Полный текст (6 473 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
رَأَيْتُمُوهُ أي ما تمنيتموه من الموت بمشاهدة أسبابه أو أسبابه، والفاء فصيحة كأنه قيل: إن كنتم صادقين في تمنيكم ذلك فقد رأيتموه، وإيثار الرؤية على الملاقاة إما للإشارة إلى انهزامهم أو للمبالغة في مشاهدتهم له كتقييد ذلك بقوله سبحانه وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ لأنه في موضع الحال من ضمير المخاطبين أي رأيتموه معاينين له، وهذا على حد قولك: رأيته وليس في عيني علة أي رأيته رؤية حقيقية لا خفاء فيها ولا شبهة، وقيل: تَنْظُرُونَ بمعنى تتأملون وتتفكرون أي وأنتم تتأملون الحال كيف هي، وقيل: معناه وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إلى محمد صلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى كل حال فالمقصود من هذا الكلام عتاب المنهزمين على تمنيهم الشهادة وهم لم يثبتوا حتى يستشهدوا، أو على تمنيهم الحرب وتسببهم لها تم جبنهم وانهزامهم لا على تمني الشهادة نفسها لأن ذلك مما لا عتاب عليه كما وهم وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
روي أنه لما التقى الفئتان يوم أحد وحميت الحرب قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: «من يأخذ هذا السيف بحقه ويضرب به العدو حتى ينحني؟ فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري ثم تعمم بعمامة حمراء وجعل يتبختر ويقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ... ونحن بالسفح لدى النحيل
أن لا أقوم الدهر في الكبول ... أضرب بسيف الله والرسول
فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنها لمشية يبغضها الله تعالى ورسوله إلا في هذا الموضع فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله وقاتل علي كرم الله تعالى وجهه قتالا شديدا حتى التوى سيفه وأنزل الله تعالى النصر على المسلمين وأدبر المشركون فلما نظر الرماة إلى القوم قد انكشفوا والمسلمون ينتهبون الغنيمة خالفوا أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلا قليلا منهم فانطلقوا إلى العسكر فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة واشتغال الناس بالغنيمة ورأى ظهورهم خالية صاح في خيله من المشركين وحمل على أصحاب رسول الله ﷺ من خلفهم في مائتين وخمسين فارسا ففرقوهم وقتلوا نحوا من ثلاثين رجلا ورمى عبد الله بن قميئة الحارثي رسول الله ﷺ بحجر فكسر رباعيته وشج وجهه الكريم وأقبل يريد قتله فذب عنه مصعب بن عمير صاحب الراية رضي الله تعالى عنه حتى قتله ابن قميئة.
وقيل: إن الرامي عتبة بن أبي وقاص فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إني قتلت محمدا وصرخ صارخ لا يدري من هو حتى قيل: إنه إبليس ألا إن محمدا قد قتل فانكفأ الناس وجعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعو: إليّ عباد الله فاجتمع إليه ثلاثون رجلا فحموه حتى كشفوا عنه المشركين ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه ونثل له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كنانته وكان يقول ارم فداك أبي وأمي وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست وعين قتادة حتى وقعت على وجنته فأعادها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فعادت كأحسن ما كانت فلما انصرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أدركه أبيّ بن خلف الجمحي وهو يقول: لا نجوت إن نجوت فقال القوم: يا رسول الله ألا يعطف عليه رجل منا، فقال: دعوه حتى إذا دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة ثم استقبله فطعنه في عنقه وخدشه خدشة فتدهدى من فرسه وهو يخور كما يخور الثور وهو يقول: قتلني محمد وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله ﷺ فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول له: بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس فقال: بلى لو كانت هذه الطعنة بربيعة ومضر لقتلهم أليس قال لي: أقتلك؟ فلو بزق على بعد تلك المقالة قتلني فلم يلبث إلا يوما حتى مات بموضع يقال له سرف. ولما فشا في الناس أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد قتل قال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبيّ فيأخذ لنا أمانا من أبي
стр. 842
سفيان، وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول، فقال أنس بن النضر عم أنس بن مالك: إن كان محمد قد قتل فإن رب محمد لم يقتل وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله ﷺ ؟ فقاتلوا على ما قاتل عليه وموتوا على ما مات عليه ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما قال هؤلاء- يعني المسلمين- وأبرأ إليك عما قال هؤلاء- يعني المنافقين- ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل رضي الله تعالى عنه.
وروي أن أول من عرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كعب بن مالك قال: عرفت عينيه تحت المغفر تزهران فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأشار إليّ أن اسكت فانحازت إليه طائفة من أصحابه رضي الله تعالى عنهم فلامهم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على الفرار فقالوا: يا رسول الله فديناك بآبائنا وأبنائنا أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا فولينا مدبرين» فأنزل الله تعالى هذه الآية
ومُحَمَّدٌ علم لنبينا صلى الله تعالى عليه وسلم منقول من اسم المفعول من حمد المضاعف لغة سماه به جده عبد المطلب السابع ولادته لموت أبيه قبلها ولما سئل عن ذلك قال لرؤية رآها: رجوت أن يحمد في السماء والأرض، ومعناه قبل النقل من يحمد كثيرا وضده المذمم،
وفي الخبر أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «ألم تروا كيف صرف الله تعالى عني لعن قريش وشتمهم يشتمون مذمما وأنا محمد» .
وقد جمع هذا الاسم الكريم من الأسرار ما لا يحصى حتى قيل: إنه يشير إلى عدة الأنبياء كإشارته إلى المرسلين منهم عليهم الصلاة والسلام وعبر عنه صلى الله تعالى عليه وسلم بهذا الاسم هنا لأنه أول أسمائه وأشهرها وبه صرخ الصارخ، وهو مرفوع على الابتداء وخبره ما بعد إلا ولا عمل- لما- بالاتفاق لانتقاض نفيه بإلا، واختلفوا في القصر هل هو قصر قلب أم قصر إفراد؟ فذهب العلامة الطيبي وجماعة إلى أنه قصر قلب لأنه جعل المخاطبون بسبب ما صدر عنهم من النكوص على أعقابهم عند الإرجاف بقتل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كأنهم اعتقدوا أن محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، ليس حكمه حكم سائر الرسل المتقدمة في وجوب اتباع دينهم بعد موتهم بل حكمه على خلاف حكمهم فأنكر الله تعالى عليهم ذلك وبين أن حكم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حكم من سبق من الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين في أنهم ماتوا وبقي أتباعهم متمسكين بدينهم ثابتين عليه فتكون جملة قَدْ خَلَتْ إلخ صفة لرسول منبئة عن كونه صلى الله تعالى عليه وسلم في شرف الخلو فإن خلو مشاركيه في منصب الرسالة من شواهد خلوه لا محالة كأنه قيل: قد خلت من قبله أمثاله فسيخلو كما خلوا، والقصر منصب على هذه الصفة فلا يرد أنه يلزم من قصر القلب أن يكون المخاطبون منكرين للرسالة لأن ذلك ناشئ من الذهول عن الوصف، وقيل: الجملة في موضع الحال من الضمير في رسول والانصباب هو الانصباب.
وذهب صاحب المفتاح إلى أنه قصر إفراد إخراجا للكلام على خلاف مقتضى الظاهر بتنزيل استعظامهم عدم بقائه ﷺ منزلة استبعادهم إياه وإنكارهم له حتى كأنهم اعتقدوا فيه وصفين الرسالة والبعد عن الهلاك فقصر على الرسالة نفيا للبعد عن الهلاك، واعترض بأنه يتعين على هذا جعل جملة قَدْ خَلَتْ مستأنفة لبيان أنه ﷺ ليس بعيدا عن عدم البقاء كسائر الرسل إذ على اعتبار الوصف لا يكون إلا قصر قلب لانصباب القصر عليه، وكون الجملة مستأنفة بعيد لمخالفته القاعدة في الجمل بعد النكرات، وأجيب بأن ذلك ليس بمتعين لجواز أن تكون صفة أيضا مؤكدة لمعنى القصر متأخرة عنه في التقدير، وقرأ ابن عباس- رسل- بالتنكير أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ الهمزة للإنكار والفاء استئنافية أو لمجرد التعقيب، والانقلاب على الأعقاب في الأصل الرجوع القهقرى، وأريد به الارتداد والرجوع إلى ما كانوا عليه من الكفر في المشهور، والغرض إنكار ارتدادهم عن الدين بخلوه صلّى الله عليه وسلم
стр. 843
بموت أو قتل بعد علمهم بخلو الرسل قبله وبقاء دينهم متمسكا به، واستشكل بأن القوم لم يرتدوا فكيف عبر بالانقلاب على الأعقاب المتبادر منه ذلك؟ وأجيب بأنه ليس المراد ارتدادا حقيقة وإنما هو تغليظ عليهم فيما كان منهم من الفرار والانكشاف عن رسول الله ﷺ وإسلامهم إياه للهلك، وقيل: الإنكار هنا بمعنى أنه لم يكن ذلك ولا ينبغي لا إنكار لما وقع، وقيل: هو إخبار عما وقع لأهل الردة بعد موته صلى الله تعالى عليه وسلم وتعريض بما وقع من الهزيمة لشبهه به.
وحمل بعضهم الانقلاب هنا على نقص الإيمان لا الكفر بعده احتجاجا بما
أخرجه ابن المنذر عن الزهري قال: «لما نزلت هذه الآية لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ [الفتح: ٤] قالوا: يا رسول الله قد علمنا أن الإيمان يزداد فهل ينقص؟ قال: إي والذي بعثني بالحق إنه لينقص قالوا: فهل لذلك دلالة في كتاب الله تعالى؟ قال: نعم، ثم تلا رسول الله ﷺ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ
والانقلاب نقصان لا كفر ولا يخفى أن هذا الخبر ليس من القوة إلى حيث يحتج به وإني لا أجد عليه طلاوة الأحاديث الصحيحة.
وذهب بعضهم إلى أن الفاء معلقة للجملة الشرطية بالجملة التي قبلها على معنى التسبب، والهمزة لإنكار ذلك أي لا ينبغي أن تجعلوا خلو الرسل قبله سببا لانقلابكم على أعقابكم بعد موته أو قتله بل اجعلوه سببا للتمسك بدينه كما هو حكم سائر الأنبياء ﵈ ففي انقلابكم على أعقابكم تعكيس لموجب القضية المحققة التي هي كوله رسولا يخلو كما خلت الرسل، وإيراد الموت بكلمة إن مع العلم البتة لتنزيل المخاطبين منزلة المترددين فيه لما ذكر من استعظامهم إياه، قال المولى: وهكذا الحال في سائر الموارد فإن كلمة إن في كلام الله تعالى لا تجري على ظاهرها أصلا ضرورة علمه تعالى بالوقوع أو اللاوقوع بل تحمل على اعتبار حال السامع، أو أمر آخر يناسب المقام، والمراد من- الموت- الموت على الفراش وبالقتل- الموت بواسطة نقض البنية وقدم تقدير الموت مع أن تقدير القتل هو الذي كاد يجر الموت الأحمر لما أن الموت في شرف الوقوع فزجر الناس عن الانقلاب عنده وحملهم على الثبات هناك أهم، ولأن الوصف الجامع في نفس الأمر بينه صلى الله تعالى عليه وسلم وبين الرسل عليهم الصلاة والسلام هو الموت دون القتل خلافا لمن زعمه مستدلا بما ورد من أكلة خيبر، وإن كان قد وقع فيهم قتل وموت وإنما ذكر القتل مع علمه سبحانه أنه لا يقتل لتجويز المخاطبين له وآية وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة: ٦٧] على تقدير نزولها قبل أحد يحتمل أنها لم تصل هؤلاء المنهزمين، وبتقدير وصولها احتمال أن لا تحضرهم قائم في مثل ذلك المقام الهائل، وقد غفل عمر رضي الله تعالى عنه عن هذه الآية يوم توفي رسول الله ﷺ .
فقد روى أبو هريرة أنه رضي الله تعالى عنه قام يومئذ فقال: إن رجالا من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم توفي وإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والله ما مات ولكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فقد غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات والله ليرجعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما رجع موسى فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مات، فخرج أبو بكر فقال: على رسلك يا عمر انصت فحمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من كان بعيد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ إلى آخرها فو الله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ فأخذها الناس من أبي بكر، وقال عمر: فو الله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قد مات، والاعتذار باختصاص فهم آية العصمة بالعلماء من الصحابة وذوي البصيرة منهم مع ظهور معنى اللفظ كما اعتذر به الزمخشري لا يخفى ما فيه، وكون المراد منها العصمة من فتنة الناس
стр. 844
وإضلالهم لا يخفى بعده لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يظن به ذلك، وإنما يرد مثله في معرض الإلهاب والتعريض وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ بما فعل من الانقلاب لأنه تعالى لا تجوز عليه المضار شَيْئاً من الضرر وإن قل وإنما يضر نفسه بتعريضها للسخط والعذاب أو بحرمانها مزيد الثواب، ويشير إلى ذلك توجه النفي إلى المفعول فإنه يفيد أنه يضر غير الله تعالى وليس إلا نفسه وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ أي سيثيب الثابتين على دين الإسلام، ووضع الشاكرين موضع الثابتين لأن الثبات عن ذلك ناشيء عن تيقن حقيته وذلك شكر له، وفيه إيماء إلى كفران المنقلبين، وإلى
تفسير الشاكرين بالثابتين ذهب علي كرم الله تعالى وجهه وقد رواه عنه ابن جرير،
وكان يقول:
الثابتون هم أبو بكر وأصحابه وأبو بكر رضي الله تعالى عنه أمير الشاكرين، وعن ابن عباس أن المراد بهم الطائعون من المهاجرين والأنصار، وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار للإعلان بمزيد الاعتناء بشأن جزائهم واتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد.
وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ استئناف سيق للحض على الجهاد واللوم على تركه خشية القتل مع قطع عذر المنهزمين خشية ذلك بالكلية. ويجوز أن يكون تسلية عما لحق الناس بموت النبي ﷺ وإشارة إلى أنه ﵇ كغيره لا يموت إلا بإذن الله تعالى فلا عذر لأحد بترك دينه بعد موته.
والمراد بالنفس الجنس وتخصيصها بالنبي ﵊ كما روي عن ابن إسحاق ليس بشيء، والموت هنا أعم من الموت حتف الأنف، والموت بالقتل كما سنحققه، وكانَ ناقصة اسمها أَنْ تَمُوتَ لِنَفْسٍ متعلق بمحذوف وقع خبرا لها، والاستثناء مفرغ من أعم الأسباب.
وذهب أبو البقاء إلى أن بإذن الله خبر كانَ ولِنَفْسٍ متعلق بها واللام للتبيين، ونقل عن بعضهم أن الجار متعلق بمحذوف تقديره الموت لنفس، وأَنْ تَمُوتَ تبيين للمحذوف، وحكي عن الزجاج وبعض عن الأخفش أن التقدير- وما كان نفس لتموت- ثم قدمت اللام وكل هذه الأقوال أوهن من الوهن لا سيما الأخير، والمعنى ما كان الموت حاصلا لنفس من النفوس مطلقا بسبب من الأسباب إلا بمشيئة الله تعالى وتيسيره. والإذن- مجاز عن ذلك لكونه من لوازمه، وظاهر التركيب يدل على أن الموت من الأفعال التي يقدم عليها اختيارا فقد شاع استعمال ما كان لزيد أن يفعل كذا فيما إذا كان ذلك الفعل اختياريا لكن الظاهر هنا متروك بأن يجعل ذلك من باب التمثيل بأن صور الموت بالنسبة إلى النفوس بصورة الفعل الاختياري الذي لا يقدم عليه إلا بالإذن.
والمراد عدم القدرة عليه أو بتنزيل إقدام النفوس على مبادئه كالقتال مثلا منزلة الإقدام عليه نفسه للمبالغة في تحقيق المرام فإن موتها لما استحال وقوعه عند إقدامها عليه أو على مبادئه وسعيها في إيقاعه فلأن يستحيل عند عدم ذلك أولى وأظهر، ويجوز على هذا أن يبقى الأذن على حقيقته ومفعوله مقدر للعلم به، والمراد بإذنه تعالى إذنه لملك الموت فإنه الذي يقبض روح كل ذي روح بشرا كان أولا شهيدا كان أو غير شهيد برا أو بحرا حتى قيل: إنه يقبض روح نفسه، واستثنى بعضهم أرواح شهداء البحر فإن الله تعالى هو الذي يقبضها بلا واسطة واستدل بحديث جويبر- وهو ضعيف جدا- وفيه من طريق الضحاك انقطاع، وذهب المعتزلة إلى أن ملك الموت إنما يقبض أرواح الثقلين دون غيرهم، وقال بعض المبتدعة: إنه يقبض الجميع سوى أرواح البهائم فإن أعوانه هم الذين يقبضونها ولا تعارض بين اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر: ٤٢] ويَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ [السجدة: ١١] تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا [الأنعام:
٦١] لأن إسناد ذلك له تعالى بطريق الخلق والإيجاد الحقيقي، وإلى الملك لأنه المباشر له، وإلى الرسل لأنهم أعوانه المعالجون للنزع من العصب والعظم واللحم والعروق كِتاباً مصدر مؤكد لعامله المستفاد من الجملة السابقة
стр. 845
والمعنى كتب ذلك الموت المأذون فيه كتابا مُؤَجَّلًا أي موقتا بوقت معلوم لا يتقدم ولا يتأخر، وقيل: حكما لازما مبرما وهو صفة كِتاباً ولا يضر التوصيف بكون المصدر مؤكدا بناء على أنه معلوم مما سبق وليس كل وصف يخرج عن التأكيد، ولك- لما في ذلك من الخفاء- أن تجعل المصدر لوصفه مبينا للنوع وهو أولى من جعله مؤكدا، وجعل مُؤَجَّلًا حالا من الموت لا صفة له لبعد ذلك غاية البعد فتدبر.
وقرئ «موجلا» بالواو بدل الهمزة على قياس التخفيف، وظاهر الآية يؤيد مذهب أهل السنة القائلين إن المقتول ميت بأجله أي بوقته المقدر له وأنه لو لم يقتل لجاز أن يموت في ذلك الوقت وأن لا يموت من غير قطع بامتداد العمر ولا بالموت بدل القتل إذ على تقدير عدم القتل لا قطع بوجود الأجل وعدمه فلا قطع بالموت ولا بالحياة، وخالف في ذلك المعتزلة فذهب الكعبي منهم إلى أن المقتول ليس بميت لأن القتل فعل العبد والموت فعل الله سبحانه أي مفعوله وأثر صفته، وأن للمقتول أجلين: أحدهما القتل والآخر الموت وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أجله الذي هو الموت، وذهب أو الهذيل إلى أن المقتول لو لم يقتل لمات البتة في ذلك الوقت.
وذهب الجمهور منهم إلى أن القاتل قد قطع على المقتول أجله وأنه لو لم يقتل لعاش إلى أمد هو أجله الذي علم الله تعالى موته فيه لولا القتل، وليس النزاع بين الأصحاب والجمهور لفظيا كما رآه الأستاذ وكثير من المحققين حيث قالوا: إنه إذا كان الأجل زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكان المقتول ميتا بأجله بلا خلاف من المعتزلة في ذلك إذ هم لا ينكرون كون المقتول ميتا بالأجل الذي علمه الله تعالى وهو الأجل بسبب القتل، وإن قيد بطلان الحياة بأن لا يترتب على فعل من العبد لم يكن كذلك بلا خلاف من الأصحاب فيه إذ هم يقولون بعدم كون المقتول ميتا بالأجل غير المرتب على فعل العبد لأنا نقول حاصل النزاع أن المراد بأجل المقتول المضاف إليه زمان بطلان حياته بحيث لا محيص عنه ولا تقدم ولا تأخر على ما يشير إليه قوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس: ٤٩] ويرجع الخلاف إلى أنه هل تحقق ذلك في حق المقتول أم المعلوم في حقه أنه إن قتل مات وإن لم يقتل يعش كذا في شرح المقاصد، ولعله جواب باختيار الشق الأول، وهو أن المراد زمان بطلان الحياة في علم الله تعالى لكنه لا مطلقا بل على ما علمه تعالى وقدره بطريق القطع وحينئذ يصلح محلا للخلاف لأنه لا يلزم من عدم تحقق ذلك في المقتول كما يقوله المعتزلة تخلف العلم عن المعلوم لجواز أن يعلم تقدم موته بالقتل مع تأخر الأجل الذي لا يمكن تخلفه عنه، وقد يقال: إنه يمكن أن يكون جوابا باختيار شق ثالث وهو المقدر بطريق القطع إذ لا تعرض في تقرير الجواب للعلم والمقدر أخص من الأجل المعلوم مطلقا والفرق بينه وبين كونه جواب باختيار الأول لكن لا مطلقا اعتبار قيد العلم في الأجل الذي هو محل النزاع على تقدير اختيار الأول وعدم اعتباره فيه على اختيار الثالث وإن كان معلوما في الواقع أيضا فافهم، ثم إن أبا الحسين ومن تابعه يدعون الضرورة في هذه المسألة وكذا الجمهور في رأي البعض، وعند البعض الآخر هي عندهم استدلالية.
واحتجوا على مذهبهم بالأحاديث الواردة في أن بعض الطاعات تزيد في العمر وبأنه لو كان المقتول ميتا بأجله لم يستحق القاتل ذما ولا عقابا ولم يتوجه عليه قصاص ولا غرم دية ولا قيمة في ذبح شاة الغير لأنه لم يقطع أجلا ولم يحدث بفعله موتا، وبأنه ربما يقتل في الملحمة والحرب ألوف تقضي العادة بامتناع اتفاق موتهم في ذلك الوقت بآجالهم، وتمسك أبو الهذيل بأنه لو لم يمت المقتول لكان القاتل قاطعا لأجل قدره الله تعالى ومغيرا لأمر علمه وهو محال، والكعبي بقوله تعالى: أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ حيث جعل القتل قسيما للموت بناء على أن المراد بالقتل المقتولية وأنها نفس بطلان الحياة وأن الموت خاص بما لا يكون على وجه القتل ومتى كان الموت غير القتل كان
стр. 846
للمقتول أجلان: أحدهما القتل، والآخر الموت «وأجيب» عن متمسك الأولين الأول بأن تلك الأحاديث أخبار آحاد فلا تعارض الآيات القطعية كقوله تعالى: فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [يونس: ٤٩] أو بأن المراد من أن الطاعة تزيد في العمر أنها تزيد فيما هو المقصود الأهم منه وهو اكتساب الكمالات والخيرات والبركات التي بها تستكمل النفوس الإنسانية وتفوز بالسعادة الأبدية، أو بأن العمر غير الأجل لأنه لغة الوقت، وأجل الشيء يقال لجميع مدته ولآخرها كما يقال أجل الدين شهران أو آخر شهر كذا، ثم شاع استعماله في آخر مدة الحياة، ومن هنا يفسر بالوقت الذي علم الله تعالى بطلان حياة الحيوان عنده على ما قررناه.
