا تغني نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً من الإغناء- ولا تجديها نفعا- وتنكير الأسماء للتعميم في الشفيع والمشفوع، وما فيه الشفاعة، وفيه من التهويل والإيذان بانقطاع المطامع ما لا يخفى، كما يشير إليه قوله تعالى: يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ [عبس: ٣٤- ٣٧] والجملة في المشهور صفة يوم والرابط محذوف، أي «لا تجزي فيه» ولم يجوز الكسائي حذف المجرور إذا لم يتعين، فلا تقول: رأيت رجلا أرغب، وأنت تريد أرغب فيه، ومذهبه في هذا التدريج، وهو أن يحذف حرف الجر أولا حتى يتصل الضمير بالفعل- فيصير منصوبا- فيصح حذفه كما في قوله: فما أدرى أغيّرهم تناء ... وطول العهد أو مال أصابوا يريد أصابوه، وقد يجوز- على رأي الكوفيين- أن لا تكون الجملة صفة، بل مضاف إليها «يوم» محذوف- لدلالة ما قبله عليه- فلا تحتاج إلى ضمير، ويكون ذلك المحذوف- بدلا من المذكور- ومن ذلك ما حكاه الكسائي- أطعمونا لحما سمينا، شاة ذبحوها- بجر شاة- على تقدير- لحم شاة- وحكى الفراء مثل ذلك، ومنه قوله:

стр. 251

رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات في رواية من خفض طلحة، والبصريون لا يجوّزون حذف المضاف، وترك المضاف إليه على خفضه، ويقولون بشذوذ ما ورد من ذلك، وقرأ أبو سرار «لا تجزي نسمة عن نسمة» وهي بمعنى النفس. وَلا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ الشفاعة- كما في البحر- ضم غيره إلى وسيلته- وهي من الشفع ضد الوتر- لأن الشفيع ينضم إلى الطالب في تحصيل ما يطلب- فيصير شفعا بعد أن كان فردا- و «العدل» الفدية، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وروي عنه أيضا- البدل- أي رجل مكان رجل، وأصل «العدل» - بفتح العين- ما يساوي الشيء- قيمة وقدرا- وإن لم يكن من جنسه- وبكسرها- المساوي في الجنس والجرم، ومن العرب من يكسر- العين- من معنى الفدية، وذكر الواحدي أن عَدْلٌ الشيء- بالفتح والكسر- مثله، وأنشد قول كعب بن مالك: صبرنا لا نرى لله «عدلا» ... على ما نابنا متوكلينا وقال ثعلب: العدل الكفيل والرشوة- ولم يؤثر في الآية- والضميران المجروران- بمن- إما راجعان إلى النفس الثانية لأنها أقرب مذكور ولموافقته لقوله تعالى: وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ ولأنه المتبادر من قوله: وَلا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ ومعنى عدم قبول الشفاعة حينئذ أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لم تقبل منها وإما إلى الأولى لأنها المحدث عنها، والثانية فضلة ولأن المتبادر من نفي قبول الشفاعة أنها لو شفعت لم تقبل شفاعتها، وحينئذ معنى عدم- أخذ العدل- من الأولى أنه لو أعطى عدلا من الثانية لم يؤخذ، وكأن في الآية على هذا نوعا من الترقي ارتكب هنا وإن لم يرتكب في مقام آخر كأنه قيل: إن النفس الأولى لا تقدر على استخلاص صاحبتها من قضاء الواجبات وتدارك التبعات لأنها مشغولة عنها بشأنها، ثم إن قدرت على نفي ما كان بشفاعة لا يقبل منها، وإن زادت عليه بأن ضمت الفداء فلا يؤخذ منها، وإن حاولت الخلاص بالقهر والغلبة- وأنى لها ذلك- فلا تتمكن منه، واختار الكواشي جعل الضمير الأول للنفس الأولى، والثاني للثانية على اللف والنشر لما فيه من إجراء الجملتين على المعنى الظاهر منهما، ويهوّن أمر التفكيك الاتضاح، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو- ولا تقبل- بالتاء، وسفيان يُقْبَلُ بفتح الياء، ونصب شَفاعَةٌ على البناء للفاعل، وفيه التفات من ضمير المتكلم في نِعْمَتِيَ إلخ إلى ضمير الغائب وبناؤه للمفعول أبلغ. وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ النصر في الأصل المعونة، ومنه أرض منصورة ممدودة بالمطر، والمراد به هنا ما يكون بدفع الضرر- أي ولا هم يمنعون من عذاب الله والضمير راجع إلى ما دلت عليه النفس الثانية المنكرة الواقعة في سياق النفي من النفوس الكثيرة فيكون من قبيل ما تقدم ذكره معنى بدلالة لفظ آخر، وإما إلى النفس المنكرة من حيث كونها لعمومها بالنفي في معنى الكثرة كما قيل في قوله تعالى: فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة: ٤٧] وأتى به مذكرا لتأويل النفوس بالعباد والأناسي، وفيه تنبيه على أن تلك النفوس عبيد مقهورون مذللون تحت سلطانه تعالى، وأنهم ناس كسائر الناس في هذا الأمر، وعوده إلى النفسين بناء على أن التثنية جمع ليس بشيء، وجعل النفي- منسحبا على جملة اسمية للتقوى، ورفع هُمْ على الابتداء والجملة بعده خبره، وجعله مفعولا لما لم يسم فاعله والفعل بعده مفسّر فتوافق الجمل- لا أوافق على اختياره- وإن ذهب إليه بعض الأجلة- وتمسك المعتزلة بعموم الآية، على نفي الشفاعة لأهل الكبائر- وكون الخطاب للكفار والآية نازلة فيهم- لا يدفع العموم المستفاد من اللفظ، وأجيب بالتخصيص من وجهين، الأول بحسب المكان والزمان فإن مواقف القيامة ومقدار زمانها فيها سعة وطول، ولعل هذه الحالة في ابتداء وقوعها وشدته ثم يأذن بالشفاعة، وقد قيل: مثل ذلك في الجمع بين قوله تعالى: فَلا

стр. 252

أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ [المؤمنون: ١٠١] وقوله تعالى: وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ [الصافات: ٢٧] وكون مقام الوعيد يأبى عنه غير مسلم، والثاني بحسب الأشخاص إذ لا بد لهم من التخصيص في غير العصاة لمزيد الدرجات فليس العام باقيا على عمومه عندهم وإلا اقتضى نفي زيادة المنافع وهم لا يقولون به، ونحن نخصص في العصاة بالأحاديث الصحيحة البالغة حد التواتر، وحيث فتح باب التخصيص نقول أيضا ذلك النفي مخصص بما قبل الإذن، لقوله تعالى: لا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ [سبأ: ٢٣] وهو تخصيص له دليل، وتخصيصهم لا يظهر له دليل على أن الشفاعة بزيادة المنافع يكاد أن لا تكون شفاعة وإلا لكنا شفعاء الرسول ﷺ عند الصلاة عليه مع أن الإجماع وقع منا ومنهم على أنه هو الشفيع، وأيضا في قوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [محمد: ١٩] ما يشير إلى الشفاعة التي ندعيها- ويحث على التخصيص الذي نذهب إليه- رزقنا الله تعالى الشفاعة وحشرنا في زمرة أهل السنة والجماعة، ولما قدم سبحانه ذكر نعمه إجمالا أراد أن يفصل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة فقال: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وهو على الشائع عطف على نِعْمَتِيَ بتقدير اذْكُرُوا كيلا يلزم الفصل بين المعطوفين بأجنبي وهو اتَّقُوا وقد تقدم قبل ما ينفعك هنا، وقرىء- أنجيناكم، وأنجيتكم- ونسبت الأولى للنخعي، والآل قيل: بمعنى الأهل وإن ألفه بدل عن هاء، وإن تصغيره أهيل، وبعضهم ذهب إلى أن ألفه بدل من همزة ساكنة وتلك الهمزة بدل من هاء، وقيل: ليس بمعنى الأهل لأن الأهل القرابة والآل من يؤول إليك في قرابة أو رأي أو مذهب، فألفه بدل من واو، ولذلك قال يونس في تصغيره: أويل، ونقله الكسائي نصا عن العرب، وروي عن أبي عمر- غلام ثعلب- أن الأهل القرابة كان لها تابع أو لا، والآل القرابة بتابعها فهو أخص من الأهل، وقد خصوه أيضا بالإضافة إلى أولي الخطر فلا يضاف إلى غير العقلاء ولا إلى من لا خطر له منهم، فلا يقال- آل الكوفة، ولا- آل الحجام- وزاد بعضهم اشتراط التذكير فلا يقال- آل فاطمة- ولعل كل ذلك أكثريّ وإلا فقد ورد على خلاف ذلك- كآل اعوج- اسم فرس وآل المدينة وآل نعم، وآل الصليب. وآلك- ويستعمل غير مضاف- كهم خير آل- ويجمع- كأهل- فيقال آلون: وفرعون لقب لمن ملك العمالقة- ككسرى لملك الفرس، وقيصر لملك الروم، وخاقان لملك الترك، وتبع لملك اليمن، والنجاشي لملك الحبشة- وقال السهيلي: هو اسم لكل من ملك القبط ومصر، وهو غير منصرف للعلمية والعجمة، وقد اشتق منه باعتبار ما يلزمه فقيل: تفر عن الرجل إذا تجبر وعتا. واسم فرعون هذا الوليد بن مصعب- قاله ابن إسحاق، وأكثر المفسرين- وقيل: أبوه مصعب بن ريان حكاه ابن جرير، وقيل: قنطوس حكاه مقاتل، وذكر وهب بن منبه أن أهل الكتابين قالوا: إن اسمه قابوس، وكنيته أبو مرة وكان من القبط، وقيل: من بني عمليق أو عملاق بن لاوز بن ارم بن سام بن نوح ﵇، وهم أمم تفرقوا في البلاد، وروي أنه من أهل إصطخر ورد إلى مصر فصار بها ملكا، وقيل: كان عطارا بأصفهان ركبته الديون فدخل مصر وآل أمره إلى ما آل- وحكاية البطيخ شهيرة- وقد نقلها مولانا مفتي الديار الرومية في تفسيره، والصحيح أنه غير فرعون يوسف ﵇، وكان اسمه- على المشهور- الريان بن الوليد، وقد آمن بيوسف ومات في حياته وهو من أجداد فرعون المذكور على قول، ويؤيد الغيرية أن بين دخول يوسف ودخول موسى ﵉ أكثر من أربعمائة سنة، والمراد ب آلِ فِرْعَوْنَ هنا أهل مصر أو أهل بيته خاصة أو أتباعه على دينه، وب نَجَّيْناكُمْ أنجينا آباءكم، وكذا نظائره فلا حجة فيها لتناسخي، وهذا في كلام العرب شائع كقول حسان: ونحن قتلناكم ببدر فأصبحت ... عساكركم في الهالكين «تجول» ويَسُومُونَكُمْ من السوم، وأصله الذهاب للطلب، ويستعمل للذهاب وحده تارة، ومنه السائمة، وللطلب

стр. 253

أخرى، ومنه السوم في البيع، ويقال: سامه كلفه العمل الشاق، والسوء- مصدر ساء يسوء، ويراد به السيئ، ويستعمل في كل ما يقبح- كأعوذ بالله تعالى من سوء الخلق وسُوءَ الْعَذابِ أفظعه وأشده بالنسبة إلى سائره، وهو منصوب على المفعولية ل يَسُومُونَكُمْ بإسقاط حرف الجر أو بدونه، والجملة يحتمل أن تكون مستأنفة، وهي حكاية حال ماضية، ويحتمل أن تكون في موضع الحال من ضمير نَجَّيْناكُمْ أو مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ، وهو الأقرب، والمعنى يولونكم أو يكلفونكم الأعمال الشاقة، والأمور الفظيعة أو يرسلونكم إليها ويصرفونكم فيها أو يبغونكم سوء العذاب المفسر بما بعده. وقد حكي أن فرعون جعل بني إسرائيل خدما وخولا، وصنفهم في الأعمال- فصنف يبنون، وصنف يحرثون، وصنف يخدمون- ومن لم يكن منهم في عمل وضع عليه الجزية يؤديها كل يوم، ومن غربت عليه الشمس قبل أن يؤديها غلت يده إلى عنقه شهرا، وجعل النساء يغزلن الكتان، وينسجن يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ جملة حالية أو استئنافية كأنه قيل: ما الذي ساموهم إياه، فقال: يُذَبِّحُونَ إلخ، ويجوز أن تخرج على إبدال الفعل من الفعل كما في قوله تعالى: يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ [الفرقان: ٦٨، ٦٩] ، وقيل: بالعطف وحذف حرفه لآية إبراهيم، والمحققون على الفرق، وحملوا سُوءَ الْعَذابِ فيها على التكاليف الشاقة غير الذبح، وعطف للتغاير، واعتبر هناك لا هنا على رأيهم لسبق وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ [إبراهيم: ٥] ، وهو يقتضي التعداد، وليس هنا ما يقتضيه، والأبناء الأطفال الذكور، وقيل: إنهم الرجال هذا وسموا أبناء باعتبار ما كانوا قبل، وفي بعض الأخبار أنه قتل أربعين ألف صبي، وحكي أنه كان يقتل الرجال الذين يخاف منهم الخروج والتجمع لإفساد أمره، والمشهور حمل الأبناء على الأول، وهو المناسب المتبادر، وفي سبب ذلك أقوال وحكايات مختلفة ومعظمها يدل على أن فرعون خاف من ذهاب ملكه على يد مولود من بني إسرائيل ففعل ما فعل وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب: ٣٨] وقرأ الزهري وابن محيض «يذبحون» مخففا، وعبد الله «يقتّلون» مشددا وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ عطف على يُذَبِّحُونَ أي يستبقون بناتكم ويتركونهن حيات، وقيل: يفتشون في حيائهن ينظرون هل بهن حمل- والحياء الفرج- لأنه يستحى من كشفه، والنساء جمع المرأة، وفي البحر إنه تكسير لنسوة على وزن فعلة جمع قلة، وزعم ابن السراج أنه اسم جمع، وعلى القولين لم يلفظ له بواحد من لفظه، وهي في الأصل البالغات دون الصغائر، فهي على الوجه الأول مجاز باعتبار الأول للإشارة إلى أن استبقاءهم كان لأجل أن يصرن نساء لخدمتهم، وعلى الثاني في تغليب البالغات على الصغائر، وعلى الثالث حقيقة، وقدم الذبح لأنه أصعب الأمور وأشقها عند الناس وإن كان ذلك الاستحياء أعظم من القتل لدى الغيور. وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ إشارة إلى التذبيح والاستحياء أو إلى الإنجاء، وجمع الضمير للمخاطبين، ويجوز أن يشار ب ذلِكُمْ إلى الجملة وأصل البلاء الاختبار، وإذا نسب إليه تعالى يراد منه ما يجري مجراه مع العباد على المشهور، وهو تارة يكون بالمسار ليشكروا، وتارة بالمضار ليصبروا، وتارة بهما ليرغبوا ويرهبوا- فإن حملت الإشارة على المعنى الأول- فالمراد بالبلاء المحنة، وإن على الثاني فالمراد به النعمة، وإن على الثالث فالمراد به القدر المشترك كالامتحان الشائع بينهما، ويرجح الأول التبادر، والثاني أنه في معرض الامتنان، والثالث لطف جمع الترغيب والترهيب ومعنى مِنْ رَبِّكُمْ من جهته تعالى إما بتسليطهم عليكم أو ببعث موسى ﵇ وتوفيقه لتخليصكم أو بهما جميعا، وعَظِيمٌ صفة بلاء وتنكيرهما للتفخيم، والعظم بالنسبة للمخاطب، والسامع لا بالنسبة إليه تعالى لأنه العظيم الذي لا يستعظم شيئا «ومن باب الإشارة» والتأويل وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ من قوى فرعون النفس الأمارة المحجوبة بأنانيتها. والنظر إلى نفسها المستعلية على إهلاك الوجود، ومصر مدينة البدن المستعبدة، وهي وقواها من الوهم، والخيال والغضب، والشهوة القوى الروحانية التي هي أبناء صفوة الله تعالى يعقوب الروح، والقوى الطبيعية

стр. 254

البدنية من الحواس الظاهرة والقوى النباتية أولئك يكلفونكم المتاعب الصعبة، والأعمال الشاقة من جمع المال، والحرص وترتيب الأقوات والملابس وغير ذلك، ويستعبدونكم بالتفكر فيها والاهتمام بها لتحصل لكم لذة هي في الحقيقة عذاب وذلة لأنها تمنعكم عن مشاهدة الأنوار، والتمتع بدار القرار يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ التي هي القوى الروحانية من القوى النظرية التي هي العين اليمنى للقلب، والعملية التي هي العين اليسرى له، والفهم الذي هو سمعه، والسر الذي هو قلبه وَيَسْتَحْيُونَ قواكم الطبيعية ليستخدموها ويمنعوها عن أفعالها اللائقة بها، وفي ذلك- الإنجاء- نعمة عظيمة من ربكم المرقي لكم من مقام إلى مقام ومشهد إلى مشهد حتى تصلوا إليه وتحطوا رحالكم بين يديه، أو في مجموع ذلك امتحان لكم وظهور آثار الأسماء المختلفة عليكم فاشكروا واصبروا فالكل منه وكل ما فعل المحبوب محبوب. وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ عطف على ما قبل، والفرق- الفصل بين الشيئين، وتعديته إلى البحر بتضمين معنى الشق، أي فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض لأجلكم، وبسبب إنجائكم. والباء للسببية الباعثة بمنزلة اللام- إذا قلنا بتعليل أفعاله تعالى- وللسببية الشبيهة بها في الترتيب على الفعل، وكونه مقصودا منه- إن لم نقل به- وإنما قال سبحانه: بِكُمُ دون لكم، لأن العرب- على ما نقله الدامغاني- تقول: غضبت لزيد- إذا غضبت من أجله وهو حي- وغضبت بزيد- إذا غضبت من أجله وهو ميت- ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين، ويحتمل أن تكون للاستعانة على معنى- بسلوككم- ويكون هناك استعارة تبعية بأن يشبه سلوكهم بالآلة في كونه واسطة في حصول الفرق من الله تعالى، ويستعمل الباء. وقول الإمام الرازي قدس سره:- إنهم كانوا يسلكون، ويتفرق الماء عند سلوكهم، فكأنه فرق بهم- يرد عليه أن تفرق الماء كان سابقا على سلوكهم على ما تدل عليه القصة، وقوله تعالى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ [الشعراء: ٦٣] وما قيل: إن الآلة هي العصا- كما تفهمه الآية- غير مسلم. والمفهوم كونها آلة الضرب- لا الفرق- ولو سلم يجوز كون المجموع آلة، على أن آلية السلوك على التجوز، وقد يقال: إن الباء للملابسة، والجار والمجرور ظرف مستقر واقع موقع الحال من الفاعل، وملابسته تعالى معهم حين الفرق ملابسة عقلية، وهو كونه ناصرا وحافظا لهم، وهي ما أشار إليه موسى ﵇ بقوله تعالى: كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ [الشعراء: ٦٢] ومن الناس من جعله حالا من الْبَحْرَ مقدما- وليس بشيء- لأن الفرق مقدم على ملابستهم الْبَحْرَ اللهم إلا على التوسع، واختلفوا في هذا البحر، فقيل: القلزم- وكان بين طرفيه أربعة فراسخ- وقيل النيل، والعرب تسمي الماء الملح، والعذب بحرا- إذا كثر، ومنه مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ [الرحمن: ١٩] وأصله السعة، وقيل: الشق، ومن الأول البحرة البلدة، ومن الثاني البحيرة التي شقت أذنها، وفي كيفية الانفلاق قولان «فالمشهور» كونه خطيا، وفي بعض الآثار ما يقتضي كونه قوسيا، إذ فيه أن الخروج من الجانب الذي دخلوا منه، واحتمال الرجوع في طريق الدخول يكاد يكون باطلا لأن الأعداء في أثرهم، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ما يتعلق بهذا المبحث. فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ في الكلام حذف يدل عليه المعنى والتقدير وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ وتبعكم فرعون وجنوده في تقحمه فَأَنْجَيْناكُمْ أي من الغرق، أو من إدراك فرعون وآله لكم، أو مما تكرهون، وكنى سبحانه بآل فرعون عن فرعون وآله كما يقال: بني هاشم، وقوله تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [الإسراء: ٧٠] يعني هذا الجنس الشامل لآدم، أو اقتصر على ذكر الآل لأنهم إذا عذبوا بالإغراق كان مبدأ العناد ورأس الضلال أولى بذلك، وقد ذكر تعالى غرق فرعون في آيات أخر من كتابه كقوله سبحانه فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً [الإسراء:

