← Тафсир

Тафсир · id 22835

تفسير الألوسي روح المعاني - ط العلمية

الألوسي، شهاب الدين

Полный текст (6 473 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.

стр. 2766

على سننه أمر محقق غني عن الذكر والبيان. وفي الكشف وجه التعقيب عن السابق كوجهه في قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً [البقرة: ٢٦] على معنى أرسلنا الكتاب للتبين فمنهم من نفعناه بذلك البيان ومنهم من جعلناه حجة عليه، والفاء على هذه تفصيلية، والعدول إلى صيغة الاستقبال لاستحضار الصورة أو الدلالة على التجدد والاستمرار حيث تجدد البيان من الرسل ﵈ المتعاقبة عليهم، وتقديم الإضلال على الهداية- كما قال بعض المحققين- إما لأنه إبقاء ما كان على ما كان والهداية إنشاء ما لم يكن أو للمبالغة في بيان أنه لا تأثير للتبيين والتذكير من قبل الرسل ﵈ وأن مدار الأمر إنما هو مشيئته تعالى بإيهام أن ترتب الضلالة أسرع من ترتب الاهتداء، وهذا محقق لما سلف من تقييد لإخراج من الظلمات إلى النور بإذن ربهم وَهُوَ الْعَزِيزُ فلا يغالب في مشيئته تعالى الْحَكِيمُ فلا يشاء ما يشاء إلا لحكمة بالغة، وفيه كما في البحر وغيره أن ما فوض إلى الرسول عليهم الصلاة والسلام إنما هو التبليغ وتبيين طريق الحق، وأما الهداية والإرشاد إليه فذلك بيد الله تعالى يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ثم إن هذه الآية ظاهرة في مذهب أهل السنة من أن الضلالة والهداية بخلقه سبحانه، وقد ذكر المعتزلة لها عدة تأويلات، وللإمام فيها كلام طويل إن أردته فارجع إليه وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى شروع في تفصيل ما أجمل في قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ الآية بِآياتِنا أي ملتبسا بها وهي كما أخرج ابن جرير. وغيره عن مجاهد. وعطاء. وعبيد بن عمير الآيات التسع التي أجراها الله تعالى على يده ﵇، وقيل: يجوز أن يراد بها آيات التوراة أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ بمعنى أي أخرج- فإن- تفسيرية لأن في الإرسال معنى القول دون حروفه أو بأن أخرج فهي مصدرية حذف قبلها حرف الجر لأن أرسل يتعدى بالباء، والجار يطرد حذفه قبل أن وأن، واتصال المصدرية بالأمر أمر مر تحقيقه. وزعم بعضهم أن أَنْ هنا زائدة ولا يخفى ضعفه، والمراد من قومه ﵇ كما هو الظاهر بنو إسرائيل ومن إخراجهم إخراجهم بعد مهلك فرعون مِنَ الظُّلُماتِ من الكفر والجهالات التي كانوا فيها وأدت بهم إلى أن يقولوا: يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ [الأعراف: ١٣٨] إِلَى النُّورِ إلى الإيمان بالله تعالى وتوحيده وسائر ما أمروا به، وقيل: أخرجهم من ظلمات النقص إلى نور الكمال وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ أي بنعمائه وبلائه كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واختاره الطبري لأنه الأنسب بالمقام والأوفق بما سيأتي إن شاء الله تعالى من الكلام، والعطف على أَخْرِجْ وجوز أن تكون الجملة مستأنفة، والالتفات من التكلم إلى الغيبة بإضافة الأيام إلى الاسم الجليل للإيذان بفخامة شأنها والإشعار- على ما قيل- بعدم اختصاص ما فيها من المعاملة بالمخاطب وقومه كما يوهمه الإضافة إلى ضمير المتكلم، وحاصل المعنى عظهم بالترغيب والترهيب والوعد والوعيد. وعن ابن عباس أيضا والربيع ومقاتل وابن زيد المراد- بأيام الله- وقائعه سبحانه ونقماته في الأمم الخالية، ومن ذلك أيام العرب لحروبها وملاحمها كيوم ذي قار ويوم الفجار ويوم قضة وغيرها، واستظهره الزمخشري للغلبة العرفية وأن العرب استعملته للوقائع، وأنشد الطبرسي لذلك قول عمرو بن كلثوم: وأيام لنا غرر طوال ... عصينا الملك فيها إن ندينا وأنشده الشهاب للمعنى السابق، وأنشد لهذا قوله: وأيامنا مشهورة في عدونا وأخرج النسائي وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند. والبيهقي في شعب الإيمان. وغيرهم عن أبي بن كعب عن النبي ﷺ أنه فسر الأيام في الآية بنعم الله تعالى وآلائه، وروى ذلك ابن المنذر عن ابن عباس ومجاهد وجعل أبو

стр. 2767

حيان من ذلك بيت عمرو، والأظهر فيه ما ذكره الطبرسي. وأنت تعلم أنه إن صح الحديث فعليه الفتوى، لكن ذكر شيخ الإسلام في ترجيح التفسير المروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أولا على ما روي ثانيا بأنه يرد الثاني ما تصدى له ﵇ بصدد الامتثال من التذكير بكل من السراء والضراء مما جرى عليهم وعلى غيرهم حسبما يتلى بعد، وهو يبعد صحة الحديث، والقول بأن النقم بالنسبة إلى قوم نعم بالنسبة إلى آخرين كما قيل: مصائب قوم عند قوم فوائد مما لا ينبغي أن يلتفت إليه عاقل في هذا المقام. نعم إن قوله تعالى: اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ظاهر في تفسير الأيام بالنعم وما يستدعي غير ذلك ستسمع فيه أقوالا لا يستدعيه على بعضها. وزعم بعضهم أن المراد من قومه ﵇ القبط والظُّلُماتِ والنُّورِ الكفر والإيمان لا غير، وقيل: قومه ﵇ القبط. وبنو إسرائيل وكان ﵇ مبعوثا إليهم جميعا إلا أنه بعث إلى القبط بالاعتراف بوحدانية الله تعالى وأن لا يشركوا به سبحانه شيئا، وإلى بني إسرائيل بذلك وبالتكليف بفروع الشريعة. وقيل: هم بنو إسرائيل فقط إلا أن المراد من الظُّلُماتِ والنُّورِ إن كانوا كلهم مؤمنين ظلمات ذل العبودية ونور عزة الدين وظهور أمر الله تعالى، ونحن نقول: نسأل الله تعالى أن يخرجنا وأهل هذه الأقوال من ظلمات الجهل إلى نور العلم إِنَّ فِي ذلِكَ أي في التذكير بأيام الله تعالى أو في الأيام لَآياتٍ عظيمة أو كثيرة دالة على وحدانية الله تعالى وقدرته وعلمه وحكمته، وهي على الأول الأيام، ومعنى كون التذكير ظرفا لها كونه مناطا لظهورها، وعلى الثاني كذلك أيضا إلا أن كلمة فِي تجريدية أو هي عليه كل واحدة من النعماء والبلاء، والمشار إليه المجموع المشتمل عليها من حيث هو مجموع، وجوز أن يراد بالأيام فيما سبق أنفسها المنطوية على النعم والنقم، فإذا كانت الإشارة إليها وحملت الآيات على النعماء والبلاء فأمر الظرفية ظاهر لِكُلِّ صَبَّارٍ كثير الصبر على بلائه تعالى شَكُورٍ كثير الشكر لنعمائه . وقيل: المراد لكل مؤمن، فعلى الأول الوصفان عبارتان لمعنيين، وعلى هذا عبارة عن معنى واحد على طريق الكناية كحي مستوي القامة بادي البشرة في الكناية عن الإنسان، والتعبير عن المؤمن بذلك للإشعار بأن الصبر والشكر عنوان المؤمن الدال على ما في باطنه. والمراد على ما قيل لكل من يليق بكمال الصبر والشكر أو الإيمان ويصير أمره إلى ذلك لا لمن اتصف به بالفعل لأن الكلام تعليل للأمر بالتذكير المذكور السابق على التذكير المؤدي إلى تلك المرتبة، فإن من تذكر ما فاض أو نزل عليه أو على ما قبله من النعمة والنقمة وتنبه لعاقبة الصبر والشكر أو الإيمان لا يكاد يفارق ذلك وتخصيص الآيات بالصبار الشكور لأنه المنتفع بها لا لأنها خافية عن غيره فإن التبيين حاصل بالنسبة إلى الكل، وتقديم الصبر على الشكر لما أن الصبر مفتاح الفرج المقتضي للشكر، وقيل: لأنه من قبيل التروك يقال: صبرت الدابة إذا حبستها بلا علف والشكر ليس كذلك فإنه- كما قال الراغب- تصور النعمة وإظهارها، قيل: وهو مقلوب الكشر أي الكشف، وقيل: أصله من عين شكرى أي ممتلئة فالشكر على هذا هو الامتلاء من ذكر المنعم عليه، وهو على ثلاثة أضرب: شكر القلب. وشكر اللسان. وشكر الجوارح، وذكر أن توفية شكر الله تعالى صعبة، ولذلك لم يثن سبحانه بالشكر على أحد من أوليائه إلا على اثنين نوح (١) وإبراهيم (٢) ﵉، وقد يكون انقسام الشكر

стр. 2768

على النعمة وعدم انقسام الصبر على النقمة وجها للتقديم والتأخير، وقيل: ذلك لتقدم متعلق الصبر- أعني البلاء- على متعلق الشكر أعني النعماء. وَإِذْ قالَ مُوسى شروع في بيان تصديه ﵇ لما أمر به من التذكير للإخراج المذكور وَإِذْ منصوب على المفعولية عند كثير بمضمر خوطب به النبي ﷺ ، وتعليق الذكر بالوقت مع أن المقصود تذكير ما وقع فيه من الحوادث لما مر غير مرة أي اذكر لهم وقت قوله ﵇ لِقَوْمِهِ الذين أمرناه بإخراجهم من الظلمات إلى النور اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ تعالى الجلية عَلَيْكُمْ وبدا ﵇ بالترغيب لأنه عند النفس أقبل وهي إليه أميل، وقيل: بدأ بهذا الأمر لما بينه وبين آخر الكلام السابق من مزيد الربط، ولا يخفى أن هذا إنما هو على تقدير أن يكون ﵇ مأمورا بالترغيب والترهيب، أما إذا كان مأمورا بالترغيب فقط فلا سؤال، والظرف متعلق بنفس النعمة أن جعلت مصدرا بمعنى الأنعام أو بمحذوف وقع حالا منها إن جعلت اسما أي اذكروا انعامه عليكم أو نعمته كائنة عليكم، وإِذْ في قوله سبحانه: إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يجوز أن يتعلق بالنعمة أيضا على تقدير جعلها مصدرا أي اذكروا إنعامه عليكم وقت انجائكم، ويجوز أن يتعلق بكلمة عَلَيْكُمْ إذا كانت حالا لا ظرفا لغوا للنعمة لأن الظرف المستقر لنيابته عن عامله يجوز أن يعمل عمله أو هو على هذا معمول لمتعلقه كأنه قيل: اذكروا نعمة الله تعالى مستقرة عليكم وقت إنجائكم، ويجوز أن يكون بدل اشتمال من نعمة الله مرادا بها الأنعام أو العطية المنعم بها يَسُومُونَكُمْ يبغونكم من سامه خسفا إذا أولاه ظلما، وأصل السوم- كما قال الراغب- الذهاب في طلب الشيء فهو لفظ لمعنى مركب من الذهاب والطلب فأجرى مجرى الذهاب في قولهم: سامت الإبل فهي سائمة، ومجرى الطلب في قولهم: سمته كذا سُوءَ الْعَذابِ مفعول ثان- ليسومونكم- والسوء مصدر ساء يسوء، والمراد جنس العذاب السيء أو استعبادهم واستعمالهم من الأعمال الشاقة والاستهانة بهم وغير ذلك. وفي أنوار التنزيل أن المراد بالعذاب هاهنا غير المراد به في سورة البقرة والأعراف لأنه مفسر بالتذبيح والتقتيل ثم ومعطوف عليه التذبيح المفاد بقوله تعالى: وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ هاهنا، وفيه إشارة إلى وجه العطف وتركه مع أن القصة واحدة، وحاصل ذلك أنه حيث طرح الواو قصد تفسير العذاب وبيانه فلم يعطف لما بينهما من كمال الاتصال وحيث عطف لم يقصد ذلك، والعذاب إن كان المراد به الجنس فالتذبيح لكونه أشد أنواعه عطف عليه عطف جبريل على الملائكة ﵈ تنبيها على أنه لشدته كأنه ليس من ذلك الجنس، وإن كان المراد به غيره كالاستعباد فهما متغايران والمحل محل العطف، وقد جوز أهل المعاني أن يكونا بمعنى في الجميع وذكر الثاني للتفسير، وترك العطف في السورتين ظاهر والعطف هنا لعد التفسير لكونه أوفى المراد وأظهر منزلة المغاير وهو وجه حسن أيضا، وسبب هذا التذبيح أن فرعون رأى في المنام أو قال له الكهنة. إنه سيولد لبني إسرائيل من يذهب بملكه فاجتهدوا في ذلك فلم يغن عنهم من قضاء الله تعالى شيئا وقرأ ابن محيصن «ويذبحون» مضارع ذبح ثلاثيا. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما كذلك إلا أنه حذف الواو وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ أي يبقونهن في الحياة مع الذل، ولذلك عد من جملة البلاء أو لأن إبقاءهن دون البنين رزية في نفسه كما قيل: ومن أعظم الرزء فيما أرى ... بقاء البنات وموت البنينا والجمل أحوال من آل فرعون أو من ضمير المخاطبين أو منهما جميعا لأن فيها ضمير كل منهما، ولا اختلاف في العامل لأنه وإن كان في آل فرعون من في الظاهر لكنه لفظ أَنْجاكُمْ في الحقيقة، والاقتصار على الاحتمالين الأولين هنا وتجويز الثلاثة في سورة البقرة كما فعل البيضاوي بيض الله تعالى غرة أحواله لا يظهر وجهه.

стр. 2769

وَفِي ذلِكُمْ أي فيما ذكرنا من الأفعال الفظيعة بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ أي ابتلاء منه تعالى لأن البلاء عين تلك الأفعال اللهم إلا أن تجعل فِي تجريدية فنسبته إلى الله تعالى إما من حيث الخلق وهو الظاهر أو الإقدار والتمكين، ويجوز أن يكون المشار إليه الإنجاء من ذلك والبلاء الابتلاء بالنعمة فإنه يكون بها كما يكون بالمحنة قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء: ٣٥] وقال زهير: جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو وهو الأنسب بصدر الآية، ويلوح إليه التعرض لوصف الربوبية، وعلى الأول يكون ذلك باعتبار المآل الذي هو الإنجاء أو باعتبار أن بلاء المؤمن تربية له ونفع في الحقيقة عَظِيمٌ لا يطاق حمله أو عظيم الشأن جليل القدر وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ داخل في مقول موسى ﵇ لا كلام مبتدأ، وهو معطوف على نعمة الله أي اذكروا نعمة الله تعالى عليكم واذكروا حين تأذن ربكم أي آذن إيذانا بليغا واعلم إعلاما لا يبقى معه شبهة لما في صيغة التفعل من معنى التكلف المحمول في حقه تعالى لاستحالة حقيقته عليه سبحانه على غايته التي هي الكمال، وجوز عطفه على إِذْ أَنْجاكُمْ أي اذكروا نعمته تعالى في هذين الوقتين فإن هذا التأذن أيضا نعمة من الله تعالى عليهم لما فيه من الترغيب والترهيب الباعثين إلى ما ينالون به خيري الدنيا والآخرة، وفي قراءة ابن مسعود «وإذ قال ربكم» لَئِنْ شَكَرْتُمْ ما خولتكم من نعمة الإنجاء من إهلاك وغير ذلك وقابلتموه بالإيمان أو بالثبات عليه أو الإخلاص فيه والعمل الصالح لَأَزِيدَنَّكُمْ أي نعمة إلى نعمة فإن زيادة النعمة ظاهرة في سبق نعمة أخرى، وقيل: يفهم ذلك أيضا من لفظ الشكر فإنه دال على سبق النعم فليس الزيادة لمجرد الأحداث، والظاهر- على ما قيل- إن هذه الزيادة في الدنيا، وقيل: يحتمل أن تكون في الدنيا وفي الآخرة وليس ببعيد، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما لئن وحدتم وأطعتم لأزيدنكم في الثواب، وعن الحسن. وسفيان الثوري أن المعنى لئن شكرتم أنعامي لأزيدنكم من طاعتي، والكل خلاف الظاهر. وذكر الإمام أن حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم مع تعظيمه، وبيان زيادة النعم به أن النعم منها روحانية ومنها جسمانية والشاكر يكون أبدا في مطالعة أقسام نعم الله تعالى وأنواع فضله وكرمه وذلك يوجب تأكد محبة الله تعالى المحسن عليه بذلك ومقام المحبة أعلى مقامات الصديقين، ثم قد يترقى العبد من تلك الحالة إلى أن يكون حبه للمنعم شاغلا له عن الالتفات إلى النعمة وهذه أعلى وأغلى فثبت من هذا أن الاشتغال بالشكر يوجب زيادة النعم الروحانية، وكونه موجبا لزيادة النعم الجسمانية فللاستقراء الدال على أن كل من كان اشتغاله بالشكر أكثر كان وصول النعم إليه أكثر وهو كما ترى وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ ذلك وعمطتموه ولم تشكروه كما تدل عليه المقابلة، وقيل: المراد بالكفر ما يقابل الإيمان كأنه قيل: ولئن أشركتم إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ فعسى يصيبكم منه ما يصيبكم، ومن عادة الكرام غالبا التصريح بالوعد والتعريض بالوعيد فما ظنك بأكرم الأكرمين، فلذا لم يقل سبحانه: إن عذابي لكم لأعذبنكم كما قال جل وعلا: لَأَزِيدَنَّكُمْ. وجوز أن يكون المذكور تعليلا للجواب المحذوف أي لأعذبنكم، وبين الإمام وجه كون كفران النعم سببا للعذاب أنه لا يحصل الكفران إلا عند الجهل بكون تلك النعمة من الله تعالى والجاهل بذلك جاهل بالله تعالى والجهل به سبحانه من أعظم أنواع العذاب. والآية مما اجتمع فيها القسم والشرط فالجواب ساد مسد جوابيهما، والجملة إما مفعول- لتأذن- لأنه ضرب من القول أو مفعول قول مقدر منصوب على الحال ساد معموله مسده أي قائلا لئن شكرتم إلخ، وهذان مذهبان مشهوران للكوفية والبصرية في أمثال ذلك.

стр. 2770

واستدل بالآية على أن شكر المنعم واجب وهو مما أجمع عليه السنيون والمعتزلة إلا أن الأولين على وجوبه شرعا والآخرين على وجوبه عقلا، وهو مبني على قولهم بالحسن والقبح العقليين، وقد هد أركانه أهل السنة، على أنه لو قيل به لم يكد يتم لهم الاستدلال بذلك في هذا المقام كما بين في محله وَقالَ مُوسى لهم: إِنْ تَكْفُرُوا نعمه سبحانه ولم تشكروها أَنْتُمْ يا بني إسرائيل وَمَنْ فِي الْأَرْضِ من الناس وقيل من الخلائق جَمِيعاً لم يتضرر هو سبحانه وإنما يتضرر من يكفر فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عن شكركم وشكرهم حَمِيدٌ مستوجب للحمد بذاته تعالى لكثرة ما يوجبه من أياديه وإن لم يحمده أحد أو محمود تحمده الملائكة ﵈ بل كل ذرة من ذرات العالم ناطقة بحمده، والحمد حيث كان بمقابلة النعمة وغيرها من الفضائل كان أدل على كماله جل وعلا، وهو تعليل لما حذف من جواب إِنْ تَكْفُرُوا كما أشرنا إليه، ثم إن موسى ﵇ بعد أن ذكرهم أولا بنعمائه تعالى عليهم صريحا وضمنه بذكر ما أصابهم من الضراء، وأمرهم ثانيا بذكر ما جرى منه سبحانه من الوعد بالزيادة على الشكر والوعيد بالعذاب على الكفر وحقق لهم مضمون ذلك، وحذرهم من عند نفسه عن الكفران ثالثا لما رأى منهم ما يوجب ذلك شرع في الترهيب بتذكير ما جرى على الأمم الدارجة فقال: أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ليتدبروا ما أصاب كل واحد من حزبي المؤمن والكافر فيتم له ﵇ مقصوده منهم. وجوز أن يكون من تتمة قوله ﵇: إِنْ تَكْفُرُوا إلخ على أنه كالبيان لما أشير إليه في الجواب من عود ضرر الكفران على الكافر دونه ، وقيل: هو من كلامه تعالى جيء تتمة لقوله سبحانه: لَئِنْ شَكَرْتُمْ إلخ وبيانا لشدة عذابه ونقل كلام موسى ﵇ معترض في البين وهو كما ترى، وقيل: هو ابتداء كلام منه تعالى مخاطبا به أمة محمد ﷺ بعد ما ذكر إرساله ﵊ بالقرآن وقص عليهم من قصص موسى ﵊ مع أمته ولعل تخصيص تذكيرهم بما أصاب أولئك المعدودين مع قرب غيرهم إليهم للإشارة إلى أن إهلاكه تعالى الظالمين ونصره المؤمنين عادة قديمة له ، ومن الناس من استبعد ذلك. قَوْمِ نُوحٍ بدل من الموصول أو عطف بيان وَعادٍ معطوف على قوم نوح وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد هؤلاء المذكورين عطف على قوم نوح وما عطف عليه، وقوله تعالى: لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ اعتراض أو الموصول مبتدأ وهذه الجملة خبره وجملة المبتدأ وخبره اعتراض، والمعنى على الوجهين أنهم (١) من الكثرة بحيث لا يعلم عددهم إلا الله تعالى، ومعنى الاعتراض على الأول ألم يأتكم أنباء الجم الغفير الذي لا يحصى كثرة فتعتبروا بها إن في ذلك لمعتبرا، وعلى الثاني هو ترق ومعناه ألم يأتكم نبأ هؤلاء ومن لا يحصى عددهم كأنه يقول: دع التفصيل فإنه لا مطمع في الحصر، وفيه لطف لإيهام الجمع بين الإجمال والتفصيل ولذا جعله الزمخشري أول الوجهين، وما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: بين عدنان وإسماعيل ﵇ ثلاثون أبا لا يعرفون، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه إذا قرأ هذه الآية قال: كذب النسابون يعني أنهم يدعون علم الأنساب وقد نفى الله تعالى علمهما عن العباد أظهر فيه على ما قيل. ومن هنا يعلم أن ترجيح الطيبي الوجه الأول بما رجحه به ليس في محله: واعترض أبو حيان القول بالاعتراض بأنه لا يكون إلا بين جزئين يطلب أحدهما الآخر وما ذكر ليس كذلك، ومنع بأن بين المعترض بينهما ارتباطا يطلب به

