عن الإيمان بما جاء به مثلا، واستفعل هنا بمعنى تفعل.
فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ الظاهر أنه عطف على اسْتَكْبَرْتُمْ والفاء للسببية إن كان التكذيب والقتل مرتبين على الاستكبار، وللتفصيل إن كانا نوعين منه، وجوز الراغب أن يكون عطفا على وَأَيَّدْناهُ ويكون أَفَكُلَّما مع ما بعده فصلا بينهما على سبيل الإنكار، وقدم فَرِيقاً في الموضعين للاهتمام وتشويق السامع إلى ما فعلوا بهم لا للقصر، وثم محذوف أي فَرِيقاً منهم، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر ولأنه المشترك بين المكذب والمقتول، ونسب القتل إليهم مع أن القاتل آباؤهم لرضاهم به ولحوق مذمته بهم، وعبر بالمضارع حكاية للحال الماضية واستحضارا لصورتها لفظاعتها واستعظامها، أو مشاكلة للأفعال المضارعة الواقعة في الفواصل فيما قبل، أو للدلالة على أنكم الآن فيه فإنكم حول قتل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ولولا أني أعصمه لقتلتموه ولذلك سحرتموه وسممتم له الشاة، فالمضارع للحال ولا ينافيه قتل البعض. والمراد من القتل مباشرة الأسباب الموجبة لزوال الحياة سواء ترتب عليه أولا، وقيل: لا حاجة إلى التعميم لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم قتل حقيقة بالسم الذي ناولوه على ما وقع
في الصحيح بلفظ «وهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم»
وفيه أنه لم يتحقق منهم القتل زمان نزول الآية بل مباشرة الأسباب فلا بد من التعميم.
وَقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ عطف على اسْتَكْبَرْتُمْ أو على كَذَّبْتُمْ فتكون تفسيرا للاستكبار، وعلى التقديرين فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إعراضا عن مخاطبتهم وإبعادا لهم عن عز الحضور، والقائلون هم الموجودون في عصر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والغلف- جمع أغلف كأحمر وحمر وهو الذي لا يفقه، قيل وأصله ذو الغلفة الذي لم يختن، أو جمع غلاف ويجمع على غلف بضمتين أيضا. وبه قرأ ابن عباس وغيره، وأرادوا على الأول قلوبنا مغشاة بأغشية خلقية مانعة عن نفوذ ما جئت به فيها، وهذا كقولهم: قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ [فصلت: ٥] قصدوا به إقناط النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن الإجابة وقطع طمعه عنهم بالكلية، وقيل: مغشاة بعلوم من التوراة نحفظها أن يصل إليها ما تأتي به، أو بسلامة من الفطرة كذلك، وعلى الثاني أنها أوعية العلم فلو كان ما تقوله حقا وصدقا لوعته- قاله ابن عباس. وقتادة والسدي- أو مملوءة علما فلا تسع بعد شيئا فنحن مستغنون بما عندنا عن غيره، روي ذلك عن ابن عباس أيضا، وقيل: أرادوا أنها أوعية العلم فكيف يحل لنا اتباع الأمي ولا يخفى بعده.
بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ رد لما قالوه، وتكذيب لهم فيما زعموه، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل إلى الحق لكن الله تعالى أبعدهم، وأبطل استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقا وصدقا بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم. أو أن الله تعالى أقصاهم عن رحمته فأنى لهم ادعاء العلم الذي هو أجل آثارها، ويعلم من هذه الوجوه كيفية الرد على ما قيل قبل من الوجوه فَقَلِيلًا ما يُؤْمِنُونَ الفاء لسببية اللعن لعدم الايمان، وقليلا- نصب على أنه نعت لمصدر محذوف أي إيمانا قليلا، وهو إيمانهم ببعض الكتاب «ما» مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأن ما في حيزها لا يتقدمها ولأنه وإن كان بمعنى- لا يؤمنون قليلا فضلا عن الكثير- لكن ربما يتوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيرا، ولا مصدرية لاقتضائها رفع القليل بأن يكون خبرا، والمصدر المعرف بالإضافة مبتدأ، والتقدير فإيمانهم قليل، وجوز بعضهم- كونها نافية بناء على مذهب الكوفيين من جواز تقدم ما في حيزها عليها ولم يبال بالتوهم وآخرون كونها مصدرية، والمصدر فاعل «قليلا» وكانوا مقدرة في نظم الكلام
стр. 317
فتكون على طرز كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ [الذاريات: ١٧] ، ولا يخفى ما فيه من التكلف، وجوز أيضا انتصاب قليلا على الحال إما من ضمير الإيمان أو من فاعل يُؤْمِنُونَ والتقدير فيؤمنونه أي الإيمان في حال قلته، وهو المروي عن سيبويه أو «فيؤمنون» حال كونهم جمعا قليلا أي المؤمن منهم قليل، وهو المروي عن ابن عباس وطلحة وقتادة، ولذا جوز كونه نعتا للزمان أي زمانا قليلا وهو زمان الاستفتاح أو بلوغ الروح التراقي، أو ما قالوا آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ [آل عمران: ٧٢] وأولى الوجوه أولها، والظاهر أن المراد بالإيمان المعنى اللغوي، والقلة مقابل الكثرة، وقال الزمخشري: يجوز أن تكون بمعنى العدم، وكأنه أخذه من كلام الواقدي لا قليلا ولا كثيرا واعترضه في البحر بأن القلة بمعنى النفي، وإن صحت لكن في غير هذا التركيب لأن قليلا انتصب بالفعل المثبت، فصار نظير قمت قليلا أي قياما قليلا، ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت، وجعلت قليلا صفة لمصدره يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأسا، وعدم وقوعه بالكلية، وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم- أقل رجل يقول ذلك، وقلما يقوم زيد- فحملها هنا على ذلك ليس بصحيح، وليت شعري أي معنى لقولنا يُؤْمِنُونَ إيمانا معدوما، وما نقل الكسائي عن العرب أنهم يقولون: مررنا بأرض قليلا ما تنبت ويريدون لا تنبت شيئا فإنما ذلك لأن قليلا حال من الأرض، وإن كان نكرة، وما مصدرية والتقدير قليلا إنباتها فلا مانع فيه من حمل القلة على العدم- وأين ما نحن فيه- من ذاك اللهم إلا على بعض الوجوه المرجوحة لكن الزمخشري غير قائل به، ويمكن أن يقال: إن ذلك على طريق الكناية فإن قلة الشيء تستتبع عدمه في أكثر الأوقات لا على أن لفظ القلة مستعمل بمعنى العدم فإنه هنا قول بارد جدا ولو أوقد عليه الواقدي ألف سنة.
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وهو القرآن وتنكيره للتعظيم ووصفه بما عنده للتشريف والإيذان بأنه جدير بأن يقبل ما فيه ويتبع لأنه من خالقهم وإلههم الناظر في مصالحهم، والجملة عطف على قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ أي وكذبوا لما جاءهم إلخ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ من كتابهم أي نازل حسبما نعت أو مطابق له، ومُصَدِّقٌ صفة ثانية لكتاب وقدمت الأولى عليها لأن الوصف بكينونته من عنده تعالى آكد ووصفه بالتصديق ناشىء عنها وجعله مصدقا ل «كتابهم» لا مصدقا به إشارة إلى أنه بمنزلة الواقع ونفس الأمر لكتابهم لكونه مشتملا على الإخبار عنه محتاجا في صدقه إليه وإلى أنه بإعجازه مستغن عن تصديق الغير، وفي مصحف أبيّ «مصدقا» بالنصب، وبه قرأ ابن أبي عبلة، وهو حينئذ حال من الضمير المستقر في الظرف، أو من كتاب لتخصيصه بالوصف المقرب له من المعرفة، واحتمال أن الظرف لغو متعلق ب جاءَهُمْ بعيد- فلا يضر- على أن سيبويه جوّز مجيء الحال من النكرة بلا شرط وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا نزلت في بني قريظة والنضير كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبل مبعثه- قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وقتادة- والمعنى يطلبون من الله تعالى أن ينصرهم به على المشركين، كما روى السدي أنهم كانوا إذا اشتد الحرب بينهم وبين المشركين أخرجوا التوراة ووضعوا أيديهم على موضع ذكر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقالوا: اللهم إنا نسألك بحق نبيك الذي وعدتنا أن تبعثه في آخر الزمان أن تنصرنا اليوم على عدونا فينصرون- فالسين- للطلب- والفتح- متضمن معنى النصر بواسطة عَلَى أو يفتحون عليهم من قولهم: فتح عليه إذا علمه ووقفه كما في قوله تعالى: أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [البقرة: ٧٦] أي يعرفون المشركين أن نبيا يبعث منهم وقد قرب زمانه- فالسين- زائدة للمبالغة، كأنهم فتحوا بعد طلبه من أنفسهم- والشيء بعد الطلب أبلغ- وهو من باب التجريد، جرّدوا من أنفسهم أشخاصا وسألوهم
стр. 318
الفتح كقولهم: استعجل كأنه طلب العجلة من نفسه، ويؤول المعنى إلى يا نفس عرّفي المشركين أن نبيا يبعث منهم، وقيل: يَسْتَفْتِحُونَ بمعنى يستخبرون عنه صلى الله تعالى عليه وسلم، هل ولد مولود صفته كذا وكذا؟ نقله الراغب وغيره، وما قيل: إنه لا يتعدى ب عَلَى لا يسمع بمجرد التشهي.
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ كنى عن الكتاب المتقدم ب ما عَرَفُوا لأن معرفة من أنزل عليه معرفة له، والاستفتاح به استفتاح به، وإيراد الموصول دون الاكتفاء بالإضمار لبيان كمال مكابرتهم، ويحتمل أن يراد به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وما قد يعبر بها عن صفات من يعقل، وبعضهم فسره بالحق إشارة إلى وجه التعبير عنه ﵊ ب ما وهو أن المراد به الحق- لا خصوصية ذاته المطهرة- وعرفانهم ذلك حصل بدلالة المعجزات والموافقة لما نعت في كتابهم- فإنه كالصريح عند الراسخين- فلا يرد أن نعت الرسول في التوراة إن كان مذكورا على التعيين فكيف ينكرونه فإنه مذكور بالتواتر- وإلا فلا عرفان للاشتباه- على أن الإيراد في غاية السقوط، لأن الآية مساقة على حد قوله تعالى: وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ [النمل: ١٤] أي جحدوه مع علمهم به- وهذا أبلغ في ذمهم- وكَفَرُوا جواب ل «ما» الأولى ول «ما» الثانية تكرير لها لطول العهد كما في قوله تعالى: لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ [آل عمران: ١٨٨] وإلى ذلك ذهب المبرد، وقال الفراء: ل «ما» الثانية مع جوابها جواب الأولى كقوله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ [البقرة: ٣٨] إلخ، وعلى الوجهين يكون قوله سبحانه: وَكانُوا مِنْ قَبْلُ جملة حالية بتقدير- قد- مقررة، واختار الزجاج والأخفش أن جواب الأولى محذوف- أي كذبوا به مثلا- وعليه يكون وَكانُوا مِنْ قَبْلُ إلخ مع ما عطف عليه من قوله تعالى: فَلَمَّا جاءَهُمْ من الشرط، والجزاء جملة معطوفة على «لما جاءهم» بعد تمامها، تدل الأولى على معاملتهم مع الكتاب المصدق، والثانية مع الرسول المستفتح به، وارتضاه بعض المحققين- لما- في الأول من لزوم التأكيد- والتأسيس أولى منه- واستعمال الفاء للتراخي الرتبي فإن مرتبة المؤكد بعد مرتبة المؤكد، ولما- في الثاني من دخول الفاء في جواب «لما» مع أنه ماض وهو قليل جدا حتى لم يجوزه البصريون ولو جوز وقوعها زائدة فَلَمَّا لا تجاب بمثلها لا يقال- لما جاء زيد، لما قعد عمرو أكرمتك- بل هو كما ترى تركيب معقود في لسانهم مع خلو الوجهين عن فائدة عظيمة وهو بيان سوء معاملتهم مع الرسول واستلزامهما جعل وَكانُوا حالا، واختار أبو البقاء أن كَفَرُوا جواب- لما- الأولى، والثانية ولا حذف لأن مقتضاهما واحد وليس بشيء كجعل فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ جوابا للأولى وما بينهما اعتراض واللام في الكافرين للعهد أي عليهم ووضع المظهر موضع المضمر للإشعار بأن حلول اللعنة عليهم بسبب كفرهم كما أن الفاء للإيذان بترتبها عليه، وجوز كونها للجنس ويدخلون فيه دخولا أوليا، واعترض بأن دلالة العام متساوية فليس فيها شيء أول ولا أسبق من شيء، والجواب أن المراد دخولا قصديا لأن الكلام سيق بالأصالة فيهم ويكون ذلك من الكناية الإيمائية ويصار إليها إذا كان الموصوف مبالغا في ذلك الوصف ومنهمكا فيه حتى إذا ذكر خطر ذلك الوصف بالبال كقولهم لمن يقتني رذيلة ويصر عليها- أنا إذا نظرتك خطر ببالي سبابك وسباب كل من هو من أبناء جنسك- فاليهود لما بالغوا في الكفر والعناد وكتمان أمر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم ونعى الله تعالى عليهم ذلك صار الكفر كأنه صفة غير مفارقة لذكرهم وكان هذا الكلام لازما لذكرهم ورديفه وأنهم أولى الناس دخولا فيه لكونهم تسببوا استجلاب هذا القول في غيرهم وجعل السكاكي من هذا القبيل قوله:
إذا الله لم يسق إلا الكراما ... فيسقي وجوه بني حنبل
стр. 319
فإنه في إفادة كرم بني حنبل كما ترى لا خفاء فيه بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي باعوا، فالأنفس بمنزلة المثمن، والكفر بمنزلة الثمن لأن أنفسهم الخبيثة لا تشترى بل تباع وهو على الاستعارة أي إنهم اختاروا الكفر على الإيمان وبذلوا أنفسهم فيه، وقيل: هو بمعناه المشهور لأن المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب أتى بأعمال يظن أنها تخلصه فكأنه اشترى نفسه بها فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنه يخلصهم من العقاب ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم وخلصوها فذمهم الله تعالى عليه، واعترض بأنه كيف يدعي أنهم ظنوا ذلك مع قوله تعالى:
فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فإذا علموا مخالفة الحق كيف يظنون نجاتهم بما فعلوا وإرادة العقاب الدنيوي كترك الرياسة غير صحيح لأن لا يشترى به الأنفس؟ ويمكن الجواب بأن المراد أنهم ظنوا على ما هو ظاهر حالهم من التصلب في اليهودية والخوف فيما يأتون ويذرون وادعاء الحقية فيه فلا ينافي عدم ظنهم في الواقع على ما تدل عليه الآية، والمراد بما أنزل الله الكتاب المصدق، وفي تبديل المجيء بالإنزال المشعر بأنه من العالم العلوي مع الإسناد إليه تعالى إيذان بعلو شأنه وعظمه الموجب للإيمان به، وقيل: يحتمل أن يراد به التوراة والإنجيل وأن يراد الجميع، والكفر ببعضها كفر بكلها، واختلف في ما الواقعة بعد بئس ألها محل من الإعراب أم لا فذهب الفراء إلى أنها لا محل لها وأنها مع بئس شيء واحد كحبذا، وذهب الجمهور إلى أن لها محلا، واختلف أهو نصب أم رفع؟ فذهب الأخفش إلى الأول على أنها تمييز، والجملة بعدها في موضع نصب على الصفة، وفاعل بئس مضمر مفسر بها، والتقدير بئس هو شيئا اشتروا به، وأَنْ يَكْفُرُوا هو المخصوص بالذمّ والتعبير بصيغة المضارع لإفادة الاستمرار على الكفر فإنه الموجب للعذاب المهين، ويحتمل على هذا الوجه أن يكون المخصوص محذوفا، واشْتَرَوْا صفة له، والتقدير بئس شيء اشتروا به، وأَنْ يَكْفُرُوا بدل من المحذوف أو خبر مبتدأ محذوف، وذهب الكسائي إلى النصب على التمييز أيضا إلا أنه قدر بعدها ما أخرى موصولة هي المخصوص بالذم، واشْتَرَوْا صلتها، والتقدير بئس شيئا الذي اشتروا، وذهب سيبويه إلى الثاني على أنها فاعل بئس وهي معرفة تامة، والمخصوص محذوف أي شيء اشْتَرَوْا، وعزى هذا إلى الكسائي أيضا، وقيل: موصولة وهو أحد قولي الفارسي وعزاه ابن عطية إلى سيبويه وهو وهم، ونقل المهدوي عن الكسائي أن ما مصدرية والمتحصل فاعل بئس واعترض بأن بئس لا تدخل على اسم معين يتعرف بالإضافة إلى الضمير، ولك على هذا التقدير أن لا تجعل ذلك فاعلا بل تجعله المخصوص والفاعل مضمر والتمييز محذوف لفهم المعنى، والتقدير- بئس اشتراء اشتراؤهم- فلا يلزم الاعتراض، نعم يرد عود ضمير به على ما والمصدرية لا يعود عليها الضمير لأنها حرف عند غير الأخفش فافهم بَغْياً أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ- البغي- في الأصل الظلم والفساد من قولهم- بغى- الجرح فسد قاله الأصمعي، وقيل أصله الطلب، وتختلف أنواعه ففي طلب زوال النعمة حسد، والتجاوز على الغير ظلم، والزنا فجور، والمراد به هنا بمعونة المقام طلب ما ليس لهم فيؤول إلى الحسد، وإلى ذلك ذهب قتادة وأبو العالية والسدي، وقيل: الظلم وانتصابه على أنه مفعول له ليكفرون فيفيد أن كفرهم كان لمجرد العناد الذي هو نتيجة الحسد لا للجهل وهو أبلغ في الذم لأن الجاهل قد يعذر، وذهب الزمخشري إلى أنه علة اشْتَرَوْا ورد بأنه يستلزم الفصل بالأجنبي وهو المخصوص بالذم وهو وإن لم يكن أجنبيا بالنسبة إلى فعل الذم وفاعله لكن لا خفاء في أنه أجنبي بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييز الفاعل، والقول بأن المعنى- على ذم ما باعوا به أنفسهم حسدا وهو الكفر لا على ذم ما باعوا به أنفسهم وهو الكفر حسدا- تحكم، نعم قد يقال: إنما يلزم الفصل بأجنبي إذا كان المخصوص مبتدأ خبره بئسما أما لو كان خبر مبتدأ محذوف- وهو المختار- فلا لأن الجملة حينئذ جواب للسؤال عن فاعل «بئس» فيكون الفصل بين المعلول وعلته بما هو بيان للمعلول ولا امتناع فيه، وجعله بعضهم علة ل اشْتَرَوْا محذوفا فرارا من الفصل، ومنهم من أعربه حالا ومفعولا
стр. 320
مطلقا لمقدر أي بغوا بغيا، وأَنْ يُنَزِّلَ إما مفعول من أجله للبغي أي حسدا لأجل تنزيل الله، وإما على إسقاط الخافض المتعلق بالبغي أي حسدا على أَنْ يُنَزِّلَ والقول بأنه في موضع خفض على أنه بدل اشتمال من ما في قوله: بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بعيدا جدا، وربما يقرب منه ما قيل: إنه في موضع المفعول الثاني، والبغي بمعنى طلب الشخص ما ليس له يتعدى إليه بنفسه تارة، وباللام أخرى، والمفعول الأول هاهنا أعني محمدا ﵊ محذوف لتعينه وللدلالة على أن الحسد مذموم في نفسه كائنا ما كان المحسود- كما لا يخفى- وقرأ ابن كثير
وأبو عمرو ويعقوب «ينزل» بالتخفيف مِنْ فَضْلِهِ أراد به الوحي، ومِنْ لابتداء الغاية صفة لموصوف محذوف أي شيئا كائنا مِنْ فَضْلِهِ وجوّز أبو البقاء أن تكون زائدة على مذهب الأخفش عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أي على من يختاره للرسالة، وفي البحر أن المراد به محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لأنهم حسدوه لما لم يكن منهم، وكان من العرب ومن ولد إسماعيل- ولم يكن من ولده نبي سواه ﵊ وإضافة- العباد- إلى ضميره تعالى للتشريف، ومِنْ إما موصولة أو موصوفة.
فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ تفريع على ما تقدم، أي فرجعوا متلبسين بِغَضَبٍ كائن عَلى غَضَبٍ مستحقين له حسبما اقترفوا من الكفر والحسد. وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الغضب «الأول» لعبادة العجل «والثاني» لكفرهم به صلى الله تعالى عليه وسلم، وقال قتادة: «الأول» كفرهم بالإنجيل «والثاني» كفرهم بالقرآن، وقيل: هما الكفر بعيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، أو قولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] ويَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ [المائدة: ٦٤] وغير ذلك من أنواع كفرهم، وكفرهم الأخير بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا يخفى أن- فاء العطف- يقتضي صيرورتهم أحقاء بترادف الغضب لأجل ما تقدم، وقولهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ مثلا غير مذكور فيما سبق، ويحتمل أن يراد بقوله سبحانه: بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ الترادف والتكاثر لا غضبان فقط، وفيه إيذان بتشديد الحال عليهم جدا كما في قوله:
ولو كان رمحا واحدا لاتقيته ... ولكنه رمح «وثان وثالث»
ومن الناس من زعم أن- الفاء فصيحة- والمعنى فإذا كفروا وحسدوا على ما ذكر فَباؤُ إلخ، وليس بشيء.
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ- اللام- في «الكافرين» للعهد، والإظهار في موضع الإضمار للإيذان بعلية كفرهم لما حاق بهم ويحتمل أن تكون للعموم فيدخل المعهودون فيه على طرز ما مر. والمهين- المذل، وأصله مهون فأعل، وإسناده إلى العذاب مجاز من الإسناد إلى السبب- والوصف به للتقييد- والاختصاص الذي يفهمه تقديم الخبر بالنسبة إليه، فغير الكافرين إذا عذب فإنما يعذب للتطهير- لا للإهانة والإذلال- ولذا لم يوصف عذاب غيرهم به في القرآن فلا تمسك للخوارج بأنه خص العذاب ب «الكافرين» فيكون الفاسق كافرا لأنه معذب ولا للمرجئة أيضا.
стр. 321
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ ظرف ل قالُوا والجملة عطف على قالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ ولا غرض يتعلق بالقائل، فلذا بني الفعل لما لم يسم فاعله، والظاهر أنه من جانب المؤمنين.
آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ الجمهور على أنه القرآن، وقيل: سائر ما أنزل من الكتب الإلهية إجراء لما على العموم «ومع هذا» جلّ الغرض الأمر بالإيمان بالقرآن لكن سلك مسلك التعميم منه إشعارا بتحتم الامتثال من حيث مشاركته لما آمنوا به فيما في حيز الصلة وموافقته له في المضمون، وتنبيها على أن الإيمان بما عداه من غير إيمان به ليس إيمانا بما أنزل الله قالُوا نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا أي نستمر على الإيمان بالتوراة وما في حكمها مما أنزل لتقرير حكمها، وحذف الفاعل للعلم به إذ من المعلوم أنه لا ينزل الكتب إلا هو سبحانه، ولجريان ذكره في الخطاب ومرادهم بضمير المتكلم إما أنبياء بني إسرائيل- وهو الظاهر- وفيه إيماء إلى أن عدم إيمانهم بالقرآن كان بغيا وحسدا على نزوله على من ليس منهم- وإما أنفسهم- ومعنى الإنزال عليهم تكليفهم بما في المنزل من الأحكام، وذموا على هذه المقالة لما فيها من التعريض بشأن القرآن- ودسائس اليهود مشهورة- أو لأنهم تأولوا الأمر المطلق العام ونزلوه على خاص هو الإيمان بما أنزل عليهم كما هو ديدنهم في تأويل الكتاب بغير المراد منه وَيَكْفُرُونَ بِما وَراءَهُ عطف على قالوا: والتعبير بالمضارع لحكاية الحال استغرابا للكفر بالشيء بعد العلم بحقيته أو للتنبيه على أن كفرهم مستمر إلى زمن الإخبار،
стр. 322
وقيل: استئناف- وعليه ابن الأنباري- ويجوز أن يكون حالا إما على مذهب من يجوز وقوع المضارع المثبت حالا مع الواو، وإما على تقدير مبتدأ أي وهم يكفرون، والتقييد بالحال حينئذ لإفادة بيان شناعة حالهم بأنهم متناقضون في إيمانهم لأن كفرهم بما وراءه حال الإيمان بالتوراة يستلزم عدم الإيمان به- وهذا أدخل في رد مقالتهم- ولهذا اختار هذا الوجه بعض الوجوه- ووراء- في الأصل مصدر لاشتقاق المواراة والتواري منه، والمزيد فرع المجرد إلا أنه لم يستعمل فعله المجرد أصلا ثم جعل ظرف مكان ويضاف إلى الفاعل فيراد به المفعول وإلى المفعول فيراد به الفاعل أعني الساتر، ولصدقه على الضدين- الخلف، والأمام- عد من الأضداد وليس موضوعا لهما، وفي الموازنة للأموي تصريح بأنه ليس منها وإنما هو من المواراة والاستتار فما استتر عنك فهو وراء- خلفا كان أو قداما- إذا لم تره فأما إذا رأيته فلا يكون وراءك. والمراد هنا بما بعده قاله قتادة- أو بما سواه- وبه فسر وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ [النساء: ٢٤] وأريد به القرآن كما عليه الجمهور. وقال الواحدي هو والإنجيل، واحتمال أن يراد بما وراءه باطن معاني ما أنزل عليهم التي هي وراء ألفاظها، وفيه إشعار بأن إيمانهم بظاهر اللفظ ليس بشيء إلا أن يراد بذلك الباطن القرآن ولا يخفى بعده.
وَهُوَ الْحَقُّ الضمير عائد لما وراءه حال منه، وقيل: من فاعل يكفرون والجملة الحالية المقترنة بالواو لا يلزم أن يعود منها ضمير إلى ذي الحال- كجاء زيد والشمس طالعة- وعلى فرض اللزوم ينزل وجود الضمير فيما هو من تتمتها منزلة وجوده فيها، والمعنى وهم مقارنون لحقيته أي عالمون بها وهو أبلغ في الذم من كفرهم بما هو حق في نفسه، والأول أولى لظهوره ولا تفوت تلك الأبلغية عليه أيضا إذ تعريف الحق للإشارة إلى أن المحكوم عليه مسلم الاتصاف به معروفة من قبيل- والدك العبد- فيفيد أن كفرهم به كان لمجرد العناد، وقيل: التعريف لزيادة التوبيخ والتجهيل بمعنى أنه خاصة الحق الذي يقارن تصديق كتابهم ولولا الحال أعني مُصَدِّقاً لم يستقم الحصر لأنه في مقابلة كتابهم وهو حق أيضا، وفيه أنه لا يستقيم ولو لوحظ الحال بناء على تخصيص ذي الضمير بالقرآن لأن الإنجيل حق مصدق للتوراة أيضا، نعم لو أريد بالحق الثابت المقابل للمنسوخ لاستقام الحصر مطلقا إلا أنه بعيد مُصَدِّقاً لِما مَعَهُمْ حال مؤكدة لأن كتب الله تعالى يصدق بعضها بعضا، فالتصديق لازم لا ينتقل، وقد قررت مضمون الخبر لأنها كالاستدلال عليه، ولهذا تضمنت رد قولهم نُؤْمِنُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا حيث إن من لم يصدق بما وافق التوراة لم يصدق بها، واحتمال أن يراد مما معهم التوراة والإنجيل كما في البحر لأنهما أنزلا على بني إسرائيل وكلاهما غير مخالف للقرآن مخالف لما يقتضيه الذوق سباقا وسياقا.
قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِياءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ؟ أمر للنبي ﷺ أن يقول ذلك تبكيتا لهم حيث قتلوا الأنبياء مع ادعاء الإيمان بالتوراة وهي لا تسوّغه، ويحتمل أن يكون أمرا لمن يريد جدالهم كائنا من كان والفاء جواب شرط مقدر أي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ «فلم» إلخ، و «ما» استفهامية حذفت ألفها لأجل- لام- الجر ويقف البزي في مثل ذلك بالهاء وغيره بغيرها، وإيراد صيغة المضارع مع الظرف الدال على المضي للدلالة على استمرارهم على القتل في الأزمنة الماضية، وقيل: لحكاية تلك الحال، والمراد بالقتل معناه الحقيقي وإسناده إلى الأخلاف المعاصرين له صلى الله تعالى عليه وسلم مع أن صدوره من الأسلاف مجاز للملابسة بين الفاعل الحقيقي وما أسند إليه، وهذا كما يقال لأهل قبيلة- أنتم قتلتم زيدا- إذا كان القاتل آباءهم، وقيل: القتل مجاز عن الرضا أو العزم عليه، ولا يخفى أن الاعتراض على الوجه الأول أقوى تبكيتا منه على الآخرين فتدبر، وفي إضافة أَنْبِياءَ إلى الاسم الكريم تشريف عظيم وإيذان بأنه كان ينبغي لمن جاء من عند الله تعالى أن يعظم وينصر لا أن يقتل إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تكرير للاعتراض لتأكيد الإلزام وتشديد التهويل أي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فلم تقتلونهم وقد حذف من كل واحدة من الشرطيتين ما
стр. 323
حذف ثقة بما أثبت في الأخرى على طريق الاحتباك، وقيل: إن المذكور قبل جواب لهذا الشرط بناء على جواز تقديمه وهو رأي الكوفيين وأبى زيد، واختاره في البحر، وقال الزجاج: إِنْ هنا نافية ولا يخفى بعده.
وَلَقَدْ جاءَكُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ داخل تحت الأمر فهو من تمام التبكيت والتوبيخ وكذا ما يأتي بعد لا تكرير لما قص من قبل، والمراد بِالْبَيِّناتِ الدلائل الدالة على صدقه ﵇ في دعوته والمعجزات المؤيدة لنبوته كالعصا، واليد، وانفلاق البحر مثلا، وقيل: الأظهر أن يراد بها الدلائل الدالة على الوحدانية فإنه أدخل في التقريع بما بعد، وعندي الحمل على العموم بحيث يشمل ذلك أيضا أولى وأظهر ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ أي الذي صنعه لكم السامري من حليكم إلها مِنْ بَعْدِهِ أي بعد مجيء موسى ﵇ بها ومن عد التوراة وانفجار الماء منها لم يرد الجميع بل الجنس لأن ذلك كان بعد قصة العجل وكلمة ثُمَّ على هذا للاستبعاد لئلا يلغو القيد. وقد يقال:
الضمير لمتقدم معنى وهو الذهاب إلى الطور فكلمة ثُمَّ على حقيقتها، وعد ما ذكرنا من البينات حينئذ ظاهر، ويشير هذا العطف على (١) أنهم فعلوا ذلك بعد مهلة من النظر في الآيات وذلك أعظم ذنبا وأكثر شناعة لحالهم، والتزم بعضهم- رجوع الضمير إلى البينات بحذف المضاف أي من بعد تدبر الآيات ليظهر ذلك، وعود الضمير إلى العجل، والمراد بعد وجوده أي عبدتم الحادث الذي حدث بمحضركم ليكون فيه التوبيخ العظيم- لا يخفى ما فيه من البعد العظيم المستغنى عنه بما أشرنا إليه وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ أي واضعون الشيء في غير محله اللائق به أو مخلون بآيات الله تعالى، والجملة حال مؤكدة للتوبيخ والتهديد وهي جارية مجرى القرينة على إرادة العبادة من الاتخاذ، وفيها تعريض بأنهم صرفوا العبادة عن موضعها الأصلي إلى غير موضعها وإيهام المبالغة من حيث إن إطلاق الظلم يشعر بأن عبادة العجل كل الظلم وأن من ارتكبها لم يترك شيئا من الظلم واختار بعضهم كونها اعتراضا لتأكيد الجملة بتمامها دون تعرض لبيان الهيئة الذي تقتضيه الحالية أي وأنتم قوم عادتكم الظلم واستمر منكم، ومنه عبادة العجل، والذي دعاه إلى ذلك زعم أنه يلزم على الحالية أن يكون تكرارا محضا فإن عبادة العجل لا تكون إلا ظلما بخلافه على هذا فإنه يكون بيانا لرذيلة لهم تقتضي ذلك، وفيه غفلة عما ذكرنا، وإذا حمل الاتخاذ على الحقيقة نحو- اتخذت خاتما- تكون الحالية أولى بلا شبهة لأن الاتخاذ لا يتعين كونه ظلما إلا إذا قيد بعبادته كما لا يخفى وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أي قلنا لهم خذوا ما أمرتكم به في التوراة بجد وعدم فتور وَاسْمَعُوا- أي سماع تقبل وطاعة إذ لا فائدة في الأمر بالمطلق بعد الأمر بالأخذ بقوة بخلافه على تقدير التقييد فإنه يؤكده ويقرره لاقتضائه كمال إبائهم عن قبول ما آتاهم إياه ولذا رفع الجبل عليهم وكثيرا ما يراد من السماع القبول ومن ذلك سمع الله لمن حمده وقوله:
دعوت الله حتى خفت أن لا ... يكون الله «يسمع» ما أقول
قالُوا سَمِعْنا وَعَصَيْنا أي سمعنا قولك خُذُوا وَاسْمَعُوا وعصينا أمرك فلا نأخذ ولا نسمع سماع الطاعة، وليس هذا جوابا ل اسْمَعُوا باعتبار تضمنه أمرين لأنه يبقى خذوا بلا جواب، وذهب الجم إلى ذلك وأوردوا هنا سؤالا وجوابا، حاصل الأول أن السماع في الأمر إن كان على ظاهره فقولهم سمعنا طاعة وعصينا مناقض وإن كان القبول فإن كان في الجواب كذلك كذب وتناقض وإلا لم يكن له تعلق بالسؤال، وزبدة الجواب أن السماع هناك مقيد والأمر مشتمل على أمرين سماع قوله وقبوله بالعمل فقالوا نمتثل أحدهما دون الآخر، ومرجعه إلى القول
стр. 324
بالموجب، ونظيره يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ [التوبة: ٦١] وقيل: المعنى قالوا بلسان القال سمعنا وبلسان الحال عصينا، أو سمعنا أحكاما قبل وعصينا فنخاف أن نعصي بعد سماع قولك هذا، وقيل: سَمِعْنا جواب اسْمَعُوا وَعَصَيْنا جواب خُذُوا وقال أبو منصور: إن قولهم عصينا ليس على أثر قولهم سَمِعْنا بل بعد زمان كما في قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ فلا حاجة إلى الدفع بما ذكر، وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى جميع ذلك بعد ما سمعت كما لا يخفى.
وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ عطف على قالُوا أو مستأنف أو حال بتقدير قد أو بدونه. والعامل قالُوا والإشراب- مخالطة المائع الجامد، وتوسع فيه حتى صار في اللونين، ومنه بياض مشرب بحمرة، والكلام على حذف مضاف أي حب العجل، وجوز أن يكون العجل مجازا عن صورته فلا يحتاج إلى الحذف، وذكر- القلوب- لبيان مكان الإشراب، وذكر المحل المتعين يفيد مبالغة في الإثبات والمعنى داخلهم حب العجل ورسخ في قلوبهم صورته لفرط شغفهم به كما داخل الصبغ الثوب وأنشدوا:
إذا ما القلب «أشرب» حب شيء ... فلا تأمل له عنه انصرافا
وقيل:- أشربوا- من أشربت البعير إذا شددت في عنقه حبلا كأن العجل شد في قلوبهم لشغفهم به وقيل: من الشراب ومن عادتهم أنهم إذا عبروا عن مخامرة حب أو بغض استعاروا له اسم الشراب إذ هو أبلغ منساغ في البدن، ولذا قال الأطباء: الماء مطية الأغذية والأدوية ومركبها الذي تسافر به إلى أقطار البدن، وقال الشاعر:
تغلغل حيث لم يبلغ «شراب» ... ولا حزن ولم يبلغ سرور
وقيل: من الشرب حقيقة، وذلك أن السدي نقل أن موسى ﵇ برد العجل بالمبرد ورماه في الماء وقال لهم اشربوا فشربوا جميعهم فمن كان يحب العجل خرجت برادته على شفتيه، ولا يخفى أن قوله تعالى: فِي قُلُوبِهِمُ يبعد هذا القول جدا على أن ما قص الله تعالى لنا في كتابه عما فعل موسى ﵇ بالعجل يبعد ظاهر هذه الرواية أيضا، وبناء- أشربوا- للمفعول يدل على أن ذلك فعل بهم ولا فاعل سواه تعالى. وقالت المعتزلة: هو على حد قول القائل- أنسيت كذا- ولم يرد أن غيره فعل ذلك به وإنما المراد نسيت وأن الفاعل من زين ذلك عندهم ودعاهم إليه كالسامري بِكُفْرِهِمْ أي بسبب كفرهم لأنهم كانوا مجسمة يجوزون أن يكون جسم من الأجسام إلها أو حلولية يجوزون حلوله فيه تعالى عن ذلك علوا كبيرا، ولم يروا جسما أعجب منه فتمكن في قلوبهم ما سول لهم، وثعبان العصا كان لا يبقى زمانا ممتدا ولا يبعد من أولئك أن يعتقدوا عجلا صنعوه على هيئة البهائم إلها وإن شاهدوا ما شاهدوا من موسى ﵇ لما ترى من عبدة الأصنام الذين كان أكثرهم أعقل من كثير من بني إسرائيل، وقيل:
الباء بمعنى مع أي مصحوبا بكفرهم فيكون ذلك كفرا على كفر.
قُلْ بِئْسَما يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمانُكُمْ أي بما أنزل عليكم من التوراة حسبما تدعون، وإسناد الأمر إلى الإيمان وإضافته إلى ضميرهم للتهكم كما في قوله تعالى: أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ [هود: ٨٧] والمخصوص بالذم محذوف- أي قتل الأنبياء- وكذا وكذا، وجوّز أن يكون المخصوص مخصوصا بقولهم: عصينا أمرك، وأراه على القرب بعيدا.
إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ قدح في دعواهم الإيمان بالتوراة وإبطال لها، وجواب الشرط ما فهم من قوله تعالى: فَلِمَ تَقْتُلُونَ إلى آخر الآيات المذكورة في رد دعواهم الإيمان، أو الجملة الانشائية السابقة- إما بتأويل أو بلا تأويل- وتقرير ذلك إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ما رخص لكم إيمانكم بالقبائح التي فعلكم، بل منع عنها فتناقضتم في دعواكم له فتكون باطلا، أو إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بها ف بِئْسَما أمركم به إِيمانُكُمْ بها أو فقد أمركم إيمانكم بالباطل، لكن
стр. 325
الإيمان بها لا يأمر به فإذن لستم بمؤمنين، والملازمة بين الشرط والجزاء «على الأول» بالنظر إلى نفس الأمر، وإبطال الدعوى بلزوم التناقض «وعلى الثاني» تكون الملازمة بالنظر إلى حالهم من تعاطي القبائح مع ادعائهم الإيمان، والمؤمن من شأنه أن لا يتعاطى إلا ما يرخصه إيمانه، وإبطال التالي بالنظر إلى نفس الأمر- واستظهر بعضهم في هذا- ونظائره كون الجزاء معرفة السابق أي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ تعرفون أنه بئس المأمور به، وقيل: إِنْ نافية، وقيل: للتشكيك- وإليه يشير كلام الكشاف- وفيه أن المقصد إبطال دعوتهم بإبراز إيمانهم القطعي العدم منزلة ما لا قطع بعدمه للتبكيت والإلزام- لا للتشكيك- على أنه لم يعهد استعمال إِنْ لتشكيك السامع- كما نص عليه بعض المحققين- وقرأ الحسن ومسلم بن جندب- بهو إيمانكم- بضم الهاء ووصلها بواو قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ رد لدعوى أخرى لهم بعد رد دعوى- الإيمان بما أنزل عليهم- ولاختلاف الغرض لم يعطف أحدهما على الآخر مع ظهور المناسبة المصححة للذكر، والآية نزلت- فيما حكاه ابن الجوزي- عند ما قالت اليهود: إن الله تعالى لم يخلق الجنة إلا لإسرائيل وبنيه. وقال أبو العالية والربيع: سبب نزولها قولهم: لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ [البقرة: ١١١] إلخ ونَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ [المائدة: ١٨] إلخ ولَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ [البقرة: ٨٠، آل عمران: ٢٤] إلخ، وروي مثله عن قتادة. والضمير في قُلْ إما للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو لمن يبغي إقامة الحجة عليهم، والمراد من الدَّارُ الْآخِرَةُ الجنة- وهو الشائع- واستحسن في البحر تقدير مضاف أي نعيم الدَّارُ الْآخِرَةُ.
عِنْدَ اللَّهِ أي في حكمه، وقيل: المراد- بالعندية- المكانة والمرتبة والشرف، وحملها- على عندية المكان- كما قيل به- احتمالا- بعيد خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ أي مخصوصة بكم كما تزعمون- والخالص- الذي لا يشوبه شيء، أو ما زال عنه شوبه، ونصب خالِصَةً على الحال من الدَّارُ الذي هو اسم كان ولَكُمُ خبرها قدم للاهتمام- أو لإفادة الحصر- وما بعده للتأكيد، هذا إن جوّز مجيء الحال من اسم كان وهو الأصح، ومن لم يجوّز بناء على أنه ليس بفاعل جعلها حالا من الضمير المستكن في الخبر، وقيل: خالِصَةً هو الخبر ولَكُمُ ظرف لغو لكان أو ل خالِصَةً ولا يخفى بعده- فإنه تقييد للحكم قبل مجيئه- ولا وجه لتقديم متعلق الخبر على الاسم مع لزوم توسط الظرف بين الاسم والخبر، وأبعد المهدوي، وابن عطية أيضا فجعلا خالِصَةً حالا وعِنْدَ اللَّهِ هو الخبر، مع أن الكلام لا يستقل به وحده. ودُونِ هنا للاختصاص وقطع الشركة، يقال: هذا لي دونك، وأنت تريد لا حق لك فيه معي ولا نصيب، وهو متعلق ب خالِصَةً والمراد ب النَّاسِ الجنس وهو الظاهر، وقيل: المراد بهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمون، وقيل: النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وحده- قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- قالوا: ويطلق النَّاسِ ويراد به الرجل الواحد، ولعله لا يكون إلا مجازا بتنزيل الواحد منزلة الجماعة فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في أن الجنة خالِصَةً لكم، فإن من أيقن أنه من أهل الجنة اختار أن ينتقل إلى دار القرار، وأحب أن يخلص من المقام في دار الأكدار، كما
روي عن عليّ كرم الله تعالى وجهه أنه كان يطوف بين الصفين في غلالة، فقال له الحسن: ما هذا بزي المحاربين، فقال: يا بني- لا يبالي أبوك سقط على الموت، أم سقط عليه الموت-
وكان عبد الله بن رواحة ينشد وهو يقاتل الروم:
يا حبذا الجنة واقترابها ... طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها
وقال عمار بصفين: غدا نلقى الأحبة، محمدا وصحبه. وروي عن حذيفة أنه كان يتمنى الموت، فلما احتضر قال: حبيب جاء على فاقة.
وعنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه لما بلغه قتل من قتل ببئر معونة قال: «يا ليتني غودرت معهم في لحف الجبل»
ويعلم من ذلك أن تمني الموت لأجل الاشتياق إلى دار النعيم ولقاء الكريم غير منهي عنه، إنما
стр. 326
المنهي عنه تمنيه لأجل ضر أصابه- فإنه آثر الجزع وعدم الرضا بالقضاء-
وفي الخبر «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، وإن كان ولا بد فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وأمتني ما كانت الوفاة خيرا لي»
والمراد- بالتمني- قول الشخص: ليت كذا، وليت من أعمال القلب أو الاشتهاء بالقلب ومحبة الحصول مع القول، فمعنى الآية سلوا الموت باللسان- قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أو اشتهوه بقلوبكم وسلوه بألسنتكم- قاله قوم- وعلى التقديرين- الأمر بالتمني حقيقة، واحتمال أن يكون المراد- تعرضوا للموت ولا تحترزوا عنه كالمتمني فحاربوا من يخالفكم ولا تكونوا من أهل الجزية والصغار، أو كونوا على وجه يكون المتمنون للموت المشتهون للجنة عليه من العمل الصالح- مما لا تساعده الآثار،
فقد أخرج ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما موقوفا «لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقه»
وأخرج البيهقي عنه مرفوعا «لا يقولها رجل منهم إلا غص بريقه»
والبخاري مرفوعا عنه أيضا «لو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا»
وقرأ ابن أبي إسحاق فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ- بكسر الواو- وحكى الحسن بن إبراهيم عن أبي عمرو- فتحها- وروي عنه أيضا اختلاس ضمتها وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً الظاهر أنه جملة مستأنفة معترضة غير داخلة تحت الأمر سيقت من جهته تعالى لبيان ما يكون منهم من الإحجام الدال على كذبهم في دعواهم، والمراد لن يتمنوه ما عاشوا، وهذا خاص بالمعاصرين له صلى الله تعالى عليه وسلم على ما روي عن نافع رضي الله تعالى عنه قال: خاصمنا يهودي وقال: إن في كتابكم فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إلخ، فأنا أتمنى الموت، فما لي لا أموت، فسمع ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فغضب، فدخل بيته وسل سيفه وخرج، فلما رآه اليهودي فرّ منه، وقال ابن عمر: أما والله لو أدركته لضربت عنقه، توهم هذا الكلب اللعين الجاهل أن هذا لكل يهودي أو لليهود في كل وقت لا إنما هو لأولئك الذين كانوا يعاندون ويجحدون نبوة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعد أن عرفوا، وكانت المحاجة معهم باللسان دون السيف. ويؤيد هذا ما أخرج ابن جرير عن ابن عباس موقوفا «لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات» وهذه الجملة إخبار بالغيب ومعجزة له صلى الله تعالى عليه وسلم، وفيها دليل على اعترافهم بنبوّته صلى الله تعالى عليه وسلم لأنهم لو لم يتيقنوا ذلك ما امتنعوا من التمني، وقيل: لا دليل، بل الامتناع كان بصرف الصرفة كما قيل في عدم معارضة القرآن، والقول بأنه كيف يكون ذلك معجزة مع أنه لا يمكن أن يعلم أنه لم يتمن أحد، والتمني أمر قلبي لا يطلع عليه، مجاب عنه بأنا لا نسلم أن المراد بالتمني هنا الأمر القلبي، بل هو أن يقول: ليت كذا ونحوه كما مر آنفا، ولو سلم أنه أمر قلبي فهذا مذكور على طريق المحاجة وإظهار المعجزة فلا يدفع إلا بالإظهار والتلفظ كما إذا قال رجل لامرأته: أنت طالق إن شئت أو أحببت، فإنه يعلق بالإخبار لا بالإضمار، فحيث ثبت عدم تلفظهم بالإخبار، وبأنه لو وقع لنقل واشتهر لتوفر الدواعي إلى نقله لأنه أمر عظيم يدور عليه أمر عظيم يدور عليه أمر النبوّة، فإنه بتقدير عدمه يظهر صدقه، وبتقدير حصوله يبطل القول بنبوته ثبت كونه معجزة أيده بها ربه، ومن حمل التمني على المجاز لا يرد عنده هذا السؤال، ولا يحتاج إلى هذا الجواب، وقد علمت ما فيه. وذهب جمهور المفسرين إلى عموم حكم الآية لجميع اليهود في جميع الأعصار، ولست ممن يقول بذلك وإن ارتضاه الجم الغفير، وقالوا: إنه المشهور الموافق لظاهر النظم الكريم، اللهم إلا أن يكون ذلك بالنسبة إلى جميع اليهود المعتقدين نبوّته صلى الله تعالى عليه وسلم الجاحدين لها في جميع الأعصار- لا بالنسبة إلى اليهود مطلقا في جميعها- ومع هذا لي فيه نظر بعد بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ أي بسبب ما عملوا من المعاصي الموجبة للنار كالكفر بمحمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والقرآن، وقتل الأنبياء، و «ما» موصولة، والعائد محذوف أو مصدرية ولا حذف، واليد كناية عن نفس الشخص، ويكنى بها عن القدرة أيضا لما أنها من بين جوارح الإنسان مناط عامة صنائعه، ومدار أكثر منافعه، ولا يجعل الإسناد مجازيا واليد على حقيقتها فيكون المعنى بما قدموا بأيديهم كتحريف التوراة ليشمل ما قدموا بسائر
стр. 327
الأعضاء، وهو أبلغ في الذم وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ تذييل للتهديد والتنبيه على أنهم ظالمون في ادعاء ما ليس لهم ونفيه عن غيرهم، والمراد- بالعلم- إما ظاهر معناه، أو أنه كني به عن المجازاة- وأل- إما للعهد وإيثار الإظهار على الإضمار للذم، وإما للجنس فيدخل المعهودون فيه على طرز ما تقدم.
وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلى حَياةٍ الخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وتجد- من وجد بعقله بمعنى علم المتعدية إلى مفعولين، والضمير مفعول أول، وأَحْرَصَ مفعول ثان، واحتمال أنها من وجد بمعنى لقي وأصاب فتتعدى إلى واحد، وأَحْرَصَ حال لا يتأتى على مذهب من يقول إن إضافة أفعل محضة كما سيأتي، والضمير عائد على اليهود الذين أخبر عنهم بأنهم لا يتمنون الموت، وقيل: على جميعهم، وقيل: على علماء بني إسرائيل وأل- في الناس للجنس، وهو الظاهر، وقيل: للعهد، والمراد جماعة عرفوا بغلبة الحرص عليهم، وتنكير حَياةٍ لأنه أريد بها فرد نوعي، وهي الحياة المتطاولة، فالتنوين للتعظيم، ويجوز أن يكون للتحقير، فإن الحياة الحقيقية هي الأخروية وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ [العنكبوت: ٦٤] ويجوز أن يكون التنكير للإبهام، بل قيل: إنه الأوجه أي على حياة مبهمة غير معلومة المقدار، ومنه يعلم حرصهم على الحياة المتطاولة من باب الأولى وجوز أبو حيان أن يكون الكلام على حذف مضاف أو صفة أي طول حياة أو حياة طويلة، وأنت تعلم أنه لا يحتاج إلى ذلك، والجملة إما حال من فاعل «قل» - وعليه الزجاج- وإما معترضة لتأكيد عدم تمنيهم الموت، وقرأ أبيّ- على الحياة- بالألف واللام وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا هم المجوس ووصفوا بالإشراك لأنهم يقولون بالنور والظلمة وكانت تحيتهم إذا عطس العاطس عش ألف سنة، وقيل: مشركو العرب الذين عبدوا الأصنام وهذا من الحمل على المعنى كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين إلخ. بناء على ما ذهب إليه ابن السراج، وعبد القاهر والجزولي وأبو علي من أن إضافة أفعل المضاف إذا أريد الزيادة على ما أضيف إليه لفظية لأن المعنى على إثبات مِنَ الابتدائية، والجار والمجرور في محل نصب مفعولة، وسيبويه يجعلها معنوية بتقدير اللام، والمرد بالناس على هذا التقدير ما عدا اليهود لما تقرر أن المجرور- بمن- مفضول عليه بجميع أجزائه أو الأعم ولا يلزم تفضيل الشيء على نفسه لأن أفعل ذو جهتين ثبوت أصل المعنى والزيادة فكونه من جملتهم بالجهة الأولى دون الثانية وجيء- بمن- في الثانية لأن من شرط أفعل المراد به الزيادة على المضافة إليه أن يضاف إلى ما هو بعضه لأنه موضوع لأن يكون جزءا من جملة معينة بعده مجتمعة منه ومن أمثاله، ولا شك أن اليهود غير داخلين في الذين أشركوا فإن الشائع في القرآن ذكرهما متقابلين، ويجوز أن يكون ذلك من باب الحذف أي- وأحرص من الذين- وهو قول مقاتل ووجه الآية على مذهب سيبويه، وعلى التقديرين ذكر- المشركين- تخصيص بعد التعميم على الوجه الظاهر في- اللام- لإفادة المبالغة في حرصهم والزيادة في توبيخهم وتقريعهم حيث كانوا مع كونهم أهل كتاب يرجون ثوابا ويخافون عقابا، أحرص ممن لا يرجو ذلك، ولا يؤمن ببعث، ولا يعرف إلا الحياة العاجلة، وإنما كان حرصهم أبلغ لعلمهم بأنهم صائرون إلى العذاب، ومن توقع شرا كان أنفر الناس عنه، وأحرصهم على أسباب التباعد منه. ومن الناس من جوز كون مِنَ الَّذِينَ صفة لمحذوف معطوف على الضمير المنصوب في لَتَجِدَنَّهُمْ والكلام على التقديم والتأخير، أي لَتَجِدَنَّهُمْ وطائفة من- الذين أشركوا أحرص الناس- ولا أظن يقدم على مثل ذلك في كتاب الله تعالى من له أدنى ذوق، لأنه- وإن كان معنى صحيحا في نفسه- إلا أن التركيب ينبو عنه، والفصاحة تأباه، ولا ضرورة تدعو إليه لا سيما على قول من يخص التقديم والتأخير بالضرورة، نعم يحتمل أن يكون هناك محذوف- هو مبتدأ- والمذكور صفته، أو المذكور خبر مبتدأ محذوف صفته.
стр. 328
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ وحذف موصوف الجملة فيما إذا كان بعضا من سابقه المجرور ب مِنَ أو- في- جائز في السعة، وفي غيره مختص بالضرورة نحو أنا ابن نجلا وطلاع الثنايا. وحينئذ يراد ب الَّذِينَ أَشْرَكُوا اليهود لأنهم قالوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ [التوبة: ٣٠] ووضع المظهر موضع المضمر نعيا عليهم بالشرك، وجوّز بعضهم أن يراد بذلك الجنس، ويراد بمن يَوَدُّ أَحَدُهُمْ اليهود، والمراد كل واحد منهم- وهو بعيد- وجملة يَوَدُّ إلخ، على الوجهين الأولين مستأنفة، كأنه قيل: ما شدة حرصهم، وقيل: حال من الَّذِينَ أو من ضمير أَشْرَكُوا أو من الضمير المنصوب في لَتَجِدَنَّهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ جواب لَوْ محذوف- أي لسر بذلك- وكذا مفعول
يَوَدُّ أي طول الحياة، وحذف لدلالة لَوْ يُعَمَّرُ عليه كما حذف الجواب لدلالة يَوَدُّ عليه، وهذا هو الجاري على قواعد البصريين في مثل هذا المكان، وذهب بعض الكوفيين- في مثل ذلك- إلى أن لَوْ مصدرية بمعنى- أن- فلا يكون لها جواب، وينسبك منها مصدر هو مفعول يَوَدُّ كأنه قال: «يود أحدهم» تعمير ألف سنة، وقيل: لَوْ بمعنى ليت ولا يحتاج إلى جواب والجملة محكية ب يَوَدُّ في موضع المفعول، وهو- وإن لم يكن قولا ولا في معناه- لكنه فعل قلبي يصدر عنه الأقوال فعومل معاملتها، وكان أصله- لو أعمر- إلا أنه أورد بلفظ الغيبة لأجل مناسبة يَوَدُّ فإنه غائب، كما يقال: حلف ليفعلن- مقام لأفعلن- وهذا بخلاف ما لو أتى بصريح القول، فإنه لا يجوز قال: ليفعلن، وإذا قلنا: إن لَوْ التي للتمني مصدرية لا يحتاج إلى اعتبار الحكاية، وابن مالك رضي الله تعالى عنه موضوعا له- كليت- ونحو لو تأتيني فتحدثني- بالنصب- أصله وددت لو تأتيني إلخ، فحذف فعل التمني لدلالة لَوْ عليه، وقيل: هي لَوْ الشرطية أشربت معنى التمني، ومعنى أَلْفَ سَنَةٍ الكثرة ليشمل من يَوَدُّ أن لا يموت أبدا، ويحتمل أن يراد أَلْفَ سَنَةٍ حقيقة- والألف- العدد المعلوم من الألفة، إذ هو مؤلف من أنواع الأعداد بناء على متعارف الناس، وإن كان الصحيح أن العدد مركب من الوحدات التي تحته- لا الإعداد- وأصل سَنَةٍ سنوة، لقولهم: سنوات، وقيل: سنهة- كجبهة- لقولهم: سانهته، وتسنهت النخلة إذا أتت عليها السنون، وسمع أيضا في الجمع سنهات وَما هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ أَنْ يُعَمَّرَ ما حجازية أو تميمية، وهو ضمير عائد إلى أَحَدُهُمْ اسمها- أو مبتدأ- وبِمُزَحْزِحِهِ خبرها أو خبره- والباء- زائدة، وأَنْ يُعَمَّرَ فاعل «مزحزحه» والمعنى- ما أحدهم يزحزحه من العذاب تعميره- وفيه إشارة إلى ثبوت من- يزحزحه التعمير- وهو مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً [الكهف: ٨٨، سبأ: ٣٧] ولا يجوز عند المحققين أن يكون الضمير المرفوع للشأن لأن مفسره جملة، ولا تدخل- الباء- في خبر ما وليس إلا إذا كان مفردا عند غير الفراء، وأجاز ذلك أبو علي، وهو ميل منه إلى مذهب الكوفيين من أن مفسر ضمير الشأن يجوز أن يكون غير جملة إذا انتظم إسنادا معنويا نحو ما هو بقائم زيد نعم جوّزوا أن يكون لما دل عليه يُعَمَّرُ وأَنْ يُعَمَّرَ بدل منه، أي ما تعميره بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذابِ اعترض بأن فيه ضعفا للفصل بين البدل والمبدل منه، وللإبدال من غير حاجة إليه، وأجاب بعض المحققين أنه لما كان لفظ- التعمير- غير مذكور، بل ضميره حسن الإبدال ولو كان التعمير مذكورا بلفظه لكان الثاني تأكيدا- لا بدلا- ولكونه في الحقيقة تكريرا يفيد فائدته من تقرير المحكوم عليه اعتناء بشأن الحكم بناء على شدة حرصه على التعمير- ووداده إياه- جاز الفصل بينه وبين المبدل منه بالخبر، كما في التأكيد في قوله تعالى: وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ [هود: ١٩، يوسف: ٣٧، فصلت: ٧] وقيل: هو ضمير مبهم يفسره البدل فهو راجع إليه لا إلى شيء متقدم مفهوم من الفعل، والتفسير بعد الإبهام ليكون أوقع في نفس السامع، ويستقر في ذهنه كونه محكوما عليه بذلك الحكم والفصل بالظرف بينه وبين مفسره جائز- كما يفهمه كلام الرضيّ في بحث أفعال المدح والذم- واحتمال أن يكون هُوَ ضمير فصل قدم مع الخبر بعيد- والزحزحة- التبعيد، وهو مضاعف من زح يزح زحا، ككبكب من كب- وفيه مبالغة- لكنها متوجهة إلى النفي
стр. 329
على حد ما قيل: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] فيؤول- إلى أنه لا يؤثر في إزالة العذاب أقل تأثير- التعمير، وصح ذلك مع أن التعمير يفيد رفع العذاب مدة البقاء، لأن الإمهال بحسب الزمان وإن حصل، لكنهم لاقترافهم المعاصي بالتعمير زاد عليهم من حيث الشدة فلم يؤثر في إزالته أدنى تأثير بل زاد فيه حيث استوجبوا بمقابلة أَيَّاماً مَعْدُودَةً [البقرة: ٨٠] عذاب الأبد وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ أي عالم بخفيات أعمالهم- فهو مجازيهم لا محالة- وحمل- البصر- على- العلم- هنا وإن كان بمعنى الرؤية صفة لله تعالى أيضا لأن بعض الأعمال لا يصح أن يرى- على ما ذهب إليه بعض المحققين- وفي هذه الجملة من التهديد والوعيد ما هو ظاهر، و «ما» إما موصولة أو مصدرية، وأتى بصيغة المضارع لتواخي الفواصل، وقرأ الحسن وقتادة والأعرج ويعقوب «تعلمون» - بالتاء- على
سبيل الالتفات قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ
أخرج ابن أبي شيبة في مسنده، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الشعبي، أنه دخل عمر رضي الله تعالى عنه مدراس اليهود يوما فسألهم عن جبريل، فقالوا: ذاك عدونا، يطلع محمدا على أسرارنا، وأنه صاحب كل خسف وعذاب، وميكائيل صاحب الخصب والسلام. فقال: ما منزلتهما من الله تعالى؟ قالوا:
جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره- وبينهما عداوة- فقال: لئن كانا كما تقولون فليسا بعدوين، ولأنتم أكفر من الحمير، ومن كان عدوا لأحدهما فهو عدو لله. ثم رجع عمر فوجد جبريل قد سبقه بالوحي، فقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «لقد وافقك ربك يا عمر» قال عمر: لقد رأيتني بعد ذلك أصلب من الحجر،
وقيل: نزلت في عبد الله بن صوريا- كان يهوديا من أحبار فدك- سأل رسول الله ﷺ عمن ينزل عليه فقال: «جبريل» فقال: ذاك عدونا عادانا مرارا، وأشدها أنه أنزل على نبينا أن بيت المقدس سيخربه بخت نصر، فبعثنا من يقتله فرآه ببابل، فدفع عنه جبريل وقال: إن كان ربكم أمره بهلاككم فلا يسلطكم عليه، وإلا فبم تقتلونه؟ وصدقه الرجل المبعوث ورجع إلينا، وكبر بختنصر وقوي وغزانا، وخرّب بيت المقدس، روى ذلك بعض الحفاظ، وقال العراقي: لم أقف له على سند، فلعل الأول أقوى منه- وإن أوهم صنيع بعضهم العكس- ولِجِبْرِيلَ علم ملك كان ينزل على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالقرآن، وهو اسم أعجمي ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة، وأبعد من ذهب إلى أنه مشتق من جبروت الله وجعله مركبا تركيب مزج من مضاف ومضاف إليه، فمنعه من الصرف للعلمية، والتركيب ليس بشيء لأن ما يركب هذا التركيب يجوز فيه البناء والإضافة ومنع الصرف. فكونه لم يسمع فيه الإضافة أو البناء دليل على أنه ليس من تركيب المزج، وقد تصرفت فيه العرب على عادتها في تغيير الأسماء الأعجمية حتى بلغت فيه إلى ثلاث عشرة لغة، أفصحها وأشهرها لِجِبْرِيلَ كقنديل، وهي قراءة أبي عمرو. ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم. وهي لغة الحجاز، قال ورقة بن نوفل:
«وجبريل» يأتيه وميكال معهما ... من الله وحي يشرح الصدر منزل
الثانية كذلك إلا أنها- بفتح الجيم- وهي قراءة ابن كثير والحسن وابن محيصن. قال الفراء: لا أحبها لأنه ليس في الكلام فعليل- وليس بشيء- لأن الأعجمي إذا عربوه قد يلحقونه بأوزانهم- كلجام- وقد لا يلحقونه كإبريسم- وجبريل من هذا القبيل، مع أنه سمع- سموأل- لطائر، الثالث «جبرئيل» كسلسبيل، وبها قرأ حمزة والكسائي وحماد عن أبي بكر عن عاصم، وهي لغة قيس وتميم وكثير من أهل نجد، وحكاها الفراء واختارها الزجاج، وقال: هي أجود اللغات، وقال حسان:
شهدنا فما يلقى لنا من كتيبة ... مدى الدهر إلا «جبرئيل» أمامها
«الرابعة» كذلك إلا أنها بدون- ياء بعد الهمزة- وهي رواية يحيى بن آدم، عن أبي بكر، عن عاصم، وتروى عن
стр. 330
يحيى بن يعمر «الخامسة» كذلك إلا أن- اللام مشددة- وهي قراءة أبان عن عاصم، ويحيى بن يعمر أيضا «السادسة» «جبرائل» - بألف وهمزة بعدها مكسورة بدون ياء- وبها قرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وعكرمة «السابعة» مثلها مع زيادة- ياء بعد الهمزة- «الثامنة» «جبراييل» بياءين بعد الألف، وبها قرأ الأعمش وابن يعمر، ورواها الكسائي عن عاصم «التاسعة» «جبرال» «العاشرة» «جبريل» - بالياء والقصر- وهي قراءة طلحة بن مصرف «الحادية عشرة» «جبرين» - بفتح الجيم والنون- «الثانية عشرة» كذلك إلا أنها- بكسر الجيم- وهي لغة أسد «الثالثة عشرة» «جبراين» قال أبو جعفر النحاس: جمع لِجِبْرِيلَ جمع تكسير على- جبارين- على اللغة العالية، واشتهر أن معناه عبد الله، على أن- جبر- هو الله تعالى- وإيل- هو العبد، قيل: عكسه، ورده بعضهم بأن المعهود في الكلام العجمي تقديم المضاف إليه على المضاف، وفيه تأمل.
فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ جواب الشرط إما نيابة أو حقيقة والمعنى من عاداه منهم فقد خلع ربقة الإنصاف أو كفر بما معه من الكتاب بمعاداته إياه لنزوله عليك بالوحي لأنه نزل كتابا مصدقا للكتب المتقدمة، أو فالسبب في عداوته أنه نزل عليك، وليس المبتدأ على هذا الأخير محذوفا، وأنه- نزله- خبره حتى يرد أن الموضع للمفتوحة بل أن- الفاء- داخلة على السبب، ووقع جزاء باعتبار الإعلام والاخبار بسببيته لما قبله فيؤول المعنى إلى من عاداه فأعلمكم بأن سبب عداوته كذا فهو كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته أي فأخبرك بأن سبب عداوتك أنك آذيته، وقيل: الجزاء محذوف بحيث لا يكون المذكور نائبا وعنه يقدر مؤخرا عنه ويكون هو تعليلا وبيانا لسبب العداوة والمعنى من عاداه- لأنه نزله على قلبك- فليمت غيظا، أو فهو عدوّ لي وأنا عدوه والقرينة على حذف الثاني الجملة المعترضة المذكورة بعده في وعيدهم، واحتمال أن يكون مَنْ كانَ عَدُوًّا إلخ استفهاما للاستبعاد، أو التهديد ويكون فإنه تعليل العداوة وتقييدا لها أو تعليل الأمر بالقول مما لا ينبغي أن يرتكب في القرآن العظيم، والضمير الأول البارز لجبريل، والثاني للقرآن كما يشير إليه الأحوال لأنها كلها من صفات القرآن ظاهرا، وقيل: الأول لله تعالى والثاني لجبريل أي- فإن الله نزل جبريل بالقرآن على قلبك- وفي كل من الوجهين إضمار يعود على ما يدل عليه السياق، وفي ذلك من فخامة الشأن ما لا يخفى، ولم يقل سبحانه عليك كما في قوله تعالى: ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى [طه: ٢] بل قال:
عَلى قَلْبِكَ لأنه القابل الأول للوحي إن أريد به الروح، ومحل الفهم والحفظ إن أريد به العضو بناء على نفي الحواس الباطنة، وقيل: كني بالقلب عن الجملة الإنسانية كما يكنى ببعض الشيء عن كله، وقيل: معنى نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ جعل قَلْبِكَ متصفا بأخلاق القرآن ومتأدبا بآدابه كما
في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها «كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويغضب لغضبه»
وكان الظاهر أن يقول على قلبي لأن القائل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لكنه حكى ما قال الله تعالى له وجعل القائل كأنه الله تعالى لأنه سفير محض بِإِذْنِ اللَّهِ أي بأمره أو بعلمه وتمكينه إياه من هذه المنزلة أو باختياره، أو بتيسيره وتسهيله، وأصل معنى- الاذن- في الشيء الاعلام بإجازته والرخصة فيه فالمعاني المذكورة كلها مجازية، والعلاقة ظاهرة، والمنتخب- كما في المنتخب- المعنى الأول والمعتزلة- لما لم يقولوا بالكلام النفسي وإسناد الاذن إليه تعالى باعتبار الكلام اللفظي يحتاج إلى تكلف- اقتصر الزمخشري على الوجه الأخير، والقول: إن الاذن بمعنى الأمر إن أريد بالتنزيل معناه الظاهر، وبمعنى التيسير إن أريد به التحفيظ والتفهيم مما لا وجه له.
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من الكتب الإلهية التي معظمها التوراة وانتصاب مُصَدِّقاً على الحال من الضمير المنصوب في نَزَّلَهُ إن كان عائدا للقرآن وإن كان لجبريل فيحتمل وجهين، أحدهما أن يكون حالا من المحذوف
стр. 331
لفهم المعنى كما أشرنا إليه، والثاني أن يكون حالا من جبريل، والهاء إما للقرآن أو لجبريل فإنه مصدق أيضا لما بين يديه من الرسل والكتب وَهُدىً وَبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ معطوفان على مُصَدِّقاً فهما حالان مثله، والتأويل غير خفي، وخص المؤمنين- بالذكر لأنه على غيرهم عمى، وقد دلت الآية على تعظيم جبريل والتنويه بقدره حيث جعله الواسطة بينه تعالى وبين أشرف خلقه، والمنزل بالكتاب الجامع للأوصاف المذكورة، ودلت على ذم اليهود حيث أبغضوا من كان بهذه المنزلة العظيمة الرفيعة عند الله تعالى، قيل: وتعلقت الباطنية بهذه الآية وقالوا: إن القرآن إلهام والحروف عبارة الرسول ﷺ ، ورد عليهم بأنه معجزة ظاهرة وباطنة وإن الله تعالى سماه قرآنا وكتابا وعربيا، وإن جبريل نزل به والملهم لا يحتاج إليه.
مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ- العدو- للشخص ضد الصديق يستوي فيه المذكر والمؤنث والتثنية والجمع، وقد يؤنث ويثنى ويجمع، وهو الذي يريد إنزال المضار به، وهذا المعنى لا يصح إلا فينا دونه تعالى فعداوة الله هنا مجاز إما عن مخالفته تعالى وعدم القيام بطاعته لما أن ذلك لازم للعداوة، وإما عن عداوة أوليائه، وأما عداوتهم لجبريل والرسل ﵈ فصحيحة لأن الإضرار جار عليهم غاية ما في الباب أن عداوتهم لا تؤثر لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم، وصدر الكلام على الاحتمال الأخير بذكره لتفخيم شأن أولئك الأولياء حيث جعل عداوتهم عداوته تعالى، وأفرد الملكان بالذكر تشريفا لهما وتفضيلا كأنهما من جنس آخر تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات كقوله:
فإن تفق الأنام وأنت منهم ... فان «المسك» بعض دم الغزال
وقيل: لأن اليهود ذكروهما ونزلت الآية بسببهما، وقيل: للتنبيه على أن معاداة الواحد والكل سواء في الكفر واستجلاب العداوة من الله تعالى، وإن من عادى أحدهم فكأنما عادى الجميع لأن الموجب لمحبتهم وعداوتهم على الحقيقة واحد وإن اختلف بحسب التوهم والاعتقاد، ولهذا أحب اليهود ميكائيل وأبغضوا جبريل، واستدل بعضهم بتقديم جبريل على ميكائيل على أنه أفضل منه وهو المشهور، واستدلوا عليه أيضا بأنه ينزل بالوحي والعلم وهو مادة الأرواح، وميكائيل بالخصب والأمطار وهي مادة الأبدان، وغذاء الأرواح أفضل من غذاء الأشباح، واعترض بأن التقديم في الذكر لا يدل على التفضيل إذ يحتمل أن يكون ذلك للترقي أو لنكتة أخرى كما قدمت الملائكة على الرسل وليسوا أفضل منهم عندنا، وكذا نزوله بالوحي ليس قطعيا بالأفضلية إذ قد يوجد في المفضول ما ليس في الفاضل فلا بد في التفضيل من نص جلي واضح، وأنا أقول بالأفضلية وليس عندي أقوى دليلا من مزيد صحبته لحبيب الحق بالاتفاق وسيد الخلق على الإطلاق ﷺ وكثرة نصرته وحبه له ولأمته، ولا أرى شيئا يقابل ذلك وقد أثنى الله تعالى عليه ﵇ بما لم يثن به على ميكائيل بل ولا على إسرافيل وعزرائيل وسائر الملائكة أجمعين،
وأخرج الطبراني- لكن بسند ضعيف- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله ﷺ ألا أخبركم بأفضل الملائكة؟
جبرائيل»
وأخرج أبو الشيخ عن موسى بن عائشة قال: «بلغني أن جبريل إمام أهل السماء»
ومن شرطية والجواب، قيل:
محذوف وتقديره فهو كافر مجزي بأشد العذاب، وقيل: فإن الله إلخ على نمط ما علمت، وأتى باسم الله ظاهرا ولم يقل فانه عدو دفعا لانفهام غير المقصود أو التعظيم والتفخيم، والعرب إذا فخمت شيئا كررته بالاسم الذي تقدم له، ومنه لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ [الحج: ٦٠] . وقوله:
لا أرى الموت يسبق الموت شيء وأل في الكافرين للعهد وإيثار الاسمية للدلالة على التحقيق والثبات، ووضع المظهر موضع المضمر للايذان بأن
стр. 332
عداوة المذكورين كفر وأن ذلك بين لا يحتاج إلى الاخبار به وأن مدار عداوته تعالى لهم وسخطه المستوجب لأشد العقوبة والعذاب هو كفرهم المذكور، وقيل: يحتمل أنه تعالى عدل عن الضمير لعلمه أن بعضهم يؤمن فلا ينبغي أن يطلق عليه عداوة الله تعالى للمآل- وهو احتمال أبعد من العيوق- ويحتمل أن تكون- أل للجنس كما تقدم، ومن الناس من روى أن عمر رضي الله تعالى عنه نطق بهذه الآية مجاوبا لبعض اليهود في قوله ذاك عدونا يعني جبريل فنزلت على لسان عمر وهو خبر ضعيف كما نص عليه ابن عطية، والكلام في منع صرف ميكائيل كالكلام في جبريل، واشتهر أن معناه عبيد الله وقيل: عبد الله وفيه لغات، الأولى «ميكال» كمفعال، وبها قرأ أبو عمرو وحفص وهي لغة الحجاز، الثانية كذلك إلا أن بعد الألف همزة، وقرأ بها نافع. وابن شنبوذ لقنبل، الثالثة كذلك إلا أنه بياء بعد الهمزة، وبها قرأ حمزة والكسائي وابن عامر وأبو بكر. وغير ابن شنبوذ لقنبل والبزي، الرابعة «ميكئيل» كميكفيل، وبها قرأ ابن محيصن. الخامسة كذلك إلا أنه لا ياء بعد الهمزة وقرىء بها، السادسة «ميكاييل» بياءين بعد الألف أولهما مكسورة، وبها قرأ الأعمش.
ولساداتنا الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم في هذين الملكين- بل وفي أخويهما إسرافيل وعزرائيل ﵉ أيضا- كلام مبسوط، والمشهور أن جبرائيل هو العقل الفعال، وميكائيل هو روح الفلك السادس وعقله المفيض للنفس النباتية الكلية الموكلة بأرزاق الخلائق، وإسرافيل هو روح الفلك الرابع وعقله المفيض للنفس الحيوانية الكلية الموكلة بالحيوانات، وعزرائيل هو روح الفلك السابع الموكل بالأرواح الإنسانية كلها بعضها بالوسائط التي هي أعوانه وبعضها بنفسه والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.
وَلَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ نزلت بسبب ابن صوريا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حين قال لرسول الله ﷺ : ما جئتنا بشيء نعرفه وما أنزل عليك من آيات فنتبعك، وجعلت عطفا على قوله تعالى: قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا إلخ عطف القصة على القصة وَما يَكْفُرُ عطف على جواب القسم فإنه كما يصدر باللام يصدر بحرف النفي، و «الآيات» القرآن والمعجزات والاخبار عما خفي وأخفي في الكتب السابقة أو الشرائع والفرائض، أو مجموع ما تقدم كله والظاهر الإطلاق، والْفاسِقُونَ المتمردون في الكفر الخارجون عن الحدود فإن من ليس على تلك الصفات من الكفرة لا يجترىء على الكفر بمثل هاتيك البينات، قال الحسن إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم أفراد ذلك النوع من كفر أو غيره فإذا قيل: هو فاسق في الشرب فمعناه هو أكثر ارتكابا له وإذا قيل: هو فاسق في الزنا يكون معناه هو أشد ارتكابا له، وأصله من فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها، واللام إما للعهد لأن سياق الآيات يدل على أن ذلك لليهود، وإما للجنس وهم داخلون كما مر غير مرة أَوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْداً نزلت في مالك بن الصيف قال: والله ما أخذ علينا عهد في كتابنا أن نؤمن بمحمد ﷺ ولا ميثاق، وقيل: في اليهود عاهدوا إن خرج لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب فلما بعث كفروا به، وقال عطاء: في اليهود عاهدوا رسول الله ﷺ بعهود فنقضوها كفعل قريظة والنضير، والهمزة للإنكار بمعنى ما كان ينبغي، وفيه إعظام ما يقدمون عليه من تكرر عهودهم ونقضها حتى صار سجية لهم وعادة، وفي ذلك تسلية له ﷺ وإشارة إلى أنه ينبغي أن لا يكترث بأمرهم وأن لا يصعب عليه مخالفتهم، والواو للعطف على محذوف أي كفروا بالآيات وكلما عاهدوا، وهو من عطف الفعلية على الفعلية لأن كُلَّما ظرف نَبَذَهُ والقرينة على ذلك المحذوف قوله تعالى: وَما يَكْفُرُ بِها إلخ، وبعضهم يقدر المعطوف مأخوذا من الكلام السابق ويقول بتوسط الهمزة بين المعطوف والمعطوف عليه لغرض يتعلق بالمعطوف خاصة، والتقدير عنده نقضوا هذا العهد وذلك العهد
стр. 333
أَوَكُلَّما عاهَدُوا وفيه مع ارتكاب ما لا ضرورة تدعو إليه أن الجمل المذكورة بقربه ليس فيها ذكر نقض العهد، وقال الأخفش: هي زائدة، والكسائي هي- أو- الساكنة حركت واوها بالفتح وهي بمعنى بل ولا يخفى ضعف القولين، نعم قرأ ابن السماك العدوي وغيره أَوَبالإسكان وحينئذ لا بأس بأن يقال: إنها إضرابية بناء على رأي الكوفيين وأنشدوا:
بدت مثل قرن الشمس في رونق الضحى ... وصورتها «أو» أنت في العين أملح
والعطف- على هذا- على صلة الموصول الذي هو- اللام- في الْفاسِقُونَ ميلا إلى جانب المعنى وإن كان فيه مسخ- اللام- الموصولة، كأنه قيل: إلا الذين فسقوا بل كُلَّما عاهَدُوا والقرينة على ذلك بَلْ أَكْثَرُهُمْ إلخ، وفيه ترق إلى الأغلظ فالأغلظ، ولك أن لا تميل مع المعنى بل تعطف على الصلة- وأل- تدخل على الفعل بالتبعية في السعة كثيرا كقوله تعالى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا [الحديد: ١٨] لاغتفارهم في الثواني ما لا يغتفر في الأوائل. ومن الناس من جوّز هذا العطف باحتماليه على القراءة الأولى أيضا- ولم يحتج إلى ذلك المحذوف- وقرأ الحسن وأبو رجاء «عوهدوا» وانتصاب عَهْداً على أنه مصدر على غير الصدر أي- معاهدة- ويؤيده أنه قرىء «عهدوا» أو على أنه مفعول به بتضمين عاهَدُوا معنى أعطوا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ أي نقضه وترك العمل به، وأصل- النبذ- طرح ما لا يعتد به- كالنعل البالية- لكنه غلب فيما من شأنه أن ينسى لعدم الاعتداد به، ونسبة- النبذ- إلى- العهد- مجاز- والنبذ- حقيقة إنما هو في المتجسدات نحو فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ [القصص: ٤٠، الذاريات: ٤٠]- والفريق- اسم جنس لا واحد له يقع على القليل والكثير، وإنما قال: فَرِيقٌ لأن منهم من لم ينبذه. وقرأ عبد الله «نقضه» قال في البحر: وهي قراءة تخالف سواد المصحف- فالأولى حملها على التفسير- وليس بالقوى إذ لا يظهر للتفسير دون ذكر المفسر خلال القراءة وجه بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ يحتمل أن يراد- بالأكثر النباذون- وأن يراد من عداهم «فعلى الأول» يكون ذلك ردا لما يتوهم أن- الفريق- هم الأقلون بناء على أن المتبادر منه القليل «وعلى الثاني» رد لما يتوهم أن من لم ينبذ جهارا يؤمنون به سرا، والعطف على التقديرين من عطف الجمل، ويحتمل أن يكون من عطف المفردات بأن يكون أكثرهم معطوفا على فَرِيقٌ وجملة لا يُؤْمِنُونَ حال من أَكْثَرُهُمْ والعامل فيها نَبَذَهُ وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ ظرف ل «نبذ» والجملة عطف على سابقتها داخلة تحت الإنكار، والضمير لبني إسرائيل لا لعلمائهم فقط، والرسول محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، والتكثير للتفخيم، وقيل: عيسى ﵇، وجعله مصدرا بمعنى الرسالة كما في قوله:
لقد كذب الواشون ما بحت عندهم ... بليلى ولا أرسلتهم برسول
خلاف الظاهر مِنْ عِنْدِ اللَّهِ متعلق بجاء أو بمحذوف وقع صفة للرسول لإفادة مزيد تعظيمه إذ قدر الرسول على قدر المرسل مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ أي من التوراة من حيث إنه صلى الله تعالى عليه وسلم جاء على الوصف الذي ذكر فيها، أو أخبر بأنها كلام الله تعالى المنزل على نبيه موسى ﵇، أو صدق ما فيها من قواعد التوحيد وأصول الدين، وأخبار الأمم والمواعظ والحكم، أو أظهر ما سألوه عنه من غوامضها، وحمل بعضهم «ما» على العموم لتشمل جميع الكتب الإلهية التي نزلت قبل، وقرأ ابن أبي عبلة «مصدقا» بالنصب على الحال من النكرة الموصوفة نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ أي التوراة وهم اليهود الذين كانوا في عهده صلى الله تعالى عليه وسلم لا الذين كانوا في عهد سليمان ﵇ كما توهمه بعضهم من اللحاق- لأن- النبذ- عند مجيء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يتصور منهم، وإفراد هذا- النبذ- بالذكر مع اندراجه في قوله تعالى: أَوَكُلَّما
стр. 334
عاهَدُوا
إلخ، لأنه معظم جناياتهم، ولأنه تمهيد لما يأتي بعد. والمراد- بالإيتاء- إما إيتاء علمها فالموصول عبارة عن علمائهم، وإما مجرد إنزالها عليهم فهو عبارة عن الكل، ولم يقل: فريق منهم إيذانا بكمال التنافي بين ما ثبت لهم في حيز الصلة وبين ما صدر عنهم من النبذ كِتابَ اللَّهِ مفعول نَبَذَ والمراد به التوراة لما روي عن السدي أنه قال:
لما جاءهم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم عارضوه بالتوراة فاتفقت التوراة والفرقان فنبذوا التوراة وأخذوا بكتاب آصف وسحر هاروت وماروت فلم توافق القرآن، فهذا قوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ إلخ، ويؤيده أن النبذ يقتضي سابقة الأخذ في الجملة- وهو متحقق بالنسبة إليها- وأن المعرفة إذا أعيدت معرفة كان الثاني عين الأول، وأن مذمتهم في أنهم نبذوا الكتاب الذي أوتوه واعترفوا بحقيته أشد فإنه يفيد أنه كان مجرد مكابرة وعناد، ومعنى نبذهم لها اطراح أحكامها، أو ما فيها من صفة النبي ﷺ ، وقيل: القرآن، وأيده أبو حيان بأن الكلام مع الرسول فيصير المعنى أنه يصدق ما بأيديهم من التوراة، وهم بالعكس يكذبون ما جاء به من القرآن ويتركونه ولا يؤمنون به بعد ما لزمهم تلقيه بالقبول، وقيل: الإنجيل- وليس بشيء- وأضاف الكتاب إلى الاسم الكريم تعظيما له وتهويلا لما اجترءوا عليه من الكفر به.
وَراءَ ظُهُورِهِمْ جمع- ظهر- وهو معروف، ويجمع أيضا على- ظهران- وقد شبه تركهم كتاب الله تعالى وإعراضهم عنه بحالة شيء يرمى به وراء الظهر، والجامع عدم الالتفات وقلة المبالاة، ثم استعمل هاهنا ما كان مستعملا هناك- وهو النبذ وراء الظهر- والعرب كثيرا ما تستعمل ذلك في هذا المعنى، ومنه قوله:
تميم بن مر لا تكونن حاجتي ... بظهر- ولا يعيى عليك جوابها
ويقولون أيضا: جعل هذا الأمر دبر أذنه ويريدون ما تقدم كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ جملة حالية، أي نبذوه مشبهين بمن لا يعلم أنه كتاب الله تعالى أو لا يعلمه أصلا أو لا يعلمونه على وجه الإتقان، ولا يعرفون ما فيه من دلائل نبوته صلى الله تعالى عليه وسلم، وهذا على تقدير أن يراد الأحبار، وفيه إيذان بأن علمهم به رصين لكنهم يتجاهلون وفي الوجهين الأولين زيادة مبالغة في إعراضهم عما في التوراة من دلائل النبوة، ومن فسر كتاب الله تعالى بالقرآن جعل متعلق العلم أنه كتاب الله أي كأنهم لا يعلمون أن القرآن كتاب الله تعالى مع ثبوت ذلك عندهم وتحققه لديهم، وفيه إشارة إلى أنهم نبذوه لا عن شبهة ولكن بغيا وحسدا، وجعل المتعلق- أنه نبي صادق- بعيد، وقد دل الآيتان قوله تعالى: أَوَكُلَّما عاهَدُوا إلخ، وقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ إلخ بناء على احتمال أن يكون الأكثر غير النابذين، على أن جلّ اليهود أربع فرق، ففرقة آمنوا بالتوراة وقاموا بحقوقها كمؤمني أهل الكتاب، وهم الأقلون المشار إليهم ب بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وفرقة جاهروا بنبذ العهود وتعدي الحدود، وهم المعنيون بقوله تعالى: نَبَذَ فَرِيقٌ منهم وفرقة لم يجاهروا، ولكن نبذوا لجهلهم- وهم الأكثرون- وفرقة تمسكوا بها ظاهرا ونبذوها سرا، وهم المتجاهلون وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عطف على «نبذ» والضمير لفريق من الذين أوتوا الكتاب- على ما تقدم عن السدي، وقيل: عطف على مجموع ما قبله عطف القصة على- القصة، والضمير للذين تقدموا من اليهود، أو الذين كانوا في زمن سليمان ﵇، أو الذين كانوا في زمن نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، أو ما يتناول الكل لأن ذاك غير ظاهر إذ يقتضي الدخول في حيز ل ما واتباعهم هذا ليس مترتبا على مجيء الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وفيه أن ما علمت من قول السدي يفتح باب الظهور، اللهم إلا أن يكون المبني غيره، وقيل: عطف على اشربوا وهو في غاية البعد، بل لا يقدم عليه من جرع جرعة من الإنصاف، والمراد- بالاتباع- التوغل والإقبال على الشيء بالكلية، وقيل: الاقتداء، وما موصولة وتَتْلُوا صلتها، ومعناه تتبع أو تقرأ- وهو حكاية حال ماضية، والأصل-
стр. 335
تلت- وقول الكوفيين إن المعنى ما كانت تَتْلُوا محمول على ذلك- لا أن كان هناك مقدرة- والمتبادر من الشياطين مردة الجن وهو قول الأكثرين، وقيل: المراد بهم شياطين الإنس، وهو قول المتكلمين من المعتزلة وقرأ الحسن والضحاك- الشياطون- على حد ما رواه الأصمعي عن العرب- بستان فلان حوله بساتون- وهو من الشذوذ بمكان حتى قيل: إنه لحن عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ متعلق ب تَتْلُوا وفي الكلام مضاف محذوف أي عهد ملكه وزمانه، أو الملك مجاز عن العهد، وعلى التقديرين عَلى بمعنى- في- كما أن- في- بمعنى على في قوله تعالى:
لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ [طه: ٧١] وقد صرح في التسهيل بمجيئها للظرفية ومثل له بهذه الآية لأن الملك وكذا العهد لا يصلح كونه مقروءا عليه، ومن الأصحاب من أنكر مجيء- على- بمعنى- في- وجعل هذا من تضمين تتلو معنى تتقول، أو الملك عبارة عن الكرسي لأنه كان من آلات ملكه، فالكلام على حد قرأت على المنبر، والمراد بما يتلونه السحر،
فقد أخرج سفيان بن عيينة وابن جرير والحاكم، وصححه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «إن الشياطين كانوا يسترقون السمع من السماء، فإذا سمع أحدهم بكلمة كذب عليها ألف كذبة، فأشربتها قلوب الناس واتخذوها دواوين فأطلع الله تعالى على ذلك سليمان بن داود فأخذها وقذفها تحت الكرسي فلما مات سليمان قام شيطان بالطريق فقال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممنع؟ قالوا نعم فأخرجوه فإذا هو سحر فتناسختها الأمم فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما قالوا من السحر»
وقيل: روي أن سليمان كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه الله تعالى بها تحت سرير ملكه خوفا على أنه إذا هلك الظاهر منها يبقى ذلك المدفون فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه ثم بعد موته واطلاع الناس على تلك الكتب أو هموهم أنها من علم سليمان،
ولا يخفى ضعف هذه الرواية، وسليمان- كما في البحر- اسم أعجمي، وامتنع من الصرف للعلمية والعجمة، ونظيره من الأعجمية في أن آخره ألف ونون- هامان، وماهان. وشامان- وليس امتناعه من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون كعثمان لأن زيادتهما موقوفة على الاشتقاق والتصريف، وهما لا يدخلان الأسماء الأعجمية وكثير من الناس اليوم على خلافه وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ اعتراض لتبرئة سليمان ﵇ عما نسبوه إليه، فقد أخرج ابن جرير عن شهر بن حوشب قال: قال اليهود: انظروا إلى محمد يخلط الحق بالباطل يذكر سليمان مع الأنبياء، وإنما كان ساحرا يركب الريح، وعبر سبحانه عن السحر بالكفر بطريق الكناية رعاية لمناسبة لكِنَّ الاستدراكية في قوله تعالى:
وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فإن كَفَرُوا معها مستعمل في معناه الحقيقي وجملة يعلمون حال من الضمير، وقيل: من الشياطين، ورد بأن لكن لا تعمل في الحال، وأجيب بأن فيها رائحة الفعل وقيل بدل من كفروا، وقيل استئناف والضمير- للشياطين- أو- للذين اتبعوا- والسِّحْرَ في الأصل مصدر سحر يسحر بفتح العين فيهما إذا أبدى ما يدق ويخفى وهو من المصادر الشاذة، ويستعمل بما لطف وخفي سببه، والمراد به أمر غريب يشبه الخارق- وليس به- إذ يجري فيه التعلم ويستعان في تحصيله بالتقرب إلى الشيطان بارتكاب القبائح، قولا كالرقى التي فيها ألفاظ الشرك ومدح الشيطان وتسخيره، وعملا كعبادة الكواكب، والتزام الجناية وسائر الفسوق، واعتقادا كاستحسان ما يوجب التقرب إليه ومحبته إياه وذلك لا يستتب إلا بمن يناسبه في الشرارة وخبث النفس فإن التناسب شرط التضام والتعاون فكما أن الملائكة لا تعاون إلا أخيار الناس المشبهين بهم في المواظبة على العبادة والتقرب إلى الله تعالى بالقول والفعل كذلك الشياطين لا تعاون إلا الأشرار المشبهين بهم في الخباثة والنجاسة قولا وفعلا واعتقادا، وبهذا يتميز الساحر عن النبي والولي، فلا يرد ما قال المعتزلة: من أنه لو أمكن للإنسان من جهة الشيطان ظهور الخوارق والإخبار عن المغيبات لاشتبه طريق النبوة بطريق السحر، وأما ما يتعجب منه- كما يفعله
стр. 336
أصحاب الحيل بمعونة الآلات المركبة على النسبة الهندسية تارة، وعلى صيرورة الخلاء ملاء أخرى، وبمعونة الأدوية كالنارنجيات أو يريه صاحب خفة اليد- فتسميته سحرا على التجوز وهو مذموم أيضا عند البعض، وصرح النووي في الروضة بحرمته، وفسره الجمهور بأنه خارق للعادة يظهر من نفس شريرة بمباشرة أعمال مخصوصة والجمهور على أن له حقيقة وأنه قد يبلغ الساحر إلى حيث يطير في الهواء ويمشي على الماء ويقتل النفس ويقلب الإنسان حمارا، والفاعل الحقيقي في كل ذلك هو الله تعالى ولم تجر سنته بتمكين الساحر من فلق البحر وإحياء الموتى وإنطاق العجماء، وغير ذلك من آيات الرسل ﵈، والمعتزلة، وأبو جعفر الأستراباذي من أصحابنا على أنه لا حقيقة له، وإنما هو تخييل، وأكفر المعتزلة من قال ببلوغ الساحر إلى حيث ما ذكرنا زعما منهم أن بذلك انسداد طريق النبوة وليس كما زعموا على ما لا يخفى، ومن المحققين من فرق بين السحر والمعجزة باقتران المعجزة بالتحدي بخلافه فإنه لا يمكن ظهوره على يد مدعي نبوة كاذبا كما جرت به عادة الله تعالى المستمرة صونا لهذا المنصب الجليل عن أن يتسور حماه الكذابون وقد شاع أن العمل به كفر حتى قال العلامة التفتازاني: لا يروى خلاف في ذلك، وعده نوعا من الكبائر مغاير الإشراك لا ينافي ذلك لأن الكفر أعم والإشراك نوع منه، وفيه بحث: أما أولا فلأن الشيخ أبا منصور ذهب إلى أن القول بأن السحر كفر على الإطلاق خطأ بل يجب البحث عن حقيقته فإن كان في ذلك رد ما لزم من شرط الإيمان فهو كفر وإلا فلا، ولعل ما ذهب إليه العلامة مبني على التفسير أولا فإنه عليه مما لا يمترى في كفر فاعله، وأما ثانيا فلأن المراد من الإشراك فيما عدا الكبائر مطلق الكفر وإلا تخرج أنواع الكفر منها، ثم السحر الذي هو كفر يقتل عليه الذكور لا الإناث وما ليس بكفر، وفيه إهلاك النفس ففيه حكم قطع الطريق ويستوي فيه الذكور والإناث وتقبل توبته إذا تاب، ومن قال لا تقبل فقد غلط فإن سحرة موسى قبلت توبتهم كذا في المدارك، ولعله إلى الأصول أقرب، والمشهور عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه أن الساحر يقتل مطلقا إذا علم أنه ساحر ولا يقبل قوله أترك السحر وأتوب عنه فإن أقرّ بأني كنت أسحر مدة وقد تركت منذ زمان قبل منه ولم يقتل، واحتج بما روي أن جارية لحفصة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها سحرتها فأخذوها فاعترفت بذلك فأمرت عبد الرحمن بن زيد فقتلها، وإنكار عثمان رضي الله تعالى عنه إنما كان لقتلها بغير إذنه. وبما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: اقتلوا كل ساحر وساحرة فقتلوا ثلاث سواحر، والشافعية نظروا في هذا الاحتجاج واعترضوا على القول بالقتل مطلقا بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم
يقتل اليهودي الذي سحره، فالمؤمن مثله
لقوله ﵇: «لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين»
وتحقيقه في الفروع، واختلف في تعليمه وتعلمه فقيل: كفر لهذه الآية إذ فيها ترتيب الحكم على الوصف المناسب وهو مشعر بالعلية، وأجيب بأنا لا نسلم أن فيها ذلك لأن المعنى أنهم كفروا وهم مع ذلك يعلمون السحر، وقيل:
إنهما حرامان- وبه قطع الجمهور- وقيل: مكروهان- وإليه ذهب البعض- وقيل: مباحان، والتعليم المساق للذم هنا محمول على التعليم للإغواء والإضلال، وإليه مال الإمام الرازي قائلا: اتفق المحققون على أن العلم بالسحر ليس بقبيح ولا محظور لأن العلم لذاته شريف لعموم قوله تعالى: هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ [الزمر:
٩] ولو لم يعلم السحر لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة والعلم بكون المعجز معجزا واجب وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا وما يكون واجبا كيف يكون حراما وقبيحا ونقل بعضهم وجوب تعلمه على المفتي حتى يعلم ما يقتل به وما لا يقتل به، فيفتي به في وجوب القصاص انتهى. والحق عندي الحرمة تبعا للجمهور إلا لداع شرعي، وفيما قاله رحمه الله تعالى نظر «أما أولا» فلأنا لا ندعي أنه قبيح لذاته، وإنما قبحه باعتبار ما يترتب عليه، فتحريمه من باب سد الذرائع- وكم من أمر حرم لذلك-
وفي الحديث «من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه» .
