إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً مؤكدا لذلك ولهذا فصل. والمراد من الموصول إما سائر الكفار فإنهم فاخروا بالأموال والأولاد حيث قالوا: نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ [سبأ: ٣٥] فرد الله تعالى عليهم بما ترى عليهم، وإما بنو قريظة وبنو النضير حيث كانت معالجتهم بالأموال والأولاد.
стр. 807
وروي هذا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل: مشركو قريش (وقيل: وقيل:) ولعل من ادعى العموم- وهو الظاهر- قال بدخول المذكورين دخولا أوليا، والمراد من الإغناء الدفع، ويقال: أغنى عنه إذا دفع عنه ضررا لولاه لنزل به أي لن تدفع عنهم يوم القيامة أموالهم التي عولوا عليها في المهمات ولا من هو أرجى من ذلك وأعظم عندهم وهم أولادهم من عذاب الله تعالى لهم شيئا يسيرا منه، وقال بعضهم: المراد بالاغناء الإجزاء، ويقال: ما يغنى عنك هذا أي ما يجزي عنك وما ينفعك، ومِنَ للبدل أو الابتداء، وشَيْئاً مفعول مطلق أي لن يجزي عنهم ذلك من عذاب الله تعالى شيئا من الإجزاء، وعلى التفسير الأول للإغناء وجعل هذا معنى حقيقيا له دونه يقال بالتضمين وأمر المفعولية عليه ظاهر لتعديه حينئذ وَأُولئِكَ أي الموصوفون بالكفر بسبب كفرهم أَصْحابُ النَّارِ أي ملازموها وهو معنى الأصحاب عرفا.
هُمْ فِيها خالِدُونَ تأكيد لما يراد من الجملة الأولى واختيار الجملة الاسمية للإيذان بالدوام والاستمرار وتقديم الظرف محافظة على رؤوس الآي ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا
كالدليل لعدم إغناء الأموال، ولعل عدم بيان إغناء الأولاد ظاهر لأنهم إن كانوا كفارا- وهو الظاهر- كان حكمهم حكمهم وإن كانوا مسلمين كانوا عليهم لا لهم في الدنيا، وبغضهم لهم في الآخرة يَوْمَ تُبْلَى السَّرائِرُ [الطارق: ٩] يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ [القلم: ٤٢] وتبريهم منهم حين يفر المرء من أمه وأبيه أظهر من أن يخفى، وا
موصولة والعائد محذوف أي ينفقونه والإشارة للتحقير، والمراد تمثيل جميع صدقات الكفار ونفقاتهم كيف كانت- وهو المروي عن مجاهد- وقيل: مثل لما ينفقه الكفار مطلقا في عداوة الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وقيل: لما أنفقته قريش يوم بدر وأحد لما تظاهروا ﵊، وقيل: لما أنفقه سفلة اليهود على علمائهم المحرفين أي حال ذلك وقصته العجيبةمَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ
أي برد شديد قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وجماعة، وقال الزجاج- الصر- صوت لهيب النار وقد كانت في تلك الريح، وقيل: أصل الصر كالصرصر الريح الباردة، وعليه يكون معنى النظم ريح فيها ريح باردة وهو كما ترى محتاج إلى التوجيه، وقد ذكر فيه أنه وارد على التجريد كقوله:
ولولا ذاك قد سوّمت مهري ... وفي الرحمن للضعفاء كاف
أي هو كاف ومنع بعضهم كونه في الأصل الريح الباردة وإنما هو مصدر بمعنى البرد كما قال الحبر واستعماله فيما ذكر مجاز وليس بمراد، وقيل: إنه صفة بمعنى بارد إلا أن موصوفه محذوف أي برد بارد فهو من الإسناد المجازي كظل ظليل- وفيه بعد- لأن المعروف في مثله ذكر الموصوف وأما حذفه وتقديره فلم يعهد، وقيل: هو في الأصل صوت الريح الباردة من صر القلم والباب صريرا إذا صوت، أو من الصرة الضجة والصيحة وقد استعمل هنا على أصله، وفيه أن هذا المعنى مما لم يعهد في الاستعمال، والريح واحدة الرياح، وفي الصحاح والأرياح، وقد تجمع على أرواح لأن أصلها الواو، وإنما جاءت بالياء لانكسار ما قبلها فإذا رجعوا إلى الفتح عادت إلى الواو كقولك: أروح الماء وتروحت بالمروحة، ويقال أيضا: ريح وريحة كما قالوا: دار ودارة، وسيأتي إن شاء الله تعالى للعلماء من الكلام في هذا المقام، وأفرد الريح لما في البحر أنها مختصة بالعذاب والجمع مختص بالرحمة ولذلك روى اللهم- اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحاصابَتْ حَرْثَ
أي زرع.
ْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
بالكفر والمعاصي فباؤوا بغضب من الله تعالى وإنما وصفوا بذلك لما قيل: إن الإهلاك عن سخط أشد وأفظع أو لأن المراد الإشارة إلى عدم الفائدة في الدنيا والآخرة وهو إنما يكون في هلاك مال الكافر وأما
стр. 808
غيره فقد يثاب على ما هلك له لصبره، وقيل: المراد ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع الزراعة وفي غير وقتهاأَهْلَكَتْهُ
عن آخره ولم تدع له عينا ولا أثرا عقوبة لهم على معاصيهم، وقيل: تأديبا من الله تعالى لهم في وضع الشيء في غير موضعه الذي هو حقه وهذا من التشبيه المركب الذي توجد فيه الزبدة من الخلاصة والمجموع ولا يلزم فيه أن يكون ما يلي الأداة هو المشبه به كقوله تعالى: إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ [يونس: ٢٤] وإلا لوجب أن يقال: كمثل حرث لأنه المشبه به المنفق، وجوز أن يراد مثل إهلاك ما ينفقون كمثل إهلاك ريح، أو مثل ما ينفقون كمهلك ريح والمهلك اسم مفعول هو الحرث، والوجه عند كونه مركبا قلة الجدوى والضياع، ويجوز أن يكون من التشبيه المفرق فيشبه إهلاك الله تعالى بإهلاك الريح، والمنفق بالحرث وجعل الله تعالى أعمالهم هباء منثورا بما في الريح الباردة من جعله حطاما، وقرئ- تنفقون- بالتاء ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
الضمير إما للمنفقين أي ما ظلمهم بضياع نفقاتهم التي أنفقوها على غير الوجه اللائق المعتد به، وإما للقوم المذكورين أي ما ظلم الله تعالى أصحاب الحرث بإهلاكه لأنهم استحقوا ذلك وحينئذ يكون هذا النفي مع قوله تعالى: لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
تأكيدا لما فهم من قبل إشعارا وتصريحا، وقرئ «ولكنّ» بالتشديد على أن أنفسهم اسمها، وجملةظْلِمُونَ
خبرها والعائد محذوف، والتقدير يظلمونها وليس مفعولا مقدما كما في قراءة التخفيف، واسمها ضمير الشأن لأنه لا يحذف إلا في الشعر كقوله:
وما كنت ممن يدخل العشق قلبه ... ولكن من يبصر جفونك يعشق
وتعين حذفه فيه لمكان من الشرطية التي تدخل عليها النواسخ وتقديم أنفسهم على الفعل للفاصلة لا للحصر وإلا لا يتطابق الكلام لأن مقتضاه وما ظلمهم الله ولكن هم يظلمون أنفسهم لا أنهم يظلمون أنفسهم لا غيرهم وهو في الحصر لازم، وصيغة المضارع للدلالة على التجدد والاستمرار.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ أخرج ابن إسحاق وغيره عن ابن عباس قال: كان رجال من المسلمين يواصلون رجالا من يهود لما كان بينهم من الجوار والحلف في الجاهلية فأنزل الله تعالى فيهم ينهاهم عن مباطنتهم تخوف الفتنة عليهم هذه الآية، وأخرج عبد بن حميد أنها نزلت في المنافقين من أهل المدينة نهى المؤمنون أن يتولوهم، وظاهر ما يأتي يؤيده، والبطانة خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره مأخوذ من بطانة الثوب للوجه الذي يلي البدن لقربه وهي نقيض الظهارة ويسمى بها الواحد والجمع والمذكر والمؤنث ومِنْ متعلقة ب لا تَتَّخِذُوا أو بمحذوف وقع صفة لبطانة، وقيل: زائدة ودون- إما بمعنى غير أو بمعنى الأدون والدنيء، وضمير الجمع المضاف إليه للمؤمنين والمعنى لا تَتَّخِذُوا الكافرين كاليهود والمنافقين أولياء وخواص من غير المؤمنين أو ممن لم تبلغ منزلته، منزلتكم في الشرف والديانة، والحكم عام وإن كان سبب النزول خاصا فإن اتخاذ المخالف وليا مظنة الفتنة والفساد ولهذا ورد تفسير هذه البطانة بالخوارج.
وأخرج البيهقي، وغيره عن أنس عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: «لا تنقشوا في خواتيكم عربيا ولا تستضيئوا بنار المشركين»
فذكر ذلك للحسن فقال: نعم لا تنقشوا في خواتيمكم محمد رسول الله ولا تستسروا المشركين في شيء من أموركم، ثم قال الحسن: وتصديق ذلك من كتاب الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا أصل الألو التقصير يقال: ألا كغزا- يألو ألوا إذا قصر وفتر وضعف، ومنه قول امرئ القيس:
стр. 809
وما المرء ما دامت خشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا «آلى»
أراد ولا مقصر في الطلب وهو لازم يتعدى إلى المفعول بالحرف، وقد يستعمل متعديا إلى مفعولين في قولهم:
لا آلوك نصحا ولا آلوك جهدا على تضمين معنى المنع أي لا أمنعك ذلك وقد يجعل بمنع الترك فيتعدى إلى واحد، وفي القاموس ما ألوت الشيء أي ما تركته، والخبال في الأصل الفساد الذي يلحق الإنسان فيورثه اضطرابا كالمرض والجنون، ويستعمل بمعنى الشر والفساد مطلقا، ومعنى الآية على الأول لا يقصرون لكم في الفساد والشر بل يجهدون في مضرتكم، وعليه يكون الضمير المنصوب والاسم الظاهر منصوبين بنزع الخافض وإليه ذهب ابن عطية- وجوز أن يكون الثاني منصوبا على الحال أي مخبلين، أو على التمييز.
واعترض ذلك بأنه لا إبهام في نسبة التقصير إلى الفاعل ولا يصح جعله فاعلا إلا على اعتبار الإسناد المجازي والنصب بنزع الخافض، ووقوع المصدر حالا ليس بقياس إلا فيما يكون المصدر نوعا من العامل نحو أتاني سرعة وبطأ كما نص عليه الرضي في بحث المفعول به والحال- واعتمده الساليكوتي- ونقل أبو حيان أن التمييز هنا محول عن المفعول نحو فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً [القمر: ١٢] وهو من الغرابة بمكان لأن المفروض أن الفعل لازم فمن أين يكون له مفعول ليحول عنه؟! وملاحظة تعديه إليه بتقدير الحرف قول بالنصب على نزع الخافض وقد سمعت ما فيه.
وأجيب بالتزام أحد الأمرين الحالية أو كونه منصوبا على النزع مع القول بالسماع هنا والمعنى على الثاني لا يمنعونكم خبالا أي أنهم يفعلون معكم ما يقدرون عليه من الفساد ولا يبقون عندهم شيئا منه في حقكم وهو وجه وجيه، والتضمين قياسي على الصحيح والخلاف فيه واه لا يلتفت إليه، والمعنى والإعراب على الثالث ظاهران بعد الإحاطة بما تقدم وَدُّوا ما عَنِتُّمْ أي أحبوا عنتكم أي مشقتكم الشديدة وضرركم.
وقال السدي: تمنوا ضلالتكم عن دينكم، وروي مثله عن ابن جرير قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ أي ظهرت أمارات العداوة لكم من فلتات ألسنتهم وفحوى كلماتهم لأنهم لشدة بغضهم لكم لا يملكون أنفسهم ولا يقدرون أن يحفظوا ألسنتهم، وقال قتادة: ظهور ذلك فيما بينهم حيث أبدى كل منهم ما يدل على بغضه للمسلمين لأخيه، وفيه بعد إذ لا يناسبه ما بعد، والأفواه جمع فم وأصله فوه، فلامه هاء والجموع ترد الأشياء إلى أصولها ويدل على ذلك أيضا تصغيره على فويه والنسبة إليه فوهيّ، وقرأ عبد الله قد بدا البغضاء وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ من البغضاء أَكْبَرُ أي أعظم مما بدا لأنه كان عن فلتة ومثله لا يكون إلا قليلا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ أي أظهرنا لكم الآيات الدالة على النهي عن موالاة أعداء الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم، أو قد أظهرنا لكم الدلالات الواضحات التي يتميز بها الولي من العدو إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ أي إن كنتم من أهل العقل، أو إن كنتم تعلمون الفضل بين الولي والعدو، أو إن كنتم تعلمون مواعظ الله تعالى ومنافعها، وجواب إن محذوف لدلالة الكلام عليه، ثم إن هذه الجمل ما عدا وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ لأنها حال لا غير جاءت مستأنفات جوابا عن السؤال عن النهي وترك العطف بينها إيذانا باستقلال كل منها في ذلك، وقيل: إنها في موضع النعت- لبطانة- إلا قَدْ بَيَّنَّا لظهور أنها لا تصلح لذلك، والأول أحسن لما في الاستئناف من الفوائد وفي الصفات من الدلالة على خلاف المقصود أو إيهامه لا أقل وهو تقييد النهي وليس المعنى عليه، وقيل: إن وَدُّوا ما عَنِتُّمْ بيان وتأكيد لقوله: لا يَأْلُونَكُمْ خَبالًا فحكمه حكمه وما عدا ذلك مستأنف للتعليل على طريق الترتيب بأن يكون اللاحق علة للسابق إلى أن تكون الأولى علة للنهي ويتم التعليل بالمجموع أي لا تتخذوهم بطانة لأنهم لا يألونكم خبالا لأنهم يودّون شدة ضرركم بدليل أنهم قد تبدو البغضاء من أفواههم وإن كانوا يخفون الكثير ولا بد على هذا من استثناء قَدْ بَيَّنَّا إذ لا يصلح تعليلا لبدو البغضاء
стр. 810
ويصلح تعليلا للنهي فافهم ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلا يُحِبُّونَكُمْ تنبيه على أن المخاطبين مخطئون في اتخاذهم بطانة، وفي إعراب مثل هذا التركيب مذاهب للنحويين فقال الأزهري وابن كيسان وجماعة: إن ها للتنبيه وأَنْتُمْ مبتدأ وجملة تُحِبُّونَهُمْ خبره، وأُولاءِ منادى أو منصوب على الاختصاص، وضعف بأنه خلاف الظاهر والاختصاص لا يكون باسم الإشارة، وقيل: أَنْتُمْ مبتدأ، وأُولاءِ خبره، والجملة بعد مستأنفة، ويؤيد ذلك ما قاله الرضي من أنه ليس المراد من- ها أنا ذا أفعل، وها أنت ذا تفعل- تعريف نفسك أو المخاطب إذ لا فائدة فيه بل استغراب وقوع مضمون وقوع الفعل المذكور بعد من المتكلم أو المخاطب، فالجملة بعد اسم الإشارة لازمة لبيان الحال المستغربة ولا محل لها إذ هي مستأنفة، وقال البصريون: هي في محل النصب على الحال أي ها أنت ذا قائلا، والحال هاهنا لازمة لأن الفائدة معقودة بها وبها تتم، والعامل فيها حرف التنبيه أو اسم الإشارة.
واعترضه الرضي بأنه لا معنى للحال إذ ليس المعنى أنت المشار إليه في حال فعلك ولا يخفى أن ما قاله البصريون هو الظاهر من كلام العرب لأنهم قالوا: ها أنت ذا قائما فصرحوا بالحالية وإن كان المعنى على الاخبار بالحال لأنه المقصود بالاستبعاد، ومدلول الضمير واسم الإشارة متحد واعتبار معنى الإشارة لمجرد تصحيح العمل لا أن المعنى عليه- وبه يندفع بحث الرضي- على أنه قد أجيب عنه بغير ذلك، وقال الزجاج: يجوز أن يكون أُولاءِ بمعنى الذين خبرا عن المبتدأ، وتُحِبُّونَهُمْ في موضع الصلة وليس بشيء، وقيل: أَنْتُمْ مبتدأ أول وأُولاءِ مبتدأ ثان، وتحبونهم خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول على حد أنت زيد تحبه، وقيل: إن أُولاءِ هو الخبر، والجملة ما بعده خبر ثان، وقيل: أُولاءِ في محل نصب بفعل يفسره ما بعده، والجملة خبر المبتدأ والإشارة للتحقير فاستعملت هنا للتوبيخ كأنه ازدرى بهم لظهور خطئهم في ذلك الاتخاذ.
والمراد بمحبة المؤمنين لهم المحبة العادية الناشئة من نحو الإحسان والصداقة، ومثلها- وإن كان غريب يلام عليه إذا وقع من المؤمنين في حق أعداء الدين الذين يتربصون بهم ريب المنون لكن لا يصل إلى الكفر وإنما لم يصل إليه باعتبار آخر لا يكاد يقع من أولئك المخاطبين، وقيل. المراد تُحِبُّونَهُمْ لأنكم تريدون الإسلام لهم وتدعونهم إلى الجنة ولا يحبونكم لأنهم يريدون لكم الكفر والضلال وفي ذلك الهلاك، ولا يخفى ما فيه.
وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ كُلِّهِ أي الجنس كله وجعل ذلك من قبيل أنت الرجل أي الكامل في الرجولية ويكون الكتاب حينئذ إشارة إلى القرآن تعسف، والجملة حال من ضمير المفعول في لا يُحِبُّونَكُمْ واعترضه في البحر بأن المضارع المثبت إذا وقع حالا لا تدخل عليه واو الحال ولهذا تأولوا- قمت وأصك عينيه- على حذف المبتدأ أي قمت وأنا أصك عينيه، ومثل هذا التأويل وإن جاء هنا أي ولا يحبونكم وأنتم تؤمنون بالكتاب كله إلا أن العطف على تحبونهم أولى لسلامته من الحذف، وفيه أن الكلام في معرض التخطئة ولا كذلك الإيمان بالكتاب كله فإنه محض الصواب، والحمل- على أنكم تؤمنون بالكتاب كله وهم لا يؤم ژنون بشيء منه لأن إيمانهم كلا إيمان فلا يجامع المحبة- سديد كما قال العلامة الثاني في تقرير الحالية دون العطف، وبهذا يندفع ما في البحر من الاعتذار والمعنى يحبونكم والحال أنكم تؤمنون بكتابهم فما بالكم تحبونهم وهم لا يؤمنون بكتابكم وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا نفاقا وَإِذا خَلَوْا أي خلا بعضهم ببعض عَضُّوا عَلَيْكُمُ أي لأجلكم الْأَنامِلَ أي أطراف الأصابع مِنَ الْغَيْظِ أي لأجل الغضب والحنق لما يرون من ائتلاف المؤمنين واجتماع كلمتهم ونصرة الله تعالى إياهم بحيث عجز أعداؤهم عن أن يجدوا سبيلا إلى التشفي واضطروا إلى مداراتهم وعض الأنامل عادة النادم الأسيف العاجز، ولهذا أشير به إلى حال هؤلاء وليس المراد أن هناك عضا بالفعل قُلْ يا محمد بلسانك، وقيل: المراد حدث نفسك بإذلالهم وإعزاز
стр. 811
الإسلام من غير أن يكون هناك قول، وقيل: هو خطاب لكل مؤمن وتحريض لهم على عداوتهم وحث لهم على خطابهم خطاب الخصماء فإنه لا أقطع للمحبة من جراحة اللسان فالمقصود على هذا من قوله تعالى: مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ مجرد الخطاب بما يكرهونه، والصحيح الذي اتفقت عليه كلمتهم أنه دعاء عليهم وكون ذلك مما فيه خفاء إذ لا يخاطب المدعو عليه بل الله تعالى ويسأل منه ابتلاؤه لا خفاء في خفائه وأنه غفلة عن قولهم: قاتلك الله تعالى، وقولهم: دم بعز، وبت قرير عين، وغيره مما لا يحصى، والمراد كما قيل: الدعاء بدوام الغيظ وزيادته بتضاعف قوة الإسلام وأهله حتى يهلكوا به، وهذا عند العلامة الثاني من كناية الكناية حيث عبر بدعاء موتهم بالغيظ عن ملزومه الذي هو دعاء ازدياد غيظهم إلى حين الهلاك وبه عن ملزومه الذي هو قوة الإسلام وعز اسمه وذلك لأن مجرد الموت بالغيظ أو ازدياده ليس مما يحسن أن يطلب ويدعى به.
وتعقب بأن المجاز على المجاز مذكور وأما الكناية على الكناية فنادرة وقد صرح بها السبكي في قواعده الأصولية ونقل فيها خلافا، ومع هذا الفرق بين الكناية بالوسائط والكناية على الكناية مما يحتاج إلى التأمل الصادق ولعله فرق اعتباري، وأيضا ما ذكره من أن مجرد الموت بالغيظ إلخ مدفوع بأنه يمكن أن يكون المحسن لذلك ما فيه من الإشارة إلى ذمهم حيث إنهم قد استحقوا هذا الموت الفظيع والحال الشنيع.
إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما خفي فيها، وهذا يحتمل أن يكون من تتمة المقول أي قل لهم إن الله تعالى عليم بما هو أخفى مما تخفونه من عض الأنامل إذا خلوتم فيجازى به وأن يكون خارجا عنه أي قل لهم ما تقدم ولا تتعجب من اطلاعي إياك على أسرارهم فإني عليم بالأخفى من ضمائرهم، والنهي عن التعجب حينئذ إما خارج مخرج العادة مجازا بناء على أن المخاطب عالم بمضمون هذه الجملة، وإما باق على حقيقته إن كان المخاطب غير ذلك ممن يقف على هذا الخطاب فلا إشكال على التقديرين خلافا لمن وهم في ذلك إِنْ تَمْسَسْكُمْ أيها المؤمنون حَسَنَةٌ نعمة من ربكم كالألفة واجتماع الكلمة والظفر بالأعداء تَسُؤْهُمْ أي تحزنهم وتغظهم وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ أي محنة كإصابة العدو منكم واختلاف الكلمة فيما بينكم يَفْرَحُوا أي يبتهجوا بِها وفي ذلك إشارة إلى تناهي عداوتهم إلى حد الحسد والشماتة، والمس قيل: مستعار للإصابة فهما هنا بمعنى، وقد سوى بينهما في غير هذا الموضع كقوله تعالى: إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ [التوبة: ٥٠] وقوله سبحانه: إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً [المعارج: ٢٠] والتعبير هنا بالمسّ مع الحسنة وبالإصابة مع السيئة لمجرد التفنن في التعبير، وقال بعض المحققين: الأحسن والأنسب بالمقام ما قيل: إنه للدلالة على إفراطهم في السرور والحزن لأن المسّ أقل من الإصابة كما هو الظاهر فإذا ساءهم أقلّ خير نالهم فغيره أولى منه، وإذا فرحوا بأعظم المصائب مما يرثي له الشامت ويرق الحاسد فغيره أولى فهم لا ترجى موالاتهم أصلا فكيف تتخذونهم بطانة؟! والقول بأنه لا يبعد أن يقال: إن ذلك إشارة إلى أن ما يصيبهم من الخير بالنسبة إلى لطف الله تعالى معهم خير قليل وما يصيبهم من السيئة بالنسبة لما يقابل به من الأجر الجزيل عظيم بعيد كما لا يخفى وَإِنْ تَصْبِرُوا على أذاهم أو على طاعة الله تعالى ومضض الجهاد في سبيله وَتَتَّقُوا ما حرم عليكم لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ أي مكرهم وأصل الكيد المشقة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب لا يَضُرُّكُمْ بكسر الضاد وجزم الراء على أنه جواب الشرط من ضاره يضيره بمعنى ضره يضره، وضم الراء في القراءة المشهورة لاتباع ضمة الضاد كما في الأمر المضاعف المضموم العين كمد، والجزم مقدر، وجوزوا في مثله الفتح للخفة والكسر لأجل تحريك الساكن، وقيل: إنه مرفوع بتقدير الفاء وهو تكلف مستغنى عنه شَيْئاً نصب على المصدر أي لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً من الضرر لا كثيرا ولا قليلا ببركة الصبر والتقوى
стр. 812
لكونهما من محاسن الطاعات ومكارم الأخلاق ومن تحلى بذلك كان في كنف الله تعالى وحمايته من أن يضره كيد عدو، وقيل: لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ لأنه أحاط بكم فلكم الأجر الجزيل، إن بطل فهو النعمة الدنيا فأنتم لا تحرمون الحسنى على كلتا الحالتين وفيه بعد إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ من الكيد.
وقرأ الحسن وأبو حاتم- تعملون- بالتاء الفوقانية وهو خطاب للمؤمنين أي ما تعملون من الصبر والتقوى مُحِيطٌ علما أو بالمعنى اللائق بجلاله فيعاقبهم به أو فيثيبكم عليه وَإِذْ غَدَوْتَ أي واذكر إذ خرجت عدوة مِنْ عند أَهْلِكَ والخطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم خاصة والكلام مستأنف سيق للاستشهاد بما فيه من استتباع عدم الصبر والتقوى للضرر على أن وجودهما مستتبع لما وعد من النجاة عن مضرة كيد الأعداء وكان الخروج من حجرة عائشة رضي الله تعالى عنها تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ أي توطنهم قاله ابن جبير وقيل: تنزلهم، وقيل:
تسوي وتهييء لهم، ويؤيده قراءة- «للمؤمنين» - إذ ليس محل التقوية والزيادة غير فصيحة مَقاعِدَ لِلْقِتالِ أي مواطن ومواقف ومقامات له، وأصل المقعد والمقام محل القعود والقيام ثم وسع فيه فأطلق بطريق المجاز على المكان مطلقا وإن لم يكن فيه قيام وقعود، وقد يطلق على من به كقولهم المجلس السامي والمقام الكريم- وجملة تُبَوِّئُ حال من فاعل غَدَوْتَ ولكون المقصود تذكير الزمان الممتد المتسع لابتداء الخروج والتبوئة وما يترتب عليها إذ هو المذكر للقصة لم يحتج إلى القول بأنها حال مقدرة أي ناويا وقاصدا للتبوئة، ومَقاعِدَ مفعول ثان- لتبوئ- والجار والمجرور متعلق بالفعل قبله أو بمحذوف وقع صفة لمقاعد، ولا يجوز- كما قال أبو البقاء- أن يتعلق به لأن المراد به المكان وهو لا يعمل.
روى ابن إسحاق وجماعة عن ابن شهاب ومحمد بن يحيى والحصين بن عبد الرحمن وغيرهم وكل قد حدث بعض الحديث «أنه لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم إلى مكة ورجع أبو سفيان ابن حرب بعيره مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيبت آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة فقالوا: يا معشر قريش إن محمدا قد وتركم وقتل أخياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك به ثأرنا بمن أصاب منا ففعلوا فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ وخرجت بجدها وجديدها وأحابيشها ومن تابعها من بني كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن لا يفروا وخرج أبو سفيان وهو قائد الناس بهند بنت عتبة وخرج آخرون بنساء أيضا فأقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة فلما سمع بهم رسول الله ﷺ والمسلمون قد نزلوا حيث نزلوا قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إني رأيت بقرا تنحر ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة (١) فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وندعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يرى رأيه في ذلك أن لا يخرج إليهم وكان صلى الله تعالى عليه وسلم يكره الخروج فقال رجال من المسلمين ممن أكرمه الله تعالى بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته يوم بدر: اخرج بنا يا رسول الله إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا فقال عبد الله بن أبيّ ابن سلول: يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم فو الله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا ولا دخل علينا إلا أصبنا منه فدعهم يا رسول الله فإن أقاموا
стр. 813
أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا فلم يزل الناس برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله ﷺ فلبس لأمة حربه وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا: استكرهنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولم يكن لنا ذلك فإن شئت فاقعد صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل فخرج ﷺ بألف من أصحابه وقد وعدهم الفتح أن يصبروا، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بالناس حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله بثلث الناس، وقال: أطاعهم وعصاني وما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس فرجع بمن تبعه من قومه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حزام أخو بني سلمة يقول: يا قوم أذكركم الله تعالى أن تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم قال: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله تعالى أعداء الله فسيغني الله تعالى عنكم نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك في حرة بني حارثة فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله فقال صلى الله تعالى عليه وسلم وكان يحب الفأل ولا يعتاف لصاحب السيف: شم سيفك فإني أرى السيوف ستسل اليوم ومضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى نزل الشعب من أحد من عدوة الوادي إلى الجبل فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: لا يقاتل أحد حتى نأمره بالقتال وتعبأ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للقتال ومشى على رجليه وجعل يصف أصحابه فكأنما يقوم بهم القدح إن رأى صدرا خارجا قال: تأخر وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة عبد الله بن جبير وهو معلم يومئذ بثياب بيض وكانوا خمسين رجلا وقال: انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كان علينا أو لنا فاثبت مكانك لا يؤتين من قبلك وظاهر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين درعين ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف فيهم مائتا فرس قد جنبوها ووقع القتال وكان ذلك يوم السبت للنصف من شوال سنة- ثلاث من الهجرة- وكان ما كان»
وأشار الله تعالى إلى هذا اليوم بهذه الآية، والقول بأنها إشارة إلى يوم بدر كقول مقاتل بأنها إشارة إلى يوم الأحزاب خلاف ما عليه الجمهور وَاللَّهُ سَمِيعٌ لسائر المسموعات ويدخل ما وقع في هذه الغزوة من الأقوال دخولا أوليا عَلِيمٌ بسائر المعلومات ومنها ما في ضمائر القوم يومئذ، والجماعة اعتراض للإيذان بأنه قد قدر من الأقوال والأفعال ما لا ينبغي صدوره منهم، ومن ذلك قول أصحاب عبد الله بن جبير حين رأوا غلبة المسلمين على كفار قريش: قد غنم ونبقى نحن بلا غنيمة وجعلوا ينسلون رجلا فرجلا حتى أخلوا مراكزهم ولم يبق مع عبد الله سوى اثني عشر رجلا مع إيصاء رسول الله ﷺ بثبوتهم مكانهم إِذْ هَمَّتْ قيل: بدل من إذ غدوت مبين لما هو المقصود بالتذكير.
وجوز أن يكون ظرفا- لتبوئ- أو- لغدوت- أو- لسميع عليم- على سبيل التنازع أو لهما معا في رأي، وليس المراد تقييد كونه سميعا عليما بذلك الوقت طائِفَتانِ مِنْكُمْ أي فرقتان من المسلمين وهما حيان من الأنصار بنو سلمة من الخزرج، وبنو حارثة من الأوس وكانا جناحي عسكر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قاله ابن عباس وجابر بن عبد الله والحسن وخلق كثير وقال الجبائي: همت طائفة من المهاجرين، وطائفة من الأنصار أَنْ تَفْشَلا أي تضعفا وتجبنا حين رأوا انخذال عبد الله بن أبيّ ابن سلول مع من معه عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والمنسبك من أَنْ والفعل متعلق- بهمت- والباء محذوفة أي همت بالفشل وكان المراد به هنا لازمه لأن الفعل الاختياري الذي يتعلق الهم به والظاهر أن هذا الهم لم يكن عن عزم وتصميم على مخالفة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومفارقته لأن ذلك لا يصدر مثله عن مؤمن بل كان مجرد حديث نفس ووسوسة كما في قوله:
стр. 814
أقول لها إذا جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي
ويؤيد ذلك قوله تعالى: وَاللَّهُ وَلِيُّهُما أي ناصرهما والجملة اعتراض.
وجوز أن تكون حالا من فاعل هَمَّتْ أو من ضميره في تَفْشَلا مفيدة لاستبعاد فشلهما أو همهما مع كونهما في ولاية الله تعالى، وقرأ عبد الله «والله وليهم» بضمير الجمع على حد وَإِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا [الحجرات: ٩] وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أي عليه سبحانه لا على غيره كما يؤذن به تقديم المعمول، وإظهار الاسم الجليل للتبرك به والتعليل وأل في الْمُؤْمِنُونَ للجنس ويدخل فيه الطائفتان دخولا أوليا، وفي هذا العنوان إشعار بأن الإيمان بالله تعالى من موجبات التوكل عليه، وحذف متعلق التوكل ليفيد العموم أي ليتوكلوا عليه عز شأنه في جميع أمورهم جليلها وحقيرها سهلها وحزنها وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ بيان لما يترتب على الصبر والتقوى إثر بيان ما ترتب على عدمهما أو مساقة (١) لا يجاب التوكل على الله تعالى بتذكير ما يوجبه. وبدر- كما قال الشعبي- بئر لرجل من جهينة يقال له بدر فسميت به، وقال الواقدي: اسم للموضع، وقيل: للوادي وكانت- كما قال عكرمة- متجرا في الجاهلية.
وقال قتادة: إن بدرا ماء بين مكة والمدينة التقى عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والمشركون وكان أول قتال قاتله النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وكان ذلك في السابع عشر من شهر رمضان يوم الجمعة سنة اثنتين من الهجرة، والباء بمعنى- في- أي نصركم الله في بدر وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ حال من مفعول نَصَرَكُمُ وأَذِلَّةٌ جمع قلة لذليل، واختير على ذلائل ليدل على قلتهم مع ذلتهم، والمراد بها عدم العدة لا الذل المعروف فلا يشكل دخول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في هذا الخطاب إن قلنا به، وقيل: لا مانع من أن يراد المعنى المعروف ويكون المراد وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ في أعين غيركم وإن كنتم أعزة في أنفسكم، وقد تقدم الكلام على عددهم وعدد المشركين إذ ذاك فَاتَّقُوا اللَّهَ باجتناب معاصيه والصبر على طاعته ولم يصرح بالأمر بالصبر اكتفاء بما سبق وما لحق مع الاشعار- على ما قيل- بشرف التقوى وأصالتها وكون الصبر من مبادئها اللازمة لها وفي ترتيب الأمر بها على الاخبار بالنصر إعلام بأن نصرهم المذكور كان بسبب تقواهم فمعنى قوله تعالى:
لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لعلكم تقومون بشكر ما أنعم به عليكم من النصر القريب بسبب تقواكم إياه، ويحتمل أن يكون كناية أو مجازا عن نيل نعمة أخرى توجب الشكر كأنه قيل: فاتقوا الله لعلكم تنالون نعمة من الله تعالى فتشكرونه عليها فوضع الشكر موضع الإنعام لأنه سبب له ومستعد إياه إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ ظرف لنصركم، والمراد به وقت ممتد وقدم عليه الأمر بالتقوى إظهارا لكمال العناية، وقيل: بدل ثان من إِذْ غَدَوْتَ وعلى الأول يكون هذا القول ببدر، وعلى ذلك الحسن وغيره.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وغيرهما عن الشعبي أن المسلمين بلغهم يوم بدر أن كرز بن جابر المحاربي يريد أن يمد المشركين فشق ذلك عليهم فأنزل الله تعالى أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ إلخ فبلغت كرزا الهزيمة فلم يمد المشركين وعلى الثاني يكون القول بأحد وكان مع اشتراط الصبر والتقوى عن المخالفة ولم يوجدا منهم فلم يمدوا، ونسب ذلك إلى عكرمة وقتادة في إحدى الروايتين عنه.
أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ الكفاية سد الحاجة وفوقها الغنى بناء على
стр. 815
أنه الزيادة على نفي الحاجة، والإمداد في الأصل إعطاء الشيء حالا بعد حال، ويقال مد في السير إذا استمر عليه، وامتد بهم السير إذا طال واستمر، وعن بعضهم ما كان بطريق التقوية والإعانة يقال فيه أمده يمده إمدادا وما كان بطريق الزيادة يقال فيه: مده مدا، وقيل: يقال: مده في الشر وأمده في الخير والهمزة لإنكار أن لا يكفيهم ذلك، وأتي بلن لتأكيد النفي بناء على ما ذهب إليه البعض، وفيه إشعار بأنهم كانوا حينئذ كالآيسين من النصر لقلة عددهم وعددهم، وفي التعبير بعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين ما لا يخفى من اللطف وتقوية الإنكار، وأَنْ يُمِدَّكُمْ في تأويل المصدر فاعل- بيكفيكم ومِنَ الْمَلائِكَةِ بيان أو صفة لآلاف أو لما أضيف إليه ومُنْزَلِينَ صفة لثلاثة آلاف، وقيل: حال من الملائكة وفي وصفهم بذلك إشارة إلى أنهم من أشرف الملائكة وقد أنزلوا على ما ذكره الشيخ الأكبر قدس سره من السماء الثالثة وذكر سر ذلك في الفتوحات، وقرئ مُنْزَلِينَ بالتشديد للتكثير أو للتدريج، وقرئ مبنيا للفاعل من الصيغتين على معنى مُنْزَلِينَ الرعب في قلوب أعدائكم أو النصر لكم والجمهور على كسر التاء من ثلاثة، وقد أسكنت في الشواذ ووقف عليها بإبدالها هاء أيضا على أنه أجرى الوصل مجرى الوقف فيهما ويضعف ذلك أن المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد بَلى إيجاب لما بعد لَنْ أي بلى يَكْفِيَكُمْ ذلك ثم وعدهم الزيادة بالشرط فقال : إِنْ تَصْبِرُوا على مضض الجهاد وما أمرتم به وَتَتَّقُوا ربكم بالاجتناب عن معاصيه وعدم المخالفة له وَيَأْتُوكُمْ أي المشركون أو أصحاب كرز كما قال الشعبي.
مِنْ فَوْرِهِمْ هذا أصل الفور مصدر من فارت القدر إذا اشتد غليانها ومنه «أن شدة الحر من فور جهنم» ويطلق على الغضب لأنه يشبه فور القدر وعلى أول كل شيء، ثم إنه استعير للسرعة، ثم أطلق على الحال التي لا بطء فيها ولا تراخي، والمعنى ويأتوكم في الحال ووصف بهذا التأكيد السرعة بزيادة التعيين والتقريب ونظم إتيانهم بسرعة في سلك شرطي الإمداد ومداريه مع تحقق الإمداد لا محالة أسرعوا أو أبطؤوا إيذانا بتحقق سرعة الإمداد لا لتحقيق أصله، أو لبيان تحققه على أي حال فرض على أبلغ وجه وآكده حيث علقه بأبعد التقادير ليعلم تحققه على سائرها بالأولى فإن هجوم الأعداء بسرعة من مظان عدم لحوق المد دعاة فمتى علق به تحقق الإمداد مع منافاته له أفاد تحققه لا محالة مع ما هو غير مناف له كذا قيل، وربما يفهم منه أن الإمداد المرتب على الشرط في قوله تعالى: يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ وقع لهم وفي ذلك ترديد وتردد لأن هذا الكلام إن كان في غزوة أحد فلا شبهة في عدم وقوع ذلك ولا بملك واحد لعدم وقوع الشرط ولذا وقعت الهزيمة وإن كان في غزوة بدر كما هو المعتمد فقد وقع الاختلاف في أنهم أمدوا بهذه الخمسة الآلاف أولا. فذهب الشعبي إلى أنهم أمدوا بغيرها ولم يمدوا بها بناء على تعليق الإمداد بها بمجموع الأمور الثلاثة وهي الصبر والتقوى وإيتاء (١) أصحاب كرز وقد فقد الأمر الثالث كما نقلناه أولا فلم يوجد المجموع لانعدامه بانعدام بعض أجزائه فلم يوجد الإمداد المذكور كما صرح به الشعبي، نعم ذهب جمع إلى خلافه ولعله مبنى صاحب القيل لكن يبقى أن تفسير الفور بما فسر به غير متعين بل لم يوجد صريحا في كلام السلف، والذي ذهب إليه عكرمة ومجاهد وأبو صالح مولى أم هانئ أنه بمعنى الغضب فحينئذ تكون من للسببية أي يأتوكم بسبب غضبهم عليكم، والإشارة إما لتعظيم ذلك الغضب من حيث إنه شديد ومتمكن في القلوب، وإما لتحقيره من حيث إنه ليس على الوجه اللائق والطريق المحمود فإنه إنما كان على مخالفة المسلمين لهم في
стр. 816
الدين وتسفيه آرائهم وذم آلهتهم أو على ما أوقعوا فيهم وحطموا رؤوس رؤسائهم يوم بدر، وإلى الثاني ذهب عكرمة- وهو مبني على أن هذا القول وقع في أحد.
وذهب ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن جرير إلى تفسيره بالسفر أي ويأتوكم من سفرهم هذا، قيل: وهو مبني أيضا على ما بني عليه سابقه لأن الكفار في غزوة أحد ندموا بعد انصرافهم حيث لم يعبروا على المدينة وهموا بالرجوع فأوحى الله تعالى إلى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم أن يأمر أصحابه بالتهيؤ إليهم، ثم قال: إن صبرتم على الجهاد واتقيتم وعادوا إليكم من سفرهم هذا أمدكم الله تعالى بخمسة آلاف من الملائكة فأخذوا في الجهاد وخرجوا يتبعون الكفار على ما كان بهم من الجراح فأخبر المشركين من مر برسول الله ﷺ أنه خرج يتبعكم فخاف المشركون إن رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين وأن يكون قد التأم إليهم من كان تأخر عنهم وانضم إليهم غيرهم فدسوا نعيما الأشجعي حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش وأسرعوا بالذهاب إلى مكة وكفى الله تعالى المسلمين أمرهم والقصة معروفة، ثم إن تفسير الفور بالسفر مما لم نظفر به فيما بين أيدينا من الكتب اللغوية فلعل الفور بمعنى الحال التي لا بطء فيها وهذا التفسير بيان لحاصل المعنى، وذهب الحسن والربيع والسدي وقتادة وغيرهم أن من فَوْرِهِمْ بمعنى وجههم وليس بنص فيما ذهب إليه متأخرو المفسرين أصحاب القيل لأنه يحتمل أن يكون المراد من الوجه الجهة التي يقصدها المسافر، ويحتمل أن يكون من وجه الدهر بمعنى أوله اللهم إلا أن يقال: إنه وإن لم يكن نصا لكنه ظاهر قريب من النص لأن كون الوجه بمعنى الجهة المذكورة وإن جاء في اللغة إلا أن كون الفور كذلك في حيز المنع واحتمال كونه من وجه الدهر بمعنى أوله يرجع إلى ما قالوا فتدبر.