стр. 2771

أحدهما الآخر لأنه يجوز أن تكون الجملة الآتية حالا بتقدير قد والاعتراض يقع بين الحال وصاحبها، فليس ما ذكر مخالفا لكلام النحاة، ولو سلم أنها ليست بحالية فما ذكروه هنا على مصطلح أهل المعاني وهم لا يشترطون الشرط المذكور، حتى جوزوا أن يكون الاعتراض في آخر الكلام كما صرح به ابن هشام في المغني، مع أن الجملة الآتية مفسرة لما في الجملة الأولى فهي مرتبطة بها معنى، واشتراط الارتباط الإعرابي عند النحاة غير مسلم أيضا فتأمل. وجعل أبو البقاء جملة لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ على تقدير عطف الموصول على ما قبل حالا من الضمير في مِنْ بَعْدِهِمْ. وجوز الاستئناف، ولعله أراد بذلك الضمير المستقر في الجار والمجرور لا الضمير المجرور بالإضافة لفقد شرط مجيء الحال منه، وجوز على تقدير كون الموصول مبتدأ كون تلك الجملة خبرا وكونها حالا والخبر قوله تعالى: جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ والكثير على أنه استئناف لبيان نبئهم بِالْبَيِّناتِ بالمعجزات الظاهرة، فبين كل رسول منهم لأمته طريق الحق وهداهم إليه ليخرجهم من الظلمات إلى النور فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ أي أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقت به وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ أي على زعمكم، وهي البينات التي أظهروها حجة على صحة رسالتهم. ومرادهم بالكفر بها الكفر بدلالتها على صحة رسالتهم أو الكتب والشرائع، وحاصله أنهم أشاروا إلى جوابهم هذا كأنهم قالوا: هذا جوابنا لكم ليس عندنا غيره إقناطا لهم من التصديق، وهذا كما يقع في كلام المخاطبين أنهم يشيرون إلى أن هذا هو الجواب ثم يقررونه أو يقررونه ثم يشيرون بأيديهم إلى أن هذا هو الجواب، فضمير أَيْدِيَهُمْ وأَفْواهِهِمْ إلى الكفار، والأيدي على حقيقتها، والرد مجاز عن الإشارة وهي تحتمل المقارنة والتقدم والتأخر، وقال أبو صالح: المراد أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم مشيرين بذلك للرسل ﵈ أن يكفوا ويسكتوا عن كلامهم كأنهم قالوا: اسكتوا فلا ينفعكم الإكثار ونحن مصرون على الكفر لا نقلع عنه. فكم أنا لا أصغي وأنت تطيل. فالضميران للكفار أيضا وسائر ما في النظم على حقيقته. وأخرج ابن المنذر والطبراني والحاكم وصححه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أن المراد أنهم عضوا أيديهم غيظا من شدة نفرتهم من رؤية الرسل وسماع كلامهم، فالضميران أيضا كما تقدم، واليد والفم على حقيقتهما، والرد كناية عن العض، ولا ينافي الحقيقة كون المعضوض الأنامل كما في قوله تعالى: عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ [آل عمران: ١١٩] فإن من عض موضعا من اليد يقال حقيقة إنه عض اليد، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد أنهم وضعوا أيديهم على أفواههم تعجبا مما جاء به الرسل ﵈، وهذا كما يضع من غلبه الضحك يده على فيه، فالضميران وسائر ما في النظم كما في القول الثاني، وجوز أن يرجع الضمير في أَيْدِيَهُمْ إلى الكفار وفي أَفْواهِهِمْ إلى الرسل ﵈، وفيه احتمالان: الأول أنهم أشاروا بأيديهم إلى أفواه الرسل ﵈ أن اسكتوا، والآخر أنهم وضعوا أيديهم على أفواه الرسل ﵈ منعا لهم من الكلام. وروي هذا عن الحسن، والكلام يحتمل أن يكون حقيقة ويحتمل أن يكون استعارة تمثيلية بأن يراد برد أيدي القوم إلى أفواه الرسل ﵈ عدم قبول كلامهم واستماعه مشبها بوضع اليد على فم المتكلم لإسكاته. وظاهر ما في البحر يقتضي أنه حقيقة حيث قال: إن ذلك أبلغ في الرد وأذهب في الاستطالة على الرسل ﵈ والنيل منهم، وأن يكون الضمير في أَيْدِيَهُمْ للكفار وضمير أَفْواهِهِمْ للرسل ﵈. والأيدي جمع يد بمعنى النعمة أي ردوا نعم الرسل ﵈ التي هي أجل النعم من مواعظهم ونصائحهم وما أوحي إليهم من الشرائع والأحكام في أفواههم، ويكون ذلك مثلا لردها وتكذيبها بأن يشبه رد الكفار ذلك برد

стр. 2772

الكلام الخارج من الفم فقيل: ردوا أيديهم أي مواعظهم في أفواههم والمراد عدم قبولها، وقيل: المراد بالأيدي النعم والضمير الأول للرسل ﵈ أيضا لكن الضمير الثاني للكفار على معنى كذبوا ما جاؤوا به بأفواههم أي تكذيبا لا مستند له، وفِي بمعنى الباء، وقد أثبت الفراء مجيئها بمعناها وأنشد: وأرغب فيها (١) عن لقيط ورهطه ... ولكنني عن سنبس لست أرغب وضعف حمل الأيدي على النعم بأن مجيئها بمعنى ذلك قليل في الاستعمال حتى أنكره بعض أهل اللغة وإن كان الصحيح خلافه، والمعروف في ذلك الأيادي كما في قوله: سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت وبأن الرد والأفواه يناسب إرادة الجارحة، وقال أبو عبيدة الضميران للكفار والكلام ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا، والعرب تقول للرجل إذا سكت عن الجواب وأمسك رد يده في فيه، ومثله عن الأخفش. وتعقبه القتبي بأنا لم نسمع أحدا من العرب يقول رد فلان يده في فيه إذا سكت وترك ما أمر به، وفيه أنهما سمعا ذلك ومن سمع حجة على من لم يسمع، قال أبو حيان: وعلى ما ذكراه يكون ذلك من مجاز التمثيل كأن الممسك عن الجواب الساكت عنه وضع يده على فيه. ورده الطبري بأنه قد أجابوا بالتكذيب لأنهم قالوا: إِنَّا كَفَرْنا إلى آخره. وأجيب بأنه يحتمل أن يكون مراد القائل أنهم أمسكوا وسكتوا عن الجواب المرضي الذي يقتضيه مجيء الرسل ﵈ إليهم بالبينات وهو الاعتراف والتصديق، وقال ابن عطية: الضميران للكفار ويحتمل أن يتجوز في الأيدي ويراد منها ما يشمل أنواع المدافعة، والمعنى ردوا جميع مدافعتهم في أفواههم أي إلى ما قالوا بأفواههم من التكذيب، وحاصله أنهم لم يجدوا ما يدفعون به كلام الرسل ﵈ سوى التكذيب المحض، وعبر عن جميع المدافعة بالأيدي إذ هي موضع أشد المدافعة والمرادة. وقيل: المراد أنهم جعلوا أيديهم في محل ألسنتهم على معنى أنهم آذوا الرسل ﵈ بألسنتهم نحو الإيذاء بالأيدي، والذي يطابق المقام وتشهد له بلاغة التنزيل هو الوجه الأول، ونص غير واحد على أنه الوجه القوي لأنهم لما حاولوا الإنكار على الرسل ﵈ كل الإنكار جمعوا في الإنكار بين الفعل والقول، ولذا أتى بالفاء تنبيها على أنهم لم يمهلوا بل عقبوا دعوتهم بالتكذيب وصدروا الجملة بإن، ويلي ذلك على ما في الكشف الوجه الثاني ولا يخفى ما في أكثر الوجوه الباقية فتأمل وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ عظيم مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ من الإيمان والتوحيد، وبهذا وتفسير بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ بما ذكر أولا يندفع ما يتوهم من المنافاة بين جزمهم بالكفر وشكهم هذا، وقيل في دفع ذلك على تقدير كون متعلقي الكفر والشك واحدا: إن الواو بمعنى أو أي أحد الأمرين لازم وهو أنا كفرنا جزما بما أرسلتم به فإن لم نجزم فلا أقل من أن نكون شاكين فيه وأيا ما كان فلا سبيل إلى الإقرار والتصديق، وقيل: إن الكفر عدم الإيمان عمن هو من شأنه- فكفرنا- بمعنى لم نصدق وبذلك فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وذلك لا ينافي الشك. وفي البحر أنهم بادروا أولا إلى الكفر وهو التكذيب المحض ثم أخبروا أنهم في شك وهو التردد كأنهم نظروا بعض نظر اقتضى أن انتقلوا من التكذيب المحض إلى التردد أو هما قولان من طائفتين طائفة بادرت بالتكذيب والكفر وأخرى شكت، والشك في مثل ما جاءت به الرسل ﵈ كفر، وهذا أولى من قرينه. وقرأ طلحة «مما تدعونا» بإدغام نون الرفع في نون الضمير كما تدغم في نون الوقاية في نحو أتحاجوني.

стр. 2773

مُرِيبٍ أي موقع في الريبة من أرابني بمعنى أوقعني في ريبة أو ذي ريبة من أراب صار ذا ريبة، وهي قلق النفس وعدم اطمئنانها بالشيء، وهو صفة توكيدية قالَتْ رُسُلُهُمْ استئناف مبني على سؤال ينساق إليه المقام كأنه قيل: فماذا قالت لهم رسلهم حين قابلوهم بما قابلوهم به؟ فأجيب بأنهم قالوا منكرين عليهم ومتعجبين من مقالتهم الحمقاء: أَفِي اللَّهِ شَكٌّ بتقديم الظرف وإدخال الهمزة عليه للإيذان بأن مدار الإنكار ليس نفس الشك بل وقوعه فيمن لا يكاد يتوهم فيه الشك أصلا، ولولا هذا القصد لجاز تقديم المبتدأ، والقول بأنه ليس كذلك خطأ لأن وقوع النكرة بعد الاستفهام مسوغ للابتداء بها وهو مما لا شك فيه، وكون ذلك المؤخر مبتدأ غير متعين بل الأرجح كونه فاعلا بالظرف المعتمد على الاستفهام كما ستعلم إن شاء الله تعالى، والكلام على تقدير مضاف على ما قيل أي أفي وحدانية الله تعالى شك، بناء على أن المرسل إليهم لم يكونوا دهرية منكرين للصانع بل كانوا عبدة أصنام، وقيل: يقدر في شأن الله ليعلم الوجود والوحدة لأن فيهم دهرية ومشركين. وقيل: يقدر حسب المخاطبين وتقدير الشأن مطلقا ذو شأن، وفي عدم تطبيق الجواب على كلام الكفرة بأن يقولوا: أأنتم في شك مريب من الله تعالى مبالغة في تنزيه ساحة الجلال عن شائبة الشك وتسجيل عليهم بسخافة العقول أي أفي شأنه تعالى شأنه من وجوده ووحدته ووجوب الإيمان به وحده شك ما وهو أظهر من كل ظاهر وأجلى من كل جلي حتى تكونوا من قبله سبحانه في شك عظيم مريب، وحيث كان مقصدهم الأقصى الدعوة إلى الإيمان والتوحيد وكان إظهار البينات وسيلة إلى ذلك لم يتعرضوا للجواب عن قولهم: إِنَّا كَفَرْنا إلى آخره واقتصروا على بيان ما هو الغاية القصوى، وقد يقال: إنهم ﵈ قد اقتصروا على إنكار ما ذكر لأنه يعلم منه إنكار وقوع الجزم بالكفر به سبحانه من باب أولى. فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي مبدعهما وما فيهما من المصنوعات على نظام أنيق شاهد بتحقق ما أنتم في شك منه. وفي الآية- كما قيل- إشارة إلى دليل التمانع. وجر فاطِرِ على أنه بدل من الاسم الجليل أو صفة له. وحيث كان «شك» فاعلا بالظرف وهو كالجزء من عامله لا يعد أجنبيا فليس هناك فصل بين التابع والمتبوع بأجنبي وبهذا رجحت الفاعلية على المبتدئية لأن المبتدأ ليس كذلك. نعم إلى الابتدائية ذهب أبو حيان وقال: إنه لا يضر الفصل بين الموصوف وصفته بمثل هذا المبتدأ فيجوز أن تقول: في الدار زيد الحسنة وإن كان أصل التركيب في الدار الحسنة زيد. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما «فاطر» نصبا على المدح. ثم إنه بعد أن أشير إلى الدليل الدال على تحقق ما هم في شك منه نبه على عظم كرمه ورحمته تعالى فقيل: يَدْعُوكُمْ أي إلى الإيمان بإرساله إيانا لا أنا ندعوكم إليه من تلقاء أنفسنا كما يوهم قولكم مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ لِيَغْفِرَ لَكُمْ بسببه، فالمدعو إليه غير المغفرة. وتقدير الإيمان لقرينة ما سبق. ويحتمل أن يكون المدعو إليه المغفرة لا لأن اللام بمعنى إلى فإنه من ضيق العطن بل لأن معنى الاختصاص ومعنى الانتهاء كلاهما واقعان في حاق الموقع فكأنه قيل: يدعوكم إلى المغفرة لأجلها لا لغرض آخر. وحقيقته أن الأغراض غايات مقصودة تفيد معنى الانتهاء وزيادة قاله: في الكشف، وهذا نظير قوله: دعوت لما نابني مسورا ... فلبى (١) فلبى يدي مسور

стр. 2774

مِنْ ذُنُوبِكُمْ أي بعضها وهو ما عدا المظالم وحقوق العباد على ما قيل، وهو مبني على أن الإسلام إنما يرفع ما هو من حقوق الله تعالى الخالصة له دون غيره، والذي صححه المحدثون في شرح ما صح من قوله ﷺ : «إن الإسلام يهدم ما قبله» أنه يرفع ما قبله مطلقا حتى المظالم وحقوق العباد، وأيد ذلك بظاهر قوله تعالى في آية أخرى: يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ [آل عمران: ٣١، الأحزاب: ٧١] بدون من، ومِنْ هنا ذهب أبو عبيدة. والأخفش إلى زيادة مِنْ فيما هي فيه، وجمهور البصريين لا يجوزون زيادتها في الموجب ولا إذا جرت المعرفة كما هنا فلا يتأتى التوفيق بذلك بين الآيتين، وجعلها الزجاج للبيان ويحصل به التوفيق، وقيل: هي للبدل أي ليغفر لكم بدل ذنوبكم ونسب للواحدي. وجوز أيضا أن تكون للتبعيض ويراد من البعض الجميع توسعا. ورد الإمام الأول بأن مِنْ لا تأتي للبدل، والثاني بأنه عين ما نقل عن أبي عبيدة. والأخفش وهو منكر عند سيبويه والجمهور وفيه نظر ظاهر، ولو قال: إن استعمال البعض في الجميع مسلم وأما استعمال من التبعيضية في ذلك فغير مسلم لكان أولى. وفي البحر يصح التبعيض ويراد بالبعض ما كان قبل الإسلام وذلك لا ينافي الحديث وتكون الآية وعدا بغفران ما تقدم لا بغفران ما يستأنف ويكون ذاك مسكوتا عنه باقيا تحت المشيئة في الآية والحديث، ونقل عن الأصم القول بالتبعيض أيضا على معنى إنكم إذا آمنتم يغفر لكم الذنوب التي هي الكبائر وأما الصغائر فلا حاجة إلى غفرانها لأنها في نفسها مغفورة، واستطيب ذلك الطيبي قال: والذي يقتضيه المقام هذا لأن الدعوة عامة لقوله سبحانه: قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ كأنه قيل: أيها الشاكون الملوثون بأوضار الشرك والمعاصي إن الله تعالى يدعوكم إلى الإيمان والتوحيد ليطهركم من أخباث أنجاس الذنوب فلا وجه للتخصيص أي بحقوق الله تعالى الخالصة له، وقد ورد إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ [الأنفال: ٣٨] و «ما» للعموم سيما في الشرط، ومقام الكافر عند ترغيبه في الإسلام بسط لا قبض، والكفار إذا أسلموا إنما اهتمامهم في الشرك ونحوه لا في الصغائر، ويؤيده ما روي أن أهل مكة قالوا: يزعم محمد أن من عبد الأوثان وقتل النفس التي حرم الله تعالى لم يغفر له فكيف ولم نهاجر وعبدنا الأوثان وقتلنا النفس التي حرم الله تعالى فنزلت قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ [الزمر: ٥٣] الآية، وقصة وحشي مشهورة، وجرح ذلك القاضي فقال: إن الأصم قد أبعد في هذا التأويل لأن الكفار صغائرهم ككبائرهم في أنها لا تغفر وإنما تكون الصغيرة مغفورة من الموحدين من حيث إنه يزيد ثوابهم على عقابها وأما من لا ثواب له أصلا فلا يكون شيء من ذنوبه صغيرا ولا يكون شيء منها مغفورا، ثم قال: وفي ذلك وجه آخر وهو أن الكافر قد ينسى بعض ذنوبه في حال توبته وإيمانه فلا يكون المغفور إلا ما ذكره وتاب منه اه. ولو سمع الأصم هذا التوجيه لأخذ ثأره من القاضي فإنه لعمري توجيه غير وجيه ولو أن أحدا سخم وجه القاضي لسخمت وجهه، وقال الزمخشري: إن الاستقراء في الكافرين أن يأتي مِنْ ذُنُوبِكُمْ وفي المؤمنين ذُنُوبِكُمْ وكان ذلك للتفرقة بين الخطابين ولئلا يسوي في الميعاد بين الفريقين. وحاصله على ما في الكشف أن ليس مغفرة بعض الذنوب للدلالة على أن بعضا آخر لا يغفر فإنه من قبيل دلالة مفهوم اللقب ولا اعتداد به، كيف وللتخصيص فائدة أخرى هي التفرقة بين الخطابين بالتصريح بمغفرة الكل وإبقاء البعض في حق الكفرة مسكوتا عنه لئلا يتكلوا على الإيمان. وفيه أيضا أن هذا معنى حسن لا تكلف فيه. واعترض ابن الكمال بأن حديث التفرقة إنما يتم لو لم يجىء خطاب على العموم وقد جاء كذلك في سورة الأنفال في قوله سبحانه: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ وأجيب بأن هذا غير وارد إذ المراد التفرقة فيما ذكر فيه صيغة ويغفر ذنوبكم لا مطلق ما كان بمعناه ولذا أسند الأمر إلى الاستقراء، ومثل الزمخشري لا يخفى عليه

стр. 2775

ما أورد ولا يلزم رعاية هذه النكتة في جميع المواد، وذكر البيضاوي في وجه التفرقة بين الخطابين ما حاصله لعل المعنى في ذلك أنها لما ترتبت المغفرة في خطاب الكفرة على الإيمان لزم فيه مِنْ التبعيضية لإخراج المظلم لأنها غير مغفورة، وأما في خطاب المؤمنين فلما ترتبت على الطاعة واجتناب المعاصي التي من جملتها المظالم لم يحتج إلى مِنْ لإخراجها لأنها خرجت بما رتبت عليه، وهو مبني على خلاف ما صححه المحدثون، وينافيه ما ذكره في تفسير مِنْ ذُنُوبِكُمْ في سورة نوح ﵇ ومع ذا أورد عليه قوله تعالى: يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ [نوح: ٢- ٤] حيث ذكرت مِنْ مع ترتيب المغفرة على الطاعة واجتناب المعاصي الذي أفاده اتقوا وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [الصف: ١٠] الآية لعدم ذكر مِنْ مع ترتبها على الإيمان، والجواب بأنه لا ضير إذ يكفي ترتيب ذلك على الإيمان في بعض المواد فيحمل مثله على أن القصد إلى ترتيبه عليه وحده بقرينة ذلك البعض وما ذكر معه يحمل على الأمر به بعد الإيمان أدنى من أن يقال فيه ليس بشيء، وبالجملة توجيه الزمخشري أوجه مما ذكره البيضاوي فتأمل وتذكر. وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى وقت سماه الله تعالى وجعله منتهى أعماركم على تقدير الإيمان ولا يعاجلكم بعذاب الاستئصال، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يمتعكم في الدنيا باللذات والطيبات إلى الموت، ولا يلزم مما ذكر القول بتعدد الأجل كما يزعمه المعتزلة، وقد مر تحقيق ذلك قالُوا استئناف كما سبق آنفا إِنْ أَنْتُمْ ما أنتم إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا من غير فضل يؤهلكم لما تدعون من الرسالة. والزمخشري تهالك في مذهبه حتى اعتقد أن الكفار كانوا يعتقدون تفضيل الملك تُرِيدُونَ صفة ثانية- لبشر- حملا على المعنى كقوله تعالى: أَبَشَرٌ يَهْدُونَنا [التغابن: ٦] أو كلام مستأنف أي تريدون بما أنتم عليه من الدعوة والإرشاد أَنْ تَصُدُّونا بما تدعونا إليه من التوحيد وتخصيص العبادة بالله تعالى عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا عما استمر على عبادته آباؤنا من غير شيء يوجبه. وقرأ طلحة «أن تصدونّا» بتشديد النون، وخرج على جعل أن مخففة من الثقيلة وتقدير فاصل بينها وبين الفعل أي إنه قد تصدونا، وقد جاء مثل ذلك في قوله: علموا أن يؤملون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل والأولى أن يخرج على أن إِنْ هي الثنائية التي تنصب المضارع لكنها لم تعمل كما قيل: في قوله تعالى: لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: ٢٣٣] في قراءة الرفع حملا لها على أختها ما المصدرية كما عملت ما حملا عليها فيما ذكره بعضهم في قولهم: أن تقرءان على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تشعرا أحدا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ أي إن لم يكن الأمر كما قلنا بل كنتم رسلا من قبله تعالى كما تدعون فأتونا بما يدل على صحة ما تدعونه من الرسالة حتى نترك ما لم نزل نعبده أبا عن جد، أو على فضلكم واستحقاقكم لتلك المرتبة. قال ابن عطية: إنهم استبعدوا إرسال البشر فأرادوا حجة عليه، وقيل: بل إنهم اعتقدوا محاليته وذهبوا مذهب البراهمة وطلبوا الحجة على جهة التعجيز أي بعثكم محال وإلا فأتوا بسلطان مبين أي إنكم لا تفعلون ذلك أبدا. وهو خلاف الظاهر، وهذا الطلب كان بعد إتيانهم ﵈ لهم من الآيات الظاهرة والبينات الباهرة ما تخر له الجبال الصنم أقدمهم عليه العناد والمكابرة قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ مجاراة لأول مقالتهم: إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ كما تقولون وهذا كالقول بالموجب لأن فيه أطماعا في الموافقة ثم كر إلى جانبهم بالإبطال بقولهم ﵈: وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي إنما اختصنا الله تعالى بالرسالة بفضل منه سبحانه وامتنان، والبشرية غير مانعة