стр. 255

١٠٣] فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ [القصص: ٤٠ والذاريات: ٤٠] وحمل الآل- على الشخص حيث إنه ثبت لغة كما في الصحاح- ركيك غير مناسب للمقام، وإنما المناسب له التعميم، وناسب نجاتهم- بإلقائهم في البحر وخروجهم منه سالمين- نجاة نبيهم موسى على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام من الذبح بإلقائه وهو طفل في البحر وخروجه منه سالما، ولكل أمة نصيب من نبيها وناسب هلاك فرعون- وقومه بالغرق- هلاك بني إسرائيل على أيديهم بالذبح لأن الذبح فيه تعجيل الموت بأنهار الدم، والغرق فيه إبطاء الموت ولا دم خارج وكان ما به الحياة وهو الماء كما يشير إليه قوله تعالى: وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ [الأنبياء: ٣٠] سببا لإعدامهم من الوجود، وفيه إشارة إلى تقنيطهم وانعكاس آمالهم كما قيل: إلى الماء يسعى من يغص بلقمة ... «إلى أين» يسعى من يغص بماء ولما كان الغرق من أعسر الموتات وأعظمها شدة- ولهذا كان الغريق المسلم شهيدا- جعله الله تعالى نكالا لمن ادعى الربوبية وقال أنا ربكم الأعلى وعلى قدر الذنب يكون العقاب. ويناسب دعوى الربوبية، والاعتلاء انحطاط المدعى وتغيبيه في قعر الماء، ولك أن تقول لما افتخر فرعون بالماء كما يشير إليه قوله تعالى حكاية عنه: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي [الزخرف: ٥١] جعل الله تعالى هلاكه بالماء وللتابع حظ وافر من المتبوع- وكان ذلك الغرق، والإنجاء، والإغراق يوم عاشوراء- والكلام فيه مشهور وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ جملة حالية وفيها تجوز أي وآباؤكم ينظرون، والمفعول محذوف أي جميع ما مر فإن أريد الاحكام فالنظر بمعنى العلم- وعليه ابن عباس رضي الله تعالى عنه- وإن نفس الأفعال من الغرق، والإنجاء، والإغراق فهو بمعنى المشاهدة- وعليه الجمهور- والحال على هذا من الفاعل وهو معمول بجميع الأفعال السابقة على التنازع، وفائدته تقرير النعمة عليهم وكأنه قيل: وأنتم لا تشكون فيها، وجوز أن يقدر المفعول خاصا أي غرقهم، وإطباق البحر عليهم فالحال متعلق بالقريب، وهو أَغْرَقْنا وفائدته تتميم النعمة فإن هلاك العدو نعمة ومشاهدتة نعمة، أخرى، وفي قصص الكسائي أن بني إسرائيل حين عبروا البحر وقفوا ينظرون إلى البحر وجنود فرعون، ويتأملون كيف يفعلون، أو انفلاق البحر فيكون الحال متعلقا بالأصل في الذكر، وهو فَرَقْنا وفائدته إحضار النعمة ليتعجبوا من عظم شأنها، ويتعرفوا إعجازها، وذلك الآل الغريق فالحال من مفعول أَغْرَقْنا متعلق به والفائدة تحقيق الإغراق وتثبيته، وقيل: المراد ينظر بعضكم بعضا وأنتم سائرون في البحر، وذلك أنه نقل أن بعض قوم موسى قالوا له: أين أصحابنا؟ فقال: سيروا فإنهم على طريق مثل طريقكم قالوا: لا نرضى حتى نراهم فأوحى الله تعالى أن قل بعصاك هكذا فقال بها على الحيطان فصار بها كوى فتراءوا وسمعوا كلام بعضهم بعضا فالحال متعلق ب فَرَقْنا وفائدته تتميم النعمة فإن كونهم مستأنسين يرى بعضهم- حال بعض آخر- نعمة أخرى، وبعض الناس يجعل الفعل على هذا الوجه منزلا منزلة اللازم وليس بالبعيد نعم البعيد جعل النظر هنا مجازا عن القرب أي وأنتم بالقرب منهم أي بحال لو نظرتم إليهم لرأيتموهم كقولهم- أنت مني بمرأى ومسمع- أي قريب مني بحيث أراك وأسمعك، وكذا جعله بمعنى الاعتبار أي وأنتم تعتبرون بمصرعهم وتتعظون بمواقع النقمة التي أرسلت عليهم هذا وقد حكوا في كيفية خروج بني إسرائيل وتعنتهم وهم في البحر، وفي كيفية خروج فرعون بجنوده، وفي مقدار الطائفتين حكايات مطولة جدا لم يدل القرآن ولا الحديث الصحيح عليها والله تعالى أعلم بشأنها «والإشارة» في الآية أن البحر هو الدنيا وماءه شهواتها ولذاتها، وموسى هو القلب، وقومه صفات القلب، وفرعون هو النفس الأمارة وقومه صفات النفس، وهم أعداء موسى وقومه يطلبونهم ليقتلوهم، وهم سائرون إلى الله تعالى، والعدو من خلفهم، وبحر الدنيا أمامهم ولا بد لهم في السير إلى الله تعالى من عبوره ولو يخوضونه بلا ضرب عصا لا إله إلا الله بيد موسى-

стр. 256

القلب فإن له يدا بيضاء في هذا الشأن- لغرقوا كما غرق فرعون وقومه ولو كانت هذه العصا في يد فرعون النفس لم ينفلق فكما أن يد موسى القلب شرط في الانفلاق كذلك عصا الذكر شرط فيه، فإذا حصل الشرطان وضرب موسى بعصا الذكر مرة بعد أخرى ينفلق بإذن الله بحر الدنيا بالنفي وينشبك ماء الشهوات يمينا وشمالا، ويرسل الله تعالى ريح العناية، وشمس الهداية على قعر ذلك البحر فيصير يابسا من ماء الشهوات فيخرج موسى وقومه بعناية التوحيد إلى ساحل النجاة وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى [النجم: ٤٢] ويقال لفرعون وقومه إذا غرقوا وأدخلوا نارا ألا: بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [هود: ٤٤] . وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً لما جاوز بنو إسرائيل البحر سألوا موسى ﵇ أن يأتيهم بكتاب من عند الله فوعده سبحانه أن يعطيه التوراة وقبل موسى ذلك، وضرب له ميقاتا ذا القعدة وعشر ذي الحجة أو ذا الحجة وعشر المحرم فالمفاعلة على بابها، وهي من طرف فعل، ومن آخر قبوله مثل- عالجت المريض- وإنكار جواز ذلك لا يسمع مع وروده في كلام العرب وتصريح الأئمة به وارتضائهم له، ويجوز أن يكون واعَدْنا من باب الموافاة وليس من الوعد في شيء وإنما هو من قولك موعدك يوم كذا وموضع كذا، ويحتمل أن يكون بمعنى وعدنا وبه قرأ أبو عمرو أو يقدر الملاقاة أو يقال بالتفكيك إلى فعلين فيقدر الوحي في أحدهما، والمجيء في الآخر ولا محذور في شيء كما حققه الدامغاني، وقول أبي عبيدة: المواعدة لا تكون إلا من البشر غير مسلم، وقول أبي حاتم: أكثر ما تكون من المخلوقين المتكافئين على تقدير تسليمه لا يضرنا، وأَرْبَعِينَ مفعول به بحذف المضاف بأدنى ملابسة أي إعطاء أربعين أي عند انقضائها، أو في العشر الأخير منها، أو في كلها أو في أولها على اختلاف الروايات، أو ظرف مستقر وقع صفة لمفعول محذوف- لواعدنا- أي واعدنا موسى أمرا كائنا في أربعين، وقيل: مفعول مطلق أي واعدنا موسى مواعدة أربعين ليلة. ومن الناس من ذهب إلى أن الأولى أن لا يقدر مفعول لأن المقصود بيان من وعد لا ما وعد- وينصب الأربعين على الإجراء مجرى المفعول به توسعا، وفيه مبالغة بجعل ميقات الوعد موعودا وجعل الأربعين ظرفا لواعدنا على حد جاء زيد يوم الخميس- ليس بشيء كما لا يخفى، ومُوسى اسم أعجمي لا ينصرف للعلمية والعجمة، ويقال: هو مركب من «مو» وهو الماء «وشي» وهو الشجر وغيّر إلى «سي» بالمهملة وكأن من سماه به أراد ماء البحر والتابوت الذي قذف فيه- وخاض بعضهم في وزنه- فعن سيبويه إن وزنه مفعل (١) وقيل: إنه فعلى وهو مشتق من ماس يميس فأبدلت الياء واوا لضم ما قبلها كما قالوا طوبي، وهي من ذوات الياء لأنها من طاب يطيب، ويبعده أن الإجماع على صرفه نكرة ولو كان فعلى لم ينصرف لأن ألف التأنيث وحدها تمنع الصرف في المعرفة والنكرة على أن زيادة الميم أولا أكثر من زيادة الألف آخرا، وعبر عن ذلك الوقت بالليالي دون الأيام لأن افتتاح الميقات كان من الليل، والليالي غرر شهور العرب لأنها وضعت على سير القمر، والهلال إنما يهل بالليل، أو لأن الظلمة أقدم من الضوء بدليل وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ [يس: ٣٧] أو إشارة إلى مواصلة الصوم ليلا ونهارا ولو كان التفسير باليوم أمكن أن يعتقد أنه كان يفطر بالليل فلما نص على الليالي فهم من قوة الكلام أنه واصل أربعين ليلة بأيامها، والقول بأن ذكر الليلة- كان للإشعار بأن وعد موسى ﵇ كان بقيام الليل- ليس بشيء لأن المروي أن المأمور به كان

стр. 257

الصيام لا القيام، وقد يقال من طريق الإشارة: إن ذكر الليلة للرمز إلى أن هذه المواعدة كانت بعد تمام السير إلى الله تعالى ومجاوزة بحر العوائق والعلائق، وهناك يكون السير في الله تعالى الذي لا تدرك حقيقته، ولا تعلم هويته، ولا يرى في بيداء جبروته إلا الدهشة والحيرة، وهذا السير متفاوت باعتبار الأشخاص والأزمان ولي مع الله تعالى وقت يشير إلى ذلك ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ والاتخاذ يجيء بمعنى ابتداء صنعة فيتعدى لواحد نحو- اتخذت سيفا- أي صنعته. وبمعنى اتخاذ وصف فيجري مجرى الجعل ويتعدى لاثنين نحو- اتخذت زيدا صديقا- والأمران محتملان في الآية، والمفعول الثاني على الاحتمال الثاني محذوف لشناعته أي اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ الذي صنعه السامري إلها، والذم فيه ظاهر لأنهم كلهم عبدوه إلا هارون مع اثني عشر ألفا، أو إلا هارون والسبعين الذين كانوا مع موسى ﵇، وعلى الاحتمال الأول لا حاجة إلى المفعول الثاني ويؤيده عدم التصريح به في موضع من آيات هذه القصة، والذم حينئذ لما ترتب على الاتخاذ من العبادة أو على نفس الاتخاذ لذلك، والعرب تذم أو تمدح القبيلة بما صدر عن بعضها، والْعِجْلَ ولد البقرة الصغير وجعله الصوفية إشارة إلى عجل النفس الناقصة وشهواتها وكون ما اتخذوه عجلا ظاهر في أنه صار لحما ودما فيكون عجلا حقيقة ويكون نسبة الخوار إليه فيما يأتي حقيقة أيضا وهو الذي ذهب إليه الحسن، وقيل: أراد سبحانه بالعجل ما يشبهه في الصورة والشكل ونسبة الخوار إليه مجاز وهو الذي ذهب إليه الجمهور، وسيأتي إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك. ومن الغريب أن هذا إنما سمي عجلا لأنهم عجلوا به قبل قدوم موسى فاتخذوه إلها، أو لقصر مدته حيث إن موسى ﵇ بعد الرجوع من الميقات حرقه ونسفه في اليم نسفا، والضمير في بعده راجع إلى موسى، أي بَعْدِهِ ما رأيتم منه من التوحيد والتنزيه والحمل عليه والكف عما ينافيه، وذكر الظرف للإيذان بمزيد شناعة فعلهم، ولا يقتضي أن يكون مُوسى متخذا إلها- كما وهم- لأن مفهوم الكلام أن يكون الاتخاذ- بعد- موسى ومن أين يفهم اتخاذ موسى سيما في هذا المقام؟ ويجوز أن يكون في الكلام حذف، وأقرب ما يحذف مصدر يدل عليه واعَدْنا أي من بعد مواعدته، وقيل: المحذوف الذهاب المدلول عليه- بالمواعدة- لأنها تقتضيه. والجملة الاسمية في موضع الحال، ومتعلق الظلم الإشراك، ووضع العبادة في غير موضعها، وقيل: الكف عن الاعتراض على ما فعل السامري وعدم الإنكار عليه- وفائدة التقييد بالحال- الإشعار بكون الاتخاذ- ظلما- بزعمهم أيضا لو راجعوا عقولهم بأدنى تأمل، وقيل: الجملة غير حال بل مجرد إخبار أن سجيتهم الظلم وإنما راج فعل السامري عندهم لغاية حمقهم وتسلط الشيطان عليهم- كما يدل على ذلك سائر أفعالهم- واتخاذ السامري لهم الْعِجْلَ دون سائر الحيوانات، قيل: لأنهم مروا على قوم يعكفون على أصنام لهم على صور البقر فقالوا اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] فهجس في نفس السامري أن فتنتهم من هذه الجهة، فاتخذ لهم ذلك، وقيل: إنه كان هو من قوم يعبدون البقر- وكان منافقا- فاتخذ عجلا من جنس ما يعبده. ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ثُمَّ لتفاوت ما بين فعلهم القبيح، ولطفه تعالى في شأنهم، فلا يكون مِنْ بَعْدِ ذلِكَ تكرارا. و «عفا» بمعنى درس يتعدى ولا يتعدى- كعفت الدار، وعفاها الريح- والمراد بالعفو هنا- محو الجريمة بالتوبة- وذلك موضوع موضع «ذلكم» والإشارة- للاتخاذ- كما هو الظاهر، وإثبارها لكمال العناية بتمييزه- كأنه يجعل ظلمهم مشاهدا لهم- وصيغة البعيد مع قربه لتعظيمه ليتوسل بذلك إلى جلالة قدر «العفو» والمراد بالترجي ما علمت، والمشهور هنا كونه مجازا عن طلب الشكر على «العفو» ومن قدر الإرادة من أهل السنة- أراد مطلق الطلب- وليس ذلك من الاعتزال، إذ لا نزاع في أن الله تعالى قد يطلب من العباد ما لا يقع

стр. 258

«والشكر» عند الجنيد هو العجز عن الشكر، وعند الشبلي- التواضع تحت رؤية المنة- وقال ذو النون: «الشكر» لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان. وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الْكِتابَ التوراة- بإجماع المفسرين- وفي الفرقان أقوال «الأول» أنه هو التوراة أيضا، والعطف من قبيل عطف الصفات للإشارة إلى استقلال كل منها، فإن التوراة لها صفتان يقالان بالتشكيك، كونها كتابا جامعا لما لم يجمعه منزل سوى القرآن، وكونها فرقانا أي حجة تفرق بين الحق والباطل- قاله الزجاج- ويؤيد هذا قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً [الأنبياء: ٤٨] «الثاني» أنه الشرع الفارق بين الحلال والحرام، فالعطف مثله في تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ [القدر: ٤] قاله ابن بحر «الثالث» أنه المعجزات الفارقة بين الحق والباطل- من العصا واليد وغيرهما- قاله مجاهد. «الرابع» أنه النصر الذي فرق بين العدو والولي، وكان آية لموسى ﵇، ومنه قيل ليوم بدر: يوم الفرقان، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: إنه القرآن، ومعنى إتيانه لموسى ﵇ نزول ذكره له حتى آمن به، حكاه ابن الأنباري- وهو بعيد- وأبعد منه، ما حكي عن الفراء وقطرب- أنه القرآن- والكلام على حذف مفعول- أي ومحمدا الفرقان- وناسب ذكر الاهتداء إثر ذكر إتيان مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لأنهما يترتب عليهما ذلك لمن أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ [ق: ٣٧] . وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ نعمة أخروية في حق المقتولين من بني إسرائيل حيث نالوا درجة الشهداء، كما أن العفو نعمة دنيوية في حق الباقين، وإنما فصل بينهما بقوله: وَإِذْ آتَيْنا إلخ، لأن المقصود تعداد النعم- فلو اتصلا لصارا نعمة واحدة- وقيل: هذه الآية وما بعدها منقطعة عما تقدم من التذكير بالنعم- وليس بشيء- واللام في لِقَوْمِهِ للتبليغ، وفائدة ذكره التنبيه على أن خطاب مُوسى لِقَوْمِهِ كان مشافهة لا بتوسط من يتلقى منه- كالخطابات المذكورة سابقا لبني إسرائيل- والقوم اسم جمع لا واحد له من لفظه، وإنما واحده امرئ- وقياسه أن لا يجمع- وشذ جمعه على- أقاويم- والمشهور اختصاصه بالرجال لقوله تعالى: لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ [الحجرات: ١١] مع قوله: وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ [الحجرات: ١١] وقال زهير: فما أدري وسوف إخال أدري ... أ «قوم» آل حصن أم «نساء» وقيل: لا اختصاص له بهم، بل يطلق على النساء أيضا لقوله تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ [نوح: ١] والأول أصوب، واندراج النساء على سبيل الاستتباع، والتغليب والمجاز خير من الاشتراك، وسمي الرجال قوما لأنهم يقومون بما لا يقوم به النساء، وفي إقبال مُوسى عليهم بالنداء، ونداؤه لهم ب يا قَوْمِ إيذان بالتحنن عليهم وأنه منهم وهم منه، وهز لهم لقبولهم الأمر بالتوبة بعد تقريعهم بأنهم «ظلموا أنفسهم» والباء في بِاتِّخاذِكُمُ سببية وفي- الاتخاذ- هنا الاحتمالان السابقان هناك فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ الفاء للسببية- لأن الظلم سبب للتوبة- وقد عطفت ما بعدها على إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ والتوافق في الخبرية والإنشائية إنما يشترط في العطف- بالواو- وتشعر عبارات بعض الناس أنها للسببية دون العطف، والتحقيق أنها لهما معا، و «البارئ» هو الذي خلق الخلق بريا- من التفاوت- وعدم تناسب الأعضاء وتلاؤم الأجزاء بأن تكون إحدى اليدين في غاية الصغر والرقة، والأخرى بخلافه، ومتميزا بعضه عن بعض بالخواص والأشكال والحسن والقبح- فهو أخص من الخالق- وأصل التركيب لخلوص الشيء وانفصاله عن غيره إما على سبيل التفصي- كبرء المريض- أو الإنشاء- كبر الله تعالى آدم- أي خلقه ابتداء متميزا عن لوث الطين، وفي ذكره في هذا المقام تقريع بما كان منهم من ترك عبادة العالم الحكيم الذي برأهم بلطيف حكمته حتى عرضوا

