مضاف أي في حكم السبت لأن الاعتداء والتجاوز لم يقع في اليوم بل وقع في حكمه بناء على ما
حكي أن موسى ﵇ أراد أن يجعل يوما خالصا للطاعة وهو يوم الجمعة فخالفوه وقالوا: نجعله يوم السبت لأن الله تعالى لم يخلق فيه شيئا فأوحى الله تعالى إليه أن دعهم وما اختاروا ثم امتحنهم فيه فأمرهم بترك العمل وحرم عليهم فيه صيد الحيتان فلما كان زمن داود ﵇ اعتدوا- وذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها أيلة. وإذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حظر هناك وأخرج خرطومه وإذا مضى تفرقت فحفروا حياضا وأشرعوا إليها الجداول وكانت الحيتان تدخلها يوم السبت بالموج فلا تقدر على الخروج لبعد العمق وقلة الماء فيصطادونها يوم الأحد، وروي أنهم فعلوا ذلك زمانا فلم ينزل عليهم عقوبة فاستبشروا وقالوا: قد أحل لنا العمل في السبت فاصطادوا فيه علانية وباعوا في الأسواق،
وعلى هذا يصح جعل اليوم ظرفا للاعتداء، ولا يحتاج إلى تقدير مضاف، وقيل: المراد بالسبت هنا مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت وليس بمعنى اليوم فحينئذ لا حاجة إلى تقدير مضاف إذ يؤول المعنى إلى أنهم اعتدوا في التعظيم وهتكوا الحرمة الواجبة عليهم. وقد ذكر بعضهم أن تسمية العرب للأيام بهذه الأسماء المشهورة حدثت بعد عيسى ﵇ وأن أسماءها قبل غير ذلك وهي التي في قوله:
أؤمل أن أعيش وأن يومي ... بأول أو بأهون أو جبار
أو التالي دبار فإن أفته ... فمونس أو عروبة أو شبار
واستدل بهذه الآية على تحريم الحيل في الأمور التي لم تشرع كالربا- وإلى ذلك ذهب الإمام مالك- فلا تجوز عنده بحال قال الكواشي: وجوزها أكثرهم ما لم يكن فيها إبطال حق أو إحقاق باطل، وأجابوا عن التمسك بالآية فإنها ليست حيلة وإنما هي عين المنهي عنه لأنهم إنما نهوا عن أخذها ولا يخفى ما في هذا الجواب، وتحقيقه في كتب الفقه فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ القردة جمع قرد وهو معروف ويجمع فعل الاسم قياسا على فعول، وقليلا على فعلة، والخسو- الصغار والذلة ويكون متعديا ولازما. ومنه قولهم للكلب: اخسأ وقيل: الخسوء والخساء مصدر خسأ الكلب بعد، وبعضهم ذكر الطرد عند تفسير الخسوء كالإبعاد، فقيل: هو لاستيفاء معناه لا لبيان المراد، وإلا لكان الخاسئ بمعنى الطارد، والتحقيق أنه معتبر في المفهوم إلا أنه بالمعنى المبني للمفعول، وكذلك الإبعاد فالخاسئ الصاغر المبعد المطرود، وظاهر القرآن أنهم مسخوا قردة على الحقيقة، وعلى ذلك جمهور المفسرين- وهو الصحيح- وذكر غير واحد منهم أنهم بعد أن مسخوا لم يأكلوا ولم يشربوا ولم يتناسلوا ولم يعيشوا أكثر من ثلاثة أيام، وزعم مقاتل أنهم عاشوا سبعة أيام وماتوا في اليوم الثامن، واختار أبو بكر بن العربي أنهم عاشوا- وأن القردة الموجودين اليوم من نسلهم- ويرده ما
رواه مسلم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لمن سأله عن القردة والخنازير: أهي مما مسخ؟ «إن الله تعالى لم يهلك قوما أو يعذب قوما فيجعل لهم نسلا وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك»
وروى ابن جرير عن مجاهد «أنه ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فلا تقبل وعظا ولا تعي زجرا» فيكون المقصود من الآية تشبيههم بالقردة كقوله:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن (حجرا) من يابس الصخر جلمدا
وكُونُوا «على الأول» ليس بأمر حقيقة، لأن صيرورتهم إلى ما ذكر ليس فيه تكسب لهم لأنهم ليسوا قادرين على قلب أعيانهم، بل المراد منه سرعة التكوين وأنهم صاروا كذلك كما أراد من غير امتناع ولا لبث.
«وعلى الثاني» يكون الأمر مجازا عن التخلية والترك والخذلان- كما في
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «اصنع ما شئت»
وقد قرره العلامة في تفسير قوله تعالى: لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا [العنكبوت: ٦٦]
стр. 282
والمنصوبان خبران للفعل الناقص، ويجوز أن يكون خاسِئِينَ حالا من الاسم، ويجوز أن يكون صفة ل قِرَدَةً والمراد وصفهم بالصغار عند الله تعالى دفعا لتوهم أن يجعل مسخهم وتعجيل عذابهم في الدنيا لدفع ذنوبهم ورفع درجاتهم.
واعترض أنه لو كان صفة لها لوجب أن يقول: خاسئة لامتناع الجمع- بالواو- والنون في غير ذوي العلم، وأجيب بأن ذلك على تشبيههم بالعقلاء كما في السَّاجِدِينَ أو باعتبار أنهم كانوا عقلاء، أو بأن المسخ إنما كان بتبدل الصورة فقط، وحقيقتهم سالمة على ما روي أن الواحد منهم كان يأتيه الشخص من أقاربه الذين نهوهم، فيقول له: ألم أنهك؟ فيقول: بلى ثم تسيل دموعه على خده- ولم يتعرض في الآية بمسخ شيء منهم خنازير- وروي عن قتادة أن الشباب صاروا قِرَدَةً والشيوخ صاروا- خنازير- وما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم، وقرىء قِرَدَةً بفتح القاف وكسر الراء وخاسِئِينَ بغير همز فَجَعَلْناها نَكالًا أي كينونتهم وصيرورتهم قِرَدَةً أو المسخة، أو العقوبة، أو الآية المدلول عليها بقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ وقيل: الضمير للقرية، وقيل: للحيتان- والنكال- واحد- الأنكال- وهي القيود- ونكل به- فعل به ما يعتبر به غيره، فيمتنع عن مثله لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي لمعاصريهم ومن خلفهم- وهو المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وغيره- وروي عنه أيضا لِما بحضرتها من القرى- أي أهلها وما تباعد عنها- أو للآتين والماضين- وهو المختار عند جماعة- فكل من ظرفي المكان مستعار للزمان، و (ما) أقيمت مقام- من- إما تحقيرا لهم في مقام العظمة والكبرياء- أو لاعتبار الوصف- فإن ما يعبر بها عن العقلاء تعظيما- إذا أريد الوصف- كقوله: «سبحان ما سخر كن» وصحح كونها نَكالًا للماضين أنها ذكرت في زبر الأولين- فاعتبروا بها- وصحت- الفاء- لأن جعل ذلك نَكالًا للفريقين إنما يتحقق بعد القول والمسخ، أو لأن- الفاء- إنما تدل على ترتب جعل العقوبة نَكالًا على القول وتسببه عنه- سواء كان على نفسه أو على الإخبار به- فلا ينافي حصول الاعتبار قبل وقوع هذه الواقعة بسبب سماع هذه القصة، وقيل:- اللام- لام الأجل و (ما) على حقيقتها- والنكال- بمعنى العقوبة لا- العبرة- والمراد بما بَيْنَ يَدَيْها ما تقدم من سائر الذنوب قبل أخذ السمك، وب ما خَلْفَها ما بعدها، والقول بأن المراد جعلنا المسخ عقوبة لأجل ذنوبهم المتقدمة على المسخة والمتأخرة عنها يستدعي بقاءهم مكلفين بعد المسخ ولا يظهر ذلك إلا على قول مجاهد، وحمل الذنوب التي بعد المسخة- على السيئات الباقية آثارها- ليس بشيء كما لا يخفى، وقول أبي العالية- إن المراد ب لِما بَيْنَ يَدَيْها ما مضى من الذنوب، وب ما خَلْفَها من يأتي بعد، والمعنى فجعلناها عقوبة لما مضى من ذنوبهم، وعبرة لمن بعدهم- منحط من القول جدا لمزيد ما فيه من تفكيك النظم والتكلف وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ الموعظة ما يذكر مما يلين القلب- ثوابا كان أو عقابا- والمراد بالمتقين ما يعم كل متق من كل أمة- وإليه ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- وقيل: من أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: منهم، ويحتمل أنهم اتعظوا بذلك وخافوا عن ارتكاب خلاف ما أمروا به، ويحتمل أنهم وعظ بعضهم بعضا بهذه الواقعة، وحظ العارف من هذه القصة أن يعرف أن الله خلق الناس لعبادته وجعلهم بحيث لو أهملوا وتركوا وخلوا بينهم وبين طباعهم لتوغلوا وانهمكوا في اللذات الجسمانية والغواشي الظلمانية لضروراتهم لها واعتيادهم من الطفولية عليها
والنفس كالطفل إن تهمله شب على ... حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم
فوضع الله تعالى العبادات، وفرض عليهم تكرارها في الأوقات المعينة ليزول عنهم بها درن الطباع المتراكم في أوقات الغفلات وظلمة الشواغل العارضة في أزمنة ارتكاب الشهوات، وجعل يوما من أيام الأسبوع مخصوصا للاجتماع
стр. 283
على العبادة وإزالة وحشة التفرقة ودفع ظلمة الاشتغال بالأمور الدنيوية، فوضع السَّبْتِ لليهود لأن عالم الحس الذي إليه دعوة اليهود هو آخر العوالم والسَّبْتِ آخر الأسبوع، والأحد للنصارى لأن عالم العقل الذي إليه دعوتهم أول العوالم، ويوم الأحد أول الأسبوع، والجمعة للمسلمين لأنه يوم الجمع،- والختم- فهو أوفق بهم وأليق بحالهم- فمن لم يراع هذه الأوضاع والمراقبات أصلا- زال نور استعداده، وطفىء مصباح فؤاده، ومسخ كما مسخ أصحاب السبت، ومن غلب عليه وصف من أوصاف الحيوانات ورسخ فيه بحيث أزال استعداده، وتمكن في طباعه، وصار صورة ذاتية له كالماء الذي منبعه معدن الكبريت مثلا أطلق عليه اسم ذلك الحيوان حتى
كأن صار طباعه طباعه، ونفسه نفسه، فليجهد المرء على حفظ إنسانيته، وتدبير صحته بشراب الأدوية الشرعية والمعاجين الحكمية، وليحث نفسه بالمواعظ الوعدية والوعيدية
هي النفس إن تهمل تلازم خساسة ... وإن تنبعث نحو الفضائل تلهج
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً بيان نوع من مساوئهم من غير تعديد النعم وصح العطف لأن ذكر النعم سابقا كان مشتملا على ذكر المساويء أيضا من المخالفة للأنبياء والتكذيب لهم وغير ذلك، وقد يقال: هو على نمط ما تقدم، لأن الذبح نعمة دنيوية لرفعة التشاجر بين الفريقين، وأخروية لكونه معجزة لموسى ﵇. وكأن مولانا الإمام الرازي خفي عليه ذلك فقال: إنه تعالى لما عدد وجوه إنعامه عليهم أولا ختم ذلك بشرح بعض ما وجه إليهم من التشديدات، وجعل النوع الثاني ما أشارت إليه هذه الآية- وليس بالبعيد.
«وأول القصة» قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها [البقرة: ٧٢] إلخ، وكان الظاهر أن يقال- قال موسى إذ قتل قتيل تنوزع في قاتله- إن الله يأمر بذبح بقرة هي كذا وكذا، وأن يضرب ببعضها ذلك القتيل ويخبر بقاتله فيكون كيت وكيت إلا أنه فك بعضها وقدم لاستقلاله بنوع من مساوئهم التي قصد نعيها عليهم، وهو الاستهزاء بالأمر والاستقصاء في السؤال، وترك المصارعة إلى الامتثال، ولو أجرى على النظم لكانت قصة واحدة، ولذهبت تثنية التقريع، وقد وقع في النظم من فك التركيب والترتيب ما يضاهيه في بعض القصص، وهو من المقلوب المقبول لتضمنه نكتا وفوائد، وقيل: إنه يجوز أن يكون ترتيب نزولها على موسى ﵇ على حسب تلاوتها بأن يأمرهم الله تعالى- بذبح البقرة- ثم يقع القتل فيؤمروا بضرب بعضها- لكن المشهور خلافه- والقصة أنه عمد اخوان من بني إسرائيل إلى ابن عم لهما- أخي أبيهما- فقتلاه ليرثا ماله وطرحاه على باب محلهم ثم جاءا يطلبان بدمه فأمر الله تعالى بذبح بقرة وضربه ببعضها ليحيا، ويخبر بقاتله، وقيل: كان القاتل أخا القتيل، وقيل: ابن أخيه ولا وارث له غيره فلما طال عليه عمره قتله ليرثه، وقيل: إنه كان- تحت رجل يقال له عاميل- بنت عم لا مثل لها في بني إسرائيل في الحسن والجمال فقتله ذو قرابة له لينكحها فكان ما كان، وقرأ الجمهور- يأمركم- بضم الراء، وعن أبي عمرو، السكون، والاختلاس- وإبدال الهمزة ألفا، و (أن) تذبحوا في موضع المفعول الثاني ليأمر، وهو على إسقاط حرف الجر- أي بأن تذبحوا قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً استئناف وقع جوابا عما ينساق إليه الكلام كأنه قيل: فماذا صنعوا هل سارعوا إلى الامتثال أم لا؟ فأجيب بذلك، والاتخاذ كالتصيير، والجعل يتعدى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وهُزُواً مفعوله الثاني ولكونه مصدرا لا يصلح أن يكون مفعولا ثانيا لأنه خبر المبتدأ في الحقيقة وهو اسم ذات هنا فيقدر مضاف- كمكان، أو أهل- أو يجعل بمعنى المهزوء به كقوله تعالى: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ [المائدة: ٩٦] أي مصيده أو يجعل الذات نفس المعنى مبالغة كرجل عدل، وقد قالوا ذلك إما بعد أن أمرهم موسى ﵇ بذبح بقرة دون ذكر الاحياء بضربها، وإما
стр. 284
بعد أن أمرهم وذكر لهم استبعادا لما قاله واستخفافا به كما يدل عليه الاستفهام إذ المعنى أتسخر بنا فإن جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق، وأين ما نحن فيه مما أنت آمر به، ولا يأبى ذلك انقيادهم له لأنه بعد العلم بأنه جد وعزيمة، ومن هنا قال بعضهم: إن إجابتهم نبيهم- حين أخبرهم عن أمر الله تعالى بأن يذبحوا بقرة بذلك دليل على سوء اعتقادهم بنبيهم وتكذيبهم له إذ لو علموا أن ذلك إخبار صحيح عن الله تعالى لما استفهموا هذا الاستفهام، ولا كانوا أجابوا هذا الجواب، فهم قد كفروا بموسى ﵇. ومن الناس من قال: كانوا مؤمنين مصدقين ولكن جرى هذا على نحو ما هم عليه من غلظ الطبع والجفاء والمعصية، والعذر لهم أنهم لما طلبوا من موسى ﵇ تعيين القاتل فقال ما قال ورأوا ما بين السؤال والجواب توهموا أنه ﵇ داعبهم، أو ظنوا أن ذلك يجري مجرى الاستهزاء، فأجابوا بما أجابوا، وقيل: استفهموا على سبيل الاسترشاد- لا على وجه الإنكار والعناد- وقرأ عاصم وابن محيصن «يتخذنا» - بالياء- على أن الضمير لله تعالى. وقرأ حمزة وإسماعيل عن نافع «هزأ» بالإسكان، وحفص عن عاصم- بالضم وقلب الهمزة واوا، والباقون- بالضم والهمزة- والكل لغات فيه.
قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أي من أن أعد في عدادهم، والجهل- كما قال الراغب- له معان، عدم العلم، واعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه، وفعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل- سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا- وهذا الأخير هو المراد هنا، وقد نفاه ﵇ عن نفسه قصدا إلى نفي ملزومه الذي رمى به- وهو الاستهزاء على طريق الكناية- وأخرج ذلك في صورة الاستعارة استفظاعا له، إذ- الهزء- في مقام الإرشاد كاد يكون كفرا وما يجري مجراه، ووقوعه في مقام الاحتقار والتهكم مثل فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [آل عمران: ٢١- التوبة: ٣٤- الانشقاق: ٢٤] سائغ شائع- وفرق بين المقامين- وذكر بعضهم أن الاستعاذة بالله تعالى من ذلك من باب الأدب والتواضع معه سبحانه كما في قوله تعالى: وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ [المؤمنون: ٩٧] لأن الأنبياء معصومون عن مثل ذلك، والأول أولى- وهو المعروف من إيراد الاستعاذة في أثناء الكلام- والفرق بين- الهزء والمزح- ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أحيانا كما لا يخفى.
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ أي سل لأجلنا رَبُّكَ الذي عوّدك ما عوّدك- يظهر لَنا ما حالها وصفتها، فالسؤال في الحقيقة عن الصفة، لأن الماهية ومسمى الاسم معلومان- ولا ثالث لهما- لتستعمل ما فيه، أما إذا أريد بقرة معينة فظاهر لأنه استفسار لبيان المجمل- وإلا فلمكان التعجب- وتوهم أن مثل هذه البقرة لا تكون إلا معينة، والجواب «على الأول» بيان «وعلى الثاني» نسخ وتشديد، وهكذا الحال فيما سيأتي من السؤال والجواب.
وكان مقتضى الظاهر «على الأول» أي لأنها للسؤال عن المميز وصفا كان أو ذاتيا. «وعلى الثاني» كيف؟ لأنها موضوعة للسؤال عن الحال، وما وإن سئل بها عن الوصف لكنه على سبيل الندور، وهو إما مجاز أو اشتراك- كما صرح به في المفتاح- والغالب السؤال بها عن الجنس، فإن أجريت هنا على الاستعمال الغالب نزل مجهول الصفة لكونه على صفة لم يوجد عليها جنسه- وهو إحياء الميت بضرب بعضه- منزلة مجهول الحقيقة فيكون سؤالا عن الجنس تنزيلا، وعن الصفة حقيقة. وإن أجريت على النادر لم يحتج إلى التنزيل المذكور، والقول إنه يمكن أن يجعل ما هِيَ على حذف مضاف- أي ما حالها؟ - فيكون سؤالا عن نوع حال تفرع عليه هذه الخاصية- على بعده- خال عن اللطافة اللائقة بشأن الكتاب العزيز. وما استفهامية خبر مقدم ل هِيَ والجملة في موضع نصب ب يُبَيِّنْ لأنه معلق عنها، وجاز فيه ذلك لشبهه بأفعال القلوب، والمعنى يُبَيِّنْ لَنا جواب هذا السؤال قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ الفارض اسم للمسنة التي انقطعت ولادتها من الكبر، والفعل- فرضت- بفتح الراء
стр. 285
وضمها- ويقال لكل ما قدم وطال أمره فارِضٌ ومنه قوله:
يا رب ذي ضغن على (فارض) ... له قروء كقروء الحائض
وكأن المسنة سميت- فارضا- لأنها- فرضت- سنها أي قطعتها وبلغت آخرها، والبكر- اسم للصغيرة، وزاد بعضهم- التي لم تلد من الصغر- وقال ابن قتيبة: هي التي ولدت ولدا واحدا، والبكر من النساء التي لم يمسها الرجال، وقيل: (١) هي التي لم تحمل، والبكر من الأولاد الأول، ومن الحاجات الأولى- والبكر- بفتح الباء- الفتي من الإبل، والأنثى- بكرة- وأصله من التقدم في الزمان، ومنه- البكرة والباكورة- والاسمان صفة (بقرة) ولم يؤت- بالتاء- لأنهما اسمان لما ذكر، واعترضت لا بين الصفة والموصوف وكررت لوجوب تكريرها مع الخبر والنعت والحال إلا في الضرورة خلافا للمبرد وابن كيسان كقوله:
قهرت العدا (لا مستعينا) بعصبة ... ولكن بأنواع الخدائع والمكر
ومن جعل ذلك من الوصف بالجمل فقدر مبتدأ أي لا هي (فارض ولا بكر) فقد أبعد، إذ الأصل الوصف بالمفرد، والأصل أيضا أن لا حذف، وذكر يَقُولُ للإشارة إلى أنه من عند الله تعالى لا من عند نفسه.
عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ أي متوسطة السن، وقيل: هي التي ولدت بطنا أو بطنين، وقيل: مرة بعد مرة ويجمع على فعل كقوله:
طوال مثل أعناق الهوادي ... نواعم بين أبكار (وعون)
ويجوز ضم عين الكلمة في الشعر، وفائدة هذا بعد لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ نفى أن تكون عجلا أو جنينا، وأراد من ذلك ما ذكر من الوصفين السابقين وبهذا صح الإفراد وإضافة بَيْنَ إليه فإنه لا يضاف إلا إلى متعدد وكون الكلام مما حذف منه المعطوف لدلالة المعنى عليه والتقدير عوان بين ذلك وهذا أي- الفارض والبكر- فيكون نظير قوله:
فما كان بين الخير لو جاء سالما ... أبو حجر (إلا ليال) قلائل
حيث أراد بين الخير وباعثه تكلف مستغنى عنه بما ذكر (٢) . واختار السجاوندي أن المراد في وسط زمان الصلاح للعوان واعتداله تقول: سافرت إلى الروم وطفت بين ذلك، فالمشار إليه عوان وارتضاه بعض المحققين مدعيا أنه أولى لئلا يفوت معنى بين ذلك لأن أهل اللغة قالوا: بقرة عوان لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ وعلى الشائع ربما يحتاج الأمر إلى تجريدكما لا يخفى، ثم إن عود الضمائر المذكورة في السؤال والجواب وإجراء تلك الصفات على بقرة يدل على أن المراد بها معينة لأن الأول يدل على أن الكلام في البقرة المأمور بذبحها، والثاني يفيد أن المقصد تعيينها وإزالة إبهامها بتلك الصفات كما هو شأن الصفة لا أنها تكاليف متغايرة بخلاف ما إذا ذكر تلك الصفات بدون الإجراء، وقيل: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ فإنه يحتمل أن يكون المقصود منه تبديل الحكم السابق، والقول:- بأنهم لما تعجبوا من بقرة ميتة يضرب ببعضها ميت فيحيا ظنوها معينة خارجة عما عليه الجنس فسألوا عن حالها وصفتها فوقعت الضمائر لمعينة باعتقادهم فعينت تشديدا عليهم وإن لم يكن المراد منها أول الأمر معينة- ليس بشيء لأنه حينئذ لم تكن الضمائر عائدة إلى ما أمروا بذبحها بل ما اعتقدوها، والظاهر خلافه واللازم على هذا تأخير البيان عن
стр. 286
وقت الخطاب وليس بممتنع والممتنع تأخيره عن وقت الحاجة إلا عند من (١) يجوز التكليف بالمحال وليس بلازم إذ لا دليل على أن الأمر هنا للفور حتى يتوهم ذلك ومن الناس من أنكروا ذلك وادعوا أن المراد بها بقرة من نوع البقر بلا تعيين وكان يحصل الامتثال لو ذبحوا أي بقرة كانت إلا أنها انقلبت مخصوصة بسؤالهم- وإليه ذهب جماعة من أهل التفسير- وتمسكوا بظاهر اللفظ فإنه مطلق فيترك على إطلاقه مع ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفا لو ذبحوا أي بقرة أرادوا لأجزأتهم ولكن شددوا على أنفسهم فشدد الله تعالى عليهم، وأخرجه سعيد بن منصور في سننه عن عكرمة مرفوعا مرسلا وبأنه لو كانت معينة لما عنفهم على التمادي وزجرهم عن المراجعة إلى السؤال، واللازم حينئذ النسخ قبل الفعل بناء على مذهب من يقول الزيادة على الكتاب نسخ كجماهير الحنفية القائلين بأن الأمر المطلق يتضمن التخيير وهو حكم شرعي والتقييد يرفعه وهو جائز بل واقع كما في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج، والممتنع النسخ قبل التمكن من الاعتقاد بالاتفاق لأنه بداء وقبل التمكن من الفعل عند المعتزلة وليس بلازم- على ما قيل- على أنه قيل: يمكن أن يقال: ليس ذلك بنسخ لأن البقرة المطلقة متناولة للبقرة المخصوصة وذبح البقرة المخصوصة ذبح للبقرة مطلقا فهو امتثال للأمر الأولى فلا يكون نسخا واعترض على كون التخيير حكما شرعيا إلخ بالمنع مستندا بأن الأمر المطلق إنما يدل على إيجاب ماهية من حيث هي بلا شرط لكن لما لم تتحقق إلا في ضمن فرد معين جاء التخيير عقلا من غير دلالة النص عليه وإيجاب الشيء لا يقتضي إيجاب مقدمته العقلية إذ المراد بالوجوب الوجوب الشرعي، ومن الجائز أن يعاقب المكلف على ترك ما يشمله مقدمة عقلية ولا يعاقب على ترك المقدمة، ونسب هذا الاعتراض لمولانا القاضي في منهياته- وفيه تأمل- وذكر بعض المحققين أن تحقيق هذا المقام أنه إن كان المراد بالبقرة المأمور بذبحها مطلق البقرة أي بقرة كانت فالنسخ جائز لأن شرط النسخ التمكن من الاعتقاد وهو حاصل بلا ريب، وإن كان البقرة المعينة فلا يجوز النسخ لعدم التمكن من الاعتقاد حينئذ لأنه إنما حصل بعد الاستفسار فاختلاف العلماء في جواز النسخ وعدمه في هذا المقام من باب النزاع اللفظي فتدبر فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ أي من ذبح البقرة ولا تكرروا السؤال ولا تتعنتوا، وهذه الجملة يحتمل أن تكون من قول الله تعالى لهم، ويحتمل أن تكون من قول موسى ﵇ حرضهم على امتثال ما أمروا به شفقة منه عليهم، و (ما) موصولة والعائد محذوف أي ما تؤمرونه بمعنى ما تؤمرون به، وقد شاع حذف الجار في هذا الفعل حتى لحق بالمتعدي إلى مفعولين فالمحذوف من أول الأمر هو المنصوب، وأجاز بعضهم أن تكون (ما) مصدرية أي- فافعلوا أمركم- ويكون المصدر بمعنى المفعول كما في قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ [الصافات: ٩٦] على أحد الوجهين، وفيه بعد لأن ذلك في الحاصل بالسبك قليل وإنما كثر في صيغة المصدر.
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ إسناد البيان في كل مرة إلى الله لإظهار كمال المساعدة في إجابة مسؤولهم وصيغة الاستقبال لاستحضار الصورة- والفقوع- أشد ما يكون من الصفرة وأبلغه والوصف به للتأكيد- كأمس الدابر- وكذا في قولهم أبيض ناصع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأخضر ناضر، ولَوْنُها مرفوع ب فاقِعٌ ولم يكتف بقوله صفراء فاقعة لأنه أراد تأكيد نسبة الصفرة فحكم عليها أنها صفراء ثم حكم على اللون أنه شديد الصفرة فابتدأ أولا بوصف البقرة بالصفرة ثم أكد ذلك بوصف اللون بها فكأنه قال: هي صفراء ولونها شديد الصفرة، وعن الحسن سوداء شديدة السواد ولا يخفى أنه خلاف الظاهر
стр. 287
لأن الصفرة- وإن استعملها العرب بهذا المعنى- نادرا كما أطلقوا الأسود على الأخضر لكنه في الإبل خاصة على ما قيل في قوله تعالى: جِمالَتٌ صُفْرٌ [المرسلات: ٣٣] لأن سواد الإبل تشوبه صفرة وتأكيده بالفقوع ينافيه لأنه من وصف الصفرة في المشهور، نعم ذكر في اللمع أنه يقال: أصفر فاقع، وأحمر فاقع، ويقال في الألوان: كلها فاقع وناصع إذا أخلصت فعليه لا يرد ما ذكر، ومن الناس من قال: إن الصفرة استعيرت هنا للسواد، وكذا فاقع لشديد السواد وهو ترشيح ويجعل سواده من جهة البريق واللمعان- وليس بشيء، وجوز بعضهم أن يكون لَوْنُها مبتدأ وخبره إما فاقِعٌ أو الجملة بعده، والتأنيث على أحد معنيين، أحدهما لكونه أضيف إلى مؤنث كما قالوا: ذهبت بعض أصابعه، والثاني أنه يراد به المؤنث إذ هو الصفرة فكأنه قال: صفرتها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ ولا يخفى بعد ذلك. والسرور- أصله لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه أو رؤية أمر معجب رائق، وأما نفسه فانشراح مستبطن فيه- وبين السرور، والحبور، والفرح- تقارب لكن السرور هو الخالص المنكتم سمي بذلك اعتبارا بالإسرار، والحبور ما يرى حبره- أي أثره- في ظاهر البشرة وهما يستعملان في المحمود. وأما الفرح فما يحصل بطرا وأشرا ولذلك كثيرا ما يذم كما قال تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [القصص: ٧٦] والمراد به هنا عند بعض الإعجاب مجازا للزومه له غالبا، والجملة صفة البقرة أي تعجب الناظرين إليها. وجمهور المفسرين يشيرون إلى أن الصفرة من الألوان السارة ولهذا
كان علي كرم الله تعالى وجهه يرغب في النعال الصفر ويقول من لبس نعلا أصفر قل همه،
ونهى ابن الزبير ويحيى بن أبي كثير عن لباس النعال السود لأنها تغم، وقرىء- يسر- بالياء فيحتمل أن يكون لَوْنُها مبتدأ- ويسر- خبره ويكون فاقِعٌ صفة تابعة لصفراء على حد قوله:
وإني لأسقي الشرب (صفراء فاقعا) ... كأن ذكي المسك فيها يفتق
إلا أنه قليل حتى قيل: بابه الشعر، ويحتمل أن يكون لونها فاعلا ب فاقِعٌ ويسر- إخبار مستأنف.
قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إعادة للسؤال عن الحال والصفة لا لرد الجواب الأول- بأنه غير مطابق وأن السؤال باق على حاله- بل لطلب الكشف الزائد على ما حصل وإظهار أنه لم يحصل البيان التام.
إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا تعليل لقوله تعالى: ادْعُ كما في قوله تعالى: صَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التوبة: ١٠٣] وهو اعتذار لتكرير السؤال أي إن البقر الموصوف بما ذكر كثير فاشتبه علينا، والتشابه مشهور في البقر،
وفي الحديث «فتن كوجوه البقر»
أي يشبه بعضها بعضا وقرأ يحيى وعكرمة- والباقر ان الباقر- وهو اسم لجماعة البقر، والبقر اسم جنس جمعي يفرق بينه وبين واحده بالتاء ومثله يجوز تذكيره وتأنيثه،- كنخل منقعر، والنخل باسقات- وجمعه أباقر، ويقال فيه: بيقور وجمعه بواقر، وفي البحر إنما سمي هذا الحيوان بذلك لأنه يبقر الأرض أي يشقها للحرث، وقرأ الحسن «تشابه» بضم الهاء جعله مضارعا محذوف التاء وماضيه «تشابه» - وفيه ضمير يعود على البقر على أنه مؤنث، والأعرج كذلك إلا أنه شدد الشين، والأصل- تتشابه- فأدغم، وقرىء تشبه- بتشديد الشين- على صيغة المؤنث من المضارع المعلوم، «ويشبه» بالياء والتشديد على صيغة المضارع المعلوم أيضا، وابن مسعود- «يشّابه» - بالياء والتشديد جعله مضارعا من تفاعل لكنه أدغم التاء في الشين، وقرىء «مشتبه» ، و «متشبه» ، و «يتشابه» - والأعمش- «متشابه» و «متشابهة» - وقرىء- «تشابهت» - بالتخفيف، وفي مصحف أبيّ بالتشديد، واستشكل بأن التاء لا تدغم إلا في المضارع، وليس في زنة الأفعال فعل ماض على تفاعل بتشديد الفاء ووجه بأن أصله- إن البقرة تشابهت- فالتاء الأولى من البقرة، والثانية من الفعل فلما اجتمع مثلان أدغم نحو- الشجرة تمايلت- إلا أن جعل
стр. 288
التشابه في بقرة ركيك، والأهون القول بعدم ثبوت هذه القراءة فإن دون تصحيحها على وجه وجيه خرط القتاد، ويشكل أيضا- تشابه- من غير تأنيث لأنه كان يجب ثبوت علامته إلا أن يقال: إنه على حد قوله:
ولا أرض أبقل إبقالها وابن كيسان يجوزه في السعة وَإِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ أي إلى عين البقرة المأمور بذبحها، أو لما خفي من أمر القاتل، أو إلى الحكمة التي من أجلها أمرنا،
وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس- مرفوعا معضلا- وسعيد عن عكرمة- مرفوعا مرسلا- وابن أبي حاتم عن أبي هريرة- مرفوعا موصولا- أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «لو لم يستثنوا لما تبينت لهم آخر الأبد»
واحتج بالآية على أن الحوادث بإرادة الله حيث علق فيما حكاه وجود الاهتداء الذي هو من جملة الحوادث بتعلق المشيئة وهي نفس الإرادة وما قصه الله تعالى في كتابه من غير نكير فهو حجة على ما عرف في محله، وهذا مبني على القول بترادف المشيئة والإرادة، وفيه خلاف وأن كون ما ذكر بالإرادة مستلزم لكون جميع الحوادث بها- وفيه نظر- واحتج أيضا بها على أن الأمر قد ينفك عن الإرادة وليس هو الإرادة كما يقوله المعتزلة لأنه تعالى لما أمرهم بالذبح فقد أراد اهتداءهم في هذه الواقعة فلا يكون لقوله: إن شاء الله الدال على الشك وعدم تحقق الاهتداء فائدة بخلاف ما إذا قلنا: إنه تعالى قد يأمر بما لا يريد، والقول بأنه يجوز أن يكون أولئك معتقدين على خلاف الواقع للانفكاك، أو يكون مبنيا على ترددهم في كون الأمر منه تعالى يدفعه التقرير إلا أنه يرد أن الاحتجاج إنما يتم لو كان معنى لَمُهْتَدُونَ الاهتداء إلى المراد بالأمر أما لو كان المراد إن شاء الله اهتداءنا في أمر ما لكنا مهتدين فلا إلا أنه خلاف الظاهر كالقول بأن اللازم أن يكون المأمور به وهو الذبح مرادا ولا يلزمه الاهتداء إذ يجوز أن يكون لتلك الإرادة حكمة أخرى بل هذا أبعد بعيد، والمعتزلة والكرامية يحتجون بالآية على حدوث إرادته تعالى بناء على أنها والمشيئة سواء لأن كلمة إِنَّ دالة على حصول الشرط في الاستقبال وقد تعلق الاهتداء الحادث بها، ويجاب بأن التعليق باعتبار التعلق فاللازم حدوث التعلق ولا يلزمه حدوث نفس الصفة وتوسط الشرط بين اسم إِنَّ وخبرها لتتوافق رؤوس الآي، وجاء خبر إِنَّ اسما لأنه أدل على الثبوت وعلى أن الهداية حاصلة لهم وللاعتناء بذلك أكد الكلام.
قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ صفة بَقَرَةٌ وهو من الوصف بالمفرد، ومن قال: هو من الوصف بالجملة، وان التقدير لا هي ذلول فقد أبعد عن الصواب، ولا بمعنى غير، وهو اسم على ما صرح به السخاوي وغيره لكن لكونها في صورة الحرف ظهر إعرابها فيما بعدها، ويحتمل أن تكون حرفا- كالا- التي بمعنى غير في مثل قوله تعالى: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] والذلول- الريض الذي زالت صعوبته يقال دابة ذلول بينة الذل بالكسر، ورجل ذلول بين الذل بالضم تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ (لا) صلة لازمة لوجوب التكرار في هذه الصورة وهي مفيدة للتصريح بعموم النفي إذ بدونها يحتمل أن يكون لنفي الاجتماع، ولذا تسمى المذكرة والإثارة- قلب الأرض للزراعة من أثرته إذا هيجته، والْحَرْثَ الأرض المهيأة للزرع أو هو شق الأرض ليبذر فيها ويطلق على ما حرث وزرع، وعلى نفس الزرع أيضا، والفعلان صفتا ذَلُولٌ والصفة يجوز وصفها على ما ارتضاه بعض النحاة وصرح به السمين والفعل الأول داخل في حيز النفي والمقصود نفي إثارتها الأرض- أي لا تثير الأرض- فتذل فهو من باب على لا حب لا يهتدي بمناره ففيه نفي للأصل والفرع معا، وانتفاء الملزوم بانتفاء اللازم، قال الحسن: كانت هذه البقرة وحشية ولهذا وصفت بأنها لا تثير الأرض إلخ، وذهب قوم إلى أن تثير مثبت لفظا ومعنى، وأنه أثبت للبقرة أنها تثير الأرض وتحرثها ونفى عنها سقي الحرث، ورد بأن ما كان يحرث لا ينتفي عنه كونه
стр. 289
ذلولا، وقال بعض: المراد أنها تثير الأرض بغير الحرث بطرا ومرحا، ومن عادة البقر إذا بطرت تضرب بقرونها وأظلافها فتثير تراب الأرض. فيكون هذا من تمام قوله لا ذَلُولٌ لأن وصفها بالمرح، والبطر دليل على ذلك- وليس عندي بالبعيد- وذهب بعضهم كما في الكواشي إلى أن جملة تُثِيرُ في محل نصب على الحال، قال ابن عطية: ولا يجوز ذلك لأنها من نكرة، واعترض بأنه إن أراد بالنكرة بقرة فقد وصفت، والحال من النكرة الموصوفة جائزة جوازا حسنا وإن أراد بها لا ذَلُولٌ فمذهب سيبويه جواز مجيء الحال من النكرة وإن لم توصف، وقد صرح بذلك في مواضع من كتابه اللهم إلا أن يقال: إنه تبع الجمهور في ذلك- وهم على المنع- وجعل الجملة حالا من الضمير المستكن في ذلول أي لا ذَلُولٌ في حال إثارتها ليس بشيء، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: لا ذَلُولٌ بالفتح ف لا للتبرئة، والخبر محذوف أي هناك، والمراد مكان جدت هي فيه، والجملة صفة ذلول، وهو نفي لأن توصف بالذل، ويقال: هي ذلول بطريق الكناية لأنه لو كان في مكان البقرة لكانت موصوفة به ضرورة اقتضاء الصفة للموصوف، فلما لم يكن في مكانها لم تكن موصوفة به فهذا كقولهم محل- فلان- مظنة الجود والكرم، وهذا أولى مما قيل: إن تُثِيرُ خبر لا والجملة معترضة بين الصفة والموصوف لأنه أبلغ كما لا يخفى، وبعضهم خرج القراءة على البناء نظرا إلى صورة لا كما- في كنت بلا مال- بالفتح، وليس بشيء لأن ذلك مقصور على مورد السماع، وليس بقياسي على ما يشعر به كلام الرضي (١) وقرىء «تسقى» بضم حرف المضارعة من أسقى بمعنى سقى، وبعض فرق بينهما بأن سقى لنفسه، وأسقى لغيره كماشيته وأرضه.
مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها أي سلمها الله تعالى من العيوب قاله ابن عباس، أو أعفاها أهلها من سائر أنواع الاستعمال قاله الحسن، أو مطهرة من الحرام لا غصب فيها ولا سرقة قاله عطاء، أو أخلص لونها من الشيات قاله مجاهد، والأولى ما ذهب إليه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لأن المطلق ينصرف إلى الكامل ولكونه تأسيسا، وعلى آخر الأقوال يكون لا شِيَةَ فِيها أي لا لون فيها يخالف لونها تأكيدا والتضعيف هنا للنقل والتعدية، ووهم غير واحد فزعم أنه للمبالغة، والشية- مصدر وشيت الثوب أشيه وشيا إذا زينته بخطوط مختلفة الألوان فحذف فاؤه- كعدة وزنة- ومنه الواشي للنمام، قيل: ولا يقال له: واش حتى يغير كلامه ويزينه، ويقال: ثور أشيه، وفرس أبلق، وكبش أخرج، وتيس أبرق، وغراب أبقع- كل ذلك بمعنى البلقة- وفي البحر ليس الأشيه في قولهم: ثور أشيه للذي فيه بلق مأخوذا من الشية لاختلاف المادتين، وشية- اسم لا وفِيها خبره.
قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ أي أظهرت حقيقة ما أمرنا به فالحق هنا بمعنى الحقيقة، وقيل: بمعنى الأمر المقضي أو اللازم، وقيل: بمعنى القول المطابق للواقع ولم يريدوا أن ما سبق لم يكن حقا بل أرادوا أنه لم يظهر الحق به كمال الظهور فلم يجىء بالحق بل أومأ إليه فعلى هذه الأقوال لم يكفروا بهذا القول، وأجراه قتادة على ظاهرة وجعله- متضمنا أن ما جئت به من قبل- كان باطلا فقال: إنهم كفروا بهذا القول، والأولى عدم الإكفار، والْآنَ ظرف زمان لازم البناء على الفتح ولا يجوز تجريده من- أل- واستعماله على خلافه لحن، وهي تقتضي الحال وتخلص المضارع له غالبا، وقد جاءت حيث لا يمكن أن تكون له نحو فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ [البقرة: ١٨٧] إذ الأمر نص في الاستقبال وادعى بعضهم إعرابها لقوله
كأنهما ملآن لم يتغيرا
يريد من الآن فجره وهو يحتمل البناء على الكسر،
و
стр. 290
(أل) فيها للحضور عند بعض، وزائدة عند آخرين، وبنيت لتضمنها معنى الإشارة أو لتضمنها معنى- أل- التعريفية- كسحر- وقرىء لان بالمد على الاستفهام التقريري إشارة إلى استبطائه وانتظارهم له.
وقرأ نافع بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وعنه روايتان حذف واو «قالوا» وإثباتها فَذَبَحُوها أي فطلبوا هذه البقرة الجامعة للأوصاف السابقة وحصلوها فَذَبَحُوها فالفاء فصيحة عاطفة على محذوف إذ لا يترتب الذبح على مجرد الأمر بالذبح، وبيان صفتها وحذف لدلالة الذبح عليه، وتحصيلها كان باشترائها من الشاب البار بأبويه كما تظافرت عليه أقوال أكثر المفسرين والقصة مشهورة، وقيل:- كانت وحشية فأخذوها، وقيل: لم تكن من بقر الدنيا بل أنزلها الله تعالى من السماء- وهو قول هابط إلى تخوم الأرض، قيل: ووجه الحكمة في جعل البقرة آلة دون غيرها من البهائم أنهم كانوا يعبدون البقر والعجاجيل وحبب ذلك في قلوبهم، لقوله تعالى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [البقرة: ٩٣] ثم بعد ما تابوا أراد الله تعالى أن يمتحنهم بذبح ما حبب إليهم ليكون حقيقة لتوبتهم، وقيل:
ولعله ألطف وأولى إن الحكمة في هذا الأمر إظهار توبيخهم في عبادة العجل بأنكم كيف عبدتم ما هو في صورة البقرة مع أن الطبع لا يقبل أن يخلق الله تعالى فيه خاصية يحيا بها ميت بمعجزة نبي؟! وكيف قبلتم قول السامري إنه إلهكم وها أنتم لا تقبلون قول الله سبحانه: إنه يحيا بضرب لحمة منه الميت سبحان الله تعالى؟ هذا الخرق العظيم وَما كادُوا يَفْعَلُونَ كنى على الذبح بالفعل أي- وما كادوا يذبحون- واحتمال أن يكون المراد وَما كادُوا يَفْعَلُونَ ما أمروا به بعد الذبح من ضرب بعضها على الميت بعيد، وكاد- موضوعة لدنو الخبر حصولا ولا يكون خبرها في المشهور إلا مضارعا دالا على الحال لتأكيد القرب، واختلف فيها فقيل: هي في الإثبات نفي وفي النفي إثبات، فمعنى- كاد زيد يخرج- قارب ولم يخرج وهو فاسد لأن معناها مقاربة الخروج، وأما عدمه فأمر عقلي خارج عن المدلول ولو صح ما قاله لكان قارب ونحوه كذلك ولم يقل به أحد، وقيل: هي في الإثبات إثبات وفي النفي الماضي إثبات وفي المستقبل على قياس الأفعال. وتمسك القائل بهذه الآية لأنه لو كان معنى وَما كادُوا هنا نفيا للفعل عنهم لناقض قوله تعالى: فَذَبَحُوها حيث دل على ثبوت الفعل لهم والحق إنها في الإثبات والنفي كسائر الأفعال، فمثبتها لإثبات القرب، ومنفيها لنفيه، والنفي والإثبات في الآية محمولان على اختلاف الوقتين أو الاعتبارين فلا تناقض إذ من شرطه اتحاد الزمان والاعتبار، والمعنى أنهم ما قاربوا ذبحها حتى انقطعت تعللاتهم فذبحوا كالملجأ أو فذبحوها ائتمارا وَما كادُوا من الذبح خوفا من الفضيحة أو استثقالا لعلو ثمنها حيث روي أنهم اشتروها بملء جلدها ذهبا، وكانت البقرة إذ ذاك بثلاثة دنانير، واستشكل القول باختلاف الوقتين بأن الجملة حال من فاعل فَذَبَحُوها فيجب مقارنة مضمونها لمضمون العامل، والجواب بأنهم صرحوا بأنه قد يقيد بالماضي فإن كان مثبتا قرن- بقد- لتقربه من الحال وإن كان منفيا- كما هنا- لم يقرن بها لأن الأصل استمرار النفي فيفيد المقاربة لا يجدي نفعا لأن عدم مقاربة الفعل لا يتصور مقارنتها له، ولهذا عول بعض المتأخرين في الجواب على أن وَما كادُوا يَفْعَلُونَ كناية عن تعسر الفعل وثقله عليهم وهو مستمر باق، وقد صرح في شرح التسهيل أنه قد يقول القائل- لم يكد زيد يفعل- ومراده أنه فعل بعسر لا بسهولة وهو خلاف الظاهر الذي وضع له اللفظ فافهم وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً أي شخصا أو ذا نفس، ونسبة القتل إلى المخاطبين لوجوده فيهم على طريقة العرب في نسبة الأشياء إلى القبيلة إذا وجد من بعضها ما يذم به أو يمدح، وقول بعضهم:- إنه لا يحسن إسناد فعل أو قول صدر عن البعض إلى الكل إلا إذا صدر عنه بمظاهرتهم أو رضا منهم- غير مسلم، نعم لا بد لإسناده إلى الكل من نكتة ما، ولعلها هنا الإشارة إلى أن الكل بحيث لا يبعد صدور القتل منهم لمزيد حرصهم وكثرة طمعهم وعظم جرأتهم.