والعمر لغة مدة الحياة- كعمر زيد- كذا ومدة البقاء- كعمر الدنيا- وكثيرا ما يتجوز به عن مدة بقاء ذكر الناس الشخص للخير بعد موته، ومنه قولهم: ذكر الفتى عمره الثاني ومن هنا يقال لمن مات وأعقب ذكرا حسنا وأثرا جميلا: ما مات فلعله أراد صلى الله تعالى عليه وسلم أن تلك الطاعات تزيد في هذا العمر لما أنها تكون سببا للذكر الجميل، وأكثر ما ورد ذلك في الصدقة وصلة الرحم وكونهما مما يترتب عليهما ثناء الناس مما لا شبهة فيه قيل:
ولهذا لم يقل صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك إنه يزيد في الأجل، أو بأن الله تعالى كان يعلم أن هذا المطيع لو لم يفعل هذه الطاعة لكان عمره أربعين مثلا لكنه علم أنه يفعلها ويكون عمره سبعين سنة فنسبة هذه الزيادة إلى تلك الطاعة بناء على علم الله تعالى أنه لولاها لما كانت هذه الزيادة، ومحصل هذا أنه سبحانه قدر عمره سبعين بحيث لا يتصور التقدم والتأخر عنه لعلمه بأن طاعته تصير سببا لثلاثين فتصير مع أربعين من غير الطاعة سبعين، وليس محصل ذلك أنه تعالى قدره سبعين على تقدير وأربعين على تقدير حتى يلزم تعدد الأجل والأصحاب لا يقولون به.
والثاني بأن استحقاق الذم وللعقاب وتوجه القصاص أو غرم الدية مثلا على القاتل ليس بما يثبت في المحل من الموت بل هو بما اكتسبه وارتكبه من الإقدام على الفعل المنهي عنه الذي يخلق الله تعالى به الموت كما في سائر الأسباب والمسببات لا سيما عند ظهور أمارات البقاء وعدم ما يظن معه حضور الأجل حتى لو علم موت شاة بإخبار صادق معصوم، أو ظهرت الأمارات المفيدة لليقين لم يضمن عند بعض الفقهاء، والثالث بأن العادة منقوضة أيضا بحصول موت ألوف في وقت واحد من غير قتال ولا محاربة كما في أيام الوباء مثلا على أن التمسك بمثل هذا الدليل في مثل هذا المطلب في غاية السقوط، وأجيب عن متمسك أبي الهذيل بأن عدم القتل إنما يتصور على تقدير علم الله تعالى بأنه لا يقتل وحينئذ لا نسلم لزوم المحال وبأنه لا استحالة في قطع الأجل المقدر الثابت لولا القتل لأنه تقرير للمعلوم لا تغيير له، وعن متمسك الكعبي المخالف للمعتزلة والأشاعرة في إثبات الأجلين بأن القتل قائم بالقاتل وحال له لا للمقتول وإنما حاله الموت وانزهاق الروح الذي هو بإيجاد الله تعالى وإذنه ومشيئته وإرادة المقتولية المتولدة عن قتل القاتل بالقتل وهي حال المقتول إذ هي بطلان الحياة والتخصيص بما لا يكون على وجه القتل على ما يشعر به أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ خلاف مذهبه من إنكار القضاء والقدر في أفعال العباد إذ بطلان الحياة المتولد من قتل القاتل أجل قدره الله تعالى وعينه وحدده، معنى الآية- كما أشرنا إليه- أفإن مات حتف أنفه بلا سبب، أو مات بسبب القتل، فتدل على أن مجرد بطلان الحياة موت ومن هنا قيل: إن في المقتول معنيين قتلا هو من فعل الفاعل وموتا هو من الله تعالى وحده، وذهبت الفلاسفة إلى مثل ما ذهب إليه الكعبي من تعدد الأجل فقالوا: إن للحيوان أجلا طبيعيا بتحلل رطوبته وانطفاء حرارته الغريزيتين وآجالا اخترامية تتعدد بتعدد أسباب لا تحصى من الأمراض والآفات، وبيانه أن الجواهر التي غلبت عليها الأجزاء الرطبة ركبت مع الحرارة الغريزية فصارت لها بمنزلة الدهن للفتيلة المشعلة وكلما انتقصت تلك الرطوبات تبعتها الحرارة الغريزية في ذلك حتى إذا انتهت في الانتقاص وتزايد الجفاف انطفأت الحرارة
стр. 847
كانطفاء السراج عند نفاد دهنه فحصل الموت الطبيعي وهو مختلف بحسب اختلاف الأمزجة وهو في الإنسان في الأغلب تمام مائة وعشرين سنة.
وقد يعرض من الآفات مثل البرد المجمد والحرب المذوب وأنواع السموم وأنواع تفرق الاتصال وسوء المزاج ما يفسد البدن ويخرجه عن صلاحه لقبول الحياة إذ شرطها اعتدال المزاج فيهلك بسببه وهذا هو الأجل الاخترامي، ويردد ذلك أنه مبني على قواعدهم من تأثير الطبيعة والمزاج وهو باطل عندنا إذ لا تأثير إلا له سبحانه وتلك الأمور عندنا أسباب عادية لا عقلية كما زعموا، وادعى بعض المحققين أن النزاع بيننا وبين الفلاسفة كالنزاع بيننا وبين المعتزلة- على رأي الأستاذ- لفظي إذ هم لا ينكرون القضاء والقدر فالوقت الذي علم الله تعالى بطلان الحياة فيه بأي سبب كان واحد عندهم أيضا، وما ذكروه من الأجل الطبيعي نحن لا ننكره أيضا لكنهم يجعلون اعتدال المزاج واستقامة الحرارة والرطوبة ونحو ذلك شروطا حقيقية عقلية لبقاء الحياة ونحن نجعلها أسبابا عادية وذلك بحث آخر وسيأتي تتمة الكلام على هذه المسألة إذ الأمور مرهونة لأوقاتها ولكل أجل كتاب.
وَمَنْ يُرِدْ أي بعمله كالجهاد ثَوابَ الدُّنْيا كالغنيمة نُؤْتِهِ بنون العظمة على طريق الالتفات مِنْها أي شيئا من ثوابها إن شئنا فهو على حدّ قوله تعالى: مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ [الإسراء: ١٨] وهذا تعريض بمن شغلتهم الغنائم يوم أحد عن مصلحة رسول الله ﷺ ، وقد تقدم تفصيل ذلك.
وَمَنْ يُرِدْ أي بعمله كالجهاد أيضا والذب عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
ثَوابَ الْآخِرَةِ مما أعد الله تعالى لعباده فيها من النعيم نُؤْتِهِ مِنْها أي من ثوابها ما نشاء حسبما جرى به قلم الوعد الكريم، وهذا إشارة إلى مدح الثابتين يومئذ مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، والآية وإن نزلت في الجهاد خاصة لكنها عامة في جميع الأعمال وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ يحتمل أنه أريد بهم المريدون للآخرة، ويحتمل أنه أريد بهم جنس الشاكرين وهم داخلون فيه دخولا أوليا.
والجملة تذييل مقرر لمضمون ما قبله ووعد بالمزيد عليه وفي تصديرها بالسين وإبهام الجزاء من التأكيد والدلالة على فخامة شأن الجزاء وكونه بحيث يضيق عنه نطاق البيان ما لا يخفى، وبذلك جبر اتحاد العبادتين في شأن الفريقين واتضح الفرق لذي عينين، وقرئت الأفعال الثلاثة بالياء.
هذا (ومن باب الإشارة) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً إما إشارة إلى الأمر بالتوكل على الله تعالى في طلب الرزق والانقطاع إليه، أو رمز إلى الأمر بالإحسان إلى عباد الله المحتاجين من غير طلب نفع منهم،
فقد ورد في بعض الآثار أن القرض أفضل من الصدقة،
أو إيماء إلى عدم طلب الأجر على الأعمال بأن يفعلها محضا لإظهار العبودية وَاتَّقُوا اللَّهَ من أكل الربا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ أي تفوزون بالحق وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ أي اتقوني في النار لأن إحراقها وعذابها مني، وهذا سرّ عين الجمع قالوا: ويرجع في الحقيقة إلى تجلي القهر وهو بظاهره تخويف للعوام والتخويف الأول للخواص، وقليل ما هم وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وهي ستر أفعالكم التي هي حجابكم الأعظم عن رؤية الحق وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ وهي جنة توحيد الأفعال وهو توحيد عالم الملك، ولذا ذكر سبحانه السموات والأرض وذكر العرض دون الطول لأن الأفعال باعتبار السلسلة العرضية وهي توقف كل فعل على فعل آخر تنحصر في عالم الملك الذي تصل إليه أفهام الناس ويقدرونه، وأما باعتبار الطول فلا تنحصر فيه ولا يقدر قدرها إذ الفعل مظهر الوصف، والوصف مظهر الذات، والذات لا نهاية لها ولا حد وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ فالمحجوبون عن الذات والصفات لا يرون إلا هذه الجنة، وأما البارزون لله الواحد القهار
стр. 848
فعرض جنتهم عين طولها ولا حدّ لطولها فلا يقدر قدرها طولا وعرضا أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ حجب أفعالهم وترك نسبة الأفعال إلى غير الحق ﷻ ، ويحتمل أنه سبحانه دعا خلقه على اختلاف مراتبهم إلى فعل ما يؤدي إلى المغفرة على اختلاف مراتبها فإن الذنب مختلف وذنب المعصوم قلة معرفته بربه بالنظر إلى عظمة جماله وجلاله في نفس الأمر.
وفي الخبر عن سيد العارفين صلى الله تعالى عليه وسلم «سبحانك ما عرفناك حق معرفتك»
فما عرفه العارفون من حيث هو وإنما عرفوه من حيث هم وفرق بين المعرفتين، ولهذا قيل: ما عرف الله تعالى إلا الله تعالى ودعاهم أيضا إلى ما يجرّهم إلى الجنة، والخطاب بذلك إن كان للعارفين فهو دعاء إلى عين الجمع ليتجلى لهم بالوسائط لبقائهم في المعرفة وفي الحقيقة معرفته قربته وجنته مشاهدته، وفي حقيقة الحقيقة هي الذات الجامع التي لا يصل إليها الأغيار، ومن هنا قيل: ليس في الجنة إلا الله تعالى وإن كان الخطاب بالنظر إلى آحاد المؤمنين فالمراد بها أنواع التجليات الجمالية أو ظاهرها الذي أفصح به لسان الشريعة ودعاؤهم إليه من باب التربية وجلب النفوس البشرية التي لم تفطم بعد من رضع ثدي اللذائذ إلى ما يرغبها في كسب الكمالات الإنسانية والترقي إلى ذروة المعارج الإلهية الذين ينفقون نفائس نفوسهم لمولاهم في السراء والضراء في حالتي الجمال والجلال، ويحتمل أن يراد الذين لا تمنعهم الأحوال المتضادة عن الإنفاق فيما يرضي الله تعالى لصحة توكلهم عليه سبحانه برؤية جميع الأفعال منه وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ الذي يعرض للإنسان بحسب الطبيعة البشرية وكظمهم له قد يكون بالشدّ عليه بوكاء التسليم والرضا وذلك بالنظر لمن هو في مقام جنة الصفات، وأما من دونهم فكظمهم دون هذا الكظم، وسبب الكظم أنهم يرون الجناية عليهم فعل الله تعالى وليس للخلق مدخل فيها وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ إما لأنهم في مقام توحيد الأفعال أو لأنهم في مقام توحيد الصفات وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ حسب مراتبهم في الإحسان وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أي كبيرة من الكبائر وهي رؤية أفعالهم المحرمة عليهم تحريم رؤية الأجنبيات بشهوة أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بنقصهم حقوقها والتثبط عن تكميلها ذَكَرُوا اللَّهَ أي تذكروا عظمته وعلموا أنه لا فاعل في الحقيقة سواه فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ أي طلبوا ستر أفعالهم عنهم بالتبري عن الحول والقوة إلا بالله وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ وهي رؤية الأفعال، أو النظر إلى سائر الأغيار إِلَّا اللَّهُ وهو الملك العظيم الذي لا يتعاظمه شيء وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا في غفلتهم ونقص حق نفوسهم وَهُمْ يَعْلَمُونَ حقيقة الأمر وأن لا فعل لغيره أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وهو ستره لوجودهم بوجوده وترقيهم من مقام توحيد الأفعال إلى ما فوقه وَجَنَّاتٌ أي أشياء خفية وهي جنات الغيب وبساتين المشاهدة والمداناة التي هي عيون صفات الذات تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي تجري منها أنهار الأوصاف الأزلية خالِدِينَ فِيها بلا مكث ولا قطع، ولا خطر الزمان ولا حجب المكان ولا تغير وَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ومنهم الواقفون بشرط الوفاء في العشق على الحضرة القديمة بلا نقض للعهود ولا سهو في الشهود قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ بطشات ووقائع في الذين كذبوا الأنبياء في دعائهم إلى التوحيد فَسِيرُوا بأفكاركم فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا وتأملوا في آثارها لتعلموا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ أي آخر أمرهم ونهايته التي استدعاها التكذيب، ويحتمل أن يكون هذا أمرا للنفوس بأن تنظر إلى آثار القوى النفسانية التي في أرض الطبيعة لتعلم ماذا عراها وكيف انتهى حالها فلعلها ترقى بسبب ذلك عن حضيض اللحوق بها هذا أي كلام الله تعالى بَيانٌ لِلنَّاسِ يبين لهم حقائق أمور الكونين وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ يتوصل به إلى الحضرة الإلهية لِلْمُتَّقِينَ وهم أهل الله تعالى وخاصته.
واختلف الحال لاختلاف استعداد المستمعين للكلام إذ منهم قوم يسمعونه بأسماع العقول، ومنهم قوم يسمعونه
стр. 849
بأسماع الأسرار، وحظ الأولين منه الامتثال والاعتبار، وحظ الآخرين مع ذلك الكشف وملاحظة الأنوار وقد تجلى الحق فيه لخواص عباده ومقربي أهل اصطفائه فشاهدوا أنوارا تجلى وصفة قديمة وراء عالم الحروف تتلى وَلا تَهِنُوا أي لا تضعفوا في الجهاد وَلا تَحْزَنُوا على ما فاتكم من الفتح ونالكم من قتل الإخوان وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ في الرتبة إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي موحدين حيث إن الموحد يرى الكل من مولاه فأقل درجاته الصبر إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ ولم يبالوا مع أنهم دونكم وَتِلْكَ الْأَيَّامُ أي الوقائع نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ فيوم لطائفة وآخر لأخرى وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي ليظهر علمه التفصيلي التابع لوقوع المعلوم وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وهم الذين يشهدون الحق فيذهلون عن أنفسهم وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ أي الذين ظلموا أنفسهم وأضاعوا حقها ولم يكملوا نشأتها وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا أي ليخلصهم من الذنوب والغواشي التي تبعدهم من الله تعالى بالعقوبة والبلية وَيَمْحَقَ أي يهلك الْكافِرِينَ بنار أنانيتهم أَمْ حَسِبْتُمْ أن تدخلوا الجنة أي تلجوا عالم القدس وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ أي ولم يظهر منكم مجاهدات تورث المشاهدات وصبر على تزكية النفوس وتصفية القلوب على وفق الشريعة وقانون الطريقة ليتجلى للأرواح أنوار الحقيقة وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ أي موت النفوس عن صفاتها مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ بالمجاهدات والرياضات فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ برؤية أسبابه وهي الحرب مع أعداء الله تعالى وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي تعلمون أن ذلك الجهاد أحد أسباب موت النفس عن صفاتها، ويحتمل أن يقال: إن الموقن إذا لم يكن يقينه ملكة تمنى أمورا وادعى أحوالا حتى إذا امتحن ظهر منه ما يخالف دعواه وينافي تمنيه، ومن هنا قيل:
وإذا ما خلا الجبان بأرض ... طلب الطعن وحده والنزالا
ومتى رسخ ذلك اليقين وتمكن وصار ملكة ومقاما ولم يبق حالا لم يختلف الأمر عليه عند الامتحان، والآية تشير إلى توبيخ المنهزمين بأن يقينهم كان حالا ولم يكن مقاما وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أي أنه بشر كسائر إخوانه من المرسلين فكما خلوا من قبله سيخلو هو من بعدهم أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ ورجعتم القهقرى، والإشارة في ذلك إلى أنه تعالى عاتب من تزلزل لذهاب الواسطة العظمى عن البين وهو مناف لمشاهدة الحق ومعاينته، ولهذا قال الصديق الأكبر رضي الله تعالى عنه: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله تعالى فإن الله تعالى حي لا يموت وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً لفنائه الذاتي وَسَيَجْزِي اللَّهُ بالإيمان الحقيقي الشَّاكِرِينَ بالإيمان التقليدي بأداء حقوقه من الائتمار بأوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ هذا الموت المعلوم، أو الموت عن أوصافها الدنية وأخلاقها الردية إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ومشيئته، أو جذبه بإشراق نوره وَمَنْ يُرِدْ بمقتضى استعداده ثَوابَ الدُّنْيا جزاء لعمله نُؤْتِهِ مِنْها حسبما تقتضيه الحكمة وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ جزاء لعمله نُؤْتِهِ مِنْها وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ ولعلهم الذين لم يريدوا الثوابين ولم يكن لهم غرض سوى العبودية، وأبهم جزاءهم للإشارة إلى أنه أمر وراء العبارة- ولعله تجلى الحق لهم- وهذا غاية متمنى المحبين ونهاية مطلب السالكين، نسأل الله تعالى رضاه وتوفيقه وَكَأَيِّنْ كلام مبتدأ سيق توبيخا للمنهزمين أيضا حيث لم يستنوا بسنن الربانيين المجاهدين مع الرسل عليهم الصلاة والسلام مع أنهم أولى بذلك حيث كانوا خير أمة أخرجت للناس.
وقد اختلف في هذه الكلمة فقيل: إنها بسيطة وضعت كذلك ابتداء والنون أصلية، وإليه ذهب ابن حيان.
وغيره، وعليه فالأمر ظاهر موافق للرسم، وقيل وهو المشهور: إنها مركبة من- أي- المنونة وكاف التشبيه، واختلف
стр. 850
في- أي- هذه فقيل: هي أي التي في قولهم: أي الرجال، وقال ابن جني: إنها مصدر أوى يأوي إذا انضم واجتمع وأصله أوى فاجتمعت الواو والياء وسبقت إحداهما بالسكون فقلبت وأدغمت مثل- طي وشي- وحدث فيها بعد التركيب معنى التكثير المفهوم من كم كما حدث في كذا بعد التركيب معنى آخر- فكم وكأين- بمعنى واحد قالوا:
وتشاركها في خمسة أمور: الإبهام والافتقار إلى التمييز، والبناء، ولزوم التصدير وإفادة التكثير وهو الغالب والاستفهام وهو نادر، ولم يثبته إلا ابن قتيبة، وابن عصفور، وابن مالك، واستدل عليه بقول أبيّ بن كعب لابن مسعود رضي الله تعالى عنهما: كائن تقرأ سورة الأحزاب آية فقال: ثلاثا وسبعين، وتخالفها في خمسة أمور أيضا، أحدها أنها مركبة في المشهور وكم بسيطة فيه خلافا لمن زعم أنها مركبة من الكاف وما الاستفهامية ثم حذفت ألفها لدخول الجار وسكنت للتخفيف لثقل الكلمة بالتركيب، والثاني أن مميزها مجرور بمن غالبا حتى زعم ابن عصفور لزوم ذلك ويرده نص سيبويه على عدم اللزوم، ومن ذلك قوله:
اطرد اليأس بالرجاء «فكائن ... ألما حم يسره بعد عسره»
والثالث أنها لا تقع استفهامية عند الجمهور، والرابع أنها لا تقع مجرورة خلافا لابن قتيبة وابن عصفور أجازا بكائن تبيع الثوب، والخامس أن خبرها لا يقع مفردا، وقالوا: إن بينها وبين- كذا- موافقة ومخالفة أيضا فتوافقها- كذا- في أربعة أمور: التركيب والبناء والإبهام والافتقار إلى التمييز، وتخالفها في ثلاثة أمور: الأول أنها ليس لها الصدر تقول: قبضت كذا وكذا درهما، الثاني أن تمييزها واجب النصب فلا يجوز جره بمن اتفاقا ولا بالإضافة خلافا للكوفيين أجازوا في غير تكرار ولا عطف أن يقال: كذا ثوب وكذا أثواب قياسا على العدد الصريح، ولهذا قال فقهاؤهم: إنه يلزم بقول القائل له عندي كذا درهم مائة، وبقوله: كذا دراهم ثلاثة، وبقوله: كذا كذا درهما أحد عشر، وبقوله: كذا درهما عشرون، وبقوله: كذا وكذا درهما أحد وعشرون حملا على المحقق من نظائرهن من العدد الصريح ووافقهم على هذا التفصيل- غير مسألتي الإضافة- المبرد والأخفش والسيرافي وابن عصفور، ووهم ابن السيد في نقل الإجماع على إجازة ما أجازه المبرد ومن ذكر معه، الثالث أنها لا تستعمل غالبا إلا معطوفا عليها كقوله:
عد النفس نعمى بعد بؤسك ذاكرا ... «كذا وكذا لطفا به نسي الجهد»
وزعم ابن خروف أنهم لم يقولوا كذا درهما، وذكر ابن مالك أنه مسموع لكنه قليل قاله ابن هشام، ثم إن إثبات تنوين كَأَيِّنْ على القول المشهور في الوقف والخط على خلاف القياس لما أنه نسخ أصلها، وفيه لغات وكلها قد قرئ به: أحدها كَأَيِّنْ بالتشديد على الأصل وهي اللغة المشهورة، وبها قرأ الجمهور، والثانية- كائن- بألف بعدها همزة مكسورة من غير ياء على وزن كاعن كاسم الفاعل، وبها قرأ ابن كثير ومن ذلك قوله:
«وكائن» لنا فضلا عليكم ومنة ... قديما ولا تدرون ما من منعم
واختلف في توجيهها فعن المبرد أنها اسم فاعل من كان يكون وهو بعيد الصحة إذ لا وجه لبنائها حينئذ ولا لإفادتها التكثير، وقيل: أصلها المشددة فقدمت الياء المشددة على الهمزة وصار- كيئن- بكاف وياء مفتوحتين وهمزة مكسورة ونون ووزنه كعلف، ونظير هذا التصرف في المفرد تصرفهم في المركب كما ورد في لغة نادرة رعملي بتقديم الراء في لعمري ثم حذفت الياء الأولى للتخفيف فقلبت الثانية ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها أو حذفت الياء الثانية لثقلها بالحركة والتضعيف وقلبت الياء الساكنة ألفا كما في آية، ونظيره في حذف إحدى الياءين وقلب الأخرى ألفا طائي في النسبة إلى طيئ اسم قبيلة فإن أصله طييء بياءين مشددتين بينهما همزة فحذفت إحدى الياءين وقلبت الأخرى، والثالثة- كأي- بياء بعد الهمزة، وبها قرأ ابن محيصن، ووجهها أنها حذفت الياء الثانية وسكنت الهمزة
стр. 851
لاختلاط الكلمتين وجعلهما كالكلمة الواحدة كما سكنوا الهاء في لهو وفهو، وحركت الياء لسكون ما قبلها، والرابعة كيئن- بياء ساكنة بعدها همزة مكسورة والخامسة- كئن- بكاف مفتوحة وهمزة مكسورة ونون، ووزنه كع، وورد ذلك في قوله:
«كئن» من صديق خلته صادق الإخا ... أبان اختباري إنه لمداهن
ووجهه أنه حذفت إحدى الياءين ثم حذفت الأخرى للتنوين أو حذفتا دفعة واحدة، واحتمل ذلك لما امتزج الحرفان والكاف لا متعلق لها لخروجها عن معناها، ومن قال به كالحوفي فقد تعسف، وموضعهما رفع بالابتداء، وقوله تعالى: مِنْ نَبِيٍّ تمييز له كتمييزكم، وقد تقدم آنفا الكلام في ذلك، ولعل المراد من النبي هنا الرسول وبه صرح الطبرسي قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ أي جموع كثيرة، وهو التفسير المشهور عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، واستشهد له- كما رواه ابن الأنباري حين سأله نافع بن الأزرق- بقول حسان:
وإذا معشر تجافوا عن القص ... د «أملنا عليهم ربّا»
وعليه فهو منسوب إلى ربة بكسر الراء وكون الضم فيها لغة غير متحقق- وهي الجماعة- للمبالغة وخصها الضحاك بألف، وأخرج سعيد بن منصور عن الحسن أنهم العلماء الفقهاء، وأخرجه ابن جبير عن ابن عباس أيضا- وعليه فهو منسوب إلى الرب- كرباني على خلاف القياس كقراءة الضم، والموافق له الفتح- وبه قرئ- وقال ابن زيد: الرّبيون هم الأتباع والربانيون الولاة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب «قتل» - بالبناء للمفعول، وفي خبر المبتدأ أوجه: أحدها أنه الفعل مع الضمير المستتر فيه الراجع إلى كَأَيِّنْ أو إلى نَبِيٍّ وحينئذ- فمعه ربيون- جملة حالية من الضمير، أو من نَبِيٍّ لتخصيصه معنى، أو مَعَهُ حال ورِبِّيُّونَ فاعله، وثانيها أنه جملة مَعَهُ رِبِّيُّونَ فحينئذ تكون جملة الفعل- مع- مرفوعه صفة لنبي، وثالثها أنه محذوف وتقديره مضى ونحوه، وحينئذ يجوز أن يكون الفعل صفة لنبي، ومَعَهُ رِبِّيُّونَ حالا على ما تقدم، ويجوز أن يكون الفعل مسندا لربيون فلا ضمير فيه والجملة صفة لنبي، ورابعها أن يكون رِبِّيُّونَ مرفوعا بالفعل فلا ضمير، والجملة هي الخبر.