стр. 259

أنفسهم لسخط الله تعالى ونزول أمره بأن يفك ما ركبه من خلقهم، وينثر ما نظم من صورهم وأشكالهم حين لم يشكروا النعمة في ذلك وغمطوها بعبادة من لا يقدر على شيء منها- وهو مثل في الغباوة والبلادة- وقرأ أبو عمرو بارِئِكُمْ بالاختلاس، وروي عنه- السكون- أيضا وهو من إجراء المتصل من كلمتين مجرى المنفصل من كلمة، وللناس في تخريجه وجوه لا تخلو عن شذوذ. فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ الفاء للتعقيب، والمتبادر من «القتل» القتل المعروف من إرهاق الروح- وعليه جمع من المفسرين- والفعل معطوف على سابقه، فإن كانت توبتهم هو «القتل» إما في حقهم خاصة، أو توبة المرتد مطلقا في شريعة موسى ﵇، فالمراد بقوله تعالى: فَتُوبُوا اعزموا على التوبة- ليصح العطف- وإن كانت هي الندم و «القتل» من متمماتها- كالخروج عن المظالم في شريعتنا- فهو على معناه ولا إشكال، وقد يقال: إن التوبة جعلت لهؤلاء عين «القتل» ولا حاجة إلى تأويل «توبوا» باعزموا، بل تجعل- الفاء- للتفسير- كما تجعل الواو له- وقد قيل به في قوله تعالى: فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ [الأعراف: ٣٦] وظاهر الأمر أنهم مأمورون بأن يباشر كل قتل نفسه، وفي بعض الآثار أنهم أمروا أن يقتل بعضهم بعضا، فمعنى «اقتلوا أنفسكم» حينئذ، ليقتل بعضكم بعضا، كما في قوله تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [النساء: ٢٩] وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ [الحجرات: ١١] والمؤمنون كنفس واحدة، وروي أنه أمر من لم يعبد الْعِجْلَ أن يقتل من عبده، والمعنى عليه استسلموا أنفسكم للقتل، وسمي الاستسلام للقتل قتلا على سبيل المجاز، والقاتل إما غير معين، أو الذين اعتزلوا مع هارون ﵇، والذين كانوا مع موسى ﵇، وفي كيفية (القتل) أخبار لا نطيل بذكرها، وجملة القتلى سبعون ألفا، وبتمامها نزلت التوبة وسقطت الشفار من أيديهم، وأنكر القاضي عبد الجبار أن يكون الله تعالى أمر بني إسرائيل- بقتل أنفسهم- وقال: لا يجوز ذلك عقلا- إذ الأمر لمصلحة المكلف- وليس بعد القتل حال تكليف ليكون فيه مصلحة، ولم يدر هذا القاضي بأن لنفوسنا خالقا- بأمره نستبقيها، وبأمره نفنيها- وأن لها بعد هذه الحياة التي هي لعب ولهو، حياة سرمدية وبهجة أبدية. وإن الدار الآخرة لهي الحيوان، وأن قتلها بأمره يوصلها إلى حياة خير منها، ومن علم أن الإنسان في هذه الدنيا- كمجاهد أقيم في ثغر يحرسه، ووال في بلد يسوسه- وأنه مهما استرد فلا فرق بين أن يأمره الملك بخروجه بنفسه، أو يأمر غيره بإخراجه- وهذا واضح لمن تصور حالتي الدنيا والآخرة، وعرف قدر الحياتين والميتتين فيهما، ومن الناس من جوز ذلك- إلا أنه استبعد وقوعه- فقال: معنى «اقتلوا أنفسكم» ذللوا، ومن ذلك قوله: إن التي عاطيتني فرددتها ... «قتلت قتلت» فهاتها لم تقتل ولولا أن الروايات على خلاف ذلك لقلت به تفسيرا. ونقل عن قتادة أنه قرأ «فأقيلوا أنفسكم» والمعنى أن أَنْفُسَكُمْ قد تورطت في عذاب الله تعالى بهذا الفعل العظيم الذي تعاطيتموه، وقد هلكت- فأقيلوها- بالتوبة والتزام الطاعة، وأزيلوا آثار تلك المعاصي بإظهار الطاعات. ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ جملة معترضة للتحريض على التوبة أو معللة، والإشارة إلى المصدر المفهوم مما تقدم، وخَيْرٌ أفعل تفضيل حذفت همزته، ونطقوا بها في الشعر قال الراجز: بلال خير الناس وابن الأخير وقد تأتي- ولا تفضيل- والمعنى أن ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ من العصيان والإصرار على الذنب- أو خير من ثمرة العصيان، وهو الهلاك الدائم، والكلام- على حد العسل- أحلى من الخل أو خير من الخيور كائن لكم. والعندية هنا مجاز، وكرر البارئ بلفظ الظاهر اعتناء بالحث على التسليم له في كل حال، وتلقي ما يرد من قبله والقبول والامتثال فإنه كما رأى الإنشاء راجحا فأنشأ رأى الإعدام راجحا، فأمر به وهو العليم الحكيم.

стр. 260

فَتابَ عَلَيْكُمْ جواب شرط محذوف بتقدير- قد- إن كان من كلام موسى ﵇ لهم، تقديره إن فعلتم ما أمرتم به فقد «تاب عليكم» ومعطوف على محذوف- إن كان خطابا من الله تعالى لهم، كأنه قال: ففعلتم ما أمرتم فَتابَ عَلَيْكُمْ بارئكم وفيه التفات لتقدم التعبير عنهم في كلام موسى ﵇ بلفظ القوم وهو من قبيل الغيبة، أو من التكلم إلى الغيبة في فَتابَ حيث لم يقل: فتبنا، ورجح العطف لسلامته من حذف الأداة والشرط وإبقاء الجواب، وفي ثبوت ذلك عن العرب مقال، وظاهر الآية كونها إخبارا عن المأمورين بالقتل الممثلين ذلك وقال ابن عطية: جعل الله تعالى- القتل- لمن- قتل- شهادة و «تاب» عن الباقين و «عفا» عنهم، فمعنى عَلَيْكُمْ عنده، على باقيكم إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ تذييل لقوله تعالى: فَتُوبُوا فإن التوبة بالقتل- لما كانت شاقة على النفس هونها سبحانه بأنه هو الذي يوفق إليها ويسهلها ويبالغ في الإنعام على من أتى بها، أو تذييل لقوله تعالى: فَتابَ عَلَيْكُمْ وتفسر «التوبة» منه تعالى حينئذ بالقبول لتوبة المذنبين- والتأكيد لسبق الملوح- أو للاعتناء بمضمون الجملة، والضمير المنصوب إن كان ضمير لشأن- فالضمير المرفوع مبتدأ- وهو الأنسب لدلالته على كمال الاعتناء بمضمون الجملة، وإن كان راجعا إلى البارئ سبحانه فالضمير المرفوع إما فصل أو مبتدأ، هذا وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن هواه بمنزلة عجل بني إسرائيل- فلا يتخذه إلها- أفرأيت من اتخذ إلهه هواه، وأن الله سبحانه قد خلق نفسه في أصل لفطرة مستعدة لقبول فيض الله تعالى والدين القويم ومتهيئة لسلوك المنهج المستقيم، والترقي إلى جناب القدس وحضرة الأنس، وهذا هو الكتاب الذي أوتيه موسى القلب، والفرقان الذي يهتدي بنوره في ليالي السلوك إلى حضرة الرب، فمتى أخلدت النفس إلى الأرض واتبعت هواها، وآثرت شهواتها على مولاها، أمرت بقتلها بكسر شهواتها وقلع مشتهياتها ليصح لها البقاء بعد الفناء، والصحو بعد المحو، وليست التوبة الحقيقية سوى محو البشرية بإثبات الألوهية، وهذا هو الجهاد الأكبر والموت الأحمر. ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء وهذا صعب لا يتيسر إلا لخواص الحق، ورجال الصدق، وإليه الإشارة، ب (موتوا) قبل أن تموتوا. وقيل: أول قدم في العبودية إتلاف النفس وقتلها بترك الشهوات، وقطعها عن الملاذ، فكيف الوصول إلى شيء من منازل الصديقين ومعارج المقربين- هيهات هيهات- ذاك بمعزل عنا، ومناط الثريا منا تعالوا نقم مأتما للهموم ... فإن الحزين يواسي الحزينا وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ القائل هم السبعون الذين اختارهم موسى ﵇ لميقات التوراة، قيل: قالوه بعد الرجوع، وقتل عبدة العجل، وتحريق عجلهم، ويفهم من بعض الآثار أن القائل أهل الميقات الثاني الذي ضربه الله تعالى للاعتذار عن عبدة العجل- وكانوا سبعين أيضا، وقيل: القائل عشرة آلاف من قومه، وقيل: الضمير لسائر بني إسرائيل- إلا من عصمه الله تعالى- وسيأتي إن شاء الله تعالى في الأعراف ما ينفعك هنا- واللام- من (لك) إما- لام الأجل- أو للتعدية بتضمين معنى الإقرار على أن مُوسى مقرّ له والمقر به محذوف، وهو أن الله تعالى أعطاه التوراة، أو أن الله تعالى كلمه فأمره ونهاه، وقد كان هؤلاء مؤمنين- من قبل- بموسى ﵇، إلا أنهم نفوا هذا الإيمان المعين والإقرار الخاص. وقيل: أرادوا نفي الكمال أي لا يكمل إيماننا لك، كما قيل في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه المؤمن ما يحب لنفسه» والقول إنهم لم يكونوا مؤمنين أصلا لم نره لأحد من أئمة التفسير. حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً حَتَّى هنا حرف غاية، و (الجهرة) في الأصل مصدر جهرت بالقراءة- إذا رفعت

стр. 261

صوتك بها- واستعيرت للمعاينة بجامع الظهور التام. وقال الراغب:- الجهر- يقال لظهور الشيء بإفراط حاسة البصر أو حاسة السمع «أما البصر» فنحو رأيته جهارا «وأما السمع» فنحو وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى [طه: ٧] وانتصابها- على أنها مصدر- مؤكد مزيل لاحتمال أن تكون الرؤية مناما أو علما بالقلب، وقيل: على أنها حال على تقدير ذوي- جهرة- أو مجاهرين، فعلى الأول- الجهرة- من صفات الرؤية، وعلى الثاني من صفات الرائين، وثم قول ثالث، وهو أن تكون راجعة لمعنى القول أو القائلين- فيكون المعنى- (وإذ قلتم) كذا قولا جَهْرَةً أو جاهرين بذلك القول غير مكترثين ولا مبالين، وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي عبيدة، وقرأ سهل بن شعيب وغيره «جهرة» بفتح الهاء، وهي إما مصدر- كالغلبة- ومعناها معنى (المسكنة) وإعرابها إعرابها، أو جمع- جاهر- كفاسق وفسقة، وانتصابها على الحال. فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ أي استولت عليكم وأحاطت بكم، وأصل- الأخذ- القبض باليد، والصَّاعِقَةُ هنا نار من السماء أحرقتهم، أو جند سماوي سمعوا حسهم فماتوا، أو صيحة سماوية خروا لها صعقين ميتين يوما وليلة، واختلف في مُوسى هل أصابه ما أصابهم؟ والصحيح- لا- وأنه صعق ولم يمت لظاهر ثم أفاق في حقه، وثُمَّ بَعَثْناكُمْ إلخ في حقهم، وقرأ عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما «الصعقة» وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ جملة حالية ومتعلق النظر ما حل بهم من الصاعقة أو أثرها الباقي في أجسامهم بعد البعث، أو إحياء كل منهم- كما وقع في قصة العزير، قالوا: أحيا عضوا بعد عضو: والمعنى وَأَنْتُمْ تعلمون أنها تأخذكم، أو وأَنْتُمْ يقابل بعضكم بعضا، قال في البحر: ولو ذهب ذاهب إلى أن المعنى وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إجابة السؤال في حصول الرؤية لكم كان وجها من قولهم: نظرت الرجل- أي انتظرته- كما قال: فإنكما إن (تنظراني) ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب لكن هذا الوجه غير منقول فلا أجسر على القول به، وإن كان اللفظ يحتمله ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ بسبب الصاعقة، وكان ذلك بدعاء موسى ﵇ ومناشدته ربه بعد أن أفاق، ففي بعض الآثار أنهم لما ماتوا لم يزل موسى يناشد ربه في إحيائهم ويقول: يا رب إن بني إسرائيل يقولون قتلت خيارنا حتى أحياهم الله تعالى جميعا رجلا بعد رجل ينظر بعضهم إلى بعض كيف يحييون، والموت هنا ظاهر في مفارقة الروح الجسد، وقيد البعث به لأنه قد يكون عن نوم كما هو في شأن أصحاب الكهف، وقد يكون بمعنى إرسال الشخص- وهو في القرآن كثير- ومن الناس من قال: كان هذا الموت غشيانا وهمودا لا موتا حقيقة كما في قوله تعالى: وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ [إبراهيم: ١٧] ومنهم من حمل الموت على الجهل مجازا كما في قوله تعالى: أَوَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ [الأنعام: ١٢٢] . وقد شاع ذلك نثرا ونظما، ومنه قوله: أخو (العلم حي) خالد بعد موته ... وأوصاله تحت التراب رميم وذو الجهل ميت وهو ماش على الثرى ... يظن من الأحياء وهو عديم ومعنى البعث على هذا التعليم أي ثم علمناكم بعد جهلكم لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي نعمة الله تعالى عليكم بالإحياء بعد الموت أو نعمته سبحانه بعد ما كفرتموها إذ رأيتم بأس الله تعالى في رميكم بالصاعقة وإذاقتكم الموت وتكليف من أعيد بعد الموت مما ذهب إليه جماعة لئلا يخلو بالغ عاقل من تعبد في هذه الدار بعد بعثة المرسلين، ومن جعل البعث بعد الموت مجازا عن التعليم بعد الجهل جعل متعلق الشكر ذلك، وفي بعض الآثار أنه لما أحياهم الله تعالى سألوا أن يبعثهم أنبياء ففعل، فمتعلق الشكر حينئذ على ما قيل: هذا البعث وهو بعيد، وأبعد منه جعل متعلقه

стр. 262

إنزال التوراة التي فيها ذكر توبته عليهم وتفصيل شرائعهم بعد إن لم يكن لهم شرائع وقد استدل المعتزلة وطوائف من المبتدعة بهذه الآية على استحالة رؤية البارئ لأنها لو كانت ممكنة لما أخذتهم الصاعقة بطلبها، والجواب أن أخذ الصاعقة لهم ليس لمجرد الطلب ولكن لما انضم إليه من التعنت وفرط العناد كما يدل عليه مساق الكلام حيث علقوا الإيمان بها، ويجوز أيضا أن يكون ذلك الأخذ لكفرهم بإعطاء الله تعالى التوراة لموسى ﵇ وكلامه إياه أو نبوته لا لطلبهم، وقد يقال: إنهم لما لم يكونوا متأهلين لرؤية الحق في هذه النشأة كان طلبهم لها ظلما فعوقبوا بما عوقبوا، وليس في ذلك دليل على امتناعها مطلقا في الدنيا والآخرة، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق هذه المسألة بوجه لا غبار عليه وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ عطف على بعثناكم، وقيل: على قلتم، والأول أظهر للقرب والاشتراك في المسند إليه مع التناسب في المسندين في كون كل منهما نعمة بخلاف قُلْتُمْ فإنه تمهيد لها، وإفادته تأخير التظليل والإنزال عن واقعة طلبهم الرؤية، وعلى التقديرين لا بد لترك كلمة إذ هاهنا من نكتة، ولعلها الاكتفاء بالدلالة العقلية على كون كل منهما نعمة مستقلة مع التحرز عن تكرارها في ظَلَّلْنا وأَنْزَلْنا والْغَمامَ اسم جنس كحمامة وحمام، وهو السحاب، وقيل: ما ابيض منه، وقال مجاهد: هو أبرد من السحاب وأرق، وسمي غماما لأنه يغم وجه السماء ويستره. ومنه الغم والغمم، وهل كان غماما حقيقة أو شيئا يشبه وسمي به؟ قولان، والمشهور الأول وهو مفعول ظَلَّلْنا على إسقاط حرف الجر كما تقول: ظللت على فلان بالرداء أو بلا إسقاط، والمعنى جعلنا الغمام عليكم ظلة، والظاهر أن الخطاب لجميعهم. فقد روي أنهم لما أمروا بقتال الجبارين وامتنعوا وقالوا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا [المائدة: ٢٤] ابتلاهم الله تعالى بالتيه بين الشام ومصر أربعين سنة وشكوا حر الشمس فلطف الله تعالى بهم بإظلال الغمام- وإنزال المنّ والسلوى- وقيل: لما خرجوا من البحر وقعوا بأرض بيضاء عفراء ليس فيها ماء ولا ظل فشكوا الحر فوقوا به، وقيل: الذين ظللوا بالغمام بعض بني إسرائيل وكان الله تعالى قد أجرى العادة فيهم أن من عبد ثلاثين سنة لا يحدث فيها ذنبا أظلته الغمامة وكان فيهم جماعة يسمون أصحاب غمائم فامتن الله تعالى عليهم لكونهم فيهم من له هذه الكرامة الظاهرة والنعمة الباهرة وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى المنّ اسم جنس لا واحد له من لفظه والمشهور أنه الترنجبين وهو شيء يشبه الصمغ حلو مع شيء من الحموضة كان ينزل عليهم كالطل من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس في كل يوم إلا يوم السبت وكان كل شخص مأمورا بأن يأخذ قدر صاع كل يوم أو ما يكفيه يوما وليلة ولا يدخر إلا يوم الجمعة فإن ادخار حصة السبت كان مباحا فيه. وعن وهب أنه الخبز الرقاق، وقيل: المراد به جميع ما من الله تعالى به عليهم في التيه وجاءهم عفوا بلا تعب، وإليه ذهب الزجاج ويؤيده قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «الكمأة من المنّ الذي منّ الله تعالى به على بني إسرائيل» والسَّلْوى اسم جنس أيضا واحدها سلواة كما قاله الخليل وليست الألف فيها للتأنيث وإلا لما أنثت بالهاء في قوله. كما انتفض السلوات من بلل القطر وقال الكسائي: السَّلْوى واحدة وجمعها سلاوى، وعند الأخفش الجمع والواحد بلفظ واحد، وقيل: جمع لا واحد له من لفظه وهو طائر يشبه السماني أو هو السماني بعينها وكانت تأتيهم من جهة السماء بكرة وعشيا أو متى أحبوا فيختارون منها السمين ويتركون منها الهزيل، وقيل: إن ريح الجنوب تسوقها إليهم فيختارون منها حاجتهم ويذهب الباقي، وفي رواية كانت تنزل عليهم مطبوخة ومشوية- وسبحان من يقول للشيء كن فيكون- وذكر السدوسي أن السلوى هو العسل بلغة كنانة ويؤيده، قول الهذلي: وقاسمتها بالله جهرا لأنتم ... ألذ من (السلوى) إذا ما نشورها وقول ابن عطية- إنه غلط- غلط، واشتقاقها من السلوة لأنها لطيبها تسلي عن غيرها وعطفها على بعض وجوه