стр. 337
«وأما ثانيا» فلأن توقف الفرق بينه وبين المعجزة على العلم به ممنوع، ألا ترى أن أكثر العلماء أو كلهم- إلا النادر- عرفوا الفرق بينهما ولم يعرفوا علم السحر- وكفى فارقا بينهما ما تقدم، ولو كان تعلمه واجبا لذلك لرأيت أعلم الناس به الصدر الأول مع أنهم لم ينقل عنهم شيء من ذلك، أفتراهم أخلوا بهذا الواجب وأتى به هذا القائل، أو أنه أخل به كما أخلوا «وأما ثالثا» فلأن ما نقل عن بعضهم غير صحيح، لأن إفتاء المفتي بوجوب القود أو عدمه لا يستلزم معرفته علم السحر لأن صورة إفتائه- على ما ذكره العلامة ابن حجر- إن شهد عدلان عرفا السحر وتابا منه أنه يقتل غالبا قتل الساحر. وإلا فلا- هذا وقد أطلق بعض العلماء السِّحْرَ على المشي بين الناس بالنميمة لأن فيها قلب الصديق عدوا والعدو صديقا، كما أطلق على حسن التوسل باللفظ الرائق العذاب لما فيه من الاستمالة، ويسمى سحرا حلالا، ومنه
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إن من البيان لسحرا»
والقول بأنه مخرج مخرج الذم للفصاحة والبلاغة بعيد- وإن ذهب إليه عامر الشعبي راوي الحديث- وظاهر قوله تعالى: يُعَلِّمُونَ إلخ أنهم يفهمونهم إياه بالإقراء والتعليم، وقيل: يدلونهم على تلك الكتب، فأطلق على تلك الدلالة تعليما إطلاقا للسبب على المسبب، وقيل:
المعنى يوقرون في قلوبهم أنها حق تضر وتنفع، وأن سليمان ﵇ إنما تم له ما تم بذلك- والإطلاق عليه هو الإطلاق- وقيل: يُعَلِّمُونَ بمعنى يُعَلِّمُونَ من الإعلام وهو الإخبار، أي يخبرونهم بما أو بمن يتعلمون به أو منه السِّحْرَ وقرأ نافع وعاصم وابن كثير وأبو عمرو «لكنّ» بالتشديد. وابن عامر وحمزة والكسائي- بالتخفيف وارتفاع ما بعدها بالابتداء والخبر- وهل يجوز إعمالها إذا خففت؟ فيه خلاف، والجمع على المنع- وهو الصحيح- وعن يونس والأخفش الجواز، والصحيح أنها بسيطة «ومنهم» من زعم أنها مركبة من «لا» النافية- وكاف الخطاب- «وأن» المؤكدة المحذوفة الهمزة للاستثقال، وهو إلى الفساد أقرب وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ المراد الجنس، وهو عطف على السِّحْرَ وهما واحد إلا أنه نزل تغاير المفهوم منزلة تغاير الذات كما في قوله:
إلى الملك القرم وابن الهمام
البيت، وفائدة العطف التنصيص بأنهم- يعلمون- ما هو جامع بين كونه سحرا وبين كونه منزلا عَلَى الْمَلَكَيْنِ للابتلاء، فيفيد ذمهم بارتكابهم النهي بوجهين، وقد يراد بالموصول المعهود- وهو نوع آخر أقوى- فيكون من عطف الخاص على العام إشارة إلى كماله، وقال مجاهد: هو دون السِّحْرَ وهو- ما يفرّق به بين المرء وزوجه- لا غير والمشهور الأول، وجوز العطف على ما تَتْلُوا فكأنه قيل: اتبعوا السحر المدوّن في الكتب وغيره، وهذان الملكان أنزلا لتعليم السِّحْرَ ابتلاء من الله تعالى للناس، فمن تعلم وعمل به كفر، ومن تعلم وتوقى عمله ثبت على الإيمان، ولله تعالى أن يمتحن عباده بما شاء كما امتحن قوم طالوت بالنهر، وتمييزا بينه وبين المعجزة حيث إنه كثر في ذلك الزمان، وأظهر السحرة أمورا غريبة وقع الشك بها في النبوة، فبعث الله تعالى الملكين لتعليم أبواب السحر حتى يزيلا الشبه ويميطا الأذى عن الطريق، قيل: كان ذلك في زمن إدريس ﵇، وأما ما
روي أن الملائكة تعجبت من بني آدم في مخالفتهم ما أمر الله تعالى به، وقالوا له تعالى: لو كنا مكانهم ما عصيناك، فقال: اختاروا ملكين منكم، فاختاروهما، فهبطا إلى الأرض ومثلا بشرين، وألقى الله تعالى عليهما الشبق، وحكما بين الناس، فافتتنا بامرأة يقال لها زهرة، فطلباها وامتنعت إلا أن يعبدا صنما، أو يشربا خمرا، أو يقتلا نفسا ففعلا، ثم تعلمت منهما ما صعدت به إلى السماء، فصعدت ومسخت هذا- النجم- وأرادا العروج فلم يمكنهما فخيرا بين عذاب الدنيا والآخرة- فاختارا عذاب الدنيا- فهما الآن يعذبان فيها،
إلى غير ذلك من الآثار التي بلغت طرقها نيفا وعشرين، فقد أنكره جماعة منهم القاضي عياض، وذكر أن ما ذكره أهل الأخبار ونقله المفسرون في قصة هاروت وماروت لم يرد منه شيء- لا سقيم ولا صحيح- عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم- وليس هو شيئا يؤخذ بالقياس- وذكر في البحر أن جميع ذلك لا يصح منه شيء، ولم يصح أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يلعن الزهرة، ولا ابن عمر رضي الله تعالى
стр. 338
عنهما خلافا لمن رواه، وقال الإمام الرازي بعد أن ذكر الرواية في ذلك: إن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة، ونص الشهاب العراقي، على أن من اعتقد في هاروت وماروت أنهما ملكان يعذبان على خطيئتهما مع الزهرة فهو كافر بالله تعالى العظيم، فإن الملائكة معصومون لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ [التحريم: ٦] لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ. يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ [الأنبياء: ١٩، ٢٠] والزهرة كانت يوم خلق الله تعالى السماوات والأرض، والقول بأنها تمثلت لهما فكان ما كان وردت إلى مكانها غير معقول ولا مقبول. واعترض الإمام السيوطي على من أنكر القصة بأن الإمام أحمد. وابن حبان. والبيهقي، وغيرهم رووها مرفوعة وموقوفة على عليّ. وابن عباس. وابن عمر. وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم بأسانيد عديدة صحيحة يكاد الواقف عليها يقطع بصحتها لكثرتها وقوة مخرجيها، وذهب بعض المحققين أن ما روي مروي حكاية لما قاله اليهود- وهو باطل في نفسه- وبطلانه في نفسه لا ينافي صحة الرواية، ولا يردّ ما قاله الإمام السيوطي عليه، إنما يردّ على المنكرين بالكلية، ولعل ذلك من باب الرموز والإشارات فيراد من الملكين العقل النظري والعقل العملي اللذان هما من عالم القدس، ومن المرأة المسماة بالزهرة- النفس الناطقة- ومن تعرضهما لها تعليمهما لها ما يسعدها، ومن حملها إياهما على المعاصي تحريضها إياهما بحكم الطبيعة المزاجية إلى الميل إلى السفليات المدنسة لجوهريهما، ومن صعودها إلى السماء بما تعلمت منهما عروجها إلى الملأ الأعلى ومخالطتها مع القدسيين بسبب انتصاحها لنصحهما، ومن بقائهما معذبين بقاؤهما مشغولين بتدبير الجسد وحرمانهما عن العروج إلى سماء الحضرة، لأن طائر العقل لا يحوم حول حماها، ومن الأكابر من قال في حل هذا الرمز: إن الروح والعقل اللذين هما من عالم المجردات قد نزلا من سماء التجرد إلى أرض التعلق، فعشقا البدن الذي هو كالزهرة في غاية الحسن والجمال لتوقف كمالهما عليه، فاكتسبا بتوسطه المعاصي والشرك وتحصيل اللذات الحسية الدنية، ثم صعد إلى السماء بأن وصل بحسن تدبيرهما إلى الكمال اللائق به، ثم مسخ بأن انقطع التعلق وتفرقت العناصر، وهما بقيا معذبين بعذاب الحرمان عن الاتصال بعالم القدس متألمين بالآلام الروحانية منكوسي الحال حيث غلب التعلق على التجرد وانعكس القرب بالبعد، وقيل: المقصود من ذلك الإشارة إلى أن من كان ملكا إن اتبع الشهوة هبط عن درجة الملائكة إلى درجة البهيمة، ومن كان امرأة ذات شهوة إذا كسرت شهوتها، وغلبت عليها صعدت إلى درج الملك واتصلت إلى سماء المنازل والمراتب، وكتب بعضهم لحله.
مل وأيم الله نفسي نفسي ... وطال في مكث حياتي حبسي
أصبح في مضاجعي وأمسي ... أمسي كيومي وكيومي أمسي
يا حبذا يوم نزولي رمسي ... مبدأ سعدي وانتهاء نحسي
وكل جنس لا حق بالجنس ... من جوهر يرقى بدار الأنس
وعرض يبقى بدار الحس هذا ومن قال بصحة هذه القصة في نفس الأمر وحملها على ظاهرها فقد ركب شططا وقال غلطا، وفتح بابا من السحر يضحك الموتى، ويبكي الأحياء، وينكس راية الإسلام، ويرفع رؤوس الكفرة الطغام كما لا يخفى ذلك على المنصفين من العلماء المحققين، وقرأ ابن عباس والحسن وأبو الأسود والضحاك- «الملكين» - بكسر اللام، حمل بعضهم قراءة الفتح على ذلك فقال هما رجلان إلا أنهما سميا ملكين باعتبار صلاحهما، ويؤيده ما قيل: إنهما داود وسليمان، ويرده قول الحسن إنهما علجان كانا ببابل العراق، وبعضهم يقول: إنهما من الملائكة ظهرا في صورة الملوك- وفيه حمل الكسر على الفتح على عكس ما تقدم والإنزال- إما على ظاهره أو بمعنى
стр. 339
القذف في قلوبهما «ببابل» الباء بمعنى في وهي متعلقة- بأنزل- أو بمحذوف وقع حالا من الْمَلَكَيْنِ أو من الضمير في أُنْزِلَ وهي كما قال ابن عباس. وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: بلد في سواد الكوفة، وقيل:
بابل العراق، وقال قتادة: هي من نصيبين إلى رأس العين، وقيل: جبل دماوند، وقيل: بلد بالمغرب- والمشهور اليوم الثاني- وعند البعض هو الأول، قيل وسميت بابل لتبلبل الألسنة فيها عند سقوط صرح نمرود، وأخرج الدينوري في المجالسة وابن عساكر من طريق نعيم ابن سالم- وهو متهم- عن أنس بن مالك قال: لما حشر الله تعالى الخلائق إلى بابل بعث إليهم ريحا شرقية وغربية وقبلية وبحرية فجمعتهم إلى بابل فاجتمعوا يومئذ ينظرون لما حشروا له إذ نادى مناد من جعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره واقتصد إلى البيت الحرام بوجهه فله كلام أهل السماء فقام يعرب بن قحطان فقيل له: يا يعرب بن قحطان بن هود أنت هو فكان أول من تكلم بالعربية فلم يزل المنادي ينادي من فعل كذا وكذا فله كذا وكذا حتى افترقوا على اثنين وسبعين لسانا وانقطع الصوت وتبلبلت الألسن فسميت بابل وكان اللسان يومئذ بابليا، وعندي في القولين تردد يلف عدم قبول، والذي أميل إليه أن بابل اسم أعجمي كما نص عليه أبو حيان لا عربي كما يشير إليه كلام الأخفش، وأنه في الأصل اسم للنهر الكبير في بعض اللغات الأعجمية القديمة وقد أطلق على تلك الأرض لقرب الفرات منها، ولعل ذلك من قبيل تسمية بغداد دار السلام بناء على أن السلام اسم لدجلة، وقد رأيت لذلك تفصيلا لا أدريه اليوم في أي كتاب.
وأظنه قريبا مما ذكرته فليحفظ، ومنع بعضهم الصلاة بأرض بابل احتجاجا بما
أخرج أبو داود وابن أبي حاتم والبيهقي في سننه عن علي كرم الله تعالى وجهه أن حبيبي ﷺ نهاني أن أصلي بأرض بابل فإنها ملعونة،
وقال الخطابي: في إسناد هذا الحديث مقال، ولا أعلم أحدا من العلماء حرم الصلاة بها، ويشبه إن ثبت الحديث أن يكون نهاه عن أن يتخذها وطنا ومقاما فإذا أقام بها كانت صلاته فيها وهذا من باب التعليق في علم البيان، أو لعل النهي له خاصة ألا ترى قال: نهاني، ومثله
حديث آخر نهاني أقرأ ساجدا أو راكعا ولا أقول نهاكم،
وكان ذلك إنذارا منه بما لقي من المحنة في تلك الناحية هارُوتَ وَمارُوتَ عطف بيان- للملكين- وهما اسمان أعجميان لهما منعا من الصرف للعلمية والعجمة وقيل: عربيان من الهرت والمرت بمعنى الكسر وكان اسمهما قبل عزا وعزايا فلما قارفا الذنب سميا بذلك، ويشكل عليه منعهما من الصرف، وليس إلا العلمية، وتكلف له بعضهم بأنه يحتمل أن يقال: إنهما معدولان من الهارت والمارت، وانحصار العدل في الأوزان المحفوظة غير مسلم، وهو كما ترى، وقرأ الحسن والزهري برفعهما على أن التقدير هما هاروت وماروت، ومما يقضي منه العجب ما قاله الإمام القرطبي: إن هاروت وماروت بدل من الشياطين على قراءة التشديد، وما في وَما أُنْزِلَ نافية، والمراد من الملكين جبرائيل وميكائيل لأن اليهود زعموا أن الله تعالى أنزلهما بالسحر، وفي الكلام تقديم وتأخير، والتقدير وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وَلكِنَّ الشَّياطِينَ هارُوتَ وَمارُوتَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ بِبابِلَ وعليه فالبدل إما بدل بعض من كل، ونص عليهما بالذكر لتمردهما، ولكونهما رأسا في التعليم، أو بدل كل من كل إما بناء على أن الجمع يطلق على الاثنين أو على أنهما عبارتان عن قبيلتين من الشياطين لم يكن غيرهما بهذه الصفة، وأعجب من قوله هذا قوله: وهذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل وأصح ما قيل فيها، ولا تلتفت إلى ما سواه، ولا يخفى لدى كل منصف أنه لا ينبغي لمؤمن حمل كلام الله تعالى- وهو في أعلى مراتب البلاغة والفصاحة- على ما هو أدنى من ذلك وما هو إلا مسخ لكتاب الله تعالى عز شأنه وإهباط له عن شأوه ومفاسد قلة البضاعة لا تحصى، وقيل إنهما بدل من الناس أي يُعَلِّمُونَ النَّاسَ خصوصا هارُوتَ وَمارُوتَ والنفي هو النفي.
стр. 340
وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ أي ما يعلم الملكان أحدا حتى ينصحاه ويقولا له: إنما نحن ابتلاء من الله فمن تعلم منا وعمل به كفر ومن تعلم وتوقى ثبت على الإيمان فَلا تَكْفُرْ باعتقاده وجواز العمل به، وقيل: فلا تتعلم معتقدا أنه حق حتى تكفر، وهو مبني- على رأي الاعتزال- من أن السحر تمويه وتخييل ومن اعتقد حقيته يكفر، ومِنْ مزيدة في المفعول به لإفادة تأكيد الاستغراق، وإفراد- الفتنة- مع تعدد المخبر عنه لكونها مصدرا، والحمل مواطأة للمبالغة، والقصر لبيان أنه ليس لهما فيما يتعاطيانه شأن سواها لينصرف الناس عن تعلمه، وحَتَّى للغاية، وقيل بمعنى إلا، والجملة في محل النصب على الحالية من ضمير يُعَلِّمُونَ والظاهر أن القول مرة واحدة والقول: بأنه ثلاث أو سبع أو تسع لا ثبت له، واختلف في كيفية تلقي ذلك العلم منهما فقال مجاهد: إنهما لا يصل إليهما أحد من الناس وإنما يختلف إليهما شيطانان في كل سنة اختلافة واحدة فيتعلمان منهما، وقيل وهو الظاهر: إنهما كان يباشران التعليم بأنفسهما في وقت من الأوقات، والأقرب أنهما ليسا إذ ذاك على الصورة الملكية، وأما ما أخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: قدمت عليّ امرأة من أهل دومة الجندل تبتغي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد موته تسأله عن شيء دخلت فيه من أمر السحر ولم تعمل به قالت: كان لي زوج غاب عني فدخلت على عجوز فشكوت إليها فقالت: إن فعلت ما آمرك أجعله يأتيك فلما كان الليل جاءتني بكلبين أسودين فركبت أحدهما وركبت الآخر فلم يكن كشيء حتى وقفنا ببابل، فإذا أنا برجلين معلقين بأرجلهما، فقالا: ما جاء بك؟ فقلت: أتعلم السحر، فقالا: إنما نحن فتنة فلا تكفري وارجعي، فأبيت وقلت: لا، قالا: فاذهبي إلى ذلك التنور فبولي به، إلى أن قالت: فذهبت فبلت فيه، فرأيت فارسا مقنعا بحديد خرج مني حتى ذهب إلى السماء وغاب عني حتى ما أراه، فجئتهما وذكرت لهما، فقالا: صدقت، ذلك إيمانك خرج منك، اذهبي فلن تريدي شيئا إلا كان- الخبر بطوله- فهو ونظائره- مما ذكره المفسرون من القصص في هذا الباب- مما لا يعول عليه ذوو الألباب، والإقدام على تكذيب مثل هذه الامرأة الدوجندية أولى من اتهام العقل في قبول هذه الحكاية التي
لم يصح فيها شيء عن رسول رب البرية صلى الله تعالى عليه وسلم، ويا ليت كتب الإسلام لم تشتمل على هذه الخرافات التي لا يصدقها العاقل ولو كانت أضغاث أحلام، واستدل بالآية من جوّز تعلم السحر، ووجهه أن فيها دلالة على وقوع التعليم من الملائكة مع عصمتهم، والتعلم مطاوع له، بل هما متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار كالايجاب والوجوب، ولا يخفى أنه لا دليل فيها على الجواز مطلقا لأن ذلك التعليم كان للابتلاء والتمييز كما قدمنا، وقد ذكر القائلون بالتحريم: أن تعلم السحر إذا فرض فشوّه في صقع، وأريد تبيين فساده لهم ليرجعوا إلى الحق غير حرام كما لا يحرم تعلم الفلسفة للمنصوب للذب عن الدين برد الشبه- وإن كان أغلب أحواله التحريم- وهذا لا ينافي إطلاق القول به، ومن قال: إن هاروت وماروت من الشياطين قال: إن معنى الآية ما يعلمان السحر أحدا حتى ينصحاه ويقولا: إنا مفتونان باعتقاد جوازه والعمل به فلا تكن مثلنا في ذلك فتكفر، وحينئذ لا استدلال أصلا، وما ذكرنا أن القول على سبيل النصح في هذا الوجه هو الظاهر، وحكى المهدوي أنه على سبيل الاستهزاء لا النصيحة وهو الأنسب بحال الشياطين، وقرأ طلحة بن مصرف- يعلمان- بالتخفيف من الإعلام وعليها حمل بعضهم قراءة التشديد، وقرأ أبيّ بإظهار الفاعل فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما عطف على الجملة المنفية لأنها في قوة المثبتة كأنه قال: يعلمانهم بعد ذلك القول فيتعلمون، وليس عطفا على المنفي بدون هذا الاعتبار كما توهمه أبو علي من كلام الزجاج، وعطفه بعضهم على يُعَلِّمانِ محذوفا، وبعضهم على يَأْتُونَ كذلك، والضمير المرفوع لما دل عليه أَحَدٍ وهو الناس أو- لأحد- حملا له على المعنى كما في قوله تعالى فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ [الحاقة: ٤٧] وحكى المهدوي جواز العطف على يُعَلِّمُونَ النَّاسَ فمرجع
стр. 341
الضمير حينئذ ظاهر، وقيل: في الكلام مبتدأ محذوف أي فهم يتعلمون فتكون جملة ابتدائية معطوفة على ما قبلها من عطف الاسمية على الفعلية- ونسب ذلك إلى سيبويه- وليس بالجيد، وضمير مِنْهُما عائد على الملكين، ومن النَّاسَ من جعله عائدا إلى السحر والكفر أو الفتنة والسحر، وعطف يَتَعَلَّمُونَ على يُعَلِّمُونَ وحمل ما يعلمان على النفي، وحَتَّى يَقُولا على التأكيد له أي لا يعلمان السحر لأحد بل ينهيانه حَتَّى يَقُولا إلخ فهو كقولك:
ما أمرته بكذا حتى قلت له إن فعلت نالك كذا وكذا، وجعل- ما أنزل- أيضا نفيا معطوفا على- ما كفر- وهو كما ترى ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ أي الذي أو شيئا يفرقون به وهو السحر المزيل بطريق السببية الألفة والمحبة بين الزوجين الموقع للبغضاء والشحناء الموجبتين للتفريق بينهما وقيل: المراد ما يفرق لكونه كفرا لأنه إذا تعلم كفر فبانت زوجته أو إذا تعلم عمل فتراه الناس فيعتقدون أنه حق فيكفرون فتبين أزواجهم، والمرء- الرجل، والأفصح فتح الميم مطلقا، وحكي الضم مطلقا، وحكي الإتباع لحركة الاعراب، ومؤنثه المرأة، وقد جاء جمعه بالواو والنون فقالوا: المرءون، والزوج امرأة الرجل، وقيل: المراد به هنا القريب والأخ الملائم، ومنه مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥، ق: ٧] واحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ [الصافات: ٢٢] وقرأ الحسن والزهري وقتادة «المر» بغير همز مخففا، وابن أبي إسحاق- «المرء» - بضم الميم مع الهمز، والأشهب بالكسر والهمز، ورويت عن الحسن، وقرأ الزهري أيضا- «المر» - بالفتح وإسقاط الهمزة وتشديد الراء وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ الضمير للسحرة الذين عاد إليهم ضمير فَيَتَعَلَّمُونَ وقيل: لليهود الذين عاد إليهم ضمير وَاتَّبَعُوا وقيل- للشياطين- وضمير به عائد لما، ومِنْ زائدة لاستغراق النفي كأنه قيل: وما يضرون به أحدا، وقرأ الأعمش- بضاري- محذوف النون، وخرج على أنها حذفت تخفيفا وإن كان اسم الفاعل ليس صلة- لأل- فقد نص ابن مالك على عدم الاشتراط لقوله:
ولسنا إذا تأتون سلمى بمدعي ... لكم غير أنا إن نسالم نسالم
وقولهم: قطا قطا بيضك ثنتا وبيضي مائتا، وقيل: إنها حذفت للإضافة إلى محذوف مقدر لفظا على حد قوله: يا تيم تيم عدي في أحد الوجوه، وقيل: للاضافة إلى أَحَدٍ على جعل الجار جزءا منه والفصل بالظرف مسموع كما في قوله:
هما أخوا في الحرب من لا أخا له ... وإن خاف يوما كبوة فدعاهما
واختار ذلك الزمخشري، وفيه أن جعل الجار جزء من المجرور ليس بشيء لأنه مؤثر فيه، وجزء الشيء لا يؤثر فيه، وأيضا الفصل بين المتضايفين بالظرف وإن سمع من ضرائر الشعر كما صرح به أبو حيان ولظن تعين هذا مخرجا قال ابن جني: إن هذه القراءة أبعد الشواذ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ استثناء مفرغ من الأحوال والباء متعلقة بمحذوف وقع حالا من ضمير- ضارين- أو من مفعوله المعتمد على النفي أو الضمير المجرور في بِهِ أو المصدر المفهوم من الوصف، والمراد من الإذن هنا التخلية بين المسحور وضرر السحر- قاله الحسن- وفيه دليل على أن فيه ضررا مودعا إذا شاء الله تعالى حال بينه وبينه، وإذا شاء خلاه وما أودعه فيه، وهذا مذهب السلف في سائر الأسباب والمسببات، وقيل: الإذن بمعنى الأمر ويتجوز به عن التكوين بعلاقة ترتب الوجود على كل منهما في الجملة، والقرينة عدم كون القبائح مأمورا بها ففيه نفي كون الأسباب مؤثرة بنفسها بل بجعله إياها أسبابا إما عادية أو حقيقية، وقيل: إنه هنا بمعنى العلم، وليس فيه إشارة إلى نفي التأثير بالذات كالوجهين الأولين.
وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ لأنهم يقصدون به العمل قصدا جازما وقصد المعصية كذلك معصية أو لأن العلم يدعو إلى العمل ويجر إليه لا سيما عمل الشر الذي هو هوى النفس، فصيغة المضارع للحال على الأول وللاستقبال
стр. 342
على الثاني وَلا يَنْفَعُهُمْ عطف على ما قبله للإيذان بأنه شر بحت وضرر محض لا كبعض المضار المشوبة بنفع وضرر لأنهم لا يقصدون به التخلص عن الاغترار بأكاذيب السحرة ولا إماطة الأذى عن الطريق حتى يكون فيه نفع في الجملة، وفي الإتيان ب لا إشارة إلى أنه غير نافع في الدارين لأنه لا تعلق به بانتظام المعاش ولا المعاد وفي الحكم بأنه ضار غير نافع تحذير بليغ- لمن ألقى السمع وهو شهيد- عن تعاطيه وتحريض على التحرز عنه، وجوز بعضهم أن يكون لا يَنْفَعُهُمْ على إضمار هو فيكون في موضع رفع وتكون الواو للحال ولا يخفى ضعفه وَلَقَدْ عَلِمُوا متعلق بقوله تعالى: وَلَمَّا جاءَهُمْ إلخ، وقصة السحر مستطردة في البين فالضمير لأولئك اليهود، وقيل: الضمير لليهود الذين كانوا على عهد سليمان ﵇، وقيل: للملكين لأنهما كانا يقولان فَلا تَكْفُرْ وأتى بضمير الجمع على قول من يرى ذلك لَمَنِ اشْتَراهُ أي استبدل ما تتلو الشياطين بكتاب الله، واللام للابتداء وتدخل على المبتدأ، وعلى المضارع ودخولها على الماضي مع قد كثير وبدونه ممتنع، وعلى خبر المبتدأ إذا تقدم عليه، وعلى معمول الخبر إذا وقع موقع المبتدأ والكوفيون يجعلونها في الجميع جواب القسم المقدر وليس في الوجود عندهم لام ابتداء كما يشير إليه كلام الرضيّ، وقد علقت هنا- علم- عن العمل سواء كانت متعدية لمفعول أو مفعولين- فمن- موصولة مبتدأ واشْتَراهُ صلتها وقوله تعالى: ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ جملة ابتدائية خبرها، ومن- مزيدة في المبتدأ، وفِي الْآخِرَةِ متعلق بما تعلق به الخبر أو حال من الضمير فيه أو من مرجعه، والخلاق- النصيب- قاله مجاهد- أو القوام- قاله ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما، أو القدر- قاله قتادة- ومنه قوله:
فما لك بيت لدى الشامخات ... وما لك في غالب من «خلاق»
قال الزجاج: وأكثر ما يستعمل في الخير، ويكون للشر على قلة، وذهب أبو البقاء تبعا للفراء إلى أن اللام موطئة للقسم، ومِنْ شرطية مبتدأ واشْتَراهُ خبرها وما لَهُ إلخ جواب القسم، وجواب الشرط محذوف دل هو عليه لأنه إذا اجتمع قسم وشرط يجاب سابقهما غالبا، وفيه ما فيه لأنه نقل عن الزجاج ردّ من قال بشرطية مِنْ هنا بأنه ليس موضع شرط، ووجهه أبو حيان بأن الفعل ماض لفظا ومعنى لأن الاشتراء قد وقع فجعله شرطا لا يصح لأن فعل الشرط إذا كان ماضيا لفظا فلا بد أن يكون مستقبلا معنى، وقد ذكر الرضيّ في- لزيد قائم- أن الأولى كون اللام فيه لام الابتداء مفيدة للتأكيد ولا يقدر القسم كما فعله الكوفية لأن الأصل عدم التقدير، والتأكيد المطلوب من القسم حاصل من اللام، والقول بأن اللام تأكيد للأولى أو زائدة مما لا يكاد يصح، أما الأول فلأن بناء الكلمة إذا كان على حرف واحد لا يكرر وحده بل مع عماده إلا في ضرورة الشعر على ما ارتضاه الرضيّ، وأما الثاني فلأن المعهود زيادة اللام الجارة وهي مكسورة في الاسم الظاهر.
وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ اللام فيه لام ابتداء أيضا، والمشهور أنها جواب القسم، والجملة معطوفة على القسمية الأولى، وما نكرة مميزة للضمير المبهم في- بئس- والمخصوص بالذم محذوف، و «شروا» يحتمل المعنيين والظاهر هو الظاهر- أي والله لبئس شيئا شروا به حظوظ أنفسهم- أي باعوها أو شروها في زعمهم ذلك الشراء، وفي البحر بئسما باعوا أنفسهم السحر أو الكفر لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي مذمومية الشراء المذكور لامتنعوا عنه، ولا تنافي بين إثبات العلم لهم أولا ونفيه عنهم ثانيا إما لأن المثبت لهم هو العقل الغريزي والمنفي عنهم هو الكسب الذي هو من جملة التكليف، أو لأن الأول هو العلم بالجملة والثاني هو العلم بالتفصيل، فقد يعلم الإنسان مثلا قبح الشيء ثم لا يعلم أن فعله قبيح فكأنهم علموا أن شراء النفس بالسحر مذموم لكن لم يتفكروا في أن ما يفعلونه هو من جملة ذلك القبيح أو لأنهم علموا العقاب ولم يعلموا حقيقته وشدته، وإما لأن الكلام مخرج على تنزيل العالم
стр. 343
بالشيء منزلة الجاهل ووجود الشيء منزلة عدمه لعدم ثمرته حيث إنهم لم يعملوا بعلمهم، أو على تنزيل العالم بفائدة الخبر ولازمها منزلة الجاهل بناء على أن قوله تعالى لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ معناه لو كان لهم علم بذلك الشراء لامتنعوا منه أي ليس لهم علم فلا يمتنعون، وهذا هو الخبر الملقى إليهم، واعتراض العلامة بأن هذا الخبر لو فرض كونه ملقى إليهم فلا معنى لكونهم عالمين بمضمونه كيف وقد تحقق في وَلَقَدْ عَلِمُوا نقيضه وهو أن لهم علما به وبعد اللتيا والتي لا معنى لتنزيلهم منزلة الجاهل بأن ليس لهم علم بأن من اشتراه- ما له في الآخرة من خلاق- بل إن كان فلا بد أن ينزلوا منزلة الجاهل بأن لهم علما بذلك يجاب عنه: أما أولا فبأن الخطاب صريحا للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وتعريضا لهم ولذا أكد، وأما ثانيا فبأن المستفاد من وَلَقَدْ عَلِمُوا ثبوت العلم لهم حقيقة والمستفاد من الخبر الملقى لهم نفي العلم عنهم تنزيلا ولا منافاة بينهما، وأما ثالثا فبأن العالم إذا عمل بخلاف علمه كان عالما بأنه بمنزلة الجاهل في عدم ترتب ثمرة علمه، ومقتضى هذا العلم أن يمتنع عن ذلك العمل ففيما نحن فيه كانوا عالمين فيه بأن ليس لهم علم وأنهم بمنزلة الجاهل في ذلك الشراء، ومقتضى هذا العلم أن يمتنعوا عنه وإذا لم يمتنعوا كانوا بمنزلة الجاهل في عدم جريهم على مقتضى هذا العلم فألقى الخبر إليهم بأن ليس لهم علم مع علمهم به كذا قيل، ولا يخفى ما فيه من شدة التكلف، وأجاب بعضهم عما يتراءى من التنافي بأن مفعول يُعَلِّمُونَ ما دل عليه ل لَبِئْسَ ما شَرَوْا إلخ أعني مذمومية الشراء، ومفعول عَلِمُوا أنه لا نصيب لهم في الآخرة، والعلم بأنه لا نصيب لهم في الآخرة لا ينافي نفي العلم بمذمومية الشراء بأن يعتقدوا إباحته- فلا حاجة حينئذ إلى جميع ما سبق- وفيه أن العلم بكون الشراء المذكور موجبا للحرمان في الآخرة بدون العلم بكونه مذموما غاية المذمومية- مما لا يكاد يعقل عند أرباب العقول- والقول بأن مفعول عَلِمُوا محذوف، أي لقد علموا أنه يضرهم ولا ينفعهم، ولَمَنِ اشْتَراهُ مرتبط بأول القصة، وضمير لَبِئْسَ ما شَرَوْا لَمَنِ اشْتَراهُ ركيك جدا، وبئسما يشتري، ودفع التنافي بأنه أثبت «أولا» العلم بسوء ما شروه بالكتاب بحسب الآخرة، ثم ذم بالسوء مطلقا في الدين والدنيا، لأن «بئس» للذم العام، فالمنفي- العلم بالسوء المطلق- يعني لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ضرره في الدين والدنيا لامتنعوا، إنما غرهم توهم النفع العاجل، أو بأن المثبت أولا العلم بأن «ما شروه» ما لهم في الآخرة نصيب منه، لا أنهم شَرَوْا أنفسهم به وأخرجوها من أيديهم بالكلية، بل كانوا يظنون أن آباءهم الأنبياء يشفعونهم في الآخرة والعلم المنفي هو هذا العلم لا يخفى ما فيه «أما أولا» فلأن عموم الذم في «بئس» وإن قيل به لكنه بالنسبة إلى إفراد الفاعل في نفسها من دون تعرض للأزمنة والأمكنة- والتزام ذلك لا يخلو عن كدر- «وأما ثانيا» فلأن تخصيص النصيب- بمنه- مع كونه نكرة مقرونة ب مِنْ في سياق النفي المساق للتهويل مما لا يدعو إليه إلا ضيق العطن، والجواب- بإرجاع ضمير عَلِمُوا لِلنَّاسِ أو الشَّياطِينُ واشْتَرَوْا لليهود- ارتكاب للتفكيك من غير ضرورة تدعو إليه، ولا قرينة واضحة تدل عليه، وبعد كل
حساب- الأولى عندي في الجواب- كون الكلام مخرجا على التنزيل، ولا ريب في كثرة وجود ذلك في الكتاب الجليل، والأجوبة التي ذكرت من قبل- مع جريان الكلام فيها على مقتضى الظاهر- لا تخلو في الباطن عن شيء فتدبر.
стр. 344
وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا أي بالرسول، أو بما أنزل إليه من الآيات، أو بالتوراة وَاتَّقَوْا أي المعاصي التي حكيت عنهم لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ جواب لَوْ الشرطية، وأصله- لأثيبوا مثوبة من عند الله خيرا مما شروا به أنفسهم- فحذف الفعل، وغير السبك إلى ما ترى ليتوسل بذلك مع معونة المقام إلى الإشارة إلى ثبات المثوبة، وثبات نسبة الخيرية إليها مع الجزم بخيريتها لأن الجملة إذا أفادت ثبات المثوبة كان الحكم بمنزلة التعليق بالمشتق، كأنه قيل:
لَمَثُوبَةٌ دائمة خَيْرٌ لدوامها وثباتها، وحذف المفضل عليه إجلالا للمفضل من أن ينسب إليه، ولم يقل: لمثوبة الله، مع أنه أخصر ليشعر التنكير بالتقليل، فيفيد أن شيئا قليلا من ثواب الله تعالى في الآخرة الدائمة خير من ثواب كثير في الدنيا الفانية، فكيف وثواب الله تعالى كثير دائم، وفيه من الترغيب والترهيب المناسبين للمقام ما لا يخفى، وببيان الأصل انحل إشكالان «لفظي» وهو أن جواب «لو» إنما يكون فعلية ماضوية «ومعنوي» وهو أن خيرية- المثوبة:
ثابتة لا تعلق لها بإيمانهم وعدمه، ولهذين الإشكالين قال الأخفش واختاره جمع: لسلامته من وقوع الجملة الابتدائية في الظاهر جوابا ل لَوْ ولم يعهد ذلك في لسان العرب- كما في البحر- أن- اللام- جواب قسم محذوف والتقدير- ولو أنهم آمنوا واتقوا لكان خيرا لهم ولمثوبة عند الله خير- وبعضهم التزم التمني- ولكن من جهة العباد لا من جهته تعالى- خلافا لمن اعتزل دفعا لهما إذ لا جواب لها حينئذ، ويكون الكلام مستأنفا، كأنه لما تمنى لهم ذلك قيل: ما هذا التحسر والتمني؟ فأجيب بأن هؤلاء المبتذلين حرموا ما شيء قليل منه خير من الدنيا وما فيها، وفي ذلك تحريض وحث على الإيمان، وذهب أبو حيان إلى أن خَيْرٌ هنا للتفضيل لا للأفضلية على حد:
فخير كما لشركما فداء
والمثوبة مفعلة- بضم العين- من الثواب، فنقلت- الضمة- إلى ما قبلها، فهو مصدر ميمي، وقيل: مفعولة وأصلها «مثووبة» فنقلت- ضمة الواو- إلى ما قبلها، وحذفت لالتقاء الساكنين، فهي من المصادر التي جاءت على مفعولة كمصدوقة- كما نقله الواحدي- ويقال: «مثوبة» - بسكون الثاء وفتح الواو- وكان من حقها أن تعلّ، فيقال:
«مثابة» - كمقامة- إلا أنهم صححوها كما صححوا في الأعلام مكوزة وبها قرأ قتادة وأبو السماك والمراد بها الجزاء والأجر، وسمي بذلك لأن المحسن يثوب إليه، والقول بأن المراد بها الرجعة إليه تعالى بعيد لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ المفعول محذوف بقرينة السابق، أي إن ثواب الله تعالى خَيْرٌ وكلمة لَوْ إما للشرط، والجزاء محذوف أي آمَنُوا وإما للتمني ولا حذف، ونفي العلم على التقديرين بنفي ثمرته الذي هو العمل، أو لترك التدبر، هذا «ومن باب الإشارة في الآيات» وَاتَّبَعُوا أي اليهود وهي القوى الروحانية ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ وهم من الانس المتمردون الأشرار، ومن الجن الأوهام والتخيلات المحجوبة عن نور الروح المتمردة عن طاعة القلب العاصية لأمر العقل والشرع، والنفوس الأرضية المظلمة القوية على عهد مُلْكِ سُلَيْمانَ الروح الذي هو خليفة الله تعالى في أرضه وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ بملاحظة السوي واتباع الهوى، وإسناد التأثير إلى الأغيار وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا وستروا مؤثرية الله تعالى وظهوره الذي محا ظلمة العدم. يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ والشبه الصادة عن السير والسلوك إلى ملك الملوك وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ وهما العقل النظري والعقل العملي النازلان من سماء القدس إلى أرض الطبيعة المنكوسان في بئرها لتوجههما إليها باستجذاب النفس إياهما بِبابِلَ الصدر المعذبان بضيق المكان بين أبخرة حب الجاه، ومواد الغضب وأدخنة نيران الشهوات المبتليان بأنواع المتخيلات، والموهومات الباطلة من الحيل والشعوذة والطلسمات والنيرنجات وَما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا له إِنَّما نَحْنُ امتحان وابتلاء من الله تعالى فَلا تَكْفُرْ وذلك لقوة النورية وبقية الملكوتية فيهما، فإن العقل دائما ينبه صاحبه- إذا صحا عن سكرته وهب من
стр. 345
نومته- عن الكفر والاحتجاب فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ القلب والنفس، أو بين الروح والنفس بتكدير القلب وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ بزيادة الاحتجاب وغلبة هوى النفس وَلا يَنْفَعُهُمْ كسائر العلوم في رفع الحجاب وتخلية النفس وتزكيتها وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ في مقام الفناء والرجوع إلى الحق سبحانه من نصيب لإقباله على العالم السفلي وبعده عن العالم العلوي بتكدر جوهر قلبه، وانهماكه برؤية الأغيار وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا برؤية الأفعال من الله تعالى واتقوا الشرك بإثبات ما سواه لأثيبوا بمثوبة مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تعالى دائمة، ولرجعوا إليه، وذلك خَيْرٌ لهم لَوْ كانُوا من ذوي العلم والعرفان والبصيرة والإيقان.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا الرعي حفظ الغير لمصلحته سواء كان الغير عاقلا أو لا، وسبب نزول الآية- كما أخرج أبو نعيم في الدلائل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه- أن اليهود كانوا يقولون ذلك سرا لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو سب قبيح بلسانهم، فلما سمعوا أصحابه ﵊ يقولون: أعلنوا بها، فكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وروي أن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه سمعها منهم، فقال: يا أعداء الله عليكم لعنة الله، والذي نفسي بيده لئن سمعتها من رجل منكم يقولها لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأضربن عنقه، قالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية ونهي المؤمنون سدا للباب، وقطعا للألسنة وإبعادا عن المشابهة. وأخرج عبيد وابن جرير والنحاس عن عطاء قال: كانت راعِنا لغة الأنصار في الجاهلية فنهاهم الله تعالى عنها في الإسلام، ولعل المراد أنهم يكثرونها في كلامهم واستعملها اليهود سبا فنهوا عنها. وأما دعوى أنها لغة مختصة بهم فغير ظاهر لأنها محفوظة في لغة جميع العرب منذ كانوا، وقيل: ومعنى هذه الكلمة عند اليهود لعنهم الله تعالى اسمع- لا سمعت- وقيل: أرادوا نسبته صلى الله تعالى عليه وسلم وحاشاه إلى الرعن، فجعلوه مشتقا من الرعونة وهي الجهل والحمق، وكانوا إذا أرادوا أن يحمقوا إنسانا قالوا: راعنا، أي يا أحمق- فالألف حينئذ لمد الصوت- وحرف النداء محذوف- وقد ذكر الفراء أن أصل يا زيد يا زيدا- بالألف- ليكون المنادى بين صوتين، ثم اكتفي بيا ونوي الألف، ويحتمل أنهم أرادوا به المصدر، أي- رعنت رعونة- أو أرادوا صرت راعنا وإسقاط- التنوين- على اعتبار الوقف، وقد قرأ الحسن وابن أبي ليلى، وأبو حيوة وابن محيصن- بالتنوين- وجعله الكثير صفة لمصدر محذوف، أي قولا: راعِنا وصيغة فاعل حينئذ للنسبة- كلابن وتامر- ووصف القول به للمبالغة كما يقال:
كلمة حمقاء، وقرأ عبد الله وأبيّ «راعونا» على إسناد الفعل لضمير الجمع للتوقير- كما أثبته الفارسي- وذكر أن في مصحف عبد الله «ارعونا» وذهب بعض العلماء أن سبب النهي أن لفظ المفاعلة يقتضي الاشتراك في الغالب- فيكون المعنى عليه- ليقع منك رعي لنا، ومنا رعي لك، وهو مخل بتعظيمه صلى الله تعالى عليه وسلم، ولا يخفى بعده عن سبب النزول بمراحل وَقُولُوا انْظُرْنا أي انتظرنا وتأن علينا، أو انظر إلينا، ليكون ذلك أقوى في الإفهام والتعريف، وكان الأصل أن يتعدى الفعل بإلى، لكنه توسع فيه فتعدى بنفسه على حد قوله:
ظاهرات الجمال والحسن ينظر ... ن كما ينظر «الأراك.. الظباء»
وقيل: هو من نظر البصيرة، والمراد به التفكر والتدبر فيما يصلح حال المنظور في أمره والمعنى تفكر في أمرنا وخير الأمور عندي أوسطها إلا أنه ينبغي أن يقيد نظر العين بالمقترن بتدبير الحال لتقوم هذه الكلمة مقام الأولى خالية من التدليس، وبدأ بالنهي لأنه من باب التروك فهو أسهل ثم أتى بالأمر بعده الذي هو أشق لحصول الاستئناس قبل بالنهي، وقرأ أبيّ والأعمش- أنظرنا- بقطع الهمزة وكسر الظاء من الإنظار ومعناه أمهلنا حتى نتلقى عنك ونحفظ ما نسمعه منك، وهذه القراءة تشهد للمعنى الأول على قراءة الجمهور إلا أنها على شذوذها لا تأبى ما اخترناه
стр. 346
وَاسْمَعُوا أي ما أمرتكم به ونهيتكم عنه بجد حتى لا تعودوا إلى ما نهيتكم عنه ولا تتركوا ما أمرتكم به أو هو أمر بحسن الاستماع بأن يكون بإحضار القلب وتفريغه عن الشواغل حتى لا يحتاج إلى طلب صريح المراعاة ففيه تنبيه على التقصير في السماع حتى ارتكبوا ما تسبب للمحذور، والمراد سماع القبول والطاعة فيكون تعريضا لليهود حيث قالوا: سَمِعْنا وَعَصَيْنا [البقرة: ٩٣] وإذا كان المراد سماع هذا الأمر والنهي يكون تأكيدا لما تقدم.
وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ اللام للعهد فالمراد بالكافرين اليهود الذين قالوا ما قالوا تهاونا بالرسول ﷺ المعلوم مما سبق بقرينة السياق ووضع المظهر موضع المضمر إيذانا بأن التهاون برسول الله ﷺ كفر يوجب أليم العذاب، وفيه من تأكيد النهي ما فيه، وجعلها للجنس- فيدخل اليهود كما اختاره أبو حيان- ليس بظاهر على ما قيل: لأن الكلام مع المؤمنين فلا يصلح هذا أن يكون تذييلا.
ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ الودّ محبة الشيء وتمني كونه، ويذكر ويراد كل واحد منهما قصدا والآخر تبعا، والفارق كون مفعوله جملة إذا استعمل في التمني ومفردا إذا استعمل في المحبة فتقول على الأول: وددت لو تفعل كذا، وعلى الثاني وددت الرجل، ونفيه كناية عن الكراهة وأتى ب ما للإشارة إلى أن أولئك متلبسون بها ومِنْ للتبيين، وقيل: للتبعيض وفي إيقاع الكفر صلة للموصول وبيانه بما بين وإقامة المظهر موضع المضمر إشعار بأن كتابهم يدعوهم إلى متابعة الحق إلا أن كفرهم يمنعهم وإن الكفر شر كله لأنه الذي يورث الحسد ويحمل صاحبه على أن يبغض الخير ولا يحبه كما أن الإيمان خير كله لأنه يحمل صاحبه على تفويض الأمور كلها إلى الله تعالى، ولَا صلة لتأكيد النفي وزيدت له هنا دون قوله: لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ [البينة: ١] لما أن مبنى النفي الحسد، واليهود بهذا الداء أشهر لا سيما وقد تقدم ما يفيد ابتلاءهم به فلم يلزم من نفي ودادتهم هذه نفي ودادة المشركين لها ولم يكن ذلك في لَمْ يَكُنِ وسبب نزول الآية أن المسلمين قالوا لحلفائهم من اليهود: آمنوا بمحمد ﷺ فقالوا: وددنا لو كان خيرا مما نحن عليه فنتبعه فأكذبهم الله تعالى بذلك، وقيل: نزلت تكذيبا لجمع من اليهود يظهرون مودة المؤمنين ويزعمون أنهم يودون لهم الخير وفصلت عما قبل، وإن اشتركا في بيان قبائح اليهود مع الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين لاختلاف الغرضين فإن الأول لتأديب المؤمنين وهذا لتكذيب أولئك الكافرين، ولأجل هذا الاختلاف فصل السابق عن سابقه، ومما ذكرنا يعلم وجه تعلق الآية بما قبلها، والقول: بأن ذلك من حيث إن القول المنهي عنه كثيرا ما كان يقع عند تنزيل الوحي المعبر عنه بالخير فيها فكأنه أشير إلى أن سبب تحريفهم له- إلى ما حكي عنهم لوقوعه في أثناء حصول ما يكرهونه من تنزيل الخير- مساق على سبيل الترجي وأظنه إلى التمني أقرب، وقرىء «ولا المشركون» بالرفع عطفا على الذين كفروا أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ في موضع النصب على أنه مفعول يَوَدُّ وبناء الفعل للمفعول للثقة بتعيين الفاعل وللتصريح به فيما بعد، وذكر التنزيل دون الإنزال رعاية للمناسبة بما هو الواقع من تنزيل الخيرات على التعاقب وتجددها لا سيما إذا أريد مِنْ خَيْرٍ في قوله تعالى: مِنْ خَيْرٍ الوحي وهو قائم مقام الفاعل، ومِنْ صلة وزيادة خير، والنفي الأول منسحب عليها. ولذا ساغت زيادتها عند الجمهور ولا حاجة إلى ما قيل: إن التقدير يود أن لا ينزل خير، وذهب قوم إلى أنها للتبعيض وعليه يكون عليكم قائما ذلك المقام، والمراد من الخير إما الوحي أو القرآن أو النصرة أو ما اختص به رسول الله ﷺ من المزايا أو عام في أنواع الخير كلها لأن المذكورين لا يودون تنزيل جميع ذلك على المؤمنين عداوة وحسدا وخوفا من فوات الدراسة وزوال الرياسة، وأظهر الأقوال كما في البحر الأخير ولا يأباه ما سيأتي لما سيأتي.
مِنْ رَبِّكُمْ في موضع الصفة للخير، ومِنْ ابتدائية والتعرض لعنوان الربوبية للإشعار بعلية التنزيل والإضافة إلى
стр. 347
ضمير المخاطبين لتشريفهم وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ جملة ابتدائية سيقت لتقرير ما سبق من تنزيل الخير والتنبيه على حكمته وإرغام الكارهين له، والمراد من الرحمة ذلك الخير إلا أنه عبر عنه بها اعتناء به وتعظيما لشأنه ومعنى اختصاص ذلك على القول الأول ظاهر ولذا اختاره من اختاره، وعلى الأخير انفراد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والمؤمنين بمجموعه وعدم شركة أولئك الكارهين فيه وعروّهم عن ترتب آثاره، وقيل: المراد من الآية دفع الاعتراض الذي يشير إليه الحسد بأن من له أن يخص لا يعترض عليه إذا عم، وفي إقامة لفظ- الله- مقام ضمير ربكم تنبيه على أن تخصيص بعض الناس بالخير دون بعض يلائم الألوهية كما أن إنزال الخير على العموم يناسب الربوبية، والباء داخلة على المقصور أي يؤتي رحمته، ومِنْ مفعول، وقيل: الفعل لازم، ومِنْ فاعل وعلى التقديرين العائد محذوف وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ تذييل لما سبق وفيه تذكير للكارهين الحاسدين بما ينبغي أن يكون مانعا لهم لأن المعنى على أنه سبحانه المتفضل بأنواع التفضلات على سائر عباده فلا ينبغي لأحد أن يحسد أحدا، ويود عدم إصابة خير له، والكل غريق في بحار فضله الواسع الغزير كذا قيل: وإذا جعل الفضل عاما وقيل: بإدخال النبوة فيه دخولا أوليا لأن الكلام فيها على أحد الأقوال. كان هناك إشعار بأن النبوة من الفضل لا كما يقوله الحكماء من أنها بتصفية الباطن، وأن حرمان بعض عباده ليس لضيق فضله بل لمشيئته وما عرف فيه من حكمته، وتصدير هذه الجملة بالاسم الكريم لمناسبة العظيم.
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نزلت لما قال المشركون، أو اليهود: ألا ترون إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه ويأمرهم بخلافه، ويقول اليوم قولا ويرجع عنه غدا، ما هذا القرآن إلا كلام محمد ﵊ يقوله من تلقاء نفسه، وهو كلام يناقض بعضه بعضا- والنسخ- في اللغة إزالة الصورة- أو ما في حكمها- عن الشيء، وإثبات مثل ذلك في غيره سواء كان في الإعراض أو في الأعيان- ومن استعماله في المجموع التناسخ- وقد استعمل لكل واحد منهما مجازا- وهو أولى من الاشتراك- ولذا رغب فيه الراغب، فمن الأول نسخت الريح الأثر أي أزالته، ومن الثاني نسخت الكتاب إذا أثبت ما فيه في موضع آخر، ونسخ الآية- على ما ارتضاه بعض الأصوليين- بيان انتهاء التعبد بقراءتها كآية «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما نكالا من الله والله عزيز حكيم» أو الحكم المستفاد منها كآية وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ [البقرة: ٢٤٠] أو بهما جميعا كآية «عشر رضعات معلومات يحرمن» وفيه رفع التأبيد المستفاد من إطلاقها، ولذا عرفه بعضهم برفع الحكم الشرعي، فهو بيان بالنسبة إلى الشارع، ورفع بالنسبة إلينا، وخرج بقيد التعبد الغاية، فإنها بيان لانتهاء مدة نفس الحكم- لا للتعبد به- واختص التعريف بالأحكام إذ لا تعبد في الأخبار أنفسها، وإنساؤها إذهابها عن القلوب بأن لا تبقى في الحفظ- وقد وقع هذا- فإن بعض الصحابة أراد قراءة بعض ما حفظه فلم يجده في صدره،
فسأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: «نسخ البارحة من الصدور»
وروى مسلم عن أبي موسى: إنا كنا نقرأ سورة نشبهها في الطول والشدة ببراءة، فأنسيتها غير أني حفظت منها
«لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا وما يملأ جوف ابن آدم إلا التراب»
وكنا نقرأ بسورة نشبهها بإحدى المسبحات فأنسيتها، غير أني حفظت منها «يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون فتكتب شهادة في أعناقكم فتسألون عنها يوم القيامة» وهل يكون ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما كان لغيره أو لا؟ فيه خلاف، والذاهبون إلى الأول استدلوا بقوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ [الأعلى: ٦] وهو مذهب الحسن، واستدل الذاهبون إلى الثاني بقوله تعالى: وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [الإسراء: ٨٦] فإنه يدل على أنه لا يشاء أن يذهب بما أوحى إليه صلى الله تعالى عليه
стр. 348
وسلم- وهذا قول الزجاج- وليس بالقوي لجواز حمل الذي على ما لا يجوز عليه ذلك من أنواع الوحي، وقال أبو علي: المراد لم نذهب بالجميع، وعلى التقديرين لا ينافي الاستثناء، وسبحان من لا ينسى، وفسر بعضهم- النسخ- بإزالة الحكم سواء ثبت اللفظ أو لا- والإنساء- بإزالة اللفظ ثبت حكمه أو لا، وفسر بعض آخر «الأول» بالإذهاب إلى بدل للحكم السابق «والثاني» بالإذهاب لا إلى بدل، وأورد على كلا الوجهين أن تخصيص- النسخ- بهذا المعنى مخالف للغة والاصطلاح، وأن- الإنساء حقيقة في الإذهاب عن القلوب، والحمل على المجاز- بدون تعذر الحقيقة- تعسف، ولعل ما يتمسك به لصحة هذين التفسيرين من الرواية عن بعض الأكابر لم يثبت، وما شرطية جازمة ل نَنْسَخْ منتصبة به على المفعولية، ولا تنافي بين كونها عاملة ومعمولة لاختلاف الجهة، فبتضمنها الشرط عاملة، وبكونها اسما معمولة- ويقدر لنفسها جازم- وإلا لزم توارد العاملين على معمول واحد، وتدل على جواز وقوع ما بعدها، إذ الأصل فيها أن تدخل على الأمور المحتملة، واتفقت أهل الشرائع على جواز النسخ ووقوعه وخالفت اليهود غير العيسوية في جوازه وقالوا: يمتنع عقلا، وأبو مسلم الأصفهاني في وقوعه فقال: إنه وإن جاز عقلا لكنه لم يقع- وتحقيق ذلك في الأصول، ومِنْ آيَةٍ في موضع النصب على التمييز والمميز ما أي أي شيء نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ واحتمال زيادة مِنْ وجعل آيَةٍ حالا- ليس بشيء- كاحتمال كون ما مصدرية شرطية وآيَةٍ مفعولا به أي أي نسخ «ننسخ آية» بل هذا الاحتمال أدهى وأمر- كما لا يخفى- والضمير المنصوب عائد إلى آيَةٍ على حد: عندي درهم ونصفه، لأن المنسوخ غير المنسي، وتخصيص- الآية- بالذكر باعتبار الغالب، وإلا فالحكم غير مختص بها، بل جار فيما دونها أيضا على ما قيل. وقرأ طائفة وابن عامر من السبعة «ننسخ» من باب الإفعال- والهمزة- كما قال أبو علي: للوجدان على صفة نحو أحمدته- أي وجدته محمودا- فالمعنى ما نجده منسوخا وليس نجده كذلك إلا بأن ننسخه، فتتفق القراءتان في المعنى- وإن اختلفا في اللفظ- وجوّز ابن عطية كون- الهمزة- للتعدية، فالفعل حينئذ متعد إلى مفعولين، والتقدير ما ننسخك مِنْ آيَةٍ أي ما نبيح لك نسخه، كأنه لما نسخها الله تعالى أباح لنبيه صلى الله تعالى عليه وسلم تركها بذلك النسخ فسمى تلك الإباحة إنساخا، وجعل بعضهم- الإنساخ- عبارة عن الأمر بالنسخ والمأمور هو النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، أو جبرائيل ﵇، واحتمال أن يكون من نسخ الكتاب، أي ما نكتب وننزل من اللوح المحفوظ، أو ما نؤخر فيه ونترك فلا ننزله، والضميران الآتيان بعد عائدان على ما عاد إليه ضمير نُنْسِها ناشىء عن الذهول عن قاعدة أن اسم الشرط لا بد في جوابه من عائد عليه. وقرأ عمر وابن عباس والنخعي وأبو عمرو وابن كثير وكثير «ننسأها» - بفتح نون المضارعة والسين وسكون الهمزة- وطائفة كذلك إلا أنه- بالألف من غير همز- ولم يحذفها للجازم لأن أصلها- الهمزة- من- نسأ- بمعنى أخر، والمعنى في المشهور نؤخرها في اللوح المحفوظ فلا ننزلها أو نبعدها عن الذهن بحيث لا يتذكر معناها ولا لفظها، وهو معنى نُنْسِها
فتتحد القراءتان، وقيل: ولعله ألطف: إن المعنى نؤخر إنزالها، وهو في شأن الناسخة حيث أخر ذلك مدة بقاء المنسوخة فالمأتية حينئذ عبارة عن المنسوخة كما أنه حين النسخ عبارة عن الناسخة فمعنى الآية عليه أن رفع المنسوخة بإنزال الناسخة وتأخير الناسخة بإنزال المنسوخة كل منهما يتضمن المصلحة في وقته، وقرأ الضحاك وأبو الرجاء «ننسها» على صيغة المعلوم للمتكلم مع الغير من التنسية، والمفعول الأول محذوف يقال
: أنسانيه الله تعالى ونسانيه تنسية بمعنى أي ننس أحدا إياها، وقرأ الحسن وابن يعمر- «تنسها» - بفتح التاء من النسيان «ونسيت» إلى سعد بن أبي وقاص، وفرقة كذلك إلا أنهم همزوا، وأبو حيوة كذلك إلا أنه ضم التاء على أنه من الإنساء، وقرأ معبد مثله، ولم يهمز، وقرأ أبيّ- «ننسك» - بضم النون الأولى وكسر السين من غير همز وبكاف الخطاب. وفي مصحف سالم مولى أبي حذيفة- «ننسكها» - بإظهار المفعولين، وقرأ الأعمش- «ما ننسك من آية أو
стр. 349
ننسخها نجىء بمثلها» - ومناسبة الآية لما قبلها أن فيه ما هو من قبيل النسخ حيث أقر الصحابة رضي الله تعالى عنهم مدة على قول راعِنا وإقراره صلى الله تعالى عليه وسلم على الشيء منزل منزلة الأمر به والاذن فيه، ثم إنهم نهوا عن ذلك فكان مظنة لما يحاكى ما حكى في سبب النزول، أو لأنه تعالى لما ذكر أنه ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ كاد ترفع الطغام رؤوسها وتقول: إن من الفضل عدم النسخ لأن النفوس إذا داومت على شيء سهل عليها فأتى سبحانه بما ينكس رؤوسهم ويكسر ناموسهم ويشير إلى أن النسخ من جملة فضله العظيم وجوده العميم، أو لأنه تعالى لما أشار إلى حقية الوحي ورد كلام الكارهين له رأسا عقبه بما يبين سر النسخ الذي هو فرد من أفراد تنزيل الوحي وإبطال مقالة الطاعنين فيه فليتدبر.
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها أي بشيء هو خير للعباد منها أَوْ مِثْلِها حكما كان ذلك أو عدمه وحيا متلوا أو غيره، والخيرية أعم من أن تكون في النفع فقط أو في الثواب فقط أو في كليهما، والمثلية خاصة بالثواب على ما أشار إليه بعض المحققين، وفصله بأن الناسخ إذا كان ناسخا للحكم سواء كان ناسخا للتلاوة أو لا لا بد أن يكون مشتملا على مصلحة خلا عنها الحكم السابق لما أن الأحكام إنما تنوعت للمصالح، وتبدلها منوط بتبدلها بحسب الأوقات فيكون الناسخ خيرا منه في النفع سواء كان خيرا منه في الثواب أو مثلا له أو لا ثواب فيه أصلا كما إذا كان الناسخ مشتملا على الإباحة أو عدم الحكم وإذا كان ناسخا للتلاوة فقط لا يتصور الخيرية في النفع لعدم تبدل الحكم السابق والمصلحة فهو إما خير منه في الثواب أو مثل له، وكذا الحال في الإنساء فإن المنسي إذا كان مشتملا على حكم يكون المأتي به خيرا في النفع سواء كان النفع لخلوه عن الحكم مطلقا أو لخلوه عن ذلك الحكم واشتماله على حكم يتضمن مصلحة خلا عنها الحكم المنسي مع جواز خيريته في الثواب ومماثلته أيام خلوه عنه، وإذا لم يكن مشتملا على حكم فالمأتيّ به بعده إما خير في الثواب أو مثل له، والحاصل أن المماثلة في النفع لا تتصور لأنه على تقدير تبدل الحكم تتبدل المصلحة فيكون خيرا منه، وعلى تقدير عدم تبدله المصلحة الأولى باقية على حالها انتهى، ثم لا يخفى أن ما تقدم من التعميم مبني على جواز النسخ بلا بدل وجواز نسخ الكتاب بالسنة- وهو المذهب المنصور- ومن الناس من منع ذلك ومنع النسخ ببدل أثقل أيضا، واحتج بظاهر الآية، أما على الأول فلأنه لا يتصور كون المأتيّ به خيرا أو مثلا إلا في بدل، وأما على الثاني فلأن الناسخ هو المأتيّ به بدلا وهو خير أو مثل، ويكون الآتي به هو الله تعالى، والسنة ليست خيرا ولا مثل القرآن ولا مما أتى به ، وأما على الثالث فلأن الأثقل ليس بخير من الأخف ولا مثلا له، ورد ذلك- أما الأول، والثالث- فلأنا لا نسلم أن كون المأتيّ به خيرا أو مثلا لا يتصور إلا في بدل وأن الأثقل لا يكون خيرا من الأخف إذ الأحكام إنما شرعت والآيات إنما نزلت لمصالح العباد وتكميل نفوسهم فضلا منه تعالى ورحمة وذلك يختلف باختلاف الأعصار والأشخاص كالدواء الذي تعالج به الأدواء فإن النافع في عصر قد يضر في غيره والمزيل علة شخص قد يزيل علة سواه فإذن قد يكون عدم الحكم أو الأثقل أصلح في انتظام المعاش وأنظم في إصلاح المعاد والله تعالى لطيف حكيم، ولا يرد أن المتبادر من نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها بآية خير منها وأن عدم الحكم ليس بمأتيّ به لما أن الخلاف في جواز النسخ بلا بدل ليس في إتيان اللفظ بدل الآية الأولى بل في الحكم كما لا يخفى على من راجع الأصول- وأما الثاني- فلأنا لا نسلم حصر الناسخ بما ذكر إذ يجوز أن يعرف النسخ بغير المأتيّ به فإن مضمون الآية ليس إلا أن نسخ الآية يستلزم الإتيان بما هو خير منها أو مثل لها، ولا يلزم منه أن يكون ذلك هو الناسخ فيجوز أن يكون أمرا مغايرا يحصل بعد حصول النسخ وإذا جاز ذلك فيجوز أن يكون الناسخ سنة والمأتيّ به الذي هو خير أو مثل آية أخرى، وأيضا السنة مما أتى به الله سبحانه لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى [النجم: ٣، ٤] وليس المراد بالخيرية والمماثلة في اللفظ حتى لا تكون
стр. 350
السنة كذلك بل في النفع والثواب فيجوز أن يكون ما اشتملت عليه السنة خيرا في ذلك، واحتجت المعتزلة بالآية على حدوث القرآن فإن التغير المستفاد من النسخ، والتفاوت المستفاد من الخيرية في وقت دون آخر من روادف الحدث وتوابعه فلا يتحقق بدونه، وأجيب بأن التغير والتفاوت من عوارض ما يتعلق به الكلام النفسي القديم وهي الأفعال في الأمر والنهي والنسب الخبرية في الخبر وذلك يستدعيهما في تعلقاته دون ذاته، وأجاب الإمام الرازي بأن الموصوف بهما الكلام اللفظي، والقديم عندنا الكلام النفسي، واعترض بأنه مخالف لما اتفقت عليه آراء الأشاعرة من أن الحكم قديم والنسخ لا يجري إلا في
الأحكام، وقرأ أبو عمرو- نات- بقلب الهمزة ألفا.
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الاستفهام قيل: للتقرير، وقيل: للإنكار، والخطاب للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وأريد بطريق الكناية هو وأمته المسلمون وإنما أفرده لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أعلمهم، ومبدأ علمهم، ولإفادة المبالغة مع الاختصار، وقيل: لكل واقف عليه على حد «بشر المشائين» وقيل لمنكري النسخ، والمراد الاستشهاد بعلم المخاطب بما ذكر على قدرته تعالى على النسخ وعلى الإتيان بما هو خير أو مماثل لأن ذلك من جملة الأشياء المقهورة تحت قدرته سبحانه فمن علم شمول قدرته على جميع الأشياء علم قدرته على ذلك قطعا، والالتفات بوضع الاسم الجليل موضع الضمير لتربية المهابة، ولأنه الاسم العلم الجامع لسائر الصفات، ففي ضمنه صفة القدرة فهو أبلغ في نسبة القدرة إليه من ضمير المتكلم المعظم، وكذا الحال في قوله عز شأنه: أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أي قد علمت أيها المخاطب أن الله تعالى له السلطان القاهر، والاستيلاء الباهر، المستلزمان للقدرة التامة على التصرف الكلي- إيجادا وإعداما، وأمرا ونهيا- حسبما تقتضيه مشيئته، لا معارض لأمره، ولا معقب لحكمه، فمن هذا شأنه كيف يخرج عن قدرته شيء من الأشياء؟ فيكون الكلام على هذا كالدليل لما قبله في إفادة البيان، فيكون منزلا منزلة عطف البيان من متبوعه في إفادة الإيضاح، فلذا ترك العطف وجوّز أن يكون تكريرا للأول وإعادة للاستشهاد على ما ذكر، وإنما لم تعطف أَنَّ مع ما في حيزها على ما سبق من مثلها روما لزيادة التأكيد وإشعارا باستقلال العلم بكل منهما وكفاية في الوقوف على ما هو المقصود، وخص السَّماواتِ وَالْأَرْضِ- بالملك- لأنهما من أعظم المخلوقات الظاهرة، ولأن كل مخلوق لا يخلو عن أن يكون في إحدى هاتين الجهتين فكان في الاستيلاء عليهما إشارة إلى الاستيلاء على ما اشتملا عليه، وبدأ سبحانه بالتقرير على وصف القدرة لأنه منشئا لوصف الاستيلاء والسلطان، ولم يقل جل شأنه: إن الله ملك إلخ قصدا إلى تقوي الحكم بتكرير الإسناد وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ عطف على الجملة الواقعة خبرا ل أَنَّ داخل معها حيث دخلت، وفيه إشارة إلى تناول الخطاب فيما قبل للأمة أيضا، ومِنْ الثانية صلة فلا تتعلق بشيء، و «من» الأولى لابتداء الغاية وهي متعلقة بمحذوف وقع حالا من مدخول مِنْ الثانية- وهو في الأصل صفة له- فلما قدم انتصب على الحالية «وفي البحر» انها متعلقة بما تعلق به لَكُمْ وهو في موضع الخبر ويجوز في ما أن تكون تميمية وأن تكون حجازية على رأي من يجيز تقدم خبرها إذا كان ظرفا أو مجرورا- والولي- المالك، والنصير- المعين، والفرق بينهما أن المالك قد لا يقدر على النصرة أو قد يقدر ولا يفعل، والمعين قد يكون مالكا وقد لا يكون- بل يكون أجنبيا- والمراد من الآية الاستشهاد على تعلق إرادته تعالى بما ذكر من الإتيان بما هو خير من المنسوخ أو بمثله، فإن مجرد قدرته تعالى على ذلك لا يستدعي حصوله البتة، وإنما الذي يستدعيه كونه تعالى مع ذلك وليا نصيرا لهم، فمن علم أنه تعالى وليه ونصيره لا ولي ولا نصير له سواه يعلم قطعا أنه لا يفعل به إلا ما هو خير له فيفوض أمره إليه تعالى، ولا يخطر بباله ريبة في أمر النسخ وغيره أصلا.