وقرئ- «قتل» - بالتشديد قال ابن جني: وحينئذ فلا ضمير في الفعل لما في التضعيف من الدلالة على التكثير وهو ينافي إسناده إلى الواحد، وأجيب بأنه لا يمتنع أن يكون فيه ضمير الأول لأنه في معنى الجماعة.
واعترض بأنه خلاف الظاهر، ومن هنا قيل: إن هذه القراءة تؤيد إسناد- قتل- إلى- الربيين- ويؤيدها أيضا ما أخرجه ابن المنذر عن ابن جبير أنه كان يقول: ما سمعنا قط أن نبيا قتل في القتال، وقول الحسن وجماعة: لم يقتل نبي في الحرب قط ثم إن من ادعى إسناد القتل إلى النبي وأنه في الحرب أيضا على ما يشعر به المقام حمل النصرة الموعود بها في قوله تعالى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [غافر: ٥١] على النصرة بإعلاء الكلمة ونحوه لا على الأعداء مطلقا لئلا تتنافى الآيتان، وهذا أحد أجوبة في هذا المقام تقدمت الإشارة إليها فتذكر، والتنوين في نَبِيٍّ للتعظيم.
وزعم الأجهوري أنه للتكثير فَما وَهَنُوا عطف على قاتلوا على أن المراد عدم الوهن المتوقع من القتال والتلبس بالشيء بعد ورود ما يستدعي خلافه وإن كان استمرارا عليه بحسب الظاهر لكنه بحسب الحقيقة كما قال مولانا شيخ الإسلام: صنع جديد، ومن هنا صح دخول الفاء المؤذنة بترتب ما بعدها على ما قبلها، ومن ذلك قولهم:
وعظته فلم يتعظ وزجرته فلم ينزجر، وأصل الوهن الضعف، وفسره قتادة وابن أبي مالك هنا بالعجز، والزجاج بالجبن أي فما عجزوا أو فما جبنوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ في أثناء القتال وهذا علة للمنفي لا للنفي، نعم يفهم
стр. 852
المنفي من تقييد المثبت بهذا الظرف وما- موصولة أو موصوفة فإن جعل الضميران لجميع الربيين فهي عبارة عما عدا القتل من مكاره الحروب التي تعتري الكل، وإن جعلا للبعض الباقين بعد قتل الآخرين- وهو الأنسب- كما قيل:
بمقام توبيخ المنخذلين بعد ما استشهد الشهداء- فهي عبارة عن ذلك أيضا مع ما اعتراهم بعد قتل إخوانهم من نحو الخوف والحزن، هذا على القراءة المشهورة، وأما على القراءتين الأخيرتين أعني «قتل. وقتّل» - على صيغة المبني للمفعول مخففة ومشددة فقد قالوا: إن أسند الفعل إلى الظاهر فالضميران للباقين حتما والكلام حينئذ من قبيل- قتل بنو فلان إذا وقع القتل فيهم ولم يستأصلهم- وإن أسند إلى الضمير كما هو الظاهر الأنسب عند البعض بالتوبيخ على الانخذال بسبب الإرجاف بقتله صلى الله تعالى عليه وسلم.
وإليه ذهب قتادة والربيع وابن أبي إسحاق. والسدي- كما قيل- فهما للباقين أيضا إن اعتبر كون الربيين مع النبي في القتل وللجميع إن اعتبر كونهم معه في القتال وَما ضَعُفُوا أي ما فتروا عن الجهاد قاله الزجاج، وقيل: ما عراهم ضعف في الدين بأن تغير اعتقادهم لعدم النصر وَمَا اسْتَكانُوا أي ما ارتدوا عن بصيرتهم ولا عن دينهم قاله قتادة، وقيل: ما خضعوا لعدوهم، وإليه يشير كلام ابن عباس، وكثيرا ما يستعمل استكان بهذا المعنى، وكذا بمعنى تضرع، واختلف فيه هل هو من السكون فوزنه افتعل لأن الخاضع يسكن لمن خضع له فألفه للإشباع وهو كثير وليس بخطأ خلافا لأبي البقاء، ولا يختص بالشعر خلافا لأبي حيان، أو من الكون فوزنه استفعل وألفه منقلبة عن واو السين مزيدة للتأكيد كأنه طلب من نفسه أن يكون لمن قهره، وقيل: لأنه كالعدم فهو يطلب من نفسه الوجود.
وجوز أن يكون من قول العرب: بات فلان- بكينة سوء- أي بحالة سوء، أو من- كان يكينه- إذا أذله، وعزي ذلك إلى الأزهري وأبي علي، وحينئذ فألفه منقلبة عن ياء، والجمهور على فتح الهاء من وَهَنُوا وقرئ بكسرها وهي لغة والفتح أشهر، وقرئ بإسكانها على تخفيف المكسور وفي الكلام تعريض لا يخفى وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ على مقاساة الشدائد ومعاناة المكاره في سبيله فينصرهم ويعظم قدرهم.
والمراد بالصابرين إما الربيون، والإظهار في موضع الإضمار للتصريح بالثناء عليهم بالصبر الذي هو ملاك الأمر مع الإشعار بعلة الحكم، وإما ما يعمهم وغيرهم وهم داخلون في ذلك دخولا أوليا.
والجملة على التقديرين تذييل لما قبلها، وقوله تعالى: وَما كانَ قَوْلَهُمْ كالتتميم والمبالغة في صلابتهم في الدين وعدم تطرق الوهن والضعف إليهم بالكلية، وهو معطوف على ما قبله، وقيل: كلام مبين لمحاسنهم القولية إثر بيان محاسنهم الفعلية، وقَوْلَهُمْ بالنصب خبر لكان واسمها المصدر المتحصل من أَنْ وما بعدها في قوله تعالى: إِلَّا أَنْ قالُوا والاستثناء مفرغ من أعم الأشياء أي- ما كان قولهم- في ذلك المقام واشتباك أسنة الشدائد والآلام إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا أي صغائرنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا أي تجاوزنا عن الحد، والمراد كبائرنا. وروي ذلك عن الضحاك، وقيل: الإسراف تجاوز في فعل ما يجب، والذنب عام فيه وفي التقصير، وقيل: إنه يقابل الإسراف وكلاهما مذموم، وسيأتي في هذه السورة إن شاء الله تعالى إطلاق الذنوب على الكبائر فافهم.
والظرف متعلق بما عنده أو حال منه وإنما أضافوا ذلك إلى أنفسهم مع أن الظاهر أنهم برآء من التفريط في جنب الله تعالى هضما لأنفسهم واستقصارا لهمهم وإسنادا لما أصابهم إلى أعمالهم، على أنه لا يبعد أن يراد بتلك الذنوب وذلك الإسراف ما كان ذنبا وإسرافا على الحقيقة لكن بالنسبة إليهم، وحسنات الأبرار سيئات المقربين، وقيل: أرادوا من طلب المغفرة طلب قبول أعمالهم حيث إنه لا يجب على الله تعالى شيء، وفيه ما لا يخفى، وقدموا الدعاء بالمغفرة على ما هو الأهم بحسب الحال من الدعاء بقوله سبحانه: وَثَبِّتْ أَقْدامَنا أي عند جهاد أعدائك بتقوية
стр. 853
قلوبنا وإمدادنا بالمدد الروحاني من عندك وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ تقريبا له إلى حيز القبول فإن الدعاء المقرون بالخضوع الصادر عن زكاء وطهارة أقرب إلى الاستجابة.
ومن الناس من قال: المراد من- ثبت أقدامنا- ثبتنا على دينك الحق فيكون تقديم طلب المغفرة على هذا التثبيت من باب تقديم التخلية على التحلية وتقديمهما على طلب النصرة لما تقدم، وقيل: إنهم طلبوا الغفران أولا ليستحقوا طلب النصر على الكافرين بترجحهم بطهارتهم عن الذنوب عليهم وهم محاطون بالذنوب، وفي طلبهم النصر مع كثرتهم المفرطة التي دل عليها ما سبق إيذان بأنهم لا ينظرون إلى كثرتهم ولا يعوّلون عليها بل يسندون ثبات أقدامهم إلى الله تعالى ويعتقدون أن النصر منه ، وفي الاخبار عنهم بأنه ما كان قولهم إلا هذا دون ما فيه شائبة جزع وخور وتزلزل من التعريض بالمنهزمين ما لا يخفى، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية عنهما برفع «قولهم» على أنه الاسم والخبر إن وما في حيزها أي ما كان قولهم شيئا من الأشياء إلا هذا القول المنبئ عن أحاسن المحاسن، قال مولانا شيخ الإسلام: وهذا كما ترى أقعد بحسب المعنى وأوفق بمقتضى المقام لما أن الأخبار بكون قولهم المطلق خصوصية قولهم المحكي عنهم مفصلا كما تفيده قراءتهما أكثر إفادة للسامع من الإخبار بكون خصوصية قولهم المذكور قولهم لما أن مصب الفائدة وموقع البيان في الجمل الخبرية هو الخبر، فالأحق بالخبرية ما هو أكثر إفادة وأظهر دلالة على الحدث وأوفر اشتمالا على نسب خاصة بعيدة من الوقوع في الخارج وفي ذهن السامع، ولا يخفى أن ذلك هاهنا في أن مع ما في حيزها أتم وأكمل، وأما ما تفيده الإضافة من النسبة المطلقة الإجمالية فحيث كانت سهلة الحضور خارجا وذهنا كان حقها أن تلاحظ ملاحظة إجمالية وتجعل عنوانا للموضوع لا مقصودا بالذات في باب البيان، وإنما اختار الجمهور ما اختار والقاعدة صناعية هي أنه إذا اجتمع معرفتان فالأعرف منهما أحق بالاسمية، ولا ريب في أعرفية أَنْ قالُوا لدلالته على جهة النسبة وزمان الحدث ولأنه يشبه المضمر من حيث إنه لا يوصف ولا يوصف به، وقَوْلَهُمْ مضاف إلى مضمر وهو بمنزلة العلم فتأمل انتهى.
وقال أبو البقاء: جعل ما بعد إلا اسما لكان، والمصدر الصريح خبرا لها أقوى من العكس لوجهين: أحدهما أن أَنْ قالُوا يشبه المضمر في أنه لا يوصف وهو أعرف، والثاني أن ما بعد إِلَّا مثبت، والمعنى كان قولهم ربنا اغفر لنا ذنوبنا إلخ دأبهم في الدعاء، وقال العلامة الطيبي: كأن المعنى ما صح ولا استقام من الربانيين في ذلك المقام إلا هذا القول وكأن غير هذا القول مناف لحالهم، وهذه الخاصية يفيدها إيقاع أَنْ مع الفعل اسما لكان، وتحقيقه ما ذكره صاحب الانتصاف من أن فائدة دخول كانَ المبالغة في نفي الفعل الداخل عليه بتعديد جهة فعله عموما باعتبار الكون وخصوصا باعتبار خصوصية المقال فهو نفي مرتين، ثم قال: فعلى هذا لو جعلت رب الجملة أَنْ قالُوا واعتمدت عليه وجعلت قَوْلَهُمْ كالفضلة حصل لك ما قصدته ولو عكست ركبت التعسف، ألا ترى إلى أبي البقاء كيف جعل الخبر نسيا منسيا في الوجه الثاني واعتمد على ما بعد إِلَّا انتهى.
ومنه يعلم ما في كلام مولانا شيخ الإسلام فإنه متى أمكن اعتبار جزالة المعنى مع مراعاة القاعدة الصناعية لا يعدل عن ذلك إلى غيره لا سيما وقد صرحوا بأن جعل الاسم غير الأعرف ضعيف، قال في المغني: واعلم أنهم حكموا لأن وإن- المقدرتين بمصدر معرف بحكم الضمير لأنه لا يوصف كما أن الضمير أيضا كذلك فلهذا قرأت السبعة ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا [الجاثية: ٢٥] فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا [الأعراف: ٨٢، النمل:
٥٦، العنكبوت: ٢٤، ٢٩] والرفع ضعيف كضعف الاخبار بالضمير عما دونه في التعريف انتهى، وعلل بعضهم أعرفية المصدر المؤول بأنه لا ينكر.
стр. 854
وقد اعترضوا على كل من تعليلي ابن هشام والبعض. أما الاعتراض على الأول فبأن كونه لا يوصف لا يقتضي تنزيله منزلة الضمير فكم اسم لا يوصف بل ولا يوصف به وليس بتلك المنزلة؟ وأجيب بأنه جاز أن يكون في ذلك الاسم مانع من جعله بمنزلة الضمير لأن عدم المانع ليس جزءا من المقتضي ولا شرطا في وجوده، وأما الاعتراض على الثاني فبأنه غير مسلم لأنه قد ينكر كما في وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى [يونس: ٣٧] أي افتراء قاله الشهاب.
وأجيب بأن مراد من قال: إن المصدر المؤول لا ينكر أنه في مثل هذا الموضع لا ينكر لا أن الحرف المصدري لا يؤول بمصدر منكر أصلا، ويستأنس لذلك بتقييد المصدر بالمعرف في عبارة المغني حيث يفهم منها أن- أن، وإن- تارة يقدران بمصدر معرف وتارة بمصدر منكر وأنهما إذا قدرا بمصدر معرف كان له حكم الضمير، ومن هنا قال صاحب المطلع في معنى ذلك التعليل: إن قول المؤمنين إن اختزل عن الإضافة يبقى منكرا بخلاف أَنْ قالُوا بقي في كلام المغني أمور، الأول أن التقييد- بأن وإن- هل هو اتفاقي أم احترازي؟ الذي ذهب إليه بعض المحققين الأول: احتجاجا بأنه أطلق في الجهة السادسة من الباب الخامس أن الحرف المصدري وصلته في نحو ذلك معرفة فلا يقع صفة للنكرة ولم يخص- بأن وإن- وللذاهب إلى الثاني أن يقول فرق بين مطلق التعريف وكونه في حكم الضمير كما لا يخفى، وابن هشام قد أخذ المطلق في المطلق وقيد المقيد بالمقيد فلا بأس بإبقاء كلا العبارتين على ما يتراءى منهما. الثاني: أنه يفهم من ظاهره أن الأداتين لو قدرتا بمصدر منكر لا يكون في حكم الضمير وظاهر هذا أنه يجوز الوصف حينئذ وفيه تردد لأنه قد يقال: لا يلزم من عدم ثبوت مرتبة الضمير لذلك جواز الوصف لأن امتناع الوصف أعم من مرتبة الضمير، ونفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
الثالث: أنه يفهم من كلامه أن المصدر المقدر المعرف بالإضافة سواء أضيف إلى ضمير أو غيره بمثابة الضمير ولم يصرح أحد من الأئمة بذلك لكن حيث إن ابن هشام ثقة وإمام في الفن ولم ينقل عن أئمته ما يخالفه يقبل منه ما يقول. الرابع: أن ما حكم به من أن الرفع ضعيف كضعف الاخبار بالضمير عما دونه في التعريف بينه وبين ما ذهب إليه ابن مالك من جواز الإخبار بالمعرفة عن النكرة المحضة في باب النواسخ بون عظيم، ويؤيد كلام ابن مالك قوله تعالى فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ [الأنفال: ٦٢] وكأنه لتحقيق هذا المقام ولما أشرنا إليه أولا في تحقيق معنى الآية قال المولى قدس سره: فتأمل فتأمل فَآتاهُمُ اللَّهُ أي بسبب قولهم ذلك كما تؤذن به الفاء ثَوابَ الدُّنْيا أي النصر والغنيمة قاله ابن جريج، وقال قتادة: الفتح والظهور والتمكن والنصر على عدوهم، قيل: وتسمية ذلك ثوابا لأنه مترتب على طاعتهم، وفيه إجلال لهم وتعظيم، وقيل: تسمية ذلك ثوابا مجاز لأنه يحاكيه.
واستشكل تفسير ابن جريج بأن الغنائم لم تحل لأحد قبل الإسلام بل كانت الأنبياء إذا غنموا مالا جاءت نار من السماء فأخذته فكيف تكون الغنيمة ثوابا دنيويا ولم يصل للغانمين منها شيء؟! وأجيب بأن المال الذي تأخذه النار غير الحيوان، وأما الحيوان فكان يبقى للغانمين دون الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فكان ذلك هو الثواب الدنيوي وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ أي وثواب الآخرة الحسن، وهو عند ابن جريج رضوان الله تعالى ورحمته، وعند قتادة هي الجنة، وتخصيص الحسن بهذا الثواب للإيذان بفضله ومزيته وأنه المعتد به عنده تعالى، ولعل تقديم ثواب الدنيا عليه مراعاة للترتيب الوقوعي. أو لأنه أنسب بما قبله من الدعاء بالنصر على الكافرين وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ تذييل مقرر لما قبله فإن محبة الله سبحانه للعبد مبدأ كل خير وسعادة، واللام إما للعهد ووضع الظاهر موضع المضمر إيذانا بأن ما حكي عنهم من باب الإحسان، وإما للجنس وهم داخلون فيه دخولا أوليا وفيه على كلا التقديرين ترغيب للمؤمنين في تحصيل ما حكي من المناقب الجليلة.
стр. 855
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا شروع في زجر المؤمنين عن متابعة الكفار ببيان مضارها إثر ترغيبهم في الاقتداء بأنصار الأنبياء ﵈ ببيان فضائله، وتصدير الخطاب بالنداء والتنبيه لإظهار الاعتناء بما في حيزه، ووصفهم بالإيمان لتذكيرهم بحال ينافي تلك الطاعة فيكون الزجر على أكمل وجه والمراد من الَّذِينَ كَفَرُوا إما المنافقون لأن
الآية نزلت- كما روي عن علي كرم الله تعالى وجهه- حين قالوا للمؤمنين عند الهزيمة:
ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم
والتعبير عنهم بذلك قصدا إلى مزيد التنفير عنهم والتحذير عن طاعتهم، وإما أبو سفيان وأصحابه وحينئذ فالمراد بإطاعتهم الاستكانة لهم وطلب الأمان منهم وإلى ذلك ذهب السدي، وإما اليهود والنصارى فالمراد حينئذ لا تنتصحوا اليهود والنصارى على دينكم ولا تصدقوهم بشيء في ذلك، وإليه ذهب ابن جريج، وحكي أنهم كانوا يلقون إليهم الشبه في الدين ويقولون: لو كان محمد صلى الله تعالى عليه وسلم نبيا حقا لما غلب ولما أصابه وأصحابه ما أصابهم وإنما هو رجل حاله كحال غيره من الناس يوما عليه ويوما له فنهوا عن الالتفات إليها، وإما سائر الكفار.
وذهب إلى جواز ذلك بعض المتأخرين، وأتي بأن للإيذان بأن الإطاعة بعيدة الوقوع من المؤمنين. يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ أي يرجعوكم إلى أول أمركم وهو الشرك بالله تعالى والفعل جواب الشرط. وصح ذلك بناء على المأثور عن علي كرم الله تعالى وجهه مع أن الكلام معه في قوة إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا في قولهم: ارجعوا إلى إخوانكم وادخلوا في دينهم يدخلوكم في دينهم، ويؤول إلى قولك: إن تدخلوا في دينهم تدخلوا في دينهم وفيه اتحاد الشرط والجزاء بناء على أن الارتداد على العقب علم في انتكاس الأمر ومثل في الحور بعد الكور، وقيل: إن المراد بالإطاعة الهمّ بها والتصميم عليها أي إن تصمموا على إطاعتهم في ذلك تردوا وترجعوا إلى ما كنتم عليه من الكفر وهذا أبلغ في الزجر إلا أنه بعيد عن اللفظ، وجوز أن تكون جوابيته باعتبار كونه تمهيدا لقوله تعالى: فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ أي فترجعوا خاسرين لخير الدنيا وسعادة الآخرة وذلك أعظم الخسران بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ إضراب وترك للكلام الأول من غير إبطال والمعنى ليس الكفار أولياء فيطاعوا في شيء ولا ينصرونكم بل الله ناصركم لا غيره وهو مبتدأ وخبر، وقرئ بنصب الاسم الجليل على أنه مفعول لفعل محذوف، والمعنى فلا تطيعوهم بل أطيعوا الله مولاكم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ لأنه القوي الذي لا يغلب والناصر في الحقيقة فينبغي أن يخص بالطاعة والاستعانة، والجملة معطوفة على ما قبلها.