стр. 263

المنّ من عطف الخاص على العام اعتناء بشأنه كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ أمر (١) إباحة على إرادة القول أي وقلنا أو قائلين، والطيبات- المستلذات وذكرها للمنة عليهم أو الحلالات فهو للنهي عن الادخار، ومِنْ للتبعيض، وأبعد من جعلها للجنس أو للبدل، ومثله من زعم أن هذا على حذف مضاف أي من عوض طيبات قائلا: إن الله سبحانه عوضهم عن جميع مآكلهم المستلذة من قبل- بالمنّ والسلوى- فكانا بدلا من الطيبات، وما موصولة والعائد محذوف- أي رزقناكموه- أو مصدرية والمصدر بمعنى المفعول، واستنبط بعضهم من الآية أنه لا يكفي وضع المالك الطعام بين يدي الإنسان في إباحة الأكل بل لا يجوز التصرف فيه إلا بإذن المالك (٢) وهو أحد أقوال في المسألة وَما ظَلَمُونا عطف على محذوف أي فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر أو فظلموا بأن كفروا هذه النعم وَما ظَلَمُونا بذلك، ويجوز- كما في البحر- أن لا يقدر محذوف لأنه قد صدر منهم ارتكاب قبائح من اتخاذ العجل إلها، وسؤال رؤيته تعالى ظلما وغير ذلك فجاء قوله تعالى: وَما ظَلَمُونا بجملة منفية تدل على أن ما وقع منهم من تلك القبائح لم يصل إلينا منها نقص ولا ضرر، وفي هذا دليل على أنه ليس من شرط نفي الشيء عن الشيء إمكان وقوعه لأن ظلم الإنسان لله تعالى لا يمكن وقوعه البتة وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ بالكفران أو بما فعلوا إذ لا يتخطاهم ضرره، وتقديم المفعول للدلالة على القصر الذي يقتضيه النفي السابق، وفيه ضرب تهكم بهم، والجمع بين صيغتي الماضي، والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم عليه، وفي ذكر أَنْفُسَهُمْ بجمع القلة تحقير لهم وتقليل، والنفس العاصية أقل من كل قليل وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ منصوبة على الظرفية عند سيبويه، والمفعولية عند الأخفش، والظاهر أن الأمر بالدخول على لسان موسى ﵇ كالأوامر السابقة واللاحقة.- والقرية- بفتح القاف- والكسر لغة أهل اليمن- المدينة من قريت إذا جمعت سميت بذلك لأنها تجمع الناس على طريقة المساكنة، وقيل: إن قلوا قيل لها: قرية، وإن كثروا قيل لها مدينة، وأنهى بعضهم حدّ القلة إلى ثلاثة، والجمع القرى على غير قياس، وقياس أمثاله فعال كظبية وظباء وفي المراد بها هنا خلاف جمّ والمشهور عن ابن عباس وابن مسعود وقتادة والسدي والربيع وغيرهم- وإليه ذهب الجمهور- أنها بيت المقدس، وقد كان هذا الأمر بعد التيه والتحير وهو أمر إباحة يدل عليه عطف (فكلوا) إلخ وهو غير الأمر المذكور بقوله تعالى: يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ [المائدة: ٢١] لأنه كان قبل ذلك وهو أمر تكليف كما يدل عليه عطف النهي، ومنهم من زعم اتحادهما. وجعل هذا الأمر أيضا للتكليف وحمل تبديل الأمر على عدم امتثاله بناء على أنهم لم يدخلوا القدس في حياة موسى ﵇، ومنهم من ادّعى اختلافهما لكنه زعم أن ما هنا كان بعد التيه على لسان يوشع لا على لسان موسى ﵉ لأنه وأخاه هارون ماتا في التيه وفتح يوشع مع بني إسرائيل أرض الشام بعد موته ﵇ بثلاثة أشهر ومنهم من قال الأمر في التيه بالدخول بعد الخروج عنه ولا يخفى ما في كل، فالأظهر ما ذكرنا وقد روي أن موسى ﵇ سار بعد الخروج من التيه بمن بقي من بني إسرائيل إلى أريحا- وهي بأرض القدس- وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض وكأنهم أمروا بعد الفتح بالدخول على وجه الإقامة والسكنى كما يشير إليه قوله تعالى: (فكلوا) إلخ، وقوله تعالى في الأعراف: اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ [الأعراف: ١٦١] ويؤيد كونه بعد الفتح الإشارة بلفظ القريب، والقول- بأنها نزلت منزلة القريب ترويجا للأمر- بعيد، ولا ينافي هذا ما مر من أنه مات في التيه لأن المراد به المفازة لا التيه مصدر تاه يتيه تيها بالكسر والفتح

стр. 264

وتيهانا إذا ذهب متحيرا فليفهم فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً أي واسعا هنيئا ونصبه على المصدرية أو الحالية من ضمير المخاطبين، وفي الكلام إشارة إلى حلّ جميع مواضعها لهم، أو الإذن بنقل حاصلها إلى أي موضع شاؤوا مع دلالة رَغَداً على أنهم مرخصون بالأكل منها- واسعا- وليس عليهم القناعة لسد الجوعة، ويحتمل أن يكون وعدا لهم بكثرة المحصولات وعدم الغلاء، وأخر هذا المنصوب هنا مع تقديمه في آية آدم ﵇ قبل لمناسبة الفاصلة في قوله تعالى: وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً والخلاف في نصب الْبابَ كالخلاف في نصب هذِهِ الْقَرْيَةَ والمراد بها على المشهور أحد أبواب بيت القدس، وتدعى الآن باب حطة قاله ابن عباس، وقيل: الباب الثامن من أبوابه، ويدعى الآن باب التوبة- وعليه مجاهد- وزعم بعضهم أنها باب القبة التي كانت لموسى وهارون ﵉ يتعبدان فيها، وجعلت قبلة لبني إسرائيل في التيه، وفي وصفها أمور غريبة في القصص لا يعلمها إلا الله تعالى وسُجَّداً حال من ضمير ادْخُلُوا والمراد خضعا متواضعين لأن اللائق بحال المذنب التائب والمطيع الموافق الخشوع والمسكنة، ويجوز حمل السجود على المعنى الشرعي، والحال مقارنة أو مقدرة، ويؤيد الثاني ما روي عن وهب في معنى الآية- إذا دخلتموه فاسجدوا شكرا لله أي على ما أنعم عليكم حيث أخرجكم من التيه ونصركم على من كنتم منه تخافون وأعادكم إلى ما تحبون- وقول الزمخشري- أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله تعالى وتواضعا- لم نقف على ما يدل عليه من كتاب وسنة، وفسر ابن عباس السجود هنا بالركوع، وبعضهم بالتطامن والانحناء قالوا: وأمروا بذلك لأن الباب كان صغيرا ضيقا يحتاج الداخل فيه إلى انحناء، وفي الصحيح عن أبي هريرة أنه قال: «قال رسول الله ﷺ ، قيل لبني إسرائيل: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً فدخلوا يزحفون على أستاههم» وَقُولُوا حِطَّةٌ أي مسألتنا، أو شأنك يا ربنا أن تحط عنا ذنوبنا، وهي فعلة من- الحط- كالجلسة، وذكر أبان أنها بمعنى التوبة وأنشد: فاز (بالحطة) التي جعل الل ... هـ بها ذنب عبده مغفورا والحق أن تفسيرها بذلك تفسير باللازم، ومن البعيد قول أبي مسلم: إن المعنى أمرنا- حطة- أي أن نحط في هذه القرية ونقيم بها لعدم ظهور تعلق الغفران به وترتب التبديل عليه إلا أن يقال كانوا مأمورين بهذا القول عند الحط في القرية لمجرد التعبد، وحين لم يعرفوا وجه الحكمة بدلوه، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب بمعنى حط عنا ذنوبنا حِطَّةٌ أو نسألك ذلك، ويجوز أن يكون النصب على المفعولية- لقولوا- أي قولوا هذه الكلمة بعينها- وهو المروي عن ابن عباس- ومفعول القول عند أهل اللغة يكون مفردا إذا أريد به لفظه ولا عبرة بما في البحر من المنع إلا أنه يبعد هذا أن هذه اللفظة عربية وهم ما كانوا يتكلمون بها، ولأن الظاهر أنهم أمروا أن يقولوا قولا دالا على التوبة والندم حتى لو قالوا اللهم إنا نستغفرك ونتوب إليك لكان المقصود حاصلا ولا تتوقف التوبة على ذكر لفظة بعينها، ولهذا قيل: الأوجه في كونها مفعولا- لقولوا- أن يراد قولوا أمرا حاطا لذنوبكم من الاستغفار، وحينئذ يزول عن هذا الوجه الغبار، ثم هذه اللفظة على جميع التقادير عربية معلومة الاشتقاق، والمعنى وهو الظاهر المسموع، وقال الأصم: هي من ألفاظ أهل الكتاب لا نعرف معناها في العربية وذكر عكرمة أن معناها لا إله إلا الله وهو من الغرابة بمكان نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ بدخولكم الباب سجدا وقولكم حطة. والخطايا أصلها خطايىء بياء بعد ألف ثم همزة فأبدلت الياء- عند سيبويه- الزائدة همزة لوقوعها بعد الألف واجتمعت همزتان وأبدلت الثانية ياء ثم قلبت ألفا، وكانت الهمزة بين ألفين فأبدلت ياء، وعند الخليل قدمت الهمزة على الياء ثم فعل بها ما ذكر، وقرأ نافع «يغفر» - بالياء- وابن عامر- بالتاء- على البناء للمجهول، والباقون- بالنون- والبناء للمعلوم- وهو الجاري على نظام ما قبله وما بعده- ولم يقرأ أحد من السبعة إلا

стр. 265

بلفظ خَطاياكُمْ وأمالها الكسائي، وقرأ الجحدري وقتادة «تغفر» بضم التاء، وأفرد- «الخطيئة» - وقرأ الجمهور بإظهار- الراء- من «يغفر» عند- اللام- وأدغمها قوم، قالوا: وهو ضعيف وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ معطوف على جملة قُولُوا حِطَّةٌ وذكر أنه عطف على الجواب، ولم ينجزم لأن- السين- تمنع الجزاء عن قبول الجزم، وفي إبرازه في تلك الصورة دون تردد دليل على أن المحسن يفعل ذلك البتة، وفي الكلام صفة الجمع مع التفريق، فإن قُولُوا حِطَّةٌ جمع، ونَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ تفريق، والمفعول محذوف، أي ثوابا فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أي بدل الَّذِينَ ظَلَمُوا بالقول الَّذِي قِيلَ لَهُمْ قولا غيره فَبَدَّلَ يتعدى لمفعولين «أحدهما» بنفسه «والآخر» بالياء ويدخل على المتروك- فالذم متوجه- وجوزّ أبو البقاء أن يكون- بدل- محمولا على المعنى، أي فقال الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا إلخ، والقول بأن غَيْرَ منصوب بنزع الخافض، كأنه قيل: فغيروا قولا بغيره غير مرضي من القول، وصرح سبحانه- بالمغايرة- مع استحالة تحقق- التبديل- بدونها تحقيقا لمخالفتهم وتنصيصا على- المغايرة- من كل وجه، وظاهر الآية انقسام من هناك إلى- ظالمين- وغير ظالمين- وأن- الظالمين- هم- الذين بدلوا- وإن كان- المبدل- الكل كان وضع ذلك من وضع الظاهر موضع الضمير- للإشعار بالعلة- واختلف في- القول الذي بدلوه- ففي الصحيحين أنهم قالوا: حبة في شعيرة، وروى الحاكم «حنطة» بدل حِطَّةٌ وفي المعالم أنهم قالوا بلسانهم- حطا سمقاثا- أي حنطة حمراء، قالوا ذلك استهزاء منهم بما قيل لهم، والروايات في ذلك كثيرة، وإذا صحت يحمل اختلاف الألفاظ على اختلاف القائلين، والقول بأنه لم يكن منهم- تبديل- ومعنى- فبدلوا لم يفعلوا ما أمروا به، لا أنهم أتوا ببدل له- غير مسلم- وإن قاله أبو مسلم- وظاهر الآية، والأحاديث تكذبه فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وضع المظهر موضع الضمير مبالغة في تقبيح أمرهم، وإشعارا بكون ظلمهم وإضرارهم أنفسهم بترك ما يوجب نجاتها، أو وضعهم غير المأمور به موضعه سببا لإنزال- الرجز- وهو العذاب- وتكسر راؤه وتضم- والضم لغة بني الصعدات- وبه قرأ ابن محيصن- والمراد به هنا- كما روي عن ابن عباس- ظلمة وموت، يروى أنه مات منهم في ساعة أربعة وعشرون ألفا، وقال وهب: طاعون غدوا به أربعين ليلة ثم ماتوا بعد ذلك، وقال ابن جبير: ثلج هلك به منهم سبعون ألفا- فإن فسر بالثلج- كان كونه مِنَ السَّماءِ ظاهرا- وإن بغيره- فهو إشارة إلى الجهة التي يكون منها القضاء أو مبالغة في علوه بالقهر والاستيلاء، وذكر بعض المحققين أن الجار والمجرور ظرف مستقر وقع صفة ل رِجْزاً وبِما كانُوا يَفْسُقُونَ متعلق به لنيابته عن العامل علة له، وكلمة (ما) مصدرية، والمعنى فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا لظلمهم عذابا مقدرا بسبب كونهم مستمرين على- الفسق- في الزمان الماضي، وهذا أولى من جعل الجار والمجرور ظرفا لغوا متعلقا ب فَأَنْزَلْنا لظهوره على سائر الأقوال، ولئلا يحتاج في تعليل- الإنزال بالفسق- بعد التعليل المستفاد من التعليق بالظلم إلى القول بأن الفسق- عين- الظلم- وكرر للتأكيد، أو أن- الظلم أعم- والفسق- لا بد أن يكون من الكبائر، فبعد وصفهم بالظلم- وصفوا- بالفسق- للإيذان بكونه من الكبائر، فإن «الأول» (١) بضاعة العاجز «والثاني» لا يدفع ركاكة التعليل، وما قيل: إنه تعليل- للظلم- فيكون إنزال العذاب مسببا عن- الظلم- المسبب عن- الفسق- ليس بشيء، إذ- ظلمهم- المذكور سابقا، الذي هو سبب الإنزال لا يحتاج إلى العلة، وقد احتج بعض الناس بقوله تعالى: فَبَدَّلَ إلخ، وترتب العذاب عن التبديل، على أن ما ورد به التوقيف من الأقوال لا يجوز تغييره ولا تبديله بلفظ آخر، وقال قوم: يجوز ذكر إذا كانت

стр. 266

الكلمة الثانية تسد الأولى (١) ، وعلى هذا جرى الخلاف- كما في البحر- في قراءة بالمعنى وروي الحديث به، وجرى في تكبيرة الإحرام، وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة والبيع والتمليك، والبحث مفصل في محله هذا. وقد ذكر مولانا الإمام الرازي رحمه الله تعالى أن هذه الآية ذكرت في الأعراف مع مخالفة من وجوه لنكات. «الأول» قال هنا: (وإذ قلنا) لما قدم ذكر النعم، فلا بد من ذكر المنعم، وهناك (وإذا قيل) إذ لا إبهام بعد تقديم التصريح به. «الثاني» قال هنا: ادْخُلُوا وهناك اسْكُنُوا [الأعراف: ١٦١] لأن الدخول مقدم، ولذا قدم وضعا المقدم طبعا. «الثالث» قال هنا: خَطاياكُمْ- بجمع الكثرة- لما أضاف ذلك القول إلى نفسه، واللائق بجوده غفران الذنوب الكثيرة، وهناك خَطِيئاتِكُمْ [الأعراف: ١٦١]- بجمع القلة- إذ لم يصرح بالفاعل «الرابع» قال هنا: (رغدا) دون هناك لإسناد الفعل إلى نفسه هنا، فناسب ذكر الإنعام الأعظم وعدم الإسناد هناك. «الخامس» قال هنا: ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ وهناك بالعكس، لأن- الواو- لمطلق الجمع، وأيضا المخاطبون يحتمل أن يكون بعضهم مذنبين، والبعض الآخر ما كانوا كذلك، فالمذنب لا بد وأن يكون اشتغاله بحط الذنب مقدما على اشتغاله بالعبادة، فلا جرم كان تكليف هؤلاء أن يقولوا: حِطَّةٌ ثم- يدخلوا- وأما الذي لا يكون مذنبا، فالأولى به أن يشتغل «أولا» بالعبادة ثم يذكر التوبة «ثانيا» للهضم وإزالة العجب فهؤلاء يجب أن- يدخلوا ثم يقولوا- فلما احتمل كون أولئك المخاطبين منقسمين إلى ذين القسمين، لا جرم ذكر حكم كل واحد منهما في سورة أخرى «السادس» قال هنا: وَسَنَزِيدُ- بالواو- وهناك بدونه، إذ جعل هنا- المغفرة- مع الزيادة جزاء واحدا لمجموع الفعلين، وأما هناك فالمغفرة جزاء قول حِطَّةٌ والزيادة جزاء الدخول فترك- الواو- يفيد توزع كل من الجزاءين على كل من الشرطين «السابع» قال هناك: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [الأعراف: ١٦٢] وهنا لم يذكر (منهم) لأن أول القصة هناك مبني على التخصيص ب (من) حيث قال: وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ [الأعراف: ١٥٩] فخص في آخر الكلام ليطابق أوله، ولما لم يذكر في الآيات التي قبل فَبَدَّلَ هنا تمييزا وتخصيصا لم يذكر في آخر القصة ذلك. «الثامن» قال هنا: فَأَنْزَلْنا وهناك فَأَرْسَلْنا [الأعراف: ١٦٢] لأن الإنزال يفيد حدوثه في أول الأمر، والإرسال يفيد تسليطه عليهم واستئصاله لهم، وذلك يكون بالآخرة. «التاسع» قال هنا: فَكُلُوا- بالفاء- وهناك- بالواو- لما مر في وَكُلا مِنْها رَغَداً [البقرة: ٣٥] وهو أن كل فعل عطف عليه شيء- وكان الفعل بمنزلة الشرط، وذلك الشيء بمنزلة الجزاء- عطف الثاني على الأول- بالفاء- دون- الواو- فلما تعلق الأكل بالدخول قيل في سورة البقرة فَكُلُوا ولما لم يتعلق- الأكل بالسكون- في الأعراف، قيل: وَكُلُوا [الأعراف: ٣١، ١٦١] «العاشر» قال هنا: يَفْسُقُونَ وهناك يظلمون لأنه لما بين هنا كون الفسق ظلما اكتفى بلفظ- الظلم- هناك انتهى ولا يخفى ما في هذه الأجوبة من النظر، أما في الأول والثاني والثامن والعاشر فلأنها إنما تصح إذا كانت سورة البقرة متقدمة على سورة الأعراف نزولا- كما أنها متقدمة عليها ترتيبا- وليس كذلك، فإن سورة البقرة كلها مدنية، وسورة الأعراف كلها مكية إلا ثمان آيات من قوله تعالى (واسألهم عن القرية) إلى قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ [الأعراف: ١٦٣- ١٧١] وقوله تعالى: اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ [الأعراف: ١٦١] داخل في الآيات المكية، فحينئذ لا تصح الأجوبة المذكورة. وأما ما ذكر في التاسع فيرد عليه منع عدم تعلق- الأكل بالسكون- لأنهم إذا سكنوا القرية، تتسبب سكناهم- للأكل- منها كما ذكر الزمخشري، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، فحينئذ لا فرق بين