стр. 2776

لمشيئته جل وعلا، وفيه دليل على أن الرسالة عطائية وأن ترجيح بعض الجائزات على بعض بمشيئته تعالى، ولا يخفى ما في العدول عن ولكن الله من علينا إلى ما في النظم الجليل من التواضع منهم ﵈، وقيل: المعنى ما نحن من الملائكة بل نحن بشر مثلكم في الصورة أو في الدخول تحت الجنس ولكن الله تعالى يمن على من يشاء بالفضائل والكمالات والاستعدادات التي يدور عليها فلك الاصطفاء للرسالة، وفي هذا ذهاب إلى قول بعض حكماء الإسلام: إن الإنسان لو لم يكن في نفسه وبدنه مخصوصا بخواص شريفة علوية قدسية فإنه يمتنع عقلا حصول صفة النبوة فيه، وأجابوا عن عدم ذكر المرسلين ﵈ فضائلهم النفسانية والبدنية بأنه من باب التواضع كاختيار العموم، والحق منع الامتناع العقلي وإن كانوا ﵈ جميعا لهم مزايا وخواص مرجحة لهم على غيرهم، وإنما قيل لهم كما قيل لاختصاص الكلام بهم حيث أريد إلزامهم بخلاف ما سلف من إنكار وقوع الشك فيه تعالى فإنه عام وإن اختص بهم ما يعقبه وَما كانَ لَنا أي ما صح وما استقام أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ أي بحجة ما من الحجج فضلا عن السلطان المبين الذي اقترحتموه بشيء من الأشياء وسبب من الأسباب إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فإنه أمر يتعلق بمشيئته تعالى إن شاء كان وإلا فلا وَعَلَى اللَّهِ وحده دون ما عداه مطلقا فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ في الصبر على معاندتكم ومعاداتكم، عمموا الأمر للإشعار بما يوجب التوكل من الإيمان وقصدوا به أنفسهم قصدا أوليا، ويدل على ذلك قولهم: وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ ومحل الخلاف في دخول المتكلم في عموم كلامه حيث لم يعلم دخوله فيه بالطريق الأولى أو تقم عليه قرينة كما هنا. واحتمال أن يراد بالمؤمنين أنفسهم وما لَنا التفات لا التفات إليه، والجمع بين الواو والفاء تقدم الكلام فيه (١) و «ما» استفهامية للسؤال عن السبب والعذر وأن على تقدير حرف الجر أي أي عذر لنا في عدم التوكل عليه تعالى، والإظهار لإظهار النشاط بالتوكل عليه جل وعلا والاستلذاذ باسمه تعالى وتعليل التوكل وَقَدْ هَدانا أي والحال أنه سبحانه قد فعل بنا ما يوجب ذلك ويستدعيه حيث هدانا سُبُلَنا أي أرشد كلا منا سبيله ومنهاجه الذي شرع له وأوجب عليه سلوكه في الدين. وقرأ أبو عمرو «سبلنا» بسكون الباء، وحيث كانت أذية الكفار مما يوجب القلق والاضطراب القادح في التوكل قالوا على سبيل التوكيد القسمي مظهرين لكمال العزيمة. وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وما مصدرية أي اذائكم إيانا بالعناد واقتراح الآيات وغير ذلك مما لا خير فيه، وجوزوا أن تكون موصولة بمعنى الذي والعائد محذوف أي الذي آذيتموناه، وكان الأصل آذيتمونا به فهل حذف به أو الباء ووصل الفعل إلى الضمير؟ قولان وَعَلَى اللَّهِ خاصة فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أي فليثبت المتوكلون على ما أحدثوه من التوكل، والمراد بهم المؤمنون، والتعبير عنهم بذلك لسبق اتصافهم به، وغرض المرسلين من ذلك نحو غرضهم مما تقدم وربما يتجوز في المسند إليه. فالمعنى وعليه سبحانه فليتوكل مريدو التوكل لكن الأول أولى. وقرأ الحسن بكسر لام الأمر في ليتوكل وهو الأصل هذا، وذكر بعضهم أن من خواص هذه الآية دفع أذى البرغوث. فقد أخرج المستغفري في الدعوات عن أبي ذر عن النبي ﷺ قال: «إذا آذاك البرغوث فخذ قدحا من ماء واقرأ عليه سبع مرات وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ الآية وتقول: إن كنتم مؤمنين فكفوا شركم وأذاكم عنا ثم ترشه حول فراشك فإنك تبيت آمنا من شرها» . وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أبي الدرداء مرفوعا نحو ذلك إلا أنه ليس فيه «إن كنتم مؤمنين فكفوا

стр. 2777

شركم وأذاكم عنا» ولم أقف على صحة الخبر ولم أجرب ذلك إذ ليس للبرغوث ولع بي والحمد لله تعالى، وأظن أن ذلك لملوحة الدم كما أخبرني به بعض الأطباء والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا قيل: لعل هؤلاء القائلين بعض المتمردين في الكفر من أولئك الأمم الكافرة التي نقلت مقالاتهم الشنيعة دون جميعهم كقوم شعيب وأضرابهم ولذلك لم يقل: وقالوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا وجوز أن يكون المراد بهم أهل الحل والعقد الذين لهم قدرة على الإخراج والإدخال، ويكون ذلك علة للعدول عن قالوا أيضا، وأَوْ لأحد الأمرين، ومرادهم ليكونن أحد الأمرين إخراجكم أو عودكم، فالمقسم عليه في وسع المقسم، والقول بأنها بمعنى حتى أو إلا أن قول من لم يمعن النظر كما في البحر فيما بعدها إذ لا يصح تركيب ذلك مع ما ذكر كما يصح في لألزمنك أو تقضيني حقي، والمراد من العود الصيرورة والانتقال من حال إلى أخرى وهو كثير الاستعمال بهذا المعنى، فيندفع ما يتوهم من أن العود يقتضي أن الرسل ﵈ كانوا وحاشاهم في ملة الكفر قبل ذلك. واعترض في الفرائد بأنه لو كان العود بمعنى الصيرورة لقيل إلى ملتنا فتعديته بفي يقتضي أنه ضمن معنى الدخول أي لتدخلن في ملتنا. ورده الطيبي بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان فِي مِلَّتِنا صلة الفعل أما إذا جعل خبرا له لأن صار من أخوات كان فلا يرد كما في نحو صار زيد في الدار. نعم يفهم مما ذكره وجه آخر وهو جعله مجازا بمعنى تدخلن لا تضمينا لأنه على ما قرروه يقصد فيه المعنيان فلا يدفع المحذور. وفي الكشف أن فِي أبلغ من إلى لدلالته على الاستقرار والتمكن كأنهم لم يرضوا بأن يتظاهروا أنهم من أهل ملتهم، وقيل: المراد من العود في ملتهم سكوتهم عنهم وترك مطالبتهم بالإيمان وهو كما ترى، وقيل: هو على معناه المتبادر والخطاب لكل رسول ولمن آمن معه من قومه فغلبوا الجماعة على الواحد، فإن كان الجماعة حاضرين فالأمر ظاهر وإلا فهناك تغليب آخر في الخطاب، وقيل: لا تغليب أصلا والخطاب للرسل وحدهم بناء على زعمهم أنهم كانوا من أهل ملتهم قبل إظهار الدعوة كقول فرعون عليه اللعنة لموسى ﵇: وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ [الشعراء: ١٩] وقد مر الكلام في مثل ذلك فتذكر فَأَوْحى إِلَيْهِمْ أي إلى الرسل ﵈ بعد ما قيل لهم ما قيل رَبُّهُمْ مالك أمرهم سبحانه لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ أي المشركين المتناهين في الظلم وهم أولئك القائلون، وقال ابن عطية: خص سبحانه الظالمين من الذين كفروا إذ جائز أن يؤمن من الكفرة الذين قالوا تلك المقالة ناس فالتوعد بإهلاك من خلص للظلم، و «أوحى» يحتمل أن يكون بمعنى فعل الإيحاء فلا مفعول له ولَنُهْلِكَنَّ على إضمار القول أي قائلا لنهلكن، ويحتمل أن يكون جاريا مجرى القول لكونه ضربا منه ولَنُهْلِكَنَّ مفعوله وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ أي أرضهم وديارهم، فاللام للعهد وعند بعض عوض عن المضاف إليه مِنْ بَعْدِهِمْ أي من بعد إهلاكهم، وأقسم في مقابلة قسمهم، والظاهر أن ما أقسم عليه جل وعلا عقوبة لهم على قولهم: لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا وفي ذلك دلالة على مزيد شناعة ما أتوا به حيث إنهم لما أرادوا إخراج المخاطبين من ديارهم جعل عقوبته إخراجهم من دار الدنيا وتوريث أولئك أرضهم وديارهم، وفي الحديث «من آذى جاره أورثه الله تعالى داره» وقرأ أبو حيوة «ليهلكن الظالمين وليسكننكم الأرض» بياء الغيبة اعتبارا- لأوحى- كقولك: أقسم زيد ليخرجن ذلِكَ إشارة إلى الموحى به وهو إهلاك الظالمين وإسكان المخاطبين ديارهم، وبذلك الاعتبار وحد اسم الإشارة مع أن المشار إليه اثنان فلا حاجة إلى جعله من قبيل عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [البقرة: ٦٨] وإن صح أي ذلك الأمر محقق ثابت. لِمَنْ خافَ مَقامِي أي موقفي الذي يقف به العباد بين يدي للحساب يوم القيامة، وإلى هذا ذهب الزجاج

стр. 2778

فالمقام اسم مكان وإضافته إلى ضميره تعالى لكونه بين يديه سبحانه، وقال الفراء: هو مصدر ميمي أضيف إلى الفاعل أي خاف قيامي عليه بالحفظ لأعماله ومراقبتي إياه، وقيل: المراد إقامتي على العدل والصواب وعدم الميل عن ذلك. وقيل: لفظ مقام مقحم لأن الخوف من الله تعالى أي لمن خافني وَخافَ وَعِيدِ أي وعيدي بالعذاب فياء المتكلم محذوفة للاكتفاء بالكسرة عنها في غير الوقف. والوعيد على ظاهره ومتعلقه محذوف، وجوز أن يكون مصدرا من الوعد على وزن فعيل وهو بمعنى اسم المفعول أي عذابي الموعود للكفار: وفيه استعارة الوعد للإيعاد، والمراد بمن خاف على ما أشير إليه في الكشاف المتقون، ووقوع ذلك إلى آخره بعد وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ موقع وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ في قصة موسى ﵇ حيث قال لقومه: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [الأعراف: ١٢٨] وَاسْتَفْتَحُوا أي استنصروا الله تعالى على أعدائهم كقوله تعالى: إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ [الأنفال: ١٩] ويجوز أن يكون من الفتاحة أي الحكومة أي استحكموا الله تعالى وطلبوا منه القضاء بينهم كقوله تعالى: رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ [الأعراف: ٨٩] والضمير المرسل ﵈ كما روي عن قتادة وغيره، والعطف على فَأَوْحى ويؤيد ذلك قراءة ابن عباس. ومجاهد وابن محيصن «واستفتحوا» بكسر التاء أمرا للرسل ﵈ معطوفا على «ليهلكن» فهو داخل تحت الموحى، والواو من الحكاية دون المحكي، وقيل: ما قبله لإنشاء الوعد فلا يلزم عطف الإنشاء على الخبر مع أن مذهب بعضهم تجويزه، وأخر على القراءتين عن قوله تعالى: لَنُهْلِكَنَّ أو- أوحى إليهم- على ما في الكشف دلالة على أنهم لم يزالوا داعين إلى أن تحقق الموعود من إهلاك الظالمين، وذلك لأن لَنُهْلِكَنَّ وعد وإنما حقيقة الإجابة حين الإهلاك، وليس من تفويض الترتيب إلى ذهن السامع في شيء ولا ذلك من مقامه كما توهم. وقال ابن زيد: الضمير للكفار والعطف حينئذ على قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أي قالوا ذلك واستفتحوا على نحو ما قال قريش: عَجِّلْ لَنا قِطَّنا [ص: ١٦] وكأنهم لما قوي تكذيبهم وأذاهم ولم يعاجلوا بالعقوبة ظنوا أن ما قيل لهم باطل فاستفتحوا على سبيل التهكم والاستهزاء كقول قوم نوح: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا [هود: ٣٢] وقوم شعيب فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً [الشعراء: ١٨٧] إلى غير ذلك، وقيل: الضمير للرسل ﵈ ومكذبيهم لأنهم كانوا كلهم سألوا الله تعالى أن ينصر المحق ويهلك المبطل، وجعل بعضهم العطف على فَأَوْحى على هذا أيضا بل ظاهر كلام بعض أن العطف عليه على القراءة المشهورة مطلقا، وسيأتي إن شاء الله تعالى احتمال آخر في الضمير ذكره الزمخشري. وَخابَ أي خسر وهلك كُلُّ جَبَّارٍ متكبر عن عبادة الله تعالى وطاعته، وقال الراغب: الجبار في صفة الإنسان يقال لمن يجبر نقيصته بادعاء منزلة من التعالي لا يستحقها، ولا يقال إلا على طريق الذم عَنِيدٍ معاند للحق مباه بما عنده، وجاء فعيل بمعنى مفاعل كثيرا كخليط بمعنى مخالط ورضيع بمعنى مراضع، وذكر أبو عبيدة إن اشتقاق ذلك من العند وهو الناحية، ولذا قال مجاهد: العنيد مجانب الحق، قيل: والوصف الأول إشارة إلى ذمه باعتبار الخلق النفساني والثاني إلى ذمة باعتبار الأثر الصادر عن ذلك الخلق وهو كونه مجانبا منحرفا عن الحق، وفي الكلام إيجاز الحذف بحذف الفاء الفصيحة والمعطوف عليه أي استفتحوا ففتح لهم وظفروا بما سألوا وأفلحوا وخاب كل جبار عنيد وهم قومهم المعاندون فالخيبة بمعنى مطلق الحرمات دون الحرمان عن المطلوب أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعمون أنهم على الحق، هذا إذا كان ضمير اسْتَفْتَحُوا للرسل ﵈، وأما إذا كان للكفار فالعطف كما في البحر على اسْتَفْتَحُوا أي استفتح الكفار على الرسل ﵈ وخابوا ولم يفلحوا، وإنما وضع كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ موضع ضميرهم ذما لهم وتسجيلا عليهم بالتجبر والعناد لا أن بعضهم ليسوا كذلك ولم تصبهم الخيبة، ويقدر إذا كان الضمير للرسل ﵈ وللكفرة استفتحوا جميعا فنصر الرسل وخاب كل عات متمرد، والخيبة

стр. 2779

على الوجهين بمعنى الحرمان غب الطلب، وفي إسناد الخيبة إلى كل منهم ما لا يخفى من المبالغة مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ أي من قدامه وبين يديه كما قال الزجاج. والطبري. وقطرب. وجماعة، وعلى ذلك قوله (١) : أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليها الأصابع ومعنى كونها قدامه أنه مرصد لها واقف على شفيرها ومبعوث إليها، وقيل: المراد من خلف حياته وبعدها، ومن ذلك قوله: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب وإليه ذهب ابن الأنباري، واستعمال «وراء» في هذا وذاك بناء على أنها من الأضداد عند أبي عبيدة. والأزهري فهي من المشتركات اللفظية عندهما. وقال جماعة: إنها من المشتركات المعنوية فهي موضوعة لأمر عام صادق على القدام والخلف وهو ما توارى عنك. وقد تفسر بالزمان مجازا فيقال: الأمر من ورائك على معنى أنه سيأتيك في المستقبل من أوقاتك وَيُسْقى قيل عطف على متعلق مِنْ وَرائِهِ المقدر، والأكثر على أنه عطف على مقدر جوابا عن سؤال سائل كأنه قيل: فماذا يكون اذن؟ فقيل: يلقى فيها ما يلقى ويسقى مِنْ ماءٍ مخصوص لا كالمياه المعهودة صَدِيدٍ قال مجاهد. وقتادة. والضحاك هو ما يسيل من أجساد أهل النار، وقال محمد بن كعب. والربيع. ما يسيل من فروج الزناة والزواني، وعن عكرمة هو الدم والقيح وأعربه الزمخشري عطف بيان لماء. وفي إبهامه أولا ثم بيانه من التهويل ما لا يخفى، وجواز عطف البيان في النكرات مذهب الكوفيين. والفارسي، والبصريون لا يرونه وعلى مذهبهم هو بدل من ماءٍ ان اعتبر جامدا أو نعت إن اعتبر فيه الاشتقاق من الصد أي المنع من الشرب كأن ذلك الماء لمزيد قبحه مانع عن شربه، وفي البحر قيل: إنه بمعنى مصدود عنه أي لكراهته يصد عنه، وإلى كونه نعتا ذهب الحوفي وكذا ابن عطية قال: وذلك كما تقول: هذا خاتم حديد، وإطلاق الماء على ذلك ليس بحقيقة وإنما أطلق عليه باعتبار أنه بدله، وقال بعضهم: هو نعت على إسقاط مفيد التشبيه كما تقول مررت برجل أسد، والتقدير مثل صديد وعلى هذا فاطلاق الماء عليه حقيقة، وبالجملة تخصيص السقي من هذا الماء بالذكر من بين عذابها يدل على أنه من أشد أنواعه يَتَجَرَّعُهُ جوز أبو البقاء كونه صفة لماء أو حالا منه أو استئنافا. وجوز أبو حيان كونه حالا من ضمير يُسْقى والاستئناف أظهر وهو مبني على سؤال كأنه قيل: فماذا يفعل به؟ فقيل: يتجرعه أي يتكلف جرعه مرة بعد أخرى لغلبة العطش واستيلاء الحرارة عليه وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ أي لا يقارب أن يسيغه فضلا عن الاساغة بل يغص به فيشربه بعد اللتيا والتي جرعة غب جرعة فيطول عذابه تارة بالحرارة والعطش وأخرى بشربه على تلك الحالة فإن السوغ انحدار الماء انحدار الشراب في الحلق بسهولة وقبول نفس ونفيه لا يفيد نفي ما ذكر جميعا، وقيل: تفعل مطاوع فعل يقال: جرعه فتجرع وقيل: إنه موافق للمجرد أي جرعه كما تقول عدا الشيء، وتعداه، وقيل: الاساغة الإدخال في الجوف، والمعنى لا يقارب أن يدخله في جوفه قبل أن يشربه ثم شربه على حد ما قيل في قوله تعالى: فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ [البقرة: ٧١] أي ما قاربوا قبل الذبح، وعبر عن ذلك

стр. 2780

بالاساغة لما أنها المعهودة في الأشربة. أخرج أحمد. والترمذي. والنسائي. والحاكم وصحح. وغيرهم عن أبي أمامة عن النبي ﷺ أنه قال في الآية: يقرب إليه فيتكرهه فإذا أدنى منه شوى وجهه ووقعت فروة رأسه فإذا شربه قطع أمعاءه حتى يخرج من دبره يقول الله تعالى: وَسُقُوا ماءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ [محمد: ١٥] وقال سبحانه: وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ [الكهف: ٢٩] ، ويسيغه بضم الياء لأنه يقال: ساغ الشراب وأساغه غيره وهو الفصيح وإن ورد ثلاثيه متعديا أيضا على ما ذكره أهل اللغة، وجملة لا يَكادُ إلى آخره في موضع الحال من فاعل يتجرعه أو من مفعوله أو منهما جميعا وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ أي أسبابه من الشدائد وأنواع العذاب فالكلام على المجاز أو بتقدير مضاف مِنْ كُلِّ مَكانٍ أي من كل موضع، والمراد أنه يحيط به من جميع الجهات كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال إبراهيم التيمي: من كل مكان من جسده حتى من أطراف شعره وروي نحو ذلك عن ميمون بن مهران. ومحمد بن كعب، واطلاق المكان على الأعضاء مجاز، والظاهر أن هذا الإتيان في الآخرة. وقال الأخفش: أراد البلايا التي تصيب الكافر في الدنيا سماها موتا لشدتها. ولا يخفى بعده لأن سياق الكلام في أحوال الكافر في جهنم وما يلقى فيها وَما هُوَ بِمَيِّتٍ أي والحال أنه ليس بميت حقيقة كما هو الظاهر من مجيء أسبابه على أتم وجه فيستريح مما غشيه من أصناف الموبقات وَمِنْ وَرائِهِ أي من بين يدي من حكم عليه بما مر عَذابٌ غَلِيظٌ يستقبل كل وقت عذابا أشد وأشق مما كان قبله، وقيل: في وراء هنا نحو ما قيل فيما تقدم أمامه، وذكر هذه الجملة لدفع ما يتوهم من الخفة بحسب الاعتياد كما في عذاب الدنيا، وقيل: ضمير ورائه يعود على العذاب المفهوم من الكلام السابق لا على كل جبار، وروي ذلك عن الكلبي، والمراد بهذا العذاب قيل: الخلود في النار وعليه الطبرسي، وقال الفضيل: هو قطع الأنفاس وحبسها في الأجساد هذا، وجوز في الكشاف أن تكون هذه الآية- أعني قوله تعالى: وَاسْتَفْتَحُوا إلى هنا- منقطعة عن قصة الرسل ﵈ نازلة في أهل مكة طلبوا الفتح الذي هو المطر في سنينهم التي أرسلت عليهم بدعوة رسول الله ﷺ فخيب سبحانه رجاءهم ولم يسقهم ووعدهم أن يسنيهم في جهنم بدل سقياهم صديد أهل النار، والواو على هذا قيل: للاستئناف، وقيل: للعطف إما على قوله تعالى: وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ أو على خبر أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ لقربه لفظا ومعنى، والوجه الأول أوجه لبعد العهد وعدم قرينة تخصيص الاستفتاح بالاستمطار ولأن الكلام على ذلك التقدير يتناول أهل مكة تناولا أوليا فان المقصود من ضرب القصة أن يعتبروا مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ مبتدأ خبره محذوف أي فيما يتلى عليكم صفتهم التي هي في الغرابة كالمثل كما ذهب إليه سيبويه، وقوله سبحانه: أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ جملة مستأنفة لبيان مثلهم، ورجح ابن عطية كونه مبتدأ وهذه الجملة خبره، وتعقبه الحوفي بأنه لا يجوز لخلو الجملة عما يربطها بالمبتدأ وليست نفسه في المعنى لتستغني عن ذلك لظهور أن ليس المعنى مثلهم هذه الجملة. وأجاب عنه السمين بالتزام أنها نفسه لأن مثل الدين في تأويل ما يقال فيهم ويوصفون به إذا وصفوا فلا حاجة إلى الرابط كما في قولك: صفة زيد عرضه مصون وماله مبذول، قيل: ولا يخفى حسنه إلا أن المثل عليه بمعنى الصفة، والمراد بالصفة اللفظ الموصوف به كما يقال: صفة زيد أسمر أي اللفظ الذي يوصف به هو هذا، وهذا وإن كان مجازا على مجاز لكنه يغتفر لأن الأول ملحق بالحقيقة لشهرته وليس من الاكتفاء بعود الضمير على المضاف إليه لأن المضاف ذكر توطئة له فإن ذلك أضعف من بيت العنكبوت كما علمت. وذهب الكسائي. والفراء إلى أن مَثَلُ مقحم وتقدم ما عليه وله، وقال الحوفي: هو مبتدأ وكَرَمادٍ خبره وأعمالهم بدل من المبتدأ بدل اشتمال كما في قوله:

стр. 2781

ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا وفيه خفاء، ولعله اعتبر المضاف إليه. وفي الكشاف جواز كونه بدلا من مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا لكن على تقدير مثل أعمالهم فيكون التقدير مثل الذين كفروا مثل أعمالهم كرماد، قال في الكشف: وهو بدل الكل من الكل وذلك لأن مثلهم ومثل أعمالهم متحدان بالذات، وفيه تفخيم اه، وقيل: إنه على هذا التقدير أيضا بدل اشتمال لأن مثل أعمالهم كونها كرماد ومثلهم كون أعمالهم كرماد فلا اتحاد لكن الأول سبب للثاني فتأمل، والرماد معروف وعرفه ابن عيسى بأنه جسم يسحقه الإحراق سحق الغبار ويجمع على رمد في الكثرة وأرمدة في القلة وشذ جمعه على أفعلاء قالوا أرمداء كذا في البحر، وذكر في القاموس أن الأرمداء كالأربعاء الرماد ولم يذكر أنه جمع، والمراد بأعمالهم ما هو من باب المكارم كصلة الأرحام وعتق الرقاب وفداء الأسارى وقرى الأضياف واغاثة الملهوفين وغير ذلك، وقيل: ما فعلوه لأصنامهم من القرب بزعمهم، وقيل: ما يعم هذا وذاك ولعله الأولى، وجيء بالجملة على ما اختاره بعضهم جوابا لما يقال: ما بال أعمالهم التي عملوها حتى آل أمرهم إلى ذلك المآل؟ إذ بين فيها أنها كرماد اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ أي حملته وأسرعت الذهاب به فاشتد من شد بمعنى عدا، والباء للتعدية أو للملابسة، وجوز أن يكون من الشدة بمعنى القوة أي قويت بملابسة حمله فِي يَوْمٍ عاصِفٍ العصف اشتداد الريح وصف به زمان هبوبها على الإسناد المجازي كنهاره صائم وليله قائم للمبالغة، وقال الهروي: التقدير في يوم عاصف الريح فحذف الريح لتقدم ذكره كما في قوله: إذا جاء يوم مظلم الشمس كاسف (١) والتنوين على هذا عوض من المضاف إليه، وضعف هذا القول ظاهر، وقيل: إن عاصف صفة الريح إلا أنه جر على الجوار، وفيه أنه لا يصح وصف الريح به لاختلافهما تعريفا وتنكيرا، وقرأ نافع. وأبو جعفر «الرياح» على الجمع وبه يشتد فساد الوصفية، وقرأ ابن أبي اسحق. وإبراهيم بن أبي بكر عن الحسن فِي يَوْمٍ عاصِفٍ على الإضافة، وذلك عند أبي حيان من حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه والتقدير في يوم ريح عاصف، وقد يقال: إنه من إضافة الموصوف إلى الصفة من غير حاجة إلى حذف عند من يرى جواز ذلك لا يَقْدِرُونَ أي يوم القيامة مِمَّا كَسَبُوا في الدنيا من تلك الأعمال عَلى شَيْءٍ ما أي لا يرون له أثرا من ثواب أو تخفيف عذاب. ويؤيد التعميم ما ورد في الصحيح عن عائشة أنها قالت: يا رسول الله إن ابن جدعان في الجاهلية يصل الرحم ويطعم المسكين هل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه لأنه لم يقل ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين، وقيل: الكلام على حذف مضاف أي لا يقدرون من ثواب ما كسبوا على شيء ما والأول أولى، وقدم المتعلق الأول- للايقدرون- على الثاني وعكس في البقرة لأهمية كل في آيته وذلك ظاهر لمن له أدنى بصيرة، وحاصل التمثيل تشبيه أعمالهم في حبوطها وذهابها هباء منثورا لابتنائها على غير أساس من معرفة الله تعالى والإيمان به وكونها لوجهه برماد طيرته الريح العاصف وفرقته، وهذه الجملة فذلكة ذلك والمقصود منه، قيل: والاكتفاء بيان عدم رؤية الأثر لأعمالهم للأصنام مع أن لها عقوبات للتصريح ببطلان اعتقادهم وزعمهم أنها شفعاء لهم عند الله تعالى، وفيه تهكم بهم ذلِكَ أي ما دل عليه التمثيل دلالة واضحة من ضلالهم مع حسبانهم أنهم على شيء هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ عن طريق الحق والصواب، وقد تقدم تمام الكلام في ذلك غير بعيد. أَلَمْ تَرَ خطاب للرسول ﷺ والمراد به أمته الذين بعث إليهم، وقيل: خطاب لكل واحد من الكفرة لقوله

стр. 2782

تعالى: إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ والرؤية رؤية القلب، وقوله تعالى: أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ساد مسد مفعوليها أي ألم تعلم أنه تعالى خلقهما بِالْحَقِّ أي ملتبسة بالحكمة والوجه الصحيح الذي يحق أن يخلق عليه. وقرأ السلمي «ألم تر» بسكون الراء ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف، قال أبو حيان: وتوجيه آخر وهو ان «ترى» حذفت العرب ألفها في قولهم: قام القوم ولو تر ما زيد كما حذفت ياء لا أبالي وقالوا لا أبال فلما دخل الجازم تخيل إن الراء هي آخر الكلمة فسكنت للجازم كما قالوا في لا أبال لم أبل، تخيلوا اللام آخر الكلمة، والمشهور التوجيه الأول. وقرأ الأخوان «خالق السموات والأرض» بصيغة اسم الفاعل والإضافة وجر «الأرض» . إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ يعدمكم أيها الناس كما قاله جماعة أو أيها الكفرة كما روي عن ابن عباس بالمرة وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ أي يخلق بدلكم خلقا مستأنفا لا علاقة بينكم وبينهم، والجمهور على أنه من جنس الآدميين، وذهب آخرون إلى أنه أعم من أن يكون من ذلك الجنس أو من غيره، أورد سبحانه هذه الشرطية بعد أن ذكر خلقه السموات والأرض: إرشادا إلى طريق الاستدلال فإن من قدر على خلق مثل هاتيك الأجرام العظيمة كان على إعدام المخاطبين وخلق آخرين بدلهم أقدر ولذلك قال سبحانه: وَما ذلِكَ أي المذكور من إذهابكم والإتيان بخلق جديد مكانكم عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ بمتعذر أو متعسر فإنه قادر بذاته لا باستعانة وواسطة على جميع الممكنات لا اختصاص له بمقدور دون مقدور. وهذه الآية على ما في الكشاف بيان لإبعادهم في الضلال وعظم خطبهم في الكفر بالله تعالى لوضوح آياته الشاهدة له الدالة على قدرته الباهرة وحكمته البالغة وأنه هو الحقيق بأن يؤمن به ويرجى ثوابه ويخشى عقابه وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً أي يبرزون يوم القيامة، وإيثار الماضي لتحقق الوقوع أو لأنه لا مضي ولا استقبال بالنسبة إليه سبحانه، والمراد ببروزهم لله ظهورهم من قبورهم للرائين لأجل حساب الله تعالى، فاللام للتعليل وفي الكلام حذف مضاف، وجوز أن تكون اللام صلة البروز وليس هناك حذف مضاف، ويراد أنهم ظهورا له عز شأنه عند أنفسهم وعلى زعمهم فإنهم كانوا يظنون عند ارتكابهم الفواحش سرا أنها تخفى على الله تعالى فإذا كان يوم القيامة انكشفوا له تعالى عند أنفسهم وعلموا أنه لا تخفى عليه جل شأنه خافية، وقال ابن عطية: معنى برزوا صاروا بالبراز وهي الأرض المتسعة فاستعير ذلك لمجمع يوم القيامة، وهذا ميل إلى التعليل والحذف. ونقل الإمام عن الحكماء في تأويل البروز أن النفس إذا فارقت الجسد فكأنه زال الغطاء وبقيت مجردة بذاتها عارية عن كل ما سواها هو البروز لله تعالى وهو كلام تعده العرب من الأحاجي ولذا لم يلتفت إليه المحدثون. وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما وَبَرَزُوا مبنيا للمفعول وبتشديد الراء، والمراد أظهرهم الله تعالى وأخرجهم من قبورهم لمحاسبته فَقالَ الضُّعَفاءُ جمع ضعيف، والمراد بهم ضعاف الرأي وهم الاتباع، وكتب في المصحف العثماني بواو قبل الهمزة، ووجه ذلك بأنه على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة فيميلها إلى الواو، ونظيره علموا بني إسرائيل. ورد ذلك الجعبري قائلا: إنه ليس من لغة العرب ولا حاجة للتوجيه بذلك لأن الرسم سنة متبعة، وزعم ابن قتيبة أنه لغة ضعيفة، ولو وجه بأنه اتباع للفظه في الوقف فإن من القراء من يقف في مثل ذلك بالواو كان حسنا صحيحا كذا ذكر فليراجع. ولعل من أنصف لا يرى أحسن من ترك التوجيه. لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا أي لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستغووهم إِنَّا كُنَّا في الدنيا لَكُمْ تَبَعاً في تكذيب الرسل ﵈ والإعراض عن نصائحهم وهو جمع تابع كخادم وخدم وغايب وغيب أو اسم جمع لذلك ولم يذكر كونه جمعا في البحر. أو هو مصدر نعت به مبالغة أو بتأويل أو بتقدير مضاف أي تابعين أو ذوي تبع وبه على سائر الاحتمالات يتعلق الجار والمجرور، والتقديم للحصر أي تبعا لكم لا لغيركم.

стр. 2783

وقيل: المعنى انا تبع لكم لا لرأينا ولذا سماهم الله تعالى ضعفاء، ولا يلزم منه كون الرؤساء أقوياء الرأي حيث ضلوا وأضلوا، ولو حمل الضعف على كونهم تحت أيديهم وتابعين لهم كان أحسن وليس بذاك. فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا استفهام أريد به التوبيخ والتقريع، والفاء للدلالة على سببية الاتباع للاغنياء، وهو من الغناء بمعنى الفائدة، وضمن معنى الدفع ولذا عدي بعن أي أنا اتبعناكم فيما كنتم فيه من الضلال فهل أنتم اليوم دافعون عنا مِنْ عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ أي بعض الشيء الذي هو عذاب الله تعالى بناء على ما قيل: إن مِنْ الثانية للتبعيض واقعة موقع المفعول للوصف السابق والأولى للبيان وهي واقعة موقع الحال من مجرور الثانية لأنها لو تأخرت كانت صفة له وصفة النكرة إذا قدمت أعربت حالا. واعترض هذا الوجه بأن فيه تقديم من البيانية على ما تبينه وهو لا يجوز، وكذا تقديم الحال على صاحبها المجرور. وأجيب بأن في كل من هذين الأمرين اختلافا، وقد أجاز جماعة تقديم مِنْ البيانية وصححه ذلك لأنه إنما يفوت بالتقديم الوصفية لا البيانية، وكذا أجاز كثير كابن كيسان وغيره تقديم الحال على صاحبها المجرور فلعل الذاهب إلى هذا الوجه في الآية يرى رأي المجوزين لكل من التقديمين. وقال بعض المدققين: جاز تقديم هذه الحال لأنها في الحقيقة عما سد مسده من شيء أعني بعض لا عن المجرور وحده، وفيه من البعد ما لا يخفى، وجوز أن تكون الأولى والثانية للتبعيض، والمعنى هل أنتم مغنون عنا بعض شيء هو بعض عذاب الله تعالى والأعراب كما سبق، واختار بعضهم على هذا كون الحال عما سد مسده من شيء إذ لو جعل حالا عن المجرور لآل الكلام إلى هل أنتم مغنون عنا بعض بعض عذاب الله تعالى ولا معنى له، وفيه أنه يفيد المبالغة في عدم الغناء كقولهم: أقل من القليل فنفي المعنى لا معنى له، ولا يصح الإلغاء إذ لا يصح أن يتعلق بفعل ظرفان من جنس دون ملابسة بينهما تصحح التبعية، وجعل الثاني بدلا من الأول يأباه- كما في الكشف- اللفظ والمعنى وقد تعقب أبو حيان توجيه التبعيض في المكانين كما سمعت بأن ذلك يقتضي البدلية فيكون بدل عام من خاص لأن مِنْ شَيْءٍ أعم من قوله: مِنْ عَذابِ وهذا لا يقال: لأن بعضية الشيء مطلقة فلا يكون لما بعض، ومما ذكرنا يعلم ما فيه. وجوز أن تكون الأولى مفعولا والثانية صفة مصدر سادة مسده، والشيء عبارة عن إغناء ما أي فهل أنتم مغنون عنا بعض عذاب الله بعض الإغناء. وتعقب بأنه يلزم على هذا أن يتعلق بعامل طرفان إلى آخر ما سمعت آنفا، وفيه نظر لأنه لكون أحدهما في تأويل المفعول به والآخر في تأويل المفعول المطلق صح التعلق ولم يكونا من جنس واحد، وقد يقال: إن تقييد الفعل بالثاني بعد اعتبار تقييده بالأول فليس العامل واحدا. ونص الحوفي وأبو البقاء على أن مِنْ الثانية زائدة للتوكيد وسوغ زيادتها تقدم الاستفهام الذي هو هنا في معنى النفي، ومِنْ عَذابِ اللَّهِ إما متعلق- بمغنون- أو متعلق بمحذوف وقع حالا من شَيْءٍ أي شيئا كائنا من عذاب الله تعالى أو مغنون من عذاب الله غناء ما قالُوا أي المستكبرون جوابا عن توبيخ الضعفاء وتقريعهم واعتذارا عما فعلوا بهم: لَوْ هَدانَا اللَّهُ إلى الإيمان ووفقنا له لَهَدَيْناكُمْ ولكن ضللنا فضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترنا لأنفسنا، وحاصله على ما قيل: إن ما كان منا في حقكم هو النصح لكن قصرنا في رأينا، وقال الزمخشري: إنهم وركوا الذنب في ضلالهم واضلالهم على الله تعالى وكذبوا في ذلك، ويدل على وقوع الكذب من أمثالهم يوم القيامة قوله تعالى حكاية عن المنافقين: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ [المجادلة: ١٨] وقد خالف في ذلك أصول مشايخه لأنهم لا يجوزون صدور الكذب عن أهل القيامة فلا يقبل منه،

стр. 2784

وجوز أن يكون المعنى لو كنا من أهل اللطف فلطف بنا ربنا واهتدينا لهديناكم إلى الإيمان، ونقل ذلك القاضي وزيفه كما ذكره الإمام، وقيل: المعنى لو هدانا الله تعالى إلى الرجعة إلى الدنيا فنصلح ما أفسدناه لهديناكم وهو كما ترى، وقال الجياني. وأبو مسلم: المراد لو هدانا الله تعالى إلى طريق الخلاص من العقاب والوصول إلى النعيم والثواب لهديناكم إلى ذلك، وحاصله لو خلصنا لخلصناكم أيضا لكن لا مطمع فيه لنا ولكم، قال الإمام: والدليل على أن المراد من الهدى هو هذا أنه الذي طلبوه والتمسوه. سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا مما لقينا أَمْ صَبَرْنا على ذلك وسَواءٌ اسم بمعنى الاستواء مرفوع على الخبرية للفعل المذكور بعده لأنه مجرد عن النسبة والزمان فحكمه حكم المصدر. والهمزة وأَمْ قد جردتا عن الاستفهام لمجرد التسوية ولذا صارت الجملة خبرية فكأنه قيل: جزعنا وصبرنا سواء علينا أي سيان، وإنما أفرد الخبر لأنه مصدر في الأصل، وقال الرضي في مثله: إن سَواءٌ خبر مبتدأ محذوف أي الأمران سواء ثم بين الأمران بقولهم: أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا وما قيل: من أن سَواءٌ خبر مبتدأ محذوف والجملة جزاء للجملة المذكورة بعد لتضمنها معنى الشرط، وإفادة همزة الاستفهام معنى إن لاشتراكهما في الدلالة على عدم الجزم، والتقدير إن جزعنا أم صبرنا فالأمران سيان فتكلف كما لا يخفى، والجزع حزن يصرف عما يراد فهو حزن شديد. وفي البحر هو عدم احتمال الشدة فهو نقيض الصبر، وإنما أسندوا كلا من الجزع والصبر واستوائهما إلى ضمير المتكلم المنتظم للمخاطبين أيضا مبالغة في النهي عن التوبيخ بإعلامهم أنهم شركاء لهم فيما ابتلوا به وتسلية لهم. وجوز أن يكون هذا من كلام الفريقين فهو مردود إلى ما سيق له الكلام وهم الفريقان، ولا نظر إلى القرب كما قيل في قوله تعالى: ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ [يوسف: ٥٢] وأيد ذلك بما أخرجه ابن أبي حاتم. والطبراني. وابن مردويه عن كعب بن مالك رفعه إلى النبي ﷺ فيما يظن أنه قال: «يقول أهل النار: هلموا فلنصبر فيصبرون خمسمائة عام فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: هلموا فلنجزع فيبكون خمسمائة عام فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا: سَواءٌ عَلَيْنا أَجَزِعْنا أَمْ صَبَرْنا الآية، وإلى كون هذه المحاورة بين الضعفاء والمستكبرين في النار ذهب بعضهم ميلا لظواهر الاخبار. واستظهر أبو حيان أنها في موضع العرض وقت البروز بين يدي الله تعالى، وقول الاتباع: فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا جزع منهم، وكذا جواب الرؤساء باعترافهم بالضلال، واحتمال أنه من كلام الأولين فقط خلاف الظاهر جدا، وقوله تعالى: ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ جملة مفسرة لا جمال ما فيه الاستواء فلا محل لها من الإعراب أو حال مؤكدة أو بدل منه، والمحيص من حاص حاد وفر، وهو إما اسم مكان كالمبيت والمصيف أو مصدر ميمي كالمغيب والمشيب، والمعنى ليس لنا محل ننجو فيه من عذابه أو لا نجاة لنا من ذلك وَقالَ الشَّيْطانُ الذي أضل كلا الفريقين واستتبعهما عند ما عتباه وقرعاه على نمط ما قاله الاتباع للرؤساء لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ أي أحكم وفرغ منه وهو الحساب ودخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار خطيبا في محفل الأشقياء من الثقلين. أخرج ابن جرير وغيره عن الحسن قال: إذا كان يوم القيامة قام إبليس خطيبا على منبر من نار فقال: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ إلى آخره، وعن مقاتل أن الكفار يجتمعون عليه في النار باللائمة فيرقى منبرا من نار فيقول ذلك، وفي بعض الآثار ما هو ظاهر في أن هذا في الموقف، فقد أخرج الطبراني. وابن المبارك في الزهد. وابن جرير. وابن عساكر لكن بسند ضعيف من حديث عقبة بن عامر يرفعه إلى رسول الله ﷺ «أن الكفار حين يروا شفاعة النبي ﷺ للمؤمنين يأتون إبليس فيقولون له قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا فإنك أنت أضللتنا فيقوم

стр. 2785

فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد فيقول ما قص الله تعالى» . ومعنى وَعْدَ الْحَقِّ وعدا من حقه أن ينجز أو وعدا نجز وهو الوعد بالبعث والجزاء، وقيل: أراد بالحق ما هو صفته تعالى أي إن الله تعالى وعدكم وعده الذي لا يخلف، والظاهر أنه صفة الوعد، وفي الآية على الأول إيجاز أي إن الله سبحانه وعدكم وعد الحق فوفاكم وأنجزكم ذلك وَوَعَدْتُكُمْ وعد الباطل وهو أن لا بعث ولا حساب ولئن كانا فالأصنام تشفع لكم فَأَخْلَفْتُكُمْ موعدي أي لم يتحقق ما أخبرتكم به وظهر كذبه، وقد استعير الإخلاف لذلك ولو جعل مشاكلة لصح وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ أي تسلط أو حجة تدل على صدقي إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ أي إلا دعائي إياكم إلى الضلالة، وهذا وإن لم يكن من جنس السلطان حقيقة لكنه أبرزه في مبرزه وجعله منه ادعاء فلذا كان الاستثناء متصلا، وهو من تأكيد الشيء بضده كقوله: وخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع وهو من التهكم لا من باب الاستعارة أو التشبيه أو غيرهما على ما حقق في موضعه، فإن لم يعتبر فيه التهكم والادعاء يكون الاستثناء منقطعا على حد قوله: وبلدة ليس بها أنيس ... إلا اليعافير وإلا العيس وإلى الانقطاع ذهب أبو حيان وقال: إنه الظاهر، وجوز الإمام القول بالاتصال من غير اعتبار الادعاء ووجه ذلك بأن القدرة على حمل الإنسان على الشيء تارة تكون بالقهر من الحامل وتارة تكون بتقوية الداعية في قلبه وذلك بإلقاء الوسواس إليه وهذا نوع من أنواع التسلط فكأنه قال: ما كان لي تسلط عليكم إلا بالوسوسة لا بالضرب ونحوه فَاسْتَجَبْتُمْ لِي أي أسرعتم إجابتي كما يؤذن بذلك الفاء، وقيل: يستفاد الإسراع من السين لأن الاستجابة وإن كانت بمعنى الإجابة لكن عد ذلك من التجريد وأنهم كأنهم طلبوا ذلك من أنفسهم فيقتضي السرعة وفيه بعد فَلا تَلُومُونِي بوعدي إياكم حيث لم يكن على طريق القسر والإلجاء كما يدل عليه الفاء، وقيل: بوسوستي فإن من صرح بالعداوة وقال: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ [الأعراف: ١٦] لا يلام بأمثال ذلك. وقرئ «فلا يلوموني» بالياء على الالتفات وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ حيث استجبتم لي باختياركم الناشئ عن سوء استعدادكم حين دعوتكم بلا حجة ولا دليل بل بمجرد تزيين وتسويل ولم تستجيبوا لربكم إذ دعاكم دعوة الحق المقرونة بالبينات والحجج، وليس مراد اللعين التنصل عن توجه اللائمة إليه بالمرة بل بيان أنهم أحق بها منه. وفي الكشاف أن في هذه الآية دليلا على أن الإنسان هو الذي يختار الشقاوة والسعادة ويحصلهما لنفسه وليس من الله تعالى إلا التمكين ولا من الشيطان إلا التزيين، ولو كان الأمر كما تزعم المجبرة لقال: فلا تلوموني ولا أنفسكم فإن الله تعالى قد قضى عليكم الكفر وأجبركم عليه، وليس قوله المحكي باطلا لا يصح التعلق به وإلا لبين الله سبحانه بطلانه وأظهر إنكاره، على أنه لا طائل في النطق بالباطل في ذلك المقام، ألا ترى كيف أتى بالصدق الذي لا ريب فيه في قوله: إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ إلى آخره وقوله: وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ إلى آخره اه. واعترض قوله: وإلا لبين سبحانه بطلانه بأنه ينقلب عليه في قول المستكبرين لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ إذ لم يعقب بالبطلان على وجه التوريك الذي ادعاه، وكذلك قوله: على أنه لا طائل إلى آخره. والجواب أن الأول غير متعين لذلك الوجه كما سمعت، ومع ذلك قد عقب بالبطلان في مواضع عديدة، ويكفي حكاية الكذب عنهم في ذلك الموطن، وذلك في الموطن على توهم أنه نافع كما حكى الله تعالى عنهم، أما بعد قضاء الأمر ودخول أهل الجنة الجنة والنار النار فلا يتوهم لذلك طائل البتة لا سيما والشيطان لا غرض له في ذلك

стр. 2786

فافترقا قائلا وموطنا وحكما، بل الجواب أن أهل الحق لا ينكرون توجه اللائمة عليهم وأن الله تعالى مقدس عن ذلك وحجته البالغة وقضاؤه سبحانه الحق، حيث أثبتوا للعبد القدرة الكاسبة التي يدور عليها فلك التكليف وجعلوا لها مدخلا في ذلك فإنه سبحانه إنما يخلق أفعاله حسبما يختاره، وسلبهم التأثير الذاتي عن قدرته لا ينفي اللوم عنهم كما بين في محله، وما ذكره من أنه لو كان الأمر إلى آخره مبني على عدم الفرق بين مذهب أهل الحق الملقبين عنده بالمجبرة وبين مسلك المجبرة في الحقيقة والفرق مثل الصبح ظاهر، هذا واستدل بظاهر الآية على أن الشيطان لا قدرة له على تصريع الإنسان أو تعويج أعضائه وجوارحه أو على إزالة عقله لأنه نفي أن يكون له تسلط إلا بالوسوسة. وأجاب من زعم القدرة على نحو ذلك بأن المقصود في الآية نفي أن يكون له تسلط في أمر الإضلال إلا بمحض الوسوسة لا نفي أن يكون له تسلط أصلا والسياق أدل قرينة على ذلك. وانتزع بعضهم من الآية ابطال التقليد في الاعتقاد، قال ابن الفرس: وهو انتزاع حسن لأنهم اتبعوا الشيطان بمجرد دعواه ولم يطلبوا منه برهانا فحكى ذلك عنهم متضمنا لذمهم، ثم الظاهر أن هذه الدعوة من الشيطان- أعني إبليس- بلا واسطة، وهي إن كانت في وقت واحد لمتعددين مما يعسر تصوره، ولا يبعد أن يقال: إن له أعوانا يفعلون كما يفعل لكن لما كان ذلك بأمره تصدى وحده لما تصدى ونسبت الدعوة إليه، وللإمام الرازي في الآية كلام طويل ساقه لبيان كيفية الدعوة وإلقاء الشيطان الوسوسة في قلب الإنسان، وأكثره عند المحدثين والسلف الصالحين أشبه شيء بوساوس الشياطين، ولعل النوبة تفضي إن شاء الله تعالى إلى تحقيق ذلك بعون الله تعالى القادر المالك ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ أي بمغيثكم مما أنتم فيه من العذاب، يقال: استصرخني فأصرخته أي استغاثني فأغثته، وأصله من الصراخ وهو مد الصوت، والهمزة للسلب كأن المغيث يزيل صراخ المستغيث. وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ مما أنا فيه، وفي تعرضه لذلك مع أنه لم يكن في حيز الاحتمال مبالغة في بيان عدم إصراخه إياهم وإيذان بأنه أيضا مبتلى بمثل ما ابتلوا به ومحتاج إلى الاصراخ فكيف له بإصراخ الغير ولذلك آثار الجملة الاسمية، والمراد استمرار النفي لا نفي الاستمرار، وكذا يقال في التأكيد فكان ما مضى جوابا منه عن توبيخهم وتقريعهم وهذا جواب استغاثتهم واستعانتهم به في دفع ما دهمهم من العذاب. وقرأ يحيى بن وثاب. والأعمش. وحمزة «بمصرخي» بكسر الياء على الأصل في التخلص من التقاء الساكنين، وذلك أن الأصل بمصرخين لي فاضيف وحذفت نون الجمع للإضافة فالتقت ياء الجمع الساكنة وياء المتكلم والأصل فيها السكون فكسرت لالتقاء الساكنين وأدغمت. وطعن في هذه القراءة كثير من النحاة، قال الفراء: لعلها من زعم القراء فإنه قل من سلم منهم من الوهم. وقال أبو عبيد: نراهم غلطوا. وقال الأخفش: ما سمعت هذا الكسر من أحد من العرب ولا من أحد من النحويين، وقال الزجاج: إنها عند الجميع رديئة مرذولة ولا وجه لها إلا وجيه ضعيف. وقال الزمخشري: هي ضعيفة، واستشهدوا لها ببيت مجهول: قال لها هل لك يا تافيّ ... قالت له ما أنت بالمرضيّ (١) وكأنهم قدروا ياء الإضافة ساكنة فحركوها بالكسر لما عليه أصل التقاء الساكنين، ولكنه غير صحيح لأن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة حيث قبلها ألف نحو عصاي فما بالها وقبلها ياء والقول بأنه جرت الياء الأولى مجرى الحرف الصحيح لأجل الإدغام فكأنها ياء وقعت ساكنة بعد حرف صحيح ساكن فحركت بالكسر على الأصل ذهاب إلى القياس وهو قياس حسن، ولكن الاستعمال المستفيض الذي هو بمنزلة الخبر المتواتر تتضاءل إليه القياسات اه.

стр. 2787

وقد قلد هؤلاء الطاغين جماعة، وقد وهموا طعنا وتقليدا فإن القراءة متواترة عن السلف والخلف فلا يجوز أن يقال فيها: إنها خطأ أو قبيحة أو رديئة، وقد نقل جماعة من العلماء أنها لغة لكنه قل استعمالها. ونص قطرب على أنها لغة في بني يربوع فإنهم يكسرون ياء المتكلم إذا كان قبلها ياء أخرى ويصلونها بها كعليه ولديه، وقد يكتفون بالكسرة وذلك لغة أهل الموصل وكثير من الناس اليوم، وقد حسنها أبو عمرو وهو إمام لغة وإمام نحو إمام قراءة وعربيّ صحيح، ورووا بيت النابغة: عليّ لعمرو نعمة بعد نعمة ... لوالده ليست بذات عقارب بكسر ياء- على- فيه، وأنشدوا لذلك أيضا البيت السابق وهو للأغلب العجلي، وجهل الزمخشري به كالزجاج لا يلتفت إليه، وقوله: إن ياء الإضافة لا تكون إلا مفتوحة إلى آخره مردود بأنه روي سكون الياء بعد الألف، وقرأ به القراء في مَحْيايَ [الأنعام: ١٦٢] وما ذكره أيضا قياس مع الفارق فإنه لا يلزم من كسرها مع الياء المجانسة للكسرة كسرها مع الألف الغير المجانية لها ولذا فتحت بعدها للمجانسة وكون الأصل في هذا الياء الفتح في كل موضع غير مسلم كيف وهي من المبنيات والأصل في المبني أن يبنى على السكون. ومن الناس من وجه القراءة بأنها على لغة من يزيد ياء على ياء الإضافة إجراء لها مجرى هاء الضمير وكافه، فإن الهاء قد توصل بالواو إذا كانت مضمومة كهذا لهو وضربهو، وبالياء إذا كانت مكسورة نحو بهي، والكاف قد تلحقها الزيادة فيقال أعطيتكاه وأعطيتكيه إلا أنه حذفت الياء هنا اكتفاء بالكسرة، وقال البصير: كسر الياء ليكون طبقا لكسر الهمزة في قوله: إِنِّي كَفَرْتُ لأنه أراد الوصل دون الوقف والابتداء بذلك والكسر أدل على الوصل من الفتح وفيه نظر، وبالجملة لا ريب في صحة تلك القراءة وهي لغة فصيحة، وقد روي أنه تكلم بها رسول الله ﷺ في حديث بدء الوحي وشرح حاله ﵊ لورقة بن نوفل رضي الله تعالى عنه فانكارها محض جهالة، وأراد بقوله: إِنِّي كَفَرْتُ إني كفرت اليوم بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ أي من قبل هذا اليوم- يعني في الدنيا-. وما مصدرية ومِنْ متعلقة بأشركتموني أي كفرت باشراككم إياي لله تعالى في الطاعة لأنهم كانوا يطيعونه في أعمال الشر كما يطاع الله تعالى في أعمال الخير، فالإشراك استعارة بتشبيه الطاعة به وتنزيلها منزلته أو لأنهم لما أشركوا الأصنام ونحوها بإيقاعه لهم في ذلك فكأنهم أشركوه، والكفر مجاز عن التبري كما في قوله تعالى: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ [فاطر: ١٤] ومراد اللعين أنه إن كان اشراككم لي بالله تعالى هو الذي أطمعكم في نصرتي لكم وخيل إليكم أن لكم حقا علي فإني تبرأت من ذلك ولم أحمده فلم يبق بيني وبينكم علاقة، وإرادة اليوم حسبما ذكرنا هو الظاهر فيكون الكلام محمولا على إنشاء التبري منهم يوم القيامة. وجوز النسفي أن يكون إخبارا عن أنه تبرأ منهم في الدنيا فيكون مِنْ قَبْلُ متعلقا- بكفرت- أو متنازعا فيه. وجوز غير واحد أن تكون ما موصولة بمعنى من كما قيل في قولهم: سبحانه ما سخركن لنا، والعائد محذوف ومِنْ قَبْلُ متعلق- بكفرت- أي إني كفرت من قبل حين أبيت السجود لآدم ﵇ بالذي أشركتمونيه أي جعلتموني شريكا له بالطاعة وهو الله ، فأشرك منقول من شركت زيدا للتعدية إلى مفعول ثان، والكلام على هذا إقرار من اللعين بقدم كفره وبيان لأن خطيئته سابقة عليهم فلا إغاثة لهم منه فهو في المعنى تعليل لعدم إصراخه إياهم. وزعم الإمام أنه لنفي تأثير الوسوسة كأنه يقول: لا تأثير لوسوستي في كفركم بدليل أني كفرت قبل أن وقعتم في الكفر بسبب وسوسة أخرى وإلا لزم التسلسل فثبت بهذا أن سبب الوقوع في الكفر شيء آخر سوى الوسوسة، وكان الظاهر على هذا تقديمه على قوله: ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ إلى آخره ولا يظهر لتأخيره نكتة يهش لها

стр. 2788

الخاطر. ومنهم من جعله تعليلا لعدم اصراخهم إياه وهو مما لا وجه له إذ لا احتمال لذلك حتى يحتاج إلى التعليل، وقيل: لأن تعليل عدم إصراخهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا المانع من جهته. واعترض بأن نحو هذا الإيهام جار في الوجه الأول وهم الكفرة الذين لا تنفعهم شفاعة الشافعين. وتعقب في البحر القول بالموصولية بأن فيه إطلاق ما على الله تعالى والأصح فيها أنها لا تطلق على آحاد من يعلم، وما في سبحان ما سخركن يجوز أن تكون مصدرية بتقدير مضاف أي سبحان موجد أو ميسر تسخير كن لنا. وقال الطيبي: إن ما لا تستعمل في ذي العلم إلا باعتبار الوصفية فيه وتعظيم شأنه والمثال على ذلك أي سبحان العظيم الشأن الذي سخر كن للرجال مع مكركن وكيدكن، وكون ما موصولة عبارة عن الصنم أي إني كفرت بالصنم الذي أشركتمونيه مما لا ينبغي أن يلتفت إليه إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ الظاهر أنه من تمام كلام إبليس قطعا لأطماع الكفار من الإغاثة والإعانة، وحكى الله تعالى عنه ما سيقوله في ذلك الوقت ليكون تنبيها للسامعين وحثا لهم على النظر في عاقبتهم والاستعداد لما لا بد منه وأن يتصوروا ذلك المقام الذي يقول فيه الشيطان ما يقول فيخافوا ويعملوا ما ينفعهم هناك، وقيل: إنه من كلام الخزنة يوم ذاك، وقيل: إنه ابتداء كلام من جهته تعالى، وأيد بأنه قرأ الحسن. وعمرو بن عبيد أُدْخِلَ في قوله تعالى: وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بصيغة المضارع المسند إلى المتكلم. وأنت تعلم أنه إذا اعتبرت هذه القراءة مؤيدة لهذا القول فلتعتبر قراءة الجمهور أُدْخِلَ بصيغة الماضي المبني للمفعول مؤيدة لما قبله فإن المدخلين الملائكة ﵈ فتأمل، وكأن الله تعالى لما جمع الفريقين في قوله سبحانه: وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعاً وذكر شيئا من أحوال الكفار ذكر ما آل إليه أمر المؤمنين من ادخالهم الجنة بِإِذْنِ رَبِّهِمْ أي بأمره سبحانه أو بتوفيقه وهدايته جل شأنه، والجار والمجرور متعلق- بأدخل- على قراءة الجمهور. وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهار مزيد اللطف بهم، وعلقه جماعة على القراءة الأخرى بقوله تعالى: تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ أي يحييهم الملائكة بالسلام بإذن ربهم. وتعقب ذلك أبو حيان بأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل بحرف مصدري وفعل عليه وهو غير جائز لما أن ذلك في حكم تقديم جزء من الشيء المرتب الأجزاء عليه. ورد بأن الظاهر أنه هنا غير منحل إليهما لأنه ليس المعنى المقصود منه أن يحيوا فيها بسلام، ولو سلم فمراد القائل بالتعلق التعلق المعنوي فالعامل فيه فعل مقدر يدل عليه تَحِيَّتُهُمْ أي يحيون بإذن ربهم. وقال العلامة الثاني: الأظهر أن التقديم جائز إذا كان المعمول ظرفا أو شبهه وهو في الكلام كثير، والتقدير تكلف، وليس كل مؤول بشيء حكمه حكم ما أوّل به، مع أن الظرف مما يكفيه رائحة من الفعل لأن له شأنا ليس لغيره لتنزله من الشيء منزلة نفسه لوقوعه فيه وعدم انفكاكه عنه، ولهذا اتسع في الظروف ما لم يتسع في غيرها اه، وبالجواز أقول، وإنما لم يجعله المحققون متعلقا- بأدخل- على تلك القراءة مع أنه سالم من الاعتراض ومشتمل على الالتفات أو التجريد وهو من المحسنات لأن قولك: أدخلته باذني ركيك لا يناسب بلاغة التنزيل، والالتفات أو التجريد حاصل إذا علق بما بعده أيضا. وفي الانتصاف الصارف عن هذا الوجه هو أن ظاهر أُدْخِلَ بلفظ المتكلم يشعر بأن إدخالهم الجنة لم يكن بواسطة بل من الله تعالى مباشرة وظاهر الاذن يشعر بإضافة الدخول إلى الواسطة فبينهما تنافر، واستحسن أن يعلق- بخالدين- والخلود غير الدخول فلا تنافر، وتعقبه في الكشف بأن ذلك لا يدفع الركاكة وكأنه لما أن الإذن للدخول لا للاستمرار بحسب الظاهر، وكون المراد بمشيئتي وتيسيري لا يدفع ذلك عند التأمل الصادق، فما ذهب إليه ابن جني

стр. 2789

واستطيبه الشيخ الطيبي وارتضاه ليس بشيء لمن سلم له ذوقه أَلَمْ تَرَ الخطاب لسيد المخاطبين ﷺ ، وقيل: لمن يصلح له والفعل معلق بما بعده من قوله تعالى: كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا أي كيف اعتمله ووضعه في موضعه اللائق به كَلِمَةً طَيِّبَةً نصب على البدلية من مَثَلًا وضَرَبَ متعدية إلى مفعول واحد كما ذهب إلى ذلك الحوفي. والمهدوي. وأبو البقاء، وهو على ما قيل: بدل اشتمال ولو جعل بدل كل من كل لم يبعد. واعترض عليه بأنه لا معنى لقولك ضرب الله كلمة طيبة إلا بضم مَثَلًا إليه فمثلا هو المقصود بالنسبة فكيف يبدل منه غيره، ولا يخفى أن هذا بناء على ظاهر قول النحاة: إن المبدل في نية الطرح وهو غير مسلم، وقوله سبحانه: كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ صفة كَلِمَةً أو خبر مبتدأ محذوف أي هي كشجرة، وجوز أن يكون كلمة منصوبا بمضمر وضَرَبَ أيضا متعدية لواحد أي جعل كلمة طيبة كشجرة طيبة أي حكم بأنها مثلها والجملة تفسير لقوله سبحانه: ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كقولك: شرف الأمير زيدا كساه حلة وحمله على فرس. وتعقب ذلك أبو حيان بأن فيه تكلف إضمار لا ضرورة تدعو إليه. وأجاب عنه السمين بما فيه بحث، وجوز أيضا أن يكون ضرب المذكور متعديا إلى مفعولين إما لكونه بمعنى جعل واتخذ أو لتضمينه معناه وكلمة أول مفعوليه قد أخر عن ثانيهما أعني مَثَلًا لئلا يبعد عن صفته التي هي كَشَجَرَةٍ قيل: ولا يرد على هذا بأن المعنى أنه تعالى ضرب لكلمة طيبة مثلا لا كلمة طيبة مثلا لأن المثل عليه بمعنى الممثل به والتقدير ذات مثل أو لها مثلا. وقرئ «كلمة» بالرفع على الابتداء لكونها نكرة موصوفة والخبر «كشجرة» ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف و «كشجرة» صفة أخرى أَصْلُها ثابِتٌ أي ضارب بعروقه في الأرض. وقرأ أنس بن مالك «كشجرة طيبة ثابت أصلها» وقراءة الجماعة على الأصل وذكروا أنها أقوى معنى. قال ابن جني: لأنك إذا قلت ثابت أصلها فقد أجريت الصفة على شجرة وليس الثبات لها إنما هو للأصل، والصفة إذا كانت في المعنى لما هو من سبب الموصوف قد تجري عليه لكنها أخص بما هي له لفظا ومعنى فالأحسن تقديم الأصل عناية به، ومن ثم قالوا: زيد ضربته فقدموا المفعول عناية به حيث إن الغرض ليس ذكر الفاعل وإنما هو ذكر المفعول، ثم لم يقنعوا بذلك حيث أزالوه عن لفظ الفضلة وجعلوه رب الجملة لفظا فرفعوه بالابتداء وصار ضربته ذيلا له وفضلة ملحقة به، وكذلك قولك: مررت برجل أبوه قائم أقوى معنى من قولك: مررت برجل قائم أبوه لأن المخبر عنه بالقيام إنما هو الأب لا الرجل مع ما في التقديم هنا من حسن التقابل والتقسيم إلا أن لقراءة أنس وجها حسنا، وهو أن ثابت أصلها صفة الشجرة وأصل الصفة أن تكون اسما مفردا لأن الجملة إذا وقعت صفة حكم على موضعها بإعراب المفرد وذاك لم يبلغ مبلغ الجملة بخلاف «أصلها ثابت» فإنه جملة قطعا، وقال بعضهم: إنها أبلغ ولم يذكر وجه ذلك فزعم من زعم أنه ما أشير إليه من وجه الحسن وهو بمعزل عن الصواب. وقال ابن تمجيد: هو أنه كوصف الشيء مرتين مرة صورة ومرة معنى مع ما فيه من الإجمال والتفصيل كما في أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: ١] فإنه لما قيل: «كشجرة طيبة ثابت» تبادر الذهن من جعل ثابِتٌ صفة لشجرة صورة أن شيئا من الشجرة متصف بالثبات ثم لما قيل: أَصْلُها علم صريحا أن الثبات صفة أصل الشجرة وقيل: كونها أكثر مبالغة لجعل الشجرة بثبات أصولها ثابتة بجميع أغصانها فتدبر وَفَرْعُها أي أعلاها من قولهم: فرع الجبل إذا علاه، وسمي الأعلى فرعا لتفرعه على الأصل ولهذا أفرد وإلا فكل شجرة لها فروع وأغصان، ويجوز أن يراد به الفروع لأنه مضاف والإضافة حيث لا عهد ترد للاستغراق أو لأنه مصدر بحسب الأصل وإضافته على ما اشتهر تفيد العموم فكأنه قيل: وفروعها فِي السَّماءِ أي في جهة العلو تُؤْتِي أُكُلَها تعطي ثمرها كُلَّ حِينٍ وقت أقته الله تعالى لإثمارها بِإِذْنِ رَبِّها بإرادة خالقها جل شأنه، والمراد بالكلمة الطيبة شهادة أن لا إله إلا الله على ما

стр. 2790

أخرجه البيهقي. وغيره عن ابن عباس، وعن الأصم أنها القرآن، وعن ابن بحر دعوة الإسلام، وقيل: التسبيح والتنزيه، وقيل: الثناء على الله تعالى مطلقا، وقيل: كل كلمة حسنة، وقيل: جميع الطاعات، وقيل: المؤمن نفسه، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس وهو خلاف الظاهر، وكأن إطلاق الكلمة عليه نظير إطلاقها على عيسى ﵇، والمراد بالشجرة المشبه بها النخلة عند الأكثرين، وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن زيد. وأخرج عبد الرزاق والترمذي وغيرهما عن شعيب بن الحبحاب قال: كنا عند أنس فأتينا بطبق عليه رطب فقال أنس لأبي العالية: كل يا أبا العالية فإن هذا من الشجرة التي ذكرها الله تعالى في كتابه «ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ثابت أصلها» وأخرج الترمذي أيضا. والنسائي. وابن حبان. والحاكم وصححه عن أنس قال: «أتى رسول الله ﷺ بقناع من بسر فقال: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ- حتى بلغ- كُلَّ حِينٍ قال: هي النخلة (١) . وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنها شجرة جوز الهند، وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عنه رضي الله تعالى عنه أيضا أنها شجرة في الجنة، وقيل: كل شجرة مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك. وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ولم يتأت حمل ما فيه على التمثيل لا ينبغي العدول عنه. ووجه تشبيه الكلمة الطيبة بمعنى شهادة أن لا إله إلا الله بهذه الشجرة المنعوتة بما ذكر أن أصل تلك الكلمة ومنشأها وهو الإيمان ثابت في قلوب المؤمنين وما يتفرع منها وينبني عليها من الأعمال الصالحة والأفعال الزكية يصعد إلى السماء، وما يترتب على ذلك من ثواب الله تعالى ورضاه هو الثمرة التي تؤتيها كل حين، ويقال نحو هذا على تقدير أن تكون الكلمة بمعنى آخر فتأمل. والذاهبون إلى تفسير الشجرة بالنخلة من السلف اختلفوا في مقدار الحين، فأخرج البيهقي عن سعيد بن المسيب أنه شهران قال: إن النخلة إنما يكون فيها حملها شهرين. وأخرج ابن جرير عن مجاهد أنه سنة وقيل غير ذلك، واختلفت الروايات عن ابن عباس والأشهر أنه فسره بستة أشهر وقال: إن النخلة ما بين حملها إلى صرامها ستة أشهر، وأفتى رضي الله تعالى عنه لرجل حلف أن لا يكلم أخاه حينا أنه لو كلمه قبل ستة أشهر حنث وهو الذي قال به الحنيفة، فقد ذكروا أن الحين والزمان معرفين أو منكرين واقعين في النفي أو في الإثبات ستة أشهر، وعللوا ذلك بأن الحين قد جاء بمعنى الساعة وبمعنى أربعين سنة وبمعنى الأبد وبمعنى ستة أشهر فعند عدم النية ينصرف إليه لأنه الوسط ولأن القليل لا يقصد بالمنع لوجود الامتناع فيه عادة والأربعون سنة لا تقصد بالحلف عادة لأنه في معنى الأبد، ولو سكت عن الحين تأبد فالظاهر أنه لم يقصد ذلك ولا الأبد ولا أربعين سنة فيحكم بالوسط في الاستعمال والزمان استعمل استعمال الحين ويعتبر ابتداء الستة أشهر من وقت اليمين في نحو لا أكلم فلانا حينا مثلا، وهذا بخلاف لأصومن حينا فإن له أن يعين فيه أي ستة أشهر شاء كما بين في محله، ومتى نوى الحالف مقدارا معينا في الحين وأخيه صدق لأنه نوى حقيقة كلامه لأن كلا منهما للقدر المشترك بين القليل والكثير والمتوسط واستعمل في كل كما لا يخفى على المتتبع فليتذكر وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لأن في ضربها زيادة إفهام وتذكير فإنه تصوير المعاني العقلية بصور المحسوسات وبه يرتفع التنازع بين الحس والخيال. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ وهي كلمة الكفر أو الدعاء إليه أو الكذب أو كل كلمة لا يرضاها الله تعالى. وقرئ

стр. 2791

وَمَثَلُ بالنصب عطفا على كَلِمَةً طَيِّبَةً وقرأ أبيّ «وضرب الله مثلا كلمة خبيثة» كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ ولعل تغيير الأسلوب على قراءة الجماعة للإيذان بأن ذلك غير مقصود بالضرب والبيان وإنما ذلك أمر ظاهر يعرفه كل أحد، وفي الكلام مضاف مقدر أي كمثل شجرة خبيثة، والمثل بمعنى الصفة الغريبة اجْتُثَّتْ أي اقتلعت من أصلها، وحقيقة الاجتثاث أخذ الجثة وهي شخص الشيء كلها مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ لكون عروقها قريبة من الفوق فكأنها فوق ما لَها مِنْ قَرارٍ أي استقرار على الأرض، والمراد بهذه الشجرة المنعوتة الحنظلة. وروي ذلك أيضا مرفوعا إلى رسول الله ﷺ ، وعن الضحاك أنها الكشوث، ويشبه به الرجل الذي لا حسب له ولا نسب كما قال الشاعر: فهو الكشوث فلا أصل ولا ورق ... ولا نسيم ولا خللّ ولا ثمر وقال الزجاج وفرقة شجرة الثوم، وقيل: شجرة الشوك، وقيل: الطحلب، وقيل: الكمأة وقيل: كل شجر لا يطيب له ثمر، وفي رواية عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنها شجرة لم تخلق على الأرض والمقصود التشبيه بما اعتبر فيه تلك النعوت، وقال ابن عطية: الظاهر أن التشبيه وقع بشجرة غير معينة جامعة لتلك الأوصاف وفي رواية عن الحبر أيضا تفسير هذه الشجرة بالكافر. وروى الإمامية- وأنت تعرف حالهم- عن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه تفسيرها ببني أمية وتفسير الشجرة الطيبة برسول الله ﷺ : وعلي كرم الله تعالى وجهه. وفاطمة رضي الله تعالى عنها وما تولد منهما، وفي بعض روايات أهل السنة ما يعكر على تفسير الشجرة الخبيثة ببني أمية. فقد أخرج ابن مردويه عن عدي بن أبي حاتم قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى قلب العباد ظهرا وبطنا فكان خير عباده العرب وقلب العرب ظهرا وبطنا فكان خير العرب قريشا وهي الشجرة المباركة التي قال الله تعالى في كتابه: مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ» لأن بني أمية من قريش وأخبار الطائفتين في هذا الباب ركيكة وأحوال بني أمية التي يستحقون بها ما يستحقون غير خفية عند الموافق والمخالف، والذي عليه الأكثرون في هذه الشجرة الخبيثة أنها الحنظل، وإطلاق الشجرة عليه للمشاكلة وإلا فهو نجم لا شجر، وكذا يقال في إطلاقه على الكشوث ونحوه. وللإمام الرازي قدس سره كلام في هذين المثلين لا بأس بذكره ملخصا وهو أنه تعالى ذكر في المثل الأول شجرة موصوفة بأربع صفات ثم شبه الكلمة الطيبة بها. الصفة الأولى كونها طَيِّبَةً وذلك يحتمل كونها طيبة المنظر وكونها طيبة الرائحة وكونها طيبة الثمرة بمعنى كونها لذيذة مستطابة وكونها طيبة الثمرة بمعنى كثرة الانتفاع بها، ويجب إرادة الجميع إذ به يحصل كمال الطيب. والثانية كون «أصلها ثابتا» وهو صفة كمال لها لأن الشيء الطيب إذا كان في معرض الزوال فهو وإن كان يحصل الفرح بوجدانه إلا أنه يعظم الحزن بالخوف من زواله وأما إذ لم يكن كذلك فإنه يعظم السرور به من غير ما ينغص ذلك. والثانية كون فَرْعُها فِي السَّماءِ وهو أيضا صفة كمال لها لأنها متى كانت مرتفعة كانت بعيدة عن عفونة الأرض وقاذورات الأبنية فكانت ثمرتها نقية خالصة عن جميع الشوائب. والرابعة كونها «دائمة الثمر» لا أن ثمرها حاضر في بعض الأوقات دون بعض وهو صفة كمال أيضا إذ الانتفاع بها غير منقطع حينئذ. ثم إن من المعلوم بالضرورة أن الرغبة في تحصيل مثل هذه الشجرة يجب أن تكون عظيمة، وأن العاقل متى أمكنه تحصيلها ينبغي أن يقوم له على ساق ولا يتساهل عنه، والمراد من الكلمة المشبهة بذلك معرفة الله تعالى والاستغراق في محبته سبحانه وطاعته، وشبه ذلك للشجرة في صفاتها الأربعة، أما في الأولى فظاهر بل لا لذة ولا طيب في الحقيقة إلا لهذه المعرفة لأنها ملائمة لجوهر النفس النطقية والروح القدسية ولا كذلك لذة الفواكه إذ هي أمر ملائم لمزاج البدن، ومن تأمل أدنى تأمل ظهر له فروق لا تحصى بين اللذتين، وأما في الصفة الثانية فثبوت الأصل في شجرة معرفة الله تعالى أقوى وأكمل لأن عروقها راسخة في جوهر النفس القدسية وهو جوهر مجرد آمن عن الكون

стр. 2792

والفساد بعيد عن التغير والفناء، وأيضا مدد هذا الرسوخ إنما هو من تجلي جلال الله تعالى وهو من لوازم كونه سبحانه في ذاته نور النور ومبدأ الظهور وذلك مما يمتنع عقلا زواله وأما في الصفة الثالثة فلأن شجرة المعرفة لها أغصان صاعدة في هواء العالم الإلهي وأغصان صاعدة في هواء العالم الجسماني، والنوع الأول أقسامه كثيرة يجمعها قوله ﷺ : «التعظيم لأمر الله تعالى» ويدخل فيه التأمل في دلائل معرفته سبحانه كأحوال العوالم العلوية والسفلية، وكذا محبة الله تعالى والتشوق إليه سبحانه والمواظبة على ذكره جل شأنه والاعتماد عليه وقطع النظر عما سواه جل وعلا إلى غير ذلك، والنوع الثاني أقسامه كذلك ويجمعها قوله ﵊، «والشفقة على خلق الله تعالى» ويدخل فيه الرأفة والرحمة والصفح والتجاوز عن الإساءة والسعي في إيصال الخبر إلى عباد الله تعالى ودفع الشرور عنهم ومقابلة الإساءة بالإحسان إلى ما لا يحصى، وهي فروع من شجرة المعرفة فإن الإنسان كلما كان متوغلا فيها كانت هذه الأحوال عنده أكمل وأقوى. وأما في الصفة الرابعة فلأن شجرة المعرفة موجبة لما علمت من الأحوال ومؤثرة في حصولها والمسبب لا ينفك عن السبب، فدوام أكل هذه الشجرة أتم من دوام أكل الشجرة المنعوتة فهي أولى بهذه الصفة بل ربما توغل العبد في المعرفة فيصير بحيث كلما لا حظ شيئا لا حظ الحق فيه وربما عظم ترقيه فيصير لا يرى شيئا إلا يرى الله تعالى قبله، وأيضا قد يحصل للنفس من هذه المعرفة الهامات نفسانية وملكات روحانية ثم لا يزال يصعد منها في كل حين ولحظة كلام طيب وعمل صالح وخضوع وخشوع وبكاء وتذلل كثمرة هذه الشجرة، وفي قوله سبحانه: بِإِذْنِ رَبِّها دقيقة عجيبة وذلك لأن الإنسان عند حصول هذه الأحوال السنية والدرجات العلية قد يفرح بها من حيث هي- هي- وقد يترقى فلا يفرح بها كذلك وإنما يفرح بها من حيث إنها من المولى ﷻ وعند ذلك يكون فرحه في الحقيقة بالمولى ﵎ ولذلك قال بعض المحققين: من آثر العرفان للعرفان فقد وقف بالساحل ومن آثر العرفان لا للعرفان بل للمعروف فقد خاض لجة الوصول. وذكر بعضهم في هذا المثال كلاما لا يخلو عن حسن، وهو أنه إنما مثل سبحانه الإيمان بالشجرة لأن الشجرة لا تستحق أن تسمى شجرة إلا بثلاثة أشياء: عرق راسخ. وأصل قائم. وأغصان عالية فكذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء: معرفة في القلب. وقول باللسان. وعمل بالأركان، ولم يرتض قدس سره تفسير الشجرة بالنخلة ولا الحين بما شاع فقال: بعد نقل كلام جماعة إن هؤلاء وإن أصابوا في البحث عن مفردات ألفاظ الآية إلا أنهم بعدوا عن إدراك المقصود لأنه تعالى وصف شجرة بالصفات المذكورة ولا حاجة بنا إلى أن تلك الشجرة هي النخلة أم غيرها، فإنا نعلم بالضرورة أن الشجرة الكذائية يسعى في تحصيلها وادخارها لنفسه كل عاقل سواء كان لها وجود في الدنيا أو لم يكن لأن هذه الصفة أمر مطلوب التحصيل، واختلافهم في تفسير الحين أيضا من هذا الباب والله تعالى أعلم، وذكر ﵎ في المثل الثاني شجرة أيضا إلا أنه تعالى وصفها بثلاث صفات. الصفة الأولى كونها خَبِيثَةٍ وذلك يحتمل أن يكون بحسب الرائحة وأن يكون بحسب الطعم وأن يكون بحسب الصورة وأن يكون بحسب اشتمالها على المضار الكثيرة ولا حاجة إلى القول بأنها شجرة كذا أو كذا فإن الشجرة الجامعة لتلك الصفات وإن لم تكن موجودة إلا أنها إذا كانت معلومة الصفة كان التشبيه بها نافعا في المطلوب. والثانية «اجتثاثها من فوق الأرض» وهذه في مقابلة أصلها ثابت في الأول. والثالثة نفى أن يكون لها قرار وهذه كالمتممة للصفة الثانية، والمراد بالكلمة المشبهة بذلك الجهل بالله تعالى والإشراك به سبحانه فإنه أول الآفات وعنوان المخافات ورأس الشقاوات فخبثه أظهر من أن يخفى وليس له حجة ولا ثبات ولا قوة بل هو داحض غير ثابت اه، وهو كلام حسن لكن فيه مخالفة لظواهر كثير من الآثار فتأمل يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ الذي ثبت عندهم وتمكن في قلوبهم وهو الكلمة الطيبة التي ذكرت صفتها العجيبة، والظاهر أن الجار متعلق- بيثبت- وكذا قوله سبحانه: فِي الْحَياةِ الدُّنْيا أي يثبتهم بالبقاء على

стр. 2793

ذلك مدة حياتهم فلا يزالون إذا قيض لهم من يفتنهم ويحاول زللهم عنه كما جرى لأصحاب الأخدود. ولجرجيس. وشمشون وكما جرى لبلال وكثير من أصحاب رسول الله ﷺ ورضي الله تعالى عنهم وَفِي الْآخِرَةِ أي بعد الموت وذلك في القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة وفي مواقف القيامة فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم هناك ولا تدهشهم الأهوال. وأخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب أنه قال في الآية: التثبيت في الحياة الدنيا إذا جاء الملكان إلى الرجل في القبر فقالا له: من ربك؟ قال: ربي الله. قالا: وما دينك؟ قال: ديني الإسلام: قالا: ومن نبيك؟ قال: نبيي محمد ﷺ ، وعلى هذا فالمراد من الْآخِرَةِ يوم القيامة، وأخرج الطبراني في الأوسط. وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال: «سمعت رسول الله ﷺ يقول في هذه الآية: يُثَبِّتُ اللَّهُ إلخ في الآخرة القبر» وعلى هذا فالمراد بالحياة الدنيا مدة الحياة وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء واختاره الطبري. نعم اختار بعضهم أن الحياة الدنيا مدة حياتهم والآخرة يوم القيامة والعرض وكان الداعي لذلك عموم الَّذِينَ آمَنُوا وشمولهم لمؤمني الأمم السابقة مع عدم عموم سؤال القبر، وجوز تعلق الجار الأول- بآمنوا- على معنى آمنوا بالتوحيد الخالص فوحدوه ونزهوه عما لا يليق بجنابه سبحانه، وكذا جوز تعلق الجار الثاني- بالثابت- ومن الناس من زعم أن التثبيت في الدنيا الفتح والنصر وفي الآخرة الجنة والثواب ولا يخفى أن هذا مما لا يكاد يقال، وأمر تعلق الجارين ما قدمنا وهذا عند بعضهم مثال إيتاء الشجرة أكلها كل حين وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ أي يخلق فيهم الضلال عن الحق الذي ثبت المؤمنين عليه حسب إرادتهم واختيارهم الناشئ عن سوء استعدادهم، والمراد بهم الكفرة بدليل مقابلتهم- بالذين آمنوا- ووصفهم بالظلم إما باعتبار وضعهم للشيء في غير موضعه، وإما باعتبار ظلمهم لأنفسهم حيث بدلوا فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها فلم يهتدوا إلى القول الثابت أو حيث قلدوا أهل الضلال وأعرضوا عن البينات الواضحة، وإضلالهم- على ما قيل- في الدنيا أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شيء وهم في الآخرة أضل وأزل. وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم. والبيهقي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الكافر إذا حضره الموت تنزل عليه الملائكة ﵈ يضربون وجهه ودبره فإذا دخل قبره اقعد فقيل له: من ربك؟ فلم يرجع إليهم شيئا وأنساه الله تعالى ذكر ذلك، وإذا قيل له: من الرسول الذي بعث إليكم؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئا فذلك قوله تعالى: وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ: وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ من تثبيت بعض وإضلال بعض آخرين حسبما توجبه مشيئته التابعة للحكم البالغة المقتضية لذلك، وفي إظهار الاسم الجليل في الموضعين من الفخامة وتربية المهابة ما لا يخفى مع ما فيه- كما قيل- من الإيذان بالتفاوت في مبادئ التثبيت والإضلال فإن مبدأ صدور كل منهما عنه من صفاته العلا غير ما هو مبدأ صدور الآخر، وفي ظاهر الآية من الرد على المعتزلة ما فيها أَلَمْ تَرَ تعجيب لرسول الله ﷺ أو لكل أحد مما صنع الكفرة من الأباطيل أي ألم تنظر إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ أي شكر نعمته تعالى الواجب عليهم ووضعوا موضعه كُفْراً عظيما وغمطا لها، فالكلام على تقدير مضاف حذف وأقيم المضاف إليه مقامه وهو المفعول الثاني وكُفْراً المفعول الأول، وتوهم بعضهم عكس ذلك، وقد لا يحتاج إلى تقدير على معنى أنهم بدلوا النعمة نفسها كفرا لأنهم لما كفروها سلبوها فبقوا مسلوبيها موصوفين بالكفر، وقد ذكر هذا كالأول الزمخشري، والوجهان كما في الكشف خلافا لما قرره الطيبي وتابعه عليه غيره متفقان في أن التبديل هاهنا تغيير في الذات إلا أنه واقع بين الشكر والكفر أو بين النعمة نفسها والكفر، والمراد بهم أهل مكة فإن الله سبحانه أسكنهم حرمه وجعلهم قوام بيته وأكرمهم بمحمد ﷺ فكفروا نعمة الله تعالى بدل ما ألزمهم من الشكر العظيم، أو أصابهم الله تعالى بالنعمة والسعة لإيلافهم الرحلتين فكفروا نعمته سبحانه فضربهم ﷻ بالقحط سبع سنين وقتلوا وأسروا يوم بدر فحصل لهم الكفر بدل النعمة وبقي ذلك طوقا في أعناقهم.

стр. 2794

وأخرج الحاكم وصححه. وابن جرير. والطبراني. وغيرهم من طرق عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال في هؤلاء المبدلين: هما الأفجران من قريش بنو أمية وبنو المغيرة فأما بنو المغيرة فقطع الله تعالى دابرهم يوم بدر، وأما بنو أمية فمتعوا إلى حين. وأخرج البخاري في تاريخه. وابن المنذر. وغيرهما عن عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك (١) . وجاء في رواية كما في جامع الأصول هم والله كفار قريش. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم، ولعله رضي الله تعالى عنه لا يريد أنها نزلت في جبلة ومن معه لأن قصتهم كانت في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه وإنما يريد أنها تخص من فعل فعل جبلة إلى يوم القيامة وَأَحَلُّوا أي أنزلوا قَوْمَهُمْ بدعوتهم إياهم لما هم فيه من الضلال، ولم يتعرض لحلولهم لدلالة الإحلال عليه إذ هو فرع الحلول كما قالوا في قوله تعالى في فرعون: يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ [هود: ٩٨] دارَ الْبَوارِ أي الهلاك من بار يبور بوارا وبورا، قال الشاعر: فلم أر مثلهم أبطال حرب ... غداة الحرب إذ خيف البوار وأصله- كما قال الراغب- فرط الكساد، ولما كان فرط الكساد يؤدي إلى الفساد كما قيل كسد حتى فسد عبر به عن الهلاك جَهَنَّمَ عطف بيان للدار، وفي الإبهام ثم البيان مالا يخفى من التهويل، وأعربه الحوفي وأبو البقاء بدلا منها، وقوله تعالى: يَصْلَوْنَها أي يقاسون حرها حال من الدار أو من جَهَنَّمَ أو من «قومهم» أو استئناف لبيان كيفية الحلول، وجوز أبو البقاء كون جَهَنَّمَ منصوبا على الاشتغال أي يصلون جهنم يصلونها وإليه ذهب ابن عطية، فالمراد بالإحلال حينئذ تعريضهم للهلاك بالقتل والأسر، وأيد بما روى عطاء أن الآية نزلت في قتلى بدر، وبقراءة ابن أبي عبلة جَهَنَّمَ بالرفع على الابتداء، ويحتمل أن يكون جَهَنَّمَ على هذه القراءة خبر مبتدأ محذوف واختاره أبو حيان معللا بأن النصب على الاشتغال مرجوح من حيث إنه لم يتقدم ما يرجحه ولا ما يجعله مساويا، وجمهور القراء على النصب ولم يكونوا ليقرؤوا بغير الراجح أو المساوي، إذ زيد ضربته بالرفع أرجح من زيدا ضربته فلذلك كان ارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف في تلك القراءة راجحا، وأنت تعلم أن قوله تعالى: قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ يرجح التفسير السابق وَبِئْسَ الْقَرارُ على حذف المخصوص بالذم أي بئس القرار هي أي جهنم أو بئس القرار قرارهم فيها، وفيه بيان أن حلولهم وصليّهم على وجه الدوام والاستمرار وَجَعَلُوا عطف على أَحَلُّوا أو ما عطف عليه داخل معه في حيز الصلة وحكم التعجيب أي جعلوا في اعتقادهم وحكمهم لِلَّهِ الفرد الصمد الذي ليس كمثله شيء وهو الواحد القهار أَنْداداً أمثالا في التسمية أو في العبادة، وقال الراغب: ند الشيء مشاركه في جوهره وذلك ضرب من المماثلة فإن المثل يقال في أي مشاركة كانت فكل ند مثل وليس كل مثل ندا، ولعل المعول عليه هنا ما أشرنا إليه. لِيُضِلُّوا قومهم الذين يشايعونهم حسبما ضلوا عَنْ سَبِيلِهِ القويم الذي هو التوحيد، وقيل: مقتضى ظاهر النظم الكريم أن يذكر كفرانهم نعمة الله تعالى ثم كفرانهم بذاته سبحانه باتخاذ الأنداد ثم إضلالهم لقومهم المؤدي إلى إحلالهم دار البوار، ولعل تغيير الترتيب لتثنية التعجيب وتكريره والإيذان بأن كل واحد من هذه الهنات يقضي منه العجب ولو سيق النظم على نسق الوجود لربما فهم التعجيب من المجموع، وله نظائر في الكتاب الجليل، وقرأ ابن

стр. 2795

كثير. وأبو عمرو. ورويس عن يعقوب لِيُضِلُّوا بفتح الياء، والظاهر أن اللام في القراءتين مثلها في قوله تعالى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً [القصص: ٨] وذلك أنه لما كان الإضلال أو الضلال نتيجة للجعل المذكور شبه بالغرض والعلة الباعثة فاستعمل له حرفه على سبيل الاستعارة التبعية قاله غير واحد وقيل عليه: إن كون الضلال نتيجة للجعل لله سبحانه أندادا غير ظاهر إذ هو متحد معه أو لازم لا ينفك عنه إلا أن يراد الحكم به أو دوامه. ورد بأنهم مشركون لا يعتقدون أنه ضلال بل يزعمون أنه اهتداء فقد ترتب على اعتقادهم ضده، على أن المراد بالنتيجة ما يترتب على الشيء أعم من أن يكون من لوزامه أولا وفيه تأمل قُلْ لأولئك الضلال المتعجب منهم تَمَتَّعُوا بما أنتم عليه من الشهوات التي من جملتها تبديل نعمة الله تعالى كفرا واستتباع الناس في الضلال، وجعل ذلك متمتعا به تشبيها له بالمشتهيات المعروفة لتلذذهم به كتلذذهم بها، وفي التعبير بالأمر- كما قال الزمخشري إيذان بأنهم لانغماسهم بالتمتع بما هم عليه وأنهم لا يعرفون غيره ولا يريدونه مأمورون به قد أمرهم آمر مطاع لا يسعهم أن يخالفوه ولا يملكون لأنفسهم أمرا دونه وهو آمر الشهوة وعلى هذا يكون قوله تعالى: فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ جواب شرط ينسحب عليه الكلام على ما أشار إليه بقوله: والمعنى إن دمتم على ما أنتم عليه من الامتثال لآمر الشهوة فإن مصيركم إلى النار، ويجوز أن يكون الأمر مجازا عن التخلية والخذلان وأن ذلك الآمر متسخط إلى غاية، ومثاله أن ترى الرجل قد عزم على أمر وعندك أن ذلك الأمر خطأ وأنه يؤدي إلى ضرر عظيم فتبالغ في نصحه واستنزاله عن رأيه فإذا لم تر منه إلا الإباء والتصميم حردت عليه وقلت: أنت وشأنك فافعل ما شئت فلا تريد بهذا حقيقة الأمر ولكنك كأنك تقول: فاذ قد أبيت قبول النصيحة فأنت أهل ليقال لك افعل ما شئت وتبعث عليه ليتبين لك إذا فعلت صحة رأي الناصح وفساد رأيك انتهى. قال صاحب الكشف: إن الوجهين مشتركان في إفادة التهديد لكن الأداء إليه مختلف، والأول نظير ما إذا أطاع أحد عبيدك بعض من تنقم طريقته فتقول: أطع فلانا، وهذا صحيح صدر من المنقوم أمر ومن العبد طاعة أو كان منه موافقة لبعض ما يهواه، والقسم الأخير هو ما نحن فيه والثاني ظاهر انتهى. وظاهر هذا أن التهديد على الوجهين مفهوم من صيغة الأمر، ويفهم من كلام بعض الأجلة أن ذلك على الوجه الأول من الشرطية وعلى الثاني من الأمر وما في حيز الفاء تعليل له، ولعل النظر الدقيق قاض بما أفتى به ظاهر ما في الكشف، وذكر غير واحد أن هذا كقول الطبيب لمريض يأمره بالاحتماء فلا يحتمي: كل ما تريد فإن مصيرك إلى الموت فإن المقصود- كما قال صاحب الفرائد- التهديد ليرتدع ويقبل ما يقول. وجعل الطيبي ما قرر في المثال هو المراد من قول الزمخشري إن في تَمَتَّعُوا إيذانا بأنهم لانغماسهم إلخ، وأنت تعلم أنه ظاهر في الوجه الثاني فافهم. والمصير مصدر صار التامة بمعنى رجع وهو اسم إن وإِلَى النَّارِ في موضع الخبر، ولا ينبغي أن يقال: إنه متعلق- بمصير- وهو من صار بمعنى انتقل ولذا عدى بالى لأنه يدعو إلى القول بحذف خبر إن وحذفه في مثل هذا التركيب قليل، والكثير فيما إذا كان الاسم نكرة والخبر جار ومجرور. والحوفي جوز هذا التعلق فالخبر عنده محذوف أي فإن مصيركم إلى النار واقع أو كائن لا محالة. ثم إنه تعالى لما هدد الكفار وأشار إلى انهماكهم في اللذة الفانية أمر نبيه ﷺ أن يأمر خلص عباده بالعبادة البدنية والمالية فقال سبحانه: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وخصهم بالإضافة إليه تعالى رفعا لهم وتشريفا وتنبيها على أنهم المقيمون لوظائف العبودية الموفون بحقوقها، وترك العطف بين الأمرين للإيذان بتباين حالهما تهديدا وغيره، ومقول القول على ما ذهب إليه المبرد. والأخفش. والمازني محذوف دل عليه يُقِيمُوا أي قل لهم: أقيموا الصلاة

стр. 2796

وأنفقوا. يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ والفعل المذكور مجزوم على أنه جواب قُلْ عندهم. وأورد أنه لا يلزم من قوله ﵊: أقيموا وأنفقوا أن يفعلوا. ورد بأن المقول لهم الخلص وهم متى أمروا امتثلوا، ومن هنا قالوا: إن في ذلك إيذانا بإكمال مطاوعتهم وغاية مسارعتهم إلى الامتثال، ويشد عضد ذلك حذف المقول لما فيه من إيهام أنهم يفعلون من غير أمر، على أن مبنى الإيراد على أنه يشترط في السببية التامة وقد منع. وجعل ابن عطية- قل- بمعنى بلغ وأد الشريعة والزم في جواب ذلك. وهو قريب مما تقدم. وحكي عن أبي علي وعزي للمبرد أن الجزم في جواب الأمر المقول المحذوف، وتعقبه أبو البقاء بأنه فاسد لوجهين: الأول أن جواب الشرط لا بد أن يخالف فعل الشرط إما في الفعل أو في الفاعل أو فيهما فإذا اتحدا لا يصح كقولك: قم تقم إذ التقدير هنا إن يقيموا يقيموا. والثاني أن الأمر المقدر للمواجهة والفعل المذكور على لفظ الغيبة وهو خطأ إذا كان الفاعل واحدا. وقيل عليه: إن الوجه الأول قريب، وأما الثاني فليس بشيء لأنه يجوز أن تقول: قل لعبدك أطعني يطعك وإن كان للغيبة بعد المواجهة باعتبار حكاية الحال. وعن أبي علي وجماعة أن يُقِيمُوا خبر في معنى اومر وهو مقول القول. ورد بحذف النون وهي في مثل ذلك لا تحذف، ومنه قوله تعالى: هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ إلى قوله سبحانه: تُؤْمِنُونَ [الصف: ١٠، ١١] إذ المراد منه آمنوا، والقول بأنه لما كان بمعنى الأمر بني على حذف النون كما بني الاسم المتمكن في النداء على الضم في نحو يا زيد لما شبه بقبل وبعد ما لم يبن إنما لوحظ فيه لفظه مما لا يكاد يلتفت إليه، وذهب الكسائي. والزجاج وجماعة إلى أنه مقول القول وهو مجزوم بلام أمر مقدرة أي ليقيموا وينفقوا على حد قول الأعشى: محمد تفد نفسك كل نفس ... إذا ما خفت من أمر تبالا وأنت تعلم أن إضمار الجازم أضعف من إضمار الجار إلا أن تقدم قُلْ نائب منابه كما أن كثرة الاستعمال في أمر المخاطب ينوب مناب ذلك. والشيء إذا كثر في موضع أو تأكد الدلالة عليه جاز حذفه، منه حذف الجار من أني إذا كانت بمعنى من أين، وبما ذكرنا من النيابة فارق ما هنا ما في البيت فلا يضرنا تصريحهم فيه بكون الحذف ضرورة، وعن ابن مالك أنه جعل حذف هذه اللام على أضرب. قليل. وكثير. ومتوسط، فالكثير أن يكون قبله قول بصيغة الأمر كما في الآية، والمتوسط ما تقدمه قوله غير أمر كقوله: قلت لبواب لديه دارها ... تيذن فإني حمها وجارها والقليل ما سوى ذلك. وظاهر كلام الكشف اختيار هذا الوجه حيث قال المدقق فيه: والمعنى على هذا أظهر لكثرة ما يلزم من الإضمار، وإن تقييد الجواب بقوله تعالى: مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ إلى وَلا خِلالٌ ليس فيه كثير طائل إنما المناسب تقييد الأمر به، وقال: ابن عطية: ويظهر أن مقول القول اللَّهُ الَّذِي إلخ ولا يخفى ما في ذلك من التفكيك، على أنه لا يصح حينئذ أن يكون يُقِيمُوا مجزوما في جواب الأمر لأن قول اللَّهُ الَّذِي إلخ لا يستدعي إقامة الصلاة والإنفاق إلا بتقدير بعيد جدا هذا، والمراد بالصلاة قيل ما يعم كل صلاة فرضا كانت أو تطوعا، وعن ابن عباس تفسيرها بالصلاة المفروضة وفسر الإنفاق بزكاة الأموال. ولا يخفى عليك أن زكاة المال إنما فرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد صدقة الفطر وإن هذه السورة كلها مكية عند الجمهور، والآيتين ليست هذه الآية إحداهن عند بعض، ثم إن لم يكن هذا المأمور به في الآية مأمورا به من قبل فالأمر ظاهر وإن كان مأمورا به فالأمر للدوام فتحقق ذلك ولا تغفل سِرًّا وَعَلانِيَةً منتصبان على المصدرية

стр. 2797

لكن من الأمر المقدر أو من الفعل المذكور على ما ذهب إليه الكسائي ومن معه على ما قيل، والأصل انفاق سر وانفاق علانية فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فانتصب انتصابه، ويجوز أن يكون الأصل إنفاقا سرا وإنفاقا علانية فحذف الموصوف وأقيمت صفته مقامه، وجوز أن يكونا منتصبين على الحالية إما على التأويل بالمشتق أو على تقدير مضاف أي مسرين ومعلنين أو ذوي سر وعلانية أو على الظرفية أي في سر وعلانية، وقد تقدم الكلام في حكم نفقة السر ونفقة العلانية مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ فيبتاع المقصر فيه ما يتلافى به تقصيره أو يفتدي به نفسه، والمقصود- كما قال بعض المحققين- نفي عقد المعاوضة بالمرة، وتخصيص البيع بالذكر للإيجاز مع المبالغة نفي العقد إذ انتفاء البيع يستلزم انتفاء الشراء على أبلغ وجه وانتفاؤه ربما يتصور مع تحقق الإيجاب من البائع انتهى، وقيل: إن البيع كما يستعمل في إعطاء المثمن وأخذ الثمن وهو المعنى الشائع يستعمل في إعطاء الثمن وأخذ المثمن وهو معنى الشراء، وعلى هذا جاء قوله ﷺ : «لا يبيعن أحدكم على بيع أخيه» ولا مانع من إرادة المعنيين هنا، فإن قلنا بجواز استعمال المشترك في معنييه مطلقا كما قال به الشافعية أو في النفي كما قال به ابن الهمام فذاك وإلا احتجنا إلى ارتكاب عموم المجاز فكأنه قيل: لا معاوضة فيه وَلا خِلالٌ أي مخالة فهو كما قال أبو عبيدة وغيره مصدر خاللته كالخلال، وقال الأخفش: هو جمع خليل كأخلاء وأخلة، والمراد واحد وهو نفي أن يكون هناك خليل ينتفع به بأن يشفع له أو يسامحه بما يفتدي به، ويحتمل أن يكون المعنى من قبل أن يأتي يوم لا انتفاع فيه لما لهجوا بتعاطيه من البيع والمخالة ولا انتفاع بذلك وإنما الانتفاع والارتفاق فيه بالإنفاق لوجه الله تعالى، فعل الأول المنفي البيع والخلال في الآخرة، وعلى هذا المراد نفي البيع والخلال الذين كانا في الدنيا بمعنى نفي الانتفاع بهما، وفِيهِ ظرف للانتفاع المقدر حسبما أشرنا إليه، ولا يشكل ما هنا مع قوله تعالى: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ [الزخرف: ٦٧] حيث أثبت فيه المخالة وعدم العداوة بين المتقين لأن المراد هنا على ما قيل نفي المخالة النافعة بذاتها في تدارك ما فات ولم يذكر في تلك الآية أن المتقين يتدارك بعضهم لبعض ما فات. وقيل في التوفيق بين الآيتين: إن المراد لا مخالة بسبب ميل الطبع ورغبة النفس وتلك المخالة الواقعة بين المتقين في الله تعالى، مع أن الاستثناء من الإثبات لا يلزمه النفي وإن سلم لزومه فنفي العداوة لا يلزم منه المخالة وهو كما ترى ومثله ما قيل: إن الإثبات والنفي بحسب المواطن. والظرف على ما استظهره غير واحد متعلق بالأمر المقدر، وعلقه بالفعل المذكور من رأى رأي الكسائي ومن معه بل وبعض من رأي غير ذلك إلا أنه لا يخلو عن شيء، وتذكير إتيان ذلك اليوم على ما في إرشاد العقل السليم لتأكيد مضمون الأمر من حيث إن كلا من فقدان الشفاعة وما يتدارك به التقصير معاوضة وتبرعا وانقطاع آثار البيع والخلال والواقعين في الدنيا وعدم الانتفاع بهما من أقوى الدواعي إلى الإتيان بما تبقى عوائده وتدوم فوائده من الإنفاق في سبيل الله تعالى أو من حيث إن ادخار المال وترك إنفاقه إنما يقع غالبا للتجارات والمهاداة فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة فلا وجه لادخاره إلى وقت الموت. وتخصيص أمر الإنفاق بذلك التأكيد لميل النفوس إلى المال وكونها مجبولة على حبه والضنة به. وفيه أيضا أنه لا يبعد أن يكون تأكيدا لمضمون الأمر بإقامة الصلاة أيضا من حيث إن تركها كثيرا ما يكون للاشتغال بالبياعات والمخاللات كما في قوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١١] وأنت تعلم بعده لفظا بناء على تعلق سِرًّا وَعَلانِيَةً بالأمر بالإنفاق، ثم إن ما ذكر من الوجهين في الآية هو الذي ذكره بعض المحققين، واقتصر الزمخشري فيها على الوجه الثاني، وكلامه في تقريره ظاهر في أن فائدة التقييد الحث على الإنفاق حسبما بينه في الكشف، وفيه في تقرير الحاصل أن قوله تعالى: لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ أي لا انتفاع بهما كناية عن الانتفاع بما يقابلهما وهو ما

стр. 2798

أنفق لوجه الله تعالى فهو حث على الإنفاق لوجهه سبحانه كأنه قيل: لينفقوا له من قبل أن يأتي يوم ينتفع بانفاقهم المنفقون له ولا ينفع الندم لمن أمسك، والعدول إلى ما في النظم الجليل ليفيد الحصر وإن ذلك وحده هو المنتفع به، وليفيد المضادة بين ما ينفع عاجليا وما ينفع آجليا، وذكر في آية [البقرة: ٢٥٤] مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ أن المعنى من قبل أن يأتي يوم لا تقدرون فيه على تدارك ما فاتكم من الإنفاق لأنه لا بيع حتى تبتاعوا ما تنفقونه ولا خلة حتى يسامحكم أخلاؤكم به، وبين المدقق وجه اختصاص كل من المعنيين بموضعه مع صحة جريانهما جميعا في كل من الموضعين بأن الأول خطاب عام فكان الحث فيه على الإنفاق مطلاقا وتصوير أن الإنفاق نفسه هو المطلوب فليغتنم قبل أن يأتي يوم يفوت فيه ولا يدركه الطالب هو الموافق لمقتضى المقام وأن الثاني لما اختص بالخلص كان الموافق للمقام تحريضهم على ما هم عليه من الإنفاق ليدوموا عليه فقيل: دوموا عليه وتمسكوا به تغتبطوا يوم لا ينفع إلا من دام عليه، ولو قيل: دوموا عليه قبل أن يفوتكم ولا تدركوه لم يكن بتلك الوكادة لأن الأول بالحث على طلب أصل الفعل أشبه والثاني بطلب الدوام فتفطن له اه ولا يخلو عن دغدغة. وقرأ أبو عمرو وابن كثير ويعقوب «لا بيع فيها ولا خلال» بفتح الاسمين تنصيصا على استغراق النفي، ودلالة الرفع على ذلك باعتبار خطابي هو على ما قيل وقوعه في جواب هل فيه بيع أو خلال؟ ثم إنه لما ذكر سبحانه أحوال الكافرين لنعمه وأمر المؤمنين بإقامة مراسم الطاعة شكرا لها شرع جل وعلا في تفصيل ما يستوجب على كافة الأنام المثابرة على الشكر والطاعة من النعم العظام والمنن الجسام للمؤمنين عليها وتقريعا للكفرة المخلين أتم إخلال بها فقال عز قائلا: اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ إلخ، وهذا أولى مما قيل: إنه تعالى لما أطال الكلام في وصف أحوال السعداء والأشقياء وكان حصول السعادة بمعرفة الله تعالى وصفاته والشقاوة بالجهل بذلك ختم الوصف بالدلائل الدالة على وجوده جل شأنه وكمال علمه وقدرته فقال سبحانه ما قال لظهور اعتبار المذكورات في حيز الصلة نعما لا دلائل، والاسم الجليل مبتدأ والموصول خبره ولا يخفى ما في الكلام من تربية المهابة والدلالة على قوة السلطان، والمراد خلق السموات وما فيها من الإجرام العلوية والأرض وما فيها من أنواع المخلوقات وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ أي السحاب ماءً أي نوعا منه وهو المطر، وسمي السحاب سماء لعلوه وكل ما علاك سماء وقيل: المراد بالسماء الفلك المعلوم فإن المطر منه يتبدى إلى السحاب ومن السحاب إلى الأرض، وعليه الكثير من المحدثين لظواهر الأخبار. واستبعد ذلك الإمام لأن الإنسان ربما كان واقفا على قلة جبل عال ويرى السحاب أسفل منه فإذا نزل رآه ماطرا، ثم قال: وإذا كان هذا أمرا مشاهدا بالبصر كان النزاع فيه باطلا، وأول بعضهم الظواهر لذلك بأن معنى نزول المطر من السماء نزوله بأسباب ناشئة منها، وأيّا ما كان «فمن» ابتدائية وهي متعلقة «بأنزل» وتقديم المجرور على المنصوب إما باعتبار كونه مبتدأ لنزوله أو لتشريفه كما في قولك: أعطاه السلطان من خزائنه مالا أو لما مر غيره مرة من التشويق إلى المؤخر فَأَخْرَجَ بِهِ أي بذلك الماء مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ تعيشون به وهو بمعنى المرزوق مرادا به المعنى اللغوي وهو كل ما ينتفع به فيشمل المطعوم والملبوس، ونصبه على أنه مفعول فَأَخْرَجَ ومِنَ الثَّمَراتِ بيان له فهو في موضع الحال منه، وتقدم مِنَ البيانية على ما تبينه قد أجازه الكثير من النحاة وقد مر الكلام في ذلك، واستظهر أبو حيان المانع لذلك كون مِنَ للتبعيض، والجار والمجرور في موضع الحال ورِزْقاً مفعول فَأَخْرَجَ أيضا، وجوز أن تكون مِنَ بمعنى بعض مفعول أخرج ورِزْقاً بمعنى مرزوقا حالا منه فهو بيان للمراد من بعض الثمرات لأن منها ما ينتفع به فهو رزق ومنها ما ليس كذلك، ويجوز أن يكون رِزْقاً باقيا على مصدريته،

стр. 2799

ونصبه على أنه مفعول له أي أخرج به ذلك لأجل الرزق والانتفاع به أو مفعول مطلق- لأخرج- لأن أخرج بعض الثمرات في معنى رزق فيكون في معنى قعدت جلوسا على المشهور، وقيل: من زائدة ولا يرى جواز ذلك هنا إلا الأخفش ولَكُمْ صفة- لرزقا- إن أريد به المرزوق ومفعول به إن أريد به المصدر كأنه قيل: رزقا إياكم، والباء للسبية. ومعنى كون الإخراج بسببه أن الله تعالى أودع فيه قوة مؤثرة بإذنه في ذلك حسبما جرت به حكمته الباهرة مع غناه الذاتي سبحانه عن الاحتياج إليه في الإخراج، وهذا هو رأي السلف الذي رجع إليه الأشعري كما حقق في موضعه، وزعم من زعم أن المراد أخرج عنده والتزموا هذا التأويل في ألوف من المواضع وضللوا القائلين بأن الله تعالى أودع في بعض الأشياء قوة مؤثرة في شيء ما حتى قالوا: إنهم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان، وأولئك عندي أقرب إلى الجنون وسفاهة الرأي. والثَّمَراتِ يراد بها ما يراد من جمع الكثرة لأن صيغ الجموع يتعاور بعضها موضع بعض أو لأنه أريد بالمفرد جماعة الثمرة التي في قولك: أكلت ثمرة بستان فلان، وقد تقدم لك ما ينفعك تذكره في هذا المقام فتذكر وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ السفن بأن أقدركم على صنعتها واستعمالها بما ألهمكم كيفية ذلك، وقيل: بأن جعلها لا ترسب في الماء لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ حيث توجهتم بِأَمْرِهِ بمشيئته التي بها نيط كل شيء، وتخصيصه بالذكر على ما ذكره بعض المحققين للتنصيص على أن ذلك ليس بمزاولة الأعمال واستعمال الآلات كما يتراءى من ظاهر الحال، ويندرج في تسخير الفلك كما في البحر تسخيره (١) وكذا تسخير الرياح وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ جعلها معدة لانتفاعكم حيث تشربون منها وتتخذون جداول تسقون بها زروعكم وجناتكم وما أشبه ذلك، هذا إذا أريد بالأنهار المياه العظيمة الجارية في المجاري المخصوصة وأما إذا أريد بها نفس المجاري فتسخيرها تيسيرها لهم لتجري فيها المياه وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ أي دائمين في الحركة لا يفتران إلى انقضاء عمر الدنيا. أخرج ابن أبي حاتم. وأبو الشيخ في العظمة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: الشمس بمنزلة الساقية تجري بالنهار في السماء في فلكها فإذا غربت جرت بالليل في فلكها تحت الأرض حتى تطلع من مشرقها وكذلك القمر، والقول بجريانهما إذا غربا تحت الأرض مروي أيضا عن الحسن البصري وهو الذي يشهد له العقل السليم وللأخباريين غير ذلك، وظاهر الآية إثبات الحركة لهما أنفسهما. والفلاسفة يثبتون لهما حركتين يسمون إحداهما الحركة الأولى وهي الحركة اليومية من المشرق إلى المغرب الحاصلة لها بقسر المحدد لفلكيهما، والأخرى الحركة الثانية وهي الحركة على توالي البروج من المغرب إلى المشرق الحاصلة لهما بحركة فلكيهما حركة ذاتية، ولا يثبتون لهما حركة في ثخن الفلك على نحو حركة السمكة في الماء لصلابة الفلك وعدم قبوله الخرق أصلا عندهم. وأثبت الشيخ الأكبر قدس سره في فتوحاته حركتهما على ذلك النحو، والفلك عنده مثل الماء والهواء. ذكر بعض الأخباريين أنهما وسائر الكواكب معلقة بسلاسل من نور بأيدي ملائكة يسيرونها كيف شاء الله تعالى وحيث شاء سبحانه، والأفلاك ساكنة عند هذا البعض، وكذا عند الشيخ قدس سره على ما يقتضيه ظاهر كلامه، والأخبار في هذا الباب ليست بحيث تسد ثغر الخصم. وذكر النسفي أنه ليس فيها ما يعول عليه، وكلام الفلاسفة ما لم يكن فيه مصادمة لما تحقق عن المخبر الصادق لله مما لا بأس به، وفسر بعضهم دائِبَيْنِ بمجدين تعبين وهو

стр. 2800

على التشبيه والاستعارة، وأصل الدأب العادة المستمرة، ونصب الاسم على الحال، وتسخير هذين الكوكبين العظيمين جعلهما منيرين مصلحين ما نيط بهما صلاحه من المكونات، ولعمري أن الله سبحانه جعلهما اجدى من تفاريق العصا. وفي كتاب المشارع والمطارحات للشيخ شهاب الدين السهروردي قتيل حلب أن تأثير الشمس والقمر أظهر الآثار السماوية، وتأثير الشمس أظهر من تأثير القمر، وأظهر الآثار بعد الشعاع التسخين الحاصل منه ولولا ذلك ما كان كون ولا فساد ولا استحالة ولا ليل ولا نهار ولا فصول ولا مزاج ولا حيوانات ولا غيرها، وأطال الكلام في بيان ذلك وما يتعلق به، ولا ضرر عندي في اعتقاد أنهما مؤثران بإذن الله تعالى كسائر الأسباب عند السلف الصالح وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ يتعاقبان لسباتكم ومعاشكم، وأرجع بعض المحققين التسخير في المواضع الأربعة إلى معنى التصريف، وأصله سياقة الشيء إلى الغرض المختص به قهرا، وذكر أن في التعبير عن ذلك به من الإشعار بما في ذلك من صعوبة المأخذ وعزة المنال والدلالة على عظم السلطان وشدة المحال ما لا يخفى، والظاهر أنه في المعنى المراد به هنا مجاز في تلك المواضع جميعا، ونقل أبو حيان عن المتكلمين أنه مجاز في الأخير منها قال: لأن الليل والنهار عرضان والأعراض لا تسخر وفيه قصور، وفي إبراز كل من هذه النعم في جملة مستقلة تنويه لشأنها وتنبيه على رفعة مكانها وتنصيص على كون كل نعمة جليلة مستوجبة للشكر. وتأخير تسخير الشمس والقمر عن تسخير ما تقدم من الأمور مع ما بينه وبين خلق السموات من المناسبة الظاهرة قيل: لاستتباع ذكرها لذكر الأرض المستدعي لذكر إنزال الماء منها إليها الموجب لذكر إخراج الرزق الذي من جملته ما يحصل بواسطة الفلك والأنهار أو للتفادي عن توهم كون الكل- أعني خلق السموات والأرض وتسخير الشمس والقمر- نعمة واحدة، وقد تقدم نظيره آنفا، وذكر بعضهم في وجه ذكر هذه المتعاطفات على هذا الأسلوب أنه بدأ بخلق السموات والأرض لأنهما أصلان يتفرع عليهما سائر ما يذكر بعد، وثنى بإنزال الماء من السماء وإخراج الثمرات به لشدة تعلق النفوس بالرزق فيكون تقديمه من قبيل تعجيل المسرة. ولما كان الانتفاع بما ينبت من الأرض إنما يكمل بوجود الفلك الجواري في البحر وذلك لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع من ذلك وبالنقل يكثر الربح ذكر سبحانه تسخير الفلك التي ينقل عليها واقتصر عليها اعتناء بشأنها، ولما ذكر أمر الثمرات وما به يكمل الانتفاع بها من حيث النقل ذكر تسخير الأنهار العذبة التي يشرب منها الناس في سائر الأحيان إتماما لأمر الرزق وذكر تسخير الشمس والقمر بعد لأن الانتفاع بهما ليس بالمباشرة كالانتفاع بالفلك والانتفاع بالأنهار، وأخر تسخير الليل والنهار لأنهما عرضان وما تقدمهما جوهر والعرض من حيث هو بعد الجوهر اه، وليس بشيء يعول عليه. وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ أي أعطاكم بعض جميع من سألتموه حسبما تقتضيه مشيئته التابعة للحكمة والمصلحة- فمن كل- مفعول ثان- لآتي- ومِنْ تبعيضية، وقال بعض الكاملين: إن كُلِّ للتكثير والتفخيم لا للإحاطة والتعميم كما في قوله تعالى: وفَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ [الأنعام: ٤٤] واعترض على حمل مِنْ على التبعيض دون ابتداء الغاية بأنه يفضي إلى إخلاء لفظ كُلِّ عن فائدة زائدة لأن ما نص في العموم بل يوهم إيتاء البعض من كل فرد متعلق به السؤال ولا وجه له. ودفع بأنه بعد تسليم كون ما نصا في العموم هنا عمومان عموم الأفراد وعموم الأصناف بمعنى كل صنف صنف وهما مقصودان هنا، فالمعنى أعطاكم من جميع أفراد كل صنف سألتموه، فإن الاحتياج بالذات إلى النوع والصنف لا لفرد بخصوصه، وفسر ما سَأَلْتُمُوهُ بما من شأنه أن يسأل لاحتياج الناس إليه سواء سئل بالفعل أم لم يسأل، فلا ينفى إيتاء ما لا حاجة إليه مما لا يخطر بالبال، وجعلوا الاحتياج إلى الشيء سؤالا له بلسان الحال وهو من

стр. 2801

باب التمثيل، وسبيل هذا السؤال سبيل الجواب في رأي في قوله تعالى: أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ؟ قالُوا: بَلى [الأعراف: ١٧٢] وقيل: الأصل وآتاكم من كل منا سألتموه وما لم تسألوه فحذف الثاني لدلالة ما أبقى على ما ألقى، وما يحتمل أن تكون موصولة والضمير المنصوب في سَأَلْتُمُوهُ عائد عليها، والتقدير من كل الذي سألتموه إياه ومنع أبو حيان جواز أن يكون راجعا إليه تعالى يكون العائد على الموصول محذوفا مستندا بأنه لو قدر متصلا لزم اتصال ضميرين متحدي الرتبة من دون اختلاف وهو لا يجوز (١) ولو قدر منفصلا حسبما تقتضيه القاعدة في مثل ذلك لزم حذف العائد المنفصل وقد نصوا على عدم جوازه اه. وذهب بعضهم إلى جواز كلا التقديرين مدعيا أن منع اتصال المتحدين رتبة خاصة فيما إذا ذكرا معا أما إذا ذكر أحدهما وحذف الآخر فلا منع إذ الاتصال حينئذ محض اعتبار وعلة المنع لا تجري فيه، وأن منع حذف المنفصل خاص أيضا فيما إذا كان الانفصال لغرض معنوي كالحصر في قولك: جاء الذي أباه ضربت إذ بالحذف حينئذ يفوت ذلك الغرض، أما إذا كان لغرض لفظي كدفع اجتماع المثلين فلا منع إذ ليس هناك غرض يفوت، ويحتمل أن تكون موصوفة والكلام في الضمير كما تقدم، وأن تكون مصدرية والضمير لله تعالى والمصدر بمعنى المفعول أي مسؤولكم. وقرأ ابن عباس والضحاك، والحسن ومحمد بن علي وجعفر بن محمد وعمرو بن قائد وقتادة وسلام. ويعقوب ونافع في رواية مِنْ كُلِّ بالتنوين أي وآتاكم من كل شيء ما احتجتم إليه وسألتموه بلسان الحال، وجوز على هذه القراءة أن تكون ما نافية والمفعول الثاني مِنْ كُلِّ كما في قوله تعالى: وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [النمل: ٢٣] والجملة المنفية في موضع الحال أي أتاكم من كل غير سائليه، وهو إخبار منه تعالى بسبوغ نعمته سبحانه عليهم بما لم يسألوه من النعم وروي هذا عن الضحاك، ولا يخفى أن الوجه هو الأول لما أن القراءة على هذا الوجه تخالف القراءة الأولى والأصل توافق القراءتين وإن فهم منها إيتاء ما سألوه بطريق الأولى. وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ أي ما أنعم به عليكم كما هو الظاهر. وقال الواحدي: إن نِعْمَتَ هنا اسم أقيم مقام المصدر يقال: أنعم إنعاما ونعمة كما يقال أنفقت إنفاقا ونفقة فالنعمة بمعنى الإنعام ولذا لم تجمع، والمعول عليه ما أشرنا إليه من أنها اسم جنس بمعنى المنعم به، والمراد بها الجمع كأنه قيل: وإن تعدوا نعم الله لا تُحْصُوها وقد نص بعضهم على أن المفرد يفيد الاستغراق بالإضافة وما قيل: إن الاستغراق ليس مأخوذا من الإضافة بل من الشرط والجزاء المخصوصين فيه نظر لأن الحكم المذكور يقتضي صحة إرادته منه ولولاه تنافيا، والمراد- بلا تحصوها- لا تطيقوا حصرها ولو إجمالا فإنها غير متناهية، وأصل الإحصاء العد بالحصى فإن العرب كانوا يعتمدونه في العد كاعتمادنا فيه على الأصابع ولذا قال الأعشى: ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر ثم استعمل لمطلق العد وقال بعض الأفاضل: إن أصله أن الحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد وضع حصاة ليحفظه بها ففيه إيذان بعدم بلوغ مرتبة معتد بها من مراتبها فضلا عن بلوغ غايتها وهو من الحسن بمكان إلا أنه ذهب إلى الأول الراغب وغيره، ولو الإحصاء بالحصر لئلا يتنافى الشرط والجزاء إذا ثبت في الأول العد ونفي في الثاني ولو أول إِنْ تَعُدُّوا بأن تريدوا العد يندفع السؤال على ما قيل أيضا والأول أولى، وقال بعض الفضلاء: إن المعنى أن تشرعوا في عد أفراد نعمة من نعمه تعالى لا تطيقوا عدها.

стр. 2802

وإنما أتى بإن وعدم العد مقطوع به نظرا إلى توهم أنه يطاق، قيل: والكلام عليه أبلغ منه على الأول لما فيه من الإشارة إلى أن النعمة الواحدة لا يمكن عد تفاصيلها، لكن أنت تعلم أن الظاهر هو الأول. وقد ذكر الإمام مثالين يستوضح بهما الوقوف على أن نعم الله تعالى لا تحصى ولا يمكن أن تستقصى فقال: الأول أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان دماغية ونخاعية، والدماغية سبعة وقد اتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد منها، ولا شك أن كل واحدة تنقسم إلى شعب كثيرة وكل واحدة من تلك الشعب تنقسم أيضا إلى شعب أدق من الشعر، ولكل واحد منها ممر إلى الأعضاء، ولو أن واحدة اختلت كيفا أو وضعا أو نحو ذلك لاختلت مصالح البنية، ولكل منها على كثرتها حكم مخصوصة، وكما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين والأوردة، وفي كل واحد من الأعضاء البسيطة والمركبة بحسب الكمية والوضع والفعل الانفعال حتى ترى أقسام هذا الباب بحرا لا ساحل له، وإذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان فاعتبر في نفسه وروحه فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجسام وإذا اعتبرت أحوال عالم الأفلاك والكواكب وطبقات العناصر وعجائب البر والبحر والنبات والمعدن والحيوان ظهر لك أن عقول جميع الخلائق لو ركبت وجعلت عقلا واحدا وتأمل به الإنسان في حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل. الثاني أنه إذا أخذت لقمة من الخبز لتضعها في فمك فانظر إلى ما قبلها وإلى ما بعدها، فأما الأول فاعرف أنها لا تتم إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائما على الوجه الأصوب لأن الحنطة لا بد منها ولا تنبت إلا بمعونة الفصول وتركب الطبائع وظهور الأمطار والرياح، ولا يحصل شيء من ذلك إلا بدوران الأفلاك واتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة، ثم بعد أن تكون الحنطة لا بد لها من آلات الطحن ونحوه وهي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال ثم تأمل كيف تكونت على الأشكال المخصوصة، ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر حتى يمكن الطبخ، وأما الثاني فتأمل في تركيب بدن الحيوان وهو أنه تعالى كيف خلق ذلك حتى يمكنه الانتفاع بتلك اللقمة، وإنه كيف يتضرر الحيوان بالأكل وفي أي الأعضاء تحدث تلك المضار فلا يمكنك أن تعرف القليل إلا بمعرفة علم التشريح وعلم الطب على الوجه الأكمل، وأنى للعقول بإدراك كل ذلك فظهر بالبرهان الباهر صحة هذه الشرطية اه. وقال مولانا أبو السعود قدس سره بعد كلام: وإن رمت العثور على حقيقة الحق والوقوف على ما جل من السرودق فاعلم أن الإنسان بمقتضى حقيقته الممكنة بمعزل عن استحقاق الوجود وما يتبعه من الكمالات اللائقة والملكات الرائقة بحيث لو انقطع ما بينه وبين العناية الإلهية من العلاقة لما استقر له القرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم والبوار ومهاوي الهلاك والدمار لكن يفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدس في كل زمان يمضي وكل آن يمر وينقضي من أنواع الفيوض المتعلق بذاته ووجوده وسائر الصفات الروحانية والنفسانية والجسمانية ما لا يحيط به نطاق التعبير ولا يعلمه إلا اللطيف الخبير، وتوضيحه أنه كما لا يستحق الوجود ابتداء لا يستحقه بقاء وإنما ذلك من جناب المبدئ الأول عز شأنه وجل فكما لا يتصور وجوده ابتداء ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الأصلي لا يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققه بعلته ما لم ينسد عليه جميع أنحاء عدمه الطارئ لأن الاستمرار والدوام من خصائص الوجود الواجبي. وأنت خبير بأن ما يتوقف عليه وجوده من الأمور الوجودية التي هي علله وشرائطه وإن وجب كونها متناهية لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكم الأمور العدمية التي لها دخل في وجوده ليست كذلك إذ لا استحالة في أن يكون لشيء واحد موانع غير متناهية، وإنما الاستحالة في دخولها تحت الوجود وارتفاع تلك الموانع التي لا تتناهى أعني بقاءها على العدم مع إمكان وجودها في أنفسها في كل آن من آنات وجوده، نعم غير متناهية حقيقة لا ادعاء،

стр. 2803

وكذا الحال في وجودات علله وشرائطه القريبة والبعيدة ابتداء وبقاء، وكذا في كمالاته التابعة لوجوده اه، ويتراءى منه أنه قد ترك الإمام في تحقيق هذا المقام وراءه وأنه لو سمع ذلك لاقتدى به في ذكره ولعد من النعم اقتداءه وقريب منه ما يقال في بيان عدم تناهي النعم: إن الوجود نعمة وكذا كل ما يتبعه من الكمالات، وذلك موقوف على وجوده تعالى في الأزمنة الموهومة الغير المتناهية، وتحقق ما يتوقف عليه وجود النعمة نعمة فتحققه سبحانه في كل آن من تلك الآنات نعمة، فالنعم غير متناهية، ولك أن تقول من بيان ذلك: إنه ما من إنسان إلا وقد دفع الله تعالى عنه من البلايا ما لا يحيط به نطاق الحصر لأن البلايا الداخلة تحت حيطة الإمكان غير متناهية، ولا شك أن دفع كل بلية نعمة فتكون النعم غير متناهية، ولا شك أن دفع كل بلية نعمة فتكون النعم غير متناهية، ومما يوضح عدم تناهي البلايا الممكنة أن أهل النار المخلدين فيها لا زال عذابهم بازدياد كما يرشد إليه قوله تعالى: فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذاباً [النبأ: ٣٠] وقد ذكر غير واحد في ذلك أنهم كلما استغاثوا من نوع من العذاب أغيثوا بأشد من ذلك، فيكون كل مرتبة منه متناهيا في الشدة وإن كانت مراتبه غير متناهية بحسب العدد والمدة وعلى هذا نعم الله تعالى على المبتلي أيضا لا تحصى. وفي رواية ابن أبي الدنيا. والبيهقي عن ابن مسعود قال: إن لله تعالى على أهل النار منة فلو شاء أن يعذبهم بأشد من النار لعذبهم. ثم الظاهر المراد بالنعمة معناها اللغوي- أعني الأمر الملائم- لا المعنى الشرعي- أعني الملائم الذي تحمد عاقبته- إذ لا يتأتى عليه عموم الخطاب، ولا يبعد إطلاق النعمة بذلك المعنى على نحو رفع الموانع وتحقق العلل والشرائط حسبما ذكر سابقا، وظاهر ما تقدم يقتضي أن النعم في حد ذاتها غير محصورة والآية ظاهرة في أن الإنسان لا يحصرها بالعد وفرق بين الأمرين فتدبر. وبالجملة ليس للعبد إلا العجز عن الوقوف على نهاية نعمه وكذا العجز عن شكر ذلك، وما أحسن ما قال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: من لم يعرف نعمة الله تعالى عليه إلا في مطعمه ومشربه فقد قل علمه وحضر عذابه. وأخرج البيهقي في الشعب. وغيره عن سليمان التيمي قال: إن الله تعالى أنعم على العباد على قدره سبحانه وكلفهم الشكر على قدرهم، وعن طلق بن حبيب قال: إن حق الله تعالى أثقل من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله سبحانه أكثر من أن يحصيها العباد ولكن أصبحوا توابين وأمسوا توابين. وأفضل نعمه جل شأنه على عباده على ما روي عن سفيان بن عيينة أن عرفهم أن لا إله إلا الله. وأخرج ابن أبي الدنيا. وغيره عن أبي أيوب القرشي مولى بني هاشم أن داود ﵇ قال: رب أخبرني ما أدنى نعمتك علي؟ فأوحى الله تعالى إليه يا داود تنفس فتنفس فقال ﵎: هذا أدنى نعمتي عليك. واشتهر أن أول النعم المقصودة لذاتها الوجود وأنه معدن كل كمال كما أن العدم معدن كل نقص. ويدل على أنه نعمة لا يكاد يقاس بها غيرها عند كثير من الناس أن الإنسان منهم يفدي نفسه بملك الدنيا لو كان بيده وعلم أن الفداء ممكن إذا ألم به الألم وتحقق العدم. ومن العجيب أن أبا على الشبلي البغدادي، وقيل: ابن سيناء لم يعد وجود الإنسان نعمة عليه فقد قال من أبيات: ودهر ينثر الأعمار نثرا ... كما للغصن بالورق انتثار ودنيا كلما وضعت جنينا ... غذاه من نوائبها ظؤار إلى أن قال: نعاقب في الظهور وما ولدنا ... ويذبح في حشا الأم الحوار وننتظر البلايا والرزايا ... وبعد فللوعيد لنا انتظار

стр. 2804

ونخرج كارهين كما دخلنا ... خروج الضب أخرجه ال وجار فماذا الامتنان على وجود ... لغير الموجدين به ال خيار فكانت أنعما لو أن كونا ... نخير قبله أو نس تشار فهذا الداء ليس له دواء ... وهذا الكسر ليس له انجبار إلى آخر ما قال، ولعمري لقد غمط نعمة الله تعالى عليه وظلمها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ يظلم النعمة باغفال شكرها بالكلية أو بوضعه في غير موضعه أو يظلم نفسه بتعريضها للحرمان بترك الشكر كَفَّارٌ شديد الكفران والجحود، وقيل: ظلوم في الشدة يشكو ويجزع، كفار في النعمة يجمع ويمنع، والأول أنسب بما قبله، وأل في الإنسان للجنس ومصداق الحكم بالظلم وأخيه بعض من وجدا من أفراده فيه ويدخل في ذلك الذين بدلوا نعمة الله تعالى كفرا، والظاهر أن الجملة استئناف بياني وقع جوابا لسؤال مقدر كأنه قيل: لم يراعوا حقها؟ أو لم حرمها بعضهم؟ وقيل: إنها تعليل لعدم تناهي النعم ولذا أتى بصيغتي المبالغة فيها وهو كما ترى هذا، وفي النحل وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١٨] وفرق أبو حيان بين الختمين بأنه هنا لما تقدم قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً [إبراهيم: ٢٨] وبعده وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً فكان ذلك نصا على ما فعلوا من القبائح من الظلم والكفران ناسب أن يختم بذم من وقع ذلك منه فختمت الآية بقوله سبحانه إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ وأما في المحل فلما ذكر عدة تفضلات وأطنب فيها وقال جل شأنه: أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ [النحل: ١٧] أي من أوجد هذه النعم السابق ذكرها ليس كمن لا يقدر على الخلق ذكر من تفضيلاته تعالى اتصافه بالغفران والرحمة تحريضا على الرجوع إليه سبحانه وأن هاتين الصفتين هو جل وعلا متصف بهما كما هو متصف بالخلق، ففي ذلك اطماع لمن آمن به تعالى وانتقل من عبادة المخلوق إلى عبادة الخالق ﵎ أنه يغفر لله السابق ويرجمه، وأيضا فإنه لما ذكر أنه تعالى هو المتفضل بالنعم على الإنسان ذكر ما حصل من المنعم ومن جنس المنعم عليه، فحصل من المنعم ما يناسل حالة عطائه وهو الغفران والرحمة إذ لولاهما لما أنعم عليه، وحصل من جنس المنعم عليه ما يناسب حالة الأنعام ويقع معها في الجملة وهو الظلم والكفران فكأنه وقصوره. إن صدر من الإنسان ظلم فالله تعالى غفور أو كفران فالله تعالى رحيم لعلمه بعجز الإنسان وقصوره. وما نقل السخاوي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم من أن هذه الآية منسوخة بآية النحل مما لا يلتفت إليه انتهى كلامه. وفيه بحث، وقيل: إنما ختم سبحانه آية النحل بما ختم للإطناب هناك في ذكر النعم مع تقدم الدعوة إلى الشكر صريحا فكان ذلك مظنة التقصير فيه ويناسب الإطناب في سرد النعم أن يذكر منها ما يتعلق بذلك وهو الغفران والرحمة فتأمل والله تعالى أعلم بأسرار كتابه. ومن باب الإشارة في الآيات: الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ فيه احتمالات عندهم فقيل: من ظلمات الكثرة إلى نور الوحدة أو من ظلمات صفات النشأة إلى نور الفطرة، أو من ظلمات حجب الأفعال والصفات إلى نور الذات، وهو المراد بقولهم: النور البحت الخالص من شوب المادة والمدة. وقال جعفر: من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، ومن ظلمات البدعة إلى نور السنة، ومن ظلمات النفوس إلى نور القلوب، وقال أبو بكر بن طاهر: من ظلمات الظن إلى نور الحقيقة وقيل غير ذلك بِإِذْنِ رَبِّهِمْ بتيسيره بهبة الاستعداد وتهيئة أسباب الخروج إلى الفعل إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الذي يقهر الظلمة بالنور الْحَمِيدِ بكمال ذاته أو بما يهب لعباده المستعدين من الفضائل والعلوم أو من الوجود الباقي أو نحو ذلك وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ المحجوبين مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ وهو عذاب الحرمان الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا الحسية والصورية عَلَى الْآخِرَةِ

стр. 2805

العقلية والمعنوية وَيَصُدُّونَ المريدين عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ طريقه الموصول إليه سبحانه: وَيَبْغُونَها عِوَجاً انحرافا مع استقامتها وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ أي بكلام يناسب حالهم واستعدادهم وقدر عقولهم والألم يفهموا فلا يحصل البيان، وعن عمر رضي الله تعالى عنه كلموا الناس بما يفهمون أتريدون أن يكذب الله تعالى ورسوله ﷺ ؟ وفي أسرار التأويل لكل نبي وصديق اصطلاح في كلام المعرفة وطريق المحبة يخاطب به من يعرفه من أهل السلوك، وعلى هذا لا ينبغي للصوفي أن يخاطب العامة باصطلاح الصوفية لأنهم لا يعرفونه، وخطابهم بذلك مثل خطاب العربي بالعجمية أو العجمي بالعربية، ومنشأ ضلال كثير من الناس الناظرين في كتاب القوم جهلهم باصطلاحاتهم فلا ينبغي للجاهل بذلك النظر فيها لأنها تأخذ بيده إلى الكفر الصريح بل توقعه في هوة كفر، كفر أبي جهل إيمان بالنسبة إليه، ومن هنا صدر الأمر السلطاني إذ كان الشرع معتني به بالنهي عن مطالعة كتب الشيخ الأكبر قدس سره ومن انخرط في سلكه فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ إضلال لزوال استعداده بالهيئات الظلمانية ورسوخها والاعتقادات الباطلة واستقرارها وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ هدايته ممن بقي على استعداده أو لم يرسخ فيه تلك الهيئات والاعتقادات وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ وهي أيام وصاله سبحانه حين كشف لعباده سجف الربوبية في حضرة قدسية وأدناهم إلى جنابه ومن عليهم بلذيذ من خطابه: سقيا لها ولطيبها ... ولحسنها وبهائها أيام لم يلج النوى ب ... ين العصا ولحائها وما أحسن ما قيل: وكانت بالعراق لنا ليال ... سلبناهن من ريب الزمان جعلناهن تاريخ الليالي ... وعنوان المسرة والأماني وأمره ﵇ بتذكير ذلك ليثور غرامهم ويأخذ نحو الحبيب هيامهم فقد قيل: تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه وجوز أن يراد بأيام الله تعالى أيام تجليه ﷻ بصفة الجلال وتذكيرهم بذلك ليخافوا فيمتثلوا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أي لكل مؤمن بالإيمان الغيبي إذ الصبر والشكر- على ما قيل- مقامان للسالك قبل الوصول وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ قال الجوزجاني: أي لئن شكرتم الإحسان لأزيدنكم المعرفة ولئن شكرتم المعرفة لأزيدنكم الوصلة ولئن شكرتم الوصلة لأزيدنكم القرب ولئن شكرتم القرب لأزيدنكم الأنس، ويعم ذلك كله ما قيل: لئن شكرتم نعمة لأزيدنكم نعمة خيرا منها، وللشكر مراتب وأعلى مراتبه الإقرار بالعجز عنه. وفي بعض الآثار أن داود ﵇ قال: يا رب كيف أشكرك والشكر من آلائك؟ فأوحى الله تعالى إليه الآن شكرتني يا داود، وقال حمدون: شكر النعمة أن ترى نفسك فيها طفيليا قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ أي إن سبحانه لا شك فيه لأنه الظاهر في الآفاق والأنفس فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ موجدهما ومظهرهما من كتم العدم يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ليستر بنوره سبحانه ظلمات حجب صفاتكم فلا تشكون فيه عند جلية اليقين وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إلى غاية يقتضيها استعدادكم من السعادة قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا منعهم ذلك عن اتباع الرسل ﵈ قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ سلموا لهم المشاركة في الجنس وجعلوا الموجب لاختصاصهم بالنبوة ما من الله تعالى به عليهم مما يرشحهم لذلك، وكثيرا ما يقول المنكرون في حق أجلة المشايخ مثل ما قال هؤلاء الكفرة في حق رسلهم والجواب نحو هذا الجواب وَما كانَ لَنا
следующие страницы →