← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.

стр. 2731

حيث لم يطمئنوا به ولم يعدوه آية وهو أظهر الآيات وأبهرها، وقيل: في الكلام مضاف مقدر أي لتطمئن قلوبهم بذكر رحمته تعالى ومغفرته بعد القلق والاضطراب من خشيته تعالى كقوله تعالى: ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ [الزمر: ٢٣] وهذا مناسب على ما في الكشف للإنابة إليه تعالى، والمصدر عليه مضاف إلى الفاعل وقيل: المراد بذكر الله دلائله سبحانه الدالة على وحدانيته والاطمئنان عن قلق الشك والتردد، وهذا مناسب لذكر الكفر ووقوعه في مقابلته، وقيل: المراد بذكره تعالى أنسا به وتبتلا إليه سبحانه فالمراد بالهداية دوامها واستمرارها. وقيل: وهذا مناسب أيضا حديث الكفر لأن الكفرة إذا ذكر الله تعالى وحده اشمأزت قلوبهم، والمصدر على القولين مضاف إلى المفعول. والوجه الأول أشد ملاءمة للنظم لا سيما لقوله تعالى: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ والمصدر فيه بمعنى المفعول. ومن الغريب ما نقل في تفسير الخازن أن هذا في الحلف بالله وذلك أن المؤمن إذا حلف له بالله تعالى سكن قلبه، وروي نحو ذلك أبو الشيخ عن السدي فإن الحمل عليه هنا مما لا يناسب المقام، وأما ما روي عن أنس من أنه ﷺ قال لأصحابه حين نزلت هذه الآية: «هل تدرون ما معنى ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم قال: من أحب الله تعالى ورسوله وأحب أصحابي: ومثله ما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه من أنه ﵊ قال حين نزلت: «ذاك من أحب الله تعالى ورسوله وأحب أهل بيتي صادقا غير كاذب وأحب المؤمنين شاهدا غائبا» فليس المراد منه تفسير المراد بذكر الله بل بيان أن الموصوفين بما ذكر من أحبه الله تعالى ورسوله ﷺ إلخ، وهو كذلك إذ لا يكاد يتحقق الانفكاك بين هاتيك الصفات فليتأمل، ولا تنافي بين هذه الآية على سائر الأوجه وقوله تعالى: إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الأنفال: ٢، الحج: ٣٥] لأن المراد هناك وجلت من هيبته تعالى واستعظامه جلت عظمته. وذكر الأمام في بيان اطمئنان القلب بذكره تعالى وجوها فقال: إن الموجودات على ثلاثة أقسام: مؤثر لا يتأثر. ومتأثر لا يؤثر وموجود يؤثر ويتأثر فالأول هو الله تعالى. والثاني هو الجسم فإنه ليس له خاصية إلى القبول للآثار المتنافية والصفات المختلفة. والثالث الموجودات الروحانية فإنها توجهت إلى الحضرة الإلهية صارت قابلة للآثار الفائضة عليها منها وإذا توجهت إلى أعلام الأجسام اشتاقت إلى التصرف فيها لأن عالم الأرواح مدبر لعالم الأجسام فإذا عرف هذا فالقلب كلما توجه إلى مطالعة عالم الأجسام حصل فيه الاضطراب والقلق والميل الشديد إلى الاستيلاء عليه والتصرف فيه وإذا توجه إلى مطالعة الحضرة الإلهية وحصلت فيه الأنوار الصمدية فهناك يكون ساكنا مطمئنا، وأيضا أن القلب كلما وصل إلى شيء فإنه يطلب الانتقال منه إلى أمر آخر أشرف منه لأنه لا سعادة في عالم الجسم إلا وفوقها مرتبة أخرى أما إذا انتهى إلى الاستسعاد بالمعارف الالهية والأنوار القدسية ثبت واستقر فلم يقدر على الانتقال من البتة لأنه ليس هناك درجة أخرى في السعادة أعلى منه وأكمل، وأيضا أن الإكسير إذا وقعت منه ذرة على الجسم النحاسي انقلب ذهبا باقيا على ممر الدهور صابرا على الذوبان الحاصل بالنار فاكسير نور الله تعالى إذا وقع في القلب أولى أن يقلبه جوهرا باقيا صافيا نورانيا لا يقبل التغير والتبدل، ولهذه الأوجه قال سبحانه: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ اه، والأولى أن يقال: إن سبب الطمأنينة نور يفيضه الله تعالى عن قلب المؤمنين بسبب ذكره فيذهب ما فيها من القلق والوحشة ونحو ذلك، وللمناقشة فيما ذكره مجال وسيؤتي إن شاء الله تعالى في باب الإشارة ما يشبه ذلك الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بدل من الْقُلُوبُ أي قلوب الذين آمنوا، والأظهر أنه بدل الكل لأن القلوب في الأول قلوب المؤمنين المطمئنين وكذلك لو عمم القلب على معنى أن قلوب هؤلاء الأجلاء كل القلوب لأن الكفار أفئدتهم هواء، وأما الحمل على بدل البعض ليعمم القلب من غير الملاحظة المذكورة واستنباط هذا المعنى من البدل فبعيد، وأما احتماله

стр. 2732

لبدل الاشتمال وإن استحسنه الطيبي فكلا أو مبتدأ خبره الجملة الدعائية على التأويل أعني قوله سبحانه: طُوبى لَهُمْ أي يقال لهم ذلك، أو لا حاجة إلى التأويل والجملة خبرية أو خبر مبتدأ مضمر أو نصب على المدح- فطوبى لهم- حال مقدرة والعامل فيها الفعلان. وقال بعض المدققين: لعل الأشبه وجه آخر وهو أن يتم الكلام عند قوله تعالى: مَنْ أَنابَ ثم قيل: الَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ في مقابلة وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ وقوله سبحانه: أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ جملة اعتراضية تفيد كيف لا تطمئن قلوبهم به ولا اطمئنان للقلب بغيره، وقوله : الَّذِينَ آمَنُوا بدل من الأول، وفيه إشارة إلى أن ذكر الله تعالى أفضل الأعمال الصالحة بل هو كلها وطُوبى لَهُمْ خبر الأول فيتم التقابل بين القرينتين وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا والَّذِينَ آمَنُوا وتَطْمَئِنُّ وبين جزئي التذييل: يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ ومن الناس من زعم أن الموصول الأول مبتدأ والموصول الثاني خبره وأَلا بِذِكْرِ اللَّهِ اعتراض وطُوبى لَهُمْ دعاء وهو كما ترى، وطُوبى قيل مصدر من طاب كبشرى وزلفى والواو منقلبة من الياء كموسر وموقن. وقرأ مكوزة الأعرابي «طيبي» ليسلم الياء، وقال أبو الحسن الهنائي: هي جمع طيبة كما قالوا في كيسة كوسى. وتعقبه أبو حيان بأن فعلى ليست من أبنية الجموع فلعله أراد أنه اسم جمع، وعلى الأول فلهم في المعنى المراد عبارات. فأخرج ابن جرير وغيره عن ابن عباس أن المعنى فرح وقرة عين لهم، وعن الضحاك غبطة لهم، وعن قتادة حسنى لهم. وفي رواية أخرى عنه أصابوا خيرا، وعن النخعي خير كثير لهم. وفي رواية أخرى عنه كرامة لهم، وعن سميط بن عجلان دوام الخير لهم ويرجع ذلك إلى معنى العيش الطيب لهم. وفي رواية عن ابن عباس. وابن جبير أن طُوبى اسم للجنة بالحبشية وقيل بالهندية، وقال القرطبي: الصحيح أنها علم لشجرة في الجنة، فقد أخرج أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن حبان والطبراني والبيهقي في البعث والنشور، وصححه السهيلي وغيره عن عتبة ابن عبد قال: «جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله أفي الجنة فاكهة؟ قال: نعم فيها شجرة تدعى طوبى هي نطاق الفردوس قال: أي شجر أرضنا تشبه؟ قال: ليس تشبه شيئا من شجر أرضك ولكن أتيت الشام؟ قال: لا قال: فإنها تشبه شجرة بالشام تدعى الجوزة تنبت على ساق واحد ثم ينتشر أعلاها قال: ما عظم أصلها؟ قال: لو ارتحلت جذعة من إبل أهلك ما أحطت بأصلها حتى تنكسر ترقوتاها هرما قال: فهل فيها عنب؟ قال: نعم. قال: ما عظم العنقود منه؟ قال: مسيرة شهر للغراب الأبقع» والأخبار المصرحة بأنها شجرة في الجنة منتشرة جدا، وحينئذ فلا كرم في جواز الابتداء بها وإن كانت نكرة فمسوغ الابتداء بها ما ذهب إليه سيبويه من أنه ذهب بها مذهب الدعاء كقولهم: سلام عليك الا أنه ذهب ابن مالك إلى أنه التزم فيها الرفع على الابتداء، ورد عليه بأن عيسى الثقفي قرأ وَحُسْنُ مَآبٍ بالنصب، وخرج ذلك ثعلب على أنه معطوف على طوبى وأنها في موضع نصب، وهي عنده مصدر معمول لقد رأى طاب واللام للبيان كما في سقيا له، ومنهم من قدر جعل طُوبى لَهُمْ وقال صاحب اللوامح: إن التقدير يا طوبى لهم ويا حسن مآب- فحسن- معطوف على المنادى وهو مضاف للضمير واللام مقحمة كما في قوله: يا بؤس للجهل ضرار الأقوام. ولذلك سقط التنوين من بؤس وكأنه قيل. يا طوباهم ويا حسن مآبهم أي ما أطيبهم وأحسن مآبهم كما تقول: يا طيبها ليلة أي ما أطيبها ليلة ولا يخفى ما فيه من التكلف. وأجاب السفاقسي عن ابن مالك بأنه يجوز نصب حُسْنُ بمقدر أي ورزقهم حسن مآب وهو بعيد. وقرئ «حسن مآب» بفتح النون ورفع «مآب» وخرج ذلك على أن حُسْنُ فعل ماض أصله حسن نقلت ضمة السين إلى الحاء ومثله جائز في فعل إذا كان للمدح أو الذم كما قالوا: حسن ذا أدبا كَذلِكَ أي مثل ذلك

стр. 2733

الإرسال العظيم الشأن المصحوب بالمعجزة الباهرة، ويجوز أن يراد مثل إرسال الرسل قبلك أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ فيكون قد شبه إرساله ﷺ بإرسال من قبله وإن لم يجر لهم ذكر لدلالة قوله تعالى: قَدْ خَلَتْ أي مضت مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ كثيرة قد أرسل إليهم رسل عليهم وروي هذا عن الحسن، وقيل: الكاف متعلقة بالمعنى الذي في قوله تعالى: قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ إلخ أي كما أنفذنا ذلك أرسلناك ونقل نحوه عن الحوفي وقال ابن عطية: الذي يظهر أن المعنى كما أجرينا العادة في الأمم السابقة بأن نضل ونهدي بوحي لا بالآيات المقترحة كذلك أيضا فعلنا في هذه الأمة وأرسلناك إليهم بوحي لا بالآيات المقترحة فنضل من نشاء ونهدي من أناب، وقال أبو البقاء: التقدير الأمر كذلك، والحسن ما قدمناه وما روي عن الحسن. وفِي بمعنى إلى كما في قوله تعالى: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ [إبراهيم: ٩] وقيل: هي على ظاهرها، وفيها إشارة إلى أنه من جملتهم وناشئ بينهم ولا تكون بمعنى إلى إذ لا حاجة لبيان من أرسل إليهم وفيه نظر ظاهر، وهي متعلقة بالفعل المذكور، وقول الزمخشري: في تفسير الآية يعني أرسلنا إرسالا له شأن وفضل على الإرسالات ثم فسر كيف أرسله بقوله: فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ أي أرسلناك في أمة قد تقدمها أمم كثيرة فهي آخر الأمم وأنت خاتم الأنبياء لم يرد به أنها لا تتعلق بالمذكور بل أراد أن المشار إليه المبهم لما كان ما بعده تفخيما كان بيانه بصلة ذلك الفعل حتى يزول الإبهام، ويجوز أن يريد ذلك فيقدر أرسلناك ثانيا ويكون قوله: أي أرسلناك في أمة إظهارا للمحذوف أيضا لا بيانا لحاصل الآية وهو الذي آثره العلامة الطيبي، والتعلق بالمذكور هو الظاهر، وجملة قَدْ خَلَتْ إلخ في موضع الصفة- لأمة- وفائدة الوصف بذلك قيل: ما أشار إليه الزمخشري. واعترض بأنه لا يلزم من تقدم أمم كثيرة قبل أن لا يكون أمة يرسل إليها بعد حتى يلزم أن يكون ﷺ خاتم الأنبياء ﵈، وبحث فيه الشهاب بأن المراد بكون إرساله ﵊ عجيبا أن رسالته أعظم من كل رسالة فهي جامعة لكل ما يحتاج إليه فيلزم أن لا نسخ إذ النسخ إنما يكون للتكميل والكامل أتم كمال غير محتاج لتكميل كما قال تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [المائدة: ٣] اه ولعمري أن الاعتراض قوي والبحث في غاية الضعف إذ لا يلزم من كون إرساله ﷺ عجيبا ما ادعاه، ولو سلمنا ذلك لا يلزم منه أيضا كونه ﵊ خاتما إذ بعثه مقرر دينه الكامل كما بعث كثير من أنبياء بني إسرائيل لتقرير دين موسى ﵇ لا يأبى ما ذكر من جامعية رسالته ﵊ ولزوم عدم النسخ لذلك كما لا يخفى، ولعله لهذا اختار بعضهم ما روي عن الحسن وقال: منبها على فائدة الوصف يعني مثل إرسال الرسل قبلك أرسلناك إلى أمم تقدمتها أمم أرسلوا إليهم فليس ببدع إرسالك إليها لِتَتْلُوَا لتقرأ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي الكتاب العظيم الشأن، ويشعر بهذا الوصف ذكر الموصول غير جار على موصوف، وإسناد الفعل في صلته إلى ضمير العظمة وكذا الإيصال إلى المخاطب المعظم بدليل سابقه على ما سمعت أولا، وتقديم المجرور على المنصوب من قبيل الإبهام ثم البيان كما في قوله تعالى: وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ [الشرح: ٢] وفيه ما لا يخفى من ترقب النفس إلى ما سيرد وحسن قبولها له عند وروده عليها، وضمير الجمع للأمة باعتبار معناها كما روعي في ضمير خَلَتْ لفظها. وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ أي بالبليغ الرحمة الذي أحاطت بهم نعمته ووسعت كل شيء رحمته فلم يشكروا نعمه سبحانه لا سيما ما أنعم به عليهم بإرسالك إليهم وإنزال القرآن الذي هو مدار المنافع الدينية والدنيوية عليهم بل قابلوا رحمته ونعمه بالكفر ومقتضى العقل عكس ذلك، وكان الظاهر- بنا- إلا أنه التفت إلى الظاهر وأوثر هذا الاسم الدال على المبالغة في الرحمة للإشارة إلى أن الإرسال ناشئ منها كما قال سبحانه: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً

стр. 2734

لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] وضمير الجمع للأمة أيضا، والجملة في موضع الحال من فاعل أَرْسَلْناكَ لا من ضمير عَلَيْهِمُ إذ الإرسال ليس للتلاوة عليهم حال كفرهم، ومنهم من جوز ذلك والتلاوة عليهم حال الكفر ليقفوا على إعجازه فيصدقوا به لعلمهم بأفانين البلاغة ولا ينافي تلاوته عليهم بعد إسلامهم، وجوز في الجملة أن تكون مستأنفة والضمير حسبما علمت، وقيل: إنه يعود على الذين قالوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ وقيل: يعود على أُمَّةٍ وعلى أُمَمٌ ويكون في الآية تسلية له ﷺ ، وعن قتادة. وابن جريج. ومقاتل أن الآية نزلت في مشركي مكة لما رأوا كتاب الصلح يوم الحديبية وقد كتب فيه علي كرم الله تعالى وجهه «بسم الله الرحمن الرحيم» فقال: سهيل بن عمرو: ما نعرف الرحمن إلا مسيلمة، وقيل: سمع أبو جهل قول رسول الله ﷺ : يا الله يا رحمن فقال إن محمدا ينهانا عن عبادة الآلهة وهو يدعو إلهين فنزلت، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه لما قيل لكفار قريش: اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا: وَمَا الرَّحْمنُ [الفرقان: ٦٠] ؟ فنزلت، وضعف كل ذلك بأنه غير مناسب لأنه يقتضي أنهم يكفرون بهذا الاسم وإطلاقه عليه والظاهر أن كفرهم بمسماه قُلْ حين كفروا به سبحانه ولم يوحدوه هُوَ أي الرحمن الذي كفرتم به رَبِّي خالقي ومتولي أمري ومبلغي إلى مراتب الكمال، وإيراد هذا قبل قوله تعالى: لا إِلهَ إِلَّا هُوَ أي لا مستحق للعبادة سواه تنبيه على أن استحقاق العبادة منوط بالربوبية، والجملة داخلة في حيز القول وهي خبر بعد خبر عند بعض، وقال بعض آخر: إنه تعالى بعد أن نعى على الكفرة حالهم وعكسهم مقتضى العقل أمر نبيه ﵊ أن ينبههم على خاصة نفسه ووظيفته من الشكر ومآل أمره تأنيبا لهم فقال: قل هو ربي الذي أرسلني إليكم وأيدني بما أيدني ولا رب لي سواه عَلَيْهِ لا على أحد سواه تَوَكَّلْتُ في جميع أموري لا سيما في النصرة عليكم وَإِلَيْهِ خاصة مَتابِ أي مرجعي فيثيبني على مصابرتكم ومجاهدتكم، وقوله سبحانه لا إِلهَ إِلَّا هُوَ اعتراض أكد به اختصاص التوكل عليه سبحانه وتفويض الأمور عاجلا وآجلا إليه، ومثله قوله تعالى: اتَّبِعْ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الأنعام: ١٠٦] اه وإلى القول بالاعتراض ذهب صاحب الكشف وحمل على ذلك كلام الكشاف حيث ذكر بعد هُوَ رَبِّي الواحد المتعالي عن الشركاء فقال: جعله فائدة الاعتراض بلا إله إلا هو أي هذا البليغ الرحمة ولا إله إلا هو فهو بليغ الانتقام كما هو بليغ الرحمة يرحمني وينتقم لي منكم، وهو تمهيد أيضا لقوله: عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ولم يجعل خبرا بعد خبر إذ ليس المقصود الإخبار بأنه تعالى متوحد بالإلهية بل المقصود أن المتوحد بها ربي وذلك يفيده الاعتراض وأما أن المفهوم من كلامه أنه حال ولذلك أجرى مجرى الوصف فكلا إلا أن يجعل حالا مؤكدة ولا يغاير الاعتراض إذا كثير مغايرة لكن الأول أملأ بالفائدة اه ولا يخفى ما في توجيه كلام الكشاف بذلك من الخفاء، وفي كون المقصود أن المتوحد بالإلهية ربي دون الإخبار بأنه تعالى متوحد بها على ما قيل تأمل. ولعل مبناه أن ما أثبته أوفق بالغرض الذي يشير كلامه إلى اعتباره مساقا للآية، وفيه من المبالغة في وصفه تعالى بالتوحد ما لا يخفى. نعم قيل للقول بالاعتراض وجه وأنه حينئذ لا يبعد أن يقال: إنه تعالى بعد أن ذكر إرساله ﷺ إليهم وأن حالهم أنهم يكفرون بالبليغ الرحمة ولا يقابلون رحمته بالشكر فيأمنوا به ويوحدوه أمره بالإخبار بتخصيص توكله واعتماده على ذلك البليغ الرحمة ورجوعه في سائر أموره إليه إيماء إلى أن إصرارهم على الكفر لا يضره شيئا وأن له ﵊ عاقبة محمودة وأنه سبحانه سينصره عليهم، وفي ذلك من تسفيه رأيهم في الإصرار على الكفر واستنهاضهم إلى اتباعه ما فيه إلا أنه عز شأنه أمره أولا أن يقول: هُوَ رَبِّي توطئة لذلك وجيء بلا إله إلا هو اعتراضا للتأكيد، والذي يميل إليه الطبع بعد التأمل وملاحظة الأسلوب القول بالاعتراض، ثم لا يخفى أن حمل وَإِلَيْهِ مَتابِ على إليه

стр. 2735

رجوعي في سائر أموري خلاف الظاهر وأنه على ذلك يكون كالتأكيد لما قبله، وقال شيخ الإسلام في تفسيره: أي إليه توبتي كقوله تعالى: وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ [غافر: ٥٥، محمد: ١٩] أمر ﵊ بذلك إبانة لفضل التوبة ومقدارها عند الله تعالى وأنها صفة الأنبياء وبعثا للكفرة على الرجوع عما هم عليه بأبلغ وجه وألطفه، فإنه ﵊ حيث أمر بها وهو منزه عن شائبة اقتراف ما يوجبها من الذنب وإن قل فتوبتهم وهم عاكفون على أنواع الكفر والمعاصي مما لا بد منه أصلا اه، وفيه أن هذا إنما يصلح باعثا للإقلاع عن الذنب على أبلغ وجه وألطفه لو كان الكلام مع غير الكفرة الذين يحسبون أنهم يحسنون صنعا، ولعل ذلك ظاهر عند المنصف، وقال العلامة البيضاوي، في ذلك: أي إليه مرجعي ومرجعكم وكأنه أراد أيضا فيرحمني وينتقم منكم، والانتقام من الرحمن أشد كما قيل: أعوذ بالله تعالى من غضب الحليم. وتعقب بأنه إنما يتم لو كان المضاف إليه المحذوف ضمير المتكلم ومعه غيره أي متابنا إذ يكون حينئذ مرجعي ومرجعكم تفصيلا لذلك ولا يكاد يقول به أحد مع قوله بكسر الباء فإنه يقتضي أن يكون المحذوف الياء على أن ذلك الضمير لا يناسب ما قبله، ولعل العلامة اعتبر أن في الآية اكتفاء على ما قيل: أي متابي ومتابكم أو أن الكلام دال عليه التزاما وهذا أولى على ما قيل فتأمل وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً أي قرآنا ما، والمراد به المعنى اللغوي، وهو اسم أن والخبر قوله تعالى شأنه: سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ وجواب لَوْ محذوف لا نسياق الكلام إليه كما في قوله: فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا والمقصود إما بيان عظم شأن القرآن العظيم وفساد رأي الكفرة حيث لم يقدروا قدره ولم يعدوه من قبيل الآيات واقترحوا غيره وإما بيان غلوهم في المكابرة والعناد وتماديهم في الضلالة والفساد، والمعنى على الأول لو أن كتابا سيرت بإنزاله أو بتلاوته الجبال وزعزعت عن مقارها كما فعل ذلك بالطور لموسى ﵇ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أي شققت وجعلت أنهارا وعيونا كما فعل بالحجر حين ضربه موسى ﵇ بعصاه أو جعلت قطعا متصدعة أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى أي كلم أحد به الموتى بأن أحياهم بقراءته فتكلم معهم بعد، وذلك كما وقع الاحياء لعيسى ﵇ لكان ذلك هذا القرآن لكونه الغاية القصوى في الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى وهيبته كقوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [الحشر: ٢١] قاله بعض المحققين، وقيل: في التعليل لكونه الغاية في الإعجاز والنهاية في التذكير والإنذار. وتعقب بأنه لا مدخل للإعجاز في هذه الآثار والتذكير والإنذار مختصان بالعقلاء مع أنه لا علاقة لذلك بتكليم الموتى واعتبار فيض العقول إليها مخل بالمبالغة المقصودة، وبحث فيه بأن ما ذكر أولا من مزيد الانطواء على عجائب آثار قدرة الله تعالى أمر يرجع إلى الهيبة وهي أيضا مما لا يترتب عليها تكليم الموتى بل لعلها مانعة من ذلك لأنها حيث اقتضت تزعزع الجبال وتقطع الأرض فلأن تقتضي موت الأحياء دون إحياء الأموات الذي يكون التكليم بعده من باب أولى وفيه نظر، والباء في المواضع الثلاثة للسببية وجوز في الثالث منها أن تكون صلة ما عندها، وتقديم المجرور فيها على المرفوع لقصد الإبهام، ثم التفسير لزيادة التقرير على ما مر غير مرة. وأَوْ في الموضعين لمنع الخلو لا الجمع، والتذكير في كُلِّمَ لتغليب المذكر من الموتى على غيره، واقتراحهم وإن كان متعلقا بمجرد ظهور مثل هذه الأفاعيل العجيبة على يده ﷺ لا بظهورها بواسطة القرآن لكن ذلك حيث كان مبنيا على عدم اشتماله في زعمهم على الخوارق نيط ظهورها به مبالغة في شأن اشتماله عليها وأنه حقيق بأن يكون مصدرا لكل خارق وإبانة لركاكة رأيهم في شأنه الرفيع كأنه قيل: لو أن ظهور أمثال ما اقترحوه من مقتضيات

стр. 2736

الحكمة لكان مظهرها هذا القرآن الذي لم يعدوه آية، وفيه من تفخيم شأنه العزيز ووصفهم بركاكة العقل ما لا يخفى كذا حققه بعض الأجلة وهو من الحسن بمكان، وعلى الثاني لو أن قرآنا فعلت به هذه الأفاعيل العجيبة لما آمنوا به كقوله تعالى: وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى [الأنعام: ١١١] الآية، والكلام على ما استظهره الشهاب على التقديرين حقيقة على سبيل الفرض كقوله: ولو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر وجعله على الأول تمثيلا كالآية المذكورة هناك على ما قال لا وجه له، وتمثيل الزمخشري بها لبيان أن القرآن يقتضي غاية الخشية، وصنيع كثير من المحققين ظاهر في ترجيح التقدير الأول، وفي الكشف لو تأملت في هذه السورة الكريمة حق التأمل وجدت بناء الكلام فيها على حقية الكتاب المجيد واشتماله على ما فيه صلاح الدارين وإن السعيد كل السعيد من تمسك بحبله والشقي كل الشقي من أعرض عنه إلى هواه حيث قال تعالى أولا: وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ [الرعد: ١] ثم تعجب من إنكارهم ذلك بقوله سبحانه: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ ثم قال تعالى: لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ [الرعد: ١٤] فأثبت حقيته بالحجة، ثم قال جل وعلا: أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً [الرعد: ١٧] وهو مثل للحق الذي هو القرآن ومن انتفع به على ما فسره المحققون، ثم صرح تعالى بنتيجة ذلك كله بالبرهان النير في قوله سبحانه: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [الرعد: ١٩] ثم أعاد جل شأنه قوله: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا دلالة على إنكارهم أول ما أتاهم وبعد رصانة علمهم بحقيته فهم متمادون في الإنكار، ثم كر إلى بيان الحقية فيما نحن فيه وبالغ المبالغة التي ليس بعدها سواء جعل داخلا في حيز القول أو جعل ابتداء كلام منه تعالى تذييلا وهو الأبلغ ليكون مقصودا بذاته في الإفادة المذكورة مؤكدا لمجموع ما دل عليه قوله تعالى: وكَذلِكَ أَرْسَلْناكَ من تعظيم الرسول ﵊ وما أنزل عليه وشدة إنكارهم وتصميمهم لا علاوة في أن لم يبق إلا التوكل والصبر على مجاهدتكم إذ لا وراء هذا القرآن حتى أجيء به لتسلموا ثم فخمه ونعى عليهم مكابرتهم بقوله تعالى وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا وأيد حقية الكتاب فيمن أنزل عليه في خاتمة السورة بقوله جل وعلا: كَفى بِاللَّهِ إلى قوله سبحانه: عِلْمُ الْكِتابِ تنبيها على أنه مع ظهور أمره في إفادة الحقائق العرفانية والخلائق الإيمانية لا يعلم حقيقة ما فيه إلا من تفرد به وبإنزاله ﵎ اه. وفي سبب النزول وستعلمه قريبا إن شاء الله تعالى مما يؤيد الثاني، والظاهر على حققه وأشرنا إليه أولا أن الآية على الأول متعلقة بقوله تعالى: وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ وهي على الثاني متعلقة بقوله سبحانه وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ بيانا لتصميمهم في كفرهم وإنكارهم الآيات ومن أتى بها لا بذلك لبعد المرمى من غير ضرورة، وقوله تعالى: بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعاً أي له الأمر الذي يدور عليه فلك الأكوان وجودا وعدما يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد حسبما تقتضيه الحكم البالغة، قيل: إضراب عما تقتضيه الشرطية من معنى النفي لا بحسب منطوقه بل باعتبار موجبه ومؤداه أي لو أن قرآنا فعل به ما ذكر لكان ذلك هذا القرآن ولكن لم يفعل سبحانه بل فعل ما عليه الشأن الآن لأن الأمر كله له وحده، فالإضراب ليس بمتوجه إلى كون الأمر لله تعالى بل إلى ما يؤدي إليه ذلك من كون الشأن على ما كان لما تقتضيه الحكمة، وقيل: إن حاصل الإضراب لا يكون تسيير الجبال مع ما ذكر بقرآن بل يكون بغيره مما أراده الله تعالى فإن الأمر له سبحانه جميعا، وزعم بعضهم أن الأحسن العطف على مقدر أي ليس لك من الأمر شيء بل الأمر لله جميعا، ومعنى قوله سبحانه: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أفلم يعلموا وهي- كما قال القاسم بن معن لغة هوازن، وقال ابن الكلبي: هي لغة حي من النخع، وأنشدوا على ذلك قول سحيم بن وثيل الرباحي:

стр. 2737

أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ... ألم تيأسوا أني ابن فارس زهدم وقول رباح بن عدي: ألم ييأس الأقوام أني أنا ابنه ... وإن كنت عن أرض العشيرة نائيا فإنكار الفراء ذلك وزعمه أنه لم يسمع أحد من العرب يقول يئست بمعنى علمت ليس في محله، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والظاهر أن استعمال اليأس في ذلك حقيقة، وقيل: مجاز لأنه متضمن للعلم فإن الآيس عن الشيء عالم بأنه لا يكون، واعترض بأن اليأس حينئذ يقتضي حصول العلم بالعدم وهو مستعمل في العلم بالوجود، وأجيب بأنه لما تضمن العلم بالعدم تضمن مطلق العلم فاستعمل فيه، ويشهد لإرادة العلم هنا قراءة علي كرم الله تعالى وجهه، وابن عباس. وعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم. وعكرمة. وابن أبي مليكة. والجحدري. وأبي يزيد المدني. وجماعة «أفلم يتبين» من تبينت كذا إذا علمته وهي قراءة مسندة إلى رسول الله ﷺ ليست مخالفة للسواد إذ كتبوا ييئس بغير صورة الهمزة (١) وأما قول من قال: إنما كتبه الكاتب وهو ناعس فسوى أسنان السين فهو قول زنديق ابن ملحد على ما في البحر، وعليه فرواية ذلك كما في الدر المنثور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما غير صحيحة، وزعم بعضهم أنها قراءة تفسير وليس بذاك، والفاء للعطف على مقدر أي أغفلوا عن كون الأمر جميعه لله تعالى فلم يعلموا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ بتخفيف أن وجعل اسمها ضمير الشأن والجملة الامتناعية خبرها وأن وما بعدها ساد مسد مفعولي العلم لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً أي بإظهار أمثال تلك الآثار العظيمة، والإنكار على هذا متوجه إلى المعطوفين جميعا أو أعلموا كون الأمر جميعا لله تعالى فلم يعلموا ما يوجبه ذلك العلم مما ذكر. وحينئذ هو متوجه إلى ترتب المعطوف على المعطوف عليه أي تخلف العلم الثاني عن العلم الأول، وأيّا ما كان فالإنكار إنكار الوقوع لا الواقع ومناط الإنكار ليس عدم علمهم بمضمون الشرطية فقط بل عدم علمهم بعدم تحقق مقدمها كأنه قيل: ألم يعلموا أن الله تعالى لو شاء هدايتهم لهداهم وأنه سبحانه لم يشأ ذلك، وذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الكفار لما سألوا الآيات ود المؤمنون أن يظهرها الله تعالى ليجتمعوا على الإيمان هذا على التقدير الأول، وأما على التقدير الثاني فالإضراب متوجه إلى ما سلف من اقتراحهم مع كونهم في العناد على ما شرح، والمعنى فليس لهم ذلك بل لله تعالى الأمر إن شاء أتى بما اقترحوا وإن شاء سبحانه لم يأت به حسبما تستدعيه حكمته الباهرة من غير أن يكون لأحد عليه ﷻ حكم أو اقتراح، واليأس بمعنى القنوط كما هو الشائع في معناه أي ألم يعلم الذين آمنوا حالهم هذه فلم يقنطوا من إيمانهم حتى ودوا ظهور مقترحاتهم فالإنكار متوجه إلى المعطوفين أو أعلموا ذلك فلم يقنطوا من إيمانهم فهو متوجه إلى وقوع المعطوف بعد المعطوف عليه أي إلى تخلف القنوط عن العلم المذكور، والإنكار على هذين التقديرين إنكار الواقع لا الوقوع فإن عدم قنوطهم من ذلك مما لا مرد له، وقوله تعالى: أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ إلى آخره مفعول به لعلما محذوف وقع مفعولا له أي أفلم ييأسوا من إيمان الكفار علما منهم بأنه لو يشاء الله لهدى الناس جميعا وأنه لم يشأ ذلك، وقد يجعل العلم في موضع الحال أي عالمين بذلك، ولم يعتبر التضمين لبعده، ويجوز أن يكون متعلقا- بآمنوا- بتقدير الباء أي أفلم يقنط الذين آمنوا وصدقوا بأن لو يشاء الله لهدى الناس جميعا على معنى أفلم ييأس من إيمان هؤلاء الكفرة المؤمنون بمضمون هذه الشرطية وبعدم تحققها المنفهم من مكابرتهم حسبما يحكيه كلمة لَوْ فالوصف المذكور من دواعي إنكار يأسهم، وبما أشرنا إليه ينحل ما قيل: من أن تعلق الإيمان بمضمون الشرطية

стр. 2738

وتخصيصه بالذكر يقتضي أن لذلك دخلا في اليأس من الإيمان مع أن الأمر بالعكس لأن قدرة الله تعالى على هداية جميع الناس يقتضي رجاء إيمانهم لا اليأس منه وذلك لاعتبار العلم بعدم تحقق المضمون أيضا. وقال بعضهم في الجواب عن ذلك: إن وجه تخصيص الإيمان بذلك أن إيمان هؤلاء الكفرة المصممين كأنه محال متعلق بما لا يكون لتوقفه على مشيئة الله تعالى هداية جميع الناس وذلك ما لا يكون بالاتفاق وهو في معنى ما أشير إليه، وذكر أبو حيان احتمالا آخر في الآية وهو أن الكلام قد تم عند قوله سبحانه: أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا وهو تقرير أي قد يئس المؤمنون من إيمان هؤلاء المعاندين أَنْ لَوْ يَشاءُ إلخ جواب قسم محذوف أي أقسم لو يشاء الله لهدى الناس جميعا، ويدل على إضمار القسم وجود أن مع لو كقوله: أما والله ان لو كنت حرا ... وما بالحر أنت ولا العتيق وقوله: فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لنا يوم من الشر مظلم وقد ذكر سيبويه أن أن تأتي بعد القسم، وجعلها ابن عصفور رابطة للقسم بالجملة المقسم عليها انتهى، وفيه من التكلف ما لا يخفى، ومن الناس من جعل الإضراب مطلقا عما تضمنه لَوْ من معنى النفي على معنى بل الله تعالى قادر على الإتيان بما اقترحوا إلا أن إرادته لم تتعلق بذلك لعلمه سبحانه بأنه لا تلين له شكيمتهم، ولا يخفى أنه ظاهر على التقدير الثاني. وأما على التقدير الأول فقد قيل: إن إرادة تعظيم شأن القرآن لا تنافي الرد على المقترحين، وأيد جانب الرد بما أخرجه ابن أبي شيبة. وابن المنذر وغيرهما عن الشعبي قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ إن كنت نبيا كما تزعم فباعد جبلي مكة أخشبيها هذين مسيرة أربعة أيام أو خمسة فإنها ضيقة حتى نزرع فيها ونرعى وابعث لنا أباءنا من الموتى حتى يكلمونا ويخبرونا أنك نبي أو احملنا إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى الحيرة حتى نذهب ونجيء في ليلة كما زعمت أنك فعلته فنزلت هذه الآية. وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن ابن عباس أنهم قالوا: سير بالقرآن الجبال، قطع بالقرآن الأرض، أخرج به موتانا فنزلت، وعلى هذا لا حاجة إلى الاعتذار في إسناد الأفاعيل المذكورة إلى القرآن كما احتيج إليه فيما تقدم، وعلى خبر الشعبي يراد من تقطيع الأرض قطعها بالسير، ويشهد للتفسير بما قدمنا أولا ما أخرجه أبو نعيم في الدلائل. وغيره من حديث الزبير بن العوام أنه لما نزلت «وأنذر عشيرتك الأقربين» صاح رسول الله ﷺ على أبي قبيس يا آل عبد مناف إني نذير فجاءته ﵊ قريش فحذرهم وأنذرهم فقالوا، تزعم أنك نبي يوحى إليك وأن سليمان سخر له الريح والجبال وأن موسى سخر له البحر وأن عيسى كان يحيي الموتى فادع الله تعالى أن يسير عنا هذه الجبال ويفجر لنا الأرض أنهارا فنتخذ محارث فنزرع ونأكل وإلا فادع الله تعالى أن يحيي لنا موتانا نكلمهم ويكلمونا وإلا فادع الله تعالى أن يجعل هذه الصخرة التي تحتك ذهبا فننحت منها وتغنينا عن رحلة الشتاء والصيف فإنك تزعم أنك كهيئتهم. الخبر، وفيه فنزلت وَما مَنَعَنا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ [الإسراء: ٥٩] إلى تمام ثلاث آيات، ونزلت وَلَوْ أَنَّ قُرْآناً الآية هذا. وعن الفراء أن جواب لَوْ مقدم وهو قوله تعالى: وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ وما بينهما اعتراض وهو مبني- كما قيل- على جواز تقديم جواب الشرط عليه، ومن النحويين من يراه، ولا يخفى أن في اللفظ نبوة عن ذلك لكون تلك الجملة اسمية مقترنة بالواو، ولذا أشار السمين إلى أن مراده أن تلك الجملة دليل الجواب والتقدير ولو أن قرآنا فعل

стр. 2739

به كذا وكذا لكفروا بالرحمن، وأنت تعلم أنه لا فرق بين هذا وتقدير لما آمنوا في المعنى، وجوز جعل لَوْ وصلية ولا جواب لها والجملة حالية أو معطوفة على مقدر. وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا من أهل مكة على ما روي عن مقاتل تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا أي بسبب ما صنعوه من الكفر والتمادي فيه، وإبهامه إما لقصد تهويله أن استهجانه، وهو تصريح بما أشعر به بناء الحكم على الموصول من علية الصلة له مع ما في صيغة الصنع من الإيذان برسوخهم في ذلك قارِعَةٌ من القرع وأصله ضرب شيء بشيء بقوة، ومنه قوله: ولما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا والمراد بها الرزية التي تقرع قلب صاحبها، وهي هنا ما كان يصيبهم من أنواع البلايا والمصائب من القتل والأسر والنهب والسلب، وتقديم المجرور على الفاعل لما مر غير مرة من إرادة التفسير إثر الإبهام لزيادة التقرير والأحكام مع ما فيه من بيان أن مدار الإصابة من جهتهم أثر ذي أثير أَوْ تَحُلُّ تلك القارعة قَرِيباً مكانا قريبا مِنْ دارِهِمْ فيفزعون منها ويتطاير إليهم شررها، شبه القارعة بالعدو المتوجه إليهم فاسند إليها الإصابة تارة والحلول أخرى ففيه استعارة بالكناية وتخييل وترشيخ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ أي موتهم أو القيامة فإن كلا منهما وعد محتوم لا مرد له، وفيه دلالة على أن ما يصيبهم حينئذ من العذاب أشد، ثم حقق ذلك بقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ أي الوعد كالميلاد والميثاق بمعنى الولادة والتوثقة، ولعل المراد به ما يندرج تحته الوعد الذي نسب إليه الإتيان لا هو فقط، قال القاضي: وهذه الآية تدل على بطلان من يجوز الخلف على الله تعالى في ميعاده وهي وإن كانت واردة في حق الكفار إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب وعمومه يتناول كل وعيد ورد في حق الفساق، وأجاب الإمام بأن الخلف غير وتخصيص العموم غير، ونحن لا نقول بالخلف ولكنا نخصص عمومات الوعيد بالآيات الدالة على العفو، وأنت تعلم أن المشهور في الجواب أن آيات الوعد مطلقة وآيات الوعيد وإن وردت مطلقة لكنها مقيدة حذف قيدها لمزيد التخويف ومنشأ الأمرين عظم الرحمة ونهاية الكرم، والفرق بين الوعد والوعيد أظهر من أن يذكر. نعم قد يطلق الوعد على ما هو وعيد في نفس الأمر لنكتة وليتأمل فيما هنا على الوجه الذي تقرر. وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالقارعة السرايا التي كان رسول الله ﷺ يبعثها كانوا بين غارة واختطاف وتخويف بالهجوم عليهم في دارهم. فالإصابة والحلول حينئذ من أحوالهم، وجوز على هذا أن يكون قوله تعالى: أَوْ تَحُلُّ خطابا لرسول الله ﷺ مرادا به حلول الحديبية، والمراد بوعد الله تعالى ما وعد به من فتح مكة. وعزا ذلك الطبري إلى ابن عباس. ومجاهد وقتادة. وروي عن مقاتل. وعكرمة. وذهب ابن عطية إلى أن المراد- بالذين كفروا- كفار قريش. والعرب، وفسر القارعة بما ينزل بهم من سرايا رسول الله ﷺ . وعن الحسن. وابن السائب أن المراد بهم الكفار مطلقا قالا: وذلك الأمر مستمر فيهم إلى يوم القيامة، ولا يتأتى على هذا أن يراد بالقارعة سرايا رسول الله ﵊ فيراد بها حينئذ ما ذكر أولا، وأنت تعلم أنه إذا أريد جنس الكفرة لا يلزم منه حلول ما تقدم بجميعهم. وقرأ مجاهد وابن جبير «أو يحل» بالياء على الغيبة، وخرج ذلك على أن يكون الضمير عائدا على القارعة باعتبار أنها بمعنى البلاء أو بجعل هائها للمبالغة أو على أن يكون عائدا على الرسول ﵊. وقرآ أيضا «من ديارهم» على الجمع. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي تركتهم ملاوة أي من الزمان ومنه الملوان في

стр. 2740

أمن ودعة كما يملى للبهيمة في المرعى، وهذا تسلية للحبيب ﷺ عما لقي من المشركين من الاستهزاء به ﵊ وتكذيبه وعدم الاعتداد بآياته واقتراح غيرها وكل ذلك في المعنى استهزاء ووعيد لهم، والمعنى أن ذلك ليس مختصا بك بل هو أمر مطرد قد فعل برسل جليلة كثيرة كائنة من قبلك فأمهلت الذين فعلوه بهم، والعدول في الصلة إلى وصف الكفر ليس لأن المملى لهم غير المستهزئين بل للإشارة إلى أن ذلك الاستهزاء كفر كما قيل. وفي الإرشاد لإرادة الجمع بين الوصفين أي فأمليت للذين كفروا بكفرهم مع استهزائهم لا باستهزائهم فقط ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ أي عقابي إياهم، والمراد التعجيب مما حل بهم وفيه من الدلالة على شدته وفظاعته ما لا يخفى. أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ أي رقيب ومهيمن عَلى كُلِّ نَفْسٍ كائنة ما كانت بِما كَسَبَتْ فعلت من خير أو شر لا يخفى عليه شيء من ذلك ولا يفوته ما يستحقه كل من الجزاء وهو الله تعالى شأنه، وما حكاه القرطبي عن الضحاك من أن المراد بذلك الملائكة الموكلون ببني آدم فمما لا يكاد يعرج عليه هنا، ومن مبتدأ والخبر محذوف أي كمن ليس كذلك، ونظيره قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [الزمر: ٢٢] وحسن حذفه المقابلة، وقد جاء مثبتا كثيرا كقوله تعالى: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: ١٧] وقوله سبحانه: أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى [الرعد: ١٩] إلى غير ذلك، والهمزة للاستفهام الإنكاري، وإدخال الفاء قيل: لتوجيه الإنكار إلى توهم المماثلة غب ما علم مما فعل سبحانه بالمستهزئين من الإملاء والأخذ ومن كون الأمر كله له سبحانه وكون هداية الناس جميعا منوطة بمشيئته جل وعلا ومن تواتر القوارع على الكفرة حتى يأتي وعده تعالى كأنه قيل: الأمر كذلك فمن هذا شأنه كما ليس في عداد الأشياء حتى يشركوه به فالإنكار متوجه إلى ترتب المعطوف أعني توهم المماثلة على المعطوف عليه المقدر أعني كون الأمر كما ذكر (١) لا إلى المعطوفين جميعا (٢) وفي الكشف أنه ضمن هذا التعقيب الترقي في الإنكار يعني لا عجب من إنكارهم لآياتك الباهرة مع ظهورها إنما العجب كل العجب جعلهم القادر على إنزالها المجازي لهم على اعراضهم عن تدبر معانيها وأمثالها بقوارع تترى واحدة غب أخرى يشاهدونها رأي عين تترامى بهم إلى دار البوار وأهوالها كمن لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا فضلا عمن اتخذه ربا يرجو منه دفعا أو جلبا. وزعم بعضهم أن الفاء للتعقيب الذكرى أي بعد ما ذكر أقول هذا الأمر وليس بذاك وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ جملة مستأنفة وفيها دلالة على الخبر المحذوف، وجوز أن تكون معطوفة على كَسَبَتْ على تقدير أن تكون بِما مصدرية لا موصولة والعائد محذوف، ولا يلزم اجتماع الأمرين حتى يخص كل نفس بالمشركين، وأبعد من قال: إنها عطف على اسْتُهْزِئَ وجوز أن تكون حالية على معنى أفمن هذه صفاته كمن ليس كذلك؟ وقد جعلوا له شركاء لا شريكا واحدا، وقال صاحب حل العقد: المعنى على الحالية أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت موجود والحال أنهم جعلوا له شركاء، وهذا نظير قولك: أجواد يعطي الناس ويغنيهم موجود ويحرم مثلي. ومنهم من أجاز العطف على جملة أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ على كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ كمن ليس كذلك لأن الاستفهام الإنكاري بمعنى النفي فهي خبرية معنى، وقدر آخرون الخبر- لم يوحدوه- وجعل العطف عليه أي أفمن هذا شأنه لم يوحدوه وجعلوا له شركاء وظاهر كلامهم اختصاص العطف على الخبر بهذا التقدير دون تقدير كمن ليس كذلك، قال البدر الدماميني: ولم يظهر وجه الاختصاص، ووجه ذلك الفاضل الشمني بأن حصول المناسبة بين

стр. 2741

المعطوف والمعطوف عليه التي هي شرط قبول العطف بالواو إنما هو على التقدير الأخير دون التقدير الأول. ويدل على الاشتراط قول أهل المعاني: زيد يكتب ويشعر مقبول دون يعطي ويشعر. وتعقبه الشهاب بأنه من قلة التدبر فإن مرادهم أنه على التقدير الأول يكون الاستفهام إنكاريا بمعنى لم يكن نفيا للتشابه على طريق الإنكار فلو عطف جعلهم شركاء عليه يقتضي أنه لم يكن وليس بصحيح، وعلى التقدير الأخير الاستفهام توبيخي والإنكار فيه بمعنى لم كان وعدم التوحيد وجعل الشركاء واقع موبخ عليه منكر فيظهر العطف على الخبر، وأما ما ذكر من حديث التناسب فغفلة لأن المناسبة بين تشبيه الله سبحانه بغيره والشرك تامة وعلى الوجه الأخير عدم التوحيد عين الإشراك فليس محلا للعطف عند أهل المعاني على ما ذكره فهو محتاج إلى توجيه آخر. واختار بعض المحققين التقدير الأول، وفي ذلك الحذف تعظيم للقالة وتحقير لمن زن بتلك الحالة، وفي العدول عن صريح الاسم في أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ تفخيم فخيم بواسطة الإبهام المضمر في إيراده موصولا مع تحقيق أن القيام كائن وهم محققون، وفي وضع الاسم الجليل موضع المضمر الراجع إلى من تنصيص على وحدانيته تعالى ذاتا واسما وتنبيه على اختصاصه باستحقاق العبادة مع ما فيه من البيان بعد الإبهام، ولعل توجيه الوضع المذكور مما لا يختص به تقدير دون تقدير وخصه بعضهم فيما يحتاج عليه إلى ضمير قُلْ سَمُّوهُمْ تبكيت إثر تبكيت أي سموهم من هم وماذا أسماؤهم؟ وفي البحر أن المعنى أنهم ليسوا ممن يذكر ويسمى إنما يذكر ويسمى من ينفع ويضر، وهذا مثل أن يذكر لك أن شخصا يوقر ويعظم وهو عندك لا يستحق ذلك فتقول لذاكره: سمه حتى أبين لك زيفه وأنه بمعزل عن استحقاق ذلك، وقريب منه ما قيل: إن ذلك إنما يقال في الشيء المستحقر الذي يبلغ في الحقارة إلى أن لا يذكر ولا يوضع له اسم فيقال سمه على معنى أنه أخس من أن يذكر ويسمى ولكن إن شئت أن تضع له اسما فافعل فكأنه قيل: سموهم بالآلهة على التهديد، والمعنى سواء سميتوهم بذلك أم لم تسموهم به فإنهم في الحقارة بحيث لا يستحقون أن يلتفت إليهم عاقل، وقيل: إن التهديد هنا نظير التهديد لمن نهي عن شرب الخمر ثم قيل له: سم الخمر بعد هذا وهو خلاف الظاهر، وقيل: المعنى اذكروا صفاتهم وانظروا هل فيها ما يستحقون به العبادة ويستأهلون الشركة أَمْ تُنَبِّئُونَهُ أي بل أتخبرون الله تعالى بِما لا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أي بشركاء مستحقين للعبادة لا يعلمهم ، والمراد نفيها بنفي لازمها على طريق الكناية لأنه سبحانه إذا كان لا يعلمها وهو الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء فهي لا حقيقة لها أصلا، وتخصيص الأرض بالذكر لأن المشركين إنما زعموا أنه سبحانه له شركاء فيها، والضمير المستقر في يَعْلَمُ على هذا التفسير لله تعالى والعائد على ما محذوف كما أشرنا إلى ذلك. وجوز أن يكون العائد ضمير «يعلم» والمعنى أتنبئون الله تعالى بشركة الأصنام التي لا تتصف بعلم البتة، وذكر نفي العلم في الأرض لأن الأرض مقر الأصنام فإذا انتفى علمها في المقر التي هي فيه فانتفاؤه في السموات العلى أحرى، وقرأ الحسن «أتنبئونه» بالتخفيف من الأنباء أَمْ بِظاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ أي بل أتسمونهم شركاء بظاهر من القول من غير معنى متحقق في نفس الأمر كتسمية الزنجي كافورا كقوله تعالى: ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ [التوبة: ٣٠] وروي عن الضحاك. وقتادة أن الظاهر من القول الباطل منه، وأنشدوا من ذلك قوله: أعيرتنا ألبانها ولحومها ... وذلك عار يا ابن ريطة ظاهر ويطلق الظاهر على الزائل كما في قوله: وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

стр. 2742

ومن أراد ذلك هنا فقد تكلف، وعن الجبائي أن المراد من- ظاهر من القول- ظاهر كتاب أنزله الله تعالى وسمى به الأصنام آلهة حقة، وحاصل الآية نفي الدليل العقلي والدليل السمعي على حقية عبادتها واتخاذها آلهة، وجوز أن تكون أَمْ متصلة والانقطاع هو الظاهر، ولا يخفى ما في الآية من الاحتجاج والأساليب العجيبة ما ينادي بلسان طلق ذلق أنه ليس من كلام البشر كما نص على ذلك الزمخشري، وبين ذلك صاحب الكشف بأنه لما كان قوله تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ كافيا في هدم قاعدة الإشراك للتفرع السابق والتحقق بالوصف اللاحق مع ما ضمن من زيادات النكت وكان إبطالا من طرف الحق وذيل باطاله من طرف النقيض على معنى وليتهم إذا أشركوا بمن لا يجوز أن يشرك به أشركوا من يتوهم فيه أدنى توهم وروعي فيه أنه لا أسماء للشركاء فضلا عن المسمى على الكناية الإيمائية ثم بولغ فيه بأنه لا يستأهل السؤال عن حالها بظهور فسادها وسلك فيه مسلك الكناية التلويحية من نفي العلم بنفي المعلوم ثم منه بعدم الاستئهال، والهمزة المضمنة فيها تدل على التوبيخ وتقرير أنهم يريدون أن ينبئوا عالم السر والخفيات بما لا يعلمه وهذا محال على محال، وفي جعله اتخاذهم شركاء ومجادلتهم رسول الله ﷺ نكتة سرية بل نكت سرية ثم أضرب عن ذلك، وقيل: قد بين الشمس لذي عينين وما تلك التسمية إلا بظاهر من القول من غير أن يكون تحته طائل وما هو إلا مجرد صوت فارغ حق لمن تأمل فيه حق التأمل أن يعترف بأنه كلام مصون عن التعمل، صادر عن خالق القوى والقدر، تتضاءل عن بلوغ طرف من أسراره إفهام البشر. وقد ذيل الزمخشري كلامه بقوله فتبارك الله أحسن الخالقين، وهي كما في الانتصاف كلمة حق أريد بها باطل يدندن بها من هو عن حلية الإنصاف عاطل هذا بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إضراب عن الاحتجاج عليهم، ووضع الموصول موضع المضمر ذما لهم وتسجيلا عليهم بالكفر كأنه قيل دع هذا فإنه لا فائدة فيه لأنهم زين لهم مَكْرُهُمْ كيدهم للاستلام بشركهم أو تمويههم الأباطيل فتكلفوا إيقاعها في الخيال من غير حقيقة ثم بعد ذلك ظنوها شيئا لتماديهم في الضلال، وعلى هذا المراد مكرهم بأنفسهم وعلى الأول مكرهم بغيرهم، وإضافة- مكر- إلى ضميرهم من إضافة المصدر إلى الفاعل، وجوز على الثاني أن يكون مضافا إلى المفعول وفيه بعد. وقرأ مجاهد «بل زيّن» على البناء للفاعل و «مكرهم» بالنصب وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ أي سبيل الحق فتعريفه للعهد أو ما عداه كأنه غير سبيل، وفاعل الصد إما مكرهم ونحوه أو الله تعالى بختمه على قلوبهم أو الشيطان بإغوائه لهم، والاحتمالان الأخيران جاريان في فاعل التزيين، وقرأ ابن كثير. ونافع. وأبو عمرو. وابن عامر «وصدّوا» على البناء للفاعل وهو كالأول من صده صدا فالمفعول محذوف أي صدوا الناس عن الإيمان، ويجوز أن يكون من صد صدودا فلا مفعول. وقرأ ابن وثاب «وصدّوا» بكسر الصاد، وقال بعضهم: إنه قرأ كذلك في المؤمن والكسر هنا لابن يعمر، والفعل على ذلك مجهول نقلت فيه حركة العين إلى الفاء إجراء له مجرى الأجوف. وقرأ ابن أبي إسحق «وصد» بالتنوين عطفا على مكرهم وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ أي يخلق فيه الضلال لسوء استعداده فَما لَهُ مِنْ هادٍ يوفقه للهدى ويوصله إلى ما فيه لَهُمْ عَذابٌ شاق فِي الْحَياةِ الدُّنْيا . بالقتل والأسر وسائر ما يصيبهم من المصائب فإنها إنما تصيبهم عقوبة من الله تعالى على كفرهم، وأما وقوع مثل ذلك للمؤمن فعلى طريق الثواب ورفع الدرجات وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَقُ من ذلك لشدته ودوامه وَما لَهُمْ مِنَ اللَّهِ أي عذابه سبحانه مِنْ واقٍ من حافظ يعصمهم من ذلك- فمن- الأولى صلة واقٍ والثانية مزيدة للتأكيد، ولا يضر تقديم معمول المجرور عليه لأن الزائد لا حكم له. وجوز أن تكون مِنَ الأولى ظرفا مستقرا وقع حالا من واقٍ وصلته محذوفة، والمعنى ما لهم واق وحافظ من عذاب الله تعالى حال كون ذلك الواقي من جهته تعالى ورحمته ومِنَ على هذا للتبيين، وجوز أيضا أن

стр. 2743

تكون لغوا متعلقة بما في الظرف أعني لَهُمْ من معنى الفعل وهي للابتداء، والمعنى ما حصل لهم من رحمة الله تعالى واق من العذاب مَثَلُ الْجَنَّةِ أي نعتها وصفتها كما أخرجه ابن أبي حاتم. وأبو الشيخ عن عكرمة، فهو على ما في البحر من مثلت الشيء إذا وصفته وقربته للفهم، ومنه وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى [الروم: ٢٧] أي الصفة العليا، وأنكر أبو علي ذلك وقال: إن تفسير المثل بالصفة غير مستقيم لغة ولم يوجد فيها وإنما معناه الشبيه. وقال بعض المحققين: إنه يستعمل في ثلاثة معان. فيستعمل بمعنى الشبيه في أصل اللغة، وبمعنى القول السائر المعروف في عرف اللغة، وبمعنى الصفة الغريبة، وهو معنى مجازي له مأخوذ من المعنى العرفي بعلاقة الغرابة لأن المثل إنما يسير بين الناس لغرابته، وأكثر المفسرين على تفسيره هنا بالصفة الغريبة، وهو حينئذ مبتدأ خبره- عند سيبويه- محذوف أي فيما يقص ويتلى عليكم صفة الجنة الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ أي عن الكفر والمعاصي، وقدر مقدما لطول ذيل المبتدأ ولئلا يفصل بينه وبين ما يتعلق به معنى، وقوله تعالى: تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ جملة مفسرة- كخلقه من تراب- في قوله سبحانه: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ [آل عمران: ٥٩] أو مستأنفة استئنافا بيانيا أو حال من العائد المحذوف من الصلة أي التي وعدها، وقيل: هي الخبر على طريقة قولك: شأن زيد يأتيه الناس ويعظمونه. واعترض بأنه غير مستقيم معنى لأنه يقتضي أن الأنهار في صفة الجنة وهي فيها لا في صفتها، وفيه أيضا تأنيث الضمير العائد على «مثل» حملا على المعنى، وقد قيل: إنه قبيح. وأجيب بأن ذاك على تأويل أنها تجري، فالمعنى مثل الجنة جريان الأنهار أو أن الجملة في تأويل المفرد فلا يعود منها ضمير للمبتدأ أو المراد بالصفة ما يقال فيه هذا إذا وصف، فلا حاجة إلى الضمير كما في خبر ضمير الشأن. وقال الطيبي: إن تأنيث الضمير لكونه راجعا إلى الجنة لا إلى المثل، وإنما جاز ذلك لأن المقصود من المضاف عين المضاف إليه وذكره توطئة له وليس نحو غلام زيد. وتعقب كل ذلك الشهاب بأنه كلام ساقط متعسف لأن تأويل الجملة بالمصدر من غير حرف سابك شاذ، وكذا التأويل بأنه أريد بالصفة لفظها الموصوف به وليس في اللفظ ما يدل عليه وهو تجوز على تجوز ولا يخفى تكلفه، وقياسه على ضمير الشأن قياس مع الفارق، وأما عود الضمير على المضاف إليه دون المبتدأ في مثل ذلك فأضعف من بيت العنكبوت فالحزم الإعراض عن هذا الوجه، وعن الزجاج أن الخبر محذوف والجملة المذكورة صفة له، والمراد مثل الجنة جنة تجري إلى آخره، فيكون سبحانه قد عرفنا الجنة التي لم نرها بما شاهدناه من أمور الدنيا وعايناه. وتعقبه أبو علي- على ما في البحر- بأنه لا يصح لا على معنى الصفة ولا على معنى الشبه لأن الجنة التي قدرها جنة ولا تكون صفة لأن الشبه عبارة عن المماثلة التي بين الشيئين وهو حدث فلا يجوز الإخبار عنه بالجنة الجنة. ورد بأن المراد بالمثل المثيل أو الشبيه فلا غبار في الاخبار، وقيل: إن التشبيه هنا تمثيلي منتزع وجهه من عدة أمور من أحوال الجنان المشاهدة من جريان أنهارها وغضارة أغصانها والتفاف أفنانها ونحوه، ويكون قوله تعالى: أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها بيانا لفضل تلك الجنان وتمييزها عن هذه الجنان المشاهدة، وقيل: إن هذا بيان لحال جنان الدنيا على سبيل الفرض وأن فيما ذكر انتشارا واكتفاء في النظير بمجرد جريان الأنهار وهو لا يناسب البلاغة القرآنية وهو كما ترى. ونقل عن الفراء أن الجملة خبر أيضا إلا أن المثل بمعنى الشبه مقحم، والتقدير الجنة التي وعد المتقون تجري من تحتها الأنهار إلى آخره، وقد عهد إقحامه بهذا المعنى، ومنه قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى: ١١] وتعقبه أبو حيان بأن إقحام الأسماء لا يجوز، ورد بأنه في كلامهم كثير- كثم اسم السلام عليكما- ولا صدقة إلا عن ظهر غني- إلى غير ذلك، والأولى بعد القيل والقال الوجه الأول فإنه سالم من التكلف مع ما فيه من الإيجاز والإجمال

стр. 2744

والتفصيل، والظاهر أن المراد من الأكل ما يؤكل فيها، ومعنى دوامه أنه لا ينقطع أبدا، وقال إبراهيم التيمي: إن لذته دائمة لا تزاد بجوع ولا تمل بشبع وهو خلاف الظاهر. وفسر بعضهم الأكل بالثمرة، فقيل: وجهه أنه ليس في جنة الدنيا غيره وإن كان في الموعودة غير ذلك من الأطعمة، واستظهر أن ذلك لإضافته إلى ضمير الجنة والأطعمة لا يقال فيها أكل الجنة وفيه تردد، والظل في الأصل ضد الضح وهو عند الراغب أعم من الفيء فإنه يقال: ظل الليل ولا يقال فيؤه، ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل ولا يقال الفيء إلا لما زالت عنه، وفي القاموس هو الضح والفيء أو هو بالغداة والفيء بالعشي جمعه ظلال وظلول واظلال، ويعبر به عن العزة والمنعة وعن الرفاهة، والمشهور تفسيره هنا بالمعنى الأول، وهو مبتدأ محذوف الخبر أي وأكلها كذلك أي دائم، والجملة معطوفة على الجملة التي قبلها، ومعنى دوامه أنه لا ينسخ كما ينسخ في الدنيا بالشمس إذ لا شمس هناك على الشائع عند أهل الأثر أو لأنها لا تأثير لها على ما قيل، ويجوز عندي أن يراد بالظل العزة أو الرفاهة وأن يراد المعنى الأول ويجعل الكلام كناية عن دوام الراحة، وأكفر خارجة بن معصب كما روي عنه ذلك ابن المنذر. وأبو الشيخ القائل بعدم دوام الجنة كما يحكى عن جهم. وأتباعه لهذه الآية. وبها استدل القاضي على أنها لم تخلق بعد لأنها لو كانت مخلوقة لوجب أن يفنى وينقطع أكلها لقوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [القصص: ٨٨] لكن أكلها لا ينقطع ولا يفنى للآية المذكورة فوجب أن لا تكون مخلوقة بعد، ثم قال: ولا ننكر أن يكون الآن جنان كثيرة في السماء يتمتع بها من شاء الله تعالى من الأنبياء والشهداء وغيرهم إلا أنا نقول: إن جنة الخلد إنما تخلق بعد الإعادة. وأجاب الإمام عن ذلك بأن دليله مركب من شيئين قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ وقوله سبحانه: أُكُلُها دائِمٌ فإذا أدخلنا التخصيص في أحد هذين العمومين سقط الدليل فنحن نخصص أحدهما بالدلائل الدالة على أن الجنة مخلوقة كقوله تعالى: وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا [الحديد: ٢١] اه. ويرد على الاستدلال أنه مشترك الإلزام إذ الشيء في قوله تعالى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ الموجود مطلقا كما في قوله تعالى: «خالق كل شيء وهو بكل شيء عليم» (١) والمعنى أن كل ما يوجد في وقت من الأوقات يصير هالكا بعد وجوده فيصح أن يقال: لو وجدت الجنة في وقت لوجب هلاك أكلها تحقيقا للعموم لكن هلاكه باطل لقوله تعالى: أُكُلُها دائِمٌ فوجودها في وقت من الأوقات باطل. وأجيب بأنه لعل المراد من الشيء الموجود في الدنيا فإنها دار الفناء دون الموجود في الآخرة فإنها دار البقاء وهذا كاف في عدم اشتراك الإلزام وفيه أنه إن أريد أن معنى الشيء هو الموجود في الدنيا فهو ظاهر البطلان، وإن أريد أن المراد ذلك بقرينه كونه محكوما عليه بالهلاك وهو إنما يكون في الدنيا لأنها دار الفناء فنقول: إنه تخصيص بالقرينة اللفظية فنحن نخصصه بغير الجنة لقوله تعالى: أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ وأُكُلُها دائِمٌ فلا يتم الاستدلال. وأجاب غير الإمام بأن المراد هو الدوام العرفي وهو عدم طريان العدم زمانا يقيد به وهذا لا ينافي طريان العدم عليه وانقطاعه لحظة على أن الهلاك لا يستلزم الفناء بل يكفي فيه الخروج عن الانتفاع المقصود، ولو سلم يجوز أن يكون المراد أن كل ممكن فهو هالك في حد ذاته بمعنى أن الوجود الإمكاني بالنظر إلى الوجود الواجبي بمنزلة العدم، وقيل: في الجواب أيضا: إن المراد بالدوام المعنى الحقيقي أعني عدم طريان العدم مطلقا، والمراد بدوام الأكل دوام

стр. 2745

النوع وبالهلاك هلاك الأشخاص، ويجوز أن لا ينقطع النوع أصلا مع هلاك الأشخاص بأن يكون هلاك كل شخص معين من الأكل بعد وجود مثله، وهذا مبني على ما ذهب إليه الأكثرون من أن الجنة لا يطرأ عليها العدم ولو لحظة، وأما على ما قيل: من جريانه عليها لحظة فلا يتم لأنه يلزم منه انقطاع النوع قطعا كما لا يخفى. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه وابن مسعود رضي الله تعالى عنه «مثال الجنة» وفي اللوامح عن السلمي «أمثال الجنة» أي صفاتها تِلْكَ الجنة المنعوتة بما ذكر عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا الكفر والمعاصي أي مآلهم ومنتهى أمرهم وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ لا غير كما يؤذن به تعريف الخبر، وحمل الاتقاء على اتقاء الكفر والمعاصي لأن المقام مقام ترغيب وعليه يكون العصاة مسكوتا عنهم، وقد يحمل على اتقاء الكفر بقرينة المقابلة فيدخل العصاة في الذين اتقوا لأن عاقبتهم الجنة وإن عذبوا. وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ نزلت- كما قال الماوردي- في مؤمني أهل الكتابين كعبد الله بن سلام. وكعب. وأضرابهما من اليهود وكالذين أسلموا من النصارى كالثمانين المشهورين وهم أربعون رجلا بنجران وثمانية باليمن واثنان وثلاثون بالحبشة، فالمراد بالكتاب التوراة والإنجيل يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ إذ هو الكتاب الموعود فيما أوتوه وَمِنَ الْأَحْزابِ أي من أحزابهم وهم كفرتهم الذين تحزبوا على رسول الله ﷺ بالعداوة ككعب بن الأشرف. وأصحابه. والسيد، والعاقب أسقفي نجران. وأشياعهما، وأصله جمع حزب بكسر وسكون الطائفة المتحزبة أي المجتمعة لأمر ما كعداوة وحرب وغير ذلك، وإرادة جماعة مخصوصة منه بواسطة العهد مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ وهو ما لا يوافق كتبهم من الشرائع الحادثة إنشاء أو نسخا وأما ما يوافق كتبهم فلم ينكروه وإن لم يفرحوا به، وعن ابن عباس. وابن زيد أنها نزلت في مؤمني اليهود خاصة. فالمراد بالكتاب التوراة وبالأحزاب كفرتهم. وعن مجاهد. والحسن. وقتادة أن المراد بالموصول جميع أهل الكتاب فإنهم كانوا يفرحون بما يوافق كتبهم. فالمراد- بما أنزل إليك- بعضه وهو الموافق، واعترض عليه بأنه يأباه مقابلة قوله سبحانه: وَمِنَ الْأَحْزابِ مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ لأن إنكار البعض مشترك بينهم، وأجيب بأن المراد من الأحزاب من حظه إنكار بعضه فحسب ولا نصيب له من الفرح ببعض منه لشدة بغضه وعداوته وأولئك يفرحون ببعضه الموافق لكتبهم، وقيل: الظاهر أن المعنى أن منهم من يفرح ببعضه إذا وافق كتبهم وبعضهم لا يفرح بذلك البعض بل يغتم به وإن وافقها وينكر الموافقة لئلا يتبع أحد منهم شريعته ﷺ كما في قصة الرجم، وأنت تعلم أن الجوابين ليسا بشيء، وعلى تفسير الموصول بعامة أهل الكتاب فسر البعض البعض بما لم يوافق ما حرفوه، وبين ذلك بأن منهم من يفرح بما وافق ومنهم من ينكره لعناده وشدة فساده، وإنكارهم لمخالفة المحرف بالقول دون القلب لعلمهم به أو هو بالنسبة لمن لم يحرفه، ولعل نعي الإنكار أوفق بالمقام من نعي التحريف عليهم على ما لا يخفى على المتأمل، وقيل: المراد بالموصول مطلق المسلمين وبالأحزاب اليهود والنصارى والمجوس (١) . وأخرج ذلك ابن جرير عن قتادة، فالمراد بالكتاب القرآن، ومعنى يَفْرَحُونَ استمرار فرحهم وزيادته وقالت فرقة: المراد بالأحزاب أحزاب الجاهلية من العرب، وقال مقاتل: هم بنو أمية. وبنو المغيرة. وآل أبي طلحة قُلْ صادعا بالحق غير مكترث بمنكر بعض ما أنزل إليك إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ أي شيئا من الأشياء أو لا أفعل الإشراك به سبحانه، والظاهر أن المراد قصر الأمر على عبادته تعالى خاصة وهو الذي يقتضيه كلام الإمام حيث

стр. 2746

قال: إن إِنَّما للحصر ومعناه إني ما أمرت إلا بعبادة الله تعالى وهو يدل على أنه لا تكليف ولا أمر ولا نهي إلا بذلك، وقيل: معناه إنما أمرت بعبادته تعالى وتوحيده لا بما أنتم عليه. وفي إرشاد العقل السليم أن المعنى إلزاما للمنكرين وردا لإنكارهم إنما أمرت إلى آخره، والمراد قصر الأمر بالعبادة على الله تعالى لا قصر الأمر مطلقا على عبادته سبحانه أي قل لهم: إنما أمرت فيما أنزل إلي بعبادة الله تعالى وتوحيده. وظاهر أن لا سبيل لكم إلى إنكاره لإطباق جميع الأنبياء ﵈ والكتب على ذلك لقوله تعالى: تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً [آل عمران: ٦٥] فما لكم تشركون به عزيرا. والمسيح ﵉، ولا يخفى أن هذا التفسير مبني على كون المراد من الأحزاب كفرة أهل الكتابين وهذا الكلام إلزام لهم، واعترض بأن منهم من ينكر التوحيد وإطباق جميع الأنبياء والكتب عليه كالمثلثة من النصارى. وأجيب بأنهم مع التثليث يزعمون التوحيد ولا ينكرونه كما يدل عليه قولهم: باسم الأب والابن وروح القدس إلها واحدا، وأنت تعلم أن هذا مما لا يحتاج إليه والاعتراض ناشئ من الغفلة عن المراد، وقد يقال: المعنى إنما أمرت بعبادة الله تعالى وعدم الإشراك به وذلك أمر تستحسنه العقول وتصرح به الدلائل الآفاقية والأنفسية: وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد فإنكاره دليل الحماقة وشاهد الجهالة لا ينبغي لعاقل أن يلتفت إليه، ويجري هذا على سائر تفاسير الأحزاب. وقرأ أبو خليد عن نافع «ولا أشرك» بالرفع على القطع أي وأنا لا أشرك، وجوز أن يكون حالا أي أن أعبد الله غير مشرك به قيل: وهو الأولى لخلو الاستئناف عن دلالة الكلام على أن المأمور به تخصيص العبادة به تعالى وفيه بحث إِلَيْهِ أي إلى الله تعالى خاصة على النهج المذكور من التوحيد أو إلى ما أمرت به من التوحيد أَدْعُوا الناس لا إلى غيره ولا إلى شيء آخر مما لا يطبق عليه الكتب الإلهية والأنبياء ﵈ فما وجه إنكاركم؟ قاله في الإرشاد أيضا، والأولى عود المضير على الله تعالى كنظيره السابق وكذا اللاحق في قوله سبحانه: وَإِلَيْهِ أي الله تعالى وحده مَآبِ أي مرجعي للجزاء وعلى ذلك اقتصر العلامة البيضاوي وكان قد زاد ومرجعكم فيما تقدم غير بعيد، واعترض بأنه كان عليه أن يزيده هنا أيضا بل هذا المقام أنسب بالتعميم ليدل على ثبوت الحشر عموما وهو المروي عن قتادة، وقد جعل الإمام هذه الآية جامعة لكل ما يحتاج المرء إليه من معرفة المبدأ والمعاد فقوله سبحانه: قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ جامع لكل ما ورد التكليف به وقوله تعالى: إِلَيْهِ أَدْعُوا مشير إلى نبوته ﵊. وقوله جل وعلا: وَإِلَيْهِ مَآبِ إشارة إلى الحشر والبعث والقيامة. وأجاب الشهاب عن ذلك بقوله: إن قول الزمخشري إليه لا إلى غيره مرجعي وأنتم تقولون مثل ذلك فلا معنى لإنكاركم فيه بيان لنكتة التخصيص من أنهم ينكرون حقيقة أو حكما فلا حاجة إلى ما يقال لا حاجة لذكره هنا لدلالة قوله تعالى: تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النَّارُ انتهى. وهو كما ترى، ولعل الأظهر أن يقال: إن دلالة الكلام عليه هنا ليست كدلالته عليه هناك إذ مساق الآية فيه للتخويف اللائق به اعتباره ومساقها هنا لأمر آخر والاقتصار على ذلك كاف فيه. وأنت تعلم أنه لا مانع من اعتباره ويكون معنى الآية قل في جوابهم: إني إنما أمرني الله تعالى بما هو من معالي الأمور وإليه أدعو وقتا فوقتا وإليه مرجعي ومرجعكم فيثيبني على ما أنا عليه وينتقم منكم على إنكاركم وتخلفكم عن اتباع دعوتي أو فحينئذ يظهر حقية جميع ما أنزل إلي ويتبين فساد رأيكم في إنكار كم شيئا منه، وقد يقال على عدم اعتباره نحو ما قيل فيما قبل: إن المعنى قل في مقابلة إنكارهم إني إنما أمرني الله تعالى بما أمرني به وإليه أدعو وإليه مرجعي فيما يعرض لي في أمر الدعوة وغيره فلا أبالي بإنكاركم فإنه سبحانه كاف من رجع إليه، ولعل هذا المعنى هنا

стр. 2747

من حيث إنه فيه تأسيس محض أولى منه هناك، واقتصر في الإرشاد على جعل الكلام إلزاما وجعله نكتة أمره ﷺ بأن يخاطبهم بذلك، وذكر أن قوله تعالى: وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ حُكْماً عَرَبِيًّا شروع في رد إنكارهم لفروع الشرائع الواردة ابتداء أو بدلا من الشرائع المنسوخة ببيان الحكمة في ذلك وأن الضمير راجع- لما أنزل إليك- والإشارة إلى مصدر أَنْزَلْناهُ أو أُنْزِلَ إِلَيْكَ أي مثل ذلك الإنزال البديع الجامع لأصول مجمع عليها وفروع متشعبة إلى موافقة ومخالفة حسبما يقتضيه قضية الحكمة أنزلناه حاكما يحكم في القضايا والواقعات بالحق ويحكم به كذلك، والتعرض لهذا العنوان مع أن بعضه ليس بحكم لتربيته وجوب مراعاته وتحتم المحافظة عليه، والتعرض لكونه عربيا أي مترجما بلسان العرب للإشارة إلى أن ذلك إحدى مواد المخالفة للكتب السابقة مع أن ذلك مقتضى الحكمة إذ بذلك يسهل فهمه وإدراك إعجازه يعني بالنسبة للعرب، وأما بالنسبة إلى غيرهم فلعل الحكمة أن ذلك يكون داعيا لتعلم العلوم التي يتوقف عليها ما ذكر. ومنهم من اقتصر على اشتمال الإنزال على أصول الديانات المجمع عليها حسبما يفيده على رأي قوله تعالى: قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ إلى آخره، وتعقب بأنه يأباه التعرض لاتباع أهوائهم وحديث المحو والإثبات وإنه لكل أجل كتاب فإن المجمع عليه لا يتصور فيه استتباع والاتباع، وقيل: إن الإشارة إلى إنزال الكتب السالفة على الأنبياء ﵈، والمعنى كما أنزلنا الكتب على من قبلك أنزلنا هذا الكتاب عليك لأن قوله تعالى: والَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يتضمن إنزاله تعالى ذلك وهذا الذي أنزلناه بلسان العرب كما أن الكتب السابقة بلسان من أنزلت عليه وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤] وإلى هذا ذهب الإمام. وأبو حيان، وقال ابن عطية: المعنى كما يسرنا هؤلاء للفرح وهؤلاء لإنكار البعض أنزلناه حكما إلى آخره وليته ما قيل، وإلا بلغ الاحتمال الأول مما أشرنا إليه، ونصب حُكْماً على الحال من منصوب أَنْزَلْناهُ وإذا أريد به حاكما كان هناك مجاز في النسبة كما لا يخفى، ونصب عَرَبِيًّا على الحال أيضا إما من ضمير أَنْزَلْناهُ كالحال الأولى فتكون حالا مترادفة أو من المستتر في الأولى فتكون حالا متداخلة، ويصح أن يكون وصفا- لحكما- الحال وهي موطئة وهي الاسم الجامد الواقع حالا لوصفه بمشتق وهو الحال في الحقيقة، والأول أولى لأن حُكْماً مقصود بالحالية هنا والحال الموطئة لا تقصد بالذات. واختار الطبرسي أن معنى حكما حكمة كما في قوله تعالى: «وآتيناه الحكم والنبوة» (١) وهو أحد أوجه ذكرها الإمام، ونصبه على الحال أيضا فلا تغفل. واستدلت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن من وجوه. الأول أنه تعالى وصفه بكونه منزلا وذلك لا يليق إلا بالمحدث. الثاني أنه وصفه بكون عربيا والعربي أمر وضعي وما كان كذلك كان محدثا. الثالث أنها دلت على أنه إنما كان حكما عربيا لأن الله تعالى جعله كذلك والمجعول محدث. وأجاب الإمام بأن كل ذلك إنما يدل على أن المركب من الحروف والأصوات محدث ولا نزاع فيه أي بين المعتزلة والأشاعرة وإلا فالحنابلة على ما اشتهر عنهم قائلون بقدم الكلام اللفظي، وقد أسلفنا في المقدمات كلاما نفيسا في مسألة الكلام فارجع إليه ولا يهولنك قعاقع المخالفين لسلف الأمة. وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ التي يدعونك إليها كالصلاة إلى بيت المقدس بعد تحويل القبلة إلى الكعبة وكترك الدعوة إلى الإسلام بَعْدَ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ العظيم الشأن الفائض عليك من ذلك الحكم العربي أو العلم بمضمونه ما لَكَ مِنَ اللَّهِ من جنابه العزيز جل شأنه والالتفات من التكلم إلى الغيبة وإيراد الاسم الجليل لتربية المهابة مِنْ وَلِيٍ

стр. 2748

يلي أمرك وينصرك على من يبغيك الغوائل وَلا واقٍ يقيك من مصارع السوء، وحيث لم يستلزم نفي الناصر على العدو نفي الواقي من نكايته أدخل في المعطوف حرف النفي للتأكيد كقولك: ما لي دينار ولا درهم أو مالك من بأس الله تعالى من ناصر وواق لاتباعك أهواءهم بعد ما جاءك من الحق، وأمثال هذه القوارع إنما هي لقطع أطماع الكفرة وتهييج المؤمنين على الثبات في الدين لا للنبي ﷺ فإنه ﵊ بمكان لا يحتاج فيه إلى باعث أو مهيج، ومن هنا قيل: إن الخطاب لغيره ﷺ ، واللام في لئن موطئة ومِنَ الثانية مزيدة وما لَكَ ساد مسد جوابي الشرط والقسم وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا كثيرة كائنة مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً أي نساء وأولادا كما جعلناها لك، روي عن الكلبي أن اليهود عيرت رسول الله ﷺ وقالوا: ما نرى لهذا الرجل همه إلا النساء والنكاح ولو كان نبيا كما زعم لشغله أمر النبوة عن النساء فنزلت ردا عليهم حيث تضمنت أن التزوج لا ينافي النبوة وأن الجمع بينهما قد وقع في رسل كثيرة قبله. ذكر أنه كان لسليمان ﵇ ثلاثمائة امرأة مهرية وسبعمائة سرية وأنه كان لداود ﵇ مائة امرأة، ولم يتعرض جل شأنه لرد قولهم: ما نرى لهذا الرجل همة إلا النساء للإشارة إلى أنه لا يستحق جوابا لظهور أنه ﵊ لم يشغله أمر النساء عن شيء ما من أمر النبوة، وفي أدائه ﷺ للأمرين على أكمل وجه دليل وأي دليل على مزيد كماله ملكية وبشرية. ومما يوضح ذلك أنه ﷺ كان يجوع الأيام حتى يشد على بطنه الشريف الحجر ومع ذا يطوف على جميع نسائه في الليلة الواحدة ولا يمنعه ذاك عن هذا. وفي تكثير نسائه ﵊ فوائد جمة، ولو لم يكن فيه سوى الوقوف على استواء سره وعلنه لكفى، وذلك لأن النساء من شأنهن أن لا يحفظن سرا كيفما كان فلو كان منه ﵊ في السر ما يخالف العلن لوقفن عليه مع كثرتهن ولو كن قد وقفن لأفشوه عملا بمقتضى طباع النساء لا سيما الضرائر. ومن وقف على الآثار وأحاط خبرا بما روى عن هاتيك النساء الطاهرات علم أنهن لم يتركن شيئا من أحواله الخفية إلا ذكروه، وناهيك ما روي أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم اختلفوا في الإيلاج بدون إنزال هل يوجب الغسل أم لا؟ فسألوا عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت ولا حياء في الدين: فعل ذلك رسول الله ﷺ معي فاغتسلنا جميعا وروي أنهم طعنوا في نبوته بالتزوج وبعدم الإتيان بما يقترحونه من الآيات فنزل ذلك وقوله تعالى: وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي وما صح وما استقام ولم يكن في وسع رسول من الرسل الذين من قبل أن يأتي من أرسل إليهم بآية ومعجزة يقترحونها عليه إلا بتيسير الله تعالى ومشيئته المبنية على الحكم والمصالح التي يدور عليها أمر الكائنات، وقد يراد بالآية الآية الكتابية النازلة بالحكم على وفق مراد المرسل إليهم وهو أوفق بما بعد، وجوز إرادة الأمرين باعتبار عموم المجاز أي الدال مطلقا أو على استعمال اللفظ في معنييه بناء على جوازه، والالتفات لما تقدم ولتحقيق مضمون الجملة بالإيماء إلى العلة. لِكُلِّ أَجَلٍ أي لكل وقت ومدة من الأوقات والمدد كِتابٌ حكم معين يكتب على العباد حسبما تقتضيه الحكمة، فإن الشرائع كلها لإصلاح أحوالهم في المبدأ والمعاد، ومن قضية ذلك أن تختلف حسب أحوالهم المتغيرة حسب تغير الأوقات كاختلاف العلاج حسب اختلاف أحوال المرضى بحسب الأوقات، وهذا عند بعض رد لما أنكروه عليه ﵊ من نسخ بعض الأحكام كما أن ما قبله رد لطعنهم بعدم الإتيان بالمعجزات المقترحة. يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ أي ينسخ ما يشاء نسخه من الأحكام لما تقتضيه الحكمة بحسب الوقت وَيُثْبِتُ

стр. 2749

بدله ما فيه الحكمة أو يبقيه على حاله غير منسوخ أو يثبت ما يشاء إثباته مطلقا أعم منهما ومن الإنشاء ابتداء، وقال عكرمة: يمحو بالتوبة جميع الذنوب ويثبت بدل ذلك حسنات كما قال تعالى: إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الفرقان: ٧٠] وقال ابن جبير: يغفر ما يشاء من ذنوب عباده ويترك ما يشاء فلا يغفره، وقال: يمحو ما يشاء ممن حان أجله ويثبت ما يشاء ممن لم يأت أجله، وقال علي كرم الله تعالى وجهه: يمحو ما يشاء من القرون لقوله تعالى: أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ [يس: ٣١] ويثبت ما يشاء منها لقوله سبحانه: ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ [المؤمنون: ٤٢] وقال الربيع: هذا في الأرواح حالة النوم يقبضها الله تعالى إليه فمن أراد موته فجأة أمسك روحه فلم يرسلها ومن أراد بقاءه أرسل روحه، بيانه قوله تعالى: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر: ٤٢] الآية، وعن ابن عباس. والضحاك يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة ولا بسيئة لأنهم مأمورون بكتب كل قول وفعل ويثبت ما هو حسنة أو سيئة، وقيل: يمحو بعض الخلائق ويثبت بعضا من الأناسي وسائر الحيوانات والنباتات والأشجار وصفاتها وأحوالها، وقيل: يمحو الدنيا ويثبت الآخرة، وقال الحسن. وفرقة: ذلك في آجال بني آدم يكتب سبحانه في ليلة القدر، وقيل: في ليلة النصف من شعبان آجال الموتى فيمحو أناسا من ديوان الأحياء ويثبتهم في ديوان الأموات، وقال السدي: يمحو القمر ويثبت الشمس بيانه قوله تعالى: فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً [الإسراء: ١٢] وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يمحو الله تعالى ما يشاء من أمور عباده ويثبت إلا السعادة والشقاوة والآجال فإنها لا محو فيها، ورواه عنه مرفوعا ابن مردويه، وقيل: هو عام في الرزق والأجل والسعادة والشقاوة ونسب إلى جماعة من الصحابة والتابعين وكانوا يتضرعون إلى الله تعالى أن يجعلهم سعداء، فقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف. وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ما دعا عبد قط بهذه الدعوات إلا وسع عليه في معيشته يا ذا المن ولا يمن عليه يا ذا الجلال والإكرام يا ذا الطول لا إله إلا أنت ظهر اللاجين وجار المستجيرين ومأمن الخائفين إن كنت كتبتني عندك في أم الكتاب شقيا فامح عني اسم الشقاوة وأثبتني عندك سعيدا وان كنت كتبتني عندك في أم الكتاب محروما مقترا عليّ رزقي فامح حرماني ويسر رزقي وأثبتني عندك سعيدا موفقا للخير فإنك تقول في كتابك الذي أنزلت يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ. وأخرج عبد بن حميد وغيره عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال وهو يطوف بالبيت: اللهم إن كنت كتبت علي شقوة أو ذنبا فامحه واجعله سعادة ومغفرة فإنك تمحو ما تشاء وتثبت وعندك أم الكتاب. وأخرج ابن جرير عن شقيق أبي وائل أنه كان يكثر الدعاء بهذه الدعوات اللهم إن كنت كتبتنا أشقياء فامحنا واكتبنا سعداء وإن كنت كتبتنا سعداء فاثبتنا فإنك تمحو ما تشاء وتثبت. واخرج ابن سعد وغيره عن الكلبي أنه قال: يمحو الله تعالى من الرزق ويزيد فيه ويمحو من الأجل ويزيد فيه فقيل له: من حدثك بهذا؟ فقال: أبو صالح عن جابر بن عبد الله بن رئاب الأنصاري عن النبي ﷺ . وأبو حيان يقول: إن صح شيء من ذلك ينبغي تأويله فمن المعلوم أن السعادة والشقاوة والرزق والأجل لا يتغير شيء منها، وإلى التعميم ذهب شيخ الإسلام قال بعد نقل كثير من الأقوال: والأنسب تعميم كل من المحو والإثبات ليشمل الكل ويدخل في ذلك مواد الإنكار دخولا أوليا وما أخرجه ابن جرير عن كعب من أنه قال لعمر رضي الله تعالى عنه: يا أمير المؤمنين لولا آية في كتاب الله تعالى لأنبئنك بما هو كائن إلى يوم القيامة قال: وما هي؟ قال قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ الآية يشعر بذلك، وأنت تعلم أن المحو والإثبات إذا كانا بالنسبة إلى ما في أيدي الملائكة ونحو فلا فرق بين السعادة والشقاوة والرزق والأجل وبين غيرها في أن كلا يقبل المحو والإثبات، وإن كانا بالنسبة إلى ما في العلم فلا فرق أيضا

стр. 2750

بين تلك الأمور وبين غيرها في أن كلا لا يقبل ذلك لأنه العلم إنما تعلق بها على ما هي عليه في نفس الأمر وإلا لكان جهلا وما في نفس الأمر مما لا يتصور فيه التغير والتبدل، وكيف يتصور تغير زوجية الأربعة مثلا وانقلابها إلى الفردية مع بقاء الأربعة أربعة هذا مما لا يكون أصلا ولا أظنك في مرية من ذلك، ولا يأبى هذا عموم الأدلة الدالة على أنه ما شاء الله تعالى كان لأن المشيئة تابعة للعلم والعلم بالشيء تابع لما عليه الشيء في نفس الأمر فهو سبحانه لا يشاء إلا ما عليه الشيء في نفس الأمر، قيل: ويشير إلى أن ما في العلم لا يتغير قوله سبحانه: وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ بناء على أن أُمُّ الْكِتابِ هو العلم لأن جميع ما يكتب في صحف الملائكة وغيرها لا يقع حيثما يقع إلا موافقا لما ثبت فيه فهو أم لذلك أي أصل له فكأنه قيل: يمحو ما يشاء محوه ويثبت ما يشاء إثباته مما سطر في الكتب وثابت عنده العلم الأزلي الذي لا يكون شيء إلا على وفق ما فيه، وتفسير أُمُّ الْكِتابِ بعلم الله تعالى مما رواه عبد الرزاق. وابن جرير عن كعب رضي الله تعالى عنه، والمشهور أنها اللوح المحفوظ قالوا: وهو أصل الكتب إذ ما من شيء من الذاهب والثابت إلا وهو مكتوب فيه كما هو. والظاهر أن المراد الذاهب والثابت مما يتعلق بالدنيا (١) لا مما يتعلق بها وبالآخرة أيضا لقيام الدليل العقلي على تناهي الأبعاد مطلقا والنقلي على تناهي اللوح بخصوصه، فقد جاء أنه من درة بيضاء له دفتان من ياقوت طوله مسيرة خمسمائة عام وامتناع ظرفية المتناهي لغير المتناهي ضروري، ولعل من يقول بعموم الذاهب والثابت يلتزم القول بالإجمال حيث يتعذر التفصيل. وقد ذهب بعضهم إلى تفسير أُمُّ الْكِتابِ بما هو المشهور، والتزم القول بأن ما فيه لا يتغير وإنما التغير لما في الكتب غيره، وهذا قائل بعدم تغير ما في العلم لما علمت. ورأيت في نسخة لبعض الأفاضل كانت عندي وفقدت في حادثة بغداد ألفت في هذه المسألة وفيها أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي واستدل لذلك بأمور. منها أنه قد صح من دعائه ﷺ في القنوت: «وقني شر ما قضيت» وفيه طلب الحفظ من شر القضاء الأولى ولم لم يمكن تغييره ما صح طلب الحفظ منه. ومنها ما صح في حديث التراويح من عذره ﷺ عن الخروج إليها، وقد اجتمع الناس ينتظرونه لمزيد رغبتهم فيها بقوله: «خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها» فإنه لا معنى لهذه الخشية لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير، فإنه إن كان قد سبق القضاء بأنها ستفرض فلا بد أن تفرض وإن سبق القضاء بأنها لا تفرض فمحال أن تفرض على ذلك الفرض، على أنه قد جاء في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج بعد ما هو ظاهر في سبق القضاء بأنها خمس صلوات مفروضة لا غير فما معنى الخشية بعد العلم بذلك لولا العلم بإمكان التغيير والتبديل. ومنها ما صح أنه ﷺ كان يضطرب حاله الشريف ليلة الهواء الشديد حتى أنه لا ينام وكان يقول في ذلك: «أخشى أن تقوم الساعة» فإنه لا معنى لهذه الخشية أيضا مع اخبار الله تعالى أن بين يديها ما لم يوجد إذ ذاك كظهور المهدي وخروج الدجال ونزول عيسى ﵇ وخروج يأجوج ومأجوج ودابة الأرض وطلوع الشمس من مغربها وغير ذلك مما يستدعي تحققه زمانا طويلا فلو لم يكن ﵊ يعلم أن القضاء يمكن تغييره وان ما قضي من أشراطها يمكن تبديله ما خشي ﷺ من ذلك. ومنها أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفا من النار حتى أن منهم من كان يقول: ليت أمي لم تلدني، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: لو نادى مناد كل الناس في الجنة إلا واحدا لظننت أني ذلك الواحد، وهذا مما لا معنى له مع إخبار الصادق وتبشيره له بالجنة والعلم بأن القضاء لا يتغير. ومنها أنه لولا إمكان التغيير للغا الدعاء إذ المدعو به إما أن يكون قد سبق القضاء بكونه فلا

стр. 2751

بد أن يكون وإلا فمحال أن يكون، وطلب ما لا بد أن يكون أو محال أن يكون لغو مع أنه قد ورد الأمر به، والقول بأنه لمجرد إظهار العبودية والافتقار إلى الله تعالى وكفى بذلك فائدة يأباه ظاهر قوله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: ٦٠] وأيضا أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «لا ينفع الحذر من القدر ولكن الله تعالى يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر» وأخرج ابن مردويه. وابن عساكر عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه سأل رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ الآية فقال له ﵊: «لأقرن عينك بتفسيرها ولأقرن عين أمتي بعدي بتفسيرها، الصدقة على وجهها وبر الوالدين واصطناع المعروف يحول الشقاء سعادة ويزيد في العمر ويقي مصارع السوء» وهذا لا يكاد يعقل على تقدير أن القضاء لا يتغير، وفي الأخبار والآثار مما هو ظاهر في إمكان التغير ما لا يحصى كثرة، ولعل من ذلك الدعاء المار عن ابن مسعود، ثم ان القضاء المعلق يرجع في المال إلى القضاء المبرم عند مثبته فلا يفيده التعلق بذلك في دفع ما يرد عليه، ودفع ما يرد على القول بالتغير من أنه يلزم منه التغير في ذاته تعالى لما أنه ينجر إلى تغير العلم وهو يوجب التغير في ذاته تعالى من صفة إلى أخرى أو يلزم من ذلك الجهل. وهذا مأخوذ من الشبهة التي ذكرها جمهور الفلاسفة في نفي علم الله تعالى بالجزئيات المتغيرة فإنهم قالوا: إنه تعالى إذا علم مثلا أن زيدا في الدار الآن ثم خرج عنها فإما أن يزول ذلك العلم ولا يعلم سبحانه أنه في الدار أو يبقى ذلك العلم بحاله، والأول يوجب التغير في ذاته سبحانه، والثاني يوجب الجهل وكلاهما نقص يجب تنزيه الله تعالى عنه بما دفعوا به تلك الشبهة، وهو ما ذكر في المواقف وشرحه من منع لزوم التغير فيه تعالى بل التغير إنما هو في الإضافات لأن العلم عندنا اضافة مخصوصة وتعلق بين العالم والمعلوم. أو صفة حقيقية ذات إضافة، فعلى الأول يتغير نفس العلم، وعلى الثاني يتغير إضافاته فقط، وعلى التقديرين لا يلزم تغير في صفة موجودة بل في مفهوم اعتباري وهو جائز. وأجاب كثير من الاشاعرة والمعتزلة بأن العلم بأن الشيء وجد والعلم بأنه سيوجد واحد فإن من علم أن زيدا سيدخل البلد غدا فعند حصول الغد يعلم بهذا العلم بأنه دخل البلد الآن إذا كان علمه هذا مستمرا بلا غفلة مزيلة له وإنما يحتاج أحدنا إلى علم آخر متجدد يعلم به أنه دخل الآن لطريان الغفلة عن الأول، والباري تعالى يمتنع عليه الغفلة فكان علمه سبحانه بأنه وجد عين علمه بأنه سيوجد فلا يلزم من تغير المعلوم تغير في العلم ونهاية كلامه في هذا المقام أنه يجوز أن يتغير ما في علم الله تعالى والا لتعين عليه سبحانه الفعل أو الترك وفيه من الحجر عليه ﷻ ما لا يخفى، ولا يلزم من ذلك التغير سوى التغير في التعلقات وهو غير ضار، واعترض بأنه على هذا القول لا يبقى وثوق بشيء من الأخبار الغيبية كالحشر والنشر وكذا لا يبقى وثوق بالأخبار بأنه ﷺ خاتم النبيين لجواز أن يكون الله تعالى قد علم ذلك حين أخبر ثم تعلق علمه بخلافه لكنه سبحانه لم يخبر ولا نقص في الاخبار الأول لأنه اخبار عما كان متعلق العلم إذ ذاك، وأيضا يلزم من ذلك نفي نفس الأمر أو نفي كون تعلق العلم على وفقه وكلا النفيين كما ترى. بقي الجواب عما تمسك به وهو عن بعض ظاهر وعن بعض يحتاج إلى تأمل فتأمل. واستدل بالآية بعض الشيعة القائلين بجواز البداء على الله سبحانه وفيه ما فيه هذا. ويخطر لي في الآية معنى لم أر من ذكره وهو أن يراد بقوله سبحانه: يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ ما ذكرناه أولا قبل حكاية الأقوال وهو مما رواه البيهقي في المدخل. وغيره عن ابن عباس، وابن جرير عن قتادة ويخصص ذلك بالأحكام الفرعية، ويراد بأم الكتاب الأحكام الأصلية فإنها مما لا تقبل النسخ وهي أصل لكل كتاب باعتبار أن الأحكام الفرعية التي فيه إنما تصح ممن أتى بها لكن لا يساعد على هذا المأثور عن السلف. نعم هو مناسب للمقام كما لا يخفى، وزعم الضحاك. والفراء أن في الآية قلبا والأصل لكل كتاب أجل. وتعقب بأنه لا يجوز ادعاء القلب إلا في

стр. 2752

ضرورة الشعر على أنه لا داعي إليه هنا بل قد يدعى فساد المعنى عليه وأيا ما كان فأل في الكتاب للجنس فهو شامل للكثير، ولهذا فسره غير واحد بالجمع، وقرأ نافع، وابن عامر وَيُثْبِتُ بالتشديد وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ أصله إن نريك وما مزيدة لتأكيد معنى الشرط، ومن ثمة ألحقت النون بالفعل، قال ابن عطية: ولو كانت إِنْ وحدها لم يجز الحاق النون، وهو مخالف لظاهر كلام سيبويه، قال ابن خروف: أجاز سيبويه الإتيان- بما- وعدم الإتيان بها والإتيان بالنون مع ما وعدم الإتيان بها، والإراءة هنا بصرية والكاف مفعول أول وقوله سبحانه: بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ مفعول ثان، والمراد بعض الذي وعدناهم من إنزال العذاب عليهم، والعدول إلى صيغة المضارعة لحكاية الحال الماضية أو نعدهم وعدا متجددا حسب ما تقتضيه الحكمة من إنذار عقيب إنذار، وفي إيراد البعض رمز على ما قيل إلى إراءة بعض الموعود أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ قبل ذلك فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ أي تبليغ أحكام ما أنزلنا عليك وما تضمنه من الوعد والوعيد لا تحقيق مضمون الوعيد الذي تضمنه ذلك، فالمقصور عليه البلاغ ولهذا قدم الخبر، وهذا الحصر مستفاد من إنما لا من التقديم وإلا لانعكس المعنى، وقوله تعالى: وَعَلَيْنَا الْحِسابُ الظاهر أنه معطوف على ما في حيز إنما فيصير المعنى إنما علينا محاسبة أعمالهم السيئة والمؤاخذة بها دون جبرهم على اتباعك أو إنزال ما اقترحوه عليك من الآيات. واعتبر الزمخشري عطفه على جملة فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ فيصير المعنى وعلينا لا عليك محاسبة أعمالهم، قيل: وهو الظاهر ترجيحا للمنطوق على المفهوم إذا اجتمع دليلا حصر، وحاصل معنى الآية كيفما دارت الحال أريناك بعض ما وعدناهم من العذاب الدنيوي أو لم نركه فعلينا ذلك وما عليك إلا التبليغ فلا تهتم بما وراء ذلك فنحن نكفيكه ونتم ما وعدناك به من الظفر ولا يضجرك تأخره فإن ذلك لما نعلم من المصالح الخفية. وفي البحر عن الحوفي أنه قد تقدم في الآية شرطان نُرِيَنَّكَ ونَتَوَفَّيَنَّكَ لأن المعطوف على الشرط شرط، وقوله تعالى: فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ لا يصلح أن يكون جوابا للشرط الأول ولا للشرط الثاني لأنه لا يترتب على شيء منهما وهو ظاهر فيحتاج إلى تأويل، وهو أن يقدر لكل شرط منهما ما يناسب أن يكون جزاء مترتبا عليه، فيقال والله تعالى أعلم: وإما نرينك بعض الذي نعدهم فذلك شافيك من أعدائك ودليل صدقك وإما نتوفينك قبل حلوله بهم فلا لوم عليك ولا عتب، ويكون قوله تعالى: فَإِنَّما إلخ دليلا عليهما، والواقع من الشرطين هو الأول كما في بدر. ثم إنه سبحانه طيب نفسه ﵊ بطلوع تباشير الظفر فقال جل شأنه: أَوَلَمْ يَرَوْا إلخ. والاستفهام للإنكار والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقام أي أأنكروا نزول ما وعدناهم أو أشكوا أو ألم ينظروا في ذلك ولم يروا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ أي أرض الكفرة نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها من جوانبها بأن نفتحها شيئا فشيئا ونلحقها بدار الإسلام ونذهب منها أهلها بالقتل والأسر والإجلاء أليس هذا مقدمة لذاك. ومثل هذه الآية قوله تعالى: أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ [الأنبياء: ٤٤] وروي ذلك عن ابن عباس والحسن والضحاك وعطية والسدي وغيرهم، وروي عن ابن عباس أيضا وأخرجه الحاكم عنه وصححه أن انتقاص الأرض موت أشرافها وكبرائها وذهاب العلماء منها. وفي رواية عن أبي هريرة يرفعه إلى رسول الله ﷺ الاقتصار على الأخير، وروي أيضا عن مجاهد فالمراد من الأرض جنسها، والأطراف كما قيل بمعنى الأشراف، ومجيء ذلك بهذا المعنى محكي عن ثعلب، واستشهد له الواحدي بقول الفرزدق: واسأل بنا وبكم إذا وردت مني ... أطراف كل قبيلة من يمنع وقريب من ذلك قول ابن الأعرابي: الطرف والطرف الرجل الكريم. وقول بعضهم: طرف كل شيء خياره، وجعلوا من هذا قول علي كرم الله تعالى وجهه: العلوم أودية في أي واد أخذت منها خسرت فخذوا من كل شيء طرفا

стр. 2753

قال ابن عطية: أراد كرم الله تعالى وجهه خيارا وأنت تعلم أن الأظهر جانبا، وادعى الواحدي أن تفسير الآية بما تقدم هو اللائق. وتعقبه الإمام بأنه يمكن القول بلياقة الثاني، وتقرير الآية عليه أو لم يروا أنا نحدث في الدنيا من الاختلافات خرابا بعد عمارة وموتا بعد حياة وذلا بعد عز ونقصا بعد كمال وهذه تغييرات مدركة بالحس فما الذي يؤمنهم أن يقلب الله تعالى الأمر عنهم فيجعلهم أذلة بعد أن كانوا أعزة ومقهورين بعد أن كانوا قاهرين وهو كما ترى، وقيل: نقصها هلاك من هلك من الأمم قبل قريش وخراب أرضهم أي ألم يروا هلاك من قبلهم وخراب ديارهم فكيف يأمنون من حلول ذلك بهم، والأول أيضا أوفق بالمقام منه، ولا يخفى ما في التعبير بالإتيان المؤذن بعظيم الاستيلاء من الفخامة كما في قوله تعالى: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً [الفرقان: ٢٣] وفي الحواشي الشهابية أن المعنى يأتيها أمرنا وعذابنا، وجملة نَنْقُصُها في موضع الحال من فاعل نَأْتِي أو من مفعوله وقرأ الضحاك نَنْقُصُها مثقلا من نقص عداه بالتضعيف من نقص اللازم على ما في البحر وَاللَّهُ يَحْكُمُ ما يشاء كما يشاء وقد حكم لك ولأتباعك بالعز والإقبال وعلى أعدائك ومخالفيك بالقهر والاذلال حسبما يشاهده ذوو الأبصار من المخائل والآثار، وفي الالتفات من التكلم إلى الغيبة وبناء الحكم على الاسم الجليل من الدلالة على الفخامة وتربية المهابة وتحقيق مضمون الخبر بالإشارة إلى العلة ما لا يخفى، وهي جملة اعتراضية جيء بها لتأكيد فحوى ما تقدمها، وقوله سبحانه: لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ اعتراض أيضا لبيان علو شأن حكمه جل وعلا، وقيل: هو نصب على الحال كأنه قيل: والله تعالى يحكم نافذا حكمه كما تقول: جاء زيد لا عمامة على رأسه ولا قلنسوة أي حاسرا وإليه ذهب الزمخشري، قيل: وإنما أول الجملة الاسمية بالمفرد لأن تجردها من الواو إذا وقعت حالا غير فصيح عنده ولا يخفى عليك أن جعلها معترضة أولى وأعلى، والمعقب من يكر على الشيء فيبطله وحقيقته الذي يعقب الشيء بالإبطال، ومنه يسمى الذي يطلب حقا من آخر معقبا لأن يعقب غريمه ويتبعه للتقاضي، قال لبيد: حتى تهجر بالرواح وهاجها ... طلب المعقب حقه المظلوم وقد يسمى الماطل معقبا لأنه يعقب كل طلب برد، وعن أبي علي عقبني حقي أن مطلني. ويقال للبحث عن الشيء تعقب، وجوز الراغب أن يراد هذا المعنى هنا على أن يكون الكلام نهيا للناس أن يخوضوا في البحث عن حكمه وحكمته إذا خفيت عليهم، ويكون ذلك من نحو النهي عن الخوض في سر القدر وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ فيما قليل يحاسبهم ويجازيهم في الآخرة بعد ما عذبهم بالقتل والأسر والإجلاء في الدنيا حسبما يرى، وكأنه قيل: لا تستبطئ عقابهم فإنه آت لا محالة وكل آت قريب، وقال ابن عباس: المعنى سريع الانتقام. وَقَدْ مَكَرَ الكفار الَّذِينَ خلوا مِنْ قَبْلِهِمْ من قبل كفار مكة بأنبيائهم وبالمؤمنين كما فعل هؤلاء، وهذا تسلية لرسول الله ﷺ بأنه لا عبرة بمكرهم ولا تأثير بل لا وجود له في الحقيقة، ولم يصرح سبحانه بذلك اكتفاء بدلالة القصر المستفاد من تعليله أعني قوله تعالى: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ أي جنس المكر جَمِيعاً لا وجود لمكرهم أصلا، إذ هو عبارة عن إيصال المكروه إلى الغير من حيث لا يشعر به وحيث كان جميع ما يأتون ويذرون بعلمه وقدرته سبحانه وإنما لهم جرد الكسب من غير فعل ولا تأثير حسبما يبينه قوله تعالى: يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ ومن قضيته عصمة أوليائه سبحانه وعقاب الماكرين بهم توفية لكل نفس جزاء ما كسبت ظهر إن ليس لمكرهم بالنسبة إلى من مكروا بهم عين ولا أثر وإن المكر كله لله تعالى حيث يؤاخذهم بما كسبوا من فنون المعاصي التي من جملتها مكرهم من حيث لا يحتسبون، كذا قاله شيخ الإسلام، وقد تكلف قدس سره في ذلك ما تكلف، وحمل الكسب على ما هو الشائع عند الاشاعرة والله تعالى لا يفرق بينه وبين الفعل وكذا رسول الله ﷺ والصحابة رضي الله تعالى عنهم

стр. 2754

والتابعون واللغويون، وقيل: وجه الحصر أنه لا يعتد بمكر غيره سبحانه لأنه سبحانه هو القادر بالذات على إصابة المكروه المقصود منه وغيره تعالى إن قدر على ذلك فبتمكينه تعالى وإذنه فالكل راجع إليه جل وعلا. وفي الكشاف أن قوله تعالى: يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلخ تفسير لقوله سبحانه: فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً لأن من علم ما تكسب كل نفس وأعد لها جزاءها فهو له المكر لأنه يأتيهم من حيث لا يعلمون وهم في غفلة مما يراد بهم، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي فلله جزاء المكر. وجوز في أل أن تكون للعهد أي له تعالى المكر الذي باشروه جميعا لا لهم، على معنى أن ذلك ليس مكرا منهم بالأنبياء بل هو بعينه مكر من الله تعالى بهم وهم لا يشعرون حيت لا يحيق المكر السيء إلا بأهله وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ حين يأتيهم العذاب لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ أي العاقبة الحميدة من الفريقين وان جهل ذلك قبل، وقيل: السين لتأكيد وقوع ذلك وعلمه به حينئذ، والمراد من الكافر الجنس فيشمل سائر الكفار، وهذه قراءة الحرميين. وأبي عمرو، وقرأ باقي السبعة «وسيعلم الكفار» بصيغة جمع التكسير. وقرأ ابن مسعود «الكافرون» بصيغة جمع السلامة، وقرأ أبي «الذين كفروا» وقرأ «الكفر» أي أهله، وقرأ جناح بن حبيس «وسيعلم» بالبناء للمفعول من أعلم أي سيخبر واللام للنفع، وجوز أن تكون للملك على معنى سيعلم الكفرة من يملك الدنيا آخرا، وفسر عطاء «الكافر» بالمستهزئين وهم خمسة والمقسمين وهم ثمانية وعشرون، وقال ابن عباس: يريد بالكافر أبا جهل، وما تقدم هو الظاهر، ولعل ما ذكر من باب التمثيل وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قيل: قاله رؤساء اليهود. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: «قدم على رسول الله ﷺ أسقف من اليمن فقال له ﵊: هل تجدني في الإنجيل رسولا؟ قال: لا. فأنزل الله تعالى الآية، فالمراد من الذين كفروا على هذا هذا ومن وافقه ورضي بقوله، وصيغة الاستقبال لاستحضار صورة كلمتهم الشنعاء تعجيبا منها أو للدلالة على تجدد ذلك منهم واستمراره قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فإنه جل وعلا قد أظهر على رسالتي من الأدلة والحجج ما فيه غنى عن شهادة شاهد آخر، وتسمية ذلك شهادة مع أنه فعل وهي قول مجاز من حيث إنه يغني غناها بل هو أقوى منها وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ أي علم القرآن وما عليه من النظم المعجز، قيل: والشهادة إن أريد بها تحملها فالأمر ظاهر وإن أريد أداؤها فالمراد بالموصول المتصف بهذا العنوان من ترك العناد وآمن. وفي الكشف أن المعنى كفى هذا العالم شهيدا بيني وبينكم، ولا يلزم من كفايته في الشهادة أن يؤديها فمن أداها فهو شاهد أمين ومن لم يؤدها فهو خائن، وفيه تعريض بليغ بأنهم لو أنصفوا شهدوا، وقيل: المراد «بالكتاب» التوراة والإنجيل، والمراد بمن عنده علم ذلك الذين أسلموا من أهل الكتابين كعبد الله بن سلام وأضرابه فإنهم يشهدون بنعته ﵊ في كتابهم وإلى هذا ذهب قتادة، فقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير وابن المنذر عنه أنه قال في الآية: كان من أهل الكتاب قوم يشهدون بالحق ويعرفونه منهم عبد الله بن سلام والجاورد وتميم الداري، وسلمان الفارسي، وجاء عن مجاهد وغيره وهي رواية عن ابن عباس أن المراد بذلك عبد الله ولم يذكروا غيره. وأخرج ابن مردويه من طريق عبد الملك بن عمير عن جندب قال: جاء عبد الله بن سلام حتى أخذ بعضادتي باب المسجد ثم قال: أنشدكم بالله تعالى أتعلمون أني الذي أنزلت فيه وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ؟ قالوا: اللهم نعم. وأنكر ابن جبير ذلك، فقد أخرج سعيد بن منصور وجماعة عنه أنه سئل أهذا الذي عنده علم الكتاب هو عبد الله بن سلام؟ فقال: كيف وهذه السورة مكية. والشعبي أنكر أن يكون شيء من القرآن نزل فيه وهذا لا يعول عليه فمن حفظ حجة على من لم يحفظ، وأجيب عن شبهة ابن جبير بأنهم قد يقولون: إن السورة مكية وبعض آياتها مدنية فلتكن هذه من ذلك، وأنت تعلم أنه لا بد لهذا من نقل.

стр. 2755

وفي البحر أن ما ذكر لا يستقيم إلا أن تكون هذه الآية مدنية والجمهور على أنها مكية، وأجيب بأن ذلك لا ينافي كون الآية مكية بأن يكون الكلام إخبارا عما سيشهد به، ولك أن تقول. إذا كان المعنى على طرز ما في الكشف وانه لا يلزم من كفاية من ذكر في الشهادة أداؤها لم يضر كون الآية مكية وعدم إسلام عبد الله بن سلام حين نزولها بل ولا عدم حضوره، ولا مانع أن تكون الآية مكية، والمراد من الذين كفروا أهل مكة وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ اليهود والنصارى كما أخرجه ابن جرير من طريق العوفي عن ابن عباس ويكون حاصل الجواب لذلك إنكم لستم بأهل كتاب فاسألوا أهله فإنهم في جواركم. نعم قال شيخ الإسلام: إن الآية مدنية بالاتفاق وكأنه لم يقف على الخلاف، وقيل: المراد بالكتاب اللوح ومَنْ عبارة عنه تعالى وروي هذا عن مجاهد. والزجاج، وعن الحسن لا والله ما يعني إلا الله تعالى، والمعنى كما في الكشاف كفى بالذي يستحق العبادة وبالذي لا يعلم علم ما في اللوح إلا وهو شهيدا بيني وبينكم، وبهذا التأويل صار العطف مثله في قوله: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم فلا محذور في العطف، والحصر إما من الخارج لأن علم ذلك مخصوص به تعالى أو للذهاب إلى أن الظرف خبر مقدم فيفيد الحصر. وقسم الحسن للمبالغة في رد ما زعموا على ما قيل: وفي الكشف إنما بالغ الحسن لما قدمنا (١) من بناء السورة الكريمة على ما بني وجعل السابقة مثل الخاتمة وما في العطف من النكتة، ولهذا فسره الزمخشري بقوله: كفى بالذي إلخ عطفه عطف ذات على ذات إشارة إلى الاستقلال بالشهادة من كل واحد من الوصفين من غير نظر إلى الآخر فالذي يستحق العبادة قد شهد بما شحن الكتاب من الدعوة إلى عبادته وبما أيد عبده من عنده بأنواع التأييد والذي لا يعلم علم ما في اللوح أي علم كل شيء إلا هو قد شهد بما ضمن الكتاب من المعارف وأنزل على أسلوب فائق على المتعارف، ويعضد ذلك القول أنه قرأ على كرم الله تعالى وجهه. وأبي وابن عباس وعكرمة وابن جبير وعبد الرحمن بن أبي بكرة والضحاك وسالم بن عبد الله بن عمر وابن أبي إسحاق ومجاهد والحكم والأعمش وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ يجعل من حرف جر والجار والمجرور خبر مقدم وعلم مبتدأ مؤخر. وقرأ علي كرم الله تعالى وجهه أيضا وابن السميفع والحسن بخلاف عنه وَمَنْ عِنْدَهُ بحرف الجر وعِلْمُ الْكِتابِ على أن علم فعل مبني للمفعول والْكِتابِ نائب الفاعل فإن ضمير عِنْدَهُ على القراءتين راجع لله تعالى كما في القراءة السابقة على ذلك التأويل والأصل توافق القراءات، وقيل: المراد- بالكتاب- اللوح «وبمن» جبريل ﵇. وأخرج تفسير مِنْ بذلك ابن أبي حاتم عن ابن جبير وهو كما ترى. وقال محمد بن الحنفية والباقر- كما في البحر: المراد «بمن» علي كرم الله تعالى وجهه، والظاهر أن المراد «بالكتاب» حينئذ القرآن، ولعمري أن عنده رضي الله تعالى عنه علم الكتاب كملا لكن الظاهر أنه كرم الله تعالى وجهه غير مراد، والظاهر أن مَنْ في قراءة الجمهور في محل جر بالعطف على لفظ الاسم الجليل، ويؤيده أنه قرئ بإعادة الباء في الشواذ، وقيل: إنه في محل رفع بالعطف على محله لأن الباء زائدة، وقال ابن عطية: يحتمل أن يكون في موضع رفع الابتداء والخبر محذوف تقديره أعدل أو أمضى قولا أو نحو هذا مما يدل عليه لفظ شَهِيداً ويراد بذلك الله تعالى، وفيه من البعد ما لا يخفى، والعلم في القراءة التي وقع عِنْدَهُ فيها صلة مرفوع بالمقدر في الظرف فيكون فاعلا لأن الظرف إذا وقع صلة أوغل في شبه الفعل لاعتماده على الموصول فعمل عمل الفعل كقولك:

стр. 2756

مررت بالذي في الدار أخوه فأخوه فاعل كما تقول: بالذي استقر في الدار أخوه قاله الزمخشري، وليس بالمتحتم لأن الظرف وشبهه إذا وقعا صلتين أو صفتين أو حالين أو خبرين أو تقدمها أداة نفي أو استفهام جاز فيما بعدهما من الاسم الظاهر أن يرتفع على الفاعلية وهو الأجود وجاز أن يكون مبتدأ والظرف أو شبهه في موضع الخبر والجملة من المبتدأ والخبر صلة أو صفة أو حال أو خبر، وهذا مبني على اسم الفاعل فكما جاز ذلك فيه وإن كان الأحسن أعماله في الاسم الظاهر فكذلك يجوز فيما ناب عنه من ظرف أو مجرور، وقد نص سيبويه على إجازة ذلك في نحو مررت برجل حسن وجهه فأجاز رفع حسن على أنه خبر مقدم، وقد توهم بعضهم أن اسم الفاعل إذا اعتمد على شيء مما ذكر تحتم أعماله في الظاهر وليس كذلك، وقد أعرب الحوفي عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ مبتدأ وخبرا في صلة مَنْ وهو ميل إلى المرجوح، وفي الآية على القراءتين بمن الجارة دلالة على أن تشريف العبد بعلوم القرآن من إحسان الله تعالى إليه وتوفيقه، نسأل الله تعالى أن يشرفنا بهاتيك العلوم ويوفقنا للوقوف على أسرار ما فيه من المنطوق والمفهوم ويجعلنا ممن تمسك بعروته الوثقى واهتدى بهداه حتى لا يضل ولا يشقى ببركة النبي ﷺ . هذا ومن باب الإشارة في الآيات: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثاقَ قيل: عهد الله تعالى مع المؤمنين القيام له سبحانه بالعبودية في السراء والضراء وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ فيصلون بقولهم محبته وبأسرارهم مشاهدته سبحانه وقربته وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ عند تجلي الصفات في مقام القلب فيشاهدون جلال صفة العظمة ويلزمهم الهيبة والخشية وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ عند تجلي الأفعال في مقام النفس فينظرون إلى البطش والعقاب فيلزمهم الخوف. وسئل ابن عطاء ما الفرق بين الخشية والخوف؟ فقال: الخشية من السقوط عن درجات الزلفى والخوف من اللحوق بدركات المقت والجفا، وقال بعضهم الخشية أدق والخوف أصلب وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ صبروا عما دون الله تعالى بالله سبحانه لكشف أنوار وجهه الكريم أو صبروا في سلوك سبيله سبحانه عن المألوفات طلبا لرضاه وَأَقامُوا الصَّلاةَ صلاة المشاهدة أو اشتغلوا بالتزكية بالعبادات البدنية وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً أفادوا مما مننا عليهم من الأحوال والمقامات والكشوف وهذبوا المريدين حتى صار لهم ما صار لهم ظاهرا وباطنا أو اشتغلوا بالتزكية بالعبادات المالية أيضا وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ الحاصلة لهم من تجلي الصفة الالهية السنية السَّيِّئَةَ التي هي صفة النفس، وقال بعضهم: يعاشرون الناس بحسن الخلق فإن عاملهم أحد بالجفاء قابلوه بالوفاء أُولئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ البقاء بعد الفناء أو العاقبة الحميدة جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ قيل: يدخلون جنة الذات ومن صلح من آباء الأرواح ويدخلون جنة الصفات بالقلوب ويدخلون جنة الأفعال ومن صلح من أزواج النفوس وذريات القوى أو يدخلون جنات القرب والمشاهدة والوصال ومن صلح من المذكورين تبع لهم- ولأجل عين ألف عين تكرم- وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ يدخل عليهم أهل الجبروت والملكوت من كل باب من أبواب الصفات محيين لهم بتحايا الإشراقات النورية والامدادات القدسية أو يدخل عليهم الملائكة الذين صحبوهم في الدنيا من كل باب من أبواب الطاعة مسلمين عليهم بعد استقرارهم في منازلهم كما يسلم أصحاب الغائب عليه إذا قدم إلى منزله واستقر فيه الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان العلمي بالغيب وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ قالوا: ذكر النفس باللسان والتفكر في النعم، وذكر القلب بالتفكر في الملكوت ومطالعة صفات الجمال، وذكر السر بالمناجاة، وذكر الروح بالمشاهدة، وذكر الخفاء بالمناغاة في العشق، وذكر الله تعالى بالفناء فيه أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ وذلك أن النفس تضطرب بظهور

стр. 2757

صفاتها وأحاديثها وتطيش فيتلون القلب ويتغير لذلك فإذا تفكر في الملكوت ومطالعة أنوار الجمال والجبروت استقر واطمأن، وسائر أنواع الذكر إنما يكون بعد الاطمئنان، قال الهزجوري: قلوب الأولياء مطمئنة لا تتحرك دائما خشية أن يتجلى الله تعالى عليها فجأة فيجدها غير متسمة بالأدب الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ تخلية وتحلية طُوبى لَهُمْ بالوصول إلى الفطرة وكمال الصفات وَحُسْنُ مَآبٍ بالدخول في جنة القلب وهي جنة الصفات أو طوبى لهم الآن حيث لم يوجد منهم ما يخالف رضاء محبوبهم وحسن مآب في الآخرة حيث لا يجدون من محبوبهم خلاف مأمولهم أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ أي بحسب كسبها ومقتضاه أي كما تقتضي مكسوباتها من الصفات والأحوال التي تعرض لاستعدادها يفيض عليها من الجزاء قُلْ إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ وَلا أُشْرِكَ بِهِ ما أخرج سبحانه أحدا من العبودية حتى سيد أحرار البرية ﷺ ، وفسرها أبو حفص بأنها ترك كل ملك وملازمة المأمور به. وقال الجنيد قدس سره: لا يرتقي أحد في درجات العبودية حتى يحكم فيما بينه وبين الله تعالى أوائل البدايات وهي الفروض والواجبات والسنن والأوراد، ومطايا الفضل عزائم الأمور فمن أحكم على نفسه هذا من الله تعالى عليه بما بعده وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً فيه على ما قيل إشارة إلى أنه إذا شرف الله تعالى شخصا بولايته لم يضر به مباشرة أحكام البشرية من الأهل والولد ولم يكن بسط الدنيا له قدحا في ولايته، وقوله سبحانه: وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فيه منع طلب الكرامات واقتراحها من المشايخ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ لكل وقت أمر مكتوب يقع فيه ولا يقع في غيره ومن هنا قيل: الأمور مرهونة لأوقاتها، وقيل: لله تعالى خواص في الأزمنة والأمكنة والأشخاص يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ قيل: يمحو عن ألواح العقول صور الأفكار ويثبت فيها أنوار الأذكار ويمحو عن أوراق القلوب علوم الحدثان ويثبت فيها لدنيات علم العرفان، وقيل: يمحو العارفين بكشف جلاله ويثبتهم في وقت آخر بلطف جماله، وقال ابن عطاء: يمحو أوصافهم ويثبت أسرارهم لأنها موضع المشاهدة، وقيل: يمحو ما يشاء عن الألواح الجزئية التي هي النفوس السماوية من النقوش الثابتة فيها فيعدم عن المواد ويفني ويثبت ما يشاء فيها فيوجد وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ العلم الأزلي القائم بذاته سبحانه، وقيل: لوح القضاء السابق الذي هو عقل الكل وفيه كل ما كان ويكون أزلا وأبدا على الوجه الكلي المنزه عن المحو والإثبات، وذكروا أن الألواح أربعة. لوح القضاء السابق العالي عن المحو الإثبات وهو لوح العقل الأول. ولوح القدر وهو لوح النفس الناطقة الكلية التي يفصل فيها كليات اللوح الأول وهو المسمى باللوح المحفوظ. ولوح النفوس الجزئية السماوية التي ينتقش فيها كل ما في هذا العالم بشكله وهيئته ومقداره وهو المسمى بالسماء الدنيا وهو بمثابة خيال العالم كما أن الأول بمثابة روحه والثاني بمثابة قلبه. ثم لوح الهيولى القابل للصور في عالم الشهادة اه وهو كلام فلسفي أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها قيل: ذلك بذهاب أهل الولاية الذين بهم عمارة الأرض، وقيل: الإشارة أنا نقصد أرض وقت الجسد الشيخوخة ننقصها من أطرافها بضعف الأعضاء والقوى الظاهرة والباطنة شيئا فشيئا حتى يحصل الموت أو نأتي أرض النفس وقت السلوك ننقصها من أطرافها بإفناء أفعالها بأفعالنا أولا وبافناء صفاتها بصفاتنا ثانيا وبإفناء ذاتها في ذاتنا ثالثا لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ لا راد ولا مبدل لكل ما حكم به نسأل الله تعالى أن يحكم لنا بما هو خير وأولى في الآخرة والأولى بحرمة النبي ﷺ تعالى عليه وسلم وشرف وعظم وكرم

стр. 2758

سورة إبراهيم أخرج ابن مردويه عن ابن عباس. وابن الزبير أنها نزلت بمكة، والظاهر أنهما أرادا أنها كلها كذلك وهو الذي عليه الجمهور، وأخرج النحاس في ناسخه عن الحبر أنها مكية إلا آيتين منها فإنهما نزلتا بالمدينة وهما أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [إبراهيم: ٢٨] الآيتين نزلتا في قتلى بدر من المشركين، وأخرج نحوه أبو الشيخ عن قتادة، وقال الإمام: إذا لم يكن في السورة ما يتصل بالأحكام فنزولها بمكة والمدينة سواء إذ لا يختلف الغرض فيه إلا أن يكون فيها ناسخ أو منسوخ فتظهر فائدته يعني أنه لا يختلف الحال وتظهر ثمرته إلا بما ذكر فإن لم يكن فليس فيه إلا ضبط زمان النزول وكفى به فائدة، وهل في هذه السورة منسوخ أو لا؟ قولان والجمهور على الثاني. وعن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن فيها آية منسوخة وهي قوله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ [إبراهيم: ٣٤] فإنه قد نسخت باعتبار الآخر بقوله تعالى في سورة النحل: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١٨] وفيه نظر، وهي إحدى وخمسون آية في البصري، وقيل: خمسون فيه، واثنان وخمسون في الكوفي، وأربع في المدني، وخمس في الشامي. وارتباطها بالسورة التي قبلها واضح جدا لأنه قد ذكر في تلك السورة من مدح الكتاب وبيان أنه مغن عما اقترحوه ما ذكر، وافتتحت هذه بوصف الكتاب والإيماء إلى أنه مغن عن ذلك أيضا، وإذا أريد ب مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرعد: ٤٣] الله تعالى ناسب مطلع هذه ختام تلك أشد مناسبة، وأيضا قد ذكر في تلك إنزال القرآن حكما عربيا ولم يصرح فيها بحكمة ذلك وصرح بها هنا وأيضا تضمنت تلك الأخبار من قبله تعالى بأنه ما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله تعالى وتضمنت هذه الأخبار به من جهة الرسل ﵈ وأنهم قالوا: ما كان لنا أن نأتي بسلطان إلا بإذن الله، وأيضا ذكر هناك أمره ﵊ بأن عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ [الرعد: ٣٠] وحكي هنا عن إخوانه المرسلين ﵈ توكلهم عليه سبحانه وأمرهم بالتوكل عليه جل شأنه، واشتملت تلك على تمثيل للحق والباطل واشتملت هذه على ذلك أيضا بناء على بعض ما ستسمعه إن شاء الله تعالى في قوله سبحانه: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً [إبراهيم: ٢٤] إلى آخره، وأيضا ذكر في الأولى من رفع السماء ومد الأرض وتسخير الشمس والقمر إلى غير ذلك ما ذكر وذكر هنا نحو ذلك إلا أنه سبحانه اعتبر ما ذكر أولا آيات وما ذكر ثانيا نعما وصرح في كل بأشياء لم يصرح بها في الآخر، وأيضا قد ذكر هناك مكر الكفرة وذكر هنا أيضا وذكر من وصفه ما لم يذكر هناك، وأيضا قال الجلال السيوطي: إنه ذكر في الأولى قوله تعالى: وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ [الرعد: ٣٢] وذلك مجمل في أربعة مواضع الرسل. والمستهزئين. وصفة الاستهزاء والأخذ وقد فصلت الأربعة في قوله سبحانه: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ [إبراهيم: ٩] الآيات، وقد اشتركت السورتان مما عدا افتتاح كل منهما بالمتشابه بأن كلا قد افتتح بالألف واختتم بالباء، وجمعا أيضا في آخر ما ختما به، وبقي مناسبات بينهما غير ما ذكرنا لو ذكرناها لطال الكلام والله تعالى أعلم بما في كتابه.

стр. 2759

الر مر الكلام فيما يتعلم به كِتابٌ جوز فيه أن يكون خبرا- لألر- على تقدير كونه مبتدأ أو لمبتدأ مضمر على تقدير كونه خبرا لمبتدأ محذوف أو مفعول لفعل محذوف أو مسرودا على نمط التعديد، وجوز أن يكون خبرا ثانيا للمبتدأ الذي أخبر عنه- بالر- وأن يكون مبتدأ وسوغ الابتداء به كونه موصوفا في التقدير أي كتاب عظيم، وقوله تعالى: أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ إما في موضع الصفة أو الخبر وهو مع مبتدآته قيل في موضع التفسير، وفي إسناد الإنزال

стр. 2760

إلى ضمير العظمة ومخاطبته ﵊ مع إسناد الإخراج إليه ﷺ في قوله سبحانه: لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ ما لا يخفى من التفخيم والتعظيم، واللام متعلقة ب أَنْزَلْناهُ، والمراد من الناس جميعهم أي أنزلناه إليك لتخرجهم كافة بما في تضاعيفه من البينات الواضحة المفصحة عن كونه من عند الله تعالى الكاشفة عن العقائد الحقة من عقائد الكفر والضلال وعبادة الله من الآلهة المختلفة كالملائكة وخواص البشر والكواكب والأصنام التي كلها ظلمات محضة وجهالات صرفة إلى الحق المؤسس على التوحيد الذي هو نور بحت وقرئ «ليخرج الناس» بالياء التحتانية في «يخرج» ورفع «الناس» به بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي بتيسيره وتوفيقه تعالى وهو مستعار من الاذن الذين يوجب تسهيل الحجاب لمن يقصد الورود، ويجوز أن يكون مجازا مرسلا بعلاقة اللزوم، وقال محيي السنة: اذنه تعالى أمره وقيل: علمه سبحانه وقيل: إرادته جل شأنه وهي على ما قيل متقاربة، ومنه الإمام أن يراد بذلك الأمر أو العلم وعلله بما لا يخلو عن نظر. وفي الكلام على ما ذكر أولا ثلاث استعارات. إحداهما ما سمعت في الاذن والأخريان في الظُّلُماتِ والنُّورِ وقد أشير إلى المراد منهما، وجوز العلامة الطيبي أن تكون كلها استعارة مركبة تمثيلية بتصوير الهدى بالنور والضلال بالظلمة والمكلف المنغمس في ظلمة الكفر بحيث لا يتسهل له الخروج إلى نور الايمان إلا بتفضل الله تعالى بإرسال رسول بكتاب يسهل عليه ذلك كمن وقع في تيه مظلم ليس منه خلاص فبعث ملك توقيعا لبعض خواصه في استخلاصه وضمن تسهيل ذلك على نفسه ثم استعمل هنا ما كان مستعملا هناك فقيل: كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إلى آخره، وكان الظاهر- بإذننا- إلا أنه وضع ذلك الظاهر موضع الضمير، وقيل: رَبِّهِمْ للإشعار بالتربية واللطف والفضل وبأن الهداية لطف محض، وفيه أن الكتاب والرسول والدعوة لا تجدي دون إذن الله تعالى كما قال سبحانه: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [القصص: ٥٦] اه، وما ذكره من الاستعارة التمثيلية مع بلاغته وحسنه لا يخلو عن بعد، وكأنه للإنباء عن كون التيسير والتوفيق منوطين بالإقبال إلى الحق كما يفصح عنه قوله تعالى: وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنابَ [الرعد: ٢٧] استعير لذلك الاذن الذي هو ما علمت، وأضيف إلى ضمير الناس اسم الرب المفصح عن التربية التي هي عبارة عن تبليغ الشيء إلى كماله المتوجه إليه، وشمول الإذن بذلك المعنى للكل واضح وعليه يدور كون الانزال لإخراجهم جميعا، وعدم تحقق الاذن بالفعل في بعضهم لعدم تحقق شرطه المستند إلى سوء اختيارهم ورداءة استعدادهم غير مخل بذلك، ومن هنا فساد قول الطبرسي: إن اللام لام الغرض لا لام العاقبة وإلا لزم أن يكون جميع الناس مؤمنين والواقع بخلافه، وذكر الإمام أن المعتزلة استدلوا بهذه الآية على أن أفعال الله تعالى تعلل برعاية المصالح، ثم ساق دليل أصحابه على امتناع ذلك وذكر أنه إذا ثبت الامتناع يلزم تأويل كل ما أشعر بخلافه وتأويله بحمل اللام على لام العاقبة ونحوها، ونقل عن ابن القيم وغيره القول بالتعليل وأنه مذهب السلف وأن في الكتاب والسنة ما يزيد على عشرة آلاف موضع ظاهرة في ذلك وتأويل الجميع خروج عن الإنصاف، وليس الدليل على امتناع ذلك من المتانة على وجه يضطر معه إلى التأويل، وللشيخ إبراهيم الكوراني في بعض رسائله كلام نفيس في هذا الغرض سالم فيما أرى عن العلة إن أردته فارجع إليه، والباء متعلقة- بتخرج- على ما هو الظاهر، وجوز أن يكون متعلقا بمضمر وقع حالا من مفعوله أي ملتبسين بإذن ربهم، ومنهم من جوز كونه حالا من فاعله أي ملتبسا بإذن ربهم. وتعقب بأنه يأباه إضافة الرب إليهم لا إليه صلى الله عليه وسلم. ورد بما رد فتأمل. واستدل بالآية القائلون بأن معرفة الله تعالى لا تحصل إلا من طريق التعليم من الرسول ﷺ حيث ذكر فيها أنه ﵊ هو الذي يخرج الناس من ظلمات الضلال إلى نور الهدى. وأجيب بأن الرسول ﵊ كالمنبه وأما المعرفة فإنما تحصل من الدليل. واستدل بها أيضا كل من المعتزلة وأهل السنة على مذهبه في أفعال العباد وتفصيل ذلك في تفسير الإمام.

стр. 2761

إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ الجار والمجرور بدل من الجار والمجرور فيما تقدم أعني قوله تعالى: إِلَى النُّورِ وقال غير واحد: إن صِراطِ بدل من النُّورِ وأعيد عامله وكرر لفظا ليدل على البدلية كما في قوله تعالى: لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ [الأعراف: ٧٥] ولا يضر الفصل بين البدل والمبدل منه بما قبله لأنه غير أجنبي إذ هو من معمولات العامل في المبدل منه على كل حال. واستشكل هذا مع الاستعارة السابقة بأن التعقيب بالبدل لا يتقاعد عن التعقيب بالبيان في مثل قوله تعالى: حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ [البقرة: ١٨٧] وأجيب بأن الصراط استعارة أخرى للهدى جعل نورا أولا لظهوره في نفسه واستضاءة الضلال في مهواة الهوى به، ثم جعل ثانيا جادة مسلوكة مأمونة لا كبنيات الطرق دلالة على تمام الإرشاد. وفي الإرشاد أن إخلال البيان والبدل بالاستعارة إنما هو في الحقيقة لا في المجاز وهو ظاهر، وجوز أن يكون الجار والمجرور متعلقا بمحذوف على أنه جواب سائل يسأل إلى أي نور؟ فقيل: إِلى صِراطِ إلى آخره، وإضافة الصراط إليه تعالى لأنه مقصده أو المبين له، وتخصيص الوصفين الجليلين بالذكر للترغيب في سلوكه إذ في ذلك إشارة إلى أنه يعز سالكه ويحمد سابله، وقال أبو حيان: النكتة في ذلك أنه لما ذكر قبل إنزاله تعالى لهذا الكتاب وإخراج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم ناسب ذكر هاتين الصفتين صفة العزة المتضمنة للقدرة والغلبة لإنزاله مثل هذا الكتاب المعجز الذي لا يقدر عليه سواه، وصفة الحمد لإنعامه بأعظم النعم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ووجه التقديم والتأخير على هذا ظاهر. وقال الإمام: إنما قدم ذكر الْعَزِيزِ على ذكر الْحَمِيدِ لأن الصحيح أن أول العلم بالله تعالى العلم بكونه تعالى قادرا ثم بعد ذلك العلم بكونه عالما ثم بعد ذلك العلم بكونه غنيا عن الحاجات، والعزيز هو القادر والحميد هو العالم الغني فلما كان العلم بكونه تعالى قادرا متقدما على العلم بكونه عالما بالكل غنيا عنه لا جرم قدم ذكر العزيز على ذكر الحميد اه ولم نر تفسير الْحَمِيدِ بما ذكر لغيره، وفي المواقف وشرح أسماء الله تعالى الحسنى لحجة الإسلام الغزالي وغيرهما أن الْحَمِيدِ هو المحمود المثني عليه وهو سبحانه محمود بحمده لنفسه أزلا وبحمد عباده له تعالى أبدا، وبين هذا وما ذكره الإمام بعد بعيد، وأما ما ذكره في الْعَزِيزِ فهو قول لبعضهم وقيل: هو الذي لا مثل له. وربما يقال على هذا: إن التقديم للاعتناء بالصفات السلبية كما يؤذن به قولهم: التخلية أولى من التحلية وكذا قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] ولعل كلامه قدس سره بعد لا يخلو عن نظر، وقوله تعالى: اللَّهِ بالرفع على ما قرأ نافع. وابن عامر خبر مبتدأ محذوف أي هو الله والموصول الآتي صفته، وبالجر على قراءة باقي السبعة والأصمعي عن نافع بدل مما قبله في قول ابن عطية: والحوفي وأبي البقاء، وعطف بيان في قول الزمخشري قال: لأنه أجري مجرى الأسماء الأعلام لغلبته واختصاصه بالمعبود بحق كما غلب النجم على الثريا، ولعل جعله جاريا مجرى ذلك ليس لاشتراطه في عطف البيان بل لأن عطف البيان شرطه إفادة زيادة إيضاح لمتبوعه وهي هنا بكونه كالعلم باختصاصه بالمعبود بحق وقد خرج عن الوصفية بذلك فليس صفة كالعزيز الحميد. ثم إنه لا يخفى عليك أنه عند الأئمة المحققين علم لا أنه كالعلم، وعن ابن عصفور أنه لا تقدم صفة على موصوف إلا حيث سمع وذلك قليل، وللعرب فيما وجد من ذلك وجهان: أحدهما أن تقدم الصفة وتبقيها على ما كانت عليه، وفي إعراب مثل هذا وجهان: أحدهما إعرابه نعتا مقدما. والثاني أن يجعل ما بعد الصفة بدلا، والوجه الثاني أن تضيف الصفة إلى الموصوف اه، وعلى هذا يجوز أن يكون الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ صفتين متقدمتين ويعرب

стр. 2762

الاسم الجليل موصوفا متأخرا، ومما جاء فيه تقديم ما لو أخر لكان صفة وتأخير ما لو قدم لكان موصوفا قوله: والمؤمن العائذات الطير يمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسعد فلو جاء على الكثير لكان التركيب والمؤمن الطير العائذات، ومثله قوله: لو كنت ذا نبل وذا تشذيب ... لم أخش شدات الخبيث الذيب وجوز في قراءة الرفع كون الاسم الجليل مبتدأ وقوله تعالى الَّذِي لَهُ أي ملكا وملكا ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ خبره وما تقدم أولى، فإن في الوصفية من بيان كمال فخامة شأن الصراط وإظهار تحتم سلوكه على الناس ما ليس في الخبرية، والمراد بما في السموات وما في الأرض ما وجد داخلا فيهما أو خارجا عنهما متمكنا فيهما، ومن الناس من استدل بعموم ما على أن أفعال العباد مخلوقة له تعالى كما ذكره الإمام، وقوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ وعيد لمن كفر بالكتاب ولم يخرج به من الظلمات إلى النور بالويل. وهو عند بعض نقيض الوأل بالهمزة بمعنى النجاة فمعناه الهلاك فهو مصدر إلا أنه لا يشتق منه فعل إنما يقال: ويلا له فينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات فيقال: ويل له كسلام عليك، وقال الراغب: قال الأصمعي ويل قبوح وقد يستعمل للتحسر، وويس استصغار، وويح ترحم، ومن قال: هو واد في جهنم لم يرد أنه في اللغة موضوع لذلك وإنما أراد أن من قال الله تعالى فيه ذلك فقد استحق مقرا من النار وثبت له ذلك، وقوله سبحانه: مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ في موضع الصفة لويل ولا يضر الفصل على ما في البحر وغيره بالخبر، وجوز أن يكون في موضع الحال على ما في الحواشي الشهابية ومِنْ بيانية، وجوز أن تكون ابتدائية على معنى أن الويل بمعنى عدم النجاة متصل بالعذاب الشديد وناشىء عنه، وقيل إن الجار متعلق: بويل على معنى أنهم يولولون من العذاب ويضجون من قائلين يا ويلاه كقوله تعالى: دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً [الفرقان: ١٣] ومنع أبو حيان وأبو البقاء ذلك لما فيه من الفصل بين المصدر ومعموله بالخبر وهو لا يجوز، وقد مر قريبا في الرعد ما يتعلق بذلك فتذكر فما في العهد من قدم. وفي الكشاف أن مِنْ عَذابٍ إلخ مصل بالويل على معنى أنهم يولولون إلى آخر ما ذكرنا، وهو محتمل لتعلقه به ولتعلقه بمحذوف، واستظهر هذا في البحر. وفي الكشف أن الزمخشري لما رأى أن الويل من الذنوب لا من العذاب كما يرشد إليه قوله تعالى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ [البقرة: ٧٩] وأمثاله أشار هنا إلى أن الاتصال معنوي لا من ذلك الوجه فإنه هناك جعل الويل نفس العذاب وهنا جعله تلفظهم بكلمة التلهف من شدة العذاب وكلاهما صحيح، ولم يرد أن هنالك فصلا بالخبر لقرب ما مر في قوله تعالى: سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ [الرعد: ٢٤] اه. واعترض عليه بأنه لا حاجة لما ذكر من التكلف لأن اتصاله به ظاهر لا يحتاج إلى صرفه للتلفظ بتلك الكلمة، ومِنْ بيانية لا ابتدائية حتى يحتاج إلى ما ذكر، ولا يخفى قوة ذلك وأنه لا يحتاج إلى التكلف ولو جعلت مِنْ ابتدائية فتأمل، والظاهر أن المراد بالعذاب الشديد عذاب الآخرة، وجوز أن يكون المراد عذابا يقع بهم في الدنيا الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ أي يختارونها عليها فإن المختار للشيء يطلب من نفسه أن يكون أحب إليه من غيره، فالسين للطلب، والمحبة مجاز مرسل عن الاختيار والإيثار بعلاقة اللزوم في الجملة فلا يضر وجود أحدهما بدون الآخر كاختيار المريض الدواء المر لنفعه وترك ما يحبه ويشتهيه من الأطعمة اللذيذة لضرره، ولاعتبار التجوز عدى الفعل بعلى ويجوز أن يكون استفعل بمعنى أفعل كاستجاب بمعنى أجاب والفعل مضمن معنى الاختيار والتعدية بعلى لذلك وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ يعوقون الناس ويمنعونهم عن دين الله تعالى والإيمان به وهو الصراط الذي بين شأنه، والاقتصار على الإضافة إلى الاسم الجليل المنطوي على كل وصف جميل لزوم الاختصار.

стр. 2763

وقرأ الحسن «يصدون» من أصد المنقول من صده صدودا إذا تنكب وحاد وهو ليس بفصيح بالنسبة إلى القراءة الأخرى لأن في صده مندوحة عن تكلف النقل ولا محذور في كون القراءة المتواترة أفصح من غيرها، ومن مجيء أصد قوله: أناس أصدوا الناس بالسيف عنهم ... صدود السواقي عن أنوف الحوائم ونظير هذا وقفه وأوقفه وَيَبْغُونَها أي يبغون لها فحذف الجار وأوصل الفعل إلى الضمير أي يطلبون لها عِوَجاً أي زيغا واعوجاجا وهي أبعد شيء عن ذلك أي يقولون لمن يريدون صده وإضلاله عن السبيل هي سبيل ناكبة وزائغة غير مستقيمة، وقيل: المعنى يطلبون أن يروا فيها ما يكون عوجا قادحا فيها كقول من لم يصل إلى العنقود وليسوا بواجدين ذلك، وكلا المعنيين أنسب مما قيل: إن المعنى يبغون أهلها أن يعوجوا بالردة. ومحل موصول هذه الصلات الجر على أنه بدل كما قيل من الكافرين فيعتبر كل وصف من أوصافهم بما ينسابه من المعاني المعتبرة في الصراط، فالكفر المنبئ عن الستر بإزال كونه نورا، واستحباب الحياة الدنيا الفانية المفصحة عن وخامة العاقبة بمقابلة كون مسلوكه محمود العاقبة. والصد عنه بإزالة كون سالكه عزيزا. وقال الحوفي. وأبو البقاء: إنه صفة الكافرين ورد ذلك أبو حيان بأن فيه الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ سواء كان في موضع الصفة- لويل- أو متعلقا بمحذوف، ونظير ذلك على الوصفية قولك: الدار لزيد الحسنة القرشي وهو لا يجوز لأنك قد فصلت بين زيد وصفته بأجنبي عنهما والتركيب الصحيح فيه أن يقال الدار الحسنة لزيد القرشي أو الدار لزيد القرشي الحسنة، وقيل إذا جعل مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ خبر مبتدأ محذوف والجملة اعتراضية لا يضر الفصل بها وهو كما ترى وجوز أن يكون محله النصب على الذم أو الرفع عليه بأن يقدر أنه كان نعتا فقطع أي هم الذين، وجوز أن لا يقدر ذلك ويجعل مبتدأ خبره قوله تعالى: أُولئِكَ فِي ضَلالٍ أي بعد عن الحق بَعِيدٍ وهو على غير هذا الوجه استئناف في موضع التعليل، وفيه تأكيد لما أشعر به بناء الحكم على الموصول، والمراد أنهم قد ضلوا عن الحق ووقعوا عنه بمراحل. وفي الآية من المبالغة في ضلالهم ما لا يخفى حيث أسند فيها إلى المصدر ما هو لصاحبه مجازا- كجد جده- إلا أن الفرق بين ما نحن فيه وذاك أن المسند إليه في الأول مصدر غير المسند وفي ذاك مصدره وليس بينهما بعد. ويجوز أن يقال: إنه أسند فيها ما للشخص إلى سبب اتصافه بما وصف به بناء على أن البعد في الحقيقة صفة له باعتبار بعد مكانه عن مقصده وسبب بعده ضلاله لأنه لو لم يضل لم يبعد عنه، فيكون كقولك: قتل فلانا عصيانه، والإسناد مجازي وفيه المبالغة المذكورة أيضا، وفي الكشاف هو من الإسناد المجازي والبعد في الحقيقة للضال فوصف به فعله، ويجوز أن يراد في ضلال ذي بعد أو فيه بعد لأن الضال قد يضل عن الطريق مكانا قريبا وبعيدا، وكتب عليه في الكشف أن الاسناد المجازي على جعل البعد لصاحب الضلال لأنه الذي يتباعد عن طريق الضلال فوصف ضلاله بوصفه مبالغة وليس المراد ابعادهم في الضلال وتعمقهم فيه. وأما قوله: فيجوز أن يراد في ضلال ذي بعد فعلى هذا البعد صفة للضلال حقيقة بمعنى بعد غوره وأنه هاوية لا نهاية لها، وقوله: أو فيه بعد على جعل الضلال مستقرا للبعد بمنزلة مكان بعيد عن الجادة وهو معنى بعده في نفسه عن الحق لتضادهما، وإليه الإشارة بقوله: لأن الضال قد يضل مكانا بعيدا وقريبا، والغرض بيان غاية التضاد وأنه بعد لا يوازن وزانه، وعلى جميع التقارير البعد مستفاد من البعد المسافي إلى تفاوت ما بين الحق والباطل أو ما بين أهلهما وجاز أن يكون قوله: ذي بعد أو فيه بعد وجها واحدا إشارة إلى الملابسة بين الضلال والبعد لا بواسطة صاحب

стр. 2764

الضلال لكن الأول أولى تكثيرا للفائدة، ثم قوله تعالى: أُولئِكَ فِي ضَلالٍ دون أن يقول سبحانه: أولئك ضالون ضلالا بعيدا للدلالة على تمكنهم فيه تمكن المظروف في الظرف وتصوير اشتمال الضلال عليهم اشتمال المحيط على المحاط وليكون كناية بالغة في إثبات الوصف أعني الضلال على الأوجه فافهم. وَما أَرْسَلْنا أي في الأمم الخالية من قبلك كما سيذكر إن شاء الله تعالى إجمالا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا متلبسا بِلِسانِ قَوْمِهِ متكلما بلغة من أرسل إليهم من الأمم المتفقة على لغة سواء بعث فيهم أولا، وقيل: بلغة قومه الذين هو منهم وبعث فيهم، ولا ينتقض الحصر بلوط ﵇ فإنه تزوج منهم وسكن معهم، وأما يونس ﵇ فإنه من القوم الذين أرسل إليهم كما قالوه فلا حاجة إلى القول بأن ذلك باعتبار الأكثر الأغلب ولعل الأولى ما ذكرنا. وقرأ أبو السمال. وأبو الحوراء. وأبو عمران الجوني «بلسن» بإسكان السين على وزن ذكر وهي لغة في لسان كريش ورياش، وقال صاحب اللوامح: إنه خاص باللغة واللسان يطلق عليها وعلى الجارحة وإلى ذلك ذهب ابن عطية. وقرأ أبو رجاء. وأبو المتوكل. والجحدري «بلسن» بضم اللام والسين وهو جمع لسان كعماد وعمد. وقرئ «بلسن» بضم اللام وسكون السين وهو مخفف لسن كرسل ورسل لِيُبَيِّنَ ذلك الرسول لَهُمْ لأولئك القوم الذين أرسل إليهم ما كلفوا به فيتلقوه منه بسهولة وسرعة فيمتثلوا ذلك من غير حاجة إلى الترجمة وحيث لم تتأت هذه القاعدة في شأن سيدنا محمد ﷺ وعلى إخوانه المرسلين أجمعين لعموم بعثته وشمول رسالته الأسود والأحمر والجن والبشر على اختلاف لغاتهم وكان تعدد نظم الكتاب المنزل إليه ﷺ عليه حسب تعدد ألسنة الأمم أدعى إلى التنازع واختلاف الكلمة وتطرق أيدي التحريف مع أن استقلال بعض من ذلك بالإعجاز مئنة لقدح القادحين، واتفاق الجميع فيه أمر قريب من الإلجاء المنافي للتكليف، وحصل البيان بالترجمة والتفسير اقتضت (١) الحكمة المنبئ عن العزة وجلالة الشأن المستتبع لفوائد غنية عن البيان، على أن الحاجة إلى الترجمة تتضاعف عند التعدد إذ لا بد لكل طائفة من معرفة توافق الكل حذو القذة بالقذة من غير مخالفة ولو في خصلة فذة، وإنما يتم ذلك بمن يترجم عن الكل واحدا أو متعددا وفيه من التعذر ما فيه، ثم لما كان أشرف الأقوام وأولاهم بدعوته ﵊ قومه الذين بعث بين ظهرانيهم ولغتهم أفضل اللغات نزل الكتاب المبين بلسان عربي مبين وانتشرت أحكامه بين الأمم أجمعين، كذا قرره شيخ الإسلام والمسلمين وهو من الحسن بمكان، بيد أن بعضهم أبقى الكلام على عمومه بحيث يشمل النبي (٢) ﷺ وأراد بالقوم الذين ذلك الرسول منهم وبعث فيهم، والمراد من قومه ﷺ العرب كلهم، ونقل ذلك أبو شامة في المرشد عن السجستاني واحتج بقوله ﷺ : «أنزل القرآن على سبعة أحرف» وفيه نظر ظاهر. وقال ابن قتيبة: المراد منهم قريش ولم ينزل القرآن إلا بلغتهم، وقيل: إنما نزل بلغة مضر خاصة لقول عمر رضي الله تعالى عنه: نزل القرآن بلغة مضر، وعين بعضهم فيما حكاه ابن عبد البر سبعا منهم هذيل وكنانة وقيس وضبة وتيم الرباب وأسيد بن خزيمة وقريش، وأخرج أبو عبيد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: نزل بلغة الكعبين كعب قريش وكعب خزاعة فقيل: وكيف؟ فقال: لأن الدار واحدة يعني خزاعة كانوا جيران قريش فسهلت عليهم لغتهم وجاء عن أبي صالح عنه أنه قال: نزل على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن ويقال لهم عليا هوازن، ومن هنا قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب عليا هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم، والذي يذهب مذهب السجستاني يقول: إن في القرآن ما نزل بلغة حمير. وكنانة. وجرهم. وأزدشنوءة. ومذحج وخثعم وقيس عيلان وسعد العشيرة.

стр. 2765

وكندة. وعذرة. وحضر موت. وغسان. ومزينة. ولخم. وجذام. وحنيفة. واليمامة. وسبأ. وسليم. وعمارة. وطي. وخزاعة. وعمان. وتميم. وإنمار. والأشعريين. والأوس. والخزرج. ومدين وقد مثل لكل ذلك أبو القاسم، وذكر أبو بكر الواسطي أن في القرآن من اللغات خمسين لغة وسردها ممثلا لها إلا أنه ذكر أن فيه من غير العربية الفرس والنبط والحبشة والبربر والسريانية والعبرانية والقبط، والذاهب إلى ما ذهب إليه ابن قتيبة يقول: إن ما نسب إلى غير قريش على تقدير صحة نسبته مما يوافق لغتهم، ونقل أبو شامة عن بعض ومن جاورهم من العرب الفصحاء ثم أبيح لسائر العرب أن تقرأه بلغاتهم التي جرت عاداتهم باستعمالها كاختلافهم في اللفظ والإعراب، ولم يكلف أحد منهم الانتقال من لغته إلى لغة أخرى للمشقة. ولما كان فيهم من الحمية ولطلب تسهيل المراد لكن أنت تعلم أن هذه الإباحة لم تستمر، وكون المتبادر من قومه ﵊ قريشا مما لا أظن أن أحدا يمتري فيه ويليه في التبادر العرب. وفي البحر أن سبب نزول الآية أن قريشا قالوا: ما بال الكتب كلها أعجمية وهذا عربي؟ وهذا إن صح ظاهر في العموم، ثم إنه لا يلزم من كون لغته لغة قريش أو العرب اختصاص بعثته ﷺ بهم، وإن زعمت طائفة من اليهود يقال لهم العيسوية اختصاص البعثة بالعرب لذلك، وحكمة إنزاله بلغتهم أظهر من أن تخفى، وقيل: الضمير في قَوْمِهِ لمحمد ﷺ المعلوم من السياق فإنه كما أخرج ابن أبي عن سفيان الثوري لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبي لقومه، وقيل: كان يترجم ذلك جبريل ﵇ ونسب إلى الكلبي، وفيه أنه إذا لم يقع التبيين إلا بعد الترجمة فات الغرض مما ذكر، وضمير لَهُمْ للقوم بلا خلاف وهم المبين لهم بالترجمة. وفي الكشاف أن ذلك ليس بصحيح لأن ضمير لَهُمْ للقوم وهم العرب فيؤدي إلى أن الله تعالى أنزل التوراة مثلا بالعربية ليبين للعرب وهو معنى فاسد. وتكلف الطيبي دفع ذلك بأن الضمير راجع إلى كل قوم قوم بدلالة السياق، والجواب كما في الكشف أنه لا يدفع عن الإيهام على خلاف مقتضى المقام. واحتج بعض الناس بهذه الآية على أن اللغات اصطلاحية لا توقيفية قال: لأن التوقيف لا يحصل إلا بإرسال الرسل. وقد دلت الآية على أن إرسال كل من الرسل لا يكون إلا بلغة قومه وذلك يقتضي تقدم حصول اللغات على إرسال الرسول، وإذا كان كذلك امتنع حصول تلك اللغات بالتوقيف فوجب حصولها بالاصطلاح انتهى. وأجيب بأنا لا نسلم توقف التوقيف على إرسال الرسل لجواز أن يخلق الله تعالى في العقلاء علما بأن الألفاظ وضعها واضع لكذا وكذا، ولا يلزم من هذا كون العاقل عالما بالله تعالى بالضرورة بل الذي يلزم منه ذلك لو خلق سبحانه في العقلاء علما ضروريا بأنه تعالى الواضع وأين هذا من ذاك، على أنه لا ضرر في التزام خلق الله تعالى هذا العلم الضروري وأي ضرر في كونه سبحانه معلوم الوجود بالضرورة لبعض العقلاء؟ والقول بأنه يبطل التكليف حينئذ على عمومه غير مسلم وعلى تخصيص بالمعرفة مسلم وغير ضار فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ إضلاله أي يخلق فيه الضلال لوجود أسبابه المؤدية إليه فيه، وقيل: يخذله فلا يلطف به لما يعلم أنه لا ينجع فيه الإلطاف وَيَهْدِي يخلق الهداية أو يمنح الألطاف مَنْ يَشاءُ هدايته لما فيه من الأسباب المؤدية إلى ذلك، والالتفات بإسناد الفعلين إلى الاسم الجليل لتفخيم شأنهما وترشيخ مناط كل منهما، والفاء قيل فصيحة مثلها في قوله تعالى: فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [البقرة: ٦٠] (١) كأنه قيل: فبينوه لهم فأضل الله تعالى من شاء إضلاله وهدى من شاء هدايته حسبما اقتضته حكمته تعالى البالغة، والحذف للإيذان بأن مسارعة كل رسول إلى ما أمر به وجريان كل من الفعلين

стр. 2766

على سننه أمر محقق غني عن الذكر والبيان. وفي الكشف وجه التعقيب عن السابق كوجهه في قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة: ٢٦] على معنى أرسلنا الكتاب للتبين فمنهم من نفعناه بذلك البيان ومنهم من جعلناه حجة عليه، والفاء على هذه تفصيلية، والعدول إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو الدلالة على التجدد والاستمرار حيث تجدد البيان من الرسل ﵈ المتعاقبة عليهم، وتقديم الإضلال على الهداية- كما قال بعض المحققين- إما لأنه إبقاء ما كان على ما كان والهداية إنشاء ما لم يكن أو للمبالغة في بيان أنه لا تأثير للتبيين والتذكير من قبل الرسل ﵈ وأن مدار الأمر إنما هو مشيئته تعالى بإيهام أن ترتب الضلالة أسرع من ترتب الاهتداء، وهذا محقق لما سلف من تقييد لإخراج من الظلمات إلى النور بإذن ربهم وَهُوَ الْعَزِيزُ فلا يغالب في مشيئته تعالى الْحَكِيمُ فلا يشاء ما يشاء إلا لحكمة بالغة، وفيه كما في البحر وغيره أن ما فوض إلى الرسول عليهم الصلاة والسلام إنما هو التبليغ وتبيين طريق الحق، وأما الهداية والإرشاد إليه فذلك بيد الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم إن هذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة من أن الضلالة والهداية بخلقه سبحانه، وقد ذكر المعتزلة لها عدة تأويلات، وللإمام فيها كلام طويل إن أردته فارجع إليه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى شروع في تفصيل ما أجمل في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ الآية بِآياتِنا أي ملتبسا بها وهي كما أخرج ابن جرير. وغيره عن مجاهد. وعطاء. وعبيد بن عمير الآيات التسع التي أجراها الله تعالى على يده ﵇، وقيل: يجوز أن يراد بها آيات التوراة أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ بمعنى أي أخرج- فإن- تفسيرية لأن في الإرسال معنى القول دون حروفه أو بأن أخرج فهي مصدرية حذف قبلها حرف الجر لأن أرسل يتعدى بالباء، والجار يطرد حذفه قبل أن وأن، واتصال المصدرية بالأمر أمر مر تحقيقه. وزعم بعضهم أن أَنْ هنا زائدة ولا يخفى ضعفه، والمراد من قومه ﵇ كما هو الظاهر بنو إسرائيل ومن إخراجهم إخراجهم بعد مهلك فرعون مِنَ الظُّلُماتِ من الكفر والجهالات التي كانوا فيها وأدت بهم إلى أن يقولوا: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] إِلَى النُّورِ إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده وسائر ما أمروا به، وقيل: أخرجهم من ظلمات النقص إلى نور الكمال وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ أي بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الطبري لأنه الأنسب بالمقام والأوفق بما سيأتي إن شاء الله تعالى من الكلام، والعطف على أَخْرِجْ وجوز أن تكون الجملة مستأنفة، والالتفات من التكلم إلى الغيبة بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنها والإشعار- على ما قيل- بعدم اختصاص ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومه كما يوهمه الإضافة إلى ضمير المتكلم، وحاصل المعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وعن ابن عباس أيضا والربيع ومقاتل وابن زيد المراد- بأيام الله- وقائعه سبحانه ونقماته في الأمم الخالية، ومن ذلك أيام العرب لحروبها وملاحمها كيوم ذي قار ويوم الفجار ويوم قضة وغيرها، واستظهره الزمخشري للغلبة العرفية وأن العرب استعملته للوقائع، وأنشد الطبرسي لذلك قول عمرو بن كلثوم: وأيام لنا غرر طوال ... عصينا الملك فيها إن ندينا وأنشده الشهاب للمعنى السابق، وأنشد لهذا قوله: وأيامنا مشهورة في عدونا وأخرج النسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند. والبيهقي في شعب الإيمان. وغيرهم عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه فسر الأيام في الآية بنعم الله تعالى وآلائه، وروى ذلك ابن المنذر عن ابن عباس ومجاهد وجعل أبو

стр. 2767

حيان من ذلك بيت عمرو، والأظهر فيه ما ذكره الطبرسي. وأنت تعلم أنه إن صح الحديث فعليه الفتوى، لكن ذكر شيخ الإسلام في ترجيح التفسير المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أولا على ما روي ثانيا بأنه يرد الثاني ما تصدى له ﵇ بصدد الامتثال من التذكير بكل من السراء والضراء مما جرى عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى بعد، وهو يبعد صحة الحديث، والقول بأن النقم بالنسبة إلى قوم نعم بالنسبة إلى آخرين كما قيل: مصائب قوم عند قوم فوائد مما لا ينبغي أن يلتفت إليه عاقل في هذا المقام. نعم إن قوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ظاهر في تفسير الأيام بالنعم وما يستدعي غير ذلك ستسمع فيه أقوالا لا يستدعيه على بعضها. وزعم بعضهم أن المراد من قومه ﵇ القبط والظُّلُماتِ والنُّورِ الكفر والإيمان لا غير، وقيل: قومه ﵇ القبط. وبنو إسرائيل وكان ﵇ مبعوثا إليهم جميعا إلا أنه بعث إلى القبط بالاعتراف بوحدانية الله تعالى وأن لا يشركوا به سبحانه شيئا، وإلى بني إسرائيل بذلك وبالتكليف بفروع الشريعة. وقيل: هم بنو إسرائيل فقط إلا أن المراد من الظُّلُماتِ والنُّورِ إن كانوا كلهم مؤمنين ظلمات ذل العبودية ونور عزة الدين وظهور أمر الله تعالى، ونحن نقول: نسأل الله تعالى أن يخرجنا وأهل هذه الأقوال من ظلمات الجهل إلى نور العلم إِنَّ فِي ذلِكَ أي في التذكير بأيام الله تعالى أو في الأيام لَآياتٍ عظيمة أو كثيرة دالة على وحدانية الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته، وهي على الأول الأيام، ومعنى كون التذكير ظرفا لها كونه مناطا لظهورها، وعلى الثاني كذلك أيضا إلا أن كلمة فِي تجريدية أو هي عليه كل واحدة من النعماء والبلاء، والمشار إليه المجموع المشتمل عليها من حيث هو مجموع، وجوز أن يراد بالأيام فيما سبق أنفسها المنطوية على النعم والنقم، فإذا كانت الإشارة إليها وحملت الآيات على النعماء والبلاء فأمر الظرفية ظاهر لِكُلِّ صَبَّارٍ كثير الصبر على بلائه تعالى شَكُورٍ كثير الشكر لنعمائه . وقيل: المراد لكل مؤمن، فعلى الأول الوصفان عبارتان لمعنيين، وعلى هذا عبارة عن معنى واحد على طريق الكناية كحي مستوي القامة بادي البشرة في الكناية عن الإنسان، والتعبير عن المؤمن بذلك للإشعار بأن الصبر والشكر عنوان المؤمن الدال على ما في باطنه. والمراد على ما قيل لكل من يليق بكمال الصبر والشكر أو الإيمان ويصير أمره إلى ذلك لا لمن اتصف به بالفعل لأن الكلام تعليل للأمر بالتذكير المذكور السابق على التذكير المؤدي إلى تلك المرتبة، فإن من تذكر ما فاض أو نزل عليه أو على ما قبله من النعمة والنقمة وتنبه لعاقبة الصبر والشكر أو الإيمان لا يكاد يفارق ذلك وتخصيص الآيات بالصبار الشكور لأنه المنتفع بها لا لأنها خافية عن غيره فإن التبيين حاصل بالنسبة إلى الكل، وتقديم الصبر على الشكر لما أن الصبر مفتاح الفرج المقتضي للشكر، وقيل: لأنه من قبيل التروك يقال: صبرت الدابة إذا حبستها بلا علف والشكر ليس كذلك فإنه- كما قال الراغب- تصور النعمة وإظهارها، قيل: وهو مقلوب الكشر أي الكشف، وقيل: أصله من عين شكرى أي ممتلئة فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، وهو على ثلاثة أضرب: شكر القلب. وشكر اللسان. وشكر الجوارح، وذكر أن توفية شكر الله تعالى صعبة، ولذلك لم يثن سبحانه بالشكر على أحد من أوليائه إلا على اثنين نوح (١) وإبراهيم (٢) ﵉، وقد يكون انقسام الشكر

стр. 2768

على النعمة وعدم انقسام الصبر على النقمة وجها للتقديم والتأخير، وقيل: ذلك لتقدم متعلق الصبر- أعني البلاء- على متعلق الشكر أعني النعماء. وَإِذْ قالَ مُوسى شروع في بيان تصديه ﵇ لما أمر به من التذكير للإخراج المذكور وَإِذْ منصوب على المفعولية عند كثير بمضمر خوطب به النبي ﷺ ، وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث لما مر غير مرة أي اذكر لهم وقت قوله ﵇ لِقَوْمِهِ الذين أمرناه بإخراجهم من الظلمات إلى النور اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تعالى الجلية عَلَيْكُمْ وبدا ﵇ بالترغيب لأنه عند النفس أقبل وهي إليه أميل، وقيل: بدأ بهذا الأمر لما بينه وبين آخر الكلام السابق من مزيد الربط، ولا يخفى أن هذا إنما هو على تقدير أن يكون ﵇ مأمورا بالترغيب والترهيب، أما إذا كان مأمورا بالترغيب فقط فلا سؤال، والظرف متعلق بنفس النعمة أن جعلت مصدرا بمعنى الأنعام أو بمحذوف وقع حالا منها إن جعلت اسما أي اذكروا انعامه عليكم أو نعمته كائنة عليكم، وإِذْ في قوله سبحانه: إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يجوز أن يتعلق بالنعمة أيضا على تقدير جعلها مصدرا أي اذكروا إنعامه عليكم وقت انجائكم، ويجوز أن يتعلق بكلمة عَلَيْكُمْ إذا كانت حالا لا ظرفا لغوا للنعمة لأن الظرف المستقر لنيابته عن عامله يجوز أن يعمل عمله أو هو على هذا معمول لمتعلقه كأنه قيل: اذكروا نعمة الله تعالى مستقرة عليكم وقت إنجائكم، ويجوز أن يكون بدل اشتمال من نعمة الله مرادا بها الأنعام أو العطية المنعم بها يَسُومُونَكُمْ يبغونكم من سامه خسفا إذا أولاه ظلما، وأصل السوم- كما قال الراغب- الذهاب في طلب الشيء فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والطلب فأجرى مجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل فهي سائمة، ومجرى الطلب في قولهم: سمته كذا سُوءَ الْعَذابِ مفعول ثان- ليسومونكم- والسوء مصدر ساء يسوء، والمراد جنس العذاب السيء أو استعبادهم واستعمالهم من الأعمال الشاقة والاستهانة بهم وغير ذلك. وفي أنوار التنزيل أن المراد بالعذاب هاهنا غير المراد به في سورة البقرة والأعراف لأنه مفسر بالتذبيح والتقتيل ثم ومعطوف عليه التذبيح المفاد بقوله تعالى: وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ هاهنا، وفيه إشارة إلى وجه العطف وتركه مع أن القصة واحدة، وحاصل ذلك أنه حيث طرح الواو قصد تفسير العذاب وبيانه فلم يعطف لما بينهما من كمال الاتصال وحيث عطف لم يقصد ذلك، والعذاب إن كان المراد به الجنس فالتذبيح لكونه أشد أنواعه عطف عليه عطف جبريل على الملائكة ﵈ تنبيها على أنه لشدته كأنه ليس من ذلك الجنس، وإن كان المراد به غيره كالاستعباد فهما متغايران والمحل محل العطف، وقد جوز أهل المعاني أن يكونا بمعنى في الجميع وذكر الثاني للتفسير، وترك العطف في السورتين ظاهر والعطف هنا لعد التفسير لكونه أوفى المراد وأظهر منزلة المغاير وهو وجه حسن أيضا، وسبب هذا التذبيح أن فرعون رأى في المنام أو قال له الكهنة. إنه سيولد لبني إسرائيل من يذهب بملكه فاجتهدوا في ذلك فلم يغن عنهم من قضاء الله تعالى شيئا وقرأ ابن محيصن «ويذبحون» مضارع ذبح ثلاثيا. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما كذلك إلا أنه حذف الواو وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي يبقونهن في الحياة مع الذل، ولذلك عد من جملة البلاء أو لأن إبقاءهن دون البنين رزية في نفسه كما قيل: ومن أعظم الرزء فيما أرى ... بقاء البنات وموت البنينا والجمل أحوال من آل فرعون أو من ضمير المخاطبين أو منهما جميعا لأن فيها ضمير كل منهما، ولا اختلاف في العامل لأنه وإن كان في آل فرعون من في الظاهر لكنه لفظ أَنْجاكُمْ في الحقيقة، والاقتصار على الاحتمالين الأولين هنا وتجويز الثلاثة في سورة البقرة كما فعل البيضاوي بيض الله تعالى غرة أحواله لا يظهر وجهه.

стр. 2769

وَفِي ذلِكُمْ أي فيما ذكرنا من الأفعال الفظيعة بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي ابتلاء منه تعالى لأن البلاء عين تلك الأفعال اللهم إلا أن تجعل فِي تجريدية فنسبته إلى الله تعالى إما من حيث الخلق وهو الظاهر أو الإقدار والتمكين، ويجوز أن يكون المشار إليه الإنجاء من ذلك والبلاء الابتلاء بالنعمة فإنه يكون بها كما يكون بالمحنة قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] وقال زهير: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو وهو الأنسب بصدر الآية، ويلوح إليه التعرض لوصف الربوبية، وعلى الأول يكون ذلك باعتبار المآل الذي هو الإنجاء أو باعتبار أن بلاء المؤمن تربية له ونفع في الحقيقة عَظِيمٌ لا يطاق حمله أو عظيم الشأن جليل القدر وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ داخل في مقول موسى ﵇ لا كلام مبتدأ، وهو معطوف على نعمة الله أي اذكروا نعمة الله تعالى عليكم واذكروا حين تأذن ربكم أي آذن إيذانا بليغا واعلم إعلاما لا يبقى معه شبهة لما في صيغة التفعل من معنى التكلف المحمول في حقه تعالى لاستحالة حقيقته عليه سبحانه على غايته التي هي الكمال، وجوز عطفه على إِذْ أَنْجاكُمْ أي اذكروا نعمته تعالى في هذين الوقتين فإن هذا التأذن أيضا نعمة من الله تعالى عليهم لما فيه من الترغيب والترهيب الباعثين إلى ما ينالون به خيري الدنيا والآخرة، وفي قراءة ابن مسعود «وإذ قال ربكم» لَئِنْ شَكَرْتُمْ ما خولتكم من نعمة الإنجاء من إهلاك وغير ذلك وقابلتموه بالإيمان أو بالثبات عليه أو الإخلاص فيه والعمل الصالح لَأَزِيدَنَّكُمْ أي نعمة إلى نعمة فإن زيادة النعمة ظاهرة في سبق نعمة أخرى، وقيل: يفهم ذلك أيضا من لفظ الشكر فإنه دال على سبق النعم فليس الزيادة لمجرد الأحداث، والظاهر- على ما قيل- إن هذه الزيادة في الدنيا، وقيل: يحتمل أن تكون في الدنيا وفي الآخرة وليس ببعيد، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لئن وحدتم وأطعتم لأزيدنكم في الثواب، وعن الحسن. وسفيان الثوري أن المعنى لئن شكرتم أنعامي لأزيدنكم من طاعتي، والكل خلاف الظاهر. وذكر الإمام أن حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه، وبيان زيادة النعم به أن النعم منها روحانية ومنها جسمانية والشاكر يكون أبدا في مطالعة أقسام نعم الله تعالى وأنواع فضله وكرمه وذلك يوجب تأكد محبة الله تعالى المحسن عليه بذلك ومقام المحبة أعلى مقامات الصديقين، ثم قد يترقى العبد من تلك الحالة إلى أن يكون حبه للمنعم شاغلا له عن الالتفات إلى النعمة وهذه أعلى وأغلى فثبت من هذا أن الاشتغال بالشكر يوجب زيادة النعم الروحانية، وكونه موجبا لزيادة النعم الجسمانية فللاستقراء الدال على أن كل من كان اشتغاله بالشكر أكثر كان وصول النعم إليه أكثر وهو كما ترى وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ذلك وعمطتموه ولم تشكروه كما تدل عليه المقابلة، وقيل: المراد بالكفر ما يقابل الإيمان كأنه قيل: ولئن أشركتم إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ فعسى يصيبكم منه ما يصيبكم، ومن عادة الكرام غالبا التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك بأكرم الأكرمين، فلذا لم يقل سبحانه: إن عذابي لكم لأعذبنكم كما قال جل وعلا: لَأَزِيدَنَّكُمْ. وجوز أن يكون المذكور تعليلا للجواب المحذوف أي لأعذبنكم، وبين الإمام وجه كون كفران النعم سببا للعذاب أنه لا يحصل الكفران إلا عند الجهل بكون تلك النعمة من الله تعالى والجاهل بذلك جاهل بالله تعالى والجهل به سبحانه من أعظم أنواع العذاب. والآية مما اجتمع فيها القسم والشرط فالجواب ساد مسد جوابيهما، والجملة إما مفعول- لتأذن- لأنه ضرب من القول أو مفعول قول مقدر منصوب على الحال ساد معموله مسده أي قائلا لئن شكرتم إلخ، وهذان مذهبان مشهوران للكوفية والبصرية في أمثال ذلك.

стр. 2770

واستدل بالآية على أن شكر المنعم واجب وهو مما أجمع عليه السنيون والمعتزلة إلا أن الأولين على وجوبه شرعا والآخرين على وجوبه عقلا، وهو مبني على قولهم بالحسن والقبح العقليين، وقد هد أركانه أهل السنة، على أنه لو قيل به لم يكد يتم لهم الاستدلال بذلك في هذا المقام كما بين في محله وَقالَ مُوسى لهم: إِنْ تَكْفُرُوا نعمه سبحانه ولم تشكروها أَنْتُمْ يا بني إسرائيل وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الناس وقيل من الخلائق جَمِيعاً لم يتضرر هو سبحانه وإنما يتضرر من يكفر فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن شكركم وشكرهم حَمِيدٌ مستوجب للحمد بذاته تعالى لكثرة ما يوجبه من أياديه وإن لم يحمده أحد أو محمود تحمده الملائكة ﵈ بل كل ذرة من ذرات العالم ناطقة بحمده، والحمد حيث كان بمقابلة النعمة وغيرها من الفضائل كان أدل على كماله جل وعلا، وهو تعليل لما حذف من جواب إِنْ تَكْفُرُوا كما أشرنا إليه، ثم إن موسى ﵇ بعد أن ذكرهم أولا بنعمائه تعالى عليهم صريحا وضمنه بذكر ما أصابهم من الضراء، وأمرهم ثانيا بذكر ما جرى منه سبحانه من الوعد بالزيادة على الشكر والوعيد بالعذاب على الكفر وحقق لهم مضمون ذلك، وحذرهم من عند نفسه عن الكفران ثالثا لما رأى منهم ما يوجب ذلك شرع في الترهيب بتذكير ما جرى على الأمم الدارجة فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ليتدبروا ما أصاب كل واحد من حزبي المؤمن والكافر فيتم له ﵇ مقصوده منهم. وجوز أن يكون من تتمة قوله ﵇: إِنْ تَكْفُرُوا إلخ على أنه كالبيان لما أشير إليه في الجواب من عود ضرر الكفران على الكافر دونه ، وقيل: هو من كلامه تعالى جيء تتمة لقوله سبحانه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إلخ وبيانا لشدة عذابه ونقل كلام موسى ﵇ معترض في البين وهو كما ترى، وقيل: هو ابتداء كلام منه تعالى مخاطبا به أمة محمد ﷺ بعد ما ذكر إرساله ﵊ بالقرآن وقص عليهم من قصص موسى ﵊ مع أمته ولعل تخصيص تذكيرهم بما أصاب أولئك المعدودين مع قرب غيرهم إليهم للإشارة إلى أن إهلاكه تعالى الظالمين ونصره المؤمنين عادة قديمة له ، ومن الناس من استبعد ذلك. قَوْمِ نُوحٍ بدل من الموصول أو عطف بيان وَعادٍ معطوف على قوم نوح وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد هؤلاء المذكورين عطف على قوم نوح وما عطف عليه، وقوله تعالى: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ اعتراض أو الموصول مبتدأ وهذه الجملة خبره وجملة المبتدأ وخبره اعتراض، والمعنى على الوجهين أنهم (١) من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ومعنى الاعتراض على الأول ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الذي لا يحصى كثرة فتعتبروا بها إن في ذلك لمعتبرا، وعلى الثاني هو ترق ومعناه ألم يأتكم نبأ هؤلاء ومن لا يحصى عددهم كأنه يقول: دع التفصيل فإنه لا مطمع في الحصر، وفيه لطف لإيهام الجمع بين الإجمال والتفصيل ولذا جعله الزمخشري أول الوجهين، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: بين عدنان وإسماعيل ﵇ ثلاثون أبا لا يعرفون، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله تعالى علمهما عن العباد أظهر فيه على ما قيل. ومن هنا يعلم أن ترجيح الطيبي الوجه الأول بما رجحه به ليس في محله: واعترض أبو حيان القول بالاعتراض بأنه لا يكون إلا بين جزئين يطلب أحدهما الآخر وما ذكر ليس كذلك، ومنع بأن بين المعترض بينهما ارتباطا يطلب به
следующие страницы →