стр. 267

كُلُوا وفَكُلُوا فلا يتم الجواب وأما الثالث فلأنه تعالى- وإن قال في الأعراف: وَإِذْ قِيلَ- لكنه قال في السورتين: نَغْفِرْ لَكُمْ وأضاف- الغفران- إلى نفسه، فبحكم تلك اللياقة ينبغي أن يذكر في السورتين- جمع الكثرة- بل لا شك أن رعاية نَغْفِرْ لَكُمْ أولى من رعاية وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ لتعلق- الغفران بالخطايا- كما لا يخفى على العارف بالمزايا. وأما الرابع فلأنه تعالى- وإن لم يسند الفعل إلى نفسه تعالى- لكنه مسند إليه في نفس الأمر، فينبغي أن يذكر الإنعام الأعظم في السورتين. وأما الخامس فلأن القصة واحدة، وكون بعضهم مذنبين وبعضهم غير مذنبين محقق- فعلى مقتضى ما ذكر- ينبغي أن يذكر وَقُولُوا حِطَّةٌ مقدما في السورتين وأما السادس فلأن القصة واحدة، وأن- الواو- لمطلق الجمع، وقوله تعالى نَغْفِرْ في مقابلة قُولُوا سواء قدم أو أخر، وقوله تعالى: وَسَنَزِيدُ في مقابلة وَادْخُلُوا سواء ذكر- الواو- أو ترك، وأما السابع فلأنه تعالى قد ذكر هنا قبل فَبَدَّلَ ما يدل على التخصيص والتمييز، حيث قال سبحانه: وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ إلخ بكافات الخطاب وصيغته- فاللائق حينئذ- أن يذكر لفظ مِنْهُمْ أيضا، والجواب الصحيح عن جميع هذه السؤالات وما حاكاها- ما ذكره الزمخشري- من أنه لا بأس باختلاف العبارتين إذا لم يكن هناك تناقض، ولا تناقض بين قوله تعالى: اسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وقوله: وَكُلُوا لأنهم إذا سكنوا القرية فتسبب سكناهم للأكل منها، فقد جمعوا في الوجود بين سكناها والأكل منها، وسواء قدموا «الحطة» على- دخول الباب- أو أخروها، فهم جامعون في الإيجاد بينهما، وترك ذكر- الرغد- لا يناقض إثباته، وقوله تعالى: نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ [الأعراف: ١٦١] موعد بشيئين- بالغفران والزيادة، وطرح- الواو- لا يخل لأنه استئناف مرتب على تقدير قول القائل: ماذا بعد الغفران؟ فقيل له سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ وكذلك زيادة (منهم) زيادة بيان وَأَرْسَلْنا وأَنْزَلْنا ويَظْلِمُونَ ويَفْسُقُونَ من دار واحد، انتهى. وبالجملة التفنن في التعبير لم يزل دأب البلغاء، وفيه من الدلالة على رفعة شأن المتكلم ما لا يخفى، والقرآن الكريم مملوء من ذلك، ومن رام بيان سر لكل ما وقع فيه منه فقد رام ما لا سبيل إليه إلا بالكشف الصحيح والعلم اللدني، والله يؤتي فضله من يشاء، وسبحان من لا يحيط بأسرار كتابه إلا هو. ومن باب الإشارة في الآيات وإذ قلتم لموسى- القلب لَنْ نُؤْمِنَ الإيمان الحقيقي حتى نصل إلى مقام المشاهدة والعيان- فأخذتكم صاعقة الموت- الذي هو الفناء في التجلي الذاتي- وأنتم تراقبون أو تشاهدون- ثم بعثناكم بالحياة الحقيقية والبقاء بعد الفناء لكي تشكروا نعمة التوحيد والوصول بالسلوك في الله ،- وظللنا عليكم غمام تجلي الصفات- لكونها حجب شمس الذات المحرقة سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره. وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ من الأحوال والمقامات الذوقية الجامعة بين الحلاوة وإذهاب رذائل أخلاق النفس، كالتوكل والرضا وسلوى الحكم والمعارف والعلوم الحقيقية التي يحشرها عليكم ريح الرحمة، والنفحات الإلهية في تيه الصفات عند سلوككم فيها، فتسلون بذلك السَّلْوى وتنسون من لذائذ الدنيا كل ما يشتهى كُلُوا أي تناولوا وتلقوا هذه الطيبات التي رزقتموها حسب استعدادكم، وأعطيتموها على ما وعد لكم وَما ظَلَمُونا أي ما نقصوا حقوقنا وصفاتنا باحتجابهم بصفات أنفسهم، ولكن كانوا ناقصين حقوق أنفسهم بحرمانها وخسرانها، وهذا هو الخسران المبين وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ أي المحل المقدس الذي هو مقام المشاهدة وَادْخُلُوا الْبابَ الذي هو الرضا بالقضاء، فهو باب الله تعالى الأعظم سُجَّداً منحنين خاضعين لما يرد عليكم من التجليات، واطلبوا أن يحط الله تعالى عنكم ذنوب صفاتكم وأخلاقكم وأفعالكم، فإن فعلتم ذلك نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ «فمن تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا، ومن تقرب إليّ ذراعا، تقربت إليه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة» وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ أي

стр. 268

المشاهدين «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» وهل ذلك إلا الكشف التام عن الذات الأقدس. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنفسهم وأضاعوها ووضعوها في غير موضعها اللائق بها قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ابتغاء للحظوظ الفانية والشهوات الدنية. فَأَنْزَلْنا على الظالمين خاصة، عذابا وظلمة وضيقا في سجن الطبيعة واسرا في وثاق التمني وقيد الهوى وحرمانا، وذلا بمحبة الماديات السفلية، والاعراض عن هاتيك التجليات العلية، وذلك من جهة قهر سماء الروح، ومنع اللطف والروح عنهم بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة القلب الذي لا يأمر إلا بالهدى كما ورد في الأثر استفت قلبك وإن أفتاك المفتون إلى طاعة النفس الأمارة بالسوء. وهذا هو البلاء العظيم، والخطب الجسيم. من كان يرغب في السلامة فليكن ... أبدا من الحدق المراض عياذه لا تخدعنك بالفتور فإنه ... نظر يضر بقلبك استلذاذه إياك من طمع المنى فعزيزه ... كذليله، وغنيه وشحاذه

стр. 269

وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ تذكير لنعمة عظيمة كفروا بها- وكان ذلك في التيه لما عطشوا- ففي بعض الآثار أنهم قالوا فيه: من لنا بحر الشمس- فظلل عليهم الغمام- وقالوا: من لنا بالطعام- فأنزل الله تعالى عليهم المن والسلوى- وقالوا: من لنا بالماء- فأمر موسى بضرب الحجر- وتغيير الترتيب لقصد إبراز كل من الأمور المعدود في معرض أمر مستقل واجب التذكير والتذكر، ولو روعي الترتيب الوقوعي لفهم أن الكل أمر واحد- أمر بذكره- والاستسقاء- طلب- السقيا- عند عدم الماء أو قلته. قيل: ومفعول- استسقى- محذوف أي- ربه- أو- ماء- وقد تعدى هذا الفعل في الفصيح إلى- المستسقى منه تارة- وإلى- المستسقي أخرى- كما في قوله تعالى: إِذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ [الأعراف: ١٦٠] وقوله: وأبيض- يستسقى- الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل وتعديته إليهما مثل أن تقول:- استسقى زيد ربه الماء- لم نجدها في شيء من كلام العرب- واللام- متعلقة بالفعل، وهي سببية أي لأجل قومه فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ أي فأجبناه فَقُلْنَا إلخ- والعصا- مؤنث- والألف منقلبة عن- واو- بدليل عصوان وعصوته- أي ضربته بالعصا- ويجمع على أفعل شذوذا وعلى فعول قياسا، فيقال: أعص وعصي، وتتبع حركة- العين- حركة- الصاد- والْحَجَرَ هو هذا الجسم المعروف، وجمعه أحجار وحجار، وقالوا: حجارة، واشتقوا منه فقالوا: استحجر الطين، والاشتقاق من الأعيان قليل جدا. والمراد بهذه- العصا- المسئول عنها في قوله تعالى: وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى [طه: ١٧] والمشهور أنها من آس الجنة- طولها عشرة أذرع طول موسى ﵇ لها شعبتان تتقدان في الظلمة، توارثها صاغر عن كابر حتى وصلت إلى شعيب ومنه إلى موسى ﵉، وقيل: رفعها له ملك في طريق مدين، وفي المراد من الْحَجَرَ خلاف، فقال الحسن: لم يكن حجرا معينا، بل أي حجر ضربه انفجر منه الماء، وهذا أبلغ في الإعجاز وأبين في القدرة، وقال وهب: كان يقرع لهم أقرب حجر فتنفجر، وعلى هذا- اللام- فيه للجنس، وقيل: للعهد، وهو حجر معين حمله معه من الطور مكعب له أربعة أوجه ينبع من كل وجه ثلاثة أعين، لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمرت أن تسقيهم، وكانوا ستمائة ألف ما عدا دوابهم، وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا، وقيل: حجر كان عند آدم وصل مع العصا إلى شعيب فدفع إلى موسى، وقيل: هو الحجر الذي فر بثوبه، والقصة معروفة. وقيل: حجر أخذ من قعر البحر خفيف يشبه رأس الآدمي كان يضعه في مخلاته، فإذا احتاج للماء ضربه. والروايات في ذلك كثيرة، وظاهر أكثرها التعارض، ولا ينبني على تعيين هذا الحجر أمر ديني، والأسلم تفويض علمه إلى الله تعالى. فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً عطف على مقدر، أي فضرب فانفلق، ويدل على هذا المحذوف وجود الانفجار، ولو كان ينفجر دون ضرب لما كان للأمر فائدة، وبعضهم يسمي هذه- الفاء- الفصيحة ويقدر شرطا أي فإن ضربت فقد «انفجرت» وفي المغني أن هذا التقدير يقتضي تقدم الانفجار على الضرب، إلا أن يقال: المراد فقد حكمنا

стр. 270

بترتب الانفجار على ضربك، وقال بعض المتأخرين (١) : لا حذف، بل- الفاء- للعطف وإن مقدرة بعد- الفاء- كما هو القياس، بعد الأمر عند قصد السببية، والتركيب من قبيل- زرني فأكرمك- أي اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فإن انفجرت فليكن منك الضرب فالانفجار- ولا يخفى ما في كل حتى قال مولانا مفتي الديار الرومية في الأول إنه غير لائق بجلالة شأن النظم الكريم- والثاني أدهى وأمرّ- والانفجار انصداع شيء من شيء، ومنه الفجر والفجور، وجاء هنا «انفجرت» وفي الأعراف [١٦٠] «انبجست» فقيل: هما سواء وقيل: بينهما فرق وهو أن الانبجاس أول خروج الماء، والانفجار اتساعه وكثرته، أو الانبجاس خروجه من الصلب، والآخر خروجه من اللين، والظاهر استعمالهما بمعنى واحد- وعلى فرض المغايرة- لا تعارض لاختلاف الأحوال، و (من) لابتداء الغاية، والضمير عائد على- الحجر المضروب- وعوده إلى الضرب، و (من) سببية مما لا ينبغي الإقدام عليه، والتاء في- اثنتا- للتأنيث، ويقال: ثنتا إلا أن التاء فيها على ما في البحر للإلحاق، وهذا نظير أنبت، ونبت ولامها محذوفة، وهي ياء لأنها من ثنيت، وقرأ مجاهد وجماعة- ورواه السعدي عن أبي عمرو- عشرة بكسر الشين وهي لغة بني تميم، وقرأ الفضل الأنصاري بفتحها قال ابن عطية: وهي لغة ضعيفة، ونص بعض النحاة على الشذوذ، ويفهم من بعض المتأخرين أن هذه اللغات في المركب لا في عشرة وحدها، وعبارات القوم لا تساعده، والعين- منبع الماء وجمع على أعين شذوذا وعيون قياسا، وقالوا في أشراف الناس: أعيان، وجاء ذلك في الباصرة قليلا كما في قوله أعيانا لها ومآقيا وهو منصوب على التمييز، وإفراده في مثل هذا الموضع لازم، وأجاز الفراء أن يكون جمعا، وكان هذا العدد دون غيره لكونهم كانوا اثني عشر سبطا وكان بينهم تضاغن وتنافس فأجرى الله تعالى لكل سبط عينا يردها لا يشركه فيها أحد من السبط الآخر دفعا لإثارة الشحناء، ويشير إلى حكمة الانقسام، قوله تعالى: قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ وهي جملة مستأنفة مفهمة على أن كل سبط منهم قد صار له مشرب يعرفه فلا يتعدى لمشرب غيره، وأُناسٍ جمع لا واحد له من لفظه، وما ذكر من شذوذ إثبات همزته إنما هو مع الألف واللام، وأما بدونها فشائع صحيح، وعَلِمَ هنا متعدية لواحد أجريت مجرى عرف- ووجد ذلك بكثرة- والمشرب- إما اسم مكان أي محل الشرب، أو مصدر ميمي بمعنى الشرب، وحمله بعضهم على المشروب وهو الماء، وحمله على المكان أولى عند أبي حيان، وإضافة المشرب إليهم لأنه لما تخصص كل مشرب بمن تخصص به صار كأنه ملك لهم وأعاد الضمير في مشربهم على معنى كُلُّ ولا يجوز أن يعود على لفظها لأن- كلّا- متى أضيف إلى نكرة وجب مراعاة المعنى كما في قوله تعالى: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ [الإسراء: ٧١] وقوله: وكل أناس سوف تدخل بينهم ... دويهية تصفرّ منها الأنامل ونص على المشرب تنبيها على المنفعة العظيمة التي هي سبب الحياة وإن كان سرد الكلام يقتضي- قد علم كل أناس عينهم- وفي الكلام حذف أي منها لأن قَدْ عَلِمَ صفة- لاثنتا عشرة عينا- فلا بد من رابط، وإنما وصفها به لأنه معجزة أخرى حيث يحدث مع حدوث الماء جداول يتميز بها مشرب كل من مشرب آخر، ويحتمل أن تكون الجملة حالية لا صفة لقوله تعالى: اثْنَتا عَشْرَةَ لئلا يحتاج إلى تقدير العائد وليفيد مقارنة العلم بالمشارب للانفجار، والمشرب حينئذ العين كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ على إرادة القول، وبدأ بالأكل لأن قوام الجسد به، والاحتياج إلى الشرب حاصل عنه، ومِنْ لابتداء الغاية، ويحتمل أن تكون للتبعيض، وفي ذكر الرزق مضافا تعظيم

стр. 271

للمنة، وإشارة إلى حصول ذلك لهم من غير تعب ولا تكلف، وفي هذا التفات إذ تقدم فَقُلْنَا اضْرِبْ ولو جرى على نظم واحد لقال من رزقنا، ولو جعل الإضمار قبل كُلُوا مسندا إلى موسى- أي وقال موسى كلوا واشربوا- لا يكون فيه ذلك، والرزق- هنا بمعنى المرزوق وهو الطعام المتقدم من المنّ والسلوى، وبالمشروب من ماء العيون، وقيل: المراد به الماء وحده لأنه يشرب ويؤكل مما ينبت منه ويضعفه أنه لم يكن أكلهم في التيه من زروع ذلك الماء كما يشير إليه قوله تعالى: يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ ولَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ويلزم عليه أيضا الجمع بين الحقيقة والمجاز إذ يؤول إلى- كلوا واشربوا- من الماء، ويكون نسبة الشرب إليه بإرادة ذاته، والأكل بإرادة ما هو سبب عنه، أو القول بحذف متعلق أحد الفعلين أي كلوا من رزق الله واشربوا من رزق الله، وقول بعض المتأخرين إن رزق الله- عبارة عن الماء، وفي الآية إشارة إلى إعجاز آخر وهو أن هذا الماء كما يروي العطشان يشبع الجوعان فهو طعام وشراب- بعيد غاية البعد، وأقرب منه أن لا يكون كُلُوا وَاشْرَبُوا بتقدير القول من تتمة ما يحكى عنهم بل يجعل أمرا مرتبا على ذكرهم ما وقع وقت الاستسقاء على وجه الشكر والتذكير بقدرة الله تعالى فهو أمر المخاطبين بهذه الحكاية بأكلهم وشربهم مما يرزقهم الله تعالى، وعدم الإفساد بإضلال الخلق، وجمع عرض الدنيا ويكون فضله عما سبق لأنه بيان للشكر المأمور أو نتيجة للمذكور «واحتجت المعتزلة» بهذه الآية على أن الرزق هو الحلال لأن أقل درجات هذا الأمر أن يكون للإباحة فاقتضى أن يكون الرزق مباحا فلو وجد رزق حرام لكان الرزق مباحا وحراما، وأنه غير جائز، والجواب أن الرزق هنا ليس بعام إذا أريد المنّ والسلوى والماء المنفجر من الحجر، ولا يلزم من حلية معين ما من أنواع الرزق حلية جميع الرزق وعلى تسليم العموم يلتزم التبعيض وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ لما أمروا بالأكل والشرب من رزق الله تعالى ولم يقيد ذلك عليهم بزمان ولا مكان ولا مقدار كان ذلك إنعاما وإحسانا جزيلا إليهم، واستدعى ذلك التبسط في المأكل والمشرب نهاهم عما يمكن أن ينشأ عن ذلك وهو الفساد حتى لا يقابلوا تلك النعم بالكفران، والعثى- عند بعض المحققين مجاوزة الحد مطلقا فسادا كان أو لا فهو كالاعتداء، ثم غلب في الفساد ومفسدين على هذا حال غير مؤكدة هو الأصل فيها كما يدل عليه تعريفها وذكر أبو البقاء أن العثي الفساد والحال مؤكدة، وفيه أن مجيء الحال المؤكدة بعد الفعلية خلاف مذهب الجمهور وذهب الزمخشري أن معناه أشد الفساد والمعنى لا تتمادوا في الفساد حال إفسادكم، والمقصد النهي عما كانوا عليه من التمادي في الفساد وهو من أسلوب لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً [آل عمران: ١٣٠] وإلا فالفساد أيضا منكر منهي عنه، وفيه أنه تكلف مستغنى عنه بما ذكرنا، والمراد من الْأَرْضِ عند الجمهور أرض التيه. ويجوز أن يريدها وغيرها مما قدروا أن يصلوا إليها فينالها فسادهم، وجوز أن يريد الأرضين كلها، و (أل) لاستغراق الجنس، ويكون فسادهم فيها من جهة أن كثرة العصيان والإصرار على المخالفات والبطر يؤذن بانقطاع الغيث وقحط البلاد ونزع البركات، وذلك انتقام يعم الأرضين، هذا ثم إن ظاهر القرآن لا يدل على تكرر هذا الاستسقاء ولا الضرب ولا الانفجار فيحتمل أن يكون ذلك متكررا، ويحتمل أن يكون ذلك مرة واحدة والواحدة هي المتحققة. والحكايات في هذا الأمر كثيرة وأكثرها لا صحة له، وقد أنكر بعض الطبيعيين هذه الواقعة. وقال كيف يعقل خروج الماء العظيم الكثير من الحجر الصغير، وهذا المنكر مع أنه لم يتصور قدرة الله تعالى في تغيير الطبائع والاستحالات فقد ترك النظر على طريقتهم إذ قد تقرر عندهم أن حجر المغناطيس يجذب الحديد والحجر الحلاق يحلق الشعر والحجر الباغض للخل ينفر منه، وذلك كله من أسرار الطبيعة وإذا لم يكن مثل ذلك منكرا عندهم فليس يمتنع أن يخلق في حجر آخر قوة جذب الماء من تحت الأرض، ويكون خلق تلك القوة عند ضرب العصا أو عند أمر موسى ﵇ على ما ورد أنه كان بعد ذلك يأمره، فينفجر ولا ينافيه انفصاله عن الأرض كما وهم، ويحتمل أيضا أن يقلب الله تعالى- بواسطة قوة أودعها في الحجر- الهواء ماء

стр. 272

بإزالة اليبوسة عن أجزائه وخلق الرطوبة فيها. والله تعالى على كل شيء قدير، وحظ العارف من الآية أن يعرف الروح الإنسانية وصفاتها في عالم القلب بمثابة موسى وقومه وهو مستسق ربه لإروائها بماء الحكمة والمعرفة وهو مأمور بضرب عصا- لا إله إلا الله- ولها شعبتان من النفي والإثبات تتقدان نورا عند استيلاء ظلمات النفس، وقد حملت من حضرة العزة على حجر القلب الذي هو كالحجارة أو أشد قسوة فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً من مياه الحكمة لأن كلمة- لا إله إلا الله- اثنا عشرة حرفا فانفجر من كل حرف عين قد علم كل سبط من أسباط صفات الإنسان وهي اثنا عشر سبطا من الحواس (١) الظاهرة والباطنة، واثنان من القلب والنفس، ولكل واحد منهم مشرب من عين جرت من حرف من حروف الكلمة، وقَدْ عَلِمَ مشربه ومشرب كل واحد حيث ساقه رائده وقاده قائده فمن مشرب عذب فرات، ومشرب ملح أجاج، والنفوس ترد مناهل التقى والطاعات. والأرواح تشرب من زلال الكشوف والمشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً [الإنسان: ٢١] للاضمحلال في حقيقة الذات كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ بأمره ورضاه وَلا تَعْثَوْا في هذا القالب مُفْسِدِينَ بترك الأمر واختيار الوزر وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على العقبى وتقديمهما على المولى وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ الظاهر أنه داخل في تعداد النعم وتفصيلها وهو إجابة سؤالهم بقوله تعالى: اهْبِطُوا إلخ مع استحقاقهم كمال السخط لأنهم كفروا نعمة إنزال الطعام اللذيذ عليهم وهم في التيه من غير كدّ وتعب حيث سألوا ب لَنْ نَصْبِرَ فإنه يدل على كراهيتهم إياه إذ الصبر حبس النفس في المضيق، ولذا أنكر عليه بقوله تعالى: أَتَسْتَبْدِلُونَ إلخ، فالآية في الأسلوب مثل قوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ إلخ، حيث عاندوا بعد سماع الكلام وأهلكوا، ثم أفاض عليهم نعمة الحياة، قال مولانا الساليكوتي- ومن هذا ظهر ضعف ما قال الإمام الرازي- لو كان سؤالهم معصية لما أجابهم، لأن الإجابة إلى المعصية معصية- وهي غير جائزة على الأنبياء- وإن قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا أمر إباحة لا إيجاب، فلا يكون سؤالهم غير ذلك الطعام معصية، ووصف الطعام بواحد وإن كانا طعامين الْمَنَّ وَالسَّلْوى اللذين رزقوهما في التيه، إما باعتبار كونه على نهج واحد كما يقال: طعام مائدة الأمير واحد- ولو كان ألوانا شتى- بمعنى أنه لا يتبدل ولا يختلف بحسب الأوقات، أو باعتبار كونه ضربا واحدا لأن الْمَنَّ وَالسَّلْوى من طعام أهل التلذذ والسرف، وكأن القوم كانوا فلاحة فما أرادوا إلا ما ألفوه، وقيل: إنهم كانوا يطبخونهما معا فيصير طعاما واحدا، والقول بأن هذا القول كان قبل نزول السَّلْوى نازل من القول، وأهون منه القول بأنهم أرادوا بالطعام الواحد السَّلْوى لأن الْمَنَّ كان شرابا، أو شيئا يتحلون به، فلم يعدوه طعاما آخر، وإلا نزل القول بأنه عبر بالواحد عن الاثنين كما عبر بالاثنين عن الواحد في نحو يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من أحدهما- وهو الملح دون العذب- فَادْعُ لَنا رَبَّكَ أي سله لأجلنا- بدعائك إياه- بأن يخرج لنا كذا وكذا- والفاء- لسببية عدم الصبر للدعاء، ولغة بني عامر «فادع» - بكسر العين- جعلوا- دعا من ذوات الياء- كرمى، وإنما سألوا من موسى أن يدعو لهم، لأن دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقرب للإجابة من دعاء غيرهم، على أن دعاء الغير للغير مطلقا أقرب إليها- فما ظنك بدعاء الأنبياء لأممهم؟ - ولهذا قال ﷺ لعمر رضي الله تعالى عنه: «أشركنا في دعائك» وفي الأثر «ادعوني بألسنة لم تعصوني فيها» وحملت على ألسنة الغير، والتعرض لعنوان الربوبية لتمهيد مبادئ الإجابة، وقالوا: رَبَّكَ ولم يقولوا: ربنا، لأن في ذلك من الاختصاص به ما ليس فيهم