стр. 291
فهم كأصابع الكفين طبعا ... وكل منهم طمع جسور
وقيل: إن القاتل جمع وهم ورثة المقتول، وقد روي أنهم اجتمعوا على قتله، ولهذا نسب القتل إلى الجمع فَادَّارَأْتُمْ فِيها أصله تدارأتم من الدرء وهو الدفع فاجتمعت التاء والدال مع تقارب مخرجيهما وأريد الإدغام فقلبت التاء دالا وسكنت للإدغام فاجتلبت همزة الوصل للتوصل إلى الابتداء بها، وهذا مطرد في كل فعل على تفاعل أو تفعل فاؤه- تاء أو طاء أو ظاء، أو صاد أو ضاد- والتدارؤ هنا إما مجاز عن الاختلاف والاختصام، أو كناية عنه إذ المتخاصمان يدفع كل منهما الآخر أو مستعمل في حقيقته أعني التدافع بأن طرح قتلها كل عن نفسه إلى صاحبه فكل منهما من حيث إنه مطروح عليه يدفع الآخر من حيث إنه طارح، وقيل: إن طرح القتل في نفسه نفس دفع الصاحب- وكل من الطارحين دافع فتطارحهما- تدافع، وقيل: إن كلّا منهما يدفع الآخر عن البراءة إلى التهمة فإذا قال أحدهما:
أنا بريء وأنت متهم يقول الآخر: بل أنت المتهم وأنا البريء ولا يخفى أن ما ذكر على ما فيه بالمجاز أليق، ولهذا عد ذلك أبو حيان من المجاز، والضمير في فِيها عائد على النفس، وقيل: على القتلة المفهومة من الفعل، وقيل: على التهمة الدال عليها معنى الكلام، وقرأ أبو حيوة- «فتدارأتم» - على الأصل، وقيل: قرأ هو وأبو السوار- «فادرأتم» - بغير ألف قبل الراء، وإن طائفة أخرى قرؤوا- «فتدارأتم» - وَاللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ أي مظهر لا محالة ما كنتم تكتمونه من أمر القتيل، والقاتل كما يشير إليه بناء الجملة الاسمية وبناء اسم الفاعل على المبتدأ المفيد لتأكيد الحكم وتقويه- وذلك بطريق التفضل عندنا- والوجوب عند المعتزلة وتقدير المتعلق خاصا هو ما عليه الجمهور، وقيل: يجوز أن يكون عاما في القتيل وغيره، ويكون القتيل من جملة أفراده، وفيه نظر إذ ليس كل ما كتموه عن الناس أظهره الله تعالى، وأعمل مُخْرِجٌ لأنه مستقبل بالنسبة للحكم الذي قبله، وهو التدارؤ ومضيه الآن لا يضر والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على الاستمرار. وفي البحر- إن كان- للدلالة على تقدم الكتمان.
فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها
عطف على قوله تعالى: فَادَّارَأْتُمْ وما بينهما اعتراض يفيد أن كتمان القاتل لا ينفعه، وقيل: حال أي والحال أنكم تعلمون ذلك، والهاء في اضْرِبُوهُ
عائد على النفس بناء على تذكيرها إذ فيها التأنيث- وهو الأشهر- والتذكير، أو على تأويل الشخص أو القتيل، أو على أن الكلام على حذف مضاف أي ذا نفس، وبعد الحذف أقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: الأظهر أن التذكير لتذكير المعنى، وإذا كان اللفظ مذكرا والمعنى مؤنثا أو بالعكس فوجهان، وذكر هذا الضمير- مع سبق التأنيث- تفننا أو تمييزا بين هذا الضمير والضمير الذي بعده توضيحا، والظاهر أن المراد بالبعض أي بعض كان إذ لا فائدة في تعينه- ولم يرد به نقل صحيح- واختلف بم ضربوه فقيل: بلسانها أو بأصغريها أو بفخذها اليمنى أو بذنبها أو بالغضروف (١) أو بالعظم الذي يلين أو بالبضعة التي بين الكتفين أو بالعجب أو بعظم من عظامها، ونقل أن الضرب كان على جيد القتيل، وذلك قبل دفنه، ومن قال: إنهم مكثوا في تطلبها أربعين سنة أو أنهم أمروا بطلبها ولم تكن في صلب ولا رحم قال: إن الضرب على القبر بعد الدفن، والأظهر أنه المباشر بالضرب لا القبر، وفي بعض الآثار أنه قام وأوداجه تشخب دما، فقال: قتلني ابن أخي، وفي رواية فلان وفلان لابني عمه ثم سقط ميتا فأخذا وقتلا وما ورث قاتل بعد ذلك، وفي بعض القصص أن القاتل حلف بالله تعالى ما قتلته فكذب بالحق بعد معاينته قال الماوردي: وإنما كان الضرب بميت لا حياة فيه لئلا يلتبس على ذي شبهة أن الحياة إنما انقلبت إليه مما ضرب به فلإزالة الشبهة وتأكد الحجة كان ذلك كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى
جملة
стр. 292
اعتراضية تفيد تحقق المشبه وتيقنه بتشبيه الموعود بالموجود، والمماثلة في مطلق الإحياء، وفي الكلام حذف دلت عليه الجملة أي فضربوه فحيي، والتكلم من الله تعالى مع من حضر وقت الحياة- والكاف- خطاب لكل من يصح أن يخاطب ويسمع هذا الكلام لأن أمر الإحياء عظيم يقتضي الاعتناء بشأنه أن يخاطب به كل من يصح منه الاستماع فيدخل فيه أولئك دخولا أوليا- ويدل على ذلك قوله تعالى: وَيُرِيكُمْ
إلخ ولا بد على هذا من تقدير القول أي قلنا أو وقلنا لهم كذلك ليرتبط الكلام بما قبله، وقيل: حرف الخطاب مصروف إليهم، وكان الظاهر كذلكم على وفق ما بعده إلا أنه أفرده بإرادة كل واحد أو بتأويل فريق ونحوه قصدا للتخفيف، ويحتمل أن يكون التكلم مع من حضر نزول الآية، وعليه لا تقدير إذ ينتظم بدونه بل ربما يخرج معه من الانتظام، وأبعد الماوردي فجعله خطابا من موسى نفسه ﵇ وَيُرِيكُمْ آياتِهِ
مستأنف أو معطوف على ما قبله، والظاهر أن الآيات جمع في اللفظ والمعنى، والمراد بها الدلائل الدالة على أن الله تعالى على كل شيء قدير، ويجوز أن يراد بها هذا الإحياء، والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على الضرب بعضو ميت، وإخبار الميت بقاتله وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادات، وفي المنتخب أن التعبير عن الآية الواحدة بالآيات لأنها تدل على وجود الصانع القادر على كل المقدورات العالم بكل المعلومات المختار في الإيجاد والإبداع، وعلى صدق موسى ﵇، وعلى براءة ساحة من لم يكن قاتلا، وعلى تعين تلك التهمة على من باشر القتل لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ
أي لكي تعقلوا الحياة بعد الموت والبعث والحشر فإن من قدر على إحياء نفس واحدة قدر على إحياء الأنفس كلها لعدم الاختصاص ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ [لقمان: ٢٨] أو لكي يكمل عقلكم أو لعلكم تمتنعون من عصيانه وتعملون على قضية عقولكم، وقد ذكر المفسرون أحكاما فقهية انتزعوها واستدلوا عليها من قصة هذا القتيل ولا يظهر ذلك من الآية ولا أرى لذكر ذلك طائلا سوى الطول هذا.
«ومن باب الإشارة» إن البقرة هي النفس الحيوانية حين زال عنها شره الصبا ولم يلحقها ضعف الكبر وكانت معجبة رائقة النظر لا تثير أرض الاستعداد بالأعمال الصالحة ولا تسقي حرث المعارف والحكم التي فيها بالقوة بمياه التوجه إلى حضرة القدس والسير إلى رياض الأنس، وقد سلمت لترعى أزهار الشهوات ولم تقيد بقيود الآداب والطاعات فلم يرسخ فيها مذهب واعتقاد، ولم يظهر عليها ما أودع فيها من أنوار الاستعداد، وذبحها قمع هواها ومنعها عن أفعالها الخاصة بها بشفرة سكين الرياضة فمن أراد أن يحيا قلبه حياة طيبة ويتحلى بالمعارف الإلهية والعلوم الحقيقية وينكشف له حال الملك والملكوت وتظهر له أسرار اللاهوت والجبروت ويرتفع ما بين عقله ووهمه من التدارؤ والنزاع الحاصل بسبب الإلف للمحسوسات فليذبحها وليوصل أثره إلى قلبه الميت فهناك يخرج المكتوم وتفيض بحار العلوم وهذا الذبح هو الجهاد الأكبر والموت الأحمر وعقباه الحياة الحقيقية والسعادة الأبدية
ومن لم يمت في حبه لم يعش به ... ودون اجتناء النحل ما جنت النحل
وقد أشير بالشيخ والعجوز والطفل والشاب المقتول على ما في بعض الآثار في هذه القصة إلى الروح والطبيعة الجسمانية والعقل والقلب وتطبيق سائر ما في القصة بعد هذا إليك هذا وسلام الله تعالى عليك.
ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ القسوة في الأصل اليبس والصلابة وقد شبهت هنا حال قلوبهم وهي نبوها عن الاعتبار بحال قسوة الحجارة في أنها لا يجري فيها لطف العمل ففي قَسَتْ استعارة تبعية أو تمثيلية، وثُمَّ لاستبعاد القسوة بعد مشاهدة ما يزيلها، وقيل: إنها للتراخي في الزمان لأنهم قست قلوبهم بعد مدة حين قالوا: إن الميت كذب عليهم أو أنه عبارة عن قسوة عقبهم، والضمير في قُلُوبُكُمْ لورثة القتيل عند ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعند
стр. 293
أبي العالية وغيره لبني إسرائيل مِنْ بَعْدِ ذلِكَ أي إحياء القتيل، وقيل: كلامه، وقيل: ما سبق من الآيات التي علموها- كمسخهم قردة وخنازير، ورفع الجبل، وانبجاس الماء والإحياء- وإلى ذلك ذهب الزجاج، وعليه تكون ثُمَّ قَسَتْ إلخ عطفا على مضمون جميع القصص السابقة والآيات المذكورة، وعلى سابقه تكون عطفا على قصة وَإِذْ قَتَلْتُمْ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أي في القسوة وعدم التأثر والجمع لجمع القلوب وللإشارة إلى أنها متفاوتة في القسوة كما أن الحجارة متفاوتة في الصلابة- والكاف- للتشبيه وهي حرف عند سيبويه، وجمهور النحويين والأخفش يدعي اسميتها وهي متعلقة هنا بمحذوف أي كائنة كالحجارة خلافا لابن عصفور إذ زعم أن كاف التشبيه لا تتعلق بشيء أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أي من الحجارة فهي كالحديد مثلا أو كشيء لا يتأثر أصلا ولو وهما، وأَوْ لتخيير المبالغ ويكون في التشبيه كما يكون بعد الأمر أو للتنويع أي بعض كَالْحِجارَةِ وبعض أَشَدُّ أو للترديد بمعنى تجويز الأمرين مع قطع النظر عن الغير على ما قيل، أو بمعنى بل ويحتاج إلى تقدير مبتدأ إذا قلنا باختصاص ذلك بالجمل، أو بمعنى الواو أو للشك وهو لاستحالته عليه تعالى يصرف إلى الغير والعلامة لا يرتضي ذلك لما أنه يؤدي إلى تجويز أن يكون معاني الحروف بالقياس إلى السامع، وفيه إخراج للألفاظ عن أوضاعها فإنها إنما وضعت ليعبر بها المتكلم عما في ضميره، والحق جواز اعتبار السامع في معاني الألفاظ عند امتناع جريها على الأصل بالنظر إلى المتكلم فلا بأس بأن يسلك ب أَوْ في الشك مسلك لعل في الترجي الواقع في كلامه تعالى فتلك جادة مسلوكة لأهل السنة وقد مرت الإشارة إلى ذلك فتذكر، وأَشَدُّ عطف على كَالْحِجارَةِ من قبيل عطف المفرد على المفرد كما تقول:
زيد على سفر أو مقيم، وقدر بعضهم أو هي أَشَدُّ فيصير من عطف الجمل، ومن الناس من يقدر مضافا محذوفا أي مثل ما هو أشد، ويجعله معطوفا على الكاف إن كان اسما أو مجموع الجار والمجرور إذا كان حرفا، ثم لما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه فأعرب بإعرابه، ولا يخفى أن اعتبار التشبيه في جانب المعطوف بدون عطفه على المجرور بالكاف مستبعد جدا، وقرأ الأعمش أَوْ أَشَدُّ مجرورا بالفتحة لكونه غير منصرف للوصف ووزن الفعل وهو عطف على الحجارة واعتبار التشبيه حينئذ ظاهر وإنما لم يقل أقسى- مع أن فعل القسوة مما يصاغ منه أفعل وهو أخصر ووارد في الفصيح كقوله:
كل خمصانة أرق من الخم ... ر بقلب (أقسى) من الجلمود
لما في أشد من المبالغة لأنه يدل على الزيادة بجوهره وهيئته بخلاف أقسى فإن دلالته بالهيئة فقط، وفيه دلالة على اشتداد القسوتين ولو كان أقسى لكان دالا على اشتراك القلوب والحجارة في القسوة، واشتمال القلوب على زيادة القسوة لا في شدة القسوة وليس هذا مثل قولك زيد أشد إكراما من عمرو حيث ذكروا أن ليس معناه إلا أنهما مشتركان في الإكرام وإكرام زيد زيد على إكرام عمرو لا أنهما مشتركان في شدة الإكرام، وشدة إكرام زيد زائدة على شدة إكرام عمرو للفرق بين ما بني للتوصل وما بني لغيره وما نحن فيه من الثاني وإن كان الأول أكثر. والاعتراض- بأن أشد محمول على القلوب دون القسوة- ليس بشيء لأنه محمول عليها بحسب المعنى لكونها تمييزا محولا عن الفاعل أو منقولا عن المبتدأ كما في البحر، ويمكن أن يقال: إن الله تعالى أبرز القساوة في معرض العيوب الظاهرة تنبيها على أنها من العيوب بل العيب كل العيب ما صد عن عالم الغيب فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ [الحج: ٤٦] .
وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تذييل لبيان تفضيل قلوبهم على الحجارة أو اعتراض بين قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ وبين الحال
стр. 294
عنها وهو وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ لبيان سبب ذلك فإنه لغرابته يحتاج إلى بيان السبب كما في قوله:
فلا هجرة يبدو وفي اليأس راحة ... ولا وصفه يصفو لنا (فنكارمه)
وجعله جملة حالية مشعرة بالتعليل يأباه الذوق إذ لا معنى للتقييد، وكونه بيانا وتقريرا من جهة المعنى لما تقدم- مع كونه بحسب اللفظ معطوفا على جملة- هي كالحجارة أو أشد- كما قاله العلامة- مما لا يظهر وجهه لأنه إذا كان بيانا في المعنى كيف يصح عطفه ويترك جعله بيانا، والمعنى أن الحجارة تتأثر وتنفعل، وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمر الله تعالى أصلا، وقد ترقى سبحانه في بيان التفضيل كأنه بين أو لا تفضيل قلوبهم في القساوة على الحجارة التي تتأثر تأثرا يترتب عليه منفعة عظيمة من تفجر الأنهار، ثم على الحجارة التي تتأثر تأثرا ضعيفا يترتب عليه منفعة قليلة من خروج الماء ثم على الحجارة التي تتأثر من غير منفعة فكأنه قال سبحانه: قلوب هؤلاء أشد قسوة من الحجارة لأنها لا تتأثر بحيث يترتب عليه المنفعة العظيمة بل الحقيرة بل لا تتأثر أصلا، وبما ذكر يظهر نكتة ذكر تفجر الأنهار وخروج الماء، وترك فائدة الهبوط، وذكر غير واحد أن الآية واردة على نهج التتميم دون الترقي- كالرحمن الرحيم- إذ لو أريد الترقي لقيل- وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يتفجر منه الأنهار- وفائدته استيعاب جميع الانفعالات التي على خلاف طبيعة هذا الجوهر، وهو أبلغ من الترقي، ويكون وَإِنَّ مِنْها الأخير تتميما للتتميم، ولا يخفى أنه يرد عليه منع إفادته لاستيعاب جميع الانفعالات وخلوه عن لطافة ما ذكرناه، والتفجر- التفتح بسعة وكثرة كما يدل عليه جوهر الكلمة وبناء التفعل، والمراد من الأنهار الماء الكثير الذي يجري في الأنهار، والكلام إما على حذف المضاف، أو ذكر المحل وإرادة الحال أو الإسناد مجازي، قال بعض المحققين: وحملها على المعنى الحقيقي وهم إذ التفتح لا يمكن إسناده إلى الأنهار اللهم إلا بتضمين معنى الحصول بأن يقال: يتفجر ويحصل منه الأنهار على أن تفجير الحجارة بحيث تصير نهرا غير معتاد فضلا عن كونها أنهارا، والتشقق التصدع بطول أو بعرض، والخشية الخوف، واختلف في المراد منها فذهب قوم- وهو المروي عن مجاهد وغيره- أنها هنا حقيقة، وهي مضافة إلى الاسم الكريم من إضافة المصدر إلى مفعوله- أي من خشية الحجارة الله- ويجوز أن يخلق الله تعالى العقل والحياة في الحجر، واعتدال المزاج والبنية ليسا شرطا في ذلك خلافا للمعتزلة، وظواهر الآيات ناطقة بذلك،
وفي الصحيح «إني لأعرف حجرا كان يسلم علي قبل أن أبعث»
وأنه صلى الله تعالى عليه وسلم بعد مبعثه ما مر بحجر ولا مدر إلا سلم عليه، وورد في- الحجر الأسود- أنه يشهد لمن استلمه، وحديث تسبيح الحصى بكفه الشريف ﷺ مشهور، وقيل: هي حقيقة، والإضافة هي الإضافة إلا أن الفاعل محذوف هو العباد، والمعنى أن مِنَ الْحِجارَةِ ما ينزل بعضه عن بعض عند الزلزال من خشية عباد الله تعالى إياه، وتحقيقه أنه لما كان المقصود منها خشية الله تعالى صارت تلك الخشية كالعلة المؤثرة في ذلك الهبوط فيؤول المعنى أنه يهبط من أجل أن يحصل خشية العباد الله تعالى.
وذهب أبو مسلم إلى أن الخشية حقيقة، وأن الضمير في مِنْها لَما يَهْبِطُ عائد على القلوب، والمعنى أن من القلوب قلوبا تطمئن وتسكن وترجع إلى الله تعالى، وهي قلوب المخلصين، فكني عن ذلك بالهبوط، وقيل: إنها حقيقة إلا أن إضافتها من إضافة المصدر إلى الفاعل، والمراد بالحجر البرد، وبخشيته تعالى إخافته عباده بإنزاله وهذا القول أبرد من الثلج وما قبله أكثف من الحجر وما قبلهما بين بين وقال قوم: إن الخشية مجاز عن الانقياد لأمر الله تعالى إطلاقا لاسم الملزوم على اللازم، ولا ينبغي أن تحمل على حقيقتها، أما على القول بأن اعتدال المزاج والبنية شرط وما ورد مما يقتضي خلافه محمول على أن الله تعالى قرن ملائكته بتلك الجمادات، ومنها هاتيك الأفعال ونحو «هذا جبل يحبنا ونحبه» على حذف مضاف أي يحبنا أهله ونحب أهله فظاهر.
стр. 295
وأما على القول بعدم الاشتراط فلأن الهبوط والخشية على تقدير خلق العقل والحياة لا يصح أن يكون بيانا لكون الحجارة في نفسها أقل قسوة- وهو المناسب للمقام- والاعتراض بأن قلوبهم إنما تمتنع عن الانقياد لأمر التكليف بطريق القصد والاختيار ولا تمتنع عما يراد بها على طريق القسر والإلجاء كما في الحجارة وعلى هذا لا يتم ما ذكر، فالأولى الحمل على الحقيقة أجيب عنه بأن المراد أن قلوبهم أقسى من الحجارة لقبولها التأثر الذي يليق بها وخلقت لأجله بخلاف قلوبهم فإنها تنبو عن التأثر الذي يليق بها وخلقت له، والجواب بأن ما رأوه من الآيات مما يقسر القلب ويلجئه فلما لم تتأثر قلوبهم عن القاسرات الكثيرة ويتأثر الحجر من قاسر واحد تكون قلوبهم أَشَدُّ قَسْوَةً لا يخلو عن نظر لأنه إن أريد بذلك المبالغة في الدلالة على الصدق فلا ينفع، وإن أريد به حقيقة الإلجاء فممنوع، وإلا لما تخلف عنها التأثر ولما استحق من آمن بعد رؤيتها الثواب لكونه إيمانا اضطراريا- ولم يقل به أحد- ثم الظاهر على هذا تعلق خشية الله بالأفعال الثلاثة السابقة وقرىء وَإِنَّ على أنها المخففة من الثقيلة ويلزمها- اللام- الفارقة بينها وبين النافية، والفراء يقول: أنها النافية- واللام- بمعنى إلا، وزعم الكسائي أن إِنَّ إن وليها اسم كانت المخففة، وإن فعل كانت النافية، وقطرب إنها إن وليها فعل كانت بمعنى- قد- وقرأ مالك بن دينار «ينفجر» مضارع انفجر والأعمش «يتشقق» و «يهبط» - بالضم..
وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ وعيد على ما ذكر كأنه قيل: إن الله تعالى لبالمرصاد لهؤلاء القاسية قلوبهم حافظ لأعمالهم محص لها، فهو مجازيهم بها في الدنيا والآخرة، وقرأ ابن كثير «يعملون» - بالياء التحتانية- ضما إلى ما بعده من قوله سبحانه أَنْ يُؤْمِنُوا ويَسْمَعُونَ وفريق منهم، وقرأ الباقون- بالتاء الفوقانية- لمناسبة وَإِذْ قَتَلْتُمْ فَادَّارَأْتُمْ وتكتمون إلخ وقيل: ضما إلى قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ بأن يكون الخطاب فيه للمؤمنين وعدلهم، ويبعده أنه لا وجه لذكر وعد المؤمنين تذييلا لبيان قبائح اليهود.
стр. 296
أَفَتَطْمَعُونَ الاستفهام للاستبعاد أو للإنكار التوبيخي، والجملة قيل: معطوفة على قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ أو على مقدر بين- الهمزة والفاء- عند غير سيبويه، أي تحسبون أن قلوبكم صالحة للإيمان فتطمعون- والطمع- تعلق النفس بإدراك مطلوب تعلقا قويا- وهو أشد من الرجاء لا يحدث إلا عن قوة رغبة وشدة إرادة- والخطاب لرسول الله ﷺ : والمؤمنين- أو للمؤمنين- قاله أبو العالية وقتادة، أو للأنصار- قاله النقاش- والمروي عن ابن عباس ومقاتل أنه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة، والجمع للتعظيم أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ أي يصدقوا مستجيبين لكم، فالإيمان بالمعنى اللغوي والتعدية- باللام- للتضمين كما في قوله تعالى: فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ [العنكبوت: ٢٦] ويؤمنوا لأجل دعوتكم لهم فالفعل- منزل منزلة اللازم- والمراد بالإيمان المعنى الشرعي- واللام لام الأجل- وعلى التقديرين أَنْ يُؤْمِنُوا معمول لتطمعون على إسقاط حرف الجر وهو في موضع نصب عند سيبويه، وجر عند الخليل والكسائي، وضمير الغيبة لليهود المعاصرين له ﷺ : لأنهم المطموع في إيمانهم، وقيل: المراد جنس اليهود ليصح جعل طائفة منهم مطموع الإيمان وطائفة محرفين وفيه ما لا يخفى.
وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي طائفة من أسلافهم وهم الأحبار يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ أي يسمعون التوراة ويؤولونها تأويلا فاسدا حسب أغراضهم، وإلى ذلك ذهب ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والجمهور على أن تحريفها بتبديل كلام من تلقائهم- كما فعلوا ذلك في نعته صلى الله تعالى عليه وسلم- فإنه روي أن من صفاته فيها
стр. 297
أنه أبيض ربعة فغيروه بأسمر طويل وغيروا آية الرجم بالتسخيم وتسويد الوجه- كما في البخاري- وقيل: المراد بكلام الله تعالى ما سمعوه على الطور، فيكون المراد من الفريق طائفة من أولئك السبعين، وقد روى الكلبي أنهم سألوا موسى ﵇ أن يسمعهم كلامه تعالى، فقال لهم: اغتسلوا والبسوا الثياب النظيفة ففعلوا فأسمعهم الله تعالى كلامه، ثم قالوا: سمعنا يقول في آخره: إن استطعتم أن تفعلوا هذه الأشياء فافعلوا، وإن شئتم فلا تفعلوا. والتحريف على هذا الزيادة. ثم لا يخفى أن فيما افتروا شاهدا على فساده حيث علقوا الأمر بالاستطاعة والنهي بالمشيئة- وهما لا يتقابلان- وكأنهم أرادوا بالأمر غير الموجب على معنى افعلوا إن شئتم وإن شئتم فلا تفعلوا كذا أفاده العلامة ومقصوده بيان منشأ تحريفهم الفاسد، فلا ينافي كون عدم التقابل شاهدا على فساده، ومقتضى هذه الرواية أن هؤلاء سمعوا كلامه تعالى بلا واسطة كما سمعه موسى ﵇، والمصحح أنهم لم يسمعوا بغير واسطة، وأن ذلك مخصوص به ﵇، وقيل: المراد به الوحي المنزل على نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، كان جماعة من اليهود يسمعونه فيحرفونه قصدا أن يدخلوا في الدين ما ليس منه، ويحصل التضاد في أحكامه وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ [التوبة:
٣٢] وقرأ الأعمش «كلم الله» .
مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ أي ضبطوه وفهموه- ولم يشتبه عليهم صحته- وما مصدرية أي من بعد عقلهم إياه، والضمير في عَقَلُوهُ عائد على كلام الله، وقيل: ما موصولة والضمير عائد عليها، وهو بعيد.
وَهُمْ يَعْلَمُونَ متعلق العلم محذوف، أي إنهم مبطلون كاذبون، أو ما في تحريفه من العقاب، وفي ذلك كمال مذمتهم، وبهذا التقرير يندفع توهم تكرار ما ذكر- بعد ما عقلوه- وحاصل الآية استبعاد الطمع في أن يقع من هؤلاء السفلة إيمان، وقد كان أحبارهم ومقدموهم على هذه الحالة الشنعاء، ولا شك أن هؤلاء أسوأ خلقا وأقل تمييزا من أسلافهم أو استبعادا لطمع في إيمان هؤلاء الكفرة المحرفين، وأسلافهم الذين كانوا زمن نبيهم فعلوا ذلك فلهم فيه سابقة وبهذا يندفع ما عسى أن يختلج في الصدر من أنه كيف يلزم من إقدام بعضهم على التحريف حصول اليأس من إيمان باقيهم وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا جملة مستأنفة إثر بيان ما صدر عن أسلافهم لبيان ما صدر عنهم بالذات من الشنائع المؤيسة عن إيمانهم من نفاق بعض وعتاب آخرين عليهم، ويحتمل أن تكون معطوفة على وقد كان فريق منهم إلخ، وقيل: معطوفة على يَسْمَعُونَ وقيل: على قوله تعالى: وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً عطف القصة على القصة وضمير لَقُوا لليهود على طبق أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وضمير قالُوا للاقين لكن لا يتصدى الكل للقول حقيقة، بل بمباشرة منافقيهم وسكوت الباقين، فهو من إسناد ما للبعض للكل- ومثله أكثر من أن يحصى- وهذا أدخل، كما قال مولانا- مفتي الديار الرومية- في تقبيح حال الساكتين «أولا» العاتبين «ثانيا» لما فيه من الدلالة على نفاقهم واختلاف أحوالهم وتناقض آرائهم من إسناد القول إلى المباشرين خاصة بتقدير المضاف، أي قال منافقوهم- كما فعله البعض- وقيل: الضمير الأول لمنافقي اليهود كالثاني ليتحد فاعل الشرط والجزاء مراعاة لحق النظم ويؤيده ما روي عن ابن عباس والحسن وقتادة في تفسير وَإِذا لَقُوا يعني منافقي اليهود المؤمنين الخلّص قالوا: إلا أن السباق واللحاق- كما رأيت وسترى- يبعدان ذلك، وقرأ ابن السميفع «لاقوا» .
وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ أي إذا انفرد بعض المذكورين- وهم الساكتون منهم- بعد فراغهم عن الاشتغال بالمؤمنين متوجهين منضمين إلى بعض آخر منهم وهم من نافق، وهذا كالنص على اشتراك الساكتين في لقاء المؤمنين، إذ- الخلو- إنما يكون بعد الاشتغال ولأن عتابهم معلق بمحض- الخلو ولولا إنهم حاضرون عند المقاولة
стр. 298
لوجب أن يجعل سماعهم من تمام الشرط، ولأن فيه زيادة تشنيع لهم على ما أوتوا من السكوت ثم العتاب قالُوا أي أولئك البعض الخالي موبخين لمنافقيهم على ما صنعوا بحضرتهم.
أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ أي تخبرون المؤمنين بما بينه الله تعالى لكم خاصة من نعت نبيه محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أو من أخذ العهود على أنبيائكم بتصديقه صلى الله تعالى عليه وسلم ونصرته، والتعبير عنه- بالفتح- للإيذان بأنه سر مكتوم وباب مغلق، وفي الآية إشارة إلى أنهم لم يكتفوا بقولهم: آمَنَّا بل عللوه بما ذكر، وإنما لم يصرح به تعويلا على شهادة التوبيخ، ومن الناس من حوّز كون هذا التوبيخ من جهة المنافقين لأعقابهم وبقاياهم الذين لم ينافقوا، وحينئذ يكون البعض الذي هو فاعل خَلا عبارة عن المنافقين، وفيه وضع المظهر موضع المضمر تكثيرا للمعنى- والاستفهام إنكار- ونهى عن التحديث في الزمان المستقبل وليس بشيء- وإن جل قائله- اللهم إلا أن يكون فيه رواية صحيحة، ودون ذلك خرط القتاد.
لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ متعلق بالتحديث دون الفتح خلافا لمن تكلف له، والمراد تأكيد النكير وتشديد التوبيخ، فإن التحديث- وإن كان منكرا في نفسه- لكنه لهذا الغرض مما لا يكاد يصدر عن العاقل، والمفاعلة هنا غير مرادة، والمراد ليحتجوا به عليكم، إلا أنه إنما أتى بها للمبالغة، وذكر ابن تمجيد أنه لو ذهب أحد إلى المشاركة بين المحتج والمحتج عليه بأن يكون من جانب احتجاج ومن جانب آخر سماع لكان له وجه- كما في بايعت زيدا- وقد تقدم ما ينفعك هنا فتذكر. واللام- هذه لام كي- والنصب بأن مضمرة بعدها أو بها، وهي مفيدة للتعليل- ولعله هنا مجاز- لأن المحدثين لم يحوموا حول ذلك الغرض، لكن فعلهم ذلك- لما كان مستتبعا له البتة- جعلوا كأنهم فاعلون له إظهارا لكمال سخافة عقولهم وركاكة آرائهم، وضمير بِهِ راجع إلى بِما فَتَحَ اللَّهُ على ما يقتضيه الظاهر عِنْدَ رَبِّكُمْ أي في كتابه وحكمه- وهو عند عصابة- بدل من بِهِ، ومعنى كونه بدلا منه أن عامله الذي هو نائب عنه بدل منه إما بدل الكل إن قدر صيغة اسم الفاعل أو بدل اشتمال إن قدر مصدرا، وفائدته بيان جهة الاحتجاج بما فتح الله تعالى، فإن الاحتجاج به يتصور على وجوه شتى، كأنه قيل: لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ بكونه في كتابه، أي يقولوا: إنه مذكور في كتابه الذي آمنتم به، وبما ذكر يظهر وجه الجمع بين قوله تعالى: بِهِ أي بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وقوله تعالى: عِنْدَ رَبِّكُمْ واندفع ما قيل لا يصح جعله بدلا لوجوب اتحاد البدل والمبدل منه في الإعراب، وهاهنا ليس كذلك لكون الثاني ظرفا والأول مفعولا به بالواسطة، وقيل: المعنى بما عند ربكم فيكون الظرف حالا من ضمير بِهِ وفائدته التصريح بكون الاحتجاج بأمر ثابت عنده تعالى وإن كان ذلك مستفادا من كونه بما فتح الله تعالى، وقيل: عند ذكر ربكم، فالكلام على حذف مضاف، والمراد من الذكر «الكتاب» وجعل المحاجة بما فتح الله تعالى باعتبار أنه في الكتاب محاجة عنده توسعا وهذه الأقوال مبنية على أن المراد بالمحاجة في الدنيا وهو ظاهر لأنها دار المحاجة والتأويل في قوله تعالى: عِنْدَ رَبِّكُمْ وقيل: عند ربكم على ظاهره- والمحاجة يوم القيامة- واعترض بأن الإخفاء لا يدفع هذه المحاجة لأنه إما لأجل أن لا يطلع المؤمنون على ما يحتجون به- وهو حاصل لهم بالوحي- أو ليكون للمحتج عليهم طريق إلى الإنكار، وذا لا يمكن عنده تعالى يوم القيامة ولا يظن بأهل الكتاب أنهم يعتقدون أن إخفاء ما في الكتاب في الدنيا يدفع المحاجة بكونه فيه في العقبى لأنه اعتقاد منهم بأنه تعالى لا يعلم ما أنزل في كتابه وهم برآء منه، والقول بأن المراد لِيُحَاجُّوكُمْ يوم القيامة وعند المسائل، فيكون زائدا في ظهور فضيحتكم وتوبيخكم على رؤوس الأشهاد في الموقف العظيم، فكان القوم يعتقدون أن ظهور ذلك في الدنيا يزيد ذلك في الآخرة للفرق بين من اعترف وكتم، وبين من ثبت على الإنكار، أو بأن المحاجة بأنكم بلغتم وخالفتم- تندفع بالإخفاء- يرد عليه أن
стр. 299
الإخفاء حينئذ إنما يدفع الاحتجاج بإقرارهم- لا بما فتح الله عليهم على أن المدفوع في الوجه الأول زيادة التوبيخ والفضيحة- لا المحاجة- وقيل: عِنْدَ رَبِّكُمْ بتقدير- من عند ربكم- وهو معمول لقوله تعالى: بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وهو مما لا ينبغي أن يرتكب في فصيح الكلام، وجوز الدامغاني أن يكون عِنْدَ للزلفى أي لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ متقربين إلى الله تعالى- وهو بعيد أيضا- كقول بعض المتأخرين: إنه يمكن أن تجعل المحاجة به عند الرب عبارة عن المباهلة في تحقق ما يحدثونه، وعليه تكون المحاجة على مقتضى المفاعلة- وعندي- أن رجوع ضمير بِهِ لما فتح الله من حيث إنه محدث بِهِ وجعل القيد هو المقصود، أو للتحديث المفهوم من أَتُحَدِّثُونَهُمْ وحمل عِنْدَ رَبِّكُمْ على يوم القيامة، والتزام أن الإخفاء يدفع هذا الاحتجاج ليس بالبعيد- إلا أن أحدا لم يصرح به- ولعله أولى من بعض الوجوه فتدبر أَفَلا تَعْقِلُونَ عطف إما على أَتُحَدِّثُونَهُمْ- والفاء- لإفادة ترتب عدم عقلهم على تحديثهم، وإما على مقدر أي ألا تتأملون فلا تعقلون، والجملة مؤكدة لإنكار التحديث، وهو من تمام كلام اللائمين، ومفعوله إما ما ذكر أولا، أولا مفعول له- وهو أبلغ- وقيل: هو خطاب من الله تعالى للمؤمنين متصل بقوله تعالى
: أَفَتَطْمَعُونَ والمعنى أفلا تعقلون حال هؤلاء اليهود وأن لا مطمع في إيمانهم، وهم على هذه الصفات الذميمة والأخلاق القبيحة، ويبعده قوله تعالى: أَوَلا يَعْلَمُونَ فإنه تجهيل لهم منه تعالى فيما حكي عنهم فيكون توسيط خطاب المؤمنين في أثنائه من قبيل الفصل بين الشجرة ولحائها على أن في تخصيص الخطاب بالمؤمنين تعسفا ما، وفي تعميمه للنبي ﷺ سوء أدب- كما لا يخفى- والاستفهام فيه للإنكار مع التقريع لأن أهل الكتاب كانوا عالمين بإحاطة علمه تعالى والمقصود بيان شناعة فعلهم بأنهم يفعلون ما ذكر مع علمهم.
أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ وفيه إشارة إلى أن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية أعظم وزرا- والواو- للعطف على مقدر ينساق إليه الذهن- والضمير للموبخين- أي أيلومونهم على التحديث المذكور مخافة المحاجة ولا يعلمون ما ذكر، وقيل: الضمير للمنافقين فقط، أو لهم وللموبخين، أو لآبائهم المحرفين، والظاهر حمل ما في الموضعين على العموم ويدخل فيه الكفر الذي أسروه، والإيمان الذي أعلنوه، واقتصر بعض المفسرين عليهما، وقيل: العداوة والصداقة، وقيل: صفته صلى الله تعالى عليه وسلم التي في التوراة المنزلة والصفة التي أظهروها افتراء على الله تعالى، وقدم سبحانه الإسرار على الإعلان، إما لأن مرتبة السر متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يعلن إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمر في القلب يتعلق به الإسرار غالبا، فتعلق علمه تعالى بحالته الأولى متقدم على تعلقه بحالته الثانية، وإما للإيذان بافتضاحهم ووقوع ما يحذرونه من أول الأمر، وإما للمبالغة في بيان شمول علمه المحيط بجميع الأشياء كان علمه بما يسرون أقدم منه بما يعلنونه مع كونهما- في الحقيقة- على السوية، فإن علمه تعالى ليس بطريق حصول الصورة، بل وجود كل شيء في نفسه علم بالنسبة إليه تعالى، وفي هذا المعنى لا يختلف الحال بين الأشياء البارزة ولا الكامنة، وعكس الأمر في قوله تعالى: إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ [البقرة:
٢٨٤] لأن الأصل فيما تتعلق المحاسبة به هو الأمور البادية دون الخافية، وقرأ ابن محيصن «أو لا تعلمون» - بالتاء- فيحتمل أن يكون ذلك خطابا للمؤمنين أو خطابا لهم، ثم إنه تعالى أعرض عن خطابهم وأعاد الضمير إلى الغيبة إهمالا لهم، ويكون ذلك من باب الالتفات.
وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ مستأنفة مسوقة لبيان قبائح جهلة اليهود أثر بيان شنائع الطوائف السالفة، وقيل: عطف على قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وعليه الجمع، وقيل: على وَإِذا لَقُوا واختار بعض المتأخرين أنه وهذا الذي عطف عليه اعتراض وقع في البين لبيان أصناف اليهود استطرادا لأولئك المحرفين، و «الأميون» جمع- أمي-
стр. 300
وهو- كما في المغرب- من لا يكتب ولا يقرأ منسوب إلى أمة العرب الذين كانوا لا يكتبون ولا يقرؤون، أو إلى الأم بمعنى أنه كما ولدته أمه، أو إلى أم القرى لأن أهلها لا يكتبون غالبا، والمراد أنهم جهلة، والْكِتابَ التوراة- كما يقتضيه سباق النظم وسياقه- فاللام- فيه إما للعهد أو أنه من الأعلام الغالبة، وجعله مصدر كتب كتابا- واللام- للجنس بعيد، وقرأ ابن أبي عبلة أُمِّيُّونَ بالتخفيف إِلَّا أَمانِيَّ جمع- أمنية- وأصلها- أمنونة أفعولة وهو في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من- منى- إذا قدر، ولذلك تطلق على الكذب وعلى ما يتمنى وما يقرأ، والمروي عن ابن عباس ومجاهد ﵃ أن- الأماني- هنا- الأكاذيب- أي إلا أكاذيب أخذوها تقليدا من شياطينهم المحرفين، وقيل: إلا ما هم عليه من أمانيهم أن الله تعالى يعفو عنهم ويرحمهم، ولا يؤاخذهم بخطاياهم وأن آباءهم الأنبياء يشفعون لهم، وقيل إلا مواعيد مجردة سمعوها من أحبارهم من أن الجنة لا يدخلها إلا من كان هودا، وأن النار لا تمسهم إلا أياما معدودة- واختاره أبو مسلم- والاستثناء على ذلك منقطع لأن ما هم عليه من الأباطيل، أو سمعوه من الأكاذيب ليس من الكتاب، وقيل: إلا ما يقرؤون قراءة عادية عن معرفة المعنى وتدبره، فالاستثناء حينئذ متصل بحسب الظاهر، وقيل: منقطع أيضا إذ ليس ما يتلى من جنس علم الكتاب، واعترض هذا الوجه بأنه لا يناسب تفسير الآتي بما في المغرب، وأجيب بأن معناه أنه لا يقرأ من الْكِتابَ ولا يعلم الخط، واما على سبيل الأخذ من الغير فكثيرا ما يقرؤون من غير علم بالمعاني، ولا بصور الحروف، وفيه تكلف إذ لا يقال للحافظ الأعمى: إنه أمي، نعم إذا فسر الأمي بمن لا يحسن الكتابة والقراءة على ما ذهب إليه جمع لا ينافي أن يكتب ويقرأ في الجملة واستدل على ذلك بما
روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم صلح الحديبية أخذ الكتاب- وليس يحسن الكتب- فكتب «هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله» إلخ،
ومن فسر الأمي بما تقدم أول الحديث بأن كتب فيه بمعنى أمر بالكتابة، وأطال بعض شراح الحديث الكلام في هذا المقام- وليس هذا محله.
وقرأ أبو جعفر والأعرج وابن جماز عن نافع، وهارون عن أبي عمرو و «أماني» بالتخفيف وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ الاستثناء مفرغ والمستثنى محذوف أقيمت صفته مقامه، أي ما هم إلا قوم قصارى أمرهم الظن من غير أن يصلوا إلى مرتبة العلم- فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين- وقد يطلق الظن على ما يقابل العلم اليقيني عن دليل قاطع سواء قطع بغير دليل، أو بدليل غير صحيح أو لم يقطع، فلا ينافي نسبة الظن إليهم إن كانوا جازمين.
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ- الويل- مصدر لا فعل له من لفظه، وما ذكر من قولهم: وال مصنوع- كما في البحر- ومثله ويح وويب وويس وويه وعول، ولا يثنى ولا يجمع ويقال ويلة ويجمع على ويلات وإذا أضيف فالأحسن فيه النصب- ولا يجوز غيره عند بعض- وإذا أفردته اختير- الرفع- ومعناه الفضيحة والحسرة وقال الخليل:
شدة الشر، وابن المفضل- الحزن- وغيرهما- الهلكة- وقال الأصمعي: هي كلمة تفجع وقد تكون ترحما ومنه- ويل أمه مسعر حرب-
وورد من طرق صححها الحفاظ عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «الويل واد في جهنم يهوي به الكافر أربعين خريفا قبل أن يبلغ قعره» وفي بعض الروايات «إنه جبل فيها»
وإطلاقه على ذلك إما حقيقة شرعية، وإما مجاز لغوي من إطلاق لفظ الحل على المحل ولا يمكن أن يكون حقيقة لغوية لأن العرب تكلمت به في نظمها ونثرها قبل أن يجيء القرآن ولم تطلقه على ذلك وعلى كل حال هو هنا مبتدأ خبره لِلَّذِينَ فإن كان علما لما في الخبر فظاهر، وإلا فالذي سوغ الابتداء به كونه دعاء، وقد حول عن المصدر المنصوب للدلالة على الدوام والثبات، ومثله يجوز فيه ذلك لأنه غير مخبر عنه، وقيل: لتخصص النكرة فيه بالداعي كما تخصص سلام في- سلام عليك- بالمسلم فإن المعنى سلامي عليك وكذلك المعنى هاهنا دعائي عليهم بالهلك ثابت لهم- والكتابة معروفة.