واعلم أن هذا الإمداد وقع تدريجا فكان أولا بألف، ثم صاروا ألفين، ثم صاروا ثلاثة آلاف، ثم صاروا خمسة آلاف لا غير فمعنى يمددكم بخمسة آلاف يمددكم بتمام خمسة آلاف، وإليه ذهب الحسن، وقال غيره: كانت الملائكة ثمانية آلاف فالمعنى يمددكم بخمسة آلاف أخر مُسَوِّمِينَ من التسويم وهو إظهار علامة الشيء، والمراد معلمين أنفسهم أو خيلهم، وقد اختلفت الروايات في ذلك، فعن عبد الله بن الزبير أن الزبير كانت عليه عمامة صفراء معتجرا بها فنزلت الملائكة وعليهم عمائم صفر، وأخرج ابن إسحاق. والطبراني عن ابن عباس أنه قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر، وفي رواية أخرى عنه لكن بسند ضعيف أنها كانت يوم بدر بعمائم سود ويوم أحد بعمائم حمر.
وأخرج ابن أبي شيبة وغيره عن علي كرم الله تعالى وجهه أنه قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها
وكانوا كما قال الربيع على خيل بلق، وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أنهم كانوا مسومين بالعهن الأحمر، وأخرج ابن جرير وغيره عن مجاهد أنه قال: كانوا معلمين مجزوزة أذناب خيولهم ونواصيها فيها الصوف والعهن، وأنت تعلم أنه لا مانع من أن يكونوا معلمين أنفسهم وخيولهم أيضا وذا على قراءة ابن كثير:
وأبي عمرو وعاصم مُسَوِّمِينَ بكسر الواو، وأما على قراءة الباقين مُسَوِّمِينَ بفتح الواو على أنه اسم مفعول فقيل:
المراد به معلمين من جهة الله تعالى، وقيل مرسلين مطلقين، ومنه قولهم: ناقة سائمة أي مرسلة في المرعى، وإليه ذهب السدي، والمتبادر على هذه القراءة أن الإسامة لهم، وأما أنها كانت لخيلهم فغير ظاهر وَما جَعَلَهُ اللَّهُ أي الإمداد المفهوم من الفعل المقدر المدلول عليه بقوة الكلام كأنه قيل: فأمدكم الله تعالى بما ذكر وما جعل الله تعالى ذلك الإمداد إِلَّا بُشْرى لَكُمْ وقيل: الضمير للوعد بالإمداد، وقيل: للتسويم أو للتنزيل أو للنصر المفهوم من نصركم السابق ومتعلق البشارة غيره، وقيل: للإمداد المدلول عليه بأحد الفعلين، والكل ليس بشيء كما لا يخفى، والبشرى إما
стр. 817
مفعول له، وجعل- متعدية لواحد أو مفعول لها إن جعلت متعدية لاثنين، وعلى الأول الاستثناء مفرغ من أعم العلل أي وما جعل إمدادكم بإنزال الملائكة لشيء من الأشياء إلا للبشارة لكم بأنكم تنصرون، وعلى الثاني مفرغ من أعم المفاعيل أي وما جعله الله تعالى شيئا من الأشياء إِلَّا بُشْرى لَكُمْ.
والجملة ابتداء كلام غير داخل في حيز القول بل مسوق من جنابه تعالى لبيان أن الأسباب الظاهرة بمعزل عن التأثير بدون إذنه ، فإن حقيقة النصر مختص به عز اسمه ليثق به المؤمنون ولا يقنطوا منه عند فقدان أسبابه وأماراته وهي معطوفة على فعل مقدر كما أشرنا إليه، ووجه الخطاب نحو المؤمنين تشريفا لهم وإيذانا بأنهم هم المحتاجون لما ذكر، وأما رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم فغني عنه بما منّ به عليه من التأييد الروحاني والعلم الرباني وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ أي ولتسكن قلوبكم بالإمداد فلا تخافوا كثرة عدد العدو وقلة عددكم وهذا إما معطوف على بُشْرى باعتبار الموضع وهو كالمعطوف عليه علة غائية للجعل إلا أنه نصب الأول لاجتماع شرائطه ولم ينصب الثاني لفقدانها، وقيل: للإشارة أيضا إلى أصالته في العلية وأهميته في نفسه كما في قوله تعالى:
لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً [النحل: ٨] وإما متعلق بمحذوف معطوف على الكلام السابق أي ولتطمئن قلوبكم به، فعل ذلك وهو أولى من تقدير بشركم كما فعل أبو البقاء، والثاني متعين على الاحتمال الثاني في الأول.
وَمَا النَّصْرُ أي على الإطلاق فيندرج فيه النصر المعهود دخولا أوليا إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ المودع في الأسباب بمقتضى الحكمة قوة لا تأثر إلا به أو وَمَا النَّصْرُ المعهود إِلَّا مِنْ عنده لا من الملائكة لأن قصارى أمرهم ما ذكر من البشارة وتقوية القلوب ولم يقاتلوا أو لأن قصارى أمرهم أنهم قاتلوا بتمكين الله تعالى لهم ولم يكن لهم فعل استقلالا ولو شاء الله تعالى ما فعلوا على أن مجرد قتالهم لا يستدعي النصر بل لا بد من انضمام ضعف المقابلين المقاتلين ولو شاء الله تعالى لسلطهم عليهم فحيث أضعف وقوى ومكن وما مكن وبه حصل النصر كان ذلك منه . والآية على هذا لا تكون دليلا لمن زعم أن المسببات عند الأسباب لا بها وقد مر تحقيقه فتذكر، وكذا لا دليل فيها على وقوع قتالهم ولا على عدمه لاحتمالها الأمرين، وبكل قال بعض.
والمختار ما روي عن مجاهد أن الملائكة لم يقاتلوا في غزواته صلى الله تعالى عليه وسلم إلا في غزوة بدر وإنما حضروا في بعضها بمقتضى ما علم الله تعالى من المصلحة مثل حضورهم حلق أهل الذكر، وربما أعانوا بغير القتال كما صنعوا في غزوة أحد على قول، فعن ابن إسحق أن سعد بن مالك كان يرمي في غزوة أحد وفتى شاب كان ينبل له كلما فني النبل أتاه به. وقال له: ارم أبا إسحاق ارم أبا إسحاق، فلما انجلت المعركة سأل عن ذلك الرجل فلم يعرف، وأنكر أبو بكر الأصم الإمداد بالملائكة، وقال: إن الملك الواحد يكفي في إهلاك سائر أهل الأرض كما فعل جبريل ﵇ بمدائن قوم لوط فإذا حضر هو مأمورا بالقتال فأي حاجة إلى مقاتلة الناس مع الكفار، وأيضا أي فائدة في إرسال سائر الملائكة معه وهو القوي الأمين، وأيضا إن أكابر الكفار الموجودين في غزوة القتال قاتل كل منهم من الصحابة معلوم ولم يعلم أن أحدا من الملائكة قتل أحدا منهم، وأيضا لو قاتلوا فإما أن يكونوا بحيث يراهم الناس أولا، وعلى الأول يكون المشاهد من عسكر الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم في غزوة بدر ألوفا عديدة ولم يقل بذلك أحد، وهو أيضا خلاف قوله تعالى: وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: ٤٤] ولو كانوا في غير صورة ابن آدم لزم وقوع الرعب الشديد في قلوب الخلق ولم ينقل ذلك ولو كان لنقل البتة، وعلى الثاني يلزم حز الرؤوس وتمزيق البطون ونحو ذلك من الكفار من غير مشاهدة فاعل لهذه الأفعال ومثل هذا يكون من أعظم المعجزات وقد وقع بين جمعين سالم ومكسر فكان يجب أن يتواتر ويشتهر لدى الموافق والمخالف فحيث إنه لم يشتهر دل على أنه لم يكن،
стр. 818
وأيضا أنهم لو كانوا أجساما كثيفة وجب أن يراهم الكل وإن كانوا أجساما لطيفة هوائية تعذر ثبوتهم على الخيل انتهى.
ولا يخفى أن هذه الشبه لا يليق إيرادها بقوانين الشريعة ولا بمن يعترف بأنه تعالى قادر على ما يشاء فعال لما يريد فما كان يليق بالأصم إلا أن يكون أخرس عن ذلك إذ نص القرآن ناطق بالإمداد، ووروده في الأخبار قريب من المتواتر فكأن الأصم أصم عن سماعه أو أعمى عن رؤية رباعه، وقد روى عبد بن عمير قال: لما رجعت قريش من أحد جعلوا يتحدثون في أنديتهم بما ظفروا ويقولون لم نر الخيل البلق ولا الرجال البيض الذين كنا نراهم يوم بدر، والتحقيق في هذا المقام كما قال بعض المحققين: إن التكليف ينافي الإلجاء وأنه تعالى شأنه وإن كان قادرا على إهلاك جميع الكفار في لحظة واحدة بملك واحد بل بأدنى من ذلك بل بلا سبب، وكذا وهو قادر على أن يجبرهم على الإسلام ويقسرهم لكنه سبحانه أراد إظهار هذا الدين على مهل وتدريج وبواسطة الدعوة وبطريق الابتداء والتكليف فلا جرم أجرى الأمور على ما أجرى فله الحمد على ما أولى وله الحكم في الآخرة والأولى، وبهذا يندفع كثير من تلك الشبه، وإهلاك قوم لوط ﵊ كان بعد انقضاء تكليفهم وهو حين نزول البأس فلا جرم أظهر الله تعالى القدرة وجعل عاليها سافلها، وفي غزوة أحد كان الزمان زمان تكليف فلا جرم أظهر الحكمة ليتميز الموافق عن المنافق والثابت عن المضطرب ولو أجرى الأمر فيها كما أجرى في بدر أشبه أن يفضي الأمر إلى حد الإلجاء ونافى التكليف ونوط الثواب والعقاب، ثم لا يخفى أن الملائكة إما أجسام لطيفة نورانية وإما أرواح شريفة قدسية.
وعلى التقديرين لهم الظهور في صور بني آدم مثلا من غير انقلاب العين وتبدل الماهية- كما قال ذلك العارفون من المحققين في ظهور جبريل ﵇ في صورة دحية الكلبي- ومثل هذا من وجه ولله تعالى المثل الأعلى ما صح من تجلي الله تعالى لأهل الموقف بصورة فيقول لهم: أنا ربكم فينكرونه فإن الحكم في تلك القضية صادق مع أن الله تعالى وتقدس وراء ذلك وهو سبحانه في ذلك التجلي باق على إطلاقه حتى عن قيد الإطلاق، ومن سلم هذا- ولا يسلمه إلا ذو قلب سليم- لم يشكل عليه الإمداد بالملائكة وظهورهم على خيول غيبية ثابتين عليها حسبما تقتضيه الحكمة الإلهية والمصلحة الربانية ولا يلزم من ذلك رؤية كل ذي بصر لهم لجواز إحداث أمر مانع عنها إما في الرائي أو في المرئي ولا مانع من أنهم يرون أحيانا ويخفون أحيانا ويرى البعض ويخفى البعض، وزمام ذلك بيد الحكيم العليم فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن والشيء متى أمكن وورد به النص عن الصادق وجب قبوله ومجرد الاستبعاد لا يجدي نفعا ولو ساغ التأويل لذلك لزم تأويل أكثر هذه الشريعة بل الشرائع بأسرها وربما أفضى ذلك إلى أمر عظيم، فالواجب تسليم كل ممكن جاء به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتفويض تفصيل ذلك وكيفيته إلى الله تعالى الْعَزِيزِ أي الغالب الذي لا يغالب فيما قضى به، وقيل: القادر على انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين وفي إجراء هذا الوصف هنا عليه تعالى إيذان بعلة اختصاص النصر به سبحانه الْحَكِيمِ أي الذي يضع الأشياء مواضعها ويفعل على ما تقتضيه الحكمة في سائر أفعاله ومن ذلك نصره للمؤمنين بواسطة إنزال الملائكة، وفي الإتيان بهذا الوصف رد على أمثال الأصم في إنكارهم ما نطقت به الظواهر فسبحانه من عليم حكيم وعزيز حليم لِيَقْطَعَ طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا متعلق بقوله تعالى: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وما بينهما تحقيق لحقيقته وبيان لكيفية وقوعه، وإلى ذلك ذهب جمع من المحققين وهو ظاهر على تقدير أن يجعل إِذْ تَقُولُ ظرفا- لنصركم- لا بدلا من إِذْ غَدَوْتَ لئلا يفصل بأجنبي ولأنه كان يوم أحد.
والظاهر أن هذا في شأن بدر والمقصور على التعليل بما ذكر من البشرى والاطمئنان إنما هو الإمداد بالملائكة على الوجه المذكور فلا يقدح في تعليل أصل النصر بالقطع وما عطف عليه، وجوز أن يتعلق بما تعلق به الخبر في قوله
стр. 819
سبحانه: وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ على تقدير كونه عبارة عن النصر المعهود والمعلل بالبشارة والاطمئنان إنما هو الإمداد الصوري لا ما في ضمنه من النصر المعنوي الذي هو ملاك الأمر وعموده، وقيل: هو متعلق بنفس الصبر، واعترض عليه بأنه مع ما فيه من الفصل بين المصدر ومعموله بأجنبي هو الخبر مخل بسداد المعنى كيف لا ومعناه قصر النصر المخصوص المعلل بعلة معينة على الحصول من جهته تعالى، وليس المراد إلا قصر حقيقة النصر كما في الأول أو النصر المعهود كما في الثاني على ذلك، والقول بأنه متعلق بمحذوف والتقدير فعل ذلك التدبير، أو أمدكم بالملائكة ليقطع منقطع عن القبول، والقطع الإهلاك، والمراد من- الطرف- طائفة منهم قيل: ولم يعبر عن تلك الطائفة بالوسط بل بالطرف لأن أطراف الشيء يتوصل بها إلى توهينه وإزالته، وقيل: لأن الطرف أقرب إلى المؤمنين فهو كقوله تعالى: قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [التوبة: ١٢٣] وقيل: للإشارة إلى أنهم كانوا أشرافا، ففي الأساس هو من أطراف العرب أي أشرافها، ولعل إطلاق الأطراف على الأشراف لتقدمهم في السير، ومن ذلك قالوا:
الأطراف منازل الأشراف لا يرد أن الوسط أيضا يشعر بالشرف، فالمعنى ليهلك صناديد الذين كفروا ورؤساءهم المتقدمين فيهم بقتل وأسر، وقد وقع ذلك في بدر كما قال الحسن والربيع وقتادة، فقد قتل من أولئك سبعون وأسر سبعون، واعتبار ذلك في أحد حيث قتل فيه ثمانية عشر رجلا من رؤسائهم قول لبعضهم وقد استعبدوه كما أشرنا إليه أَوْ يَكْبِتَهُمْ أي يخزيهم قاله قتادة والربيع: ومنه قول ذي الرمة:
لم أنس من شجن لم أنس موقفنا ... في حيرة بين مسرور ومكبوت
وقال الجبائي والكلبي: أي يردهم منهزمين، وقال السدي: أي يلعنهم وأصل الكبت الغيظ والغم المؤثر، وقيل:
صرع الشيء على وجهه، وقيل: إن كبته يكون بمعنى كبده أي أصاب كبده كراه بمعنى أصاب رئته، ومنه قول المتنبي:
لأكبت حاسدا وأرى عدوا ... كأنهما وداعك الرحيل
والآية محمولة على ذلك، ويؤيد هذا القول أنه قرئ أو يكبدهم، وأو للتنويع دون الترديد لوقوع الأمرين فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ أي فينهزموا منقطعي الآمال فالخيبة انقطاع الأمل، وفرقوا بينها وبين اليأس بأن الخيبة لا تكون إلا بعد الأمل واليأس يكون بعده وقبله، ونقيض الخيبة الظفر، ونقيض اليأس الرجاء لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ
أخرج غير واحد «أن رباعية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم السفلى اليمنى أصيبت يوم أحد أصابها عتبة بن أبي وقاص وشجه في وجهه فكان سالم مولى أبي حذيفة أو علي كرم الله تعالى وجهه يغسل الدم والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: كيف يفلح قوم صنعوا هذا بنبيهم» فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وأخرج أحمد والبخاري والترمذي والنسائي وغيرهم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم أحد: اللهم العن أبا سفيان اللهم العن الحارث بن هشام اللهم العن سهيل بن عمرو اللهم العن صفوان بن أمية فنزلت هذه الآية لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ إلخ فتيب عليهم كلهم،
وعن الجبائي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم استأذن يوم أحد أن يدعو على الكفار لما آذوه حتى أنه ﷺ صلى الظهر ذلك اليوم قاعدا من الجراح وصلى المسلمون وراءه قعودا فلم يؤذن له ونزلت هذه الآية،
وقال محمد بن إسحاق. والشعبي لما رأى صلى الله تعالى عليه وسلم والمسلمون ما فعل الكفار بأصحابه وبعمه حمزة من جدع الأنوف والآذان وقطع المذاكير قالوا: لئن أدالنا الله تعالى منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب قط فنزلت،
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أراد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يدعو على المنهزمين عنه من أصحابه يوم أحد فنهاه الله تعالى عن ذلك وتاب عليهم ونزلت هذه الآية.
стр. 820
وهذا الروايات كلها متضافرة على أن الآية نزلت في أحد والمعول عليه منها أنها بسبب المشركين.
وعن مقاتل أنها نزلت في أهل بئر معونة وذلك أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أرسل أربعين وقيل:
سبعين رجلا من قراء أصحابه وأمر عليهم المنذر بن عمرو إلى بئر معونة على رأس أربعة أشهر من أحد ليعلموا الناس القرآن والعلم فاستصرخ عليهم عدو الله عامر بن الطفيل قبائل من سليم من عصية ورعل وذكوان فأحاطوا بهم في رحالهم فقاتلوا حتى قتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بني النجار فإنهم تركوه وبه رمق فلما علم بذلك رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجد وجدا شديدا وقنت عليهم شهرا يلعنهم فنزلت هذه الآية فترك ذلك،
والمعنى ليس لك من أمر هؤلاء شيء وإن قل أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ عطف إما على الأمر أو على شيء بإضمار أن أي ليس لك من أمرهم شيء أو من التوبة عليهم أو من تعذيبهم شيء، أو ليس لك من أمرهم شيء أو التوبة عليهم أو تعذيبهم، وفرقوا بين الوجهين بأنه على الأول سلب ما يتبع التوبة والتعذيب منه صلى الله تعالى عليه وسلم بالكلية من القبول والرد والخلاص من العذاب والمنع من النجاة.
وعلى الثاني سلب نفس التوبة والتعذيب منه ﵊ يعني لا يقدر أن يجبرهم على التوبة ولا يمنعهم عنها ولا يقدر أن يعذبهم ولا أن يعفو عنهم فإن الأمور كلها بيد الله تعالى، وعلى التقديرين هو من عطف الخاص على العام- كما قال العلامة الثاني- لكن في مجيء مثل هذا العطف بكلمة أَوْ نظر، وتعقبه بعضهم بأن هذا إذا كان الأمر بمعنى الشأن- ولك أن تجعله بمعنى التكليف والإيجاب أي ليس ما تأمرهم به من عندك وليس الأمر بيدك ولا التوبة ولا التعذيب- فليس هناك عطف الخاص على العام، وفيه أن الحمل على التكليف تكلف، والحمل على الشأن أرفع شأنا.
ونقل عن الفراء وابن الأنباري أن أَوْ بمعنى إلا أن، والمعنى ليس لك من أمرهم شيء إلا أن يتوب الله تعالى عليهم بالإسلام فتفرح، أو يعذبهم فتشتفي بهم وأيا ما كان فالجملة كلام مستأنف سيق لبيان بعض الأمور المتعلقة بغزوة أحد أو ما يشبهها إثر بيان ما يتعلق بغزوة بدر لما بينهما من التناسب من حيث إن كلا منهما مبني على اختصاص الأمر كله بالله تعالى ومبني على سلبه عمن سواه، وقيل: إن كل ما في هذه الآيات في غزوة أحد على ما أشرنا إليه، وقيل: إن قوله تعالى: أَوْ يَتُوبَ إلخ عطف على ينقلبوا أي يكون ثمرة خزيهم انقلابهم خائبين أو التوب عليهم أو تعذيبهم، أو عطف على يَكْبِتَهُمْ ولَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ اعتراض وسط بين المعطوف عليه المتعلق بالعاجل والمعطوف المتعلق بالآجل لتحقيق أن لا تأثير للمنصور إثر بيان أن لا تأثير للناصرين وتخصيص النفي برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على طريق تلوين الخطاب للدلالة على الانتفاء من غيره من باب أولى وإنما خص الاعتراض بموقعه لأن ما قبله من القطع والكبت من مظان أن يكون فيه لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولسائر مباشري القتال مدخل في الجملة، والمعنى أن مالك أمرهم على الإطلاق وهو الله تعالى نصركم عليهم ليهلكهم أو يكبتهم أو يتوب عليهم إن أسلموا أو يعذبهم إن أصروا، وليس لك من أمرهم شيء إن أنت إلا عبد مأمور بإنذارهم وجهادهم.