стр. 273

من مناجاته وتكليمه وإيتائه التوراة، فكأنهم قالوا: ادع لنا المحسن إليك بما لم يحسن به إلينا، فكما أحسن إليك من قبل نرجو أن يحسن إليك في إجابة دعائك. يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها المراد- بالإخراج- المعنى المجازي اللازم للمعنى الحقيقي، وهو الإظهار بطريق الإيجاد- لا بطريق إزالة الخفاء- والحمل على المعنى الحقيقي يقتضي مخرجا عنه، وما يصلح له هاهنا هو الْأَرْضُ وبتقديره يصير الكلام سخيفا، ويُخْرِجْ مجزوم لأنه جواب الأمر، وجزمه- بلام الطلب- محذوفة لا يجوز عند البصريين، ومِنْ الأولى تبعيضية أي مأكولا بعض ما تُنْبِتُ وادعى الأخفش زيادتها- وليس بشيء- وما موصولة والعائد محذوف، أي تنبته، وجعلها مصدرية لم يجوزه أبو البقاء- لأن المقدر جوهر- ونسبة- الإنبات- إلى الْأَرْضُ مجاز من باب النسبة إلى القابل. وقد أودع الله تعالى في الطبقة الطينية من الأرض- أو فيها- قوة قابلة لذلك، وكون القوة القابلة مودعة في الحب دون التراب ربما يفضي إلى القول بقدم الحب بالنوع، ومِنْ الثانية بيانية، فالظرف مستقر واقع موقع الحال، أي كائنا من بَقْلِها. وقال أبو حيان: تبعيضية واقعة موقع البدل من كلمة ما فالظرف لغو متعلق يُخْرِجْ وعلى التقديرين- كما قال الساليكوتي- يفيد أن المطلوب إخراج بعض هؤلاء، ولو جعل بيانا لما أفاده مِنْ التبعيضية- كما قاله المولى عصام الدين- لخلا الكلام عن الإفادة المذكورة، وأوهم أن المطلوب إخراج جميع هؤلاء لعدم العهد- والبقل- جنس يندرج فيه النبات الرطب مما يأكله الناس والإنعام، والمراد به هنا أطايب البقول التي يأكلها الناس- والقثاء- هو هذا المعروف، وقال الخليل: هو الخيار، وقرأ يحيى بن وثاب وغيره- بضم القاف- وهو لغة- والفوم- الحنطة- وعليه أكثر الناس- حتى قال الزجاج: لا خلاف عند أهل اللغة أن- الفوم- الحنطة، وسائر الحبوب التي تختبز يلحقها اسم- الفوم- وقال الكسائي وجماعة: هو الثوم، وقد أبدلت- ثاؤه فاء- كما في- جدث وجدف- وهو بالبصل والعدس أوفق- وبه قرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه- ونفس شيخنا- عليه الرحمة- إليه تميل، والقول بأنه الخبز يبعده الإنبات من الْأَرْضُ وذكره مع البقل وغيره وما في المعالم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما من أن- الفوم- الخبز يمكن توجيهه بأن معناه أنه يقال عليه، ووجه ترتيب النظم أنه ذكر أولا ما هو جامع للحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة- وهو البقل- إذ منه ما هو بارد رطب- كالهندبا- ومنه ما هو حار يابس- كالكرفس والسذاب- ومنه ما هو حار وفيه رطوبة، كالنعناع «وثانيا» ما هو بارد رطب- وهو القثاء- «وثالثا» ما هو حار يابس- وهو الثوم- «ورابعا» ما هو بارد يابس- وهو العدس- «وخامسا» ما هو حار رطب- وهو البصل- وإذا طبخ صار باردا رطبا عند بعضهم، أو يقال: إنه ذكر أولا ما يؤكل من غير علاج نار، وذكر بعده ما يعالج به مع ما ينبغي فيه ذلك ويقبله. قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ استئناف وقع جوابا عن سؤال مقدر، كأنه قيل: فماذا قال لهم؟ فقيل قال: أَتَسْتَبْدِلُونَ إلخ، والقائل إما الله تعالى على لسان موسى ﵇، ويرجحه كون المقام مقام تعداد النعم، أو موسى نفسه- وهو الأنسب بسياق النظم- والاستفهام للإنكار، والاستبدال الاعتياض. «فإن قلت» كونهم لا يصبرون عَلى طَعامٍ واحِدٍ افهم طلب ضم ذلك إليه- لا استبداله به- أجيب بأن قولهم: لَنْ نَصْبِرَ يدل على كراهتهم ذلك الطعام، وعدم الشكر على النعمة دليل الزوال، فكأنهم طلبوا زوالها ومجيء غيرها، وقيل: إنهم طلبوا ذلك، وخطابهم بهذا إشارة إلى أنه تعالى إذا أعطاهم ما سألوا منع عنهم (المن والسلوى) فلا يجتمعان، وقيل: الاستبدال في المعدة- وهو كما ترى- وقرأ أبيّ- أتبدلون- وهو مجاز، لأن التبديل ليس لهم- إنما ذلك إلى الله تعالى- لكنهم لما كانوا يحصل التبديل بسؤالهم جعلوا مبدلين، وكان المعنى أتسألون

стр. 274

تبديل الذي إلخ، والَّذِي مفعول تَسْتَبْدِلُونَ وهو الحاصل، والَّذِي دخلت عليه الباء هو الزائل، وهو أَدْنى صلة الَّذِي وهو هنا واجب الإثبات- عند البصريين- إذ لا طول، وأَدْنى إما من الدنو أو مقلوب من الدون، وهو على الثاني ظاهر، وعلى الأول مجاز استعير فيه الدنو بمعنى القرب المكاني للخسة كما استعير البعد للشرف، فقيل: بعيد المحل بعيد الهمة، ويحتمل أن يكون مهموزا من الدناءة، وأبدلت فيه- الهمزة ألفا- ويؤيده قراءة زهير والكسائي «أدنأ» بالهمزة، وأريد بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ الْمَنَّ وَالسَّلْوى ومعنى خيرية هذا المأكول بالنسبة إلى ذلك غلاء قيمته وطيب لذته، والنفع الجليل في تناوله، وعدم الكلفة في تحصيله، وخلوه عن الشبهة في حله اهْبِطُوا مِصْراً جملة محكية بالقول كالأولى، وإنما لم يعطف إحداهما على الأخرى في المحكي لأن الأولى خبر معنى، وهذه ليست كذلك، ولكونها كالمبينة لها فإن الإهباط طريق الاستبدال، هذا إذا جعل الجملتان من كلام الله تعالى أو كلام موسى، وإن جعل إحداهما من موسى والأخرى من الله تعالى، فوجه الفصل ظاهر، والوقف على خير كاف «على الأول» وتام «على الثاني» والهبوط يجوز أن يكون مكانيا بأن يكون التيه أرفع من المصر، وأن يكون رتبيا، وهو الأنسب بالمقام، وقرىء اهْبِطُوا بضم الهمزة والباء- والمصر- البلد العظيم وأصله الحد والحاجز بين الشيئين، قال: وجاعل الشمس (مصرا) لا خفاء به ... بين النهار وبين الليل قد فصلا وإطلاقه على البلد لأنه ممصور أي محدود، وأخذه من مصرت الشاة أمصرها- إذا حلبت كل شيء في ضرعها- بعيد، وحكي عن أشهب أنه قال: قال لي مالك: هي مصر قرتيك مسكن فرعون- فهو إذا علم- وأسماء المواضع قد تعتبر من حيث المكانية فتذكر، وقد تعتبر من حيث الأرضية فتؤنث، فهو- إن جعل علما- فإما باعتبار كونه بلدة، فالصرف مع العلمية، والتأنيث لسكون الوسط، وإما باعتبار كونه- بلدا- فالصرف على بابه، إذ الفرعية الواحدة لا تكفي في منعه، ويؤيد ما قاله الإمام مالك رضي الله تعالى عنه أنه في مصحف ابن مسعود «مصر» بلا- ألف بعد الراء- ويبعده أن الظاهر من التنوين التنكير، وأن قوله تعالى: ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ [المائدة: ٢١] يعني الشام التي كتب الله تعالى لكم للوجوب- كما يدل عليه عطف النهي- وذلك يقتضي المنع من دخول أرض أخرى، وأن يكون الأمر بالهبوط مقصورا على بلاد التيه- وهو ما بين بيت المقدس إلى قنسرين- ومن الناس من جعل مصر معرب- مصرائيم- كاسرائيل اسم لأحد أولاد نوح ﵇ وهو أول من اختطها- فسميت باسمه، وإنما جاز الصرف حينئذ لعدم الاعتداد بالعجمة لوجود التعريب والتصرف فيه فافهم وتدبر فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ تعليل للأمر بالهبوط، وفي البحر أنها جواب للأمر- وكما يجاب بالفعل يجاب بالجملة- وفي ذلك محذوفان ما يربط الجملة بما قبلها، والضمير العائد على ما والتقدير، فإن لكم فيها ما سألتموه، والتعبير عن الأشياء المسئولة ب ما للاستهجان بذكرها، وقرأ النخعي ويحيى سَأَلْتُمْ بكسر السين. وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ أي جعل ذلك محيطا بهم إحاطة القبة بمن ضربت عليه، أو ألصق بهم من ضرب الطين على الحائط ففي الكلام استعارة بالكناية حيث شبه ذلك بالقبة أو بالطين، وضُرِبَتْ استعارة تبعية تحقيقية لمعنى الإحاطة والشمول أو اللزوم واللصوق بهم، وعلى الوجهين فالكلام كناية عن كونهم أذلاء متصاغرين، وذلك بما ضرب عليهم من الجزية التي يؤدونها عن يد وهم صاغرون، وبما ألزموه من إظهار الزي ليعلم أنهم يهود ولا يلتبسوا بالمسلمين وبما طبعوا عليه من فقر النفس وشحها فلا ترى ملة من الملل أحرص منهم، وبما تعودوا عليه من إظهار سوء الحال مخافة أن تضاعف عليهم الجزية إلى غير ذلك مما تراه في اليهود اليوم، وهذا الضرب مجازاة لهم

стр. 275

على كفران تلك النعمة، وبهذا ارتبطت الآية بما قبلها، وإنما أورد ضمير الغائب للإشارة إلى أن ذلك راجع إلى جميع اليهود، وشامل للمخاطبين، بقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ ولمن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة فليس من قبيل الالتفات على ما وهم وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ أي نزلوا وتمكنوا بما حل بهم من البلاء والنقم في الدنيا، أو بما تحقق لهم من العذاب في العقبى أو بما كتب عليهم من المكاره فيهما- أو رجعوا بغضب- أي صار عليهم، ولذا لم يحتج إلى اعتبار المرجوع إليه، أو صاروا أحقاء به، أو استحقوا العذاب بسببه- وهو بعيد- وأصل- البواء- بالفتح والضم مساواة الأجزاء ثم استعمل في كل مساواة فيقال: هو بواء فلان أي كفؤه، ومنه بؤ- لشسع نعل كليب- وحديث «فليتبوأ مقعده من النار» وفي وصف الغضب بكونه من الله تعالى تعظيم لشأنه بعد تعظيم وتفخيم بعد تفخيم ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ أشار بذلك إلى ما سبق من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب العظيم، وإنما بعّده لبعد بعضه حتى لو كان إشارة إلى البوء لم يكن على لفظ البعيد، أو للإشارة إلى أنهم أدركتهم هذه الأمور مع بعدهم عنها لكونهم أهل الكتاب. أو للإيماء إلى بعدها في الفظاعة، والباء للسببية وهي داخلة على المصدر المؤول ولم يعبر به، وعبر بما عبر تنبيها على تجدد الكفر والقتل منهم حينا بعد حين واستمرارهم عليهما فيما مضى، أو لاستحضار قبيح صنعهم و «الآيات» إما المعجزات مطلقا أو التسع التي أتى بها موسى ﵇ أو ما جاء به من التسع وغيرها، أو آيات الكتب المتلوة مطلقا، أو التوراة أو آيات منها كالآيات التي فيها صفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. أو التي فيها الرجم أو القرآن، وفي إضافة الآيات إلى اسمه تعالى زيادة تشنيع عليهم، وبدأ سبحانه بكفرهم بآياته لأنه أعظم كل عظيم، وأردفه بقتلهم النبيين لأنه كالمنشأ له، وأتى بالنبيين الظاهر في القلة دون الأنبياء الظاهر في الكثرة إذ الفرق بين الجمعين إذا كانا نكرتين وأما إذا دخلت عليهما (أل) فيتساويان- كما في البحر- فلا يرد أنهم قتلوا ثلاثمائة نبي في أول النهار، وأقاموا سوقهم في آخره، وقيد القتل بغير الحق مع أن قتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ذلك بغير الحق عندهم إذ لم يكن أحد معتقدا حقية قتل أحد منهم ﵈، وإنما حملهم عليه حب الدنيا، واتباع الهوى، والغلو في العصيان، والاعتداء فاللام في الحق على هذا للعهد، وقيل: الأظهر أنها للجنس، والمراد بغير حق أصلا إذ لام الجنس المبهم كالنكرة، ويؤيده ما في آل عمران [٢١] (بغير حق) فيفيد أنه لم يكن حقا باعتقادهم أيضا ويمكن أن يكون فائدة التقييد إظهار معايب صنيعهم فإنه قتل النبي ثم جماعة منهم ثم كونه بغير الحق، وهذا أوفق بما هو الظاهر من كون المنهي القتل بغير الحق في نفس الأمر سواء كان حقا عند القاتل أو لا إلا أن الاقتصار على القتل بغير الحق عندهم أنسب للتعريض بما هم فيه على ما قيل، والقول: بأنه يمكن أن يقال- لو لم يقيد بغير الحق لأفاد أن من خواص النبوة أنه لو قتل أحدا بغير حق لا يقتص، ففائدة التقييد أن يكون النظم مفيدا لما هو الحكم الشرعي- بعيد كما لا يخفى، قال بعض المتأخرين: هذا كله إذا كان الغير بمعنى النفي- أي بلا حق، أما إذا كان بمعناه- أي بسبب أمر مغاير للحق أي الباطل- فالتقييد مفيد لأن قتلهم النبيين بسبب الباطل وحمايته، وقريب من هذا ما قاله القفال: من أنهم كانوا يقولون: إنهم كاذبون وإن معجزاتهم تمويهات ويقتلونهم بهذا السبب وبأنهم يريدون إبطال ما هم عليه من الحق بزعمهم، ولعل ذلك غالب أحوالهم وإلا فشعياء، ويحيى، وزكريا ﵈ لم يقتلوا لذلك، وإنما قتل شعياء لأن ملكا من بني إسرائيل لما مات مرج أمر بني إسرائيل، وتنافسوا الملك، وقتل بعضهم بعضا فنهاهم ﵇ فبغوا عليه وقتلوه، ويحيى ﵇ إنما قتل لقصة تلك الامرأة لعنها الله تعالى، وكذلك زكريا لأنه لما قتل ابنه انطلق هاربا فأرسل الملك في طلبه غضبا لما حصل لامرأته من قتل ابنه فوجد في جوف شجرة ففلقوا الشجرة معه فلقتين طولا بمنشار، ثم الظاهر أن الجار والمجرور مما

стр. 276

تنازع فيه الكفر، والقتل، وفي البحر أنه متعلق بما عنده، وزعم بعض الملحدين- أن بين هذه الآية- وما أشبهها، وقوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [غافر: ٥١] تناقضا- وأجيب بأن المقتولين من الأنبياء والموعود بنصرهم الرسل ورد بأن قوله تعالى: أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ [البقرة: ٨٧] إلى قوله سبحانه: فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ [البقرة: ٨٧] يدل على أن المقتول رسل أيضا، وأجاب بعضهم بأن المراد النصرة بغلبة الحجة أو الأخذ بالثأر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الله تعالى قدر أن يقتل بكل نبي سبعين ألفا، وبكل خليفة خمسا وثلاثين ألفا ولا يخفى ما فيه، فالأحسن أن المراد بالرسل المأمورون بالقتال- كما أجاب به المحققين- لأن أمرهم بالقتال وعدم عصمتهم لا يليق بحكمة العزيز الحكيم، وقرأ علي رضي الله تعالى عنه: يقتلون بالتشديد، والحسن في رواية عنه وتقتلون بالتاء فيكون ذلك من الالتفات، وقرأ نافع بهمز النبيين وكذا النبي، والنبوة، واستشكل بما روي أن رجلا قال للنبي ﷺ «يا نبيء الله بالهمز فقال لست بنبيء الله - يعني مهموزا- ولكن نبي الله» بغير همزة فأنكر عليه ذلك. ولهذا منع بعضهم من إطلاقه عليه ﵊ على أنه استشكل أيضا جمع النبي على نبيين وهو فعيل بمعنى مفعول، وقد صرحوا بأنه لا يجمع جمع مذكر سالم. وأجيب عن الأول بأن أبا زيد حكى نبأت من الأرض إذا خرجت منها فمنع لوهم أن معناه يا طريد الله تعالى فنهاه عن ذلك لإيهامه، ولا يلزم من صحة استعمال الله تعالى له في حق نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم- الذي برأه من كل نقص- جوازه من البشر، وقيل إن النهي كان خاصا في صدر الإسلام حيث دسائس اليهود كانت فاشية وهذا كما نهى عن قول راعِنا إلى قول انْظُرْنا [البقرة: ١٠٤] وعن الثاني بأنه ليس بمتفق عليه إذ قيل: إنه بمعنى فاعل ولو سلم فقد خرج عن معناه الأصلي، ولم يلاحظ فيه هذا إذ يطلقه عليه من لا يعرف ذلك، فصح جمعه باعتبار المعنى الغالب عليه فتدبر. ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ إشارة إلى الكفر والقتل الواقعين سببا لما تقدم، وجازت الإشارة بالمفرد إلى متعدد للتأويل بالمذكور، ونحوه مما هو مفرد لفظا متعدد معنى، وقد يجري مثل ذلك في الضمير حملا عليه، والباء للسببية، وما بعدها سبب للسبب، والمعنى أن الذي حملهم على الكفر بآيات الله تعالى، وقتلهم الأنبياء إنما هو تقدم عصيانهم واعتدائهم ومجاوزتهم الحدود، والذنب يجر الذنب، وأكد الأول لأنه مظنة الاستبعاد بخلاف مطلق العصيان، وقيل: الباء بمعنى مع، وقيل: الإشارة بذلك إلى ما أشير إليه بالأول، وترك العاطف للدلالة على أن كل واحد منهما مستقل في استحقاق الضرب فكيف إذا اجتمعا وضعف هذا الوجه بأن التكرار خلاف الأصل مع فوات معنى لطيف حصل بالأول وسابقه بأنه لا يظهر حينئذ- لإيراد كلمة ذلك- فائدة إذ الظاهر بِما عَصَوْا إلخ ويفوت أيضا ما يفوت، وحظ العارف من هذه الآيات الاعتبار بحال هؤلاء الذين لم يرضوا بالقضاء ولم يشكروا على النعماء ولم يصبروا على البلواء كيف ضرب عليهم ذل الطغيان قبل وجود الأكوان، وقهرهم بلطمة المسكنة في بيداء الخذلان وألبس قلوبهم حب الدنيا وأهبطهم من الدرجة العليا. «ومن باب الإشارة» الطعام الواحد هو الغذاء الروحاني من الحكمة والمعرفة، وما تنبته الأرض هو الشهوات الخبيثة واللذات الخسيسة والتفكهات الباردة الناشئة من أرض النفوس المبتذلة في مصر البدن الموجبة للذلة لمن ذاقها والمسكنة لمن لاكها والهلاك لمن ابتلعها، وسبب طلب ذلك الاحتجاب عن آيات الله تعالى وتجلياته وتسويد القلوب بدرن الذنوب وقطع وريدها بقطع واردها، والذي يجر إلى هذا الغفلة عن المحبوب، والاعتياض بالاغيار عن ذلك المطلوب نسأل الله تعالى لنا ولكم العافية إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لما انجر الكلام إلى ذكر وعيد أهل الكتاب قرن به

стр. 277

ما يتضمن الوعد جريا على عادته سبحانه من ذكر الترغيب والترهيب وبهذا يتضح وجه توسيط هذه الآية وما قبلها بين تعداد النعم، وفي المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا هنا أقوال، والمروي عن سفيان الثوري أنهم المؤمنون بألسنتهم، وهم المنافقون بدليل انتظامهم في سلك الكفرة والتعبير عنهم بذلك دون عنوان النفاق للتصريح بأن تلك المرتبة وإن عبر عنها بالإيمان لا تجديهم نفعا ولا تنقذهم من ورطة الكفر قطعا، وعن السدي أنهم الحنيفيون ممن لم يلحق الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم- كزيد بن عمرو بن نفيل وقس بن ساعدة وورقة بن نوفل- ومن لحقه- كأبي ذر وبحيرى- ووفد النجاشي الذين كانوا ينتظرون البعثة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم المؤمنون بعيسى قبل أن يبعث الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وروى السدي عن أشياخه أنهم المؤمنون بموسى إلى أن جاء عيسى ﵉ فآمنوا به، وقيل: إنهم أصحاب سلمان الذين قصّ حديثهم على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال له: «هم في النار» فأظلمت الأرض عليه كما روى مجاهد عنه فنزلت عند ذلك الآية إلى يَحْزَنُونَ قال سلمان: فكأنما كشف عني جبل، وقيل: إنهم المتدينون بدين محمد صلى الله تعالى عليه وسلم مخلصين أو منافقين- واختاره القاضي- وكأن سبب الاختلاف قوله تعالى فيما بعد: مَنْ آمَنَ إلخ فإن ذلك يقتضي أن يكون المراد من أحدهما غير المراد من الآخر وأقل الأقوال مؤنة أولها وَالَّذِينَ هادُوا أي تهودوا يقال هاد وتهود إذا دخل في اليهودية، ويهود- إما عربي من هاد إذا تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل، ووجه التخصيص كون توبتهم أشق الأعمال كما مر، وإما معرب يهوذا بذال معجمة وألف مقصورة كأنهم سموا بأكبر أولاد يعقوب ﵇، وقرىء هادُوا بفتح الدال أي مال بعضهم إلى بعض وَالنَّصارى جمع نصران بمعنى نصراني، وورد ذلك في كلام العرب وإن أنكره البعض كقوله: تراه إذا دار العشيّ محنفا ... ويضحى لديه وهو (نصران) شامس ويقال في المؤنث نصران كندمان وندمانة قاله سيبويه- وأنشد. كما سجدت نصرانة لم تحنف. والياء في نصراني عنده للمبالغة كما يقال للأحمر أحمري إشارة إلى أنه عريق في وصفه، وقيل: إنها للفرق بين الواحد والجمع كزنج وزنجي، وروم ورومي، وقيل: النصارى جمع نصري كمهري ومهارى حذفت إحدى ياءيه وقلبت الكسرة فتحة للتخفيف فقلبت الياء ألفا. وإلى ذلك ذهب الخليل، وهو اسم لاصحاب عيسى ﵇، وسموا بذلك لأنهم نصروه، أو لنصر بعضهم لبعض، وقيل: إن عيسى ﵇ ولد في بيت لحم بالقدس ثم سارت به أمه إلى مصر ولما بلغ اثنتي عشرة سنة عادت به إلى الشام وأقامت بقرية ناصرة، وقيل: نصرايا، وقيل: نصري، وقيل: نصرانة، وقيل: نصران- وعليه الجوهري- فسمي من معه باسمها، أو أخذ لهم اسم منها وَالصَّابِئِينَ هم قوم مدار مذهبهم على التعصب للروحانيين واتخاذهم وسائط ولما لم يتيسر لهم التقرب إليها بأعيانها والتلقي منها بذواتها فرعت جماعة منهم إلى هياكلها، فصابئة الروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند مفزعها الثوابت، وجماعة نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عن أحد شيئا. فالفرقة الأولى هم عبدة الكواكب، والثانية هم عبدة الأصنام وكل من هاتين الفرقتين أصناف شتى مختلفون في الاعتقادات والتعبدات، والإمام أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه يقول: إنهم ليسوا بعبدة أوثان وإنما يعظمون النجوم كما تعظم الكعبة، وقيل: هم قوم موحدون يعتقدون تأثير النجوم ويقرون ببعض الأنبياء كيحيى ﵇، وقيل: إنهم يقرون بالله تعالى ويقرؤون الزبور ويعبدون الملائكة ويصلون إلى الكعبة، وقيل: إلى مهب الجنوب، وقد أخذوا من كل دين شيئا، وفي جواز مناكحتهم وأكل ذبائحهم كلام للفقهاء يطلب في محله، واختلف في اللفظ فقيل غير عربي، وقيل عربي من صبأ- بالهمز- إذا خرج أو من صبا

стр. 278

معتلا بمعنى مال لخروجهم عن الدين الحق وميلهم إلى الباطل، وقرأ نافع وحده بالياء وذلك إما على الأصل أو الإبدال للتخفيف. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً أي أحدث من هذه الطوائف إيمانا بالله تعالى وصفاته وأفعاله والنبوات، وبالنشأة الثانية على الوجه اللائق، وأتى- بعمل صالح- حسبما يقتضيه الإيمان بما ذكر، وهذا مبني على أول الأقوال، والقائلون بآخرها منهم من فسر الآية بمن اتصف من أولئك بالإيمان الخالص بالمبدأ والمعاد على الإطلاق سواء كان ذلك بطريق الثبات، والدوام عليه كإيمان المخلصين، أو بطريق إحداثه، وإنشائه كإيمان من عداهم من المنافقين، وسائر الطوائف، وفائدة التعميم للمخلصين مزيد ترغيب الباقين في الإيمان ببيان أن تأخرهم في الاتصاف به غير مخل بكونهم أسوة لأولئك الأقدمين، ومنهم من فسرها بمن كان منهم في دينه قبل أن ينسخ مصدقا بقلبه بالمبدأ والمعاد عاملا بمقتضى شرعه، فيعم الحكم المخلصين من أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والمنافقين الذين تابوا، واليهود والنصارى الذين ماتوا قبل التحريف والنسخ وَالصَّابِئِينَ الذين ماتوا زمن استقامة أمرهم إن قيل: إن لهم دينا، وكذا يعم اليهود والصائبين الذين آمنوا بعيسى ﵇ وماتوا في زمنه، وكذا من آمن من هؤلاء الفرق بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم. وفائدة ذكر الَّذِينَ آمَنُوا على هذا مع أن الوعيد السابق كان في اليهود لتسكين حمية اليهود بتسوية المؤمنين بهم في أن كون كل في دينه «قبل النسخ» يوجب الأجر «وبعده» يوجب الحرمان، كما أن ذكر الصَّابِئِينَ للتنبيه على أنهم مع كونهم أبين المذكورين ضلالا يتاب عليهم إذا صح منهم الإيمان والعمل الصالح، فغيرهم بالطريق الأولى وانفهام قبل النسخ من وَعَمِلَ صالِحاً إذ لا صلاح في العمل بعده، وهذا هو الموافق لسبب النزول لا سيما على رواية أن سلمان رضي الله تعالى عنه ذكر للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم حسن حال الرهبان الذين صحبهم، فقال: «ماتوا وهم في النار» فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال ﵊: «من مات على دين عيسى ﵇ قبل أن يسمع بي فهو على خير، ومن سمع ولم يؤمن بي فقد هلك» . والمناسب لعموم اللفظ وعدم صرفه إلى تخصيص الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى بالكفرة منهم وتخصيص مَنْ آمَنَ إلخ بالدخول في ملة الإسلام، إلا أنه يرد عليه أنه مستلزم أن يكون للصابئين دين، وقد ذكر غير واحد أنه ليس لهم دين تجوز رعايته في وقت من الأوقات «ففي الملل والنحل» أن الصورة في مقابلة الحنيفية، ولميل هؤلاء عن سنن الحق وزيغهم عن نهج الأنبياء قيل لهم: الصابئة، ولو سلم أنه كان لهم دين سماوي ثم خرجوا عنه، فمن مضى من أهل ذلك الدين قبل خروجهم منه ليسوا من الصَّابِئِينَ فكيف يمكن إرجاع الضمير الرابط بين اسم إِنَّ وخبرها إليهم- على القول المشهور- وارتكاب إرجاعه إلى المجموع من حيث هو مجموع قصدا إلى إدراج الفريق المذكور فيهم ضرورة أن من كان من أهل الكتاب عاملا بمقتضى شرعه قبل نسخه من مجموع أولئك الطوائف بحكم اشتماله على اليهود والنصارى وإن لم يكن من الصَّابِئِينَ مما يجب تنزيه ساحة التنزيل عنه؟! على أن فيه بعد ما لا يخفى فتدبر. ومَنْ مبتدأ، وجوزوا فيها أن تكون موصولة والخبر جملة قوله تعالى: فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ودخلت- الفاء- لتضمن المبتدأ معنى الشرط كما في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا [البروج: ١٠] الآية، وأن تكون شرطية- وفي خبرها خلاف- هل الشرط، أو الجزاء، أو هما؟ وجملة مَنْ آمَنَ إلخ خبر إِنَّ فإن كانت مَنْ موصولة- وهو الشائع هنا- احتيج إلى تقدير- منهم- عائدا، وإن كانت شرطية لم يحتج إلى تقديره- إذ العموم يغني عنه- كأنه قيل: هؤلاء وغيرهم إذا آمنوا فَلَهُمْ إلخ على ما قالوا في قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا [الكهف: ٣٠] وجوز بعضهم أن تكون مَنْ

стр. 279

بدلا من اسم إِنَّ وخبرها فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ واختار أبو حيان أنها بدل من المعاطيف التي بعد اسم إِنَّ فيصح إذ ذاك المعنى، وكأنه قيل: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا من غير الأصناف الثلاثة، ومن آمن من الأصناف الثلاثة فَلَهُمْ إلخ. وقد حملت الضمائر الثلاثة باعتبار معنى الموصول، كما أن إفراد ما في الصلة باعتبار لفظه، وفي البحر إن هذين الحملين لا يتمان إلا بإعراب مَنْ مبتدأ، وأما على إعرابها بدلا فليس فيها إلا حمل على اللفظ فقط فافهم. ثم المراد من- الأجر- الثواب الذي وعدوه على الإيمان والعمل الصالح، فإضافته إليهم واختصاصه بهم بمجرد الوعد لا بالاستيجاب- كما زعمه الزمخشري رعاية للاعتزال- لكن تسميته- أجرا- لعدم التخلف، ويؤيد ذلك قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّهِمْ المشير إلى أنه لا يضيع لأنه عند لطيف حفيظ، وهو متعلق بما تعلق به فَلَهُمْ، ويحتمل أن يكون حالا من أَجْرُهُمْ. وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ عطف على جملة فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ وقد تقدم الكلام على مثلها في آخر قصة آدم ﵇ فأغنى عن الإعادة هنا وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ تذكير بنعمة أخرى، لأنه سبحانه إنما فعل ذلك لمصلحتهم، والظاهر من الميثاق هنا العهد، ولم يقل: مواثيقكم، لأن ما أخذ على كل واحد منهم أخذ على غيره- فكان ميثاقا واحدا- ولعله كان بالانقياد لموسى ﵇، واختلف في أنه متى كان؟ فقيل: قبل رفع الطور، ثم لما نقضوه رفع فوقهم لظاهر قوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثاقِهِمْ [النساء: ١٥٤] إلخ، وقيل: كان معه وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ- الواو- للعطف، وقيل: للحال، والطُّورَ قيل: جبل من الجبال، وهو سرياني معرب، وقيل: الجبل المعين. وعن أبي حاتم عن ابن عباس أن موسى ﵇ لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها فأمر جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى قبلوا، وكان على قدر عسكرهم- فرسخا في فرسخ- ورفع فوقهم قدر قامة الرجل، واستشكل بأن هذا يجري مجرى الإلجاء إلى الإيمان فينافي التكليف، وأجاب الإمام بأنه لا إلجاء لأن الأكثر فيه خوف السقوط عليهم، فإذا استمر في مكانه مدة- وقد شاهدوا السماوات مرفوعة بلا عماد- جاز أن يزول عنهم الخوف فيزول الإلجاء ويبقى التكليف، وقال العلامة: كأنه حصل لهم بعد هذا الإلجاء قبول اختياري، أو كان يكفي في الأمم السالفة مثل هذا الإيمان- وفيه كما قال الساليكوتي- إن الكلام في أنه كيف يصح التكليف ب خُذُوا إلخ مع القسر، وقد تقرر أن مبناه على الاختيار- فالحق أنه إكراه- لأنه حمل الغير على أن يفعل ما لا يرضاه ولا يختاره- لو خلي ونفسه- فيكون معدما للرضا لا للاختيار إذ الفعل يصدر باختياره كما فصل في الأصول، وهذا كالمحاربة مع الكفار، وأما قوله: لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] وقوله سبحانه: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ [يونس: ٩٩] فقد كان قبل الأمر بالقتال ثم نسخ به خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ هو على إضمار القول أي قلنا أو قائلين خُذُوا وقال بعض الكوفيين. لا يحتاج إلى إضماره لأن أخذ الميثاق قول، والمعنى وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ بأن تأخذوا ما آتيناكم.- وليس بشيء- والمراد هنا- بالقوة- الجد والاجتهاد- كما قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ويؤول إلى عدم التكاسل والتغافل، فحينئذ لا تصلح الآية دليلا لمن ادعى أن الاستطاعة قبل الفعل إذ لا يقال: خذ هذا بقوة، إلا والقوة حاصلة فيه لأن القوة بهذا المعنى لا تنكر صحة تقدمها على الفعل وَاذْكُرُوا ما فِيهِ أي ادرسوه واحفظوه ولا تنسوه، أو تدبروا معناه، أو اعملوا بما فيه من الأحكام، فالذكر يحتمل أن يراد به الذكر اللساني والقلبي والأعم منهما وما يكون كاللازم لهما، والمقصود منهما أعني العمل لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ قد تقدم الكلام على الترجي في كلامه تعالى، وقد ذكر هاهنا أن كلمة- لعل- متعلقة- بخذوا، واذكروا- إما مجاز يؤول معناه بعد الاستعارة إلى تعليل ذي الغاية بغايته أو حقيقة لرجاء المخاطب، والمعنى خُذُوا واذكروا راجين أن

стр. 280

تكونوا متقين ويرجح المعنى المجازي أنه لا معنى لرجائهم فيما يشق عليهم أعني التقوى، اللهم إلا باعتبار تكلف أنهم سمعوا مناقب المتقين ودرجاتهم فلذا كانوا راجين للانخراط في سلكهم، وجوز المعتزلة كونها متعلقة- بقلنا- المقدر وأولوا الترجي بالإرادة أي (قلنا) واذكروا- إرادة أن تتقوا، وهو مبني على أصلهم الفاسد من أن إرادة الله تعالى لأفعال العباد غير موجبة للصدور لكونها عبارة عن العلم بالمصلحة، وجوز العلامة تعلقها إذا أول الترجي بالإرادة- بخذوا- أيضا على أن يكون قيدا للطلب لا للمطلوب، وجوز الشهاب أن يتعلق بالقول على تأويله بالطلب والتخلف فيه جائز، وفيه أن القول المذكور وهو خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بعينه طلب التقوى فلا يصح أن يقال- خذوا ما آتيناكم- طالبا منكم التقوى إلا بنوع تكلف فافهم ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي أعرضتم عن الوفاء بالميثاق بعد أخذه وخالفتم، وأصل التولي الإعراض المحسوس ثم استعمل في الإعراض المعنوي كعدم القبول، ويفهم من الآية أنهم امتثلوا الأمر ثم تركوه. فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ الفضل التوفيق للتوبة والرحمة قبولها، أو الفضل والرحمة بعثة رسول الله ﷺ وإدراكهم لمدته، فالخطاب على الأول جار على سنن الخطابات السابقة مجازا باعتبار الإسلاف وعلى الثاني جار على الحقيقة، والخسران ذهاب رأس المال أو نقصه، والمراد لكنتم مغبونين هالكين بالانهماك في المعاصي، أو بالخبط في مهاوي الضلال عند الفترة، وكلمة- لولا- إما بسيطة أو مركبة من لو الامتناعية وتقدم الكلام عليها، وحرف النفي- والاسم الواقع بعدها عند سيبويه- مبتدأ خبره محذوف وجوبا لدلالة الحال عليه وسد الجواب مسده، والتقدير- ولولا فضل الله ورحمته- حاصلان، ولا يجوز أن يكون الجواب خبرا لكونه في الأغلب خاليا عن العائد إلى المبتدأ، وعند الكوفيين فاعل فعل محذوف أي لولا ثبت فضل الله تعالى إلخ، ولَكُنْتُمْ جواب- لولا- ويكثر دخول اللام على الجواب إذا كان موجبا، وقيل: إنه لازم إلا في الضرورة كقوله: لولا الحياء ولولا الدين (عبتكما) ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري وجاء في كلامهم بعد اللام قد، كقوله: لولا الأمير ولولا خوف طاعته ... (لقد) شربت وما أحلى من العسل وقد جاء أيضا حذف اللام وإبقاء قد نحو- لولا زيد قد أكرمتك- ولم يجىء في القرآن مثبتا إلا باللام إلا فيما زعم بعضهم أن قوله تعالى: وَهَمَّ بِها [يوسف: ٢٤] جواب لولا قدم عليها هذا (من باب الإشارة والتأويل في الآية) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ المأخوذ بدلائل العقل بتوحيد الأفعال- والصفات ورفعنا فوقكم طور- الدماغ للتمكن من فهم المعاني وقبولها، أو أشار سبحانه- بالطور- إلى موسى القلب، وبرفعه إلى علوه واستيلائه في جو الإرشاد وقلنا خُذُوا أي اقبلوا ما آتَيْناكُمْ من كتاب العقل الفرقاني بجد، وعوا ما فيه من الحكم والمعارف والعلوم والشرائع لكي تتقوا الشرك والجهل والفسق ثم أعرضتم بإقبالكم إلى الجهة السفلية بعد ذلك فلولا حكمة الله تعالى بإمهاله وحكمه بإفضاله لعاجلتكم العقوبة ولحل بكم عظيم المصيبة إلى الله يدعى بالبراهين من أبى ... فإن لم يجب بادته بيض الصوارم وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ اللام واقعة في جواب قسم مقدر، وعلم- هنا كعرف فلذلك تعدت إلى واحد، وظاهر هذا أنهم علموا أعيان المعتدين، وقدر بعضهم مضافا أي اعتداء الذين، وقيل: أحكامهم، ومِنْكُمْ في موضع الحال، والسَّبْتِ اسم لليوم المعروف وهو مأخوذ من السبت الذي هو القطع لأنه سبت فيه خلق كل شيء وعمله، وقيل: من السبوت وهو الراحة والدعة. والمراد به هنا اليوم، والكلام على حذف

стр. 281

مضاف أي في حكم السبت لأن الاعتداء والتجاوز لم يقع في اليوم بل وقع في حكمه بناء على ما حكي أن موسى ﵇ أراد أن يجعل يوما خالصا للطاعة وهو يوم الجمعة فخالفوه وقالوا: نجعله يوم السبت لأن الله تعالى لم يخلق فيه شيئا فأوحى الله تعالى إليه أن دعهم وما اختاروا ثم امتحنهم فيه فأمرهم بترك العمل وحرم عليهم فيه صيد الحيتان فلما كان زمن داود ﵇ اعتدوا- وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها أيلة. وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حظر هناك وأخرج خرطومه وإذا مضى تفرقت فحفروا حياضا وأشرعوا إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت بالموج فلا تقدر على الخروج لبعد العمق وقلة الماء فيصطادونها يوم الأحد، وروي أنهم فعلوا ذلك زمانا فلم ينزل عليهم عقوبة فاستبشروا وقالوا: قد أحل لنا العمل في السبت فاصطادوا فيه علانية وباعوا في الأسواق، وعلى هذا يصح جعل اليوم ظرفا للاعتداء، ولا يحتاج إلى تقدير مضاف، وقيل: المراد بالسبت هنا مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت وليس بمعنى اليوم فحينئذ لا حاجة إلى تقدير مضاف إذ يؤول المعنى إلى أنهم اعتدوا في التعظيم وهتكوا الحرمة الواجبة عليهم. وقد ذكر بعضهم أن تسمية العرب للأيام بهذه الأسماء المشهورة حدثت بعد عيسى ﵇ وأن أسماءها قبل غير ذلك وهي التي في قوله: أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار أو التالي دبار فإن أفته ... فمونس أو عروبة أو شبار واستدل بهذه الآية على تحريم الحيل في الأمور التي لم تشرع كالربا- وإلى ذلك ذهب الإمام مالك- فلا تجوز عنده بحال قال الكواشي: وجوزها أكثرهم ما لم يكن فيها إبطال حق أو إحقاق باطل، وأجابوا عن التمسك بالآية فإنها ليست حيلة وإنما هي عين المنهي عنه لأنهم إنما نهوا عن أخذها ولا يخفى ما في هذا الجواب، وتحقيقه في كتب الفقه فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ القردة جمع قرد وهو معروف ويجمع فعل الاسم قياسا على فعول، وقليلا على فعلة، والخسو- الصغار والذلة ويكون متعديا ولازما. ومنه قولهم للكلب: اخسأ وقيل: الخسوء والخساء مصدر خسأ الكلب بعد، وبعضهم ذكر الطرد عند تفسير الخسوء كالإبعاد، فقيل: هو لاستيفاء معناه لا لبيان المراد، وإلا لكان الخاسئ بمعنى الطارد، والتحقيق أنه معتبر في المفهوم إلا أنه بالمعنى المبني للمفعول، وكذلك الإبعاد فالخاسئ الصاغر المبعد المطرود، وظاهر القرآن أنهم مسخوا قردة على الحقيقة، وعلى ذلك جمهور المفسرين- وهو الصحيح- وذكر غير واحد منهم أنهم بعد أن مسخوا لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتناسلوا ولم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام، وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام وماتوا في اليوم الثامن، واختار أبو بكر بن العربي أنهم عاشوا- وأن القردة الموجودين اليوم من نسلهم- ويرده ما رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لمن سأله عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ؟ «إن الله تعالى لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك» وروى ابن جرير عن مجاهد «أنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فلا تقبل وعظا ولا تعي زجرا» فيكون المقصود من الآية تشبيههم بالقردة كقوله: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن (حجرا) من يابس الصخر جلمدا وكُونُوا «على الأول» ليس بأمر حقيقة، لأن صيرورتهم إلى ما ذكر ليس فيه تكسب لهم لأنهم ليسوا قادرين على قلب أعيانهم، بل المراد منه سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد من غير امتناع ولا لبث. «وعلى الثاني» يكون الأمر مجازا عن التخلية والترك والخذلان- كما في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «اصنع ما شئت» وقد قرره العلامة في تفسير قوله تعالى: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا [العنكبوت: ٦٦]

стр. 282

والمنصوبان خبران للفعل الناقص، ويجوز أن يكون خاسِئِينَ حالا من الاسم، ويجوز أن يكون صفة ل قِرَدَةً والمراد وصفهم بالصغار عند الله تعالى دفعا لتوهم أن يجعل مسخهم وتعجيل عذابهم في الدنيا لدفع ذنوبهم ورفع درجاتهم. واعترض أنه لو كان صفة لها لوجب أن يقول: خاسئة لامتناع الجمع- بالواو- والنون في غير ذوي العلم، وأجيب بأن ذلك على تشبيههم بالعقلاء كما في السَّاجِدِينَ أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء، أو بأن المسخ إنما كان بتبدل الصورة فقط، وحقيقتهم سالمة على ما روي أن الواحد منهم كان يأتيه الشخص من أقاربه الذين نهوهم، فيقول له: ألم أنهك؟ فيقول: بلى ثم تسيل دموعه على خده- ولم يتعرض في الآية بمسخ شيء منهم خنازير- وروي عن قتادة أن الشباب صاروا قِرَدَةً والشيوخ صاروا- خنازير- وما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم، وقرىء قِرَدَةً بفتح القاف وكسر الراء وخاسِئِينَ بغير همز فَجَعَلْناها نَكالًا أي كينونتهم وصيرورتهم قِرَدَةً أو المسخة، أو العقوبة، أو الآية المدلول عليها بقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ وقيل: الضمير للقرية، وقيل: للحيتان- والنكال- واحد- الأنكال- وهي القيود- ونكل به- فعل به ما يعتبر به غيره، فيمتنع عن مثله لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي لمعاصريهم ومن خلفهم- وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره- وروي عنه أيضا لِما بحضرتها من القرى- أي أهلها وما تباعد عنها- أو للآتين والماضين- وهو المختار عند جماعة- فكل من ظرفي المكان مستعار للزمان، و (ما) أقيمت مقام- من- إما تحقيرا لهم في مقام العظمة والكبرياء- أو لاعتبار الوصف- فإن ما يعبر بها عن العقلاء تعظيما- إذا أريد الوصف- كقوله: «سبحان ما سخر كن» وصحح كونها نَكالًا للماضين أنها ذكرت في زبر الأولين- فاعتبروا بها- وصحت- الفاء- لأن جعل ذلك نَكالًا للفريقين إنما يتحقق بعد القول والمسخ، أو لأن- الفاء- إنما تدل على ترتب جعل العقوبة نَكالًا على القول وتسببه عنه- سواء كان على نفسه أو على الإخبار به- فلا ينافي حصول الاعتبار قبل وقوع هذه الواقعة بسبب سماع هذه القصة، وقيل:- اللام- لام الأجل و (ما) على حقيقتها- والنكال- بمعنى العقوبة لا- العبرة- والمراد بما بَيْنَ يَدَيْها ما تقدم من سائر الذنوب قبل أخذ السمك، وب ما خَلْفَها ما بعدها، والقول بأن المراد جعلنا المسخ عقوبة لأجل ذنوبهم المتقدمة على المسخة والمتأخرة عنها يستدعي بقاءهم مكلفين بعد المسخ ولا يظهر ذلك إلا على قول مجاهد، وحمل الذنوب التي بعد المسخة- على السيئات الباقية آثارها- ليس بشيء كما لا يخفى، وقول أبي العالية- إن المراد ب لِما بَيْنَ يَدَيْها ما مضى من الذنوب، وب ما خَلْفَها من يأتي بعد، والمعنى فجعلناها عقوبة لما مضى من ذنوبهم، وعبرة لمن بعدهم- منحط من القول جدا لمزيد ما فيه من تفكيك النظم والتكلف وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الموعظة ما يذكر مما يلين القلب- ثوابا كان أو عقابا- والمراد بالمتقين ما يعم كل متق من كل أمة- وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- وقيل: من أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: منهم، ويحتمل أنهم اتعظوا بذلك وخافوا عن ارتكاب خلاف ما أمروا به، ويحتمل أنهم وعظ بعضهم بعضا بهذه الواقعة، وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن الله خلق الناس لعبادته وجعلهم بحيث لو أهملوا وتركوا وخلوا بينهم وبين طباعهم لتوغلوا وانهمكوا في اللذات الجسمانية والغواشي الظلمانية لضروراتهم لها واعتيادهم من الطفولية عليها والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم فوضع الله تعالى العبادات، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة ليزول عنهم بها درن الطباع المتراكم في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة في أزمنة ارتكاب الشهوات، وجعل يوما من أيام الأسبوع مخصوصا للاجتماع

стр. 283

على العبادة وإزالة وحشة التفرقة ودفع ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية، فوضع السَّبْتِ لليهود لأن عالم الحس الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم والسَّبْتِ آخر الأسبوع، والأحد للنصارى لأن عالم العقل الذي إليه دعوتهم أول العوالم، ويوم الأحد أول الأسبوع، والجمعة للمسلمين لأنه يوم الجمع،- والختم- فهو أوفق بهم وأليق بحالهم- فمن لم يراع هذه الأوضاع والمراقبات أصلا- زال نور استعداده، وطفىء مصباح فؤاده، ومسخ كما مسخ أصحاب السبت، ومن غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات ورسخ فيه بحيث أزال استعداده، وتمكن في طباعه، وصار صورة ذاتية له كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا أطلق عليه اسم ذلك الحيوان حتى كأن صار طباعه طباعه، ونفسه نفسه، فليجهد المرء على حفظ إنسانيته، وتدبير صحته بشراب الأدوية الشرعية والمعاجين الحكمية، وليحث نفسه بالمواعظ الوعدية والوعيدية هي النفس إن تهمل تلازم خساسة ... وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً بيان نوع من مساوئهم من غير تعديد النعم وصح العطف لأن ذكر النعم سابقا كان مشتملا على ذكر المساويء أيضا من المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك، وقد يقال: هو على نمط ما تقدم، لأن الذبح نعمة دنيوية لرفعة التشاجر بين الفريقين، وأخروية لكونه معجزة لموسى ﵇. وكأن مولانا الإمام الرازي خفي عليه ذلك فقال: إنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات، وجعل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية- وليس بالبعيد. «وأول القصة» قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها [البقرة: ٧٢] إلخ، وكان الظاهر أن يقال- قال موسى إذ قتل قتيل تنوزع في قاتله- إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا، وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت إلا أنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساوئهم التي قصد نعيها عليهم، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال، وترك المصارعة إلى الامتثال، ولو أجرى على النظم لكانت قصة واحدة، ولذهبت تثنية التقريع، وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص، وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتا وفوائد، وقيل: إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى ﵇ على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله تعالى- بذبح البقرة- ثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها- لكن المشهور خلافه- والقصة أنه عمد اخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما- أخي أبيهما- فقتلاه ليرثا ماله وطرحاه على باب محلهم ثم جاءا يطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذبح بقرة وضربه ببعضها ليحيا، ويخبر بقاتله، وقيل: كان القاتل أخا القتيل، وقيل: ابن أخيه ولا وارث له غيره فلما طال عليه عمره قتله ليرثه، وقيل: إنه كان- تحت رجل يقال له عاميل- بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال فقتله ذو قرابة له لينكحها فكان ما كان، وقرأ الجمهور- يأمركم- بضم الراء، وعن أبي عمرو، السكون، والاختلاس- وإبدال الهمزة ألفا، و (أن) تذبحوا في موضع المفعول الثاني ليأمر، وهو على إسقاط حرف الجر- أي بأن تذبحوا قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل: فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أم لا؟ فأجيب بذلك، والاتخاذ كالتصيير، والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وهُزُواً مفعوله الثاني ولكونه مصدرا لا يصلح أن يكون مفعولا ثانيا لأنه خبر المبتدأ في الحقيقة وهو اسم ذات هنا فيقدر مضاف- كمكان، أو أهل- أو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [المائدة: ٩٦] أي مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل، وقد قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى ﵇ بذبح بقرة دون ذكر الاحياء بضربها، وإما

стр. 284

بعد أن أمرهم وذكر لهم استبعادا لما قاله واستخفافا به كما يدل عليه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق، وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به، ولا يأبى ذلك انقيادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة، ومن هنا قال بعضهم: إن إجابتهم نبيهم- حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك دليل على سوء اعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له إذ لو علموا أن ذلك إخبار صحيح عن الله تعالى لما استفهموا هذا الاستفهام، ولا كانوا أجابوا هذا الجواب، فهم قد كفروا بموسى ﵇. ومن الناس من قال: كانوا مؤمنين مصدقين ولكن جرى هذا على نحو ما هم عليه من غلظ الطبع والجفاء والمعصية، والعذر لهم أنهم لما طلبوا من موسى ﵇ تعيين القاتل فقال ما قال ورأوا ما بين السؤال والجواب توهموا أنه ﵇ داعبهم، أو ظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء، فأجابوا بما أجابوا، وقيل: استفهموا على سبيل الاسترشاد- لا على وجه الإنكار والعناد- وقرأ عاصم وابن محيصن «يتخذنا» - بالياء- على أن الضمير لله تعالى. وقرأ حمزة وإسماعيل عن نافع «هزأ» بالإسكان، وحفص عن عاصم- بالضم وقلب الهمزة واوا، والباقون- بالضم والهمزة- والكل لغات فيه. قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي من أن أعد في عدادهم، والجهل- كما قال الراغب- له معان، عدم العلم، واعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه، وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل- سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا- وهذا الأخير هو المراد هنا، وقد نفاه ﵇ عن نفسه قصدا إلى نفي ملزومه الذي رمى به- وهو الاستهزاء على طريق الكناية- وأخرج ذلك في صورة الاستعارة استفظاعا له، إذ- الهزء- في مقام الإرشاد كاد يكون كفرا وما يجري مجراه، ووقوعه في مقام الاحتقار والتهكم مثل فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١- التوبة: ٣٤- الانشقاق: ٢٤] سائغ شائع- وفرق بين المقامين- وذكر بعضهم أن الاستعاذة بالله تعالى من ذلك من باب الأدب والتواضع معه سبحانه كما في قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [المؤمنون: ٩٧] لأن الأنبياء معصومون عن مثل ذلك، والأول أولى- وهو المعروف من إيراد الاستعاذة في أثناء الكلام- والفرق بين- الهزء والمزح- ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحيانا كما لا يخفى. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أي سل لأجلنا رَبُّكَ الذي عوّدك ما عوّدك- يظهر لَنا ما حالها وصفتها، فالسؤال في الحقيقة عن الصفة، لأن الماهية ومسمى الاسم معلومان- ولا ثالث لهما- لتستعمل ما فيه، أما إذا أريد بقرة معينة فظاهر لأنه استفسار لبيان المجمل- وإلا فلمكان التعجب- وتوهم أن مثل هذه البقرة لا تكون إلا معينة، والجواب «على الأول» بيان «وعلى الثاني» نسخ وتشديد، وهكذا الحال فيما سيأتي من السؤال والجواب. وكان مقتضى الظاهر «على الأول» أي لأنها للسؤال عن المميز وصفا كان أو ذاتيا. «وعلى الثاني» كيف؟ لأنها موضوعة للسؤال عن الحال، وما وإن سئل بها عن الوصف لكنه على سبيل الندور، وهو إما مجاز أو اشتراك- كما صرح به في المفتاح- والغالب السؤال بها عن الجنس، فإن أجريت هنا على الاستعمال الغالب نزل مجهول الصفة لكونه على صفة لم يوجد عليها جنسه- وهو إحياء الميت بضرب بعضه- منزلة مجهول الحقيقة فيكون سؤالا عن الجنس تنزيلا، وعن الصفة حقيقة. وإن أجريت على النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور، والقول إنه يمكن أن يجعل ما هِيَ على حذف مضاف- أي ما حالها؟ - فيكون سؤالا عن نوع حال تفرع عليه هذه الخاصية- على بعده- خال عن اللطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز. وما استفهامية خبر مقدم ل هِيَ والجملة في موضع نصب ب يُبَيِّنْ لأنه معلق عنها، وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب، والمعنى يُبَيِّنْ لَنا جواب هذا السؤال قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ الفارض اسم للمسنة التي انقطعت ولادتها من الكبر، والفعل- فرضت- بفتح الراء

стр. 285

وضمها- ويقال لكل ما قدم وطال أمره فارِضٌ ومنه قوله: يا رب ذي ضغن على (فارض) ... له قروء كقروء الحائض وكأن المسنة سميت- فارضا- لأنها- فرضت- سنها أي قطعتها وبلغت آخرها، والبكر- اسم للصغيرة، وزاد بعضهم- التي لم تلد من الصغر- وقال ابن قتيبة: هي التي ولدت ولدا واحدا، والبكر من النساء التي لم يمسها الرجال، وقيل: (١) هي التي لم تحمل، والبكر من الأولاد الأول، ومن الحاجات الأولى- والبكر- بفتح الباء- الفتي من الإبل، والأنثى- بكرة- وأصله من التقدم في الزمان، ومنه- البكرة والباكورة- والاسمان صفة (بقرة) ولم يؤت- بالتاء- لأنهما اسمان لما ذكر، واعترضت لا بين الصفة والموصوف وكررت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال إلا في الضرورة خلافا للمبرد وابن كيسان كقوله: قهرت العدا (لا مستعينا) بعصبة ... ولكن بأنواع الخدائع والمكر ومن جعل ذلك من الوصف بالجمل فقدر مبتدأ أي لا هي (فارض ولا بكر) فقد أبعد، إذ الأصل الوصف بالمفرد، والأصل أيضا أن لا حذف، وذكر يَقُولُ للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى لا من عند نفسه. عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ أي متوسطة السن، وقيل: هي التي ولدت بطنا أو بطنين، وقيل: مرة بعد مرة ويجمع على فعل كقوله: طوال مثل أعناق الهوادي ... نواعم بين أبكار (وعون) ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر، وفائدة هذا بعد لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ نفى أن تكون عجلا أو جنينا، وأراد من ذلك ما ذكر من الوصفين السابقين وبهذا صح الإفراد وإضافة بَيْنَ إليه فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد وكون الكلام مما حذف منه المعطوف لدلالة المعنى عليه والتقدير عوان بين ذلك وهذا أي- الفارض والبكر- فيكون نظير قوله: فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر (إلا ليال) قلائل حيث أراد بين الخير وباعثه تكلف مستغنى عنه بما ذكر (٢) . واختار السجاوندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله تقول: سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك، فالمشار إليه عوان وارتضاه بعض المحققين مدعيا أنه أولى لئلا يفوت معنى بين ذلك لأن أهل اللغة قالوا: بقرة عوان لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ وعلى الشائع ربما يحتاج الأمر إلى تجريدكما لا يخفى، ثم إن عود الضمائر المذكورة في السؤال والجواب وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة لأن الأول يدل على أن الكلام في البقرة المأمور بذبحها، والثاني يفيد أن المقصد تعيينها وإزالة إبهامها بتلك الصفات كما هو شأن الصفة لا أنها تكاليف متغايرة بخلاف ما إذا ذكر تلك الصفات بدون الإجراء، وقيل: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ فإنه يحتمل أن يكون المقصود منه تبديل الحكم السابق، والقول:- بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة باعتقادهم فعينت تشديدا عليهم وإن لم يكن المراد منها أول الأمر معينة- ليس بشيء لأنه حينئذ لم تكن الضمائر عائدة إلى ما أمروا بذبحها بل ما اعتقدوها، والظاهر خلافه واللازم على هذا تأخير البيان عن
следующие страницы →