وجوز على القراءة الشاذة الاستئناف والحالية سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ كالبيان لما قبل، وعبر بنون العظمة على طريق الالتفات جريا على سنن الكبرياء لتربية المهابة، والسين لتأكيد الإلقاء، والرُّعْبَ بسكون العين الخوف والفزع أي سنقذف ذلك في قلوبهم، والمراد من الموصول أبو سفيان وأصحابه، فقد أخرج ابن جرير عن السدي قال: «لما ارتحل أبو سفيان والمشركون يوم أحد متوجهين نحو مكة انطلق أبو سفيان حتى بلغ بعض الطريق ثم إنهم ندموا فقالوا: بئس ما صنعتم إنكم قتلتموهم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم ارجعوا فاستأصلوا فقذف الله تعالى في قلوبهم الرعب فانهزموا فلقوا أعرابيا فجعلوا له جعلا فقالوا له: إن لقيت محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه فأخبرهم بما قد جمعنا لهم فأخبر الله تعالى رسوله ﷺ فطلبهم حتى بلغ حمراء الأسد فأنزل الله تعالى في ذلك هذه الآية يذكر فيها أمر أبي سفيان وأصحابه، وقيل: إن الآية نزلت في يوم الأحزاب،
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: «نصرت بالرعب على العدو» ،
وأخرج أحمد وغيره من حديث أبي أمامة «نصرت بالرعب مسيرة شهر يقذف في قلوب أعدائي» ،
وقرئ «سيلقي» بالياء، وقرأ أبو جعفر
стр. 856
وابن عامر والكسائي «الرعب» بضم العين وهي لغة فيه، وقيل: الضم هو الأصل والسكون للتخفيف، وقيل: الأصل السكون والضم للاتباع.
بِما أَشْرَكُوا بِاللَّهِ أي بسبب إشراكهم بالذات الواجب الوجود المستجمع لجميع صفات الكمال ولإشعار هذا الاسم بالعظمة المنافية للشركة أتي به، والجار الأول متعلق، ب سَنُلْقِي دون الرُّعْبَ ولا يمنع من ذلك تعلق فِي به لاختلاف المعنى، والثاني متعلق بما عنده وكان الإشراك سببا لإلقاء الرعب لأنه من موجبات خذلانهم ونصر المؤمنين عليهم وكلاهما من دواعي الرعب ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ أي بإشراكه، وقيل: بعبادته، وما نكرة موصوفة أو موصولة اسمية وليست مصدرية سُلْطاناً أي حجة، والإتيان بها للإشارة بأن المتبع في باب التوحيد هو البرهان السماوي دون الآراء والأهواء الباطلة، وسميت بذلك لأنه بها يتقوى على الخصم ويتسلط عليه، والنون زائدة، وقيل: أصلية، وذكر عدم إنزال الحجة مع استحالة تحققها من باب انتفاء المقيد لانتفاء قيده اللازم أي لا حجة حتى ينزلها، فهو على حد قوله في وصف مفازة:
لا يفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر
إذ المراد لا ضب بها حتى ينجحر فالمراد نفيهما جميعا وهذا كقولهم: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، وما ذكرنا من استحالة تحقق الحجة على الإشراك يكاد يكون معلوما من الدين بالضرورة أما في الإشراك بالربوبية فظاهر إذ كيف يأمر الله سبحانه باعتقاد أن خالق العالم اثنان مشتركان في وجوب الوجود والاتصاف بكل كمال، وأما الإشراك في الألوهية الذي عليه أكثر المشركين في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلأنه يفضي إلى الأمر باعتقاد أشياء خلاف الواقع مما كان المشركون يعتقدونه في أصنامهم وقد رده عليهم، فقول عصام الملة: ونحن نقول الحجة على الإشراك تحت قدرته تعالى لو شاء أنزلها إذ لو أمر بإشراك الأصنام به في العبادة لوجبت العبادة لا أراه إلا حلا لعصام الدين لأن لا إله إلا الله المخاطب بها الثنوية والوثنية تأبى إمكان ذلك كما لا يخفى على من اطلع على معنى هذه الكلمة الطيبة رزقنا الله تعالى الموت عليها ولا جعلنا ممن أشركوا بالله تعالى ما لم ينزل به سلطانا وَمَأْواهُمُ أي ما يأوون إليه في الآخرة النَّارُ لا مأوى لهم غيرها.
وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ أي مثواهم وإنما وضع الظاهر موضع الضمير للتغليظ والتعليل والإشعار بأنهم في إشراكهم ظالمون واضعون للشيء في غير موضعه، والمثوى مكان الإقامة على وزن مفعل من ثويت ولامه ياء والمخصوص بالذم محذوف أي بئس مثواهم النار، ولم يعبر بالمأوى للإيذان بالخلود إذ الإقامة مأخوذة في المثوى دونه وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ
أخرج الواحدي عن محمد بن كعب قال: لما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقد أصيبوا بما أصيبوا يوم أحد، قال ناس من أصحابه: من أين أصابنا هذا قد وعدنا الله تعالى النصر؟ فأنزل الله تعالى الآية،
ووعده مفعول ثان لصدق صريحا فإنه يتعدى إلى مفعولين في مثل هذا النحو، وقد يتعدى إلى الثاني بحرف الجر، فيقال: صدقت زيدا في الحديث، ومن هنا جوز بعضهم أن يكون نصبا بنزع الخافض والمراد بهذا الوعد ما وعدهم سبحانه من النصر بقوله عز اسمه: إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا [آل عمران: ١٢٠، ١٢٥، ١٨٦] إلخ وعلى لسان نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم حيث قال للرماة: «لا تبرحوا مكانكم فلن نزال غالبين ما ثبتم مكانكم» .
وفي رواية أخرى «لا تبرحوا عن هذا المكان فإنا لانزال غالبين ما دمتم في هذا المكان»
وأيد الأول بما أخرجه البيهقي في الدلائل عن عروة قال: كان الله تعالى وعدهم على الصبر والتقوى أن يمدهم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين وكان قد فعل فلما عصوا أمر الرسول وتركوا مصافهم وتركت الرماة عهد الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 857
إليهم أن لا يبرحوا منازلهم وأرادوا الدنيا رفع الله تعالى مدد الملائكة، واختار مولانا شيخ الإسلام الثاني، وقد تقدم لك ما ينفعك هنا.
والقول بأن المراد ما وعده جل شأنه بقوله سبحانه: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ ليس بشيء كما لا يخفى، وأخرج الإمام أحمد وجماعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ما نصر الله تعالى نبيه في موطن كما نصره يوم أحد فأنكروا ذلك، فقال ابن عباس: بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله تعالى إن الله تعالى يقول يوم أحد: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ أي تقتلونهم وهو التفسير المأثور، واستشهد عليه الخبر بقول عتبة الليثي:
«نحسهم» بالبيض حتى كأننا ... نفلق منهم بالجماجم حنظلا
وبقوله:
ومنا الذي لاقى بسيف محمد ... «فحس» به الأعداء عرض العساكر
وأصل معنى حسه أصاب حاسته بآفة فأبطلها مثل كبده ولذا عبر به عن القتل، ومنه جراد محسوس وهو الذي قتله البرد، وقيل: هو الذي مسته النار، وكثيرا ما يستعمل الحس بالقتل على سبيل الاستئصال، والظرف متعلق ب صَدَقَكُمُ وجوز أبو البقاء أن يكون ظرفا للوعد بِإِذْنِهِ أي بتيسيره وتوفيقه، والتقييد به لتحقيق أن قتلهم بما وعدهم الله تعالى من النصر حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ أي فزعتم وجبنتم عن عدوكم وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ أي أمر الحرب أو أمره ﷺ لكم في سدّ ذلك الثغر على ما تقدم تفسيره وَعَصَيْتُمْ إذ لم تثبتوا هناك وملتم إلى الغنيمة مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ من انهزام المشركين وغلبتكم عليهم.
قال مجاهد: نصر الله تعالى المؤمنين على المشركين حتى ركب نساء المشركين على كل صعب وزلول ثم أديل عليهم المشركون بمعصيتهم للنبي ﷺ ،
وروي أن خالد بن الوليد أقبل بخيل المشركين ومعه عكرمة بن أبي جهل، فأرسل رسول الله ﷺ إلى الزبير رضي الله تعالى عنه أن احمل عليه فحمل عليه فهزمه ومن معه فلما رأى الرماة ذلك انكفؤوا إلا قليلا ودخلوا العسكر وخالفوا الأمر وأخلوا الخلة التي كانوا فيها فدخلت خيول المشركين من ذلك الموضع على الصحابة رضي الله تعالى عنهم فضرب بعضهم بعضا والتبسوا وقتل من المسلمين أناس كثير بسبب ذلك
مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وهم الرماة الذين طمعوا في النهب وفارقوا المركز له وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ كعبد الله ابن جبير أمير الرماة ومن ثبت معه ممتثلا أمر رسول الله ﷺ حتى استشهد ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي كفكم عنهم حتى تحولت الحال من الغلبة إلى ضدها لِيَبْتَلِيَكُمْ أي ليعاملكم معاملة من يمتحن ليبين أمركم وثباتكم على الإيمان ففي الكلام استعارة تمثيلية، وإلا فالامتحان محال على الله تعالى، وفي- حتى- هنا قولان: أحدهما أنها حرف جر بمنزلة إلى ومتعلقها تَحُسُّونَهُمْ أو صَدَقَكُمُ أو محذوف تقديره دام لكم ذلك، وثانيهما أنها حرف ابتداء دخلت على الجملة الشرطية من إذا وما بعدها وجواب إِذا قيل: تَنازَعْتُمْ، والواو زائدة واختاره الفراء، وقيل:
صَرَفَكُمْ وثُمَّ زائدة وهو ضعيف جدا والصحيح أنه محذوف وعليه البصريون، وقدره أبو البقاء: بأن أمركم، وأبو حيان: انقسمتم إلى قسمين بدليل ما بعده، والزمخشري: منعكم نصره، وابن عطية: انهزمتم، ولكل وجهة، وبعض المتأخرين امتحنكم، وردّ بجعل الابتداء غاية للصرف المترتب على منع النصر، وعلى كل تقدير يكون صَرَفَكُمْ معطوفا على ذلك المحذوف، وقيل: إن إِذا اسم كما في قولهم: إذا يقوم زيد إذا يقوم عمرو وحَتَّى حرف جر بمعنى إلى متعلقة ب صَدَقَكُمُ باعتبار تضمنه معنى النصر كأنه قيل: لقد نصركم الله تعالى إلى وقت فشلكم
стр. 858
وتنازعكم إلخ، وثُمَّ صَرَفَكُمْ حينئذ عطف على ذلك، وهاتان الجملتان الظرفيتان اعتراض بين المتعاطفين وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ بمحض التفضل أو لما علم من عظيم ندمكم على المخالفة، قيل: والمراد بذلك العفو عن الذنب وهو عام لسائر المنصرفين.
ويؤيد ذلك ما
أخرجه البخاري عن عثمان بن موهب قال: جاء رجل إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال:
إني سائلك عن شيء فحدثني به أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم أن عثمان بن عفان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم قال: فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال: نعم، قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم فكبر فقال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله تعالى عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه.
وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه فبعث عثمان فكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بيده اليمنى وضرب بها على يده فقال:
هذه يد عثمان اذهب بها الآن معك،
وقال البلخي: إنه عفو عن الاستئصال، وروي ذلك عن ابن جريج، وزعم أبو علي الجبائي أنه خاص بمن لم يعص الله تعالى بانصرافه والكل خلاف الظاهر. وقد يقال: الداعي لقول البلخي: إن العفو عن الذنب سيأتي ما يدل عليه بأصرح وجه، والتأسيس خير من التأكيد، وكلام ابن عمر رضي الله تعالى عنه ليس فيه أكثر من أن الله تعالى عفا عن ذنب الفارّين وهو صريح الآية الآتية، وأما أنه يفهم منه ولو بالإشعار أن المراد من العفو هنا العفو عن الذنب فلا أظن منصفا يدعيه.
وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ تذييل مقرر لمضمون ما قبله وفيه إيذان بأن ذلك العفو ولو كان بعد التوبة بطريق التفضل لا الوجوب أي شأنه أن يتفضل عليهم بالعفو أو في جميع الأحوال أديل لهم أو أديل عليهم إذ الابتلاء أيضا رحمة، والتنوين للتفخيم، والمراد بالمؤمنين إما المخاطبون والإظهار في مقام الإضمار للتشريف والإشعار بعلة الحكم، وإما الجنس ويدخلون فيه دخولا أوليا ولعل التعميم هنا وفيما قبله أولى من التخصيص، وتخصيص الفضل بالعفو أولى من تخصيصه بعدم الاستئصال كما زعمه البعض إِذْ تُصْعِدُونَ متعلق بصرفكم أو يبتليكم وتعلقه- بعفا- كما قال الطبرسي: ليس بشيء، ومثله تعلقه كما قال أبو البقاء، بعصيتم: أو تَنازَعْتُمْ أو فَشِلْتُمْ، وقيل:
متعلق بمقدر كاذكر، واستشكل بأنه يصير المعنى اذكر يا محمد إِذْ تُصْعِدُونَ وفيه خطابان بدون عطف، فالصواب اذكروا.
وأجيب بأن المراد- باذكر- جنس هذا الفعل فيقدر- اذكروا- لا اذكر، ويحتمل أنه من قبيل يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ [الطلاق: ١] ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، وأجاب الشهاب بأن اذكر متضمن لمعنى القول، والمعنى قل لهم يا محمد حين يصعدون إلخ ومثله لا منع فيه كما تقول لزيد: أتقول كذا فإن الخطاب المحكي مقصود لفظه فلا ينافي القاعدة المذكورة وهم غفلوا عنه فتأمل، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر أيضا، والإصعاد الذهاب والإبعاد في الأرض، وفرق بعضهم بين الإصعاد والصعود بأن الإصعاد في مستوى الأرض والصعود في ارتفاع، وقيل: لا فرق بين أصعد وصعد سوى أن الهمزة في الأول للدخول نحو أصبح إذا دخل في الصباح والأكثرون على الأول، وقرأ الحسن فيما أخرجه ابن جرير عنه تُصْعِدُونَ بفتح التاء والعين، وحمله بعضهم على صعود الجبل، وقرأ أبو حيوة تُصْعِدُونَ بفتح التاء وتشديد العين وهو إما من تصعد في السلم إذا رقي أو من صعد في الوادي تصعيدا إذا انحدر
стр. 859
فيه، فقد قال الأخفش: أصعد في الأرض إذا مضى وسار وأصعد في الوادي وصعد فيه إذا انحدر. وأنشد:
فإما تريني اليوم مزجي ظعينتي ... «أصعد» طورا في البلاد وأفرع
وقال الشماخ:
فان كرهت هجائي فاجتنب سخطي ... لا يدهمنك إفراعي «وتصعيدي»
وورد عن غير واحد أن القوم لما امتحنوا ذهبوا فرارا في وادي أحد، وقال أبو زيد: يقال صعد في السلم صعودا وصعد في الجبل أو على الجبل تصعيدا ولم يعرفوا فيه صعد، وقرأ أبيّ إِذْ تُصْعِدُونَ في الوادي وهي تؤيد قول من قال: إن الإصعاد الذهاب في مستوى الأرض دون الارتفاع، وقرئ- يصعدون- بالياء التحتية وأمر تعلق إذ باذكر عليه ظاهر وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ أي لا تقيمون على أحد ولا تعرجون وهو من لوى بمعنى عطف وكثيرا ما يستعمل بمعنى وقف وانتظر لأن من شأن المنتظر أن يلوي عنق، وفسر أيضا بلا ترجعون وهو قريب من ذلك، وذكر الطبرسي أن هذا الفعل لا يذكر إلا في النفي فلا يقال لويت على كذا، وقرأ الحسن تلون بواو واحدة بقلب الواو المضمومة همزة وحذفها تخفيفا.
وقرئ تَلْوُونَ بضم التاء على أنه من ألوى لغة في لوى، ويلوون بالياء كيصعدون قال أبو البقاء ويقرأ عَلى أَحَدٍ بضمتين- وهو الجبل- والتوبيخ عليه غير ظاهر، ووجهه بعضهم بأن المراد أصحاب أحد أو مكان الوقعة، وفيه إشارة إلى إبعادهم في استشعار الخوف وجدهم في الهزيمة حتى لا يلتفتون إلى نفس المكان.
وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ أي يناديكم في ساقتكم أو جماعتكم الأخرى أو يدعوكم من ورائكم فإنه يقال: جاء فلان في آخر الناس وأخرتهم وأخراهم إذا جاء خلفهم، وإيراده ﵊ بعنوان الرسالة للإيذان بأن دعوته صلى الله تعالى عليه وسلم كانت بطريق الرسالة من جهته تعالى مبالغة في توبيخ المنهزمين،
روي أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كان ينادي إليّ عباد الله إليّ عباد الله أنا رسول الله من يكر فله الجنة
وكان ذلك حين انهزم القوم وجدوا في الفرار قبل أن يصلوا إلى مدى لا يسمع فيه الصوت فلا ينافي ما تقدم
عن كعب بن مالك أنه لما عرف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ونادى بأعلى صوته يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ أشار إليه رسول الله ﵊ أن انصت
لأن ذلك كان آخر الأمر حيث أبعد المنهزمون، والجملة في موضع الحال فَأَثابَكُمْ عطف على صَرَفَكُمْ والضمير المستتر عائد على الله تعالى، والتعبير بالإثابة من باب التهكم على حد قوله: تحية بينهم ضرب وجيع- أو أنها مجاز عن المجازاة أي فجازاكم الله تعالى بما عصيتم غَمًّا بِغَمٍّ أي كربا بكرب والأكثرون على أنه لا فرق بين الغم والحزن، والباء إما للمصاحبة والظرف مستقر أي جازاكم غَمًّا متصلا بِغَمٍّ والغم الأول ما حصل لهم من القتل والجرح وغلبة المشركين عليهم، والغم الثاني ما حصل لهم من الإرجاف بقتل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وفوت الغنيمة، وإلى هذا ذهب قتادة والربيع.
وقيل: الغم الثاني إشراف أبي سفيان وأصحابه عليهم وهم مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على الصخرة وحكي ذلك عن السدي، وقيل: المراد مجرد التكثير أي جازاكم بغموم كثيرة متصل بعضها ببعض، وإما للسببية والظرف متعلق- بأثابكم- والغم الأول للصحابة رضي الله تعالى عنهم بالقتل نحوه، والغم الثاني للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم بمخالفة أمره أي أثابكم غما بسبب غم أذقتموه رسول الله ﷺ بعصيانكم له ومخالفتكم أمره، وقال الحسن بن علي المغربي: الغم الأول للمشركين بما رأوا من قوة المسلمين على طلبهم وخروجهم إلى حمراء
стр. 860
الأسد، والغم الثاني للمؤمنين بما نيل منهم أي فجازاكم بغم أعدائكم المشركين بسبب غم أذاقوه إياكم، وقيل: الباء على هذا للبدل وكلا القولين بعيد، والعطف عليه غير ظاهر وأبعد من ذلك ما روي عن الحسن أن الغم الأول للمؤمنين بما أصابهم يوم أحد، والغم الثاني للمشركين بما نالهم يوم بدر، والمعنى فجازاكم غما يوم أحد بالقتل والجرح بسبب غم أذقتموه المشركين يوم بدر كذلك واعترض عليه بأن ما لحق المشركين يوم بدر من جهة المسلمين إنما يوجب المجازاة بالكرامة دون الغم، وقيل الضمير المستكن في أثابكم للرسول صلى الله تعالى عليه وسلم، وأثابكم بمعنى آساكم أي جعلكم أسوة له متساويين في الحزن فاغتم صلى الله تعالى عليه وسلم بما نزل عليكم كما اغتممتم بما نزل عليه ولم يثربكم على عصيانكم تسلية لكم وتنفيسا عنكم. واعترض عليه بأنه خلاف الظاهر للزوم التفكيك على تقدير أن يكون العطف على صرفكم وعدم ظهور الترتب إلا بتكلف إن كان العطف على يَدْعُوكُمْ نعم التعليل عليه بقوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا ما أَصابَكُمْ ظاهر إذ المعنى آساكم بذلك لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من النصر ولا ما أصابكم من الشدائد، وكذا على ما ذهب إليه المغربي، وأما على الأوجه الأخر فالمعنى لتتمرنوا على الصبر في الشدائد فلا تحزنوا على نفع ما فات أو ضر آت، وإنما احتيج إلى هذا التأويل لأن المجازاة بالغم إنما تكون سببا للحزن لا لعدمه.
وقيل: لا زائدة والمعنى لكي تأسفوا على ما فاتكم من الظفر والغنيمة وعلى ما أصابكم من الجراح والهزيمة عقوبة لكم، فالتعليل حينئذ ظاهر ولا يخفى أن تأكيد لا وتكريرها يبعد القول بزيادتها. وقيل: التعليل على ظاهره و «لا» ليست زائدة والكلام متعلق بقوله تعالى: وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ أي ولقد عفا الله تعالى عنكم لئلا تحزنوا إلخ فإن عفو الله تعالى يذهب كل حزن، ولا يخفى ما فيه، وربما يقال: إن أمر التعليل ظاهر أيضا على ما حكي عن السدي من غير حاجة إلى التأويل ولا القول بزيادة- لا- ويوضح ذلك ما أخرجه ابن جرير عن مجاهد قال: أصاب الناس غم وحزن على ما أصابهم في أصحابهم الذين قتلوا فلما اجتمعوا في الشعب وقف أبو سفيان وأصحابه بباب الشعب فظن المؤمنون أنهم سوف يميلون عليهم فيقتلونهم أيضا فأصابهم حزن أنساهم حزنهم في أصحابهم فذلك قوله تعالى:
فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ إلخ، وحديث إن المجازاة بالغم إنما تكون سببا للحزن لا لعدمه غير مسلم على الإطلاق، وأي مانع من أن يكون غم مخصوص سببا لزوال غم آخر مخصوص أيضا بأن يعظم الثاني فينسى الأول فتدبر وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ عليم بأعمالكم وبما قصدتم بها، وفي المقصد الأسنى- الخبير- بمعنى العليم لكن العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة وسمي صاحبها خبيرا، وفيه ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية.