стр. 351
أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْئَلُوا رَسُولَكُمْ كَما سُئِلَ مُوسى مِنْ قَبْلُ جوّز في أَمْ هذه أن تكون متصلة، وأن تكون منقطعة، فإن قدر «تعلمون» قبل تُرِيدُونَ بناء على دلالة السياق وهو أَلَمْ تَعْلَمْ والسياق هو الاقتراح فإنه لا يكون إلا عند التعنت- والعلم- بخلافه كانت متصلة، كأنه قيل: أي الأمرين من عدم العلم بما تقدم، أو العلم مع الاقتراح واقع، والاستفهام حينئذ للإنكار بمعنى لا ينبغي أن يكون شيء منهما، وإن لم يقدر كانت منقطعة للاضراب عن عدم علمهم بالسابق إلى الاستفهام عن اقتراحهم كاقتراح اليهود إنكارا عليهم بأنه لا ينبغي أن يقع أيضا، وقطع بعضهم بالقطع بناء على دخول الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في الخطاب أو لا، وعدم دخوله فيه هنا لأنه مقترح عليه لا مقترح- وذلك مخل بالاتصال- وأجيب بأنه غير مخل به لحصوله بالنسبة إلى المقصد، وإرادة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في الأول
كانت لمجرد التصوير والانتقال لما قدمنا أنهم بطريق الكناية، والمراد- على التقديرين- توصيته المسلمين بالثقة برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وترك الاقتراح بعد رد طعن المشركين أو اليهود في- النسخ- فكأنه قيل: لا تكونوا فيما أنزل إليكم من القرآن مثل اليهود في ترك الثقة بالآيات البينة واقتراح غيرها فتضلوا وتكفروا بعد الإيمان، وفي هذه التوصية كمال المبالغة والبلاغة حتى كأنهم بصدد الإرادة فنهوا عنها- فضلا عن السؤال- يعني من شأن العاقل أن لا يتصدى لإرادة ذلك، ولم يقل سبحانه: كما سأل أمة موسى ﵇ أو اليهود للإشارة إلى أن من سأل ذلك يستحق أن يصان اللسان عن ذكره- ولا يقتضي سابقية وقوع الاقتراح منهم- ولا يتوقف مضمون الآية عليه إذ التوصية لا تقتضي سابقية الوقوع، كيف وهو كفر- كما يدل عليه ما بعد- ولا يكاد يقع من المؤمن، ومما ذكرنا يظهر وجه ذكر هذه الآية بعد قوله تعالى: ما نَنْسَخْ فإن المقصد من كل منهما تثبيتهم على الآيات وتوصيتهم بالثقة بها، وأما بيانه بأنه لعلهم كانوا يطلبون منه ﵊ بيان تفاصيل الحكم الداعية إلى النسخ فلذا أردفت آية النسخ بذلك فأراه إلى التمني أقرب،
وقد ذكر بعض المفسرين أنهم اقترحوا على الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة خيبر أن يجعل لهم ذات أنواط كما كان للمشركين، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة. والذي نفسي بيده لتركبن سنن من قبلكم حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة إن كان فيهم من أتى أمه يكون فيكم. فلا أدري أتعبدون العجل أم لا؟»
وهو مع الحاجة إليه يستدعي أن المخاطب في الآيات هم المؤمنون، والسباق والسياق والتذييل تشهد له، وعليه يترجح الاتصال- لما نقل عن الرضيّ- أن الفعليتين إذا اشتركتا في الفاعل نحو أقمت أم قعدت؟ - فأم- متصلة، وزعم قوم أن المخاطب بها اليهود، وأن الآية نزلت فيهم حين سألوا أن ينزل عليهم كتاب من السماء جملة- كما نزلت التوراة على موسى ﵇ وخاطبهم بذلك بعد رد طعنهم تهديدا لهم، وحينئذ يكون المضارع الآتي بمعنى الماضي، إلا أنه عبر به عنه إحضارا للصورة الشنيعة، واختار هذا الإمام الرازي وقال: إنه الأصح، لأن هذه سورة من أول قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ [البقرة: ٤٠] حكاية عن اليهود ومحاجة معهم، ولأنه جرى ذكرهم وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأل ما يكون متبدلا به الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ ولا يخفى ما فيه، وكأنه رحمه الله تعالى نسي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا وَقُولُوا انْظُرْنا وقيل: إن المخاطب أهل مكة، وهو قول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد روي عنه أن الآية نزلت في عبد الله بن أمية ورهط من قريش قالوا: يا محمد، اجعل لنا الصفا ذهبا ووسع لنا أرض مكة، وفجر لنا الأنهار خلالها تفجيرا ونؤمن لك، وحكي في سبب النزول غير ذلك، ولا مانع- كما في البحر- من جعل الكل أسبابا، وعلى الخلاف في المخاطبين يجيء الكلام في رَسُولَكُمْ فإن كانوا المؤمنين فالإضافة على ما في نفس الأمر وما أقروا به من رسالته صلى الله تعالى عليه وسلم، وإن كانوا غيرهم فهي على ما في نفس الأمر دون الإقرار، وما مصدرية، والمشهور أن المجرور نعت لمصدر محذوف-
стр. 352
أي سؤالا كما- ورأى سيبويه أنه في موضع نصب على الحال، والتقدير عنده أن تسألوه أي السؤال كَما وأجاز الحوفي أن تكون ما موصولة في موضع المفعول به ل تَسْئَلُوا أي كالأشياء التي سئلها مُوسى ﵇ قَبْلُ وهو الأنسب لأن الإنكار عليهم إنما هو لفساد المقترحات، وكونها في العاقبة وبالا عليهم- وفيه نظر- لأن المشبه أَنْ تَسْئَلُوا وهو مصدر، فالظاهر أن المشبه به كذلك، وقبح السؤال إنما هو لقبح المسئول عنه، بل قد يكون السؤال نفسه قبيحا في بعض الحالات مع أن المصدرية لا تحتاج إلى تقدير رابط- فهو أولى- ومِنْ قَبْلُ متعلق ب سُئِلَ وجيء به للتأكيد. وقرأ الحسن. وأبو السمال «سيل» - بسين مكسورة وياء- وأبو جعفر والزهري- بإشمام السين الضم وياء- وبعضهم بتسهيل- الهمزة- بين بين- وضم السين.
وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ جملة مستقلة مشتملة على حكم كلي أخرجت مخرج المثل جيء بها لتأكيد النهي عن الاقتراح المفهوم من قوله: أَمْ تُرِيدُونَ إلخ معطوفة عليه، فهي تذييل له باعتبار أن المقترحين الشاكين من جملة- الضالين الطريق المستقيم المتبدلين- وسَواءَ بمعنى وسط أو مستوي، والإضافة من باب إضافة الوصف إلى الموصوف لقصد المبالغة في بيان قوة الاتصاف كأنه نفس- السواء- على منهاج حصول الصورة في الصورة الحاصلة- والفاء- رابطة وما بعدها لا يصح أن يكون جزاء الشرط لأن ضلال الطريق المستقيم متقدم على- الاستبدال- والارتداد لا يترتب عليه، ولأن الجزاء إذا كان ماضيا مع قد كان باقيا على مضيه لأن قد للتحقيق، وما تأكد ورسخ لا ينقلب، ولا يترتب الماضي على المستقبل، ولأن كون الشرط مضارعا والجزاء ماضيا صورة ضعيف لم يأت في الكتاب العزيز- على ما صرح به الرضيّ وغيره- فلا بد من التقدير بأن يقال: وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فالسبب فيه أنه تركه، ويؤول المعنى إلى أن ضلال الطريق المستقيم- وهو الكفر الصريح في الآيات- سبب للتبديل والارتداد، وفسر بعضهم- التبدل- المذكور بترك الثقة بالآيات باعتبار كونه لازما له فيكون كناية عنه، وحاصل الآية حينئذ ومن يترك الثقة بالآيات البينة المنزلة بحسب المصالح التي من جملتها الآيات الناسخة التي هي خير محض، وحق بحت واقترح غيرها فقد عدل وجار من حيث لا يدري عن الطريق المستقيم الموصل إلى معالم الحق والهدى، وتاه في تيه الهوى، وتردى في مهاوي الردى، واختار ما في النظم الكريم إيذانا من أول الأمر على أبلغ وجه بأن ذلك كفر وارتداد، ولعل ما أشرنا إليه أولى كما لا يخفى على المتدبر، وقرىء وَمَنْ يُبَدِّلْ من- أبدل- وإدغام- الدال في الضاد- والإظهار قراءتان مشهورتان.
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وهم طائفة من أحبار اليهود قالوا للمسلمين بعد وقعة أحد: ألم تروا إلى ما أصابكم، ولو كنتم على الحق لما هزمتم، فارجعوا إلى ديننا فهو خير لكم، رواه الواحدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه. وروي أن فنحاص بن عازوراء وزيد بن قيس ونفرا من اليهود قالوا ذلك لحذيفة رضي الله تعالى عنه من حديث طويل، وذكر الحافظ ابن حجر أنه لم يوجد في شيء من كتب الحديث لَوْ يَرُدُّونَكُمْ حكاية لودادتهم، وقد تقدم الكلام على لَوْ هذه فأغنى عن الإعادة مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً أي مرتدين، وهو حال من ضمير المخاطبين يفيد مقارنة الكفر بالرد فيؤذن بأن الكفر يحصل بمجرد الارتداد مع قطع النظر إلى ما يرد إليه، ولذا لم يقل- لو يردونكم- إلى الكفر، وجوز أن يكون حالا من فاعل وَدَّ واختار بعضهم أنه مفعول ثان- ليردونكم- على تضمين الرد معنى التصيير إذ منهم من لم يكفر حتى يرد إليه فيحتاج إلى التغليب كما في لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا [الأعراف: ٨٨، ابراهيم: ١٣] على أن في ذلك يكون الكفر المفروض بطريق القسر وهو أدخل في الشناعة، وفي قوله تعالى: مِنْ بَعْدِ مع أن الظاهر- عن- لأن الرد يستعمل بها تنصيص بحصول الإيمان لهم، وقيل: أورد متوسطا
стр. 353
لإظهار كمال فظاعة ما أرادوه وغاية بعده عن الوقوع إما لزيادة قبحه الصاد للعاقل عن مباشرته، وإما لممانعة الإيمان له كأنه قيل: من بعد إيمانكم الراسخ، وفيه من تثبيت المؤمنين ما لا يخفى حَسَداً علة- لودّ- لا- ليردونكم- لأنهم يودون ارتدادهم مطلقا لا ارتدادهم المعلل بالحسد، وجوزوا أن يكون مصدرا منصوبا على الحال أي حاسدين ولم يجمع لأنه مصدر، وفيه ضعف لأن جعل المصدر حالا- كما قال أبو حيان- لا ينقاس. وقيل: يجوز أن يكون منصوبا على المصدر والعامل فيه محذوف يدل عليه المعنى أي حسدوكم حسدا وهو كما ترى مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ متعلق بمحذوف وقع صفة إما للحسد أي حسدا كائنا من أصل نفوسهم فكأنه ذاتي لها، وفيه إشارة إلى أنه بلغ مبلغا متناهيا، وهذا يؤكد أمر التنوين إذا جعل للتكثير أو التعظيم، وإما للوداد المفهوم من وَدَّ أي ودادا كائنا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ وتشهيهم لا من قبل التدبر والميل إلى الحق، وجعله ظرفا لغوا معمولا- لود- أو حَسَداً كما نقل عن مكي يبعده أنهما لا يستعملان بكلمة مِنْ كما قاله ابن الشجري مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ بالنعوت المذكورة في التوراة والمعجزات وهذا كالدليل على تخصيص الكثير بالأحبار لأن التبين بذلك إنما كان لهم لا للجهال، ولعل من قال: إن الودادة من عوامهم أيضا لئلا يبطل دينهم الذي ورثوه وتبطل رياسة أحبارهم الذين اعتقدوهم واتخذوهم رؤساء، فالمراد من الكثير جميعهم من كفارهم ومنافقيهم ويكون ذكره لإخراج من آمن منهم سرا وعلانية يدعي أن التبين حصل للجميع أيضا إلا أن أسبابه مختلفة متفاوتة وهذا هو الذي يغلب على الظن فإن من شاهد هاتيك المعجزات الباهرة والآيات الزاهرة يبعد منه كيفما كان عدم تبين الحق ومعرفة مطالع الصدق إلا أن الحظوظ النفسانية والشهوات الدنية والتسويلات الشيطانية حجبت من حجبت عن الإيمان وقيدت من قيدت في قيد الخذلان فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا العفو ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك التثريب والتأنيث وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح، ولعله مأخوذ من تولية صفحة الوجه إعراضا أو من تصفحت الورقة إذا تجاوزت عما فيها. وآثر العفو على الصبر على اذاهم إيذانا بتمكين المؤمنين ترهيبا للكافرين.
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ هو واحد الأوامر والمراد به الأمر بالقتال بقوله سبحانه قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى وَهُمْ صاغِرُونَ [التوبة: ٢٩] أو الأمر بقتل قريظة وإجلاء بني النضير، وقيل: واحد الأمور، والمراد به القيامة. أو المجازاة يومها أو قوة الرسالة وكثرة الأمة، ومن الناس من فسر الصفح بالإعراض عنهم وترك مخالطتهم وجعل غاية العفو إتيان آية القتال وغاية الإعراض إتيان الله تعالى أمره، وفسره بإسلام من أسلم منهم- كما قاله الكلبي- وليس بشيء لأنه يستلزم أن يحمل الأمر على واحد الأوامر وواحد الأمور، وهو عند المحققين واقع بين الحقيقة والمجاز، وعن قتادة والسدي وابن عباس رضي الله تعالى عنهم إن الآية منسوخة بآية السيف واستشكل ذلك بأن النسخ لكونه بيانا لمدة الانتهاء بالنسبة إلى الشارع ودفعا للتأييد الظاهري من الإطلاق بالنسبة إلينا يقتضي أن يكون الحكم المنسوخ خاليا عن التوقيت والتأبيد فإنه لو كان مؤقتا كان الناسخ بيانا له بالنسبة إلينا أيضا ولو كان مؤبدا كان بدءا لا بيانا بالنسبة إلى الشارع، والأمر هاهنا مؤقت بالغاية وكونها غير معلومة يقتضي أن تكون آية القتال بيانا لإجماله وبذلك تبين ضعف ما أجاب به الإمام الرازي وتبعه فيه كثيرون من أن الغاية التي يتعلق بها الأمر إذا كانت لا تعلم إلا شرعا لم يخرج الوارد من أن يكون ناسخا ويحل محل فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا إلى أن أنسخه لكم فليس هذا مثل قوله تعالى: ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ [البقرة: ١٨٧] وأما تأييد الطيبي له بحكم التوراة والإنجيل لأنه ذكر فيهما انتهاء مدة الحكم بهما بإرسال النبي الأمي بنحو قوله تعالى: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [الأعراف: ١٥٧] وكان ظهوره صلى الله تعالى عليه وسلم نسخا فيرد عليه ما في التلويح من
стр. 354
أن الواقع فيهما البشارة بشرع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وإيجاب الرجوع إليه، وذلك لا يقتضي توقيت الأحكام لاحتمال أن يكون الرجوع إليه باعتبار كونه مفسرا أو مقررا أو مبدلا للبعض دون البعض فمن أين يلزم التوقيت بل هي مطلقة يفهم منها التأبيد فتبديلها يكون نسخا وأجيب عن الاستشكال بأنه لا يبعد أن يقال: إن القائلين بالنسخ أرادوا به البيان مجازا أو يقال: لعلهم فسروا الغاية بإماتتهم أو بقيام الساعة، والتأبيد إنما ينافي إطلاق الحكم إذا كان غاية للوجوب، وأما إذا كان غاية للواجب فلا، ويجري فيه النسخ عند الجمهور قاله مولانا الساليكوتي: إلا أن الظاهر لا يساعده فتدبر.
إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تذييل مؤكد لما فهم من سابقه، وفيه إشعار بالانتقام من الكفار ووعد للمؤمنين بالنصرة والتمكين، ويحتمل على بعد أن يكون ذكرا لموجب قبول أمره بالعفو والصفح وتهديدا لمن يخالف أمره وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ عطف على فاعفوا كأنه سبحانه أمرهم بالمخالقة (١) والالتجاء إليه تعالى بالعبادة البدنية والمالية لأنها تدفع عنهم ما يكرهون. وقول الطبري: إنهم أمروا هنا بالصلاة والزكاة ليحبط ما تقدم من ميلهم إلى قول اليهود راعِنا منحط عن درجة الاعتبار.
وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ أي أي خير كان، وفي ذلك توكيد للأمر بالعفو والصفح، والصلاة والزكاة، وترغيب إليه، واللام نفعية، وتخصيص الخير بالصلاة، والصدقة خلاف الظاهر، وقرىء تقدموا من قدم من السفر، وأقدمه غيره جعله قادما، وهي قريب من الأولى لا من الاقدام ضد الاحجام.
تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ أي تجدوا ثوابه لديه سبحانه فالكلام على حذف مضاف، وقيل: الظاهر أن المراد تجدوه في علم الله تعالى، والله تعالى عالم به إلا أنه بالغ في كمال علمه فجعل ثبوته في علمه بمنزلة ثبوت نفسه عنده وقد أكد تلك المبالغة بقوله سبحانه: إِنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ حيث جعل جميع ما يعملون مبصرا له تعالى فعبر عن علمه تعالى بالبصر مع أن قليلا مما يعملون من المبصرات، وكأنه لهذا فسر الزمخشري البصير بالعالم، وأما قول العلامة إنه إشارة إلى نفي الصفات، وأنه ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى إلا تعلق ذاته بالمعلومات ففيه أن التفسير لا يفيد إلا أن المراد من البصير هاهنا العالم ولا دلالة على كونه نفس الذات أو زائدا عليه ولا على أن ليس معنى السمع والبصر في حقه تعالى سوى التعلق المذكور، وقرئ- «يعلمون» - بالياء والضمير حينئذ كناية عن كثير، أو عن أهل الكتاب فيكون تذييلا لقوله تعالى فَاعْفُوا إلخ مؤكدا لمضمون الغاية، والمناسب أن يكون وعيدا لأولئك ليكون تسلية، وتوطينا للمؤمنين بالعفو والصفح، وإزالة لاستبطاء إتيان الأمر، وجوز أن يكون كناية عن المؤمنين المخاطبين بالخطابات المتقدمة، والكلام وعيد للمؤمنين، ويستفاد من الالتفات الواقع من صرف الكلام من الخطاب إلى الغيبة، وهو النكتة الخاصة بهذا الالتفات ولا يخفى أنه كلام لا ينبغي أن يلتفت إليه وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى عطف على وَدَّ وما بينهما أعني فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا إما اعتراض بالفاء أو عطف على وَدَّ أيضا، وعطف الإنشاء على الاخبار فيما لا محل له من الإعراب بما سوى الواو جائز، والضمير- لأهل الكتاب- لا- لكثير منهم- كما يتبادر من العطف، والمراد بهم اليهود والنصارى جميعا، وكأن أصل الكلام- قالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى- فلف بين هذين المقولين، وجعلا مقولا واحدا اختصارا وثقة بفهم السامع أن ليس المقصد أن كل واحد من الفريقين يقول هذا القول المردد، وللعلم
стр. 355
بتضليل كل واحد منهما صاحبه بل المقصد تقسيم القول المذكور بالنسبة إليهم فكلمة أَوْ كما في مغني اللبيب للتفصيل والتقسيم لا للترديد فلا غبار- وهود- جمع هائد كعوذ (١) جمع عائذ، وقيل: مصدر يستوي فيه الواحد وغيره، وقيل: إنه مخفف يهود بحذف الياء وهو ضعيف، وعلى القول بالجمعية يكون اسم كانَ مفردا عائدا علي مَنْ باعتبار لفظها، وجمع الخبر باعتبار معناها، وهو كثير في الكلام خلافا لمن منعه، ومنه قوله: وأيقظ من كان منكم نياما وقرأ أبيّ- يهوديا، أو نصرانيا- فحمل الخبر والاسم معا على اللفظ.
تِلْكَ أَمانِيُّهُمْ الأماني جمع أمنية وهي ما يتمنى- كالأضحوكة والأعجوبة- والجملة معترضة بين قولهم ذلك وطلب الدليل على صحة دعواهم، وتِلْكَ إشارة إلى لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إلخ وجمع الخبر مع أن ما أشير إليه أمنية واحدة ليدل على تردد الأمنية في نفوسهم وتكررها فيها، وقيل: إشعارا بأنها بلغت كل مبلغ لأن الجمع يفيد زيادة الآحاد فيستعمل لمطلق الزيادة وهذا من بديع المجاز ونفائس البيان وقيل: لا حاجة إلى هذا كله بل الجمع لأن تِلْكَ محتوية على أمان- أن لا يدخل الجنة إلا اليهود، وأن لا يدخل الجنة إلا النصارى- وحرمان المسلمين منها، وأيضا فقائله متعدد وهو باعتبار كل قائل أمنية وباعتبار الجميع أمان كثيرة، ومن الناس من جعلها إشارة إلى أن- لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأن يردوهم كفارا، وأن لا يدخل الجنة غيرهم- وعليه يكون أمانيهم تغليبا لأن الأولين من قبيل المتمنيات حقيقة والثالث دعوى باطلة، وجوز أيضا أن تكون إشارة إلى ما في الآية على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم فإن جعل الأماني بمعنى الأكاذيب، فإطلاق الأمنية على دعواهم على سبيل الحقيقة، وإن جعل بمعنى المتمنيات فعلى الاستعارة تشبيها بالمتمنى في الاستحالة، ولا يخفى ما في الوجهين من البعد لا سيما أولهما لأن كل جملة ذكر فيها- ودّهم- لشيء قد انفصلت وكملت واستقلت في النزول فيبعد جدا أن يشار إليها.
قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ أي على ما ادعيتموه من اختصاصكم بدخول الجنة فهو متصل معنى بقوله تعالى: قالُوا لَنْ يَدْخُلَ إلخ على أنه جواب له لا غير، وهاتُوا بمعنى أحضروا والهاء أصلية لا بدل من همزة- آتوا- ولا للتنبيه وهي فعل أمر خلافا لمن زعم أنها اسم فعل أو صوت بمنزلة- ها- وفي مجيء الماضي والمضارع والمصدر من هذه المادة خلاف وأثبت أبو حيان- هاتى يهاتي مهاتاة- والبرهان الدليل على صحة الدعوى، قيل: هو مأخوذ من البرة وهو القطع فتكون النون زائدة، وقيل: من البرهنة وهو البيان فتكون النون أصلية لفقدان فعلن ووجود فعلل ويبنى على هذا الاشتقاق الخلاف في- برهان- إذا سمي به هل ينصرف أو لا؟ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ جواب الشرط محذوف يدل عليه ما قبله ومتعلق الصدق دعواهم السابقة لا- الإيمان- ولا- الأماني- كما قيل، وأفهم التعليق أنه لا بد من البرهان للصادق ليثبت دعواه، وعلل بأن كل قول لا دليل عليه غير ثابت عند الخصم فلا يعتد به، ولذا قيل: من ادعى شيئا بلا شاهد لا بد أن تبطل دعواه، وليس في الآية دليل على منع التقليد فإن دليل المقلد دليله كما لا يخفى، وتفسير الصدق هنا بالصلاح مما لا يدعو إليه سوى فساد الذهن بَلى رد لقولهم الذي زعموه وإثبات لما تضمنه من نفي دخول غيرهم الجنة. والقول بأنه رد لما أشار إليه قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ من نفي أن يكون لهم برهان مما لا وجه له ولا برهان عليه مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ أي انقاد لما قضى الله تعالى وقدر، أو أخلص له نفسه أو قصده فلم يشرك به تعالى غيره، أو لم يقصد سواه فالوجه إما مستعار للذات وتخصيصه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء ومعدن