стр. 301
وذكر الأيدي تأكيدا لدفع توهم المجاز، ويقال: أول من كتب بالقلم إدريس، وقيل: آدم ﵉، والمراد ب الْكِتابَ المحرف، وقد روي أنهم كتبوا في التوراة ما يدل على خلاف صورة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وبثوها في سفهائهم وفي العرب وأخفوا تلك النسخ التي كانت عندهم بغير تبديل وصاروا إذا سئلوا عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقولون: ما هذا هو الموصوف عندنا في التوراة ويخرجون التوراة المبدلة ويقرؤونها ويقولون: هذه التوراة التي أنزلت من عند الله، ويحتمل أن يكون المراد به ما كتبوه من التأويلات الزائغة وروّجوه على العامة، وقد قال بعض العلماء: ما انفك كتاب منزل من السماء من تضمن ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولكن بإشارة لا يعرفها إلا العالمون، ولو كان متجليا للعوام لما عوتب علماؤهم في كتمانه، ثم ازداد ذلك غموضا بنقله من لسان إلى لسان، وقد وجد في التوراة ألفاظ إذا اعتبرتها وجدتها دالة على صحة نبوته ﵊ بتعريض هو عند الراسخين جلي، وعند العامة خفي، فعمد إلى ذلك أحبار من اليهود فأوّلوه، وكتبوا تأويلاتهم المحرفة بأيديهم ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إعظاما لشأنه وتمكينا له في قلوب أتباعهم الأميين، وثُمَّ للتراخي الرتبي، فإن نسبة المحرف والتأويل الزائغ إلى الله سبحانه صريحا أشد شناعة من نفس التحريف والتأويل، والإشارة إما إلى الجميع، أو إلى الخصوص.
لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أي ليحصلوا- بما أشاروا إليه- غرضا من أغراض الدنيا الدنيئة، وهو- وإن جل- أقل قليل بالنسبة إلى ما استوجبوه من العذاب الدائم، وحرموه من الثواب المقيم، وهو علة للقول- كما في البحر- ولا أرى في الآية دليلا على المنع من أخذ الأجرة على كتابة المصاحف، ولا على كراهية بيعها، والأعمش تأول الآية واستدل بها على الكراهة- وطرف المنصف أعمى عن ذلك- نعم ذهب إلى الكراهة جمع «منهم» ابن عمر رضي الله تعالى عنهما- وبه قال بعض الأئمة- لكن لا أظنهم يستدلون بهذه الآية، وتمام البحث في محله.
فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ- الفاء- لتفصيل ما أجمل في قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ إلخ، حيث يدل على ثبوت الويل للموصوفين بما ذكر لأجل اتصافهم به بناء على التعليق بالوصف من غير دلالة على أن ثبوته لأجل مجموع ما ذكر أولا- بل كل واحد- فبين ذلك بقوله: (ويل لهم) إلخ مع ما فيه من التنصيص بالعلة، ولا يخفى ما في هذا الإجمال والتفصيل من المبالغة في الوعيد الزجر والتهويل.
و (من) تعليلية متعلقة ب وَيْلٌ أو بالاستقرار في الخبر، وما قيل: موصولة اسمية، والعائد محذوف، أي «كتبته» وقيل: مصدرية «والأول» أدخل في الزجر عن تعاطي المحرف «والثاني» في الزجر عن التحريف و (ما) الثانية مثلها، ورجح بعضهم المصدرية في الموضعين- لفظا ومعنى- لعدم تقدير العائد، ولأن مكسوب العبد حقيقة فعله الذي يعاقب عليه ويثاب، وذكر بعض المحققين أن التحقيق أن العبد كما يعاقب على نفس فعله، يعاقب على أثر فعله لإفضائه إلى حرام آخر- وهو هنا يفضي إلى إضلال الغير وأكل الحرام- وغاير بين الآيتين بأنه بين «في الأولى» استحقاقهم العقاب بنفس الفعل «وفي الثانية» استحقاقهم له بأثره، ولذا جاء- بالفاء- ولا يخفى أنه كلام خال عن التحقيق- كما لا يخفى على أرباب التدقيق- ومما ذكرنا ظهر فائدة ذكر- الويل- ثلاث مرات، وقيل: فائدته أن اليهود جنوا ثلاث جنايات. تغيير صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والافتراء على الله تعالى، وأخذ الرشوة.
فهددوا بكل جناية- بالويل- وكأنه جعل محط الفائدة في قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ إلى آخر المعطوف كما
في خبر «لا يؤمّن الرجل قوما فيخص نفسه بالدعاء»
وهو- على بعده- لا يظهر عليه وجه إيراد- الفاء- في الثاني، ثم الظاهر أن مفعول الكسب خاص- وهو ما دل عليه سياق الآية- وقيل: المراد ب مِمَّا يَكْسِبُونَ جميع الأعمال السيئة ليشمل القول- ولا يخفى بعده- وعدم التعرض للقول لما أنه من مبادئ ترويج مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ والآية نزلت في
стр. 302
أحبار اليهود الذين خافوا أن تذهب رئاستهم بإبقاء صفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على حالها فغيروها، وقيل:
خاف ملوكهم على ملكهم- إذا آمن الناس- فرشوهم فحرفوا، والقول بأنها نزلت في الذين لم يؤمنوا بنبي ولم يتبعوا كتابا، بل كتبوا بأيديهم كتابا وحللوا فيه ما اختاروا، وحرّموا ما اختاروا، وقالوا: هذا من عند الله غير مرضي، كالقول بأنها نزلت في عبد الله بن أبي سرح كاتب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يغير القرآن فارتد وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً جملة حالية معطوفة على قوله تعالى: وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ عند فريق منهم، وعند آخرين على وَإِذْ قَتَلْتُمْ عطف قصة على قصة، واختار بعض المحققين أنها اعتراض لرد ما قالوا حين أوعدوا- على ما تقدم- بالويل- بل جميع الجمل عنده من قوله تعالى: أَفَتَطْمَعُونَ إلى قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ إلخ، ذكر استطرادا بين القصتين المعطوفتين، فالضمير في قالُوا عائد على لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ- والمس- اتصال أحد الشيئين بآخر- على وجه الإحساس والإصابة- وذكر الراغب أنه كاللمس، لكن اللمس قد يقال لطلب الشيء- وإن لم يوجد- كقوله:
وألمسه فلا أجده
والمراد من النَّارُ نار الآخرة، ومن «المعدودة» المحصورة القليلة، وكني- بالمعدودة- عن القليلة لما أن الأعراب لعدم علمهم بالحساب وقوانينه تصور القليل متيسر العدد والكثير متعسره، فقالوا: شيء معدود- أي قليل- وغير معدود- أي كثير- والقول بأن- القلة- تستفاد من أن الزمان- إذا كثر- لا يعد بالأيام، بل بالشهور والسنة والقرن يشكل بقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ إلى أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ [البقرة: ١٨٤] وبقوله سبحانه: واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً [البقرة: ٥١] وروي عنهم أنهم يعذبون أربعين يوما عدد عبادتهم العجل، ثم ينادى أخرجوا كل مختون من بني إسرائيل، وفي رواية أنهم يعذبون سبعة أيام لكل ألف سنة من أيام الدنيا يوم، وهي سبعة آلاف سنة. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنهم زعموا أنهم وجدوا مكتوبا في التوراة إن ما بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة إلى أن ينتهوا إلى شجرة الزقوم، وأنهم يقطعون في كل يوم مسيرة سنة فيكملونها، وقد قالوا ذلك حين دخل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة وسمعه المسلمون فنزلت هذه الآية.
قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً تبكيت لهم وتوبيخ- والعهد- مجاز عن خبره تعالى، أو وعده بعدم مساس النار لهم سوى- الأيام المعدودة- وسمي ذلك عَهْداً لأنه أوكد من العهود المؤكدة بالقسم والنذر، وفسره قتادة هنا بالوعد مستشهدا بقوله تعالى: وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ [التوبة: ٧٥] إلى قوله سبحانه: بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ [التوبة: ٧٧] .
«واعترض» بأنه لا وجه للتخصيص، فإن لَنْ تَمَسَّنَا إلخ فرع الوعد والوعيد لأن مساس النار وعيد، وأجيب بأنه إنما لم يتعرض للوعيد، لأن المقصود بالاستفهام الوعد- لا الوعيد- فإنه ثابت في حقهم. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن معنى الآية هل قلتم لا إله إلا الله وآمنتم وأطعتم فتستدلون بذلك وتعلمون خروجكم من النار؟
ويؤول إلى هل أسلفتم عند الله أعمالا توجب ما تدعون؟ والمعنى الأول أظهر. وقرأ ابن كثير وحفص بإظهار- الذال- والباقون بإدغامه، وحذفت من اتخذ- همزة الوصل- لوقوعها في الدرج.
فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ جواب شرط مقدر، أي إن اتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف وقدره العلامة إن كنتم اتخذتم- إذ ليس المعنى على الاستقبال- وهو مبني على أن حرف الشرط لا يغير معنى- كان- وفيه خلاف معروف «فإن قلت» لا يصح جعل فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ جزاء لامتناع السببية والترتب لكون «لن» لمحض الاستقبال «قلت» ذلك ليس بلازم في- الفاء الفصيحة- كقوله:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ... ثم القفول فقد جئنا خراسانا
стр. 303
- ولو سلم- فقد ترتب على اتخاذ العهد الحكم بأنه لا يخلف العهد فيما يستقبل من الزمان فقط، كما في قوله تعالى: وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ [النحل: ٥٣] كذا أفاده العلامة، والجواب الأول مبني على أن- الفاء الفصيحة- لا تنافي تقدير الشرط، وأنها تفيد كون مدخولها سببا عن المحذوف سواء ترتب عليه أو تأخر لتوقفه على أمر آخر بدليل أن قوله: فقد جئنا خراسانا علم عندهم في- الفصيحة- مع كونه بتقدير الشرط وعدم الترتب- كما في شرح المفتاح الشريفي- ومبنى الثاني على أن المراد حكمهم لا حكمه تعالى حين النزول، ولخفاء ذلك قال المولى عصام:- الأظهر- أنه دليل الجزاء وضع موضعه، أي إن كنتم اتخذتم عند الله عهدا فقد نجوتم لأنه لن يخلف الله عهده فافهم.
ومن الناس من لا يقدر محذوفا ويجعل- الفاء- سببية ليكون اتخاذ العهد مترتبا عليه عدم اخلاف الله تعالى عهده ويكون المنكر حينئذ المجموع فتفطن. وهذه الجملة- كما قال ابن عطية- اعتراضية بين أَتَّخَذْتُمْ والمعادل فلا موضع لها من الإعراب، وإظهار الاسم الجليل للإشعار بعلة الحكم فإن عدم الاختلاف من قضية الألوهية والعهد مضاف إلى ضميره تعالى لذلك أيضا، أو لأن المراد به جميع عهوده لعمومه بالإضافة، فيدخل العهد المعهود مع التجافي عن التصريح بتحقق مضمون كلامهم، وإن كان معلقا على الاتخاذ المعلق بحبال العدم واستدل بالآية من ذهب إلى نفي الخلف في الوعد والوعيد بحمل العهد على الخبر الشامل لهما، وادعى بعضهم أن العهد ظاهر في الوعد بل حقيقة عرفية فيه فلا دليل فيها على نفي الخلف في الوعيد.
أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ أَمْ يحتمل أن تكون متصلة للمعادلة بين شيئين بمعنى أي هذين واقع اتخاذكم العهد- أم قولكم على الله ما لا تعلمون- وخرج ذلك مخرج المتردد في تعيينه على سبيل التقرير لأولئك المخاطبين لعلم المستفهم- وهو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم- بوقوع أحدهما، وهو قولهم بما لا يعلمون على التعيين فلا يكون الاستفهام على حقيقته، ويعلم من هذا أن الواقع بعد أَمْ المتصلة قد يكون جملة لأن التسوية قد تكون بين الحكمين- وبهذا صرح ابن الحاجب في الإيضاح، ويحتمل أن تكون منقطعة بمعنى- بل- والتقدير بل أتقولون، ومعنى بل فيها الإضراب والانتقال من التوبيخ بالإنكار على الاتخاذ إلى ما تفيد همزتها من التوبيخ على القول، وظاهر كلام صاحب المفتاح تعين الانقطاع حيث جعل علامة المنقطعة كون ما بعدها جملة، وإنما علق التوبيخ بإسنادهم إليه ما لا يعلمون وقوعه مع أن ما أسندوه إليه تعالى من قبيل ما يعلمون عدم وقوعه المبالغة في التوبيخ فإن التوبيخ على الأدنى يستلزم التوبيخ على الأعلى بطريق الأولى، وقولهم المحكي- وإن لم يكن صريحا بالافتراء عليه جل شأنه- لكنه مستلزم له لأن ذلك الجزم لا يكون إلا بإسناد سببه إليه تعالى.
بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ جواب عن قولهم المحكي وإبطال له على وجه أعم شامل لهم ولسائر الكفرة، كأنه قال: بل تمسكم وغيركم دهرا طويلا وزمانا مديدا- لا كما تزعمون- ويكون ثبوت الكلية كالبرهان على إبطال ذلك بجعله كبرى لصغرى سهلة الحصول فبلى داخلة على ما ذكر بعدها وإيجاز الاختصار أبلغ من إيجاز الحذف، وزعم بعضهم أنها داخلة على محذوف وأن المعنى على تمسكم أياما معدودة- وليس بشيء- وهي حرف جواب- كجير ونعم- إلا أنها لا تقع جوابا إلا لنفي متقدم سواء دخله استفهام أم لا، فتكون إيجابا له وهي بسيطة. وقيل: أصلها- بل- فزيدت عليها- الألف- والكسب جلب النفع- والسيئة- الفاحشة الموجبة للنار، قاله السدي، وعليه تفسير من فسرها بالكبيرة لأنها التي توجب النار- أي يستحق فاعلها النار إن لم يغفر له- وذهب كثير من السلف إلى أنها هنا- الكفر.. وتعليق- الكسب بالسيئة- على طريقة
стр. 304
التهكم، وقيل: إنهم بتحصيل السيئة استجلبوا نفعا قليلا فانيا، فبهذا الاعتبار أوقع عليه الكسب، والمراد- بالإحاطة- الاستيلاء والشمول وعموم الظاهر والباطن- والخطيئة- السيئة، وغلبت فيما يقصد بالعرض أي لا يكون مقصودا في نفسه بل يكون القصد إلى شيء آخر، لكن تولد منه ذلك الفعل كمن رمى صيدا فأصاب إنسانا، وشرب مسكرا فجنى جناية، قال بعض المحققين: ولذلك أضاف الإحاطة إليها إشارة إلى أن السيئات باعتبار وصف الإحاطة داخلة تحت القصد بالعرض لأنها بسبب نسيان التوبة، ولكونها راسخة فيه متمكنة حال الإحاطة أضافها إليه بخلاف حال الكسب فإنها متعلق القصد بالذات وغير حاصلة فيه فضلا عن الرسوخ، فلذا أضاف الكسب إلى سيئة ونكرها، وإضافة الأصحاب إلى النار على معنى الملازمة، لأن الصحبة وإن شملت القليل والكثير لكنها في العرف تخص بالكثرة والملازمة ولذا قالوا: لو حلف من لاقى زيدا أنه لم يصحبه لم يحنث، والمراد- بالخلود- الدوام، ولا حجة في الآية على خلود صاحب الكبيرة لأن الإحاطة إنما تصح في شأن الكافر لأن غيره إن لم يكن له سوى تصديق قلبه وإقرار لسانه فلم تحط خطيئته به لكون قلبه ولسانه منزها عن الخطيئة، وهذا لا يتوقف على كون التصديق والإقرار حسنتين، بل على أن لا يكونا سيئتين فلا يرد البحث بأن الخصم يجعل العمل شرطا لكونهما حسنتين كما يجعل الاعتقاد شرطا لكون الأعمال حسنات فلا يتم عنده أن الإحاطة إنما تصح في شأن الكافر، ولا يحتاج إلى الدفع بأن المقصود أنه لا حجة له في الآية، وهذا يتم بمجرد كون الإحاطة ممنوعة في غير الكافر، فلو ثبت أن العمل داخل في الإيمان صارت الآية حجة- ودون إثباته خرط القتاد- ثم إن نفي الحجية بحمل الإحاطة على ما ذكر إنما يحتاج إليه إذا كانت السيئة والخطيئة بمعنى واحد- وهو مطلق الفاحشة- أما إذا فسرت السيئة بالكفر أو- الخطيئة- به حسبما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وأبي هريرة رضي الله تعالى عنه وابن جرير عن أبي وائل ومجاهد وقتادة وعطاء والربيع، فنفي الحجية أظهر من نار على علم. ومن الناس من نفاها بحمل- الخلود- على أصل الوضع وهو اللبث الطويل- ليس بشيء- لأن فيه تهوين الخطب في مقام التهويل مع عدم ملائمته حمل الخلود في الجنة على الدوام، وكذا لا حجة في قوله تعالى: وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلخ بناء على ما زعمه الجبائي حيث قال: دلت الآية على أنه تعالى ما وعد موسى ولا سائر الأنبياء بعده بإخراج أهل الكبائر والمعاصي من النار بعد التعذيب، وإلا لما أنكر على اليهود بقوله تعالى: قُلْ أَتَّخَذْتُمْ إلخ وقد ثبت أنه تعالى أوعد العصاة بالعذاب زجرا لهم عن المعاصي فقد ثبت أن يكون عذابهم دائما وإذا ثبت في سائر الأمم وجب ثبوته في هذه الأمة إذ الوعيد لا يجوز أن يختلف في الأمم إذا كان قدر المعصية واحدا لأن ما أنكر الله عليهم جزمهم بقلة العذاب لانقطاعه مطلقا- على أن ذلك في حق الكفار لا العصاة كما لا يخفى- ومَنْ تحتمل أن تكون شرطية، وتحتمل أن تكون موصولة، والمسوغات لجواز دخول- الفاء- في الخبر إذا كان المبتدأ موصولا موجودة، ويحسن الموصولية مجيء الموصول في قسيمه وإيراد اسم الإشارة المنبئ عن استحضار المشار إليه بما له من الأوصاف للإشعار
بعليتها لصاحبية النار وما فيه من معنى البعد للتنبيه على بعد متزلتهم في الكفر والخطايا، وإنما أشير إليهم بعنوان الجمعية مراعاة الجانب المعنى في كلمة مَنْ بعد مراعاة جانب اللفظ في الضمائر الثلاثة لما أن ذلك هو المناسب لما أسند إليهم في تينك الحالتين، فإن كسب السيئة وإحاطة الخطيئة به في حالة الإفراد- وصاحبية النار في حالة الاجتماع- قاله بعض المحققين- ولا يخلو عن حسن- وقرأ نافع «خطيئاته» وبعض «خطياه» و «خطيته» و «خطياته» بالقلب والإدغام، واستحسنوا قراءة الجمع بأن الإحاطة لا تكون بشيء واحد، ووجهت قراءة الإفراد بأن- الخطيئة- وإن كانت مفردة لكنها لإضافتها متعددة، مع أن الشيء الواحد قد يحيط كالحلقة فلا تغفل.
стр. 305
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ لما ذكر سبحانه أهل النار وما أعد لهم من الهلاك أتبع ذلك بذكر أهل الإيمان وما أعد لهم من الخلود في الجنان، وقد جرت عادته جل شأنه على أن يشفع وعده بوعيده مراعاة لما تقتضيه الحكمة في إرشاد العباد من الترغيب تارة والترهيب أخرى، وقيل: إن في الجمع تربية الوعيد بذكر ما فات أهله من الثواب، وتربية الوعد بذكر ما نجا منه أهله من العقاب، وعطف العمل على الإيمان يدل على خروجه عن مسماه- إذ لا يعطف الجزء على الكل- ولا يدل على عدم اشتراطه به حتى يدل على أن صاحب الكبيرة غير خارج عن الإيمان، وتكون الآية حجة على الوعيدية- كما قاله المولى عصام- فإن قلت:
للمخالف أن يقول: العطف للتشريف لكون العمل أشق وأحمز من التصديق
وأفضل الأعمال أحمزها،
أجيب بأن الإيمان أشرف من العمل لكونه أساس جميع الحسنات إذ الأعمال ساقطة عن درجة الاعتبار عند عدمه ويخطر في البال أنه يمكن أن يكون لذكر العمل الصالح هنا مع الإيمان نكتة، وهو أن يكون الإيمان في مقابلة السيئة المفسرة بالكفر- عند بعض- والعمل الصالح في مقابلة الخطيئة المفسرة بما عداه والمراد من الَّذِينَ آمَنُوا أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ومؤمنو الأمم قبلهم، قاله ابن عباس وغيره- وهو الظاهر- وقال ابن زيد: المراد بهم النبي ﷺ وأمته خاصة وذكر- الفاء- فيما سبق وتركها هنا إما لأن الوعيد من الكريم مظنة الخلف دون الوعد فكان الأول حريا بالتأكيد دون الثاني، وإما للإشارة إلى سبق الرحمة فإن النحاة قالوا: من دخل داري فأكرمه- يقتضي إكرام كل داخل لكن على خطر أن لا يكرم- وبدون- الفاء- يقتضي إكرامه البتة، وإما للإشارة إلى أن خلودهم من النار بسبب أفعالهم السيئة وعصيانهم وخلودهم في الجنة بمحض لطفه تعالى وكرمه، وإلا فالإيمان والعمل الصالح لا يفي بشكر ما حصل للعبد من النعم العاجلة- وإلى كل ذهب بعض- والقول بأن ترك- الفاء- هنا لمزيد الرغبة في ذكر ما لهم ليس بشيء وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ شروع في تعداد بعض آخر من قبائح أسلاف اليهود مما ينادي باستبعاد إيمان أخلافهم، وقيل: إنه نوع آخر من النعم التي خصهم الله تعالى بها، وذلك لأن التكليف بهذه الأشياء موصل إلى أعظم النعم- وهو الجنة- والموصل إلى النعمة نعمة، وهذا- الميثاق- ما أخذ عليهم على لسان موسى وغيره من أنبيائهم ﵈، أو ميثاق أخذ عليهم في التوراة، وقول مكي: إنه ميثاق أخذه الله تعالى عليهم وهم في أصلاب آبائهم كالذر لا يظهرهم وجهه هنا.
لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ على إرادة القول أي قلنا أو قائلين ليرتبط بما قبله وهو إخبار في معنى النهي كقوله تعالى:
لا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ [البقرة: ٢٨٢] وكما تقول: تذهب إلى فلان وتقول له كيت وكيت، وإلى ذلك ذهب الفراء، ويرجحه أنه أبلغ من صريح النهي لما فيه من إيهام أن المنهي كأنه سارع إلى ذلك فوقع منه حتى أخبر عنه بالحال أو الماضي أي ينبغي أن يكون كذلك فلا يرد أن حال المخبر عنه على خلافه وأنه قرأ ابن مسعود «لا تعبدوا» على النهي وأن قُولُوا عطف عليه فيحصل التناسب المعنوي بينهما في كونهما إنشاء، وإن كان يجوز عطف الإنشاء على الإخبار فيما له محل من الإعراب، وقيل: تقديره أن لا تعبدوا، فلما حذف الناصب ارتفع الفعل، ولا يجب الرفع بعد الحذف في مثل ذلك خلافا لبعضهم- وإلى هذا ذهب الأخفش- ونظيره من نثر العرب مره يحفرها ومن نظمها.
ألا أيهذا الزاجري احضر الوغى ... وأن أشهد اللذات هل أنت مخلدي
ويؤيد هذا قراءة «أن لا تعبدوا» ويضعفه أن أن لا تحذف قياسا في مواضع ليس هذا منها، فلا ينبغي تخريج الآية عليه، وعلى تخريجها عليه فهو مصدر مؤول بدل من الميثاق أو مفعول به بحذف حرف الجر أي بأن لا أو على
стр. 306
أن لا، وقيل: إنه جواب قسم دل عليه الكلام، أي حلفناهم لا تعبدون، أو جواب الميثاق نفسه لأن له حكم القسم، وعليه يخلو الكلام عما مر في وجه رجحان الأول، وقرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، ويعقوب- بالتاء- حكاية لما خوطبوا به والباقون- بالياء- لأنهم غيب، وفي الآية حينئذ التفاتان في- لفظ الجلالة- ويعبدون.
وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً متعلق بمضمر تقديره وتحسنون، أو أحسنوا، والجملة معطوفة على تعبدون وجوّز تعلقه ب إِحْساناً وهو يتعدى بالباء، وإلى أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ [يوسف: ١٠٠] وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ [القصص: ٧٧] ومنع تقدم معمول المصدر عليه مطلقا ممنوع، ومن المعربين من قدر استوصوا ف «بالوالدين» متعلق به و «إحسانا» مفعوله، ومنهم من قدر ووصيناهم فإحسانا مفعول لأجله، والوالدان تثنية والد لأنه يطلق على الأب والأم أو تغليب بناء على أنه لا يقال إلا للأب كما ذهب إليه الحلبي، وقد دلت الآية على الحث ببر الوالدين وإكرامهما، والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، وناهيك احتفالا بهما أن الله عز اسمه قرن ذلك بعبادته.
وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ عطف على «الوالدين» والْقُرْبى مصدر كالرجعى- والألف- فيه للتأنيث وهي قرابة الرحم والصلب. وَالْيَتامى وزنه فعالى- وألفه- للتأنيث، وهو جمع يتيم كنديم وندامى، ولا ينقاس، ويجمع على أيتام. واليتم أصل معناه الانفراد، ومنه الدرة اليتيمة، وقال ثعلب: الغفلة، وسمي اليتيم يتيما لأنه يتغافل عن بره، وقال أبو عمرو: الإبطاء لإبطاء البر عنه، وهو في الآدميين من قبل الآباء- ولا يتم بعد بلوغ- وفي البهائم من قبل الأمهات، وفي الطيور من جهتهما. وحكى الماوردي أنه يقال في الآدميين لمن فقدت أمه أيضا- والأول هو المعروف وَالْمَساكِينِ جمع مسكين على وزن مفعيل مشتق من السكون، كأن الحاجة أسكنته- فالميم- زائدة كمحضر من الحضور، وروي تمسكن فلان- والأصح تسكن أي صار مسكينا- والفرق بينه وبين الفقير معروف- وسيأتي إن شاء الله تعالى- وقد جاء هذا الترتيب اعتناء بالأوكد فالأوكد، فبدأ ب بِالْوالِدَيْنِ إذ لا يخفى تقدمهما على كل أحد في الإحسان إليهما، ثم ب ذِي الْقُرْبى لأن صلة الأرحام مؤكدة، ولمشاركة بِالْوالِدَيْنِ في القرابة وكونهما منشأ لها وقد ورد في الأثر أن الله تعالى خاطب الرحم فقال: أنت الرحم وأنا الرحمن أصل من وصلك وأقطع من قطعك ثم باليتامى لأنهم لا قدرة لهم تامة على الاكتساب،
وقد جاء «أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين»
وأشار ﷺ إلى السبابة والوسطى وتأخرت درجة الْمَساكِينِ لأن المسكين يمكنه أن يتعهد نفسه بالاستخدام ويصلح معيشته مهما أمكن بخلاف اليتيم- فإنه لصغره لا ينتفع به- ويحتاج إلى من ينفعه، وأفرد ذِي الْقُرْبى - كما في البحر- لأنه أريد به الجنس، ولأن إضافته إلى المصدر يندرج فيه كل ذي قرابة، وكأن فيه إشارة إلى أن ذوي القربى- وإن كثروا- كشيء واحد لا ينبغي أن يضجر من الإحسان إليهم وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً أي قولا حسنا- سماه به للمبالغة- وقيل: هو لغة في الحسن كالبخل والبخل والرشد والرشد، والعرب والعرب، والمراد قولوا لهم القول الطيب وجاوبوهم بأحسن ما يحبون- قاله أبو العالية- وقال سفيان الثوري: مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قولوا لهم لا إله إلا الله مروهم بها، وقال ابن جريج: أعلموهم بما في كتابكم من صفة رسول الله صلّى الله تعالى عليه وسلم- وقول أبي العالية في المرتبة العالية- والظاهر أن هذا الأمر من جملة الميثاق المأخوذ على بني إسرائيل: ومن قال: إن المخاطب به الأمة وهو محكم أو منسوخ بآية السيف أو إن لناس مخصوص بصالحي المؤمنين إذ لا يكون القول الحسن مع الكفار والفساق لأنا أمرنا بلعنهم وذمهم ومحاربتهم فقد أبعد- وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب «حسنا» - بفتحتين- وعطاء وعيسى- بضمتين- وهي لغة الحجاز وأبو
стр. 307
طلحة بن مصرف «حسنى» على وزن فعلى، واختلف في وجهه فقيل: هو مصدر كرجعى، واعترضه أبو حيان بأنه غير مقيس لم يسمع فيه، وقيل: هو صفة كحبلى أي مقالة أو كلمة «حسنى» وفي الوصف بها وجهان «أحدهما» أن تكون باقية على أنها للتفضيل واستعمالها بغير الألف واللام والإضافة للمعرفة نادر وقد جاء ذلك في الشعر كقوله:
وإن دعوت إلى جلى ومكرمة ... يوما كرام سراة الناس فادعينا
«وثانيهما» أن تجرد عن التفضيل فتكون بمعنى- حسنة- كما قالوا ذلك في «يوسف أحسن إخوته» وقرأ الجحدري «إحسانا» على أنه مصدر أحسن الذي همزته للصيرورة كما تقول: أعشبت الأرض إعشابا أي صارت ذا عشب وحينئذ نعت لمصدر محذوف أي قولا ذا حسن وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ أراد سبحانه بهما افرض عليهم في ملتهم لأنه حكاية لما وقع في زمان موسى ﵇ وكانت زكاة أموالهم- كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قربانا تهبط إليها نار فتحملها- وكان ذلك علامة القبول- وما لا تفعل النار به كذلك كان غير متقبل، والقول بأن المراد بهما هذه الصلاة وهذه الزكاة المفروضتان علينا، والخطاب لمن بحضرة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من أبناء اليهود لا غير، والأمر بهما كناية عن الأمر بالإسلام، أو للإيذان بأن الكفار مخاطبون بالفروع أيضا ليس بشيء كما لا يخفى ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ أي أعرضتم عن الميثاق ورفضتموه. وثُمَّ للاستبعاد أو لحقيقة التراخي فيكون توبيخا لهم بالارتداد بعد الانقياد مدة مديدة وهو أشنع من العصيان من الأول، وقد ذكر بعض المحققين أنه إذا جعل ناصب الظرف خطابا له صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين فهذا التفات إلى خطاب بني إسرائيل جميعا بتغليب أخلافهم على أسلافهم لجريان ذكرهم كلهم حينئذ على نهج الغيبة، فإن الخطابات السابقة للأسلاف محكية بالقول المقدر قبل لا تعبدون كأنهم استحضروا عند ذكر جناياتهم فنعيت عليهم- وإن جعل خطابا لليهود المعاصرين- فهذا تعميم للخطاب بتنزيل الأسلاف منزلة الأخلاف كما أنه تعميم للتولي بتنزيل الأخلاف منزلة الأسلاف للتشديد في التوبيخ، وقيل: الالتفات إنما يجيء على قراءة لا يعبدون بالغيبة، وأما على قراءة الخطاب- فلا التفات- ومن الناس من جعل هذا الخطاب خاصا بالحاضرين في زمنه ﵊ وما تقدم خاصا بمن تقدم، وجعل الالتفات على القراءتين لكنه بالمعنى الغير المصطلح عليه أن (١) كون الالتفات بين خطابين لاختلافهما لم يقل به أهل المعاني- لكنه وقع مثله في كلام بعض الأدباء- وما ذكرناه من التغليب أولى وأحرى خلافا لمن التفت عنه.
إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وهم من الأسلاف من أقام اليهودية على وجهها قبل النسخ، ومن الأخلاف من أسلم كعبد الله بن سلام وأضرابه فالقلة في عدد الأشخاص، وقول ابن عطية: إنه يحتمل أن تكون في الإيمان أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد ﷺ إلا إيمان قليل إذ لا ينفعهم لا يقدم عليهم إلا القليل ممن لم يعط فهما في الألفاظ العربية، وروي عن أبي عمرو وغيره رفع قليل والكثير المشهور في أمثال ذلك النصب لأن ما قبله موجب، واختلفوا في تخريج الرفع فقيل: إن المرفوع تأكيد للضمير أو بدل منه، وجاز لأن تَوَلَّيْتُمْ في معنى النفي أي لم يفوا،
وقد خرج غير واحد قوله: ﷺ فيما صح على الصحيح: «العالمون هلكى إلا العالمون، والعالمون هلكى إلا العاملون، والعاملون هلكى إلا المخلصون، والمخلصون على خطر»
وقول الشاعر:
وبالصريمة منهم منزل خلق ... عاف تغير إلا النوء والوتد
стр. 308
على ذلك، وقول أبي حيان إنه ليس بشيء إذ ما من إثبات إلا ويمكن تأويله بنفي فيلزم جواز قام القوم إلا زيد بالرفع على التأويل والإبدال- ولم يجوزه النحويون- ليس بشيء كما لا يخفى، وقيل: إن إِلَّا صفة بمعنى غير ظهر إعرابها فيما بعدها، وقد عقد سيبويه لذلك بابا في كتابه فقال: هذا باب ما يكون فيه إلا وما بعدها وصفا بمنزلة غير ومثل، وذكر من أمثلة هذا الباب لو كان معنا رجل إلا زيد لغلبنا لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: ٢٢] وقوله:
أينخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلا بغامها
وخرج جمع جميع ما سلف على هذا، وفيه أن ذلك فيما نحن فيه لا يستقيم إلا على مذهب ابن عصفور حيث ذهب إلى أن الوصف ب إِلَّا يخالف الوصف بغيرها من حيث إنه يوصف بها النكرة والمعرفة، والظاهر والمضمر وأما على مذهب غيره- وهو ابن شاهين- بالنسبة إليه من أنه لا يوصف بها إلا إذا كان الموصوف نكرة أو معرفة- بلام الجنس- فلا، والمبرد يشترط في الوصف بها صلاحية البدل في موضعه وقيل: إنه مبتدأ خبره محذوف أي لم يقولوا- ولا يرد عليه شيء مما تقدم- إلا أن فيه كلاما سنذكره إن شاء الله تعالى عند قوله تعالى: إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف: ١١] وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ جملة معترضة أي وأنتم قوم عادتكم الإعراض والتولي عن المواثيق، ويؤخذ كونه عادتهم من الاسمية الدالة على الثبوت، وقيل: حال مؤكدة- والتولي والإعراض شيء واحد- ويجوز فصل الحال المؤكدة- بالواو- عند المحققين وفرق بعضهم بين التولي والإعراض بأن الأول قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت العقد والإعراض هو الانصراف عن الشيء بالقلب، وقيل: إن التولي أن يرجع عوده إلى بدئه، والإعراض أن يترك المنهج ويأخذ في عرض الطريق والمتولي أقرب أمرا من المعرض لأنه متى عزم سهل عليه العود إلى سلوك المنهج والمعرض حيث ترك المنهج واحد في عرض الطريق يحتاج إلى طلب منهجه فيعسر عليه العود إليه. ومن الناس من جوز أن يكون معرضون على ظاهره، والجملة حال مقيدة أي لم يتول القليل وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ عنهم ساخطون لهم فيكون وفي ذلك مزيد توبيخ لهم ومدحا للقليل- فهو بعيد- كالقول بأنها مقيدة ومتعلق التولي والإعراض مختلف أي توليتم على المضي في الميثاق وأعرضتم عن اتباع هذا النبي ﷺ . وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ على نحو ما سبق في لا تَعْبُدُونَ والمراد أن لا يتعرض بعضكم بعضا بالقتل والإجلاء وجعل قتل الرجل غيره قتل نفسه لاتصاله نسبا أو دينا، أو لأنه يوجبه قصاصا، ففي الآية مجاز، إما في ضمير- كم- حيث عبر به عمن يتصل به أو في تَسْفِكُونَ حيث أريد به ما هو سبب السفك. وقيل: معناه لا ترتكبوا ما يبيح سفك دمائكم وإخراجكم من دياركم، أو لا تفعلون ما يرديكم ويصرفكم عن لذات الحياة الأبدية فإنه القتل في الحقيقة ولا تقترفوا ما تمنعون به عن الجنة التي هي داركم، وليس النفي في الحقيقة جلاء الأوطان بل البعد من رياض الجنان ولعل ما يساعده سياق النظم الكريم هو الأول. و «الدماء» جمع دم معروف وهو محذوف- اللام- وهي- ياء- عند بعض لقوله:
جرى الدميان بالخبر اليقين
وواو- عند آخرين لقولهم دموان ووزنه فعل أو فعل، وقد سمع مقصورا وكذا مشددا، وقرأ طلحة وشعيب «تسفكون» - بضم الفاء- وأبو نهيك- بضم التاء وفتح السين وكسر الفاء مشددة- وابن أبي إسحاق كذلك إلا أنه سكن السين وخفف الفاء ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ أي بالميثاق واعترفتم بلزومه خلفا بعد سلف فالإقرار ضد الجحد ويتعدى- بالباء- قيل ويحتمل أنه بمعنى إبقاء الشيء على حاله من غير اعتراف به- وليس بشيء- إذ لا يلائمه حينئذ وَأَنْتُمْ
стр. 309
تَشْهَدُونَ
حال مؤكدة رافعة احتمال أن يكون الإقرار ذكر أمر آخر لكنه يقتضيه، ولا يجوز العطف لكمال الاتصال ولا الاعتراض إذ ليس المعنى وأنتم عادتكم الشهادة بل المعنى على التقييد (١) وقيل: وأنتم أيها الموجودون تشهدون على إقرار أسلافكم فيكون إسناد الإقرار إليهم مجازا، وضعف بأن يكون حينئذ استبعاد القتل والإجلاء منهم مع أن أخذ الميثاق والإقرار كان من أسلافهم لاتصالهم بهم نسبا ودينا بخلاف ما إذا اعتبر نسبة الإقرار إليهم على الحقيقة فإنه يكون بسبب إقرارهم وشهادتهم- وهو أبلغ في بيان قبيح صنيعهم- وادعى بعضهم أن «الأظهر» أن المراد أقررتم حال كونكم شاهدين على إقراركم بأن شهد كل أحد على إقرار غيره كما هو طريق الشهادة ولا يخفى انحطاط المبالغة حينئذ.
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ نزلت- كما في البحر- في بني قينقاع وبني قريظة وبني النضير من اليهود، كان بنو قينقاع أعداء بني قريظة، وكانت الأوس حلفاء بني قينقاع، والخزرج حلفاء بني قريظة، والنضير والأوس والخزرج إخوان، وبنو قريظة والنضير إخوان- ثم افترقوا- فصارت بنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانوا يقتتلون ويقع منهم ما قص الله تعالى، فعيرهم الله تعالى بذلك. وثُمَّ للاستبعاد في الوقوع- لا للتراخي في الزمان- لأنه الواقع في نفس الأمر- كما قيل به- وأَنْتُمْ مبتدأ، وهؤُلاءِ خبره على معنى أَنْتُمْ بعد ذلك المذكور من الميثاق والإقرار والشهادة هؤُلاءِ الناقضون، كقولك: أنت ذلك الرجل الذي فعل كذا، وكان مقتضى الظاهر، ثُمَّ أَنْتُمْ بعد ذلك التوكيد في الميثاق نقضتم العهد ف تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ إلخ أي صفتكم الآن غير الصفة التي كنتم عليها، لكن أدخل هؤُلاءِ وأوقع خبرا ليفيد أن الذي تغير هو الذات نفسها نعيا عليهم لشدة (٢) وكادت الميثاق ثم تساهلهم فيه وتغيير الذات فهم من وضع اسم الإشارة الموضوع للذات موضع الصفة لا من جعل ذات واحد في خطاب واحد مخاطبا وغائبا، وإلا لفهم ذلك من نحو بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ [النمل: ٥٥] أيضا. وصح الحمل مع اعتبار التغير لأنه ادعائي- وفي الحقيقة واحد- وعدوا حضورا مشاهدين باعتبار تعلق العلم بما أسند إليهم من الأفعال المذكورة سابقا وغيبا باعتبار عدم تعلق العلم بهم لما سيحكى عنهم من الأفعال بعد، لا لأن المعاصي توجب الغيبة عن غير الحضور إذ المناسب حينئذ الغيبة في تَقْتُلُونَ وَتُخْرِجُونَ قاله الساليكوتي، وتَقْتُلُونَ إما حال والعامل فيه معنى الإشارة أو بيان كأنه لما قيل ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ قالوا كيف نحن فجيء ب تَقْتُلُونَ تفسيرا له، ويحتمل أن تجعل مفسرة لها من غير تقدير سؤال، وذهب ابن كيسان وغيره إلى أن أَنْتُمْ مبتدأ وتَقْتُلُونَ الخبر وهؤُلاءِ تخصيص للمخاطبين لما نبهوا على الحال التي هم عليها مقيمون فيكون إذ ذاك منصوبا بأعني وفيه أن النحاة نصوا على أن التخصيص لا يكون بأسماء الإشارة ولا بالنكرة والمستقر من لسان العرب أنه يكون بأيتها كاللهم اغفر لنا أيتها العصابة وبالمعرف- باللام- كنحن العرب أقرى الناس للضيف- أو الإضافة كنحن معاشر الأنبياء لا نورث- وقد يكون بالعلم- كبنا تميما نكشف الضبابا. وأكثر ما يأتي بعد ضمير متكلم- وقد يجيء بعد ضمير المخاطب- كبك الله نرجو الفضل، وقيل: هؤُلاءِ تأكيد لغوي «لأنتم» فهو إما بدل منه أو عطف بيان عليه وجعله من التأكيد اللفظي بالمرادف توهم، والكلام على هذا خال عن تلك النكتة، وقيل: هؤلاء بمعنى الذين والجملة صلته
стр. 310
والمجموع هو الخبر، وهذا مبني على مذهب الكوفيين حيث جوزوا كون جميع أسماء الإشارة موصولة سواء كانت بعد «ما» أو لا والبصريون يخصونه إذا وقعت بعد «ما» الاستفهامية- وهو المصحح- على أن الكلام يصير حينئذ من قبيل:
أنا الذي سمتني أمي حيدرة وهو ضعيف- كما قاله الشهاب- وقرأ الحسن «تقتّلون» على التكثير وفي تفسير المهدوي أنها قراءة أبي نهيك وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ عطف على ما قبله وضمير ديارهم للفريق وإيثار الغيبة مع جواز دياركم كما في الأول للاحتراز عن توهم كون المراد إخراجهم من ديار المخاطبين من حيث ديارهم لا ديار المخرجين تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ حال من فاعل تُخْرِجُونَ أو من مفعوله قيل: أو من كليهما لأنه لاشتماله على ضميرهما يبين هيئتهما، والمعنى على الأول تخرجون متظاهرين عليهم وعلى الثاني تخرجون فريقا متظاهرا عليهم، وعلى الثالث تخرجون واقعا التظاهر منهم عليهم والتظاهر- التعاون وأصله من- الظهر- كأن المتعاونين يسند كل واحد منهما ظهره إلى صاحبه «والإثم» الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم واللوم، وقيل: ما تنفر منه النفس ولا يطمئن إليه القلب،
وفي الحديث «الإثم ما حاك في صدرك»
وهو متعلق بتظاهرون حال من فاعله أي متلبسين بالإثم، وكونه هنا مجازا عما يوجبه من إطلاق المسبب على سببه كما سميت الخمر إثما في قوله:
شربت «الإثم» حتى ضل عقلي ... كذاك «الإثم» تذهب بالعقول
مما لا يدعو إليه داع، والعدوان تجاوز الحد في الظلم، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «تظاهرون» بتخفيف الظاء وأصله- بتاءين- حذفت ثانيتهما عند أبي حيان وأولاهما عند هاشم وقرأ باقي السبعة بالتشديد على ادغام- التاء في الظاء- وأبو حيوة «تظاهرون» - بضم التاء وكسر الهاء- ومجاهد وقتادة باختلاف عنهما «تظهّرون» - بفتح التاء والظاء والهاء مشددتين دون ألف- ورويت عن أبي عمرو أيضا وبعضهم «تتظاهرون» على الأصل.
وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ أي تخرجوهم من الأسر بإعطاء الفداء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وحمزة وابن عامر تفدوهم وعليه بعض قراءة الباقين إذ لا مفاعلة، وفرق جمع بين فادى وفدى بأن معنى الأول بادل أسيرا بأسير والثاني جمع الفداء ويعكر عليه قول العباس رضي الله تعالى عنه فاديت نفسي وفاديت عقيلا إذ من المعلوم أنه ما بادل أسيرا بأسير، وقيل: تُفادُوهُمْ بالعنف و «تفدوهم» بالصلح وقيل: تُفادُوهُمْ تطلبوا الفدية من الأسير الذي في أيديكم من أعدائكم ومنه قوله:
قفي فادي أسيرك إن قومي ... وقومك لا أرى لهم احتفالا
وقال أبو علي: معناه لغة تطلقونهم بعد أن تأخذوا منهم شيئا، وأراه هنا كسابقة في غاية البعد، والقول بأن- معنى الآية وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى في أيدي الشياطين تتصدون لإنقاذهم بالإرشاد والوعظ مع تضييعكم أنفسكم إلى البطون- أقرب كما لا يخفى، والأسارى- قيل: جمع أسير بمعنى مأسور وكأنهم حملوا أسيرا على كسلان فجمعوه جمعه كما حملوا كسلان عليه فقالوا كسلى كذا قال سيبويه، ووجه الشبه أن الأسير محبوس عن كثير من تصرفه للأسر والكسلان محبوس عن ذلك لعادته، وقيل: إنه مجموع كذا ابتداء من غير حمل كما قالوا في قديم قدامى، وسمع بفتح الهمزة وليست بالعالية خلافا لبعضهم حيث زعم أن الفتح هو الأصل والضم ليزداد قوة، وقيل: جمع
стр. 311
أسرى- وبه قرأ حمزة. وهو جمع أسير كجريح وجرحى فيكون أسارى جمع الجمع قاله المفضل، وقال أبو عمرو:
الأسرى من في اليد، والأسارى من في الوثاق- ولا أرى فرقا- بل المأخوذون على سبيل القهر والغلبة مطلقا أسرى وأسارى.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ حال من فاعل تُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ أو مفعوله بعد اعتبار التقييد بالحال السابقة، وقوله تعالى: وَإِنْ يَأْتُوكُمْ اعتراض بينهما لا معطوف على تَظاهَرُونَ لأن الإتيان لم يكن مقارنا للإخراج وقيد الإخراج بهذه الحال لإفادة أنه لم يكن عن استحقاق ومعصية موجبة له، وتخصيصه بالتقييد دون القتل للاهتمام بشأنه لكونه أشد منه وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ [البقرة: ١٩١] وقيل: لا بل لكونه أقل خطرا بالنسبة إلى القتل فكان مظنة التساهل، ولأن مساق الكلام لذمهم وتوبيخهم على جناياتهم وتناقض أفعالهم وذلك مختص بصورة الإخراج إذ لم ينقل عنهم تدارك القتلى بشيء من دية أو قصاص وهو السر في تخصيص التظاهر فيما سبق، وقيل:
النكتة في إعادة تحريم الإخراج وقد أفاده- لا تخرجون أنفسكم- بأبلغ وجه، وفي تخصيص تحريم الإخراج بالإعادة دون القتل أنهم امتثلوا حكما في باب المخرج وهو الفداء وخالفوا حكما وهو الإخراج فجمع مع الفداء حرمة الإخراج ليتصل به «أفتؤمنون» إلخ أشد اتصال ويتضح كفرهم بالبعض وإيمانهم بالبعض كمال اتضاح حيث وقع في حق شخص واحد، والضمير للشأن والجملة بعده خبره وقيل: خبره مُحَرَّمٌ وإِخْراجُهُمْ نائب فاعل وهو مذهب الكوفيين وتبعهم المهدوي، وإنما ارتكبوه لأن الخبر المتحمل ضميرا مرفوعا لا يجوز تقديمه على المبتدأ فلا يجيزون قائم زيد على أن يكون قائم خبرا مقدما، والبصريون يجوزون ذلك ولا يجيزون هذا الوجه لأن ضمير الشأن لا يخبر عنه عندهم إلا بجملة مصرح بجزأيها، وقيل: إنه ضمير مبهم مبتدأ أيضا ومُحَرَّمٌ خبره وإِخْراجُهُمْ بدل منه مفسر له، وهذا بناء على جواز إبدال الظاهر من الضمير الذي لم يسبق ما يعود إليه، ومنهم من منعه وأجازه الكسائي، وقيل:
راجع إلى الإخراج المفهوم من تُخْرِجُونَ وإِخْراجُهُمْ عطف بيان له أو بدل منه أو من ضمير محرم، وضعف بأنه بعد عوده إلى الإخراج لا وجه لإبداله منه. ومن الغريب ما نقل عن الكوفيين أنه يحتمل أن يكون هو ضمير فصل، وقد تقدم مع الخبر والتقدير- وإخراجهم هو محرم عليكم- فلما قدم خبر المبتدأ عليه قدم هو معه ولا يجوزه البصريون- لأن وقوع الفصل بين معرفة ونكرة لا تقارب المعرفة- لا يجوز عندهم وتوسطه بين المبتدأ والخبر أو بين ما هما أصله شرط عندهم أيضا ولابن عطية في هذا الضمير كلام يجب إضماره أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ عطف على تَقْتُلُونَ أو على محذوف أي أتفعلون ما ذكر فَتُؤْمِنُونَ إلخ والاستفهام للتهديد والتوبيخ على التفريق بين أحكام الله تعالى إذ العهد كان بثلاثة أشياء ترك القتل وترك الإخراج ومفاداة الأسارى فقتلوا وأخرجوا على خلاف العهد وفدوا بمقتضاه، وقيل: المواثيق أربعة فزيد ترك المظاهرة، وقد أخرج ابن جرير عن أبي العالية أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة وهو يفادي من النساء ما لم يقع عليه العرب ولا يفادي من وقع عليه العرب فقال له عبد الله بن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن فادوهن كلهن، وروى محيي السنة عن السدي أن الله تعالى أخذ على بني إسرائيل في التوراة أن لا يقتل بعضهم بعضا ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم وأيما عبد أو أمة وجدتموه من بني إسرائيل فاشتروه بما قام من ثمنه فأعتقوه، ولعل كفرهم بما ارتكبوا لاعتقادهم عدم الحرمة مع دلالة صريح التوراة عليها لكن ما في الكشاف من أنه قيل لهم: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟! فقالوا: أمرنا بالفداء وحرم علينا القتال لكنا نستحي من حلفائنا يدل على أنهم لا ينكرون حرمة القتال فإطلاق الكفر حينئذ على فعل ما حرم إما لأنه كان في شرعهم كفرا أو أنه للتغليظ كما أطلق على ترك الصلاة ونحوه ذلك في شرعنا، والقول بأن المعنى
стр. 312
أتستعملون البعض وتتركون البعض فالكلام محمول على المجاز بهذا الاعتبار لا اعتبار به كالقول بأن المراد بالبعض المؤمن به نبوة موسى ﵇، والبعض الآخر نبوة نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم.
فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض، أو إلى ما فعلوه من القتل والاجلاء مع مفاداة- الأسارى- والجزاء المقابلة ويطلق في الخير والشر- والخزي- الهوان، والماضي- خزي- بالكسر، وقال ابن السكيت: معنى- خزي- وقع في بلية- وخزي- الرجل- خزاية- إذا استحى وهو- خزيان- وقوم- خزايا- وامرأة- خزيا- والمراد به هنا الفضيحة والعقوبة أو ضرب الجزية غابر الدهر أو غلبة العدو أو قتل قريظة وإجلاء النضير من منازلهم إلى أريحا وأذرعات.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: كان عادت بني قريظة القتل وعادة بني النضير الإخراج فلما غلب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجلى بني النضير وقتل رجال قريظة وأسر نساءهم وأطفالهم وتنكير- الخزي- للإيذان بفظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغا لا يكنه كنهه، ومن هنا لم يخصه بعضهم ببعض الوجوه، وادعى أن الأظهر ذلك وجعل الإشارة إلى الكفر ببعض الكتاب والإيمان ببعض أي بعض كان ولذلك أفردها، وحينئذ يتناول الكفرة بنبوة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ونظيره من يفعل جميع ذلك، والدُّنْيا مأخوذة من دنا يدنو وياؤها منقلبة عن- واو- ولا يحذف منها- الألف واللام- إلا قليلا، وخصه أبو حيان في الشعر، وما نافية ومِنْ إن جعلت موصولة فلا محل ليفعل من الإعراب، وإن جعلت موصوفة فمحله الجر على أنه صفتها، ومِنْكُمْ حال من فاعل- يفعل- وإِلَّا خِزْيٌ استثناء مفرغ وقع خبرا للمبتدأ ولا يجوز النصب في مثل ذلك على المشهور. ونقل عن يونس إجازته في الخبر بعد إِلَّا كائنا ما كان، وقال بعضهم: إن كان مَا بعد إلا هو الأول في المعنى أو منزل منزلته لم يجز فيه إلا الرفع عند الجمهور، وأجاز الكوفيون النصب فيما كان الثاني فيه منزلا منزلة الأول، وإن كان وصفا أجاز فيه الفراء النصب- ومنعه البصريون- وحكي عنهم أنهم لا يجوزون النصب في غير المصادر إلا أن يعرف المعنى فيضمر ناصب حينئذ وتحقيقه في محله.
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ أي يصيرون إليه فلا يلزم كينونتهم قبل ذلك في أشد العذاب، وقد يراد بالرد الرجوع إلى ما كانوا فيه كما في قوله تعالى: فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ [القصص: ١٣] وكأنهم كانوا في الدنيا، أو في القبور في أشد العذاب أيضا فردوا إليه، والمراد به الخلود في النار وأشديته من حيث إنه لا انقضاء له، أو المراد أشد جميع أنواع العذاب ولكن بالنسبة إلى عذاب من لم يفعل هذا العصيان لأن عصيانهم أشد من عصيان هؤلاء وجزاء سيئة سيئة مثلها ويدل على ما قررناه قوله تعالى: مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ فلا يرد ما أورده الإمام الرازي أنه كيف يكون عذاب اليهود أشد من الدهرية المنكرين للصانع ولا يفيد ما قيل لأنهم كفروا بعد معرفتهم أنه كتاب الله تعالى وإقرارهم وشهادتهم إذ الكافر الموحد كيف يقال إنه أشد عذابا من المشرك؟! أو النافي للصانع وإن كان كفره عن علم ومعرفة. وضمير يُرَدُّونَ راجع إلى مِنْ وأوثر صيغة الجمع نظرا إلى معناها بعد ما أوثر الإفراد نظرا إلى لفظها لما أن الرد إنما يكون بالاجتماع وغير السبك حيث لم يقل مثلا- وأشد العذاب يوم القيامة- للإيذان بكمال التنافي بين جزاءي النشأتين، وتقديم- اليوم- على ذكر ما يقع فيه لتهويل الخطب وتفظيع الحال من أول الأمر، وقرأ الحسن وابن هرمز باختلاف عنهما، وعاصم في رواية المفضل- تردون- على الخطاب، والجمهور على الغيبة، ووجه ذلك أن يُرَدُّونَ راجع إلى من يفعل فمن قرأ بصيغة الغيبة نظر إلى صيغة مِنْ ومن قرأ بصيغة الخطاب نظر إلى دخوله في مِنْكُمْ لا أن الضمير حينئذ راجع إلى «كم» كما وهم وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ اعتراض وتذييل
стр. 313
لتأكيد الوعيد المستفاد مما قبله أي- إنه بالمرصاد لا يغفل عما تعملون من القبائح- التي من جملتها هذا المنكر والمخاطب به من كان مخاطبا بالآية قبل، وروي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن بني إسرائيل قد مضوا وأنتم تعنون بهذا يا أمة محمد وبما يجري مجراه، وقرأ نافع وابن كثير وأبو بكر- «يعملون» - بالياء على أن الضمير لمن والباقون بالتاء من فوق أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ أي آثروا الحياة الدنيا واستبدلوها بالآخرة وأعرضوا عنها مع تمكنهم من تحصيلها فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ الموعودون (١) به يوم القيامة أو مطلق الْعَذابُ دنيويا كان أو أخرويا.
وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بدفع الخزي إلى آخر الدنيا أو بدفع الجزية في الدنيا، والتعذيب في العقبى، وعلى الاحتمال الأول في الأمرين يستفاد نفي دفع العذاب من نفي تخفيفه بأبلغ وجه وآكده، ورجحه بعضهم بأن المقام على الثاني يستدعي تقديم نفي الدفع على نفي التخفيف، وتقديم المسند إليه لرعاية الفاصلة والتقوى لا للحصر إذ ليس المقام مقامه، ولذا لم يقل فلا عنهم يخفف العذاب، والجملة معطوفة على الصلة. ويجوز أن يوصل الموصول بصلتين مختلفتين زمانا، وجوز أن يكون أُولئِكَ مبتدأ والَّذِينَ خبره، وهذه الجملة خبر بعد خبر، والفاء لما أن الموصول إذا كانت صلته فعلا كان فيها معنى الشرط، وفيه أن معنى الشرطية لا يسري إلى المبتدأ الواقعة خبرا عنه، وجوز أيضا أن يكون أُولئِكَ مبتدأ والَّذِينَ مبتدأ ثان، وهذه الجملة خبر الثاني، والمجموع خبر الأول، ولا يحتاج إلى رابط لأن الذين هم أولئك، ولا يخفى ما فيه هذا «ومن باب الإشارة» في هذه الآيات وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ بميلكم إلى هوى النفس وطباعها ومتاركتكم حياتكم الحقيقية لأجل تحصيل لذاتكم الدنية ومآربكم الدنيوية وَلا تُخْرِجُونَ ذواتكم من مقارّكم الروحانية، ورياضتكم القدسية ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بقبولكم لذلك وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ عليه باستعداداتكم الأولية وعقولكم الفطرية ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ الساقطون عن الفطرة المحتجبون عن نور الاستعداد تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وتهلكونها بغوايتكم ومتابعتكم الهوى وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ من أوطانهم القديمة بإغوائهم وإضلالهم وتحريضهم في ارتكاب المعاصي تتعاونون عليهم بارتكاب الفواحش ليروكم فيتبعوكم فيها وبإلزامكم إياهم رذائل القوتين البهيمية والسبعية وتحريضكم لهم عليها وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى في قيد ما ارتكبوه ووثاق شين ما فعلوه قد أخذتهم الندامة وعيرتهم عقولهم وعقول أبناء جنسهم بما لحقهم من العار والشنار تفادوهم بكلمات الحكمة والموعظة الدالة على أن اللذات المستعلية هي العقلية والروحية وأن اتباع النفس مذموم رديء فيتعظوا بذلك ويتخلصوا من هاتيك القيود سويعة أَفَتُؤْمِنُونَ ببعض كتاب العقل والشرع قولا وإقرارا وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فعلا وعملا فلا تنتهون عما نهاكم عنه فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا ذلة وافتضاح في الحياة الدنيا ويوم مفارقة الروح البدن يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وهو تعذيبهم بالهيئات المظلمة الراسخة في نفوسهم واحترافهم بنيرانها وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عن أفعالكم أحصاها وضبطها في أنفسكم وكتبها عليكم.
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ شروع في بيان بعض آخر من جناياتهم، وتصديره بالجملة القسمية لإظهار كمال الاعتناء به، والإيتاء- الإعطاء، والْكِتابَ التوراة في قول الجمهور وهو مفعول ثان- لآتينا- وعند السهيلي مفعول أول، والمراد بإتيانها له إنزالها عليه.
وقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن التوراة نزلت جملة واحدة فأمر الله تعالى موسى ﵇ بحملها فلم يطق فبعث بكل حرف منها ملكا فلم يطيقوا حملها فخففها الله
стр. 314
تعالى لموسى ﵇ فحملها،
وقيل، يحتمل أن يكون- آتينا- إلخ أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام والأنباء والقصص وغير ذلك مما فيه، والكلام على حذف مضاف أي علم- الكتاب- أو فهمه وليس بالظاهر وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ يقال- قفاه- إذا اتبعه- وقفاه- به إذا أتبعه إياه من- القفا- وأصل هذه الياء واو لأنها متى وقعت رابعة أبدلت كما تقول عريت من العرو أي أرسلناهم على أثره كقوله تعالى: ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا [المؤمنون: ٤٤] وكانوا إلى زمن عيسى ﵇ أربعة آلاف، وقيل: سبعين ألفا وكلهم على شريعته ﵇ منهم يوشع.
وشمويل وشمعون وداود وسليمان وشعياء وأرمياء وعزير وخزقيل وإلياس واليسع ويونس وزكريا ويحيى وغيرهم عليهم الصلاة والسلام وقرأ الحسن. ويحيى بن يعمر- بالرسل- بتسكين السين، وهو لغة أهل الحجاز والتحريك لغة تميم وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ أي الحجج الواضحة الدالة على نبوته فتشمل كل معجزة- أوتيها- ﵇ وهو الظاهر، وقيل: الإنجيل، وعيسى أصله بالعبرانية أيشوع بهمزة ممالة بين بين، أو مكسورة- ومعناه السيد- وقيل: المبارك فعرب، والنسبة إليه عيسى وعيسوي وجمعه عيسون بفتح السين- وقد تضم- وأفرده عن الرسل ﵇ لتميزه عنهم لكونه من أولي العزم وصاحب كتاب، وقيل: لأنه ليس متبعا لشريعة موسى ﵇ حيث نسخ كثيرا من شريعته. وأضافه إلى أمه ردا على اليهود إذ زعموا أن له أبا، ومريم بالعبرية الخادم وسميت أم عيسى به لأن أمها نذرتها لخدمة بيت المقدس، وقيل: العابدة، وبالعربية من النساء من تحب محادثة الرجال فهي كالزير من الرجال، وهو الذي يحب محادثة النساء، قيل: ولا يناسب مريم أن يكون عربيا لأنها كانت برية عن محبة محادثة الرجال اللهم إلا أن يقال سميت بذلك تمليحا كما يسمى الأسود كافورا، وقال بعض المحققين: لا مانع من تسميتها بذلك بناء على أن شأن من تخدم من النساء ذلك، وفي القاموس هي التي تحب محادثة الرجال ولا تفجر- وعليه لا بأس بالتسمية كما ذكره المولى عصام- والأولى عندي أن التسمية وقعت بالعبري لا بالعربي بل يكاد يتعين ذلك كما لا يخفى على المنصف وعن الأزهري المريم المرأة التي لا تحب مجالسة الرجال وكأنه قيل لها ذلك تشبيها لها بمريم البتول ووزنه عربيا مفعل لا فعيلا (١) لأنه لم يثبت في الأبنية على المشهور، وأثبته الصاغاني في الذيل، وقال: إنه مما فات سيبويه، ومنه عثير للغبار، وضهيد- بالمهملة والمعجمة- للصلب واسم موضع، ومدين على القول بأصالة ميمه، وضهيا بالقصر وهي المرأة التي لا تحيض أو لا ثدي لها من المضاهاة كأنها أطلق عليها ذلك لمشابهتها الرجل وابن جني يقول: إن ضهيد وعثير مصنوعان فلا دلالة فيهما على إثبات فعيل، وذكر الساليكوتي أن عثير بمعنى الغبار- بكسر العين- وإذا كان مفعلا فهو أيضا على خلاف القياس إذ القياس إعلاله بنقل حركة الياء إلى الراء وقلبها ألفا نحو مباع لكنه شذ كما شذ مدين، ومزيد، وإذا كان من رام يريم إذا فارق وبرح فالقياس كسر يائه أيضا وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أي قويناه بجبريل ﵇ وإطلاق بِرُوحِ الْقُدُسِ عليه شائع فقد قال سبحانه: قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [النحل: ١٠٢]
وقال ﷺ لحسان رضي الله تعالى عنه «اهجهم وروح القدس معك» ومرة قال له: «وجبريل معك» وقال حسان:
وجبريل وروح القدس فينا «وروح القدس» ليس له كفاء
والْقُدُسِ الطهارة والبركة، أو- التقديس- ومعناه التطهير. والإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة للمبالغة في الاختصاص. وهي معنوية بمعنى- اللام- فإذا أضيف العلم كذلك يكون مؤولا بواحد من المسمين به.
стр. 315
وقال مجاهد والربيع: الْقُدُسِ من أسماء الله تعالى- كالقدوس- وزعم بعضهم أن إطلاق الروح على جبريل مجاز لأنه الريح المتردد في مخارق الإنسان- ومعلوم أن جبريل ليس كذلك- لكنه أطلق عليه على سبيل التشبيه من حيث إن- الروح- سبب الحياة الجسمانية، وجبريل سبب الحياة المعنوية بالعلوم، وكأن هذا الزعم نشأ من كثافة روح الزاعم وعدم تغذيها بشيء من العلوم، وخص عيسى ﵇ بذكر التأييد بِرُوحِ الْقُدُسِ لأنه تعالى خصه به من وقت صباه إلى حال كبره، كما قال تعالى: إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا [المائدة:
١١٠] ولأنه حفظه حتى لم يدن منه الشيطان، ولأنه بالغ اثنا عشر ألف يهودي لقتله، فدخل عيسى بيتا فرفعه ﵇ مكانا عليا. وقيل:- الروح- هنا اسم الله تعالى الأعظم الذي كان يحيي به الموتى- وروي ذلك كالأول عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- وقال ابن زيد: الإنجيل- كما جاء في شأن القرآن- قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا [الشورى: ٥٢] وذلك لأنه سبب للحياة الأبدية والتحلي بالعلوم والمعارف التي هي حياة القلوب وانتظام المعاش الذي هو سبب الحياة الدنيوية، وقيل: روح عيسى ﵇ نفسه، ووصفها به لطهارته عن مس الشيطان، أو لكرامته عليه تعالى- ولذلك أضافها إلى نفسه- أو لأنه لم يضمه الأصلاب ولا أرحام الطوامث، بل حصل من نفخ جبريل ﵇ في درع أمه فدخلت النفخة في جوفها، وقرأ ابن كثير «القدس» - بسكون الدال- حيث وقع، وأبو حيوة «القدوس» بواو.