стр. 861
ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ عطف على فَأَثابَكُمْ والخطاب للمؤمنين حقا، والمعنى ثم وهب لكم أيها المؤمنون مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ الذي اعتراكم والتصريح بتأخر الإنزال عنه مع دلالة ثم عليه وعلى تراخيه عنه لزيادة البيان، وتذكير عظم المنة أَمَنَةً مصدر كالمنعة وهو مفعول أَنْزَلَ أي ثم أنزل عليكم أمنا نُعاساً بدل اشتمال منها، وقيل:
عطف بيان، وجوز أن يكون نُعاساً منصوبا على المفعولية وأَمَنَةً حال منه والمراد ذا أمنة ولا يضر كونها من النكرة لتقدمها أو حال من المخاطبين على تقدير مضاف أي ذوي أمنة، أو على أنه جمع آمن كبار وبررة.
وقيل: إن أمنة مفعول له لنعاسا، واعترض بأنه يلزم على ظاهره تقديم معمول المصدر عليه، وإن التزم تقدير فعل أي نعستم أمنة، ورد أنه ليس للفعل موقع حسن، وقيل: إنه مفعول له لأنزل.
واعترض بأنه فاسد لاختلال شرطه وهو اتحاد الفاعل إذ فاعل أنزل هو الله تعالى وفاعل الأمنة هو المنزل عليهم، ورد بأن الأمنة كما يكون مصدرا لمن وقع به الأمن يكون مصدرا لمن أوقعه، والمراد هنا الثاني كأنه قيل: أنزل عليكم النعاس ليؤمنكم به وحينئذ لا شبهة في اتحاد الفاعل وقرئ بسكون الميم كأنها لوقوعها في زمن يسير مرة من الأمن فلا ينافي كون المقصود مطلق الأمن وتقديم الظرفين على المفعول الصريح للاعتناء بشأن المقدم، والتشويق إلى المؤخر، وتخصيص الخوف من بين فنون الغم بالإزالة لأنه المهم عندهم في ذلك المقام،
فقد أخرج ابن جرير عن السدي أن المشركين انصرفوا يوم أحد بعد الذي كان من أمرهم وأمر المسلمين فواعدوا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بدرا من قابل فقال لهم: نعم فتخوف المسلمون أن ينزلوا المدينة فبعث رسول الله ﷺ رجلا فقال: انظر فإن رأيتهم قد قعدوا على أثقالهم وجنبوا خيولهم فإن القوم ذاهبون، وإن رأيتهم قد قعدوا على خيولهم وجنبوا أثقالهم فإن القوم ينزلون المدينة فاتقوا الله تعالى واصبروا، ووطنهم على القتال فلما أبصرهم الرسول قعدوا على الأثقال سراعا عجالا نادى بأعلى صوته بذهابهم فلما رأى المؤمنون ذلك صدقوا نبي الله ﷺ فناموا وبقي أناس من المنافقين يظنون أن القوم يأتونهم فلذلك قوله تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ إلخ،
وعن ابن عباس في الآية قال: آمنهم الله تعالى يومئذ
стр. 862
بنعاس غشاهم، وإنما ينعس من يأمن والخائف لا ينام.
وأخرج خلق كثير عن أنس أن أبا طلحة قال غشينا النعاس يوم أحد ونحن في مصافنا وكنت ممن غشيه النعاس يومئذ فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه ويسقط وآخذه، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت أنظر وما منهم من أحد إلا وهو يميد تحت حجفته- أي ترسه- من النعاس، وعن الزبير بن العوام مثله قيل: وهذه عادة الله تعالى مع المؤمنين جعل النعاس في الحرب علامة للظفر وقد وقع كذلك لعلي كرم الله تعالى وجهه في صفين وهو من الواردات الرحمانية والسكينة الإلهية يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ قال ابن عباس: هم المهاجرون وعامة الأنصار، وفيه إشعار بأنه لم يغش الكل ولا يقدح ذلك في عموم الإنزال للكل، والجملة في موضع نصب على أنها صفة- لنعاسا- وقرأ حمزة والكسائي- تغشى- بالتاء الفوقانية على أن الضمير- للأمنة.
والظاهر أن الجملة حينئذ مستأنفة وقعت جوابا لسؤال تقديره ما حكم هذه الأمنة؟ فأجيب بأنها تغشى طائفة، وقيل: إنها في موضع الصفة لأمنة، واعترض بأن الصفة حقها أن تتقدم على البدل وعطف البيان وأن لا يفصل بينها وبين الموصوف بالمفعول له وأن المعهود أن يحدث عن البدل دون المبدل منه وَطائِفَةٌ وهم المنافقون. قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ أي جعلتهم ذوي هم وأوقعتهم فيه أو ما يهمهم إلا أنفسهم لا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ولا غيره من أهمه بمعنى جعله مهما له ومقصودا والحصر مستفاد من المقام، وذكر بعضهم أن العرب تطلق هذا اللفظ على الخائف الذي شغله هم نفسه عن غيره، طائِفَةً مبتدأ وجملة قَدْ أَهَمَّتْهُمْ إلخ خبره، وجاز ذلك مع كونها نكرة لوقوعها بعد واو الحال كما في قوله:
سرينا ونجم قد أضاء فمذ بدا ... محياك أخفى ضوء كل شارق
أو لوقوعها موقع التفصيل كما في قوله:
إذا مت كان الناس صنفان شامت ... وآخر مثن بالذي أنا صانع
وجوز أن تكون الجملة نعتا لها والخبر حينئذ محذف أي ومعكم، أو وهناك طائفة وتقدير- ومنكم طائفة- يقتضي أن يكون المنافقون داخلين في الخطاب بإنزال الأمنة وأيّا ما كان فالجملة إما حالية مبينة لفظاعة الهول مؤكدة لعظم النعمة في الخلاص عنه، وإما مستأنفة مسوقة لبيان حال المنافقين فالواو إما حالية وإما استئنافية وكونها بمعنى إذ ليس بشيء كما نص عليه أبو البقاء يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ في موضع الحال من ضمير أَهَمَّتْهُمْ لا من طائِفَةً وإن تخصصت لما في مجيء الحال من المبتدأ من المقال، وجوز أن تكون صفة بعد صفة لطائفة، أو خبرا بعد خبر، أو هي الخبر وقَدْ أَهَمَّتْهُمْ صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها وغير منصوب على المصدرية المؤكدة لأنه مضاف إلى مصدر محذوف وهو بحسب ما يضاف إليه أي غير الظن الحق وهو الذي يحق أن يظن به تعالى، وقال بعضهم: إنه مفعول مطلق نوعي، وقوله تعالى ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ بدل مما قبله.
وقال ابن الحاجب: غَيْرَ الْحَقِّ وظَنَّ مصدران أحدهما للتشبيه والآخر تأكيد لغيره أي يقولون غير الحق ومفعولا يَظُنُّونَ محذوفان أي يظنون أن إخلاف وعده سبحانه حاصل، وأبو البقاء يجعل غَيْرَ الْحَقِّ مفعولا أولا أي أمرا غير الحق، وبِاللَّهِ في موضع المفعول الثاني وإضافة ظَنَّ إلى الجاهلية قيل: إما من إضافة الموصوف إلى مصدر صفته ومعناها الاختصاص بالجاهلية كرجل صدق وحاتم الجود فهي على معنى اللام أي المختص بالصدق والجود فالياء مصدرية والتاء للتأنيث اللازم له، وإما من إضافة المصدر إلى الفاعل على حذف المضاف أي ظن أهل الجاهلية أي الشرك والجهل بالله تعالى وهي اختصاصية حقيقية أيضا.
стр. 863
يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي يقول بعضهم لبعض على سبيل الإنكار: هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب أي ليس لنا من ذلك شيء لأن الله لا ينصر محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم، أو يقول لحاضرون منهم لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على صورة الاسترشاد: هل لنا من أمر الله تعالى ووعده بالنصر شيء، واختاره بعض المحققين.
والجملة قيل: إما حال أو خبر إثر خبر أو صفة إثر صفة أو مستأنفة مبينة لما قبلها، أو بدل من يَظُنُّونَ وهو بدل الكل بحسب الصدق، وبدل الاشتمال بحسب المفهوم، واستشكل بأن قوله: يَقُولُونَ هَلْ لَنا إلخ تفسير ل يَظُنُّونَ وترجمة له والاستفهام لا بكون ترجمة للخبر كما لا يصح أن تقول: أخبرني زيد قال: لا تذهب أو أمرني قال: لا تضرب، أو نهاني قال: اضرب فإن المطابقة بين الحكاية والمحكي واجبة.
وحاصل الإشكال أن متعلق الظن النسبة التصديقية فكيف يقع استفهام ترجمة له؟ وأجيب بأن الاستفهام طلب علم فيما يشك ويظن فجاز أن يكون متعلق الظن وتحقيقه أن الظن أو العلم يتعلق بما يقال في جواب ذلك الاستفهام على ما ذكر في باب تعليق أفعال القلوب باستفهام، ولا يخفى أن هذا إنما هو على تقدير كون الاستفهام حقيقيا، وأما على تقدير كونه إنكاريا فلا إشكال، ولا قيل ولا قال لأنه خبر فيتطابق مع ما قبله في الخبرية، وبعض من جعله إنكاريا ذهب إلى أن المعنى إنا منعنا تدبير أنفسنا وتصريفها باختيارنا فلم يبق لنا من الأمر شيء، وقد قال ذلك عبد الله بن أبيّ حين أخبره المنافقون بقتل بني الخزرج ثم قال: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل قيل: وظنهم السوء على هذا تصويبهم رأي عبد الله ومن تبعه، وقيل: الاستفهام على ظاهره والمعنى هل يزول عنا هذا القهر فيكون لنا من الأمر شيء، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر، ومِنْ الثانية سيف خطيب، وشَيْءٍ في موضع رفع على الابتداء، وفي خبره كما قال أبو البقاء: وجهان، أحدهما لَنا فمن الأمر حال، والثاني مِنَ الْأَمْرِ فلنا تبيين وبه تتم الفائدة قُلْ يا محمد إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ أي إن الشأن والغلبة الحقيقية لحزب الله تعالى وأوليائه فينصر رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم وأصحابه ويخذل أعداءه ويقهرهم وكنى بكون الغلبة لله تعالى عن كونها لأوليائه لكونهم من الله سبحانه بمكان، أو أن القضاء أو التدبير له تعالى مخصوص به لا يشاركه فيه غيره فيفعل ما يشاء وتجري الأمور حسبما جرى به القلم في سابق القضاء، وعلى هذا لا كناية في الكلام، وجاء مؤكدا لما أن الكلام الذي وقع هو في مقابلته كذلك.
واستظهر في البحر من هذا الأمر كون الاستفهام فيما تقدمه باقيا على حقيقته إذ لو كان معناه نفى أن يكون لهم شيء من الأمر لم يجابوا بإثبات أن الأمر كله لله اللهم إلا أن يقدر مع جملة النفي جملة ثبوتية ليكون المعنى- ليس لنا من الأمر شيء- بل لغيرنا ممن حملنا على الخروج وأكرهنا عليه فحينئذ يمكن أن يكون ذلك جوابا لهذا المقدر، وفيه أنه لا حاجة إلى هذا التقدير على ذلك التقدير أيضا أما إذا كان مرادهم نفي نصر الله تعالى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم ومن معه فواضح لأن في هذا القول إثبات ذلك النصر على أتم وجه، وأما إذا كان مرادهم أنه لم يبق لهم من الأمر شيء حيث منعوا تدبير أنفسهم فلأن في ذلك النفي إشعارا بأن لهم تدبيرا وأنهم لو تركوا وتدبيرهم ما غمزت قناتهم وهذا الإثبات متكفل برد ذلك وإبطاله على وجه سترة عليه كما لا يخفى فلا أرى التقدير على ما فيه إلا من ضيق العطن، وقرأ أبو عمرو ويعقوب كُلَّهُ بالرفع على الابتداء والجار متعلق بمحذوف وقع خبرا له، والجملة خبر إِنَّ، وأما على قراءة النصب فكل توكيد لاسم إِنَّ ولِلَّهِ خبرها.
стр. 864
وزعم أبو البقاء أنه يجوز أن يكون كُلَّهُ بدلا من الْأَمْرِ وفيه بعد يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ أي يضمرون فيها أو يسرون فيما بينهم ما لا يُبْدُونَ لَكَ أي ما لا يستطيعون إظهاره لك، والجملة إما استئناف أو حال من ضمير يَقُولُونَ وقوله سبحانه: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اعتراض بين الحال وصاحبها أي يقولون ما يقولون مظهرين أنهم مسترشدون طالبون للنصر مبطنين الإنكار والتكذيب وهذا ظاهر على الاحتمال الثاني في الآية الأولى، والذاهب إلى حمل الاستفهام فيها على الإنكار يتعين عنده الاستئناف أو يجوز الخبرية ونحوها أيضا على ما مر، والجملة الجوابية اعتراضية في كل حال سوى احتمال الاستئنافية على الصحيح، وأما جعل هذه الجملة حالا من ضمير قُلْ والرابط لك فلا يخفى حاله يَقُولُونَ أي في أنفسهم أو خفية لبعضهم إذ لو كان القول جهارا لم يكونوا منافقين، والجملة إما بدل من يُخْفُونَ أو استئناف وقع جوابا عن سؤال نشأ مما قبله كأنه قيل: ما الذي أخفوه؟ فقيل ذلك، ورجحه بعض المحققين بأنه أكثر فائدة وبأن القول إذا حمل على ظاهره لم يتفاوت القولان لأن قولهم هَلْ لَنا للمؤمنين ليس في حال قولهم لَوْ كانَ لَنا لأصحابهم، وبدل الحال حال، وأنت تعلم أن هذا الأخير مبني على أن القول الأول كان للمؤمنين وقد علمت أنه غير متعين، وقيل: لأنه لا يجتمع قولان من متكلم واحد، وفيه أن زمان الحال المقارن ليس مبنيا على التضييق كما لا يخفى، ومن هنا علل بعض الفضلاء نفي المقارنة بترتب هذا على ما قبله وعدل عن هذا التعليل فان.
لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا على معنى لو كان لنا شيء من ذلك كما وعد محمد وادعى أن الأمر لله تعالى ولأوليائه ما قُتِلْنا فكأن هذا في زعمهم ردّ لما أجيبوا به أولا، ويحتمل أن يكون المراد لو كان لنا اختيار وتدبير لم نبرح كما كان رأي ابن أبيّ وأتباعه، ومعنى ما قُتِلْنا ما غلبنا لأن القائلين ليسوا ممن قتل لاستحالته، ويحتمل أن يكون الإسناد مجازيا بإسناد ما للبعض للكل، فالمعنى لو كان لنا شيء من ذلك ما قتل من قتل منا في هذه المعركة، ثم لا يخفى أن القول بالترتب يستدعي سبق نزول الآية الجوابية وسماعهم لها حتى يتأتى القول بزعم ردها بهذه الشبهة الفاسدة، والظاهر من الآثار عدم نزولها إذ ذاك، فقد أخرج ابن أبي حاتم عن الحسن أنه سئل عن هذه الآية فقال: لما قتل من قتل من أصحاب محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أتوا عبد الله بن أبيّ فقالوا له: ما ترى فقال: إنا والله ما نؤامر لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا.
وأخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن جرير وخلق كثير عن الزبير رضي الله تعالى عنه قال: لقد رأيتني مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين اشتد الخوف علينا أرسل الله تعالى علينا النوم فما منا من رجل إلا ذقنه في صدره فو الله إني لأسمع قول معتب بن قشير ما أسمعه إلا كالحلم: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا فحفظتها منه، وفي ذلك أنزل الله تعالى ثم أنزل إلى هاهُنا وقد يقال: إن هذا القول منهم كالاستدلال على القول الأول وإن كلا القولين وقع منهم ابتداء وقصة الله تعالى علينا رادا له وهذا ظاهر على تقدير أن يكون الاستفهام إنكاريا وأما على تقدير أن يكون حقيقيا ففيه خفاء فتأمل قُلْ يا محمد في جواب ذلك لَوْ كُنْتُمْ أيها المنافقون فِي بُيُوتِكُمْ ومنازلكم بالمدينة ولم تخرجوا للقتال بجملتكم لَبَرَزَ أي لخرج لسبب من الأسباب الداعية إلى البروز الَّذِينَ كُتِبَ في اللوح المحفوظ أو قدر في سابق علم الله تعالى عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ في تلك المعركة إِلى مَضاجِعِهِمْ أي مصارعهم التي علم الله تعالى وقدر قتلهم فيها وقتلوا هناك البتة فإن قضاء الله تعالى لا يرد وحكمه لا يعقب، وفيه من المبالغة في ردّ مقالتهم الباطلة ما لا يخفى، وزعم بعض أن الظاهر الأبلغ أن يراد بمن كتب عليهم القتل الكفار القاتلون أي لخرج الذين يقتلون من بين قومهم إلى مضاجع المقتولين ولم ينج أحد منهم مع تحصنهم بالمدينة
стр. 865
وتحفظهم في بيوتهم ولا يخفى بعده لما فيه من التفكيك، ولأن الظاهر من «عليهم» أنهم مقتولون لا قاتلون، وقيل:
المعنى لو لزمتم منازلكم أيها المنافقون والمرتابون وتخلفتم عن القتال لخرج إلى البراز المؤمنون الذين فرض عليهم القتال صابرين محتسبين فيقتلون ويقتلون، ويؤول إلى قولنا: لو تخلفتم عن القتال لا يتخلف المؤمنون، والمضاجع جمع مضجع فإن كان بمعنى المرقد فهو استعارة للمصرع، وإن كان بمعنى محل امتداد البدن مطلقا للحي والميت فهو حقيقة، وقرئ «كتب» بالبناء للفاعل، ونصب «القتل» و «كتب عليهم القتال» و «لبرّز» بالتشديد على البناء للمفعول وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ ما فِي صُدُورِكُمْ أي ليختبر الله تعالى ما في صدوركم بأعمالكم فإنه قد علمه غيبا ويريد أن يعلمه شهادة لتقع المجازاة عليه قاله الزجاج، أو ليعاملكم معاملة المبتلى الممتحن قاله غير واحد، وهو خطاب للمؤمنين واللام للتعليل ومدخولها علة لفعل مقدر قبل معطوف على علل أخرى مطوية للإيذان بكثرتها كأنه قيل فعل ما فعل لمصالح جمة وَلِيَبْتَلِيَ إلخ أو لفعل مقدر بعد أي وللابتلاء المذكور فعل ما فعل لا لعدم العناية بشأن أوليائه وأنصار نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم مثلا.
والعطف على هذا عند بعض المحققين على قوله تعالى: أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ والفصل بينهما مغتفر لأن الفاصل من متعلقات المعطوف عليه لفظا أو معنى، وقيل: إنه لا حذف في الكلام وإنما هو معطوف على قوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا أي أثابكم بالغم لأمرين عدم الحزن والابتلاء، واستبعد بأن توسط تلك الأمور محتاج إلى نكتة حينئذ، وهي غير ظاهرة، وأبعد منه بل لا يكاد يقبل العطف على قوله تعالى: لِيَبْتَلِيَكُمْ أي صرفكم عنهم ليبتليكم وليبتلي ما في صدوركم، وجعله بعضهم معطوفا على علة محذوفة وكلتا العلتين لَبَرَزَ الَّذِينَ كأنه قيل: لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ لنفاذ القضاء، أو لمصالح جمة وللابتلاء.
واعترض بأن الذوق السليم يأباه فإن مقتضى المقام بيان حكمة ما وقع يومئذ من الشدة والهول لا بيان حكمة البروز المفروض، وإنما جعل الخطاب للمؤمنين لأنهم المعتدّ بهم ولأن إظهار حالهم مظهر لغيرهم.
وقيل: إنه لهم وللمنافقين أي ليبتلي ما في سرائركم من الإخلاص والنفاق: وقيل: للمنافقين خاصة لأن سوق الآية لهم وظاهر قوله تعالى: وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي ليخلص ما فيها من الاعتقاد من الوسواس، يرجح الأول لأن المنافقين لا اعتقاد لهم ليمحص من الوساوس ويخلص منها، ولعل القائلين بكون الخطاب للمنافقين فقط أو مع المؤمنين يفسرون التمحيص بالكشف والتمييز أي ليكشف ما في قلوبكم من مخفيات الأمور أو النفاق ويميزها، إلا أن حمل التمحيص على هذا المعنى يجعل هذه الجملة كالتأكيد لما قبلها وإنما عبر بالقلوب هنا كما قيل: لأن التمحيص متعلق بالاعتقاد على ما أشرنا إليه وقد شاع استعمال القلب مع ذلك فيقال: اعتقد بقلبه ولا تكاد تسمعهم يقولون اعتقد بصدره أو آمن بصدره، وفي القرآن أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [المجادلة: ٤٢] وليس فيه كتب في صدورهم الإيمان، نعم يذكر الصدر مع الإسلام كما في قوله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ [الزمر: ٢٢] ومن هنا قال بعض السادات: القلب مقر الإيمان، والصدر محل الإسلام، والفؤاد مشرق المشاهدة، واللب مقام التوحيد الحقيقي، ولعل الآية على هذا تؤول إلى قولنا ليبتلي إسلامكم وليمحص إيمانكم، وربما يقال عبر بذلك مع التعبير فيما قبل بالصدور للتفنن بناء على أن المراد بالجمعين واحد.
وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ أي بما في القلوب التي في الصدور من الضمائر الخفية ووصفت بذلك لأنها لتمكنها من الصدور جعلت كأنها مالكة لها فذات بمعنى صاحبة لا بمعنى ذات الشيء ونفسه، وفي الآية وعد ووعيد أو
стр. 866
أحدهما فقط على الخلاف في الخطاب وفيها تنبيه على أن الله تعالى غني عن الابتلاء وإنما يبرز صورة الابتلاء لحكم يعلمها كتمرين المؤمنين أو إظهار حال المنافقين، واختار الصدور هاهنا لأن الابتلاء الغني عنه سبحانه كان متعلقا بما فيها والتمحيص على المعنى الأول تصفية وتطهير وليس ذلك مما تشعر به هذه الجملة بأنه سبحانه غني عنه وإنما فعله لحكمة، نعم إذا أريد به الكشف والتمييز يصح أن يقال: إن هذه الجملة مشعرة بأنه تعالى غني أيضا.
ومن هنا جوّز بعض المحققين كونها حالا من متعلق الفعلين أي فعل ما فعل للابتلاء والكشف، والحال أنه تعالى غني عنهما محيط بخفيات الأمور إلا أنه لا يظهر حينئذ سر التعبير عن الأسرار والخفيات بذات الصدور دون ذات القلوب مع أن التعبير الثاني أولى بها لأن القلوب محلها بلا واسطة ومحلية الصدور لها بحسب الظاهر بواسطة القلوب اللهم إلا أن يقال: إن ذات الصدور بمعنى الأشياء التي لا تكاد تفارق الصدور لكونها حالة فيها بل تلازمها وتصاحبها أشمل من ذات القلوب لصدق الأولى على الأسرار التي في القلوب وعلى القلوب أنفسها لأن كلا من هذين الأمرين ملازم للصدور باعتبار كونه حالا فيها دون الثانية لأنها لا تصدق إلا على الأسرار لأنها الحالة فيها دون الصدور فحينئذ يمكن أن يراد من ذات الصدور هذا المعنى الشامل ويكون التعبير بها لذلك إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا الدبر عن المشركين بأحد مِنْكُمْ أيها المسلمون، أو أن الذين هربوا منكم إلى المدينة يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وهما جمع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. وجمع أبي سفيان. إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ أي طلب منهم الزلل ودعاهم إليه بِبَعْضِ ما كَسَبُوا من ذنوبهم يعني إن الذين تولوا كان السبب في توليتهم أنهم كانوا أطاعوا الشيطان فاقترفوا ذنوبا فمنعوا من التأييد وتقوية القلوب حتى تولوا، وعلى هذا لا يكون الزلل هو التولي بل الذنوب المفضية إليه، وجوز أن يكون الزلل الذي أوقعهم الشيطان فيه ودعاهم إليه هو التولي نفسه، وحينئذ يراد ببعض ما كسبوا إما الذنوب السابقة- ومعنى السببية- انجرارها إليه لأن الذنب يجرّ الذنب كما أن الطاعة تجرّ الطاعة، وإما قبول ما زين لهم الشيطان من الهزيمة وهو المروي عن الحسن، وإما مخالفة أمره صلى الله تعالى عليه وسلم بالثبات في المركز فجرّهم ذلك إلى الهزيمة، وإما الذنوب السابقة لا بطريق الانجرار بل لكراهة الجهاد معها فقد قال الزجاج: إن للشيطان ذكرهم خطايا لهم كرهوا لقاء الله تعالى معها فأخروا الجهاد وتولوا حتى يصلحوا أمرهم ويجاهدوا على حال مرضية، والتركيب على الوجهين من باب تحقيق الخبر كقوله:
إن التي ضربت بيتا مهاجرة ... بكوفة الجند غالت ودها غول
وليس من باب أن الصفة علة للخبر كقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ [لقمان: ٨] لأن بِبَعْضِ ما كَسَبُوا يأباه ويحقق التحقيق، وهو أيضا من باب الترديد للتعليق كقوله:
صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مستة سراء
لأن إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ إلخ خبر إن وزيد- إن- للتوكيد وطول الكلام، وما- لتكفها عن العمل، وأصل التركيب إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما تولوا لأن الشيطان استزلهم ببعض إلخ فهو كقولك: إن الذي أكرمك إنما أكرمك لأنك تستحقه، وذكر بعض للإشارة إلى أن في كسبهم ما هو طاعة لا يوجب الاستزلال، أو لأن هذه العقوبة ليست بكل ما كسبوا لأن الكل يستدعي زيادة عليها لكنه تعالى منّ بالعفو عن كثير وَلَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِنْ دَابَّةٍ [فاطر: ٤٥] وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ.
أعاد سبحانه ذكر العفو تأكيدا لطمع المذنبين فيه ومنعا لهم عن اليأس وتحسينا للظنون بأتم وجه، وقد يقال:
стр. 867
هذا تأسيس لا تأكيد فتذكر إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ للذنوب صغائرها وكبائرها حَلِيمٌ لا يعاجل بعقوبة المذنب، وقد جاءت هذه الجملة كالتعليل للعفو عن هؤلاء المتولين وكانوا أكثر القوم، فقد ذكر أبو القاسم البلخي أنه لم يبق مع النبي ﷺ يوم أحد إلا ثلاثة عشر نفسا خمسة من المهاجرين أبو بكر وعلي وطلحة وعبد الرحمن ابن عوف وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الأنصار رضي الله تعالى عنهم أجمعين ومن مشاهير المنهزمين عثمان ورافع بن المعلى وخارجة بن زيد وأبو حذيفة بن عتبة والوليد بن عقبة وسعد وعقبة ابنا عثمان من الأنصار من بني زريق، وروي عن ابن عباس أن الآية نزلت في الثلاثة الأول، وعن غيره غير ذلك ولم يوجد في الآثار تصريح بأكثر من هؤلاء، ولعل الاقتصار عليهم لأنهم بالغوا في الفرار ولم يرجعوا إلا بعد مضي وقت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أن منهم من لم يرجع إلا بعد ثلاث، فزعموا أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لقد ذهبتم بها عريضة، وأما سائر المنهزمين فقد اجتمعوا في ذلك اليوم على الجبل، وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان من هذا الصنف كما في خبر ابن جرير خلافا للشيعة وبفرض التسليم لا تعيير بعد عفو الله تعالى عن الجميع، ونحن لا ندعي العصمة في الصحابة رضي الله تعالى عنهم ولا نشترطها في الخلافة.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وهم المنافقون كعبد الله بن أبيّ وأصحابه قاله السدي.
ومجاهد- وإنما ذكر في صدر الجملة كفرهم تصريحا بمباينة حالهم لحال المؤمنين وتنفيرا عن مماثلتهم وهم هم، وفيه دليل على أن الإيمان ليس عبارة عن مجرد الإقرار باللسان- كما يقوله الكرامية- وإلا لما لما سمي المنافق كافرا، وقيل: المراد بالذين كفروا سائر الكفار على العموم أي لا تكونوا كالكفرة في نفس الأمر وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ في المذهب أو النسب، واللام تعليلية أي قالوا لأجلهم، وجعلها ابن الحاجب بمعنى عن، ولا يجوز أن يكون المراد مخاطبة الإخوان كما هو المتبادر لدلالة ما بعد على أنهم كانوا غائبين حين هذا القول، وقول بعضهم: يصح أن يكون جعل القول لإخوانهم باعتبار البعض الحاضرين والضرب الآتي لضرب آخر تكلف لا حاجة إليه سوى كثرة الفضول إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أي سافروا فيها لتجارة، أو طلب معاش فماتوا- قال السدي- وأصل الضرب إيقاع شيء على شيء، واستعمل في السير لما فيه من ضرب الأرض بالرجل، ثم صار حقيقة فيه، وقيل: أصل الضرب في الأرض الإبعاد في السير وهو ممنوع وخص الأرض بالذكر لأن أكثر أسفارهم كان في البر، وقيل: اكتفى بذكر الأرض مرادا بها البر عن ذكر البحر، وقيل: المراد من الأرض ما يشمل البر والبحر وليس بالبعيد، وجيء- بإذا- وحق الكلام إذ كما قالوا لقالوا الدال بهيئته على الزمان المنافي للزمان الدالة عليه إِذا مراعاة لحكاية الحال الماضية، ومعنى ذلك أن تقدر نفسك كأنك موجود في ذلك الزمان الماضي أو تقدر ذلك الزمان كأنه موجود الآن وهذا كقولك: قالوا ذلك حين يضربون والمعنى حين ضربوا إلا أنك جئت بلفظ المضارع استحضارا لصورة ضربهم في الأرض، واعترض بوجهين: الأول أن حكاية الحال إنما تكون حيث يؤتى بصيغة الحال وهذه صيغة استقبال لأن معنى إِذا ضَرَبُوا حين يضربون فيما يستقبل، الثاني أن قولهم: لو كانوا عندنا إنما هو بعد موتهم فكيف يتقيد بالضرب في الأرض.
وأجيب عن الأول بأن إِذا ضَرَبُوا في معنى الاستمرار كما في وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا [البقرة: ١٤، ٧٦] فيفسد الاستحضار نظرا للحال، وعن الثاني بأن قالُوا لِإِخْوانِهِمْ في موقع جزاء الشرط من جهة المعنى فيكون المعنى لا تكونوا كالذين كفروا، وإذا ضرب إخوانهم فماتوا أَوْ كانُوا غُزًّى فقتلوا قالوا لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا فالضرب والقتل كلاهما في معنى الاستقبال، وتقييد القول بالضرب إنما هو باعتبار الجزء الأخير وهو الموت، والقتل فإنه وإن لم يذكر لفظا لدلالة ما في القول عليه فهو مراد معنى والمعتبر المقارنة عرفا كما في قوله تعالى: فَإِذا
стр. 868
أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ [البقرة: ١٩٨] وكقولك إذا طلع هلال المحرم: أتيتك في منتصفه.
وقال الزجاج: إِذا هنا تنوب عما مضى من الزمان وما يستقبل يعني أنها لمجرد الوقت أو لقصد الاستمرار والذي يقتضيه النظر الصائب أن لا يجعل إِذا ضَرَبُوا ظرفا لقالوا بل ظرف لما يحصل للإخوان حين يقال لأجلهم وفي حقهم ذلك كأنه قيل: قالوا لأجل الأحوال العارضة للإخوان إِذا ضَرَبُوا بمعنى حين كانوا يضربون قاله العلامة الثاني، وأنت تعلم أن تجريد إِذا عن معنى الاستقبال وجعلها بمعنى الوقت مطلقا كاف في توجيه الآية مزيل لاشكالها، وقصد الاستمرار منها لا يدفع الاعتراض عن ذلك التوجيه لأنها إذا كانت للاستمرار تشمل الماضي فلا تكون لحكاية الحال وكذا إذا كان قالوا جوابا إذ يصير مستقبلا فلا تتأتى فيه الحكاية المذكورة أيضا ويرد على ما اقتضاه النظر الصائب أن دون إثبات صحة مثله في العربية خرط القتاد، وأقعد منه- وإن كان بعيدا- ما قاله أبو حيان من أنه يمكن إقرار إِذا على الاستقبال بأن يقدر العامل فيها مضاف مستقبل على أن ضمير لو كانوا عائدا على إخوانهم لفظا لا معنى على حد عندي درهم ونصفه، والتقدير وَقالُوا مخافة هلاك إخوانهم إِذا ضَرَبُوا أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا أي إخواننا الآخرون الذين تقدم موتهم وقتلهم عِنْدَنا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا فتكون هذه المقالة تثبيطا لإخوانهم الباقين عن السفر والغزو لئلا يصيبهم ما أصاب الأولين وإنما لم يحملوا إِذا هنا على الحال كما قيل بحملها عليه بعد القسم نحو وَاللَّيْلِ إِذا يَغْشى [الليل: ١] لتصفوا لهم دعوى حكاية الحال عن الكدر لأن ذلك غير مسلم عند المحققين هناك فقد صححوا فيه بقاءها على الاستقبال من غير محذور، وجوز في الآية كون قالوا بمعنى يقولون وقد جاء في كلامهم استعمال الماضي بمعنى المستقبل ومنه قوله:
وإني لآتيكم تشكر ما مضى ... من الأمر واستيجاب ما كان في غد
وكذا جوز بقاؤه على معناه وحمل إِذا على الماضي فإنها تجيء له كما جاءت إذا للمستقبل في قول البعض وذلك كقوله تعالى: وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها [الجمعة: ١١] ، وقوله:
وندمان يزيد الكأس طيبا ... سقيت «إذا» تغورت النجوم
وحينئذ لا منافاة بين زماني القيد والمقيد فتدبر ذلك كله، والجملة المعينة لوجه الشبه والمماثلة التي نهوا عنها هي الجملة المعطوفة على جملة الصلة والمعنى لا تتشبهوا بالكفار في قولهم لإخوانهم إذا سافروا أَوْ كانُوا غُزًّى جمع غاز كعاف وعفى وهو من نوادر الجمع في المعتل، واستشهد عليه بعضهم بقول امرئ القيس:
ومغبرة الآفاق خاشعة الصوى ... لها قلب «عفّى» الحياض أجون
ويجمع على غزاة كقاض وقضاة، وعلى غزى مثل حاج وحجيج وقاطن وقطين، وعلى غزاء مثل فاسق وفساق، وأنشدوا له قول تأبط شرا.
فيوما «بغزاء» ويوما بسرية ... ويوما بخشخاش من الرجل هيضل
وعلى غازون مثل ضارب وضاربون، وهو منصوب بفتحة مقدرة على الألف المنقلبة عن الواو المحذوفة لالتقاء الساكنين إذ أصله غزوا تحركت الواو وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا ثم حذفت، وقرئ بتخفيف الزاي قال أبو البقاء: وفيه وجهان، الأول: أن أصله غزاة فحذفت الهاء تخفيفا لأن التاء دليل الجمع، وقد حصل من نفس الصيغة.
(والثاني) : أنه أريد قراءة الجمهور فحذفت إحدى الزاءين كراهية التضعيف وذكر هذا الشق مع دخوله فيما قبله لأنه المقصود في المقام وما قبله توطئة له على أنه قيل: قد يوجد بدون الضرب في الأرض بناء على أن المراد به
стр. 869
السفر البعيد فبين الضرب على هذا وكونهم غزاة عموم من وجه وإنما لم يقل أو غزوا للإيذان باستمرار اتصافهم بعنوان كونهم غزاة أو لانقضاء ذلك أي كانوا غزاة فيما مضى لَوْ كانُوا مقيمين عِنْدَنا بأن لم يسافروا أو يغزوا ما ماتُوا وَما قُتِلُوا بل كانوا يبقون زيادة على ما بقوا، والجملة الامتناعية في محل النصب مفعول لقالوا ودليل على أن في الكلام السابق مضمرا قد حذف أي إذا ضربوا في الأرض فماتوا أَوْ كانُوا غُزًّى فقتلوا، وتقدير فماتوا، أو قتلوا في كل من الشقين خلاف الظاهر لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ متعلق بقالوا داخل في حيز الصلة ومن جملة المشبه به، والإشارة إلى القول لكن باعتبار ما فيه من الاعتقاد واللام لام العاقبة والمعنى لا تكونوا مثلهم في القول الباطل والمعتقد الفاسد المؤديين إلى الحسرة والندامة والدمار في العاقبة، وإلى هذا يشير كلام الزجاج وأبي علي، وقيل: متعلق- بلا تكونوا- على أنه علة للنهي فهو خارج عن جملة المشبه به لكن القول والمعتقد داخلان فيه أي لا تكونوا مثلهم في النطق بذلك القول واعتقاده ليجعل انتفاء كونكم معهم في ذلك القول والاعتقاد حسرة في قلوبهم خاصة، واعترضه أبو حيان بأنه قول لا تحقيق فيه لأن جعل الحسرة لا يكون سببا للنهي إنما يكون سببا لحصول امتثال النهي وهو انتفاء المماثلة فحصول ذلك الانتفاء والمخالفة فيما يقولون ويعتقدون يحصل عنه ما يغيظهم ويغمهم إذ لم يوافقوهم فيما قالوه واعتقدوه فيترك الضرب في الأرض والغزو. وكأن القائل التبس عليه استدعاء انتفاء المماثلة بحصول الانتفاء وفهم هذا فيه خفاء ودقة.
وتعقبه السفاقسي بأنه يلزم على هذا الاعتراض أن لا يجوز نحو لا تعص لتدخل الجنة لأن النهي ليس سببا لدخول الجنة، وكذا لا يجوز أطع الله تعالى لتدخل الجنة لأن الأمر ليس سبب لدخولها. ثم قال: والحق أن اللام تتعلق بالفعل المنهي عنه والمأمور به على معنى أن الكف عن الفعل أو الفعل المأمور به سبب لدخول الجنة ونحوه وهذا لا إشكال فيه، وقيل: متعلق- بلا تكونوا- والإشارة إلى ما دل عليه النهي والكل خارج عن المشبه به والمعنى لا تكونوا مثلهم ليجعل الله انتفاء كونكم مثلهم حسرة في قلوبهم وعلى هذا يكون وَقالُوا ابتداء كلام معطوفا على مقدرات شتى كما يقتضيه أقوال المنافقين وأحوالهم وأفعالهم، ووجه اتصاله بما قبله أنه لما وقع التنبيه على عدم الكون مثلهم عم جميع ما يتصل بهم من الرذائل وخص المذكور لكونه أشنع وأبين لنفاقهم أي أنهم أعداء الدين لم يقصروا في المضارة والمضادة بل فعلوا كيت وكيت وقالوا كذا وكذا، ومن هذا يعلم ما في تلك المقدرات، وعلى كل من الأوجه الثلاثة يكون الضمير المجرور في قلوبهم عائدا إلى الكافرين، وذكر القلوب مع أن الحسرة لا تكون إلا فيها لإرادة التمكن والإيذان بعدم الزوال.
وجوز ابن تمجيد رجوع الضمير إلى المؤمنين واللام متعلقة- بقالوا- حينئذ لا غير، ووجه الآية بما يقضي منه العجب وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ردّ لقولهم الباطل إثر بيان غائلته أي والله هو المؤثر الحقيقي في الحياة والممات وحده لا الإقامة أو السفر فإنه تعالى قد يحيي المسافر والغازي مع اقتحامهما موارد الحتوف ويميت المقيم والقاعد وإن كانا تحت ظلال النعيم، وليس المراد أنه تعالى يوجد الحياة والممات وإن كان هو الظاهر لأن الكلام ليس فيه ولا يحصل به الرد وإنما الكلام في إحداث ما يؤثرهما، وقيل: المراد أنه تعالى يحيي ويميت في السفر والحضر عند حضور الأجل ولا مؤخر لما قدم ولا مقدم لما أخر، ولا راد لما قضى ولا محيص عما قدر، وفيه منع المؤمنين عن التخلف في الجهاد لخشية القتل والواو للحال فلا يرد أنه لا يصح عطف الإخبار على الإنشاء.
وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ترغيب في الطاعة وترهيب عن المعصية أو تهديد للمؤمنين على أن يماثلوا الكفار لأن رؤية الله تعالى كعلمه تستعمل في القرآن للمجازاة على المرئي كالمعلوم، والمؤمنون وإن لم يماثلوهم فيما ذكر
стр. 870
لكن ندمهم على الخروج من المدينة يقتضيه، وقرأ ابن كثير وأهل الكوفة- غير عاصم- يعملون بالياء، وضمير الجمع حينئذ للكفار، والعمل عام متناول للقول المذكور ولمنشئه الذي هو الاعتقاد الفاسد ولما ترتب على ذلك من الأعمال ولذلك تعرض لعنوان البصر لا لعنوان السمع وإظهار الاسم الجليل لما مر غير مرة وكذا تقديم الظرف.
هذا (ومن باب الإشارة) وَكَأَيِّنْ وكم مِنْ نَبِيٍّ مرتفع القدر جليل الشأن وهو في الأنفس الروح القدسية قاتَلَ مَعَهُ عدو الله تعالى أعني النفس الأمارة رِبِّيُّونَ متخلقون بأخلاق الرب وهم القوى الروحانية فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وطريق الوصول إليه من تعب المجاهدات وَما ضَعُفُوا في طلب الحق وَمَا اسْتَكانُوا وما خضعوا للسوى وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ على مقاساة الشدائد في جهاد النفس وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا استر لنا وجوداتنا بإفاضة أنوار الوجود الحقيقي علينا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا أي تجاوزنا حدود ظاهر الشريعة عند صدمات التجليات وَثَبِّتْ أَقْدامَنا في مواطن حروب أنفسنا وَانْصُرْنا بتأييدك وإمدادك عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ الساترين لربوبيتك فَآتاهُمُ اللَّهُ بسبب دعائهم بألسنة الاستعدادات والانقطاع إليه تعالى ثَوابَ الدُّنْيا وهو مرتبة توحيد الأفعال وتوحيد الصفات وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وهو مقام توحيد الذات وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ في الطلب الذين لا يلتفتون إلى الأغيار يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا الإيمان الحقيقي إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا وهم النفوس الكافرة وصفاتها يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ إلى أسفل سافلين وهو سجين البهيمية فَتَنْقَلِبُوا ترجعوا القهقري خاسِرِينَ أنفسكم بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ ناصركم وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ لمن عول عليه وقطع نظره عمن سواه سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ أي الخوف بِما أَشْرَكُوا أي بسبب إشراكهم بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ أي بوجوده سُلْطاناً أي حجة إذ لا حجة على وجوده حتى ينزلها لتحقق عدمه بحسب ذاته، وجعل سبحانه إلقاء الرعب في قلوبهم مسببا عن شركهم لأن الشجاعة وسائر الفضائل اعتدالات في قوى النفس عند تنورها بنور القلب المنور بنور التوحيد فلا تكون تامة حقيقية إلا للموحد الموقن، وأما المشرك فمحجوب عن منبع القوة بما أشرك ما لا وجود ولا ذات في الحقيقة له فهو ضعيف عاذ بقر ملة وَمَأْواهُمُ النَّارُ وهي نار الحرمان وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ الذين وضعوا الشيء في غير موضعه وعبدوا أسماء سموها ما أنزل الله تعالى بها من كتاب وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ المشروط بالصبر والتقوى إِذْ تَحُسُّونَهُمْ أي تقتلون جنود الصفات البشرية قتلا ذريعا بِإِذْنِهِ وأمره لا على وفق الطبع حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ جبنتم عند تجلي الجلال وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وخالفتم في أمر الطلب وَعَصَيْتُمْ المرشد المربي مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ من الفوز بأنوار الحضرة مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا لقصور همته وضعف رأيه وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ لطول باعه وقوة عقله ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ أي عن أعداء نفوسكم وجنودها لِيَبْتَلِيَكُمْ أي يمتحنكم بالستر بعد التجلي بأنوار المشاهدات والصحو بعد السكر بأقداح الواردات والفطام بعد إرضاع ألبان الملاطفات كما يقتضي ذلك الجلال وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ بعد ذلك فانقطعتم إليه كما هو مقتضى الجمال وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ على المؤمنين في طوري التقريب والإبعاد، وما ألطف قول من قال:
فقسا ليزدجروا ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم
إِذْ تُصْعِدُونَ في جبل التوجه إلى الحق وَلا تَلْوُونَ أي لا تلتفتون عَلى أَحَدٍ من الأمرين الدنيا والآخرة وَالرَّسُولُ أي رسول الواردات يَدْعُوكُمْ إليّ عباد الله إليّ عباد الله فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ فجازاكم بدل غم الدنيا والآخرة بغم طلب الحق لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ من زخارف الدنيا وَلا ما أَصابَكُمْ من صدمات تجلي القهر وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ لأنه سبحانه أقرب إليكم منكم ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً
стр. 871
أي واردا من ألطافه ظهر في صورة النعاس وهو السكينة الرحمانية يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وهم الصادقون في الطلب وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ وهم أرباب النفوس فإنهم لا هم لهم سوى حظ نفوسهم واستيفاء لذاتها يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ بمقتضى سوء استعدادهم يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ أي إن الخلق حالوا بيننا وبين التدبير ولو لم يحولوا لفعلنا ما به صلاحنا قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ فهو المتصرف وحده حسبما يقتضيه الاستعداد فلا تدبير مع تدبيره ولا وجود لأحد سواه يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ الخبيثة ما لا يُبْدُونَ بزعمهم لك أيها المرشد الكامل يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا بسيف الشهوات هاهُنا أي في هذه النشأة قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وهي منازل العدم الأصلي قبل ظهور هذه التعينات لَبَرَزَ على حسب العلم الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ في لوح الأزل إِلى مَضاجِعِهِمْ وهي بيداء الشهوات، فقد قال سبحانه: ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [الحديد: ٢٢] أي نظهرها بهذا التعين، وإنما فعل سبحانه ما فعل لحكم شتى وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ تعالى ما فِي صُدُورِكُمْ أي ليمتحن ما في استعدادكم من الصدق والإخلاص والتوكل ونحو ذلك من الأخلاق ويخرجها من القوة إلى الفعل وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ أي يخلص ما برز من مكمن الصدر إلى مخزن القلب من غش الوساوس وخواطر النفس فإن البلاء سوط يسوق الله تعالى به عباده إليه، ولهذا
ورد «أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل»
ولله تعالى در من قال:
لله در النائبات فإنها ... صدأ اللئام وصيقل الأحرار
ما كنت إلا زبرة فطبعنني ... سيفا وأطلع صرفهن غراري
وذلك لأنهم حينئذ ينقطعون إلى الحق ولا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده كما قيل: عند الامتحان يكرم الرجل أو يهان، والخطاب في كلا الموضعين للمؤمنين، وقيل: إن الخطاب الأول للمنافقين، والثاني للمؤمنين وأنه سبحانه إنما خص الصدور بالأولين لأن الصدر معدن الغل والوسوسة فهو أوفق بحال المنافقين، وخص القلوب بالآخرين لأن القلب مقر الإيمان والاطمئنان وهو أوفق بحال المؤمنين وأن نسبة الإسلام باللسان إلى الإيمان بالجنان كنسبة الصدر إلى القلب قيل: ولهذا قال سبحانه: وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ بناء على أن المراد به الترهيب والتحذير عن الاتصال بما لا يرضى من تلك الصفات التي يكون الصدر مكمنا لها إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ جمع الروح وقواها وجمع النفس وقواها إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا من الذنوب لأنها تورث الظلمة والشيطان لا مجال له على ابن آدم بالتزيين والوسوسة إلا إذا وجد ظلمة في القلب، ولك أن تبقي الجمعين على ظاهرهما وباقي الإشارة بحاله وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ حين استنارت قلوبهم بنور الندم والتوبة إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ وبمقتضى ذلك ظهرت المخالفات وأردفت بالتوبة ليكون ذلك مرآة لظهور صفات الله تعالى.
ومن هنا جاء «لو لم تذنبوا لأتى الله تعالى بقوم يذنبون فيستغفرون فيغفر لهم» .
وحكي أن إبراهيم بن أدهم رضي الله تعالى عنه أكثر ليلة في الطواف من قوله: اللهم اعصمني من الذنوب فسمع هاتفا من قلبه يقول: يا إبراهيم أنت تسأله العصمة وكل عباده يسألونه العصمة فإذا عصمكم على من يتفضل وعلى من يتكرم يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا برؤية الأغيار واعتقاد تأثير السوي، وقالوا لأجل إخوانهم إذا ضربوا في الأرض إذا فارقوهم بترك ما هم عليه وسافروا في أرض نفوسهم وسلكوا سبيل الرشاد أَوْ كانُوا غُزًّى أي مجاهدين مع أعدى أعدائهم وهي نفوسهم التي بين جنوبهم وقواها وجنودها من الهوى والشيطان لَوْ كانُوا مقيمين عِنْدَنا موافقين لنا ما ماتُوا بمقاساة الرياضة وَما قُتِلُوا بسيف المجاهدة، ولاستراحوا من هذا
стр. 872
النصب لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ أي عدم الكون مثلهم حَسْرَةً يوم القيامة فِي قُلُوبِهِمْ حين يرون ما أعد الله تعالى لكم وَاللَّهُ يُحْيِي من يشاء بالحياة الأبدية وَيُمِيتُ من يشاء بموت الجهل والبعد عن الحضرة وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تحذير عن الميل إلى قول المنكرين واعتقادهم وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ أيها المؤمنون فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي في الجهاد أَوْ مُتُّمْ حتف الأنف وأنتم متلبسون به فعلا أو نية.
لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ أي الكفار من منافع الدنيا ولذاتها مدة أعمارهم وهذا ترغيب للمؤمنين في الجهاد وأنه مما يجب أن يتنافس فيه المتنافسون، وفيه تعزية لهم وتسلية مما أصابهم في سبيل الله تعالى إثر إبطال ما عسى أن يثبطهم عن إعلاء كلمة الله تعالى، واللام الأولى هي موطئة للقسم، والثانية واقعة في جواب القسم، وجواب الشرط محذوف لدلالة جواب القسم عليه ووفائه بمعناه- ومغفرة- مبتدأ ومِنَ متعلقة بمحذوف وقع صفة لها ووصفت بذلك إظهارا للاعتناء بها ورمزا إلى تحقق وقوعها، وذهب غير واحد إلى تقدير صفة أخرى أي لمغفرة لكم من الله، وحذفت صفة رَحْمَةٌ لدلالة المذكور عليها والتنوين فيهما للتقليل ولا ينافي ذلك ما يشير إليه الوصف، وثبوت أصل الخيرية لما يجمعه الكفار كما يقتضيه أفعل التفضيل إما بناء على أن الذي يجمعونه في الدنيا قد يكون من الحلال الذي يعد خيرا في نفس الأمر. وإما أن ذلك وارد على حسب قولهم ومعتقدهم أن تلك الأموال خير، وجوز في- ما- أن تكون موصولة، أو نكرة موصوفة والعائد محذوف، أو مصدرية ويكون المفعول حينئذ محذوف أي من جمعهم المال، وقرأ نافع وأهل الكوفة- غير عاصم- «متّم» بالكسر ووافقهم حفص في سائر المواضع إلا هاهنا، وقرأ الباقون بضم الميم وهو على الأول من مات يمات مثل خفتم من خاف يخاف، وعلى الثاني من مات يموت مثل كنتم من كان يكون، وقرأ حفص عن عاصم يَجْمَعُونَ بالياء على صيغة الغيبة، وقرأ الباقون «تجمعون» بالتاء على صيغة الخطاب والضمير للمؤمنين، وقدم القتل على الموت لأنه أكثر ثوابا وأعظم عند الله تعالى، فترتب المغفرة والرحمة عليه أقوى وعكس في قوله سبحانه: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ لأن الموت أكثر من القتل وهما مستويان في الحشر، والمعنى أنكم بأي سبب اتفق هلاككم تحشرون إلى الله تعالى لا إلى غيره فيجزي كلّا منكم كما يستحق فيجازي المحسن على إحسانه والمسيء على إساءته وليس غيره يرجى منه ثواب، أو يتوقع منه دفع عقاب فآثروا ما يقرّبكم إليه ويجرّ لكم رضاه من العمل بطاعته والجهاد في سبيله ولا تركنوا إلى الدنيا، ومما ينسب للحسين رضي الله تعالى عنه:
فإن تكن الأبدان للموت أنشئت ... فقتل امرئ بالسيف والله أفضل
والكلام في اللامين كالكلام في أختيهما بلامين، وإدخال لام القسم على المعمول المقدم مشعر بتأكيد الحصر والاختصاص بأن ألوهيته تعالى هي التي تقتضي ذلك، وادعى بعضهم أن تقديم هذا المعمول لمجرد الاهتمام ويزيده حسنا وقوع ما بعده فاصلة، وما أشرنا إليه أولا أولى، قالوا: ولولا هذا التقديم لوجب توكيد الفعل بالنون لأن المضارع المثبت إذا كان مستقبلا وجب توكيده مع اللام خلافا للكوفيين حيث يجوزون التعاقب بينهما وظاهر صنيع بعض المحققين يشعر بأن في هذه الجملة مقدرا بقرينة ما قبله أي ولئن متم أو قتلتم في سبيل الله، ولعل الحمل على العموم أولى، وزعم بعض أن في الآية تقسيم مقامات العبودية إلى ثلاثة أقسام، فمن عبد الله تعالى خوفا من ناره آمنه مما يخاف وإليه الإشارة بقوله تعالى: لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ ومن عبد الله تعالى شوقا إلى جنته أناله ما يرجو، وإليه الإشارة بقوله سبحانه: وَرَحْمَةٌ لأن الرحمة من أسماء الجنة، ومن عبد الله تعالى شوقا إلى وجهه الكريم لا يريد غيره فهو العبد المخلص الذي يتجلى عليه الحق ﷻ في دار كرامته، وإليه الإشارة بقوله عز اسمه: لَإِلَى اللَّهِ
стр. 873
تُحْشَرُونَ ولا يخفى أنه من باب التأويل لا من قبيل التفسير فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ خطاب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم والفاء لترتيب مضمون الكلام على ما ينبئ عنه السياق من استحقاق الفارّين الملامة والتعنيف منه صلى الله تعالى عليه وسلم بمقتضى الجبلة البشرية حيث صدروا عنه وحياض الأهوال مترعة وشمروا للهزيمة والحرب قائمة على ساق، أو من سعة فضاء مغفرته ورحمته والباء متعلقة- بلنت- والتقديم للقصر،- وما- مزيدة للتأكيد وعليه أجلة المفسرين، وهو المأثور عن قتادة، وحكى الزجاج الإجماع عليه وفيه نظر، فقد قال الأخفش وغيره:
يجوز أن تكون نكرة بمعنى شيء، ورَحْمَةٍ بدل منها، وجوز أن تكون صفة لها، وقيل: إنها استفهامية للتعجب والتقدير فبأي رحمة لنت لهم، والتنوين في رحمة على كل تقدير للتفخيم ومِنَ متعلقة بمحذوف وقع صفة لها أي فَبِما رَحْمَةٍ عظيمة كائنة من الله تعالى كنت لين الجانب لهم ولم تعنفهم، ولعل المراد بهذه الرحمة ربطه على جأشه صلى الله تعالى عليه وسلم وتخصيصه له بمكارم الأخلاق، وجعل الرفق ولين الجانب مسببا عن ربط الجأش لأن من ملك نفسه عند الغضب كان كامل الشجاعة.
قيل: وأفاد الكلام في هذا المقام فائدتين: إحداهما ما يدل على شجاعته صلى الله تعالى عليه وسلم، والثانية ما يدل على رفقه فهو من باب التكميل، وقد اجتمعت فيه صلى الله تعالى عليه وسلم هاتان الصفتان يوم أحد حيث ثبت حتى كر عليه أصحابه مع أنه عراه ما عراه ثم ما زجرهم ولا عنفهم على الفرار بل آساهم في الغم وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا أي خشن الجانب شرس الأخلاق جافيا في المعاشرة قولا وفعلا غَلِيظَ الْقَلْبِ أي قاسيه، وقال الكلبي:
فَظًّا في الأقوال غَلِيظَ الْقَلْبِ في الأفعال.
وذكر بعضهم أن الفظ سيئ الخلق في الأمور الظاهرة من الأقوال والأفعال، وغَلِيظَ الْقَلْبِ السيئ في الأمور الباطنة، والثاني سبب للأول وقدم المسبب لظهوره إذ هو الذي يطلع عليه ويمكن أن يقال المراد لو كنت على خلاف تينك الصفتين المعبر عنهما بالرحمة وهو التهور المشار إليه بالفظاظة وسوء الأخلاق المرموز إليه بغلظ القلب فإن قساوة القلب وعدم تأثره يتبعها كل صفة ذميمة، ولهذا
ورد أبعد القلوب عن الله تعالى القلوب القاسية
وكأنه لبعده صدّر بيمكن وعلى كل تقدير في الكلام حذف أي ولو كنت فظا غليظ القلب فلم تلن لهم وأغلظت عليهم لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ أي لتفرقوا عنك ونفروا منك ولم يسكنوا إليك وتردّوا في مهاوي الردى ولم ينتظم أمر ما بعثت به من هدايتهم وإرشادهم إلى الصراط فَاعْفُ عَنْهُمْ مترتب على ما قبله أي إذا كان أمر كذلك فاعف عنهم فيما يتعلق بحقوقك وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ الله تعالى فيما يتعلق بحقوقه إتماما للشفقة وإكمالا للتربية وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أي في الحرب أخرجه ابن أبي حاتم من طريق ابن سيرين عن عبيدة وهو المناسب للمقام، أو فيه وفي أمثاله مما تجري فيه المشاورة عادة، وإليه ذهب جماعة، واختلف في مشاورته صلى الله تعالى عليه وسلم لأصحابه رضي الله تعالى عنهم في أمر الدين إذا لم يكن هناك وحي فمن أبى الاجتهاد له صلى الله تعالى عليه وسلم ذهب إلى عدم جوازها ومن لا يأباه- وهو الأصح- ذهب إلى جوازها، وفائدتها الاستظهار برأيهم، ويؤيد ذلك ما
أخرجه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن غنم أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر وعمر: «لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما»
أو التطييب لأنفسهم، وإليه ذهب قتادة، فقد أخرج ابن جرير عنه أنه قال: أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يشاور أصحابه في الأمور وهو يأتيه وحي السماء لأنه أطيب لأنفس القوم، أو أن تكون سنة بعده لأمته، وإليه ذهب الحسن، فقد أخرج البيهقي عنه أنه قال في الآية: قد علم الله تعالى ما به إليهم حاجة ولكن أراد أن يستن به من بعده، ويؤيده ما
أخرجه ابن عدي والبيهقي في الشعب بسند حسن عن ابن عباس قال: لما نزلت وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ قال رسول
стр. 874
الله ﷺ : «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي فمن استشار منهم لم يعدم رشدا ومن تركها لم يعدم غيا»
وقيل: فائدة ذلك أن يمتحنهم فيتميز الناصح من الغاش وليس بشيء، وادعى الجصاص أن كون الأمر بالمشاورة على جهة تطييب النفوس مثلا غير جائز لأنه لو كان معلوما عندهم أنهم إذا استفرغوا مجهودهم في استنباط الصواب عما سئلوا عنه ثم لم يكن معمولا به لم يكن في ذلك تطييب نفوسهم بل فيه إيحاشهم بأن آراءهم غير مقبولة ولا معوّل عليها وجزم بأنه لا بد أن يكون لمشاورته صلى الله تعالى عليه وسلم إياهم فائدة هي الاستظهار بما عندهم وأن يكون للنبي ﷺ معهم ضرب من الاجتهاد فما وافق رأيه عمل به وما خالفه ترك من غير لوم، وفيه إرشاد للاجتهاد وجوازه بحضرته ﷺ وإشعار بمنزلة الصحابة وأنهم كلهم أهل اجتهاد وأن باطنهم مرضي عند الله تعالى انتهى، وفيه نظر إذ لا خفاء على من راجع وجدانه أن في قول الكبير للصغير ماذا ترى في أمر كذا وماذا عندك فيه تطييبا لنفسه وتنشيطا لها لاكتساب الآراء وإعمال الفكر لا سيما إذا صادف رأيه رأي الكبير أحيانا وإن لم يكن العمل برأيه الموافق بل العمل بالرأي الموافق، وما ادعاه من أن الرأي إذا لم يكن معمولا به كان فيه إيحاش غير مسلم لا سيما فيما نحن فيه لعلم الصحابة رضي الله تعالى عنهم بعلو شأن رسول الله ﷺ وأن عقولهم بالنسبة إلى عقله الشريف كالسها بالنسبة إلى شمس الضحى، على أن من قال: إن فائدة المشاورة تطييب النفس أشار إلى أن الوحي يأتيه فهو غني عنها، وحينئذ يكون قصد التطييب أتم وأظهر لما في المشاورة إذ ذاك من تعريضهم لما يمكن أن يوافق الوحي والإيحاش بعدم العمل هنا أبعد لأن مستنده اتباع الوحي ومعلوم لديهم أنه أولى بالاتباع لأنه من قبل الله تعالى اللطيف الخبير كما لا يخفى، ثم ما ذكر من أن في ذلك إشعارا بأن الصحابة كلهم أهل اجتهاد في حيز المنع لأن أمر السلطان مثلا لعامله أن يشاور أهل بلده في أموره لا يستدعي أن يشاور كل واحد واحد منهم في ذلك بل لا يكاد أن يكون ذلك مرادا أصلا بل المراد أن يشاور أهل الآراء منهم والمتدربين فيهم، وكون الصحابة كلهم كذلك أول المدعى، ودون إثباته وقعة الجمل وحرب صفين.
ويؤيد كون المراد من الصحابة- المأمور صلى الله تعالى عليه وسلم بمشاورتهم أهل الرأي والتدبير لا مطلقا بما أخرجه الحاكم وصححه. والبيهقي في سننه عن ابن عباس أنه قال في وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ: أبو بكر، وعمر، ومن طريق الكلبي عن أبي صالح عن الحبر أن الآية نزلت فيهما، نعم لو كانت المشاورة لمجرد تطييب النفوس دون الاستظهار كان لمشاورة أي واحد منهم وإن لم يكن من أرباب الرأي وجه لكن الجصاص لم يبن كلامه على ذلك.
بقي أن بين ما
أخرجه الإمام أحمد من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم للعمرين رضي الله تعالى عنهما: «لو اجتمعتما على مشورة ما خالفتكما»
وما
أخرجه ابن عدي والبيهقي من قوله ﵊ عند نزول الآية «أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن جعلها الله تعالى رحمة لأمتي»
تنافيا إلا أن يحمل خبر عدم مخالفتهما لو اجتمعا على الإشارة إلى رفعة قدرهما وعلو شأنهما وأن اجتماعهما على أمر لا يكون إلا موافقا لما عند الله تعالى وهو الذي عليه المعول وبه العمل، وكأن في
قوله ﷺ : «وما خالفتكما»
دون لعملت بقولكما مثلا نوع إشعار بما قلنا فتدبر، وقرأ ابن عباس كما أخرج البخاري في الأدب المفرد عنه وَشاوِرْهُمْ فِي بعض الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ أي إذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه بعد المشاورة كما تؤذن به الفاء.
فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي فاعتمد عليه وثق به وفوض أمرك إليه فإنه الأعلم بما هو الأصلح، وأصل التوكل إظهار العجز والاعتماد على الغير والاكتفاء به في فعل ما يحتاج إليه، وهو عندنا على الله سبحانه لا ينافي مراعاة الأسباب بل يكون بمراعاتها مع تفويض الأمر إليه تعالى شأنه و «اعقلها وتوكل» يرشد إلى ذلك، وعند ساداتنا الصوفية هو إهمال
стр. 875
التدبير بالكلية، وعن خالد بن زيد أنه قرأ فَإِذا عَزَمْتَ بصيغة المتكلم، والمعنى فإذا قطعت لك بشيء وعينته لك فتوكل علي ولا تشاور به أحدا، والالتفات لتربية المهابة وتعليل التوكل والأمر به فإن عنوان الألوهية الجامعة لجميع صفات الكلام مستدعى للتوكل عليه سبحانه والأمر به.
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ عليه الواثقين به المنقطعين إليه فينصرهم ويرشدهم إلى ما هو خير لهم كما تقتضيه المحبة، والجملة تعليل للتوكل عليه سبحانه، وقد روعي في الآية حسن الترتيب وذلك لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمر أولا بالعفو عنهم فيما يتعلق بخاصة نفسه فإذا انتهوا إلى هذا المقام أمر أن يستغفر لهم ما بينهم وبين الله تعالى لتنزاح عنهم التبعتان فلما صاروا إلى هنا أمر بأن يشاورهم في الأمر إذ صاروا خالصين من التبعتين مصفين منهما، ثم أمر ﷺ بعد ذلك بالتوكل على الله تعالى والانقطاع إليه لأنه سبحانه السند الأقوم والملجأ الأعظم الذي لا تؤثر الأسباب إلا به ولا تنقضي الحاج إلا عند بابه إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ جملة مستأنفة سيقت بطريق تلوين الخطاب تشريفا للمؤمنين لإيجاب التوكل عليه والترغيب في طاعته التي يستحق بها النصرة والتحذير عن معصيته التي يستحق بها الخذلان أي أن يرد نصركم كما أراده يوم بدر فلا أحد يغلبكم على طريق نفي الجنس المنتظم بجميع أفراد الغالب ذاتا وصفة فهو أبلغ من لا يغلبكم أحد لدلالته على نفي الصفة فقط.
ثم المفهوم من ظاهر النظم الكريم- كما قال شيخ الإسلام- وإن كان نفي مغلوبيتهم من غير تعرض لنفي المساواة أيضا وهو الذي يقتضيه المقام لكن المفهوم منه فهما قطعيا هو نفي المساواة وإثبات الغالبية للمخاطبين، فإذا قلت: لا أكرم من فلان ولا أفضل منه بالمفهوم منه حتما أنه أكرم من كل كريم وأفضل من كل فاضل وهذا أمر مطرد في جميع اللغات ولا اختصاص بالنفي الصريح بل هو مطرد فيما ورد على طريق الاستفهام الإنكاري كما في قوله تعالى: فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً [الأنعام: ١٤٤، الأعراف: ٣٧، يونس: ١٧، الكهف: ١٥] في مواقع كثيرة من التنزيل وقد أشرنا إلى هذا المبحث فيما تقدم وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ أي وإن يرد خذلانكم ويمنعكم معونته كما فعل يوم أحد.
وقرئ «يخذلكم» من أخذله إذا جعله مخذولا فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ استفهام إنكاري مفيد لانتفاء الناصر على نحو انتفاء الغالب، وقيل: وجاء جواب الشرط في الأول صريح النفي ولم يجيء في الثاني كذلك تلطفا بالمؤمنين حيث صرح لهم بعدم الغلبة ولم يصرح بأنه لا ناصر لهم وان كان الكلام مفيدا له مِنْ بَعْدِهِ أي من بعد خذلانه أو من بعد الله تعالى على معنى إذا جاوزتموه فعلى الأول- بعد- ظرف زمان وهو الأصل فيها، وعلى الثاني مستعار للمكان وَعَلَى اللَّهِ لا على غيره كما يؤذن بذلك تقديم المعمول.
فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ المراد بهم إما جنس المؤمنين والمخاطبون داخلون فيه دخولا أوليا، وإما المخاطبون خاصة بطريق الالتفات على التقديرين لا يخفى ما في ذلك من تشريف المخاطبين مع الإيماء إلى تعليل تحتم التوكل عليه تعالى، والفاء كما قالوا: لترتيب ما بعدها أو الأمر به على ما مرّ من غلبة المؤمنين ومغلوبيتهم على تقدير نصر الله تعالى لهم وخذلانه إياهم فإن العلم بذلك مما يستدعي قصر التوكل عليه سبحانه لا محالة.
وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ أي ما صح ولا استقام لنبي من الأنبياء أن يخوف في المغنم لأن الخيانة تنافي النبوة وأصل الغل الأخذ بخفية ولذا استعمل في السرقة ثم خص في اللغة بالسرقة من المغنم قبل القسمة وتسمى غلولا أيضا، قيل: وسميت بذلك لأن الأيدي فيها مغلولة أي ممنوعة مجعول فيها غل وهي الحديدة التي تجمع يد الأسير إلى
стр. 876
عنقه، ويقال لها: جامعة أيضا، وقال الرماني، وغيره أصل الغلول من الغلل وهو دخول الماء في خلل الشجر، وسميت الخيانة غلولا لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل، ومن ذلك الغل للحقد، والغليل لحرارة العطش، والغلالة للشغار، والمراد تنزيه ساحة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم على أبلغ وجه عما ظن به الرماة يوم أحد
فقد حكى الواحدي عن الكلبي، ومقاتل أن الرماة حين تركوا المركز يومئذ طلبا للغنيمة قالوا: نخشى أن يقول النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: من أخذ شيئا فهو له وأن لا يقسم الغنائم كما لم يقسم يوم بدر فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: «ظننتم أنا نغلّ ولا نقسم لكم» ولهذا نزلت الآية،
أو تنزيهه صلى الله تعالى عليه وسلم عما اتهمه به بعض المنافقين يوم بدر، فقد أخرج أبو داود والترمذي وابن جرير وحسناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه أنه قال: نزلت هذه الآية في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر فقال بعض الناس: لعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أخذها، والرواية الأولى أوفق بالمقام، وارتباط الآية بما قبلها عليها أتم لأن القصة أحدية إلا أن فيها إشعارا بأن غنائم بدر لم تقسم وهو مخالف لما سيأتي في الأنفال وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيقه، والرواية الثانية أولى بالقبول عند أرباب هذا الشأن، ويحتمل أن يكون المراد المبالغة في النهي عن الغلول،
فقد أخرج ابن أبي شيبة في المصنف. وابن جرير مرسلا عن الضحاك قال: بعث رسول الله ﷺ طلائع فغنم النبي ﷺ غنيمة فقسم بين الناس ولم يقسم للطلائع شيئا فلما قدمت الطلائع قالوا قسم النبي ﷺ ولم يقسم لنا فأنزل الله تعالى الآية،
فالمعنى ما كان لنبي أن يعطي قوما من العسكر ويمنع آخرين بل عليه أن يقسم بين الكل بالسوية، وعبر سبحانه عن حرمان بعض الغزاة بالغلول فطما عن هذا الفعل بالكلية، أو تعظيما لشأنه ﷺ ، وجعل بعضهم الكلام على هذا الاحتمال على حدّ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] خوطب به ﷺ وأريد غيره ممن يفعل مثل هذا بعد النهي عنه- ولا يخفى بعده- والصيغة على الاحتمال الأول إخبار لفظا ومعنى لكنها لا تخلو عن رمز إلى نهي عن اعتقاد ذلك في تلك الحضرة المقدسة وعلى الاحتمال الأخير خبر أجري مجرى الطلب، وقد وردت هذه الصيغة نهيا في مواضع من التنزيل كقوله تعالى: ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى [الأنفال: ٦٧] ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ [التوبة: ١١٣] وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ [الأحزاب: ٥٣] وكذا للامتناع العقلي كقوله تعالى: ما كانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ [مريم: ٣٥] وما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها [النمل: ٦٠] وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب- أن يغل- على صيغة البناء للمفعول، وفي توجيهها ثلاثة أوجه، أحدها أن يكون ماضيه أغللته أي نسبته إلى الغلول كما تقول أكفرته أي نسبته إلى الكفر قال الكميت:
وطائفة قد «أكفرتني» بحبكم ... وطائفة قالت مسيء ومذنب
والمعنى ما صح لنبي أن ينسبه أحد إلى الغلول، وثانيها أن يكون من أغللته إذا وجدته غالا كقولهم أحمدته وأبخلته وأجبنته بمعنى وجدته كذلك والمعنى ما صح لنبي أن يوجد غالا، وثالثها أنه من غل إلى أن المعنى ما كان لنبي أن يغله غيره أي يخونه ويسرق من غنيمته، ولعل تخصيص النبي بذلك وإن كان لا يجوز أن يغل غيره من إمام أو أمير إما لعظم خيانته أو لأنه القائم بأمر الغنائم فإذا حرمت الخيانة عليه وهو صاحب الأمر فحرمتها على غيره أولى كذا قيل، وأنت تعلم أنه لا حاجة إلى توجيه التخصيص بما ذكر بعد الالتفات إلى سبب النزول والنظر إلى ما سيأتي بعد.
ومن الناس من زعم أن الآية نزلت في أداء الوحي قال: كان رسول الله ﷺ يقرأ القرآن وفيه عيب دينهم وسب آلهتهم فسألوه أن يطوي ذلك فأنزل الله تعالى الآية، ولا يخفى أنه بعيد جدا- ولا أدري كيف سند هذه الرواية- ولا أظن الخبر إلا موضوعا، ويزيده بعدا بل لا يكاد يجوزه قوله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ وهو جملة
стр. 877
شرطية مستأنفة لا محل لها من الإعراب، وما- موصولة والعائد محذوف أي بالذي غله، وجوز أن تكون حالا ويكون التقدير في حال علم الغال بعقوبة الغلول، وظاهر الآثار يدل على أن الإتيان على ظاهره،
فقد أخرج الشيخان والبيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: «قام فينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوما فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: ألا لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله تعالى شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع تخفق فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك من الله شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت فيقول: يا رسول الله أغثني فأقول: لا أملك لك من الله تعالى شيئا قد أبلغتك»
والأخبار بهذا المعنى كثيرة ولعل السر في ذلك أن يفضح به على رؤوس الأشهاد زيادة في عقوبته، وإلى هذا ذهب الجبائي، ولا مانع من ذلك عقلا.
والاستبعاد غير مفيد وقد وقع ما يشعر بالاستبعاد قديما فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي هريرة أن رجلا قال له:
أرأيت قول الله تعالى: وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ هذا يغل ألف درهم وألفي درهم يأتي بها أرأيت من يغل مائة بعير أو مائتي بعير كيف يصنع بها؟! قال: أرأيت من كان ضرسه مثل أحد وفخذه مثل ورقان وساقه مثل بيضاء ومجلسه ما بين الربذة إلى المدينة ألا يحمل مثل هذا، وورد في بعض الأخبار أن الإتيان بالغلول من النار فحينئذ يكون في الآية حذف أي يأت بما غل من النار،
فقد أخرج ابن مردويه والبيهقي عن بريدة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الحجر ليزن سبع خلفات فيلقى في جهنم فيهوي فيها سبعين خريفا ويؤتى بالغلول فيلقى معه ثم يكلف صاحبه أن يأتي به وهو قول الله : وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ.
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: لو كنت مستحلا من الغلول القليل لاستحللت منه الكثير ما من أحد يغل إلا كلف أن يأتي به من أسفل درك جهنم، وقيل: الإتيان به مجاز عن الإتيان بإثمه تعبيرا بما عمل عما لزمه من الإثم أي يأت بما احتمل من وباله وإثمه- واختاره البلخي- وقال: يجوز أن يكون ما تضمنته الأخبار جاء على وجه المثل كأن الله تعالى إذ فضح الغال وعاقبه العقوبة الشديدة جرى مجرى أن يكون آتيا به وحاملا له وله صوت، ولا يخفى أن جواب أبي هريرة للرجل يأبى هذا التأويل.
وقيل: إن المعاني تظهر في صور جسمانية يوم القيامة كما يؤذن بذلك خبر مجيء الموت في صورة كبش وتلقي القرآن صاحبه في صورة الرجل الشاحب حين ينشق عنه القبر إلى غير ذلك.
وقد ذكر غير واحد أنه لا يبعد ظهور الأعمال من الطاعات والمعاصي بصور تناسبها فحينئذ يمكن أن يقال: إن معصية كل غال تظهر يوم القيامة في صورة غلوله فيأتي بها هناك، وعليه تكون الأخبار على ظاهرها من غير حاجة إلى ارتكاب التمثيل، وجواب أبي هريرة لا يأباه، وإلقاؤه في النار أيضا غير مشكل وأهل الظاهر لعلهم يقولون: إنه يلقى من غير تعذيب، وبتقديره لا محذور أيضا فيه لأن الله تعالى لا يجب عليه شيء،
وقد ورد في بعض الأخبار أنه تعالى يخلق خلقا حين قول جهنم: هَلْ مِنْ مَزِيدٍ [ق: ٣٠] فيضعهم فيها
ومع هذا وتسليم صحة الخبر لا بد من القول باستثناء بعض الغلول عن الإلقاء إذ قد يكون الغلول مصحفا ولا أظن أحدا يتجاسر على القول بإلقائه ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ أي تعطى كل نفس مكلفة جزاء ما عملت من خير أو شر تاما وافيا، ففي الكلام مضاف محذوف أو أنه أقيم المكسوب مقام جزائه، وفي تعليق التوفية بكل مكسوب مع أن المقصود بيان حال الغال عند إتيانه بما غل يوم
стр. 878
القيامة من الدلالة على فخامة شأن اليوم والمبالغة في بيان فظاعة حال الغال ما لا يخفى فإنه إذا كان كل كاسب مجزيا بعمله لا ينقص منه شىء وإن كان جرمه في غاية القلة والحقارة، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى، وهذا سبب العدول عما يقتضيه الظاهر من نحو ثم يوفى ما كسب لأنه اللائق بما قبله وقيل: يحتمل أن يكون المراد ثم توفى منه كل نفس لها حق في تلك الغنيمة ما كسبت من نقصان حقها من غله فحينئذ يكون النظم على مقتضى الظاهر وكلمة ثُمَّ للتفاوت بين حمله ما غل وبين جزائه، أو للتراخي الزماني أي بعد حمله ما غله بمدة مديدة وجعله منتظرا فيما بين الناس مفتضحا حاملا ما غله توفى منه كل نفس، ولا يخفى أن مثل هذا الاحتمال مما يصان عنه كلام الملك المتعال، فالحق الذي لا ينبغي العدول عنه هو القول الأول المتضمن لنكتة العدول وأمر ثُمَّ عليه ظاهر سواء جعلت للتراخي الزماني، أو التراخي الرتبي.
أما الأول فلأن الإتيان بما غل عند قيامه من القبر على ما هو الظاهر والجزاء بعد ذلك بكثير.
وأما الثاني فلأن جزاء الغال وعقوبته أشدّ فظاعة من حمل ما غله والفضيحة به بل لا يبعد أن يكون ذلك الحمل كالعلاوة على الحمل بل يكاد أن يكون نعيما بالنسبة إلى ما يلقى بعد، والجملة على كل تقدير معطوفة على الجملة الشرطية وَهُمْ أي كل الناس المدلول عليهم بكل نفس لا يُظْلَمُونَ أي لا ينقص بمقتضى الحكمة والعدل ثواب مطيعهم ولا يزاد عقاب عاصيهم أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ أي سعى في تحصيله وانتحى نحوه كَمَنْ باءَ أي رجع بِسَخَطٍ أي غضب عظيم جدا وهو بفتحتين مصدر قياسي، ويقال: بضم فسكون وهو غير مقيس والجار متعلق بالفعل قبله، وجوز أن يكون حالا فيتعلق بمحذوف أي رجع مصاحبا لسخط. مِنَ اللَّهِ أي كائن منه تعالى.
وفي المراد من الآية أقوال: أحدها أن المعنى أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ تعالى في العمل بالطاعة كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ منه سبحانه في العمل بالمعصية- وهو المروي عن ابن إسحاق- ثانيها أن معناه أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ في ترك الغلول كالنبي ومن يسير بسيرته كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ تعالى بفعل الغلول، وروي ذلك عن الحسن والضحاك واختاره الطبري لأنه أوفق بالمقام، ثالثها أن المراد أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ تعالى بالجهاد في سبيله كَمَنْ باءَ بِسَخَطٍ منه ﷻ في الفرار عنه، ونقل ذلك عن الجبائي والزجاج، قيل: وهو المطابق لما
حكي في سبب النزول أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما أمر بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين واتبعه المؤمنون فأنزل الله تعالى هذه الآية-
وفيه بعد- وإظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار لما مر غير مرة وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ أي مصيره ذلك، وفي الجملة احتمالان، الأول أن تكون مستأنفة مسوقة لبيان حال من باء بسخط ويفهم من مقابله أن من اتبع الرضوان كان مأواه الجنة ولم يذكر ذلك ليكون أبلغ في الزجر، وقيل: لم يذكر مع الرضوان الجنة لأن رضوان الله تعالى أكبر وهو مستلزم لكل نعيم وكون السخط مستلزما لكل عقاب فيقتضي أن تذكر معه جهنم في حيز المنع لسبق الجمال الجلال فافهم، والثاني أنها داخلة في حيز الموصول فتكون معطوفة على باءَ بِسَخَطٍ عطف الصلة الاسمية على الصلة الفعلية، وعلى كلا الاحتمالين لا محل لها من الإعراب وَبِئْسَ الْمَصِيرُ إما تذييل، أو اعتراض، أو معطوف على الصلة بتقدير، ويقال: في حقهم ذلك، وأيّا ما كان فالمخصوص بالذم محذوف أي جهنم، والْمَصِيرُ اسم مكان، ويحتمل المصدرية وفرقوا بينه وبين المرجع بأن المصير يقتضي مخالفة ما صار إليه من جهنم لما كان عليه في الدنيا لأن الصيرورة تقتضي الانتقال من حال إلى حال أخرى كصار الطين خزفا، والمرجع انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها كقولك: مرجع ابن آدم إلى التراب، وأما قولهم مرجع
стр. 879
العباد إلى الله تعالى فباعتبار أنهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لأنفسهم شيئا كما كان قبل ما ملكوا هُمْ عائد على الموصولين باعتبار المعنى وهو مبتدأ، وقوله تعالى: دَرَجاتٌ خبره والمراد هم متفاوتون إطلاقا للملزوم على اللازم، أو شبههم بالدرج في تفاوتهم علوا وسفلا على سبيل الاستعارة أو جعلهم نفس الدرجات مبالغة في التفاوت فيكون تشبيها بليغا بحذف الأداة، وقيل: إن الكلام على حذف مضاف ولا تشبيه أي هُمْ ذوو درجات أي منازل، أو أحوال متفاوتة، وهذا معنى قول مجاهد والسدي: لهم درجات، وذهب بعضهم أن في الآية حينئذ تغليب الدرجات على الدركات إذ الأول للأول، والثاني للثاني عِنْدَ اللَّهِ أي في علمه وحكمه، والظرف متعلق بدرجات على المعنى، أو بمحذوف وقع صفة لها.
وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ من الأعمال ودرجاتها فيجازيهم بحسبها- والبصير- كما قال حجة الإسلام هو الذي يشاهد ويرى حتى لا يعزب عنه ما تحت الثرى وإبصاره أيضا منزه عن أن يكون بحدقة وأجفان، ومقدس عن أن يرجع إلى انطباع الصور والألوان في ذاته كما ينطبع في حدقة الإنسان، فإن ذلك من التغيير والتأثر المقتضي للحدثان وإذا نزه عن ذلك كان البصر في حقه تعالى عبارة عن الصفة التي ينكشف بها كمال نعوت المبصرات وذلك أوضح وأجلى مما نفهمه من إدراك البصر القاصر على ظواهر المرئيات انتهى، ويفهم منه أن البصر صفة زائدة على العلم- وهو الذي ذهب إليه الجمهور منا، ومن المعتزلة والكرامية قالوا: لأنا إذا علمنا شيئا علما جليا ثم أبصرناه نجد فرقا بين الحالتين بالبديهة، وإن في الحالة الثانية حالة زائدة هي الإبصار.
وقال الفلاسفة والكعبي وأبو الحسين البصري والغزالي عند بعض وادعى أن كلامه هذا مشير إليه أن بصره تعالى عبارة عن علمه تعالى بالمبصرات، ومثل هذا الخلاف في السمع، والحق أنهما زائدان على صفة العلم وأنهما لا يكيفان ولا يحدّان والإقرار بهما واجب كما وصف بهما سبحانه نفسه، وإلى ذلك ذهب السلف الصالح وإليه ينشرح الصدر لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ أي أنعم وتفضل، وأصل المنّ القطع وسميت النعمة منة لأنه يقطع بها عن البلية وكذا الاعتداد بالصنيعة منا لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها، والجملة جواب قسم محذوف أي والله لقد منّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي من قومه أو من العرب مطلقا أو من الأنس- وخير الثلاثة الوسط- وإليه ذهبت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقد أخرج البيهقي وغيره عنها أنها قالت هذه للعرب خاصة- والأول خير من الثالث- وأيّا ما كان فالمراد بهم على ما قال الأجهوري: المؤمنون من هؤلاء في علم الله تعالى أو الذين آل أمرهم إلى الإيمان إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ أي بينهم رَسُولًا عظيم القدر جليل الشأن مِنْ أَنْفُسِهِمْ أي من نسبهم، أو من جنسهم عربيا مثلهم أو من بني آدم لا ملكا ولا جنيا وإِذْ ظرف- لمن- وهو وإن كان بمعنى الوقت لكن وقع في معرض التعليل كما نص عليه معظم المحققين، والجار إما متعلق ب «بعث» أو بمحذوف وقع صفة- لرسولا- والامتنان بذلك إما لحصول الأنس بكونه من الإنس فيسهل التلقي منه وتزول الوحشة والنفرة الطبيعية التي بين الجنسين المختلفين، وإما ليفهموا كلامه بسهولة ويفتخروا على سائر أصناف نوع بني آدم، وإما ليفهموا ويفتخروا ويكونوا واقفين على أحواله في الصدق والأمانة فيكون ذلك أقرب إلى تصديقه والوثوق به صلى الله تعالى عليه وسلم، وتخصيص المؤمنين بالامتنان مع عموم نعمة البعثة كما يدل عليه قوله تعالى: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] لمزيد انتفاعهم على اختلاف الأقوال فيهم بها، ونظير ذلك قوله تعالى: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢] وقرئ- «لمن منّ الله» - بمن الجارة ومنّ المشددة النون على أنه خبر لمبتدأ محذوف مثل منه أو بعثه وحذف لقيام الدلالة، وجوز الزمخشري أن تكون إذ في محل الرفع كإذا في قولك: أخطب ما يكون الأمير إذا كان قائما بمعنى لمن منّ الله تعالى على المؤمنين وقت
стр. 880
بعثه، ولا يخفى عليك أن هذا يقتضي أن تكون إِذْ مبتدأ والجار والمجرور خبرا «وقد اعترض ذلك» بأنه لم يعلم أن أحدا من النحويين قال بوقوع إِذْ كذلك، وما في المثال إذا لا إذ، وهي أيضا فيه ليست مبتدأ أصلا، وإنما جوزوا فيها وجهين: النصب على أن الخبر محذوف وهي سادّة مسدّه. والرفع على أنها هي الخبر، وعلى الأول يكون الكلام من باب جد جده لأن الأمير أخطب في حال القيام لا كونه، وعلى الثاني من باب نهاره صائم والوجه الأول هو المشهور، وجوز الثاني عبد القاهر تمسكا بقول بعضهم: أخطب ما يكون الأمير يوم الجمعة بالرفع فكأن الزمخشري قاس إذ على إذا والمبتدأ على الخبر.
وانتصر بعضهم للزمخشري، بأنه قد صرح جماعة من محققي النحاة بخروج إذ عن الظرفية فتكون مفعولا به، وبدلا من المفعول وهذا في قوة تصريحهم بوقوعها مبتدأ وخبرا مثلا إذ هو قول بتصرفها، ومتى قيل به كانت جميع الأحوال مستوية في جواز الإقدام عليها من غير تفرقة بين حال وحال إلا لمانع يمنع من ذلك الحال فيها وفي غيرها من سائر الأسماء وهو أمر آخر وراء ما نحن فيه، نعم حكى الشلوبين في شرح الجزولية عن بعضهم أن مأخذ التصرف في الظروف هو السماع فإن كان هذا حكم أصل التصرف فقط دون أنواعه ارتفع الغبار عما قاله الزمخشري بناء على ما ذكرنا بلا خفاء وإن كان حكم الأنواع أيضا كذلك فلا يقدم على الفاعلية بمجرد ثبوت المفعولية ولا على الابتدائية بمجرد ثبوت الخبرية مثلا إلا بورود سماع في ذلك، ففي صحة كلام الزمخشري تردد بيّن لأن مجرد تصريحهم حينئذ بوقوع إِذْ مفعولا وبدلا وبوقوع إذا خبرا مثلا لا يجدي نفعا لجواز ورود السماع بذلك دون غيره كما لا يخفى، وفي قراءة رسول الله وفاطمة صلى الله تعالى عليه وعليها وسلم مِنْ أَنْفُسِهِمْ بفتح الفاء أي من أشرفهم لأنه ﷺ من أشرف القبائل وبطونها وهو أمر معلوم غني عن البيان ينبغي اعتقاده لكل مؤمن.
وقد سئل الشيخ ولي الدين العراقي هل العلم بكونه ﷺ بشرا ومن العرب شرط في صحة الإيمان أو من فروض الكفاية؟ فأجاب بأنه شرط في صحة الإيمان، ثم قال: فلو قال شخص: أو من برسالة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم إلى جميع الخلق لكن لا أدري هل هو من البشر أو من الملائكة أو من الجن، أولا أدري هل هو من العرب أو العجم؟ فلا شك في كفره لتكذيبه القرآن وجحده ما تلقته قرون الإسلام خلفا عن سلف وصار معلوما بالضرورة عند الخاص والعام- ولا أعلم في ذلك خلافا- فلو كان غبيا لا يعرف ذلك وجب تعليمه إياه فإن جحده بعد ذلك حكمنا بكفره انتهى، وهل يقاس اعتقاد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم من أشرف القبائل والبطون على ذلك فيجب ذلك في صحة الإسلام أو لا يقاس فحينئذ يصح إيمان من لم يعرف ذلك لكنه منزه تلك الساحة العلية عن كل وصمة؟ فيه تأمل، والظاهر الثاني وهو الأوفق بعوام المؤمنين.
يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ إما صفة أو حال أو مستأنفة وفيه بعد أي يتلو عليهم ما يوحى إليه من القرآن بعد ما كانوا أهل جاهلية لم يطرق أسماعهم شيء من الوحي أو بعد ما كان بعضهم كذلك وبعضهم متشوفا متشوقا إليه حيث أخبر كتابه الذي بيده بنزوله وبشر به وَيُزَكِّيهِمْ أي يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين طاهرين مما كان فيهم من دنس الجاهلية، أو من خبائث الاعتقادات الفاسدة كالاعتقادات التي كان عليها مشركو العرب وأهل الكتابين، أو يشهد بأنهم أزكياء في الدين، أو يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها قاله الفراء- ولا يخفى بعده ومثله القريب إليه وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ قد تقدم الكلام في ذلك.
وهذا التعليم معطوف على ما قبله مترتب على التلاوة وإنما وسط بينهما التزكية التي هي عبارة عن تكميل النفس بحسب القوة العملية وتهذيبها المتفرع على تكميلها بحسب القوة النظرية الحاصل بالتعليم المترتب على التلاوة
следующие страницы →