والمراد بتعذيبهم التعذيب الشديد الأخروي المخصوص بأشد الكفرة كفرا وإلا فمطلق التعذيب الأخروي متحقق في الفريقين الأولين وحمله على التعذيب الدنيوي بالأسر واستيلاء المؤمنين عليهم خلاف المتبادر من التعذيب عند الإطلاق كذا لا يلائم ظاهر قوله سبحانه: فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ فإنه في مقام التعليل لهذا التعذيب وأكثر ما
стр. 821
يعلل به التعذيب الأخروي، نعم حمله على التعذيب الدنيوي أوفق بالمعنى الذي ذكره الفراء وابن الأنباري لأن التشفي في الغالب إنما يكون في الدنيا ونظم التوبة والتعذيب الأخروي في سلك العلة الغائية للنصر المترتبة عليه في الوجود من حيث إن قبول توبتهم فرع تحققها الناشئ من علمهم بحقية الإسلام بسبب غلبة أهله المترتبة على النصر الذي هو من الآيات الغر المحجلة وأن تعذيبهم المذكور شيء مسبب على إصرارهم على الكفر بعد تبين الحق على الوجه المذكور كما ينبئ عن ذلك قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢] وإن فسر بالأسر مثلا كان أمر التسبب مكشوفا لا مرية فيه، واستشكلت هذه الآية بناء على أنها تدل على ما في بعض الروايات على أنه ﷺ كان فعل فعلا ومنع منه بأنه إن كان ذلك الفعل من الله تعالى فكيف منعه منه وإن لم يكن فهو قادح بالعصمة ومناف لقوله تعالى: وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى [النجم: ٣] ، وأجيب بأن ما وقع كان من باب خلاف الأولى نظرا إلى منصبه ﷺ ، والنهي المفهوم من الكلام من باب الإرشاد إلى اختيار الأفضل ولا يعد ذلك من الهوى في شيء بناء على القول بأنه يصح للنبي أن يجتهد ويعمل بما أدى إليه اجتهاد المأذون به.
وجوز أن يكون ذلك الفعل نفسه عن وحي وإذن من الله تعالى له صلى الله تعالى عليه وسلم به وأن النهي عن ذلك كان نسخا لذلك الإذن وأيّا ما كان لا ينافي العصمة الثابتة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام فافهم.
وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ كلام مستأنف سيق لبيان اختصاص ملكية جميع الكائنات به تعالى إثر بيان اختصاص طرف من ذلك به عز شأنه تقريرا لما سبق وتكملة له وتقديم الخبر للقصر، وَما عامة للعقلاء وغيرهم تغليبا أي له سبحانه ما في هذين النوعين، أو ما في هاتين الجهتين ملكا وملكا وخلقا واقتدارا لا مدخل لأحد معه في ذلك فالأمر كله له يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أن يغفر له من المؤمنين فلا يعاقبه على ذنبه فضلا منه وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أن يعذبه عدلا منه وإيثار كلمة مَنْ في الموضعين لاختصاص المغفرة والتعذيب بالعقلاء وتقديم المغفرة على التعذيب للإيذان بسبق رحمته تعالى على غضبه.
وظاهر الآية يدل على أن مغفرة الله تعالى وتعذيبه غير مقيدين بشيء بل قد يدّعي أن التقييد مناف للسوق إذ هو لا ثبات أنه سبحانه المالك على الإطلاق فله أن يفعل ما يشاء لا مانع له من مشيئته ولو كانت مغفرته مقيدة بالتوبة وتعذيبه بالظلم لم يكن فاعلا لما يشاء بل لما تستدعيه التوبة أو الظلم، فالآية ظاهرة في نفي الوجوب على الله تعالى وأنه يجوز أن يغفر سبحانه للمذنب ويعذب المصلح- وهو مذهب الجماعة- وذهب المعتزلة إلى أن المغفرة مشروطة بالتوبة فمن لم يتب لا يجوز أن يغفر له أصلا، وتمسكوا في ذلك بوجهين: الأول الآيات والأحاديث الناطقة بوعيد العصاة، الثاني أن المذنب إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريرا له وإغراء للغير عليه وهذا ينافي حكمة إرسال الرسل صلوات الله تعالى وسلامه عليهم، وحملوا هذه الآية على التقييد وخصوا أمثالها من المطلقات بالصغائر أو الكبائر المقرونة بالتوبة، وقالوا: إن المراد يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ إذا تاب وجعلوا القرينة على ذلك أنه تعالى عقب قوله سبحانه: أَوْ يُعَذِّبَهُمْ بقوله جل شأنه: فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ وهو دليل على أن الظلم هو السبب الموجب فلا تعذيب بدونه ولا مغفرة مع وجوده فهو مفسر لِمَنْ يَشاءُ وأيدوا كون المراد ذلك بما روي عن الحسن في الآية يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ بالتوبة ولا يشاء أن يغفر إلا للتائبين وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ ولا يشاء أن يعذب إلا للمستوجبين، وبما روي عن عطاء يَغْفِرُ لِمَنْ يتوب عليه وَيُعَذِّبُ مَنْ لقيه ظالما والجماعة تمسكوا بإطلاق الآيات، وأجابوا عن متمسك المخالف، أما عن الأول فبأن تلك الآيات والأحاديث على تقدير عمومها إنما تدل على الوقوع دون الوجوب، والنزاع فيه على أن كثرة النصوص في العفو تخصص المذنب المغفور عن عمومات الوعيد، وأما عن الثاني فبأن مجرد
стр. 822
جواز العفو لا يوجب ظن عدم العقاب فضلا عن الجزم به، وكيف يوجب جواز العفو العلم بعدم العقاب والعمومات الواردة في الوعيد المقرونة بغاية من التهديد ترجح جانب الوقوع بالنسبة إلى كل واحد وكفى به زاجرا فكيف يكون العلم بجواز العفو تقريرا وإغراء على الذنب مع هذا الزاجر وأيضا إن الكثير من المعتزلة خصوا مثل قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر: ٥٣] بالصغائر فلو كان جواز العفو مستلزما كما زعموا للعلم بعدم العقاب لزم اشتراك الإلزام بأن يقال: إن المرتكب للصغائر إذا علم أنه لا يعاقب على ذنبه كان ذلك تقريرا له وإغراء للغير عليه وفيه من الفساد ما فيه، وما جعلوه قرينة على التقييد معارض بما يدل على الإطلاق أعني قوله: وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فإنه معطوف معنى على قوله جل اسمه:
لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ويدل ذلك على أن له سبحانه التصرف المطلق وهو على خلاف ما يقولون حيث جعلوا تصرفه ومشيئته مقيدا بأن يكون على مقتضى الحكمة والحكمة تقتضي عدم غفران من لم يتب ولا يخفى أنه في حيز المنع لأن المشيئة والحكمة كلاهما من صفاته تعالى لا تتبع إحداهما الأخرى وبتقدير الاستتباع لا نسلم أن الحكمة تقتضي عدم غفران من لم يتب على أن تعقيب أَوْ يُعَذِّبَهُمْ بقوله : فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ لا يدل على أكثر من أن الظلم مفض إلى التعذيب ومن يمنع الإفضاء إنما المنع على أن يكون تفسيرا لِمَنْ يَشاءُ وأين الدلالة على أن كل ظلم كذلك ولا عموم للفظ ولا هو من قبيل مفهوم الصفة ليصلح متمسكا في الجملة، وما نقل عن الحسن وعطاء لا يعرف له سند أصلا ومن ادعاه فليأت به إن كان من الصادقين، ومما يدل على كذبه أن فيه حجرا على الرحمة الواسعة وتضييق مسالكها من غير دليل قطعي ولا يظن بمثل الحسن هذا القبيح سلمنا الصدق وعدم لزوم ما ذكر لكن قول الحسن ونحوه لا يترك له ظاهر الكتاب والحق أحق بالاتباع.
فإن قال الخصم: نحن نتمسك في هذا المطلب بلزوم الخلف قلنا: يكون رجوعا إلى الاستدلال بالمعقول، وقد أذقناكم الموت الأحمر فيه لا بالآيات فتبقى دلالة هذه الآية على عمومها. وهو مطلوبنا هنا- على أن هذه الآية واردة في الكفار على أكثر الروايات، ومعتقد الجماعة أن المغفرة في حقهم مشروطة بالتوبة من الكفر والرجوع إلى الإيمان كما يفصح عن قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤٨، ١١٦] وليسوا محل خلاف بين الطائفتين فمن استدل بها من المعتزلة على غرضه الفاسد فقد ضل سواء السبيل.
وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ تذييل مقرر لمضمون قوله تعالى: يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ مع زيادة، وفي تخصيص التذييل به إشارة إلى ترجيح جهة الإحسان والإنعام، وفيه ما يؤيد مذهب الجماعة.
هذا «ومن باب الإشارة» لَيْسُوا سَواءً من حيث الاستعداد وظهور الحق فيهم مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ الذين ظهرت فيهم نقوش الكتاب الإلهي الأزلي أُمَّةٌ قائِمَةٌ بالله تعالى له يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ أي يظهرون للمستعدين ما فاض عليهم من الأسرار آناءَ اللَّيْلِ أوقات ليل الجهالة وظلمة الحيرة وَهُمْ يَسْجُدُونَ أي يخضعون لله تعالى ولا يحدث فيهم الأنانية إنهم عالمون وأن من سواهم جاهلون يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أي بالمبدأ والمعاد وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ حسبما اقتضاه الشرع ولكون ما تقدم نظرا للخصوص لأن إيداع الأسرار عند الأحرار، وهذا بالنظر إلى العموم لأن الشريعة أوسع دائرة من الحقيقة قدم وأخر وَيُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ من تكميل أنفسهم وغيرهم وَأُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ القائمين بحقوق الحق والخلق وَما يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يقربكم إلى الله تعالى فَلَنْ يُكْفَرُوهُ
فقد جاء «من تقرب إليّ شبرا تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إليّ ذراعا تقربت إليه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة»
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ أي الذين اتقوا ما يحجبهم عنه فيتجلى لهم بقدر زوال الحجاب
стр. 823
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا واحتجبوا عن الحق برؤية الأغيار أَشْرَكُوا بِاللَّهِ تعالى ما لا وجود له في عير ولا نفير لَنْ تُغْنِيَ لن تدفع عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ أي عذابه شَيْئاً من الدفاع لأنها من جملة أصنامهم التي عبدوا وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ وهي الحجاب والبعد عن الحضرة هُمْ فِيها خالِدُونَ لاقتضاء صفة الجلال مع استعدادهم ذلك ثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا
الفانية الدنية ولذاتها السريعة الزوال طلبا للشهوات ومحمدة الناس لا يطلبون به وجه الله تعالى مَثَلِ رِيحٍ فِيها صِرٌّ
أي برد شديدصابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ
بالشرك والكفرأَهْلَكَتْهُ
عقوبة لهم من الله تعالى لظلمهم ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ
بإهلاك حرثهم لكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
لسوء استعدادهم الغير المقبول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً أي خاصة تطلعونه على أسراركم مِنْ دُونِكُمْ كالمنكرين المحجوبين إذ المحبة الحقيقية لا تكون إلا بين الموحدين لكونها ظل الوحدة ولا تكون بين المحجوبين لكونهم في عالم التضاد والظلمة ولا يتأتى الصفاء والوفاق الذي هو ثمرة المحبة في ذلك العالم فلذا ترى محبة غير أهل الله تعالى تدور على الأغراض ومن هنا تتغير لأن اللذات النفسانية لا تدوم فإذا كان هذا حال المحجوبين بعضهم مع بعض فكيف تتحقق المحبة بينهم وبين من يخالفهم في الأصل والوصف، وأنى يتجانس النور والظلمة، وكيف يتوافق مشرق ومغرب؟!
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت ... وسهيل إذا استقل يماني
ففي الحقيقة بينهما عداوة حقيقية وبعد كلي إلى حيث لا تتراءى ناراهما، وآثار ذلك ظاهرة كما بين الله تعالى بقوله سبحانه: قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ مِنْ أَفْواهِهِمْ لامتناع إخفاء الوصف الذاتي وَما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ لأنه المنشأ لذلك فهو نار وذاك شرار وهو جبل والظاهر غبار قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ وهي العلامات الدالة على المحبة والعداوة وأسبابهما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ وتفهمون من فحوى الكلام ها أَنْتُمْ أُولاءِ تُحِبُّونَهُمْ بمقتضى ما عندكم من التوحيد لأن الموحد يحب الناس كلهم بالحق للحق ويرى الكل مظهرا لحبيبه جل شأنه فيرحم الجميع ويعلم أن البعض منهم قد اشتغل بباطل نظرا إلى بعض الحيثيات وابتلي بالقدر، وهذا لا ينافي ما قدمنا آنفا عند التأمل وَلا يُحِبُّونَكُمْ بمقتضى الحجاب والظلمة التي ضربت عليهم وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتابِ أي جنسه كُلِّهِ لما أنتم عليه من التوحيد المقتضي لذلك وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بذلك للاحتجاب بما هم عليه وَإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا لما فيهم من النفاق المستجلب للأغراض العاجلة وَإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنامِلَ مِنَ الْغَيْظِ الكامن في صدورهم إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ كآثار تجلي الجمال تَسُؤْهُمْ ويحزنوا لها وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ أي ما يظنون أنه سيئة كآثار تجلي الجلال يَفْرَحُوا بِها وَإِنْ تَصْبِرُوا على ما ابتليتم به وتثبتوا على التوحيد وَتَتَّقُوا الاستعانة بالسوى لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً لأن الصابر على البلاء المتوكل على الله تعالى المستعين به المعرض عمن سواه ظافر بطلبته غالب على خصمه محفوف محفوظ بعناية الله تعالى، والمخذول من استعان بغيره وقصده سواه كما قيل:
من استعان بغير الله في طلب ... فإن (ناصره عجز وخذلان)
إِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ من المكايد مُحِيطٌ فيبطلها ويطفئ نارها لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ لله تعالى تحت ظل الكبرياء والعظمة لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ذلك وبالشكر تزاد النعم إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ لما رأيت من حالهم أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ على صيغة اسم الفاعل السكينة عليكم، أو مُنْزَلِينَ على صيغة اسم المفعول من جانب الملكوت إليكم بَلى إِنْ تَصْبِرُوا على صدمات تجليه سبحانه
стр. 824
وَتَتَّقُوا من سواه وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا أي بلا بطء يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ على صيغة الفاعل أي معلمين أرواحكم بعلائم الطمأنينة، أو مُسَوِّمِينَ على صيغة المفعول بعمائم بيض، وهي إشارة إلى الأنوار الإلهية الظاهرة عليهم، وتخصيص- الخمسة آلاف- بالذكر لعله إشارة إلى إمداد كل لطيفة من اللطائف الخمس بألف والألف إشارة إلى الإمداد الكامل حيث إنها نهاية مراتب الأعداد وشرط ذلك بالصبر والتقوى لأن النصر على الأعداء- وأعدى أعدائك نفسك التي بين جنبيك- لا يكون إلا عند تقوى القلب وكذا سائر جنود الروح بل والروح نفسها أيضا بتأييد الحق والتنور بنور اليقين فتحصل المناسبة بين القلب مثلا وبين ملكوت السماء وبذلك التناسب يستنزل قواها وأوصافها في أفعاله وربما يستمد من قوى قهرها على من يغضب عليه وذلك عبارة عن نزول الملائكة وهذا لا يكون إلا بالصبر على تحمل المكروه طلبا لرضا الله تعالى والتقوى من مخالفة أمر الحق والميل إلى نحو النفع الدنيوي واللذات الفانية.
وأما إذا جزع وهلع ومال إلى الدنيا فلا يحصل له ذلك لأن النفس حينئذ تستولي عليه وتحجبه بظلمة صفاتها عن النور فلم تبق تلك المناسبة وانقطع المدد ولم تنزل الملائكة، وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى لَكُمْ أي إلا لتستبشروا به فيزداد نشاطكم في التوجه إلى الحق وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ فيتحقق الفيض بقدر التصفية وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لا من عند الملائكة فلا تحتجبوا بالكثرة عن الوحدة وبالحق عن الحق فالكل منه تعالى وإليه الْعَزِيزِ فلا يعجزه الظهور بما شاء وكيف شاء الْحَكِيمِ الذي ستر نصره بصور الملائكة لحكمة لِيَقْطَعَ أي يهلك طَرَفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وهم أعداء الله تعالى أَوْ يَكْبِتَهُمْ يخزيهم ويذلهم فَيَنْقَلِبُوا خائِبِينَ فيرجعوا غير ظافرين بما أملوا لَيْسَ لَكَ من حيث أنت مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وكله لك من حيثية أخرى أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إذا أسلموا فتفرح لأنك المظهر للرحمة الواسعة وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ لأجلك فتشتفي بهم من حيث أنهم خالفوا الأمر الذي بعثت به إلى الناس كافة فإنهم ظالمون بتلك المخالفة وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ من عالم الأرواح وَما فِي الْأَرْضِ من عالم الطبيعيات يتصرف فيهما كيفما يشاء ويختار يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ لأن له التصرف المطلق في الملك والملكوت وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ كثير المغفرة والرحمة نسأل الله تعالى أن يغفر لنا ويرحمنا يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا ابتداء كلام مشتمل على أمر ونهي وترغيب وترهيب تتميما لما سلف من الإرشاد إلى ما هو الأصلح في أمر الدين وفي باب الجهاد، ولعل إيراد النهي عن الربا بخصوصه هنا لما أن الترغيب في الإنفاق في السراء والضراء الذي عمدته الإنفاق في سبيل الجهاد متضمن للترغيب في تحصيل المال فكان مظنة مبادرة الناس إلى طرق الاكتساب ومن جملتها بل أسهلها الربا فنهوا عنه، وقدمه على الأمر اعتناء به وليجيء ذلك الأمر بعد سدّ ما يخدشه، وقال القفال: يحتمل أن يكون هذا الكلام متصلا بما قبله من جهة أن أكثر أموال المشركين قد اجتمعت من الربا وكانوا ينفقون تلك الأموال على العساكر وكان من الممكن أن يصير ذلك داعيا للمسلمين إلى الاقدام عليه كي يجمعوا الأموال وينفقوها على العساكر أيضا ويتمكنوا من الانتقام من عدوهم، فورد النهي عن ذلك رحمة عليهم ولطفا بهم، وقيل: إنه تعالى شأنه لما ذكر أن له التعذيب لمن يشاء والمغفرة لمن يشاء وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوه لاستحقوا عليه العقاب- وهو الربا- وخصه بالنهي لأنه كان شائعا إذ ذاك وللاعتناء بذلك لم يكتف بما دل على تحريمه مما في سورة البقرة بل صرح بالنهي وساق الكلام له أولا وبالذات إيذانا بشدة الحظر.
والمراد من الأكل الأخذ، وعبر به عنه لما أنه معظم ما يقصد به ولشيوعه في المأكولات مع ما فيه من زيادة
стр. 825
التشنيع، وقد تقدم الكلام في الربا أَضْعافاً مُضاعَفَةً حال من الربا- والأضعاف- جمع ضعف وضعف الشيء مثله، وضعفاه مثلاه، وأضعافه أمثاله، وقال بعض المحققين: الضعف اسم ما يضعف الشيء كالثني اسم ما يثنيه من ضعفت الشيء بالتخفيف فهو مضعوف- على ما نقله الراغب- بمعنى ضعفته، وهو اسم يقع على العدد بشرط أن يكون معه عدد آخر فأكثر والنظر فيه إلى فوق بخلاف الزوج فإن النظر فيه إلى ما دونه فإذا قيل: ضعف العشرة لزم أن تجعلها عشرين بلا خلاف لأنه أول مراتب تضعيفها، ولو قال: له عندي ضعف درهم لزمه درهمان ضرورة الشرط المذكور كما إذا قيل: هو أخو زيد اقتضى أن يكون زيد أخاه وإذا لزم المزاوجة دخل في الإقرار، وعلى هذا له ضعفا درهم منزل على ثلاثة دراهم وليس ذلك بناء على ما يتوهم أن ضعف الشيء موضوعه مثلاه وضعفيه ثلاثة أمثاله، بل ذلك لأن موضوعه المثل بالشرط المذكور.
وهذا معزى الفقهاء في الأقارير والوصايا، ومن البين أنهم ألزموا في ضعفي الشيء ثلاثة أمثاله ولو كان موضوع الضعف المثلين لكان الضعفان أربعة أمثال- وليس مبناه العرف العامي بل الموضوع اللغوي- كما قال الأزهري.
ومن هنا ظهر أنه لو قال: له الضعفان درهم ودرهم أو الضعفان من الدراهم لم يلزم إلا درهمان كما لو قال الأخوان، ثم قال والحاصل أن تضعيف الشيء ضم عدد آخر إليه وقد يزاد وقد ينظر إلى أول مراتبه لأنه المتيقن، ثم إنه قد يكون الشيء المضاعف مأخوذا معه فيكون ضعفاه ثلاثة وقد لا يكون فيكون اثنين وهذا كله موضوع له في اللغة لا العرف، وليس هذه الحال لتقييد المنهي عنه ليكون أصل الربا غير منهي بل لمراعاة الواقع، فقد روى غير واحد أنه كان الرجل يربي إلى أجل فإذا حل قال للمدين: زدني في المال حتى أزيدك بالأجل فيفعل وهكذا عند كل أجل فيستغرق بالشيء الضعيف ما له بالكلية فنهوا عن ذلك ونزلت الآية، وقرئ- «مضعفة» - بلا ألف مع تشديد العين.
وَاتَّقُوا اللَّهَ أي فيما نهيتم عنه ومن جملته أكل الربا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي لكي تفلحوا أو راجين الفلاح، فالجملة حينئذ في موضع الحال قيل: ولا يخفى أن اقتران الرجاء بالتخويف يفيد أن العبد ينبغي أن يكون بين الرجاء والخوف فهما جناحاه اللذان يطير بهما إلى (١) حضائر القدس وَاتَّقُوا النَّارَ أي احترزوا عن متابعة المرابين وتعاطى ما يتعاطونه من أكل الربا المفضي إلى دخول النار الَّتِي أُعِدَّتْ أي هيئت لِلْكافِرِينَ وهي الطبقة التي اشتد حرها وتضاعف عذابها وهي غير النار التي يدخلها عصاة أمة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم فإنها دون ذلك، وفيه إشارة إلى أن أكلة الربا على شفا حفرة الكفرة، ويحتمل أن يقال: إن النار مطلقا مخلوقة للكافرين معدّة لهم أولا وبالذات، وغيرهم يدخلها على وجه التبع فالصفة ليست للتخصيص، وإلى هذا ذهب الجل من العلماء، روي عن الإمام الأعظم رضي الله تعالى عنه أنه كان يقول: إن هذه الآية هي أخوف آية في القرآن حيث أوعد الله تعالى المؤمنين بالنار المعدّة للكافرين إن لم يتقوه في اجتناب محارمه وليس بنص في التخصيص وَأَطِيعُوا اللَّهَ في جميع ما أمركم به ونهاكم عنه فلا يتكرر مع الأمر بالتقوى السابق وَالرَّسُولَ أي الذي شرع لكم الدين وبلغكم الرسالة فإن طاعته طاعة الله تعالى.
لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ أي لكي تنالوا رحمة الله تعالى أو راجين رحمته، وعقب الوعيد بالوعد ترهيبا عن المخالفة وترغيبا في الطاعة، قال محمد بن إسحاق: هذه الآية معاتبة للذين عصوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين أمرهم بما أمرهم في أحد ولعلهم الرماة الذين فارقوا المركز وَسارِعُوا عطف على أطيعوا أو اتقوا.
стр. 826
وقرأ نافع وابن عامر بغير واو على وجه الاستئناف وهي قراءة أهل المدينة والشام، والقراءة المشهورة قراءة أهل مكة والعراق أي بادروا وسابقوا، وقرئ بالأخير إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ أي أسبابهما من الأعمال الصالحة، وعن علي كرم الله تعالى وجهه سارعوا إلى أداء الفرائض، وعن ابن عباس إلى الإسلام، وعن أبي العالية إلى الهجرة، وعن أنس بن مالك إلى التكبيرة الأولى، وعن سعيد بن جبير إلى أداء الطاعات، وعن يمان إلى الصلوات الخمس وعن الضحاك إلى الجهاد، وعن عكرمة إلى التوبة، والظاهر العموم ويدخل فيه سائر الأنواع، وتقديم المغفرة على الجنة لما أن التخلية مقدمة على التحلية، وقيل: لأنها كالسبب لدخول الجنة، ومِنْ متعلقة بمحذوف وقع نعتا- لمغفرة- والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضمير المخاطبين لإظهار مزيد اللطف بهم ووصف المغفرة بكونها من الرب دون الجنة تعظيما لأمرها وتنويها بشأنها وسبب نزول الآية على ما
أخرجه عبد بن حميد وغيره عن عطاء بن أبي رباح «أن المسلمين قالوا: يا رسول الله بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منا كانوا إذا أذنب أحدهم ذنبا أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة في عتبة داره اجدع أنفك اجدع أذنك افعل كذا وكذا فسكت صلى الله تعالى عليه وسلم فنزلت هذه الآيات إلى قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الآية فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ألا أخبركم بخير من ذلكم ثم تلاها عليهم»
والتنوين في مغفرة للتعظيم ويؤيده الوصف، وكذا في جَنَّةٍ ويؤيده أيضا وصفها بقوله سبحانه: عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ والمراد كعرض السموات فهو على حد قوله:
حسبت بغام راحلتي عناقا ... وما هي ويب غيرك بالعناق
فإنه أراد كصوت عناق، والعرض أقصر الامتدادين، وفي ذكره دون ذكر الطول مبالغة، وزاد في المبالغة بحذف أداة التشبيه وتقدير المضاف فليس المقصود تحديد عرضها حتى يمتنع كونها في السماء بل الكلام كناية عن غاية السعة بما هو في تصور السامعين، والعرب كثيرا ما تصف الشيء بالعرض إذا أرادوا وصفه بالسعة، ومنه قولهم: أعرض في المكارم إذا توسع فيها، والمراد من السَّماواتُ وَالْأَرْضُ السموات السبع والأرضون السبع، فعن ابن عباس من طريق السدي أنه قال: تقرن السموات السبع والأرضون السبع كما تقرن الثياب بعضها ببعض فذاك عرض الجنة، والأكثرون على أنها فوق السموات السبع تحت العرش وهو المروي عن أنس بن مالك، وقيل: إنها في السماء الرابعة وإليه ذهب جماعة، وقيل: إنها خارجة عن هذا العالم حيث شاء الله تعالى، ومعنى كونها في السماء أنها في جهة العلو ولا مانع عندنا أن يخلق الله تعالى في العلو أمثال السموات والأرض بأضعاف مضاعفة. ولا ينافي هذا خبر أنها في السماء الرابعة إن صح، ولا ما حكي عن الأكثر لأن ذلك مثل قولك: في الدار بستان إذا كان له باب منها يشرع إليه مثلا فإنه لا ينافي خروج البستان عنها، وعلى هذا التأويل لا ينافي الخبر أيضا كون عرض الجنة كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ [الحديد: ٢١] من غير حاجة إلى القول بأنه ليس المراد من السَّماواتُ السموات السبع كما قيل به.
ومن الناس من ذهب إلى أنها في السماء تحت العرش أو الرابعة إلا أن هذا العرض إنما يكون يوم القيامة حيث يزيد الله تعالى فيها ما يزيد.
وحكي ذلك عن أبي بكر أحمد بن علي قيل: وبذلك يدفع السؤال بأنه إذا كان عرض الجنة «كعرض السماء والأرض» فأين تكون النار، ووجه الدفع أن ذلك يوم القيامة، وأما الآن فهي دون ذلك بكثير، ويوم يثبت لها ذلك لا تكون فيه السموات والأرض كهذه السموات والأرض المشبه بعرضهما عرضها، ولا يخفى أن القول بالزيادة في السعة يوم القيامة وإن سلم إلا أن كونها اليوم دون هذه السموات والأرض بكثير في حيز المنع ولا يكاد يقبل، والسؤال المذكور أجاب عنه رسول الله ﷺ بغير ذلك.
стр. 827
فقد أخرج ابن جرير عن التنوخي رسول هرقل قال: «قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بكتاب هرقل، وفيه: إنك كتبت تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض فأين النار؟ فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: سبحان الله فأين الليل إذا جاء النهار؟
ولعل المقصود من الجواب إسقاط المسألة وبيان أن القادر على أن يذهب الليل حيث شاء قادر على أن يخلق النار حيث شاء، وإلى ذلك يشير خبر أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وذهب أبو مسلم الأصفهاني إلى أن العرض هاهنا ليس مقابل الطول بل هو من قولك عرضت المتاع للبيع، والمعنى أن ثمنها لو بيعت كثمن السموات والأرض، والمراد بذلك عظم مقدارها وجلالة قدرها وأنه لا يساويها شيء وإن عظم، فالعرض بمعنى ما يعرض من الثمن في مقابلة المبيع وربما يستغني على هذا عن تقدير ذلك المضاف، ولا يخفى أنه على ما فيه من البعد خلاف المأثور عن السلف الصالح من أن المراد وصفها بأنها واسعة أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ أي هيئت للمطيعين لله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وإنما أضيفت إليهم للإيذان بأنهم المقصودون بالذات وإن دخول غيرهم كعصاة المؤمنين والأطفال والمجانين بطريق التبع وإذا حملت التقوى في غير هذا الموضع، وأما فيه فبعيد على التقوى عن الشرك لا ما يعمه وسائر المحرمات لم نستغن عن هذا القول أيضا لأن المجانين مثلا لا يتصفون بالتقوى حقيقة ولو كانت عن الشرك كما لا يخفى.
وجوز أن يكون هناك جنات متفاوتة وإن هذه الجنة للمتقين الموصوفين بهذه الصفات لا يشاركهم فيها غيرهم لا بالذات ولا بالتبع، ولعلها الفردوس المصرح بها في
قوله صلى الله تعالى عليه وسلم: «إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس»
وفيه تأمل، والآية ظاهرة في أن الجنة مخلوقة الآن كما يدل عليه الفعل الماضي، وجعله من باب وَنُفِخَ فِي الصُّورِ [الكهف: ٩٩، يس: ٥١، الزمر: ٦٨، ق: ٢٠] خلاف الظاهر ولا داعي إليه كما بين في محله، ومثل ذلك أُعِدَّتْ السابق في حق النار، وأما دلالة الآية على أن الجنة خارجة عن هذا العالم بناء على أنها تقتضي أن الجنة أعظم منه فلا يمكن أن يكون محيطا بها ففيه نظر كما يرشدك إليه النظر فيما تقدم.
والجملة في موضع جر على أنها صفة لجنة، وجوز أن تكون في موضع نصب على الحالية منها لأنها قد وصفت، وجوز أيضا أن تكون مستأنفة قال أبو البقاء: ولا يجوز أن تكون حالا من المضاف إليه لثلاثة أمور: أحدها أنه لا عمل له وما جاء من ذلك متأول على ضعفه، والثاني أن العرض هنا لا يراد به المصدر الحقيقي بل المسافة، والثالث أن ذلك يلزم منه الفصل بين الحال وصاحبها الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في محل الجرّ على أنه نعت للمتقين مادح لهم، وقيل: مخصص أو بدل أو بيان أو في محل نصب على إضمار الفعل أو رفع على إضمار هم ومفعول يُنْفِقُونَ محذوف ليتناول كل ما يصلح للإنفاق المحمود أو متروك بالكلية كما في قولهم: فلان يعطي.
فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ أي في اليسر والعسر قاله ابن عباس وقيل: في حال السرور والاغتمام، وقيل: في الحياة وبعد الموت بأن يوصي، وقيل: فيما يسر كالنفقة على الولد والقريب وفيما يضر كالنفقة على الأعداء، وقيل:
في ضيافة الغني والإهداء إليه وفيما ينفقه على أهل الضر ويتصدق به عليهم، وأصل السراء الحالة التي تسر والضراء الحالة التي تضر، والمتبادر ما قاله الحبر، والمراد إما ظاهرهما أو التعميم كما عهد في أمثاله أي إنهم لا يخلون في حال ما بإنفاق ما قدروا عليه من كثير أو قليل. وقد روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها تصدقت بحبة عنب، وعن بعض السلف أنه تصدق ببصلة،
وفي الخبر «اتقوا النار ولو بشق تمرة، وردوا السائل ولو بظلف محرق»
وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ أصل الكظم شدّ رأس القربة عند امتلائها، ويقال: فلان كظيم أي ممتلئ حزنا، والْغَيْظَ هيجان الطبع عند رؤية ما ينكر، والفرق بينه وبين الغضب على ما قيل: إن الغضب يتبعه إرادة الانتقام البتة، ولا كذلك الغيظ، وقيل:
стр. 828
الغضب ما يظهر على الجوارح والبشرة من غير اختيار والغيظ ليس كذلك وقيل: هما متلازمان إلا أن الغضب يصح إسناده إلى الله تعالى والغيظ لا يصح فيه ذلك.
والمراد والمتجرعين للغيظ الممسكين عليه عند امتلاء نفوسهم منه فلا ينقمون ممن يدخل الضرر عليهم ولا يبدون له ما يكره بل يصبرون على ذلك مع قدرتهم على الإنقاذ والانتقام وهذا هو الممدوح،
فقد أخرج عبد الرزاق وابن جرير عن أبي هريرة مرفوعا «من كظم غيظا وهو يقدر على إنفاذه ملأ الله تعالى قلبه أمنا وإيمانا» .
وأخرج أحمد عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من كظم غيظا وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله تعالى على رؤوس الخلائق حتى يخيره الله تعالى من أي الحور شاء»
وفي الأول جزاء من جنس العمل، وفي الثاني ما هو من توابعه، وهذا الوصف معطوف على ما قبله والعدول إلى صيغة الفاعل هنا للدلالة على الاستمرار، وأما الإنفاق فحيث كان أمرا متجددا عبر عنه بما يفيد التجدد والحدوث وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ أي المتجاوزين عن عقوبة من استحقوا مؤاخذته إذا لم يكن في ذلك إخلال بالدين، وقيل: عن المملوكين إذا أساؤوا، والعموم أولى.
أخرج ابن جرير عن الحسن «أن الله تعالى يقول يوم القيامة: ليقم من كان له على الله تعالى أجر فلا يقوم إلا إنسان عفا» ،
وأخرج الطبراني عن أبيّ بن كعب أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه ويعط من حرمه ويصل من قطعه» .
وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس بن مالك في الآية «إن هؤلاء في أمتي قليل إلا من عصم الله تعالى وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت»
والاستثناء منقطع إن كانت القلة على ظاهرها ومتصل إن كانت بمعنى العدم، وكون بعض الخصائص كثيرا في الأمم السابقة لا يقتضي تفضيلهم على هذه الأمة من كل الوجوه ومن ظن ذلك تكلف في توجيه الحديث بأن المراد أن الكاظمين الغيظ في أمتي قليل إلا بعصمة الله تعالى لغلبه الغيظ عليهم، وقد كانوا كثيرا في الأمم السالفة لقلة حميتهم ولذا كان الأمر بالمعروف النهي عن المنكر فيما بينهم قليلا ولما تمرنت هذه الأمة في الغضب لله تعالى والتزموا الاجتناب عن المداهنة صار إنفاذ الغيظ عادتهم فلا يكظمون إذا ابتلوا إلا بعصمة الله تعالى، فالقليل في الخبر هم الذين يكظمون لقلة الحمية وهم الكثيرون في الأمم السالفة فلا اختصاص لهم بمزية ليتوهم تفضيلهم على هذه الأمة ولو من بعض الوجوه، ولا يخفى أن هذا التوجيه مما تأباه الإشارة والعبارة، وأحسن منه بل لا نسبة أن الكثرة نظرا إلى مجموع الأمم لا بالنسبة إلى كل أمة أمة ولا يضر قلة وجود الموصوفين بتلك الصفة فينا بالنظر إلى مجموع الخلائق من لدن آدم ﵇ إلى أن بعث نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم لأن هذه الأمة بأسرها قليلة بالنظر إلى مجموع الأمم فضلا عن خيارها فتدبر، وفي ذكر هذين الوصفين كما قال بعض المحققين: إشعار بكمال حسن موقع عفوه ﵊ عن الرماة وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره صلى الله تعالى عليه وسلم وندب له ﵊ إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين بما فعلوا بحمزة رضي الله تعالى عنه حتى
قال: «حين رآه مثل به لأمثلن بسبعين مكانك»
ولعل التعبير هنا بصيغة الفاعل أيضا دون الفعل لأن العفو أشبه بالكظم منه بالإنفاق وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تذييل لمضمون ما قبله- وال- إما للجنس والمذكورون داخلون فيه دخولا أوليا وإما للعهد وعبر عنهم بالمحسنين على ما قيل: إيذانا بأن النعوت المعدودة من باب الإحسان الذي هو الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق الذي هو حسنها الوصفي المستلزم لحسنها الذاتي
وقد فسره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم- بأن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك-
ويمكن أن يقال: الإحسان
стр. 829
هنا بمعنى الإنعام على الغير على وجه عار عن وجوه القبح، وعبر عنهم بذلك للإشارة إلى أنهم في جميع تلك النعوت محسنون إلى الغير لا في الإنفاق فقط.
ومما يؤيد كون الإحسان هنا بمعنى الإنعام ما
أخرجه البيهقي أن جارية لعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة فسقط الإبريق من يدها فشجه فرفع رأسه إليها فقالت: إن الله تعالى يقول وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ فقال لها: قد كظمت غيظي قالت: وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال: قد عفا الله تعالى عنك قالت:
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله تعالى،
ورجح بعضهم العهد على الجنس بأنه أدخل في المدح وأنسب بذكره قبل قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ من تتمة ما نزل حين قال المسلمون لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «بنو إسرائيل كانوا أكرم على الله تعالى منا» إلخ على ما أشرنا إليه فيما تقدم، وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه ذكر عند رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حال بني إسرائيل فنزلت هذه الآية ولم يذكر صدر الآية.
وفي رواية الكلبي «أن رجلين أنصاريا وثقيفا آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بينهما فكانا لا يفترقان فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض مغازيه وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته فكان يتعاهد أهل الثقفي فأقبل ذات يوم فأبصر امرأة صاحبه قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها فوقعت في نفسه فدخل ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليلثمها فوضعت كفها على وجهها فقبل ظاهر كفها ثم ندم واستحيا فأدبر راجعا فقالت: سبحان الله تعالى خنت أمانتك وعصيت ركب ولم تصل إلى حاجتك قال: وندم على صنيعته فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي فأخبرته أهله بفعله فخرج يطلبه حتى دل عليه فوافقه ساجدا وهو يقول: رب ذنبي ذنبي قد خنت أخي فقال له: قم يا فلان فانطلق إلى رسول الله ﷺ فاسأله عن ذنبك لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجا وتوبة فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل ﵇ بتوبته فتلا وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا إلى قوله وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ فقال عمر رضي الله تعالى عنه:
يا رسول الله ألهذا الرجل خاصة أم للناس عامة؟ فقال ﵊: بل للناس عامة» .
وفي رواية عطاء عن ابن عباس أن تيهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فضمها إلى نفسه وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وذكر ذلك له فنزلت هذه الآية.
وأنت تعلم أنه لا مانع من تعدد سبب النزول وأيا ما كان فبإطلاق اللفظ ينتظم ما فعله الرماة انتظاما أوليا،
وأخرج الترمذي عن عطاف بن خالد أنه قال: بلغني أنها لما نزلت صاح إبليس بجنوده وحثا على رأسه التراب ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر فقالوا: ما لك يا سيدنا قال: آية نزلت في كتاب الله لا يضر بعدها أحدا من بني آدم ذنب قالوا: وما هي؟ فأخبرهم قالوا: نفتح لهم باب الأهواء فلا يتوبون ولا يستغفرون ولا يرون إلا أنهم على الحق فرضي منهم بذلك،
والموصول إما مفصول عما قبله على أنه مبتدأ، وقيل: إنه معطوف على ما قبله من صفات المتقين، وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ اعتراض بينهما مشير إلى ما بينهما من التفاوت فإن درجة الأولين من التقوى أعلى وحظهم أوفى، أو على المتقين فيكون التفاوت أظهر وأكثر،- والفاحشة- الكبائر، وظلم النفس الصغائر قاله القاضي عبد الجبار الهمداني، وقيل: الفاحشة المعصية الفعلية، وظلم النفس المعصية القولية، وقيل:
الفاحشة ما يتعدى، ومنه إفشاء الذنب لأنه سبب اجتراء الناس عليه ووقوعهم فيه وظلم النفس ما ليس كذلك، وقيل:
الفاحشة كل ما يشتد قبحه من المعاصي والذنوب وتقال لكل خصلة قبيحة من الأقوال والأفعال، وكثيرا ما ترد بمعنى
стр. 830
الزنا، وأصل الفحش مجاوزة الحدّ في السوء ومنه قول طرفة
عقيلة مال الفاحش المتشدد
يعني الذي جاوز الحد في البخل فلعل المراد منها هنا المعصية البالغة في القبح، والظلم الذنب مطلقا وذكره بعدها من ذكر العام بعد الخاص، وأو على الوجوه للتنويع ولا يرد أنه على بعض الوجوه الترديد بين الخاص والعام وقد توقف في قبوله لأنهم قالوا: إن هذا ترديد بين فرقتين من يستغفر للفاحشة ومن يستغفر لأي ذنب صدر عنه وكم بينهما، وجواب إِذا قوله تعالى شأنه: ذَكَرُوا اللَّهَ أي تذكروا حقه العظيم ووعيده، أو ذكروا العرض عليه، أو سؤاله عن الذنب يوم القيامة أو نهيه أو غفرانه وقيل: ذَكَرُوا جماله فاستحيوا وجلاله فهابوا، وقيل: ذَكَرُوا ذاته المقدسة عن جميع القبائح وأحبوا التقرب إليه بالمناسبة له بالتطهير من الذمائم، وعلى كل تقدير ليس المراد مجرد ذكر اسمه عز اسمه فَاسْتَغْفَرُوا أي طلبوا المغفرة منه تعالى لِذُنُوبِهِمْ كيفما كانت ومفعول فَاسْتَغْفَرُوا محذوف لفهم المعنى أي استغفروه، وليس المراد مجرد طلب المغفرة بل مع التوبة وإلا فطلب المغفرة مع الإصرار كالاستهزاء بالرب جل شأنه، ومن هنا قالت رابعة العدوية: استغفارنا هذا يحتاج إلى استغفار وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ اعتراض بين المعطوفين أو بين الحال وذيها، والتركيب على ما أفاده بعض المحققين يدل على أمور من جهة الله تعالى وأمور من جهة العبد.
أما الأول فعلى وجوه: أحدها دلالة اسم الذات بحسب ما يقتضيه المقام من معنى الغفران الواسع وإيراد التركيب على صيغة الإنشاء دون الإخبار بأن لم يقل وما يغفر الذنوب إلا الله تقرير لذلك المعنى وتأكيد له كأنه قيل:
هل تعرفون أحدا يقدر على غفر الذنوب كلها صغيرها وكبيرها سالفها وغابرها غير من وسعت رحمته كل شيء، وثانيها تقديمه عن مكانه وإزالته عن مقرّه لأنه اعتراض بين المبتدأ وهو الَّذِينَ والخبر الآتي، ثم بين المعطوف والمعطوف عليه أو الحال وصاحبه للدلالة على شدة الاهتمام به والتنبيه على أنه كلما وجد الاستغفار لم يتخلف الغفران، وثالثها الإتيان بالجمع المحلى باللام إعلاما بأن التائب إذا تقدم بالاستغفار يتلقى بغفران ذنوبه كلها فيصير كمن لا ذنب له، ورابعها دلالة النفي بالحصر والإثبات على أنه لا مفزع للمذنبين إلا كرمه وفضله، وذلك أن من وسعت رحمته كل شىء لا يشاركه أحد في نشرها كرما وفضلا، وخامسها إسناد غفران الذنوب إلى نفسه سبحانه وإثباته لذاته المقدس بعد وجود الاستغفار وتنصل عبيده يدل على تحقق ذلك قطعا إما بحسب الوعد كما نقول، أو بحسب العدل كما يزعمه المعتزلة. وأما الثاني ففيه وجوه أيضا:
الأول إن في إبداء سعة الرحمة واستعجال المغفرة بشارة عظيمة وتطييبا للنفوس، والثاني أن العبد إذا نظر إلى هذه العناية الشديدة والاهتمام العظيم في شأن التوبة يتحرك نشاطه ويهتز عطفه فلا يتقاعد عنها، والثالث أن في ضمن معنى الاستغراق قلع اليأس والقنوط ولهذا علل سبحانه النهي في قوله تعالى: لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ [الزمر: ٥٣] بقوله جل شأنه: إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً [الزمر: ٥٣] والرابع أنه أطلقت الذنوب وعمت بعد ذكر الفاحشة وظلم النفس وترك مقتضى الظاهر ليدل به على عدم المبالاة في الغفران فإن الذنوب وإن كبرت فعفو الله تعالى أكبر، والخامس أن الاسم الجامع في التركيب كما دل على سعة الغفران بحسب المقام يدل أيضا مع إرادة الحصر على أنه تعالى وحده معه مصححات المغفرة من كونه عزيزا ليس فوقه أحد فيرد عليه حكمه وكونه حكيما يغفر لمن تقتضي حكمته غفرانه.
وقد التزم بعضهم كون- أل- في الذُّنُوبَ للجنس لتفيد الآية امتناع صدور مغفرة فرد منها من غيره تعالى، وهذا على ظنه لا تفيده الآية على تقدير إرادة كل الذُّنُوبَ وحينئذ يزداد أمر المبالغة، وأما جعل الجملة حالية
стр. 831
بتقدير قائلين ذلك فتعسف يذهب بكثير من هذه الوجوه اللطيفة كما لا يخفى، ومَنْ مبتدأ ويَغْفِرُ خبره والاسم الجليل بدل من المستكن في يغفر أو فاعل له وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا عطف على فَاسْتَغْفَرُوا أو حال من فاعله أي لم يقيموا أو غير مقيمين على الذي فعلوه من الذنوب فاحشة كانت أو ظلما أو على فعلهم، وأصل الإصرار الشد من الصر، وقيل: الثبات على الشيء، ومنه قول الحطيئة يصف الخيل:
عوابس بالشعث الكماة إذا ابتغوا ... غلالتها بالمحصدات (أصرت)
ويستعمل شرعا بمعنى الإقامة على القبيح من غير استغفار ورجوع بالتوبة، والظاهر أنه لا يصح إرادة هذا المعنى هنا لئلا يتكرر ما في المفهوم مع ما في المنطوق، فلعله فيه بمعنى الإقامة، وإذا حمل الاستغفار على مجرد طلب المغفرة فقط كان هذا مشيرا للتوبة التي هي ملاك الأمر إلا أنه قدم الاستغفار لأنه دال عليها في الظاهر، وإذا حمل على الحال الذي ينضم إليه التوبة كان هذا تصريحا ببعض ما أريد منه إشارة إلى الاعتناء به كما قالوا في ذكر الخاص بعد العام،
أخرج البيهقي عن ابن عباس موقوفا «كل ذنب أصر عليه العبد كبير وليس بكبير ما تاب منه العبد»
وأخرج أحمد والبخاري في الأدب المفرد عن ابن عمر مرفوعا ارحموا ترحموا واغفروا يغفر لكم ويل لأقماع القول ويل للمصرين»
وَهُمْ يَعْلَمُونَ قيل: الجملة حال من ضمير- استغفروا- وفيه بعد لفظي، والمشهور أنها حال من ضمير- أصروا- ومفعول يَعْلَمُونَ محذوف أي يعلمون قبح فعلهم، وقد ذكر أن الحال بعد الفعل المنفي وكذا جميع القيود قد يكون راجعا إلى النفي قيدا له دون المنفي مثل ما جئتك مشتغلا بأمورك بمعنى تركت المجيء مشتغلا بذلك، وقد يكون راجعا إلى ما دخله النفي مثل ما جئتك راكبا، ولهذا معنيان: أحدهما وهو الأكثر- أن يكون النفي راجعا إلى القيد فقط ويثبت أصل الفعل فيكون المعنى جئت غير راكب، وثانيهما أن يقصد نفي الفعل والقيد معا بمعنى انتفاء كل من الأمرين بالمعنى في المثال لا مجيء ولا ركوب، وقد يكون النفي متوجها للفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته.
قيل: وهذه الآية لا يصح فيها أن يكون وهم يَعْلَمُونَ قيدا للنفي لعدم الفائدة لأن ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجهل بل مع الجهل أولى ولا يصح أيضا فيها أن يتوجه النفي إلى القيد فقط مع إثبات أصل الفعل إذ ليس المعنى على إثبات الإصرار ونفي العلم، وكذا لا يصح توجهه إلى الفعل والقيد معا إذ ليس المعنى على نفي العلم، والظاهر أن المناسب فيها توجهه إلى الفعل فقط من غير اعتبار لنفي القيد وإثباته، والمراد لم يصروا عالمين بمعنى أن عدم الإصرار متحقق البتة.
ولك أن تقول: لم لا يجوز أن يكون الحال هنا قيدا للنفي ويكون المعنى تركوا الإصرار على الذنب لعلمهم بأن الذنب قبيح فإن الحال قد يجيء في معرض التعليل.
وحديث إن ترك الإصرار موجب للأجر والجزاء سواء كان مع العلم بالقبح أو مع الجعل فلا دخل لمضمون الحال في إيجاب الأجر؟ مجاب عنه بأنه ليس المقصود من ذكر الحال تقييد الإصرار بها لإيجاب الأجر حتى يرد عليه ما ذكر بل المراد مدحهم بأن تركهم الإصرار على الذنب لأجل أن فيهم ما هو زاجر عنه وهو علمهم بقبح الذنب فيكون مدح لهم بأن من صفاتهم التحرز عن القبائح، وادعى بعض المتأخرين تعين كون الحال قيدا للمنفي وأن النفي راجع إلى القيد، والمعنى لم يكن لهم الإصرار مع العلم بقبح الجزاء لأن المصر مع عدم العلم بالقبح لا يحرم الجزاء وغير المصر لكسالة أو لعدم ميل الطبع لا يبلغه لأن الجزاء على الكف لا على العدم وإلا لكان لكل أحد أجزية لا تتناهى لعدم فعل قبائح لا تتنامى لم تخطر بباله، ولا يخفى ما في قوله: «وغير المصر» إلخ، وقوله: «لأن الجزاء» إلخ
стр. 832
من النظر، وكأن من جعله حالا من ضمير- استغفروا- أراد الفرار من هذه الدغدغة، وأنا أقول: إن الحال قيد للنفي ومتعلق العلم وليس هو القبح بل إنه يغفر لمن استغفر ويتوب على من تاب، وهو المروي عن مجاهد كما أخرجه جماعة عنه، وحكي عن الضحاك أيضا. والمعنى أنهم تركوا الإقامة على الذنب عالمين بأن الله تعالى يقبل التوبة من عباده ويغفر لهم، وهو إيذان بأنهم لا ييأسون من روح الله سبحانه ولا يرد على هذا دعوى عدم الفائدة كما أورد أولا إذ من المعلوم الذي لا شبهة فيه أن ترك الإصرار إنما يوجب الأجر إذا لم يكن معه يأس فإنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون، ولعل مدحهم بأنهم يعلمون ذلك أولى من مدحهم بأنهم يعلمون قبح الفعل، وربما يقال: إن الجملة سيقت معترضة لذلك كما سيقت كذلك جملة وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ لما سيقت له، وأما جعلها معطوفة على جملة- لم يصروا- ورب شيء يصح تبعا ولا يصح استقلالا فليس بالذي تميل النفس إليه أُولئِكَ إشارة إلى المذكورين أخيرا باعتبار اتصافهم بما تقدم من الصفات الحميدة، والبعد للإشعار ببعد منزلتهم في الفضل، وإلى هذا ذهب المعظم، وقيل: هو إشارة إلى المذكورين وهم طائفة واحدة، وهو مبتدأ، وقوله تعالى: جَزاؤُهُمْ بدل اشتمال منه أو مبتدأ ثان، وقوله تعالى: مَغْفِرَةٌ خبر أُولئِكَ أو خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر الأول، وهذه الجملة خبر وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا إلخ على الوجه الأول، وادعى مولانا شيخ الإسلام أنه الأظهر الأنسب بنظم المغفرة المنبئة عن سابقة الذنب في سلك الجزاء إذ على الوجهين الأخيرين أُولئِكَ إلخ جملة مستأنفة مبينة لما قبلها كاشفة عن حال كلا الفريقين المحسنين والتائبين ولم يذكر ما هو من أوصاف الأولين ما في شائبة الذنب حتى يذكر في مطلع الجزاء الشامل لهما المفرة، وتخصيص الإشارة بالأخيرين مع اشتراكهما في حكم إعداد الجنة لهما تعسف ظاهر انتهى.
والذي يشعر به ظاهر ما أخرجه ابن جرير عن الحسن أنه قرأ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ الآية ثم قرأ وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً الآية فقال: إن هذين النعتين لنعت رجل واحد أحد الوجهين الأخيرين اللذين أشار إليهما بل الأول منهما، وتكون هذه الإشارة كما قال صاحب القيل، وهذه المغفرة هي المغفرة التي أمر جميع المؤمنين من له ذنب ومن لا ذنب له منهم بالمسارعة إلى ما يؤدي إليها فلا يضر وقوعها في مطلع الجزاء مِنْ رَبِّهِمْ متعلق بمحذوف وقع صفة للمغفرة مؤكدة لما أفاده التنوين من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية أي مغفرة عظيمة كائنة من جهته تعالى، والتعرض لعنوان الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم للإشعار بعلة الحكم مع التشريف وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ عطف على مَغْفِرَةٌ والمراد بها جنات في ضمن تلك الجنة التي أخبر سبحانه أن عرضها السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وليس جنات وراءها على ما يقتضيه كلام صاحب القيل إلا أنه لم يكتف بإعداد ما وصف أولا تنصيصا على وصفها باشتمالها على ما يزيدها بهجة من الأنهار الجالية بعد وصفها بالسعة والإخبار بأنها جزاؤهم وأجرهم الذي لا بد بمقتضى الفضل أن يصل إليهم، وهذا فوق الإخبار بالأعداد أو مؤكد له فالتنوين للتعظيم على طرز ما ذكر في المعطوف عليه، وادعى شيخ الإسلام أن التنكير يشعر بكونها أدنى من الجنة السابقة، وإن ذلك مما يؤيد رجحان الوجه الأول الذي أشار إليه وفيه تردد خالِدِينَ فِيها حال مقدرة من الضمير المجرور في جَزاؤُهُمْ لأنه مفعول به معنى إذ هو في قوة يجزيهم الله جنات خالدين فيها، ولا مساغ لأن يكون حالا من جنات في اللفظ وهي لأصحابها في المعنى إذ هو في قوة يجزيهم الله جنات خالدين فيها، ولا مساغ لأن يكون حالا من جنات في اللفظ وهي المخصوص بالمدح محذوف أي ونعم أجر العاملين الجنة، وعلى ذلك اقتصر مقاتل، وذهب غير واحد أنه ذلك أي ما ذكر من المغفرة والجنات.
وفي الجملة على ما نص عليه بعض المحققين وجوه من المحسنات: أحدها أنها كالتذييل للكلام السابق
стр. 833
فيفيد مزيد تأكيد للاستلذاذ بذكر الوعد، وثانيها في إقامة الأجر موضع ضمير الجزاء لأن الأصل وَنِعْمَ هو أي جزاؤهم إيجاب إنجاز هذا الوعد وتصوير صورة العمل في العمالة تنشيطا للعامل، وثالثها في تعميم العاملين وإقامته مقام الضمير الدلالة على حصول المطلوب للمذكورين بطريق برهاني.
ولمراد من الكلام السابق الذي جعل هذا كالتذييل له إما الكلام الذي في شأن التائبين، أو جميع الكلام السابق على الخلاف الذي ذكرناه آنفا، ومن ذهب إلى الأول قال: وكفاك في الفرق بين القبيلين وهما المتقون الذين أتوا بالواجبات بأسرها واجتنبوا المعاصي برمتها، والمستغفرون لذنوبهم بعد ما أذنبوا وارتكبوا الفواحش والظلم أنه تعالى فصل آية الأولين بقوله : وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ المشعر بأنهم محسنون محبوبون عند الله تعالى، وفصل آية الآخرين بقوله جلا وعلا: وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ المشعر بأن هؤلاء أجراء وأن ما أعطوا من الأجر جزاء لتداركهم بعض ما فوتوه على أنفسهم، وأين هذا من ذاك وبعيد ما بين السمك والسماك، ولا يخفى أنه على تقدير كون النعتين نعت رجل واحد كما حكي عن الحسن يمكن أن يقال: إن ذكر هذه الجملة عقيب تلك لما ذكره بعض المحققين وأي مانع من الاخبار بأنهم محبوبون عند الله تعالى وأن الله تعالى منجز ما وعدهم به ولا بدّ، وكونهم إذا أذنبوا استغفروا وتابوا لا ينافي كونهم محسنين أما إذا أريد من الإحسان الانعام على الغير فظاهر، وأما إذا أريد به الإتيان بالأعمال على الوجه اللائق- أو
أن تعبد الله تعالى كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك- كما صرح به في الصحيح
فلأن ذلك لو نافى لزم أن لا يصدق المحسن إلا على نحو المعصوم ولا يصدق على من عبد الله تعالى وأطاعه مدة مديدة على أليق وجه وأحسنه ثم عصاه لحظة فندم أشد الندم واستغفر سيد الاستغفار ولا أظن أحدا يقول بذلك فتدبر.
ثم إن في هذه الآيات- على ما ذهب إليه المعظم- دلالة على أن المؤمنين ثلاث طبقات، متقين وتائبين ومصرين، وعلى أن غير المصرين تغفر ذنوبهم ويدخلون الجنة، وأما أنها تدل على أن المصرين لا تغفر ذنوبهم ولا يدخلون الجنة كما زعمه البعض فلا لأن السكوت عن الحكم ليس بيانا لحكمهم عند بعض ودال على المخالفة عند آخرين وكفى في تحققها أنهم مترددون بين الخوف والرجاء وأنهم لا يخلون عن تعنيف أقله تعييرهم بما أذنبوه مفصلا- ويا له من فضيحة- وهذا ما لا بد منه على ما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة وحينئذ لم يتم لهم المغفرة الكاملة كما للتائبين على أن مقتضى ما في الآيات أن الجنة لا تكون جزاء للمصر وكذلك المغفرة أما نفي التفضل بهما فلا، وهذا على أصل المعتزلة واضح للفرق بين الجزاء والتفضل وجوبا وعدم وجوب، وأما على أصل أهل السنة فكذلك لأن التفضل قسمان: قسم مترتب على العمل ترتب الشبع على الأكل يسمى أجرا وجزءا وقسم لا يترتب على العمل فمنه ما هو تتميم للأجر كما أو كيفا كما وعده من الأضعاف وغير ذلك، ومنه ما هو محض التفضل حقيقة واسما كالعفو عن أصحاب الكبائر ورؤية الله تعالى في دار القرار وغير ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى قاله بعض المحققين، وذكر العلامة الطيبي أن قوله تعالى: وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ وردت خطابا لآكلي الربا من المؤمنين وردعا لهم عن الإصرار على ما يؤديهم إلى دركات الهالكين من الكافرين وتحريضا على التوبة والمسارعة إلى نيل الدرجات مع الفائزين من المتقين والتائبين، فإدراج المصرين في هذا المقام بعيد المرمى لأنه إغراء وتشجيع على الذنب لا زجر ولا ترهيب فبين بالآيات معنى المتقين للترغيب والترهيب ومزيد تصوير مقامات الأولياء ومراتبهم ليكون حثا لهم على الانخراط في سلكهم ولا بدّ من ذكر التائبين واستغفارهم وعدم الإصرار ليكون لطفا لهؤلاء وجميع الفوائد التي ذكرت في قوله : وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ تدخل في المعنى، فعلم من هذا أن دلالة وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا مهجورة لأن مقام التحريض والحث أخرج المصرين، والحاصل أن شرط دلالة المفهوم هنا منتف فلا يصح
стр. 834
الاحتجاج بذلك للمعتزلة أصلا قَدْ خَلَتْ أي مضت مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ أي وقائع في الأمم المكذبة أجراها الله تعالى حسب عادته، وقال المفضل: إن المراد بها الأمم، وقد جاءت السنة بمعنى الأمة في كلامهم، ومنه قوله:
ما عاين الناس من فضل كفضلكم ... ولا رأوا مثلكم في سالف السنن
وقال عطاء: المراد بها الشرائع والأديان، فالمعنى قد مضت من قبلكم سنن وأديان نسخت، ولا يخفى أن الأول أنسب بالمقام لأن هذا إما مساق لحمل المكلفين أو آكلي الربا على فعل الطاعة أو على التوبة من المعصية أو على كليهما بنوع غير ما سبق- كما قيل- وإما عود إلى تفصيل بقية القصة بعد تمهيد مبادئ الرشد والصلاح وترتيب مقدمات الفوز والفلاح على رأي، وذكر مضي الأديان ليس له كثير ارتباط بذلك، وإن زعم بعضهم أن فيه تثبيتا للمؤمنين على دين النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لئلا يهنوا بقول اليهود إن دين موسى ﵇ لا ينسخ ولا يجوز النسخ على الله تعالى لأنه بداء وتحريضا لليهود وحثا على قبول دين الإسلام وإنذارا لهم من أن يقع عليهم مثل ما وقع على المكذبين وتقوية لقلوب المؤمنين بأنه سينصرهم على المكذبين، نعم إطلاق السنة على الشريعة أقرب من إطلاقها على الوقعة لأنها في الأصل الطريقة والعادة، ومنه قولهم: سنة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، والجار والمجرور إما متعلق بخلت أو بمحذوف وقع حالا من سُنَنٌ أي سنن كائنة من قبلكم فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ أي بأقدامكم أو بأفهامكم فَانْظُروا أي تأملوا.
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم الذي أدى إليه تكذيبهم لأنبيائهم، والفاء للإيذان بسببية الخلو للسير والنظر أو الأمر بهما، وقيل: المعنى على الشرط أي إن شككتم فَسِيرُوا إلخ، والخطاب على كل تقدير مساق للمؤمنين، وقال النقاش: للكفار- وفيه بعد- وكَيْفَ خبر مقدم- لكان- معلق لفعل النظر، والجملة في محل النصب بعد نزع الخافض لأن الأصل استعماله بالجار وتجريد الفعل عن تاء التأنيث لأن المرفوع مجازي التأنيث.
стр. 835
هذا بَيانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ الإشارة إما إلى القرآن- وهو المروي عن الحسن وقتادة- وخدش بأنه بعيد عن السياق. وإما إلى ما لخص من أمر الكفار والمتقين والتائبين، وقوله سبحانه: قَدْ خَلَتْ الآية اعتراض للحث على الإيمان والتقوى والتوبة- كما قيل- ووجه الاعتراض لدفع الاعتراض بأن المعترضة مؤكدة للمعترض فيه وهنا ليس كذلك بأن تلك الآيات واردة على سبيل الترغيب والترهيب لآكلي الربا وهذه الآية دلت على الترهيب ومعناه راجع إلى الترغيب بحسب التضاد كما أن بعض الآيات الواردة في الرحمن للوعيد تعدّ من الآلاء بحسب الزجر عن المعاصي فيتأتى التوكيد دون نقص، واعترض عليه بأنه تعسف. وإما إلى ما سلف من قوله سبحانه:
قَدْ خَلَتْ إلخ، وهو المروي عن أبي إسحاق، واختاره الطبري والبلخي، وكثير من المتأخرين- وأل- في الناس للعهد، والمراد بهم المكذبون، والظرف إما متعلق ببيان أو بمحذوف وقع صفة لهم أي هذا إيضاح لسوء عاقبة ما هم عليه من التكذيب فإن الأمر السابق وإن كان خاصا بالمؤمنين على المختار لكن العمل بموجبه غير مختص بهم ففيه حمل للمكذبين أيضا على أن ينظروا في عاقبة أسلافهم ليعتبروا بذلك، والموعظة ما يلين القلب ويدعو إلى التمسك بما فيه طاعة، والهدى بيان طريق الرشد ليسلك دون طريق الغي، والفرق بينه وبين البيان أن الثاني إظهار المعنى كائنا ما كان ولكون المراد به هنا ما كان عاريا عن الهدى والعظة خصه بالناس مع أن ظاهره شامل للمتقين.
والمراد بهم مقابل المكذبين وكأنه وضع موضع الضمير بناء على أن المعنى وزيادة بصيرة وموعظة لكم للإيذان بعلة الحكم فإن مدار ذلك كونه هدى وموعظة لهم إنما هو تقواهم وعدم تكذيبهم، وقدم بيان كونه بيانا للمكذبين مع أنه غير مسوق له على بيان كونه هدى للمتقين مع أنه المقصود بالسياق لأن أول ما يترتب على مشاهدة آثار هلاك أسلافهم ظهور حال أخلافهم، وأما الهدى فأمر مترتب عليه والاقتصار على الأمرين في جانب المتقين مع
стр. 836
ترتبهما على البيان لما أنهما المقصد الأصلي، وقيل: أل في الناس للجنس.
والمراد بيان لجميع الناس لكن المنتفع به المتقون لأنهم يهتدون به وينتجعون بوعظه- وليس بالبعيد- وجوز بعضهم أن يراد من المتقين الصائرون إلى التقوى فيبقى الهدى والموعظة بلا زيادة، وأن يراد بهم ما يعمهم وغيرهم من المتقين بالفعل فيحتاج الهدى وما عطف عليه إلى اعتبار ما يعم الابتداء والزيادة فيه، ولا يخفى ما في الثاني من زيادة البعد لارتكاب خلاف الظاهر في موضعين، وأما الأول ففيه بعد من جهة الارتكاب في موضع واحد وهو وإن شارك ما قلناه من هذه الحيثية إلا أن ما ارتكبناه يهدي إليه في الجملة التنوين الذي في الكلمة ولا كذلك ما ارتكبوه بل اعتبار الكمال المشعر به الإطلاق ربما يأباه ولعله لمجموع الأمرين هان أمر نزع الخف.
وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا
أخرج الواحدي عن ابن عباس أنه قال: «انهزم أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم أحد فبينما هم كذلك إذ أقبل خالد بن الوليد بخيل المشركين يريدون أن يعلوا عليهم الجبل فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهم لا قوة لنا إلا بك اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة غير هؤلاء النفر فأنزل الله تعالى هذه الآية وثاب نفر من المسلمين فصعدوا الجبل ورموا خيل المشركين حتى هزموهم»
وعن الزهري وقتادة أنها نزلت تسلية للمسلمين لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح.
وعن الكلبي أنها نزلت بعد يوم أحد حين أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم بطلب القوم. وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: «لا يخرج إلا من شهد معنا بالأمس فاشتد ذلك على المسلمين فأنزل الله تعالى هذه الآية،
وأيّا ما كان فهي معطوفة على قوله تعالى: فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ بحسب اللفظ ومرتبطة به بحسب المعنى إن قلنا إنه عود إلى التفصيل، وبما تقدم من قصة أحد- إن لم نقل ذلك- وبه قال جمع، وجعلوا توسيط حديث الربا استطرادا أو إشارة إلى نوع آخر من عداوة الدين ومحاربة المسلمين، وبه يظهر الربط وقد مر توجيهه بغير ذلك أيضا.
ومن الناس من جعل ارتباط هذه الآية لفظا بمحذوف أي كونوا مجدين ولا تهنوا، ومضى على الخلاف وهو تكلف مستغنى عنه، والوهن- الضعف أي لا تضعفوا عن قتال أعدائكم والجهاد في سبيل الله تعالى بما نالكم من الجراح وَلا تَحْزَنُوا على ما أصبتم به من قتل الأعزة وقد قتل في تلك الغزوة خمسة من المهاجرين حمزة بن عبد المطلب ومصعب عن بن عمير صاحب راية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعبد الله بن جحش ابن عمة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعثمان بن شماس وسعد مولى عتبة رضي الله تعالى عنهم، وسبعون من الأنصار، وقيل:
لا تَحْزَنُوا على ما فاتكم من الغنيمة ولا يخفى بعده والظاهر أن حقيقة النهي غير مرادة هنا بل المراد التسلية والتشجيع وإن أريدت الحقيقة فلعل ذلك بالنسبة إلى ما يترتب على الوهن والحزن من الآثار الاختيارية أي لا تفعلوا ما يترتب على ذلك وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ جملة حالية من فاعل الفعلين أي والحال أنكم الْأَعْلَوْنَ الغالبون دون أعدائكم فإن مصيرهم مصير أسلافهم المكذبين فهو تصريح بعد الإشعار بالغلبة والنصر.
حكى القرطبي أنهم لم يخرجوا بعد ذلك إلا ظفروا في كل عسكر كان في عهده ﵊ وكذا في كل عسكر كان بعد، ولو لم يكن فيه إلا واحد من الصحابة رضي الله تعالى عنهم. أو المراد والحال أنكم أعلى منهم شأنا فإنكم على الحق وقتالكم لإعلاء كلمة الله تعالى وقتلاكم في الجنة وأنهم على الباطل وقتالهم لنصرة كلمة الشيطان وقتلاهم في النار، واشتراكهم على هذا في العلو بناء على الظاهر وزعمهم، وإذا أخذ العلو بمعنى الغلبة لا يحتاج إلى هذا لما أن الحرب سجال وأن العاقبة للمتقين، وقيل: المراد وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ حالا منهم حيث أصبتم
стр. 837
منهم يوم بدر أكبر مما أصابوا منكم اليوم، ومن الناس من جوز كون الجملة لا محل لها من الإعراب وجعلها معترضة بين النهي المذكور، وقوله سبحانه: إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لأنه متعلق به معنى وإن كان الجواب محذوف أي- إن كنتم مؤمنين فلا تهنوا ولا تحزنوا- فإن الإيمان يوجب قوة القلب ومزيد الثقة بالله تعالى وعدم المبالاة بأعدائه، ولا يخفى أن دعوى التعلق مما لا بأس بها لكن الحكم- بكون تلك الجملة معترضة- معترض بالبعد، ويحتمل أن يكون هذا الشرط متعلقا- بالأعلون- والجواب محذوف أيضا أي إن كنتم مؤمنين- فأنتم الأعلون- فإن الإيمان بالله تعالى يقتضي العلو لا محالة، ويحتمل أن يراد بالإيمان التصديق بوعد الله تعالى بالنصرة والظفر على أعداء الله تعالى، ولا اختصاص لهذا الاحتمال بالاحتمال الأخير من احتمالي التعلق كما يوهمه صنيع بعضهم، وعلى كل تقدير المقصود من الشرط هنا تحقيق المعلق به كما في قول الأجير: إن كنت عملت لك فأعطني أجري، أو من قبيل قولك لولدك:
إن كنت ابني فلا تعصني، وحمل بعضهم الشرط على التعليل أي لا تهنوا ولا تحزنوا لأجل كونكم مؤمنين، أو وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ لأجل ذلك، والقول بأن المراد إن بقيتم على الإيمان ليس له كمال ملاءمة للمقام إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ قرأ حمزة والكسائي، وابن عياش عن عاصم بضم القاف، والباقون بالفتح، وهما لغتان- كالدف والدف، والضعف والضعف- وقال الفراء: القرح بالفتح الجراحة، وبالضم ألمها، ويقرأ بضم القاف والراء على الاتباع- كاليسر واليسر، والطنب والطنب- وقرأ أبو السمال بفتحهما وهو مصدر قرح يقرح إذا صار له قرحة والمعنى إن نالوا منكم يوم أحد فقد نلتم منهم قبله يوم بدر، ثم لم يضعف ذلك قلوبهم ولم يثبطهم عن معاودتكم بالقتال وأنتم أحق بأن لا تضعفوا فإنكم ترجون من الله تعالى ما لا يرجون، والمضارع على ما ذهب إليه العلامة التفتازاني لحكاية الحال لأن المساس مضى، وأما استعمال- إن- فبتقدير كان أي إن كان مسكم قرح، وإِنْ لا تتصرف في- كان- لقوة دلالته على المضي، أو على ما قيل: إن إِنْ قد تجيء لمجرد التعليق من غير نقل فعله من الماضي إلى المستقبل، وما وقع في موضع جواب الشرط ليس بجواب حقيقة لتحققه قبل هذا الشرط، بل دليل الجواب، والمراد إن كان مسكم قرح فذلك لا يصحح عذركم وتقاعدكم عن الجهاد بعد لأنه قد مس أعداءكم مثله وهم على ما هم عليه، أو يقال: إن مسكم قرح فتسلوا فقد مس القوم قرح مثله، والمثلية باعتبار كثرة القتلى في الجملة فلا يرد أن المسلمين قتلوا من المشركين يوم بدر سبعين وأسروا سبعين، وقتل المشركون من المسلمين يوم أحد خمسة وسبعين وجرحوا سبعين، والتزم بعضهم تفسير القرح بمجرد الانهزام دون تكثير القتلى فرارا من هذا الإيراد، وأبعد بعض في توجيه الآية وحملها على ما لا ينبغي أن يحمل عليه كلام الله تعالى، فقال: الأوجه أن يقال: إن المراد إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فلا تهنوا لأنه مَسَّ الْقَوْمَ أي الرجال قَرْحٌ مِثْلُهُ والقرح للرجال لا للنساء فمن هو من زمرة الرجال ينبغي أن لا يعرض عما هو سمته بل ينبغي أن يسعى له، وبهذا يظهر بقاء وجه التعبير بالمضارع وأنه على ظاهره، وكذا يندفع ما قيل: إن قرح القوم لم يكن مثل قرحهم ولا يحتاج إلى ما تقدم من الجواب.
وقيل: إن كلا المسين كان في أحد فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول الله ﷺ فإنهم قتلوا منهم نيفا وعشرين رجلا أحدهم صاحب لوائهم، وجرحوا عددا كثيرا وعقروا عامة خيلهم بالنبل، وقيل: إن ذلك القرح الذي مسهم أنهم رجعوا خائبين مع كثرتهم وغلبتهم بحفظ الله تعالى للمؤمنين.
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ اسم الإشارة مشار به إلى ما بعده كما في الضمائر المبهمة التي يفسرها ما بعدها نحو- ربه رجلا- ومثله يفيد التفخيم والتعظيم، والْأَيَّامُ بمعنى الأوقات لا الأيام العرفية، وتعريفها للعهد إشارة إلى أوقات الظفر والغلبة الجارية فيما بين الأمم الماضية والآتية، ويوما بدر وأحد داخلان فيها دخولا أوليا.
стр. 838
نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ نصرفها بينهم فنديل لهؤلاء مرة ولهؤلاء أخرى كما وقع ذلك يوم بدر ويوم أحد، والمداولة نقل الشيء من واحد إلى آخر، يقال: تداولته الأيدي إذا انتقل من واحد إلى واحد، والنَّاسِ عام، وفسره ابن سيرين بالأمراء، واسم الإشارة مبتدأ، والْأَيَّامُ خبره، ونُداوِلُها في موضع الحال، والعامل فيها معنى الإشارة أو خبر بعد خبر، ويجوز أن تكون الْأَيَّامُ صفة أو بدلا أو عطف بيان، ونُداوِلُها هو الخبر، وبَيْنَ النَّاسِ ظرف لنداولها، وجوز أن يكون حالا من الهاء، وصيغة المضارع الدالة على التجدد والاستمرار للإعلام بأن تلك المداولة سنة مسلوكة فيما بين الأمم قاطبة إلى أن يأتي أمر الله تعالى ومن كلامهم: الأيام دول، والحرب سجال، وفي هذا ضرب من التسلية للمؤمنين، وقرئ- يداولها.
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا تعليل لما هو فرد من أفراد مطلق المداولة المشار إليها فيما قبل، وهي المداولة المعهودة الجارية بين فريقي المؤمنين والكافرين، واللام متعلقة بما دل عليه المطلق من الفعل المقيد بالوقوع بين الفريقين المذكورين أو بنفس الفعل المطلق باعتبار وقوعه بينهما، والجملة معطوفة على علة أخرى لها معتبرة إما على الخصوص والتعيين للدلالة المذكورة عليها كأنه قيل: نُداوِلُها بينكم وبين عدوكم ليظهر أمركم وليعلم، وإما على العموم والإبهام للتنبيه على أن العلل غير منحصرة فيما عد من الأمور، وأن العبد يسوءه ما يجري عليه ولا يشعر بما لله في طيه من الألطاف، كأنه قيل: نجعلها دولا بينكم لتكون حكما وفوائد جمة وَلِيَعْلَمَ إلخ، وفيه من تأكيد التسلية ما لا يخفى، وتخصيص البيان بعلة هذا الفرد من مطلق المداولة دون سائر أفرادها الجارية بين بقية الأمم تعيينا أو إبهاما لعدم تعلق الغرض العلمي ببنيانها، ولك أن تجعل المحذوف المبهم عبارة عن علل سائر أفرادها للإشارة إجمالا إلى أن كل من أفرادها له علة داعية في الظاهر إليه كأنه قيل: نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ كافة ليكون كيت وكيت من الحكم الداعية إلى تلك الأفراد وَلِيَعْلَمَ إلخ، فاللام الأولى متعلقة بالفعل المطلق باعتبار تقييده بتلك الأفراد، والثانية باعتبار تقييده بالفرد المعهود- قاله مولانا شيخ الإسلام.
وجوزوا أن يكون الفعل معطوفا على ما قبله باعتبار المعنى كأنه قيل: داولت بينكم الأيام لأن هذه عادتنا وَلِيَعْلَمَ إلخ، وقيل: إن الفعل المعلل به محذوف ويقدر مؤخرا، والتقدير وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا فعل ذلك ومنهم من زعم زيادة الواو وهو من ضيق المجال، والكلام من باب التمثيل أي ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم. والعلم فيه مجاز عن التمييز من باب إطلاق اسم السبب على المسبب أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم. وحمل العلم على التمييز في حال التمثيل تطويل من غير طائل، واختار غير واحد حمل العلم على التعلق التنجيزي المترتب عليه الجزاء. وقد تقدم بعض الكلام على ذلك في البقرة.
وبالجملة لا يرد لزوم حدوث العلم الذي هو صفة قائمة بذاته تعالى وإطلاق الإيمان مع أن المراد هو الرسوخ والإخلاص فيه للإشعار بأن اسم الإيمان لا ينطلق على غيره.
وزعم بعضهم أن التقدير ليعلم الله المؤمن من المنافق إلا أنه استغنى بذكر أحدهما عن الآخر ولا حاجة إليه، ومثله القول بحذف المضاف أي صبر الذين، والالتفات إلى الغيبة بإسناده إلى الاسم الجليل لتربية المهابة والإشعار بأن صدور كل واحد مما ذكر بصدد التعليل من أفعاله تعالى باعتبار منشأ معين من صفاته التي استجمعها هذا الاسم الأعظم مغاير لمنشأ الآخر وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ جمع شهيد وهو قتيل المعركة وأراد بهم شهداء أحد كما قاله الحسن وقتادة وابن إسحاق، و «من» ابتدائية أو تبعيضية متعلقة- بيتخذ- أو بمحذوف وقع حالا من شُهَداءَ، وقيل: جمع شاهد أي ويتخذ منكم شهودا معدلين بما ظهر من الثبات على الحق والصبر على الشدائد وغير ذلك من
стр. 839
شواهد الصدق ليشهدوا على الأمم يوم القيامة، و «من» على هذا بيانية لأن تلك الشهادة وظيفة الكل كما يشير إليه قوله تعالى: وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [البقرة: ١٤٣] ويؤيد الأول ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: لما أبطأ على النساء الخبر خرجن يستخبرن فإذا رجلان مقتولان على دابة أو على بعير فقالت امرأة من الأنصار: من هذان؟ قالوا: فلان وفلان أخوها وزوجها أو زوجها وابنها فقالت: ما فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ قالوا: حي قالت: فلا أبالي يتخذ الله تعالى من عباده الشهداء ونزل القرآن على ما قالت: ويَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وكنى بالاتخاذ عن الإكرام لأن من اتخذ شيئا لنفسه فقد اختاره وارتضاه فالمعنى ليكرم أناسا منكم بالشهادة وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي يبغضهم، والمراد من الظالمين إما المنافقون كابن أبيّ وأتباعه الذين فارقوا جيش الإسلام على ما نقلناه فيما قبل فهم في مقابلة المؤمنين فيما تقدم المفسر بالثابتين على الإيمان الراسخين فيه الذين توافق ظواهرهم بواطنهم، وإما بمعنى الكافرين المجاهرين بالكفر، وأيّا ما كان فالجملة معترضة لتقرير مضمون ما قبلها، وفيها تنبيه على أنه تعالى لا ينصر الكافر على الحقيقة وإنما يغلبه أحيانا استدراجا له وابتلاء للمؤمن، وأيضا لو كانت النصرة دائما للمؤمنين لكان الناس يدخلون في الإيمان على سبيل اليمن والفأل، والمقصود غير ذلك وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي ليطهرهم من الذنوب ويصفيهم من السيئات.
وأصل التمحيص كما قال الخليل: تخليص الشيء من كل عيب. يقال: محصت الذهب إذا أزلت خبثه.
والجملة معطوفة على يَتَّخِذَ وتكرير اللام للاعتناء بهذه العلة. ولذلك أظهر الاسم الجليل في موضع الإضمار أو لتذكير التعليل لوقوع الفضل بينهما بالاعتراض. وهذه الأمور الثلاثة- كما قال مولانا شيخ الإسلام- علل للمداولة المعهودة باعتبار كونها على المؤمنين قدمت في الذكر لأنها المحتاجة إلى البيان. ولعل تأخير العلة الأخيرة عن الاعتراض لئلا يتوهم اندراج المذنبين في الظالمين. أو لتقترن بقوله : وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ لما بينهما من المناسبة حيث إن في كل من التمحيص والمحق- إزالة إلا أن في الأول إزالة الآثار وإزاحة الأوضار، وفي الثاني إزالة العين وإهلاك النفس، وأصل- المحق- تنقيص الشيء قليلا قليلا ومنه المحاق والمعنى ويهلك الكافرين، ولا يبقى منهم أحدا ينفخ النار. وهذا علة للمداولة باعتبار كونها عليهم. والمراد منهم هنا طائفة مخصوصة وهم الذين حاربوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم أحد وأصروا على الكفر فإن الله تعالى محقهم جميعا، وقيل: يجوز أن يكون هذا علة للمداولة باعتبار كونها على المؤمنين أيضا فإن الكفار إذا غلبوا أحيانا اغتروا وأوقعهم الشيطان في أو حال الأمل ووسوس لهم فبقوا مصرين على الكفر فأهلكهم الله تعالى بذنوبهم وخلدهم في النار.
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ خطاب للمنهزمين يوم أحد وهو كلام مستأنف لبيان ما هي الغاية القصوى من المداولة والنتيجة لما ذكر من العلل الثلاث الأول، و «أم» منقطعة مقدرة ببل وهمزة الاستفهام الإنكاري وكونها متصلة وعديلها مقدر تكلف، والإضراب عن التسلية ببيان العلل فيما لقوا من الشدة إلى تحقيق أنها من مبادئ الفوز بالمطلب الأسنى والمقام الأعلى، والمعنى بل لا ينبغي منكم أن تظنوا أنكم تدخلون الجنة وتفوزون بنعيمها وما أعد الله تعالى لعباده فيها وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ حال من ضمير تَدْخُلُوا مؤكدة للإنكار فإن رجاء الأجر من غير عمل ممن يعلم أنه منوط به مستبعد عند العقول، ولهذا قيل:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها ... إن السفينة لا تجري على اليبس
وورد عن شهر بن حوشب طلب الجنة من غير عمل ذنب من الذنوب، وانتظار الشفاعة بلا سبب نوع من الغرور، وارتجاء الرحمة ممن لا يطاع حمق وجهالة، ونفي العلم باعتبار تعلقه التنجيزي كما مر في الإثبات على رأي.
стр. 840
ويجوز أن يكون الكلام كناية عن نفي تحقق ذلك لأن نفي العلم من لوازم نفي التحقق إذ التحقق ملزوم علم الله تعالى، ونفي اللازم لازم نفي الملزوم وكثيرا ما يقال: ما علم الله تعالى في فلان خيرا ويراد ما فيه خير حتى يعلمه، وهل يجري ذلك في نفي علمنا أم لا؟ فيه تردد والذي قطع به صاحب الانتصاف الثاني، وإيثار الكناية على التصريح للمبالغة في تحقيق المعنى المراد- وهو عدم تحقق الجهاد الذي هو سبب للفوز الأعظم منهم- لما أن الكلام عليها كدعوى الشيء ببينة، وفي ذلك رمز أيضا إلى ترك الرياء، وأن المقصود علم الله تعالى لا الناس، وإنما وجه النفي إلى الموصوفين مع أن المنفي هو الوصف الذي هو الجهاد للمبالغة في بيان انتفاء ذلك، وعدم تحققه أصلا وكيف تحقق صفة بدون موصوف، وفي اختيار لَمَّا على لم إشارة إلى أن الجهاد متوقع منهم فيما يستقبل بناء على ما يفهم من كلام سيبويه أن لَمَّا تدل على توقع الفعل المنفي بها، وقد ذكر الزجاج أنه إذا قيل: قد فعل فلان فجوابه- لما يفعل، وإذا قيل: فعل؟ فجوابه لم يفعل، فإذا قيل: لقد فعل، فجوابه ما فعل كأنه قال: والله لقد فعل فقال المجيب:
والله ما فعل، وإذا قيل: هو يفعل يريد ما يستقبل، فجوابه لا يفعل، وإذا قيل: سيفعل، فجوابه لن يفعل، فقول أبي حيان:
إن القول بأن لَمَّا تدل على توقع الفعل المنفي بها فيما يستقبل لا أعلم أحدا من النحويين ذكره غير متعدّ به، نعم هذا التوقع هنا غير معتبر في تأكيد الإنكار، وقرئ «ويعلم» بفتح الميم على أن أصله يعلمن بنون خفيفة فحذفت في الدرج، وقد أجازوا حذفها إما بشرط ملاقاة ساكن بعدها أو مطلقا، ومن ذلك قوله:
إذا قلت قدني قال بالله حلفة ... لتغني عني ذا أنائك أجمعا
على رواية فتح اللام وقيل: إن فتح الميم لاتباع اللام ليبقى تفخيم اسم الله عز اسمه، ومِنْكُمْ حال من الَّذِينَ ومن فيه للتبعيض، فيؤذن بأن الجهاد فرض كفاية وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ نصب بإضمار إن، وقيل: بواو الصرف، والكلام على طرز- لا تأكل السمك وتشرب اللبن- أي أم حسبتم أن تدخلوا الجنة، والحال أنه لم يتحقق منكم الجهاد والصبر أي الجمع بينهما، وإيثار الصابرين على الذين صبروا للإيذان بأن المعتبر هو الاستمرار على الصبر وللمحافظة على رؤوس الآي، وقيل: الفعل مجزوم بالعطف على المجزوم قبله وحرك لالتقاء الساكنين بالفتحة للخفة والاتباع، ويؤيد ذلك قراءة الحسن وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ بكسر الميم، وقرئ «ويعلم» بالرفع على أن الواو للاستئناف أو للحال بتقدير وهو يعلم، وصاحب الحال الموصول كأنه قيل: ولما تجاهدوا وأنتم صابرون وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ خطاب لطائفة من المؤمنين لم يشهدوا غزوة بدر لعدم ظنهم الحرب حين خرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إليها فلما وقع ما وقع ندموا فكانوا يقولون: ليتنا نقتل كما قتل أصحاب بدر ونستشهد كما استشهدوا فلما أشهدهم الله تعالى أحدا لم يلبث إلا من شاء الله تعالى منهم.
فالمراد بالموت هنا الموت في سبيل الله تعالى وهي الشهادة ولا بأس بتمنيها ولا يرد أن في تمني ذلك تمني غلبة الكفار لأن قصد المتمني الوصول إلى نيل كرامة الشهداء لا غير، ولا يذهب إلى ذلك وهمه كما أن من يشرب دواء النصراني مثلا يقصد الشفاء لا نفعه ولا ترويج صناعته، وقد وقع هذا التمني من عبد الله بن رواحة من كبار الصحابة ولم ينكر عليه، ويجوز أن يراد بالموت الحرب فإنها من أسبابه، وبه يشعر كلام الربيع وقتادة فحينئذ المتمني الحرب لا الموت مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ متعلق ب تَمَنَّوْنَ مبين لسبب إقدامهم على التمني أي من قبل أن تشاهدوا وتعرفوا هوله، وقرئ بضم اللام على حذف المضاف إليه ونية معناه وأن تلقوه حينئذ بدل من الموت بدل اشتمال أي كنتم تمنون الموت أن تلقوه من قبل ذلك، وقرئ: «تلاقوه» من المفاعلة التي تكون بين اثنين وما لقيك فقد لقيته، ويجوز أن يكون من باب سافرت والضمير عائد إلى الموت، وقيل: إلى العدو المفهوم من الكلام وليس بشيء فَقَدْ
стр. 841
رَأَيْتُمُوهُ أي ما تمنيتموه من الموت بمشاهدة أسبابه أو أسبابه، والفاء فصيحة كأنه قيل: إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتموه، وإيثار الرؤية على الملاقاة إما للإشارة إلى انهزامهم أو للمبالغة في مشاهدتهم له كتقييد ذلك بقوله سبحانه وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ لأنه في موضع الحال من ضمير المخاطبين أي رأيتموه معاينين له، وهذا على حد قولك: رأيته وليس في عيني علة أي رأيته رؤية حقيقية لا خفاء فيها ولا شبهة، وقيل: تَنْظُرُونَ بمعنى تتأملون وتتفكرون أي وأنتم تتأملون الحال كيف هي، وقيل: معناه وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى كل حال فالمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها تم جبنهم وانهزامهم لا على تمني الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
روي أنه لما التقى الفئتان يوم أحد وحميت الحرب قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ثم تعمم بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النحيل
أن لا أقوم الدهر في الكبول ... أضرب بسيف الله والرسول
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنها لمشية يبغضها الله تعالى ورسوله إلا في هذا الموضع فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله وقاتل علي كرم الله تعالى وجهه قتالا شديدا حتى التوى سيفه وأنزل الله تعالى النصر على المسلمين وأدبر المشركون فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا والمسلمون ينتهبون الغنيمة خالفوا أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا قليلا منهم فانطلقوا إلى العسكر فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال الناس بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب رسول الله ﷺ من خلفهم في مائتين وخمسين فارسا ففرقوهم وقتلوا نحوا من ثلاثين رجلا ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه الكريم وأقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير صاحب الراية رضي الله تعالى عنه حتى قتله ابن قميئة.
وقيل: إن الرامي عتبة بن أبي وقاص فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إني قتلت محمدا وصرخ صارخ لا يدري من هو حتى قيل: إنه إبليس ألا إن محمدا قد قتل فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعو: إليّ عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كنانته وكان يقول ارم فداك أبي وأمي وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست وعين قتادة حتى وقعت على وجنته فأعادها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فعادت كأحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أدركه أبيّ بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا، فقال: دعوه حتى إذا دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهدى من فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول: قتلني محمد وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله ﷺ فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول له: بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس فقال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق على بعد تلك المقالة قتلني فلم يلبث إلا يوما حتى مات بموضع يقال له سرف. ولما فشا في الناس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد قتل قال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمانا من أبي
стр. 842
سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء- يعني المسلمين- وأبرأ إليك عما قال هؤلاء- يعني المنافقين- ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه.
وروي أن أول من عرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كعب بن مالك قال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأشار إليّ أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم فلامهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على الفرار فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأبنائنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين» فأنزل الله تعالى هذه الآية
ومُحَمَّدٌ علم لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم منقول من اسم المفعول من حمد المضاعف لغة سماه به جده عبد المطلب السابع ولادته لموت أبيه قبلها ولما سئل عن ذلك قال لرؤية رآها: رجوت أن يحمد في السماء والأرض، ومعناه قبل النقل من يحمد كثيرا وضده المذمم،
وفي الخبر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «ألم تروا كيف صرف الله تعالى عني لعن قريش وشتمهم يشتمون مذمما وأنا محمد» .
وقد جمع هذا الاسم الكريم من الأسرار ما لا يحصى حتى قيل: إنه يشير إلى عدة الأنبياء كإشارته إلى المرسلين منهم عليهم الصلاة والسلام وعبر عنه صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا الاسم هنا لأنه أول أسمائه وأشهرها وبه صرخ الصارخ، وهو مرفوع على الابتداء وخبره ما بعد إلا ولا عمل- لما- بالاتفاق لانتقاض نفيه بإلا، واختلفوا في القصر هل هو قصر قلب أم قصر إفراد؟ فذهب العلامة الطيبي وجماعة إلى أنه قصر قلب لأنه جعل المخاطبون بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كأنهم اعتقدوا أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل حكمه على خلاف حكمهم فأنكر الله تعالى عليهم ذلك وبين أن حكم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حكم من سبق من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين في أنهم ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه فتكون جملة قَدْ خَلَتْ إلخ صفة لرسول منبئة عن كونه صلى الله تعالى عليه وسلم في شرف الخلو فإن خلو مشاركيه في منصب الرسالة من شواهد خلوه لا محالة كأنه قيل: قد خلت من قبله أمثاله فسيخلو كما خلوا، والقصر منصب على هذه الصفة فلا يرد أنه يلزم من قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة لأن ذلك ناشئ من الذهول عن الوصف، وقيل: الجملة في موضع الحال من الضمير في رسول والانصباب هو الانصباب.
وذهب صاحب المفتاح إلى أنه قصر إفراد إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل استعظامهم عدم بقائه ﷺ منزلة استبعادهم إياه وإنكارهم له حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والبعد عن الهلاك فقصر على الرسالة نفيا للبعد عن الهلاك، واعترض بأنه يتعين على هذا جعل جملة قَدْ خَلَتْ مستأنفة لبيان أنه ﷺ ليس بعيدا عن عدم البقاء كسائر الرسل إذ على اعتبار الوصف لا يكون إلا قصر قلب لانصباب القصر عليه، وكون الجملة مستأنفة بعيد لمخالفته القاعدة في الجمل بعد النكرات، وأجيب بأن ذلك ليس بمتعين لجواز أن تكون صفة أيضا مؤكدة لمعنى القصر متأخرة عنه في التقدير، وقرأ ابن عباس- رسل- بالتنكير أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ الهمزة للإنكار والفاء استئنافية أو لمجرد التعقيب، والانقلاب على الأعقاب في الأصل الرجوع القهقرى، وأريد به الارتداد والرجوع إلى ما كانوا عليه من الكفر في المشهور، والغرض إنكار ارتدادهم عن الدين بخلوه صلّى الله عليه وسلم
стр. 843
بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به، واستشكل بأن القوم لم يرتدوا فكيف عبر بالانقلاب على الأعقاب المتبادر منه ذلك؟ وأجيب بأنه ليس المراد ارتدادا حقيقة وإنما هو تغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله ﷺ وإسلامهم إياه للهلك، وقيل: الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي لا إنكار لما وقع، وقيل: هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته صلى الله تعالى عليه وسلم وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به.
وحمل بعضهم الانقلاب هنا على نقص الإيمان لا الكفر بعده احتجاجا بما
أخرجه ابن المنذر عن الزهري قال: «لما نزلت هذه الآية لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [الفتح: ٤] قالوا: يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص؟ قال: إي والذي بعثني بالحق إنه لينقص قالوا: فهل لذلك دلالة في كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
والانقلاب نقصان لا كفر ولا يخفى أن هذا الخبر ليس من القوة إلى حيث يحتج به وإني لا أجد عليه طلاوة الأحاديث الصحيحة.
وذهب بعضهم إلى أن الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبب، والهمزة لإنكار ذلك أي لا ينبغي أن تجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابكم على أعقابكم بعد موته أو قتله بل اجعلوه سببا للتمسك بدينه كما هو حكم سائر الأنبياء ﵈ ففي انقلابكم على أعقابكم تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كوله رسولا يخلو كما خلت الرسل، وإيراد الموت بكلمة إن مع العلم البتة لتنزيل المخاطبين منزلة المترددين فيه لما ذكر من استعظامهم إياه، قال المولى: وهكذا الحال في سائر الموارد فإن كلمة إن في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها أصلا ضرورة علمه تعالى بالوقوع أو اللاوقوع بل تحمل على اعتبار حال السامع، أو أمر آخر يناسب المقام، والمراد من- الموت- الموت على الفراش وبالقتل- الموت بواسطة نقض البنية وقدم تقدير الموت مع أن تقدير القتل هو الذي كاد يجر الموت الأحمر لما أن الموت في شرف الوقوع فزجر الناس عن الانقلاب عنده وحملهم على الثبات هناك أهم، ولأن الوصف الجامع في نفس الأمر بينه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الموت دون القتل خلافا لمن زعمه مستدلا بما ورد من أكلة خيبر، وإن كان قد وقع فيهم قتل وموت وإنما ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل لتجويز المخاطبين له وآية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] على تقدير نزولها قبل أحد يحتمل أنها لم تصل هؤلاء المنهزمين، وبتقدير وصولها احتمال أن لا تحضرهم قائم في مثل ذلك المقام الهائل، وقد غفل عمر رضي الله تعالى عنه عن هذه الآية يوم توفي رسول الله ﷺ .
فقد روى أبو هريرة أنه رضي الله تعالى عنه قام يومئذ فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم توفي وإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والله ما مات ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات والله ليرجعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مات، فخرج أبو بكر فقال: على رسلك يا عمر انصت فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من كان بعيد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ إلى آخرها فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ فأخذها الناس من أبي بكر، وقال عمر: فو الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد مات، والاعتذار باختصاص فهم آية العصمة بالعلماء من الصحابة وذوي البصيرة منهم مع ظهور معنى اللفظ كما اعتذر به الزمخشري لا يخفى ما فيه، وكون المراد منها العصمة من فتنة الناس
стр. 844
وإضلالهم لا يخفى بعده لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يظن به ذلك، وإنما يرد مثله في معرض الإلهاب والتعريض وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ بما فعل من الانقلاب لأنه تعالى لا تجوز عليه المضار شَيْئاً من الضرر وإن قل وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب أو بحرمانها مزيد الثواب، ويشير إلى ذلك توجه النفي إلى المفعول فإنه يفيد أنه يضر غير الله تعالى وليس إلا نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أي سيثيب الثابتين على دين الإسلام، ووضع الشاكرين موضع الثابتين لأن الثبات عن ذلك ناشيء عن تيقن حقيته وذلك شكر له، وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين، وإلى
تفسير الشاكرين بالثابتين ذهب علي كرم الله تعالى وجهه وقد رواه عنه ابن جرير،
وكان يقول:
الثابتون هم أبو بكر وأصحابه وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أمير الشاكرين، وعن ابن عباس أن المراد بهم الطائعون من المهاجرين والأنصار، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإعلان بمزيد الاعتناء بشأن جزائهم واتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد.
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ استئناف سيق للحض على الجهاد واللوم على تركه خشية القتل مع قطع عذر المنهزمين خشية ذلك بالكلية. ويجوز أن يكون تسلية عما لحق الناس بموت النبي ﷺ وإشارة إلى أنه ﵇ كغيره لا يموت إلا بإذن الله تعالى فلا عذر لأحد بترك دينه بعد موته.
والمراد بالنفس الجنس وتخصيصها بالنبي ﵊ كما روي عن ابن إسحاق ليس بشيء، والموت هنا أعم من الموت حتف الأنف، والموت بالقتل كما سنحققه، وكانَ ناقصة اسمها أَنْ تَمُوتَ لِنَفْسٍ متعلق بمحذوف وقع خبرا لها، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب.
وذهب أبو البقاء إلى أن بإذن الله خبر كانَ ولِنَفْسٍ متعلق بها واللام للتبيين، ونقل عن بعضهم أن الجار متعلق بمحذوف تقديره الموت لنفس، وأَنْ تَمُوتَ تبيين للمحذوف، وحكي عن الزجاج وبعض عن الأخفش أن التقدير- وما كان نفس لتموت- ثم قدمت اللام وكل هذه الأقوال أوهن من الوهن لا سيما الأخير، والمعنى ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا بسبب من الأسباب إلا بمشيئة الله تعالى وتيسيره. والإذن- مجاز عن ذلك لكونه من لوازمه، وظاهر التركيب يدل على أن الموت من الأفعال التي يقدم عليها اختيارا فقد شاع استعمال ما كان لزيد أن يفعل كذا فيما إذا كان ذلك الفعل اختياريا لكن الظاهر هنا متروك بأن يجعل ذلك من باب التمثيل بأن صور الموت بالنسبة إلى النفوس بصورة الفعل الاختياري الذي لا يقدم عليه إلا بالإذن.
والمراد عدم القدرة عليه أو بتنزيل إقدام النفوس على مبادئه كالقتال مثلا منزلة الإقدام عليه نفسه للمبالغة في تحقيق المرام فإن موتها لما استحال وقوعه عند إقدامها عليه أو على مبادئه وسعيها في إيقاعه فلأن يستحيل عند عدم ذلك أولى وأظهر، ويجوز على هذا أن يبقى الأذن على حقيقته ومفعوله مقدر للعلم به، والمراد بإذنه تعالى إذنه لملك الموت فإنه الذي يقبض روح كل ذي روح بشرا كان أولا شهيدا كان أو غير شهيد برا أو بحرا حتى قيل: إنه يقبض روح نفسه، واستثنى بعضهم أرواح شهداء البحر فإن الله تعالى هو الذي يقبضها بلا واسطة واستدل بحديث جويبر- وهو ضعيف جدا- وفيه من طريق الضحاك انقطاع، وذهب المعتزلة إلى أن ملك الموت إنما يقبض أرواح الثقلين دون غيرهم، وقال بعض المبتدعة: إنه يقبض الجميع سوى أرواح البهائم فإن أعوانه هم الذين يقبضونها ولا تعارض بين اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر: ٤٢] ويَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة: ١١] تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الأنعام:
٦١] لأن إسناد ذلك له تعالى بطريق الخلق والإيجاد الحقيقي، وإلى الملك لأنه المباشر له، وإلى الرسل لأنهم أعوانه المعالجون للنزع من العصب والعظم واللحم والعروق كِتاباً مصدر مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة
стр. 845
والمعنى كتب ذلك الموت المأذون فيه كتابا مُؤَجَّلًا أي موقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، وقيل: حكما لازما مبرما وهو صفة كِتاباً ولا يضر التوصيف بكون المصدر مؤكدا بناء على أنه معلوم مما سبق وليس كل وصف يخرج عن التأكيد، ولك- لما في ذلك من الخفاء- أن تجعل المصدر لوصفه مبينا للنوع وهو أولى من جعله مؤكدا، وجعل مُؤَجَّلًا حالا من الموت لا صفة له لبعد ذلك غاية البعد فتدبر.
وقرئ «موجلا» بالواو بدل الهمزة على قياس التخفيف، وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين إن المقتول ميت بأجله أي بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل إذ على تقدير عدم القتل لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة، وخالف في ذلك المعتزلة فذهب الكعبي منهم إلى أن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته، وأن للمقتول أجلين: أحدهما القتل والآخر الموت وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت، وذهب أو الهذيل إلى أن المقتول لو لم يقتل لمات البتة في ذلك الوقت.
وذهب الجمهور منهم إلى أن القاتل قد قطع على المقتول أجله وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله تعالى موته فيه لولا القتل، وليس النزاع بين الأصحاب والجمهور لفظيا كما رآه الأستاذ وكثير من المحققين حيث قالوا: إنه إذا كان الأجل زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكان المقتول ميتا بأجله بلا خلاف من المعتزلة في ذلك إذ هم لا ينكرون كون المقتول ميتا بالأجل الذي علمه الله تعالى وهو الأجل بسبب القتل، وإن قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن كذلك بلا خلاف من الأصحاب فيه إذ هم يقولون بعدم كون المقتول ميتا بالأجل غير المرتب على فعل العبد لأنا نقول حاصل النزاع أن المراد بأجل المقتول المضاف إليه زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدم ولا تأخر على ما يشير إليه قوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس: ٤٩] ويرجع الخلاف إلى أنه هل تحقق ذلك في حق المقتول أم المعلوم في حقه أنه إن قتل مات وإن لم يقتل يعش كذا في شرح المقاصد، ولعله جواب باختيار الشق الأول، وهو أن المراد زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكنه لا مطلقا بل على ما علمه تعالى وقدره بطريق القطع وحينئذ يصلح محلا للخلاف لأنه لا يلزم من عدم تحقق ذلك في المقتول كما يقوله المعتزلة تخلف العلم عن المعلوم لجواز أن يعلم تقدم موته بالقتل مع تأخر الأجل الذي لا يمكن تخلفه عنه، وقد يقال: إنه يمكن أن يكون جوابا باختيار شق ثالث وهو المقدر بطريق القطع إذ لا تعرض في تقرير الجواب للعلم والمقدر أخص من الأجل المعلوم مطلقا والفرق بينه وبين كونه جواب باختيار الأول لكن لا مطلقا اعتبار قيد العلم في الأجل الذي هو محل النزاع على تقدير اختيار الأول وعدم اعتباره فيه على اختيار الثالث وإن كان معلوما في الواقع أيضا فافهم، ثم إن أبا الحسين ومن تابعه يدعون الضرورة في هذه المسألة وكذا الجمهور في رأي البعض، وعند البعض الآخر هي عندهم استدلالية.
واحتجوا على مذهبهم بالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات تزيد في العمر وبأنه لو كان المقتول ميتا بأجله لم يستحق القاتل ذما ولا عقابا ولم يتوجه عليه قصاص ولا غرم دية ولا قيمة في ذبح شاة الغير لأنه لم يقطع أجلا ولم يحدث بفعله موتا، وبأنه ربما يقتل في الملحمة والحرب ألوف تقضي العادة بامتناع اتفاق موتهم في ذلك الوقت بآجالهم، وتمسك أبو الهذيل بأنه لو لم يمت المقتول لكان القاتل قاطعا لأجل قدره الله تعالى ومغيرا لأمر علمه وهو محال، والكعبي بقوله تعالى: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ حيث جعل القتل قسيما للموت بناء على أن المراد بالقتل المقتولية وأنها نفس بطلان الحياة وأن الموت خاص بما لا يكون على وجه القتل ومتى كان الموت غير القتل كان