أَفَكُلَّما جاءَكُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ مسبب عن قوله تعالى: وَلَقَدْ آتَيْنا بحيث لا يتم الكلام السابق بدونه كالشرط بدون الجزاء، وقد أدخلت- الهمزة- بين السبب والمسبب للتوبيخ على تعقيبهم ذلك بهذا، والتعجيب من شأنهم على معنى وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وأنعمنا عليكم بكذا وكذا لتشكروا بالتلقي بالقبول- فعكستم بأن كذبتم- ويحتمل أن يكون ابتداء كلام- والفاء- للعطف على مقدر كأنه قيل: أفعلتم ما فعلتم- فكلما جاءكم- ثم المقدر يجوز أن يكون عبارة عما وقع بعد- الفاء- فيكون العطف للتفسير، وأن يكون غيره مثل «أكفرتم النعمة واتبعتم الهوى» فيكون لحقيقة التعقيب، وضعف هذا الاحتمال بما ذكره الرضي أنه لو كان كذلك لجاز وقوع- الهمزة- في الكلام قبل أن يتقدمه ما كان معطوفا عليه- ولم تجئ إلا مبنية على كلام متقدم، وفي كون الهمزة الداخلة على جملة معطوفة- بالواو أو الفاء، أو ثم- في محلها الأصلي، أو مقدمة من تأخير حيث إن محلها بعد العاطف خلاف مشهور بين أهل العربية، وبعض المحققين يحملها في بعض المواضع- على هذا- وفي البعض- على ذلك- بحسب مقتضى المقام ومساق الكلام- والقلب يميل إليه- قيل: ولا يلزم بطلان صدارة- الهمزة- إذ لم يتقدمها شيء من الكلام الذي دخلت هي عليه، وتعلق معناها بمضمونه غاية الأمر أنها توسطت بين كلامين لإفادة إنكار جمع الثاني مع الأول، أو لوقوعه بعده متراخيا أو غير متراخ، وهذا مراد من قال: إنها مقحمة مزيدة لتقرير معنى الإنكار أو التقرير، أي مقحمة على المعطوف مزيدة بعد اعتبار عطفه، ولم يرد أنها صلة وتَهْوى من- هوي- بالكسر إذا أحب، ومصدره- هوى- بالقصر، وأما- هوى- بالفتح فبمعنى سقط، ومصدره- هوي- بالضم وأصله فعول فأعل وقال المرزوقي: هوى- انقض انقضاض النجم والطائر، والأصمعي يقول: هوت العقاب إذا انقضت لغير الصيد.
وأهوت إذا انقضت للصيد، وحكى بعضهم أنه يقال: هوى يهوي هويا- بفتح الهاء- إذا كان القصد من أعلى إلى أسفل، وهوى يهوي هويا بالضم إذا كان من أسفل إلى أعلى- وما ذكرناه أولا هو المشهور- والهوي- يكون في الحق وغيره، وإذا أضيف إلى النفس فالمراد به الثاني في الأكثر، ومنه هذه الآية. وعبر عن المحبة بذلك للإيذان بأن مدار الرد والقبول عندهم هو المخالفة لأهواء أنفسهم والموافقة لها لا شيء آخر، ومتعلق اسْتَكْبَرْتُمْ محذوف أي
стр. 316
عن الإيمان بما جاء به مثلا، واستفعل هنا بمعنى تفعل.
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ الظاهر أنه عطف على اسْتَكْبَرْتُمْ والفاء للسببية إن كان التكذيب والقتل مرتبين على الاستكبار، وللتفصيل إن كانا نوعين منه، وجوز الراغب أن يكون عطفا على وَأَيَّدْناهُ ويكون أَفَكُلَّما مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار، وقدم فَرِيقاً في الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر، وثم محذوف أي فَرِيقاً منهم، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول، ونسب القتل إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضارا لصورتها لفظاعتها واستعظامها، أو مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل، أو للدلالة على أنكم الآن فيه فإنكم حول قتل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولولا أني أعصمه لقتلتموه ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض. والمراد من القتل مباشرة الأسباب الموجبة لزوال الحياة سواء ترتب عليه أولا، وقيل: لا حاجة إلى التعميم لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قتل حقيقة بالسم الذي ناولوه على ما وقع
في الصحيح بلفظ «وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم»
وفيه أنه لم يتحقق منهم القتل زمان نزول الآية بل مباشرة الأسباب فلا بد من التعميم.
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ عطف على اسْتَكْبَرْتُمْ أو على كَذَّبْتُمْ فتكون تفسيرا للاستكبار، وعلى التقديرين فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عن مخاطبتهم وإبعادا لهم عن عز الحضور، والقائلون هم الموجودون في عصر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والغلف- جمع أغلف كأحمر وحمر وهو الذي لا يفقه، قيل وأصله ذو الغلفة الذي لم يختن، أو جمع غلاف ويجمع على غلف بضمتين أيضا. وبه قرأ ابن عباس وغيره، وأرادوا على الأول قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به فيها، وهذا كقولهم: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فصلت: ٥] قصدوا به إقناط النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن الإجابة وقطع طمعه عنهم بالكلية، وقيل: مغشاة بعلوم من التوراة نحفظها أن يصل إليها ما تأتي به، أو بسلامة من الفطرة كذلك، وعلى الثاني أنها أوعية العلم فلو كان ما تقوله حقا وصدقا لوعته- قاله ابن عباس. وقتادة والسدي- أو مملوءة علما فلا تسع بعد شيئا فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، روي ذلك عن ابن عباس أيضا، وقيل: أرادوا أنها أوعية العلم فكيف يحل لنا اتباع الأمي ولا يخفى بعده.
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ رد لما قالوه، وتكذيب لهم فيما زعموه، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل إلى الحق لكن الله تعالى أبعدهم، وأبطل استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقا وصدقا بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم. أو أن الله تعالى أقصاهم عن رحمته فأنى لهم ادعاء العلم الذي هو أجل آثارها، ويعلم من هذه الوجوه كيفية الرد على ما قيل قبل من الوجوه فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ الفاء لسببية اللعن لعدم الايمان، وقليلا- نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيمانا قليلا، وهو إيمانهم ببعض الكتاب «ما» مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأن ما في حيزها لا يتقدمها ولأنه وإن كان بمعنى- لا يؤمنون قليلا فضلا عن الكثير- لكن ربما يتوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيرا، ولا مصدرية لاقتضائها رفع القليل بأن يكون خبرا، والمصدر المعرف بالإضافة مبتدأ، والتقدير فإيمانهم قليل، وجوز بعضهم- كونها نافية بناء على مذهب الكوفيين من جواز تقدم ما في حيزها عليها ولم يبال بالتوهم وآخرون كونها مصدرية، والمصدر فاعل «قليلا» وكانوا مقدرة في نظم الكلام
стр. 317
فتكون على طرز كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ [الذاريات: ١٧] ، ولا يخفى ما فيه من التكلف، وجوز أيضا انتصاب قليلا على الحال إما من ضمير الإيمان أو من فاعل يُؤْمِنُونَ والتقدير فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلته، وهو المروي عن سيبويه أو «فيؤمنون» حال كونهم جمعا قليلا أي المؤمن منهم قليل، وهو المروي عن ابن عباس وطلحة وقتادة، ولذا جوز كونه نعتا للزمان أي زمانا قليلا وهو زمان الاستفتاح أو بلوغ الروح التراقي، أو ما قالوا آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢] وأولى الوجوه أولها، والظاهر أن المراد بالإيمان المعنى اللغوي، والقلة مقابل الكثرة، وقال الزمخشري: يجوز أن تكون بمعنى العدم، وكأنه أخذه من كلام الواقدي لا قليلا ولا كثيرا واعترضه في البحر بأن القلة بمعنى النفي، وإن صحت لكن في غير هذا التركيب لأن قليلا انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير قمت قليلا أي قياما قليلا، ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت، وجعلت قليلا صفة لمصدره يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأسا، وعدم وقوعه بالكلية، وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم- أقل رجل يقول ذلك، وقلما يقوم زيد- فحملها هنا على ذلك ليس بصحيح، وليت شعري أي معنى لقولنا يُؤْمِنُونَ إيمانا معدوما، وما نقل الكسائي عن العرب أنهم يقولون: مررنا بأرض قليلا ما تنبت ويريدون لا تنبت شيئا فإنما ذلك لأن قليلا حال من الأرض، وإن كان نكرة، وما مصدرية والتقدير قليلا إنباتها فلا مانع فيه من حمل القلة على العدم- وأين ما نحن فيه- من ذاك اللهم إلا على بعض الوجوه المرجوحة لكن الزمخشري غير قائل به، ويمكن أن يقال: إن ذلك على طريق الكناية فإن قلة الشيء تستتبع عدمه في أكثر الأوقات لا على أن لفظ القلة مستعمل بمعنى العدم فإنه هنا قول بارد جدا ولو أوقد عليه الواقدي ألف سنة.
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهو القرآن وتنكيره للتعظيم ووصفه بما عنده للتشريف والإيذان بأنه جدير بأن يقبل ما فيه ويتبع لأنه من خالقهم وإلههم الناظر في مصالحهم، والجملة عطف على قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ أي وكذبوا لما جاءهم إلخ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من كتابهم أي نازل حسبما نعت أو مطابق له، ومُصَدِّقٌ صفة ثانية لكتاب وقدمت الأولى عليها لأن الوصف بكينونته من عنده تعالى آكد ووصفه بالتصديق ناشىء عنها وجعله مصدقا ل «كتابهم» لا مصدقا به إشارة إلى أنه بمنزلة الواقع ونفس الأمر لكتابهم لكونه مشتملا على الإخبار عنه محتاجا في صدقه إليه وإلى أنه بإعجازه مستغن عن تصديق الغير، وفي مصحف أبيّ «مصدقا» بالنصب، وبه قرأ ابن أبي عبلة، وهو حينئذ حال من الضمير المستقر في الظرف، أو من كتاب لتخصيصه بالوصف المقرب له من المعرفة، واحتمال أن الظرف لغو متعلق ب جاءَهُمْ بعيد- فلا يضر- على أن سيبويه جوّز مجيء الحال من النكرة بلا شرط وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل مبعثه- قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة- والمعنى يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم به على المشركين، كما روى السدي أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقالوا: اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدونا فينصرون- فالسين- للطلب- والفتح- متضمن معنى النصر بواسطة عَلَى أو يفتحون عليهم من قولهم: فتح عليه إذا علمه ووقفه كما في قوله تعالى: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٧٦] أي يعرفون المشركين أن نبيا يبعث منهم وقد قرب زمانه- فالسين- زائدة للمبالغة، كأنهم فتحوا بعد طلبه من أنفسهم- والشيء بعد الطلب أبلغ- وهو من باب التجريد، جرّدوا من أنفسهم أشخاصا وسألوهم
стр. 318
الفتح كقولهم: استعجل كأنه طلب العجلة من نفسه، ويؤول المعنى إلى يا نفس عرّفي المشركين أن نبيا يبعث منهم، وقيل: يَسْتَفْتِحُونَ بمعنى يستخبرون عنه صلى الله تعالى عليه وسلم، هل ولد مولود صفته كذا وكذا؟ نقله الراغب وغيره، وما قيل: إنه لا يتعدى ب عَلَى لا يسمع بمجرد التشهي.
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ كنى عن الكتاب المتقدم ب ما عَرَفُوا لأن معرفة من أنزل عليه معرفة له، والاستفتاح به استفتاح به، وإيراد الموصول دون الاكتفاء بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم، ويحتمل أن يراد به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما قد يعبر بها عن صفات من يعقل، وبعضهم فسره بالحق إشارة إلى وجه التعبير عنه ﵊ ب ما وهو أن المراد به الحق- لا خصوصية ذاته المطهرة- وعرفانهم ذلك حصل بدلالة المعجزات والموافقة لما نعت في كتابهم- فإنه كالصريح عند الراسخين- فلا يرد أن نعت الرسول في التوراة إن كان مذكورا على التعيين فكيف ينكرونه فإنه مذكور بالتواتر- وإلا فلا عرفان للاشتباه- على أن الإيراد في غاية السقوط، لأن الآية مساقة على حد قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤] أي جحدوه مع علمهم به- وهذا أبلغ في ذمهم- وكَفَرُوا جواب ل «ما» الأولى ول «ما» الثانية تكرير لها لطول العهد كما في قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران: ١٨٨] وإلى ذلك ذهب المبرد، وقال الفراء: ل «ما» الثانية مع جوابها جواب الأولى كقوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ [البقرة: ٣٨] إلخ، وعلى الوجهين يكون قوله سبحانه: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ جملة حالية بتقدير- قد- مقررة، واختار الزجاج والأخفش أن جواب الأولى محذوف- أي كذبوا به مثلا- وعليه يكون وَكانُوا مِنْ قَبْلُ إلخ مع ما عطف عليه من قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ من الشرط، والجزاء جملة معطوفة على «لما جاءهم» بعد تمامها، تدل الأولى على معاملتهم مع الكتاب المصدق، والثانية مع الرسول المستفتح به، وارتضاه بعض المحققين- لما- في الأول من لزوم التأكيد- والتأسيس أولى منه- واستعمال الفاء للتراخي الرتبي فإن مرتبة المؤكد بعد مرتبة المؤكد، ولما- في الثاني من دخول الفاء في جواب «لما» مع أنه ماض وهو قليل جدا حتى لم يجوزه البصريون ولو جوز وقوعها زائدة فَلَمَّا لا تجاب بمثلها لا يقال- لما جاء زيد، لما قعد عمرو أكرمتك- بل هو كما ترى تركيب معقود في لسانهم مع خلو الوجهين عن فائدة عظيمة وهو بيان سوء معاملتهم مع الرسول واستلزامهما جعل وَكانُوا حالا، واختار أبو البقاء أن كَفَرُوا جواب- لما- الأولى، والثانية ولا حذف لأن مقتضاهما واحد وليس بشيء كجعل فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ جوابا للأولى وما بينهما اعتراض واللام في الكافرين للعهد أي عليهم ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم كما أن الفاء للإيذان بترتبها عليه، وجوز كونها للجنس ويدخلون فيه دخولا أوليا، واعترض بأن دلالة العام متساوية فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء، والجواب أن المراد دخولا قصديا لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم ويكون ذلك من الكناية الإيمائية ويصار إليها إذا كان الموصوف مبالغا في ذلك الوصف ومنهمكا فيه حتى إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال كقولهم لمن يقتني رذيلة ويصر عليها- أنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كل من هو من أبناء جنسك- فاليهود لما بالغوا في الكفر والعناد وكتمان أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ونعى الله تعالى عليهم ذلك صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم وكان هذا الكلام لازما لذكرهم ورديفه وأنهم أولى الناس دخولا فيه لكونهم تسببوا استجلاب هذا القول في غيرهم وجعل السكاكي من هذا القبيل قوله:
إذا الله لم يسق إلا الكراما ... فيسقي وجوه بني حنبل
стр. 319
فإنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى لا خفاء فيه بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي باعوا، فالأنفس بمنزلة المثمن، والكفر بمنزلة الثمن لأن أنفسهم الخبيثة لا تشترى بل تباع وهو على الاستعارة أي إنهم اختاروا الكفر على الإيمان وبذلوا أنفسهم فيه، وقيل: هو بمعناه المشهور لأن المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى بأعمال يظن أنها تخلصه فكأنه اشترى نفسه بها فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم وخلصوها فذمهم الله تعالى عليه، واعترض بأنه كيف يدعي أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى:
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فإذا علموا مخالفة الحق كيف يظنون نجاتهم بما فعلوا وإرادة العقاب الدنيوي كترك الرياسة غير صحيح لأن لا يشترى به الأنفس؟ ويمكن الجواب بأن المراد أنهم ظنوا على ما هو ظاهر حالهم من التصلب في اليهودية والخوف فيما يأتون ويذرون وادعاء الحقية فيه فلا ينافي عدم ظنهم في الواقع على ما تدل عليه الآية، والمراد بما أنزل الله الكتاب المصدق، وفي تبديل المجيء بالإنزال المشعر بأنه من العالم العلوي مع الإسناد إليه تعالى إيذان بعلو شأنه وعظمه الموجب للإيمان به، وقيل: يحتمل أن يراد به التوراة والإنجيل وأن يراد الجميع، والكفر ببعضها كفر بكلها، واختلف في ما الواقعة بعد بئس ألها محل من الإعراب أم لا فذهب الفراء إلى أنها لا محل لها وأنها مع بئس شيء واحد كحبذا، وذهب الجمهور إلى أن لها محلا، واختلف أهو نصب أم رفع؟ فذهب الأخفش إلى الأول على أنها تمييز، والجملة بعدها في موضع نصب على الصفة، وفاعل بئس مضمر مفسر بها، والتقدير بئس هو شيئا اشتروا به، وأَنْ يَكْفُرُوا هو المخصوص بالذمّ والتعبير بصيغة المضارع لإفادة الاستمرار على الكفر فإنه الموجب للعذاب المهين، ويحتمل على هذا الوجه أن يكون المخصوص محذوفا، واشْتَرَوْا صفة له، والتقدير بئس شيء اشتروا به، وأَنْ يَكْفُرُوا بدل من المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، وذهب الكسائي إلى النصب على التمييز أيضا إلا أنه قدر بعدها ما أخرى موصولة هي المخصوص بالذم، واشْتَرَوْا صلتها، والتقدير بئس شيئا الذي اشتروا، وذهب سيبويه إلى الثاني على أنها فاعل بئس وهي معرفة تامة، والمخصوص محذوف أي شيء اشْتَرَوْا، وعزى هذا إلى الكسائي أيضا، وقيل: موصولة وهو أحد قولي الفارسي وعزاه ابن عطية إلى سيبويه وهو وهم، ونقل المهدوي عن الكسائي أن ما مصدرية والمتحصل فاعل بئس واعترض بأن بئس لا تدخل على اسم معين يتعرف بالإضافة إلى الضمير، ولك على هذا التقدير أن لا تجعل ذلك فاعلا بل تجعله المخصوص والفاعل مضمر والتمييز محذوف لفهم المعنى، والتقدير- بئس اشتراء اشتراؤهم- فلا يلزم الاعتراض، نعم يرد عود ضمير به على ما والمصدرية لا يعود عليها الضمير لأنها حرف عند غير الأخفش فافهم بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ- البغي- في الأصل الظلم والفساد من قولهم- بغى- الجرح فسد قاله الأصمعي، وقيل أصله الطلب، وتختلف أنواعه ففي طلب زوال النعمة حسد، والتجاوز على الغير ظلم، والزنا فجور، والمراد به هنا بمعونة المقام طلب ما ليس لهم فيؤول إلى الحسد، وإلى ذلك ذهب قتادة وأبو العالية والسدي، وقيل: الظلم وانتصابه على أنه مفعول له ليكفرون فيفيد أن كفرهم كان لمجرد العناد الذي هو نتيجة الحسد لا للجهل وهو أبلغ في الذم لأن الجاهل قد يعذر، وذهب الزمخشري إلى أنه علة اشْتَرَوْا ورد بأنه يستلزم الفصل بالأجنبي وهو المخصوص بالذم وهو وإن لم يكن أجنبيا بالنسبة إلى فعل الذم وفاعله لكن لا خفاء في أنه أجنبي بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييز الفاعل، والقول بأن المعنى- على ذم ما باعوا به أنفسهم حسدا وهو الكفر لا على ذم ما باعوا به أنفسهم وهو الكفر حسدا- تحكم، نعم قد يقال: إنما يلزم الفصل بأجنبي إذا كان المخصوص مبتدأ خبره بئسما أما لو كان خبر مبتدأ محذوف- وهو المختار- فلا لأن الجملة حينئذ جواب للسؤال عن فاعل «بئس» فيكون الفصل بين المعلول وعلته بما هو بيان للمعلول ولا امتناع فيه، وجعله بعضهم علة ل اشْتَرَوْا محذوفا فرارا من الفصل، ومنهم من أعربه حالا ومفعولا
стр. 320
مطلقا لمقدر أي بغوا بغيا، وأَنْ يُنَزِّلَ إما مفعول من أجله للبغي أي حسدا لأجل تنزيل الله، وإما على إسقاط الخافض المتعلق بالبغي أي حسدا على أَنْ يُنَزِّلَ والقول بأنه في موضع خفض على أنه بدل اشتمال من ما في قوله: بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بعيدا جدا، وربما يقرب منه ما قيل: إنه في موضع المفعول الثاني، والبغي بمعنى طلب الشخص ما ليس له يتعدى إليه بنفسه تارة، وباللام أخرى، والمفعول الأول هاهنا أعني محمدا ﵊ محذوف لتعينه وللدلالة على أن الحسد مذموم في نفسه كائنا ما كان المحسود- كما لا يخفى- وقرأ ابن كثير
وأبو عمرو ويعقوب «ينزل» بالتخفيف مِنْ فَضْلِهِ أراد به الوحي، ومِنْ لابتداء الغاية صفة لموصوف محذوف أي شيئا كائنا مِنْ فَضْلِهِ وجوّز أبو البقاء أن تكون زائدة على مذهب الأخفش عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي على من يختاره للرسالة، وفي البحر أن المراد به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب ومن ولد إسماعيل- ولم يكن من ولده نبي سواه ﵊ وإضافة- العباد- إلى ضميره تعالى للتشريف، ومِنْ إما موصولة أو موصوفة.
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ تفريع على ما تقدم، أي فرجعوا متلبسين بِغَضَبٍ كائن عَلى غَضَبٍ مستحقين له حسبما اقترفوا من الكفر والحسد. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الغضب «الأول» لعبادة العجل «والثاني» لكفرهم به صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال قتادة: «الأول» كفرهم بالإنجيل «والثاني» كفرهم بالقرآن، وقيل: هما الكفر بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، أو قولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] ويَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤] وغير ذلك من أنواع كفرهم، وكفرهم الأخير بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يخفى أن- فاء العطف- يقتضي صيرورتهم أحقاء بترادف الغضب لأجل ما تقدم، وقولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ مثلا غير مذكور فيما سبق، ويحتمل أن يراد بقوله سبحانه: بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ الترادف والتكاثر لا غضبان فقط، وفيه إيذان بتشديد الحال عليهم جدا كما في قوله:
ولو كان رمحا واحدا لاتقيته ... ولكنه رمح «وثان وثالث»
ومن الناس من زعم أن- الفاء فصيحة- والمعنى فإذا كفروا وحسدوا على ما ذكر فَباؤُ إلخ، وليس بشيء.
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ- اللام- في «الكافرين» للعهد، والإظهار في موضع الإضمار للإيذان بعلية كفرهم لما حاق بهم ويحتمل أن تكون للعموم فيدخل المعهودون فيه على طرز ما مر. والمهين- المذل، وأصله مهون فأعل، وإسناده إلى العذاب مجاز من الإسناد إلى السبب- والوصف به للتقييد- والاختصاص الذي يفهمه تقديم الخبر بالنسبة إليه، فغير الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير- لا للإهانة والإذلال- ولذا لم يوصف عذاب غيرهم به في القرآن فلا تمسك للخوارج بأنه خص العذاب ب «الكافرين» فيكون الفاسق كافرا لأنه معذب ولا للمرجئة